النص المفهرس

صفحات 21-40

٢١
تتمة كتاب الصوم/ باب صيام التطوع
وجوبه، يجاب عنه بأن الأحاديث صحت بصومها من غير معارض فلم يلتفت مع
ذلك لمن كرهها، وتعليله تقرر رده ومما يرده، إنا لو نظرنا لذلك لا مطلبًا كثيرًا من
السنن المشهورة.
٢٠٤٨ - [وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﴾ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ وَ عَنْ صَوْمٍ يَوْمِ
الْفِطْرِ وَالنَّحْرِ (١). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ].
(وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ بَ﴾ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ وَ عَنْ صَوْمٍ يَوْمِ الْفِظْرِ
وَالنَّحْرِ. مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ) وهذا النهي للتحريم باتفاق العلماء، وللفساد كما هو الأصل في
النهي، وحكمته أن فيه إعراضًا عن ضيافة الله لخلقه في هذين اليومين كما أشعر به
تسميتها بالعيدين، والأول بيوم الفطر، والثاني بيوم النحر؛ إذ كل من العيد والفطر
والنحر منافٍ للصوم من حيث ذاته، وبهذا يتضح كون النهي هنا للفساد لما تقرر أنه
الأمر ذاتي لا عرضي ومن ثَمَّ قال: لذا ندب عندنا، خلافًا لمن قال: يصح ويلزمه صوم
یوم بدله.
قال بعض أصحابنا: ولا يتخلص الإنسان عن هذا النهي إلا باستعمال مفطر
في ذينك اليومين، فلو أمسك أحدهما بلا نية صوم أثم نظرًا إلى صورة الصوم، وليس
كما قال؛ لأنه لا أثر لوجود صورة بلا معنى، كيف وهو محكوم عليه بأنه مفطر، وقد
تقرر في الأصول أن لفظه ◌َ ل﴿ إنما يحمل على عُرفه دون عرف غيره؟ فحينئذٍ لا يتناول
لفظه الممسك بلا نية.
٢٠٤٩ - [وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَهَ: لَا صَوْمَ فِي يَوْمَيْنِ الْفِطْرِ وَالأَضْحَى(٢).
مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ].
(وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وََّ: لَا صَوْمَ فِي يَوْمَيْنِ الْفِطْرِ وَالأَضْحَى. مُتَّفَقُّ
عَلَيْهِ) فائدة ذكر هذا مع الذي قبله بيان أن أبا سعيد عبر عن يمينه كل﴾ بعبارتين،
(١) أخرجه البخاري (١٩٩١)، وأحمد (١٢١٢٤)، وابن ماجه (١٧٩٢).
(٢) أخرجه البخاري (١١٩٧)، ومسلم (٢٧٢٩)، وأحمد (١١٧٩٤).

٢٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السابع
إحداهما بالمعنى، وهي الأولى، والثانية باللفظ وهي الثانية.
٢٠٥٠ - [وَعَنْ نُبَيْشَةَ الْهُذَلِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: أَيَّامُ التَّشْرِيقِ أَيَّامُ أَكْلٍ
وَشُرْبٍ وذِكْرِ اللهِ(١). رَوَاهُ مُسْلِمٌ].
(وَعَنْ نُبَيْشَةَ الْهُذَلِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: أَيَّامُ التَّشْرِيقِ) وهي ثلاثة أيام
بعد يوم النحر سميت بذلك؛ لأنهم كانوا يشرقون؛ أي: يقددون فيها لحوم الأضاحي
بِمِنَّى لتجف (أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وذِكْرِ الله. رَوَاهُ مُسْلِمٌ) ثم ختم بالذكر؛ لئلا يتوهم من
إضافتها للأولين، وكون الناس فيها أضياف الله تعالى أنها أيام لهو ولعب، فعظمهم عن
ذلك بمنعهم من استرسالهم في شهواتهم وإيقاظهم إلى أنهم إنما خلقوا لعبادة الله ودوام
ذكره، وأخذ العلماء من هذا أنه لا يجوز صومها لغير الممتنع الفاقد للهدى وهذا
باتفاق منهم، وأما الممتنع المذكور فمعتمد مذهبنا أنه كذلك فيحرم صومه ولا يصح،
وللشافعي ضه قول: أنه يصح واختاره غير واحد من أتباعه لصحة الحديث فيه.
٢٠٥١ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَهُ: لَا يَصُومُ أَحَدُكُمْ يَوْمَ
الْجُمُعَةِ إِلَّا أَنْ يَصُومَ قَبْلَهُ أَوْ يَصُومَ بَعْدَهُ(٢). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ].
(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةٍ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَُّ: لَا يَصُومُ) خبر بمعنى النهي
(أَحَدُكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ إِلَّا أَنْ يَصُومَ قَبْلَهُ أَوْ يَصُومَ بَعْدَهُ) (٣) أي: بحيث لا يفصل بين
(١) أخرجه مسلم (١١٤١) وأحمد (٢٠٧٤١) والنَّسَائِيّ في ((الكبرى)) (٤١٨٢) والبيهقي (٨٢٤٣)
والديلمي (١٦٧٧).
(٢) أخرجه البخاري (١٨٨٤)، ومسلم (١١٤٤)، وأبو داود (٢٤٢٠)، والترمذي (٧٤٣) وابن ماجه
(١٧٢٣)، وابن أبي شيبة (٩٢٤٠)، والنَّسَائِيّ في ((الكبرى)) (٢٧٥٧).
(٣) أي: يومًا كما في رواية النسائي وللبخاري إلا يومًا قبله أو بعده، أي إلا أن يصوم يومًا قبله، أو
يصوم يوماً بعده، وللإسماعيلي إلا أن تصوموا يومًا قبله أو بعده و"أو" لمنع الخلو، والمعنى أنه
يكفي صوم أحدهما ولو صامهما جاز أيضًا والحديث دليل على تحريم النفل بصوم يوم الجمعة
منفردًا، وعلى جواز صوم يومها لمن صام قبله أو بعده، فلو أفرده بالصوم وجب فطره كما يفيده
ما أخرجه أحمد وأبو داود من حديث جويرية أن النبي * دخل عليها في يوم جمعة وهي
صائمة. فقال لها: أصمت أمس؟ قالت: لا، قال: تصومين غدا؟ قالت: لا، قال: فأفطري، والأصل
=

٢٣
تتمة كتاب الصوم/ باب صيام التطوع
الجمعة، والذي قبله أو بعده فاصل (مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ).
٢٠٥٢ - [وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّةِ: لَا تَّخُصُّوا لَيْلَةِ الْجُمْعَةِ بِقِيَامٍ مِنْ بَيْن
في الأمر الوجوب، والرواية تدل على جواز صومه لمن اتفق وقوعه في أيام له عادة بصومها كمن
يصوم أيام البيض، أو من له عادة بصوم يوم معين كيوم عرفة فوافق يوم الجمعة أو له عادة
بصوم يوم وفطر يوم فوافق صومه يوم الجمعة. واختلف الأئمة في إفراد يوم الجمعة بالصيام
فذهب ابن حزم إلى تحريمه لظواهر الأحاديث الواردة في النهي عن تخصيصه بالصوم، ونقله
أبو الطيب الطبري عن أحمد وابن المنذر وبعض الشافعية وكأنه أخذه من قول ابن المنذر ثبت
النهي عن صوم يوم الجمعة كما ثبت عن صوم يوم العيد وزاد يوم الجمعة الأمر بفطر من أراد
أفراده بالصوم، فهذا يشعر بأنه يرى بتحريمه. ونقل ابن المنذر وابن حزم منع صومه عن علي
وأبي هريرة وسلمان وأبي ذر. قال ابن حزم: لا نعلم لهم مخالفاً من الصحابة. وذهب الجمهور
ومنهم الشافعي وأحمد وأبويوسف وبعض الحنفية إلى أن النهي فيها للتنزيه. وقال مالك وأبو
حنيفة ومحمد: بالإباحة مطلقاً من غير كراهة، ذكره العيني وابن قدامة والحافظ وابن الهمام.
قال مالك: لم أسمع أحداً من أهل العلم والفقه، ومن يقتدي به نهي عن صيام يوم الجمعة
وصيامه حسن، وقد رأيت بعض أهل العلم يصومه وأراه كان يتحراه. قال النووي: السنة
مقدمة على ما رآه مالك وغيره، وقد ثبت النهي عن صوم يوم الجمعة فيتعين القول به، ومالك
معذور. فإنه لم يبلغه، قال الداودي من أصحاب مالك: لم يبلغ مالكاً هذا الحديث ولو بلغه لم
يخالفه - انتهى. قلت: ونص فروع المالكية كالشرح الكبير للدردير وغيره أنه یندب إفراد يوم
الجمعة بالصوم، وبه قال عامة الحنفية. وقال بعضهم: بالكراهة كما في البدايع والنهر والبحر
والدر المختار وحاشية رد المختار. قال عبدالوهاب المالكي: يوم الجمعة يوم لا يكره صومه مع
غيره فلا يكره وحده، وردّ بأن هذا قياس فاسد الاعتبار لأنه منصوب في مقابلة النصوص
الصحيحة. قال الحافظ والمشهور عند الشافعية وجهان أحدهما ونقله المزني عن الشافعي أنه لا
يكره إلا لمن أضعفه صومه عن العبادة التي تقع فيه من الصلاة والدعاء والذكر. قلت: وإليه
ذهب البيهقي والماوردي وابن الصباغ والعمراني. والثاني وهو الذي صححه المتأخرون كقول
الجمهور. قلت: وبه جزم الرافعي والنووي في الروضة. وقال في شرح مسلم: أنه قال به جمهور
أصحاب الشافعي وممن صححه من المالكية ابن العربي؛ إذ قال وبكراهته بقول الشافعي وهو
الصحيح. واستدل لمن قال بندبه عما سيأتي من حديث ابن مسعود، وفيه قلما كان يفطر يوم
الجمعة، وبما رواه ابن أبي شيبة من حديث ابن عمر قال: ما رأيت رسول الله والله مفطراً يوم
الجمعة قط. [١٥٠/٧].

٢٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السابع
اللَّيَالِي، وَلَا تَخُصُوا يَوْمِ الْجُمْعَة بِصِيَامٍ مِنْ بَيْنِ الْأَيَّامِ، إِلَّا أَنْ يَكُون فِي صَوْمٍ يَصُومُهُ
أَحَدُكُمْ(١). رَوَاهُ مُسْلِمُ].
(وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وََّ: لَا تَخُصُّوا لَيْلَةِ الْجُمْعَةِ بِقِيَامٍ) أي: صلاة (مِنْ
بَيْنِ اللَّيَالِي، وَلَا تَخُصُوا يَوْمِ الْجُمْعَة) مفعول به نحو قوله تعالى: ﴿يَخَافُونَ يَوْمًا﴾ [النور:
٣٧] فاختص هنا متعدٍّ لخص كما هو المشهور فيه بخلافه إذا كان مطاوع خص فإنه
لازم كخصصته بكذا فاختص به (بِصِيَامٍ مِنْ بَيْنِ الْأَيَّامِ، إِلَّا أَنْ يَكُون فِي صَوْم
يَصُومُهُ أَحَدُكُمْ) أي: إلا أن يوافق يوم الجمعة عادة صوم أحدكم فلا يكره حينئذٍ
صومه، فالتقدير إلا أن يكون يوم الجمعة مندرجًا في جملة أيام صوم أحدكم التي
اعتادها (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) واستفيد منه كالذي قبله ما هو معتمد مذهبنا أنه يكره، وقيل
يحرم كما هو الأصل في النهي.
وقد صرح به خبر مسلم أيضًا: إن جابرًا سئل أنهى النبي ◌َّ عن صوم يوم
الجمعة قال: نعم ورب الكعبة إفراد يوم الجمعة بصوم إلا أن يصله بما قبله أو بما
بعده، أو يوافق عادة له كأن اعتاد صوم يوم وفطر يوم فوافق يوم الجمعة يوم صومه، أو
يصومه عن فرض کالعادة بل أولى.
وللخبر الصحيح: ((لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم))(٤) ومثل
ذلك ما لو وافق يوم نحو عرفة أو عاشوراء مما طلب صومه بخصوصه، وعلة الكراهة أنه
يوم عيد وطعام فلا يناسبه الصوم، للخبر الصحيح بذلك وهو قوله وَلي: (يوم الجمعة
يوم عيد؛ فلا تجعلوا يوم عيدكم يوم صيامكم إلا أن تصوموا قبله أو بعده)(٣)
(١) أخرجه مسلم (٢٧٤٠) وابن خزيمة (١١٧٦) وابن حبان (٣٦١٢) والحاكم (١١٧٢) والبيهقي
(٨٢٧٣).
(٢) أخرجه أحمد (١٧٧٢٢)، وعبد بن حميد (٥٠٨)، وابن حبان (٣٦١٥)، والضياء (٤٨)، وابن ماجه
(١٧٢٦)، والنسائي (٢٧٥٩)، وأبو نعيم في ((الحلية)) (٢١٨/٥) وقال: غريب من حديث خالد تفرد
به عیسی عن ثور.
(٣) أخرجه أحمد (٨٢٤٦)، والحاكم (١٥٩٥) وقال: صحيح الإسناد. وابن خزيمة (١٩٨٠).

٢٥
تتمة كتاب الصوم/ باب صيام التطوع
وأخرجه الحاكم بلا استثناء قال الذهبي: في سنده مجهول لكن له شاهد في
((الصحیحین)).
وفي حديث ضعيف: ((يوم الجمعة عندنا أهل الإسلام))(١) وأنه يضعف بسبب
صومه عن القيام بالوظائف المطلوبة فيه وأدائها فلا يؤديها بنشاط وانشراح صدر
وتلذذ بها، بل بسآمة وملل.
وقضية العلة الأولى: إنه لا فرق في كراهية بين من يضعف بسببه عن تلك
الوظائف ومن لا وعليه جماعة، وهو قياس صوم عرفة؛ فإنه لا فرق في عدم طلبه بين
من یضعفه به عن الدعاء ومن لا.
وقضية الثانية: اختصاص الكراهة بمن يضعف لسبب صومه عن تلك
الوظائف، وعليه نص الشافعي وصرح به جمع متقدمون، وصححه النووي في بعض
كتبه، وقيل: العلة فيه ألا يبالغ في تعليمه كاليهود في السبت والنصارى في الأحد.
وقيل: ألا يعتقد وجوبه، واستفيد من الحديث أيضًا كراهة تخصيص ليلة
الجمعة بصلاة واحتج به العلماء على كراهة صلاة الرغائب.
قال النووي: قاتل الله واضعها فإنها بدعة منكرة من البدع التي هي ضلالة،
وقد صنف جماعة من الأئمة مصنفات في تقبيحها وتضليل مبتدعها أكثر من أن
تحصر.
٢٠٥٣ - [وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ :﴿ه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: مَنْ صَامَ يَوْمًا فِي
سَبِيلِ الله بَعَّدَهُ اللهُ مِنَ النَّارِ سَبْعِينَ خَرِيفًا(٢). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ].
(وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﴿هَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَهُ: مَنْ صَامَ يَوْمًا فِي
سَبِيلِ الله) المراد به قبل الغزو لجمعه حينئذٍ بين مشقة الصوم ومشقة الغزو، وقيل:
(١) لم أقف عليه، وذكره القاري في المرقاة (٣٨١/٦).
(٢) أخرجه البخاري (٢٦٨٥)، ومسلم (١١٥٣)، والترمذي (١٦٢٣)، وأحمد (١١٥٧٧)، والنَّسَائِيّ
(٢٢٤٥)، وابن ماجه (١٧١٨)، وأبو عوانة (٧٥٤٠)، والبيهقي (٨٢٣٥)، والطيالسي (٢١٨٦).

٢٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السابع
أن يصومه خالصًا لوجه الله، وعبارة ابن دقيق العيد العرف الأكثر أن سبيل الله
الجهاد، ويحتمل أن المراد مطلق الطاعة، وعبر بذلك عن صحة القصد والنية
(بَعَّدَهُ اللهُ مِنَ النَّارِ سَبْعِينَ خَرِيفًا) أي: مسيرة سبعين سنة؛ إذ الخريف وهو الفصل
المعروف لا يكون في السنة إلا مرة واحدة قيل: خص بالذكر دون سائر الفصول؛ لأنه
زمان بلوغ الثمار وحصاد الزرع وحصول سعة العيش. انتهى.
وكان قائل هذا فهم أن المراد من الخريف ما هو مشهور عند العرب وهو فضل
الصيف دون الخريف عند أهل الحساب، وهو ما أوله الميزان؛ لأن هذا ليس منه شيء
من ذلك (مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ) وفيه فضل عظيم في صوم التطوع.
٢٠٥٤ - [وَعَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرِو بْنِ العَاصِ - رَضِي اللهُ عَنْهُمَا - قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللهِ وَُّ: يَا عَبْدَ اللهِ، أَلَمْ أُخْبَرْ أَنَّكَ تَصُومُ النَّهَارَ وَتَقُومُ اللَّيْلَ؟ فَقُلْتُ: بَلَ يَا
رَسُولَ اللهِ، قَالَ: فَلَا تَفْعَلْ، صُمْ وَأَفْطِرْ، وَقُمْ وَنَمْ، فَإِنَّ ◌ِجَسَدِكَ عَلَيْكَ حَقًّا،
وَإِنَّ لِعَيْنِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِزَوْجِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِزَوْرِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، لَا صَامَ مَنْ
صَامَ الدَّهْرَ، صَوْمُ ثَلَاثَةٍ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ صَوْمُ الدَّهْرِ كُلِّهِ، صُمْ كُلَّ شَهْرٍ ثَلَاثَة أَيَّامٍ،
اقْرَإِ الْقُرْآنَ فِي كُلِّ شَهْرٍ، قُلْتُ: إِنِّي أُطِيقُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ: صُمْ أَفْضَلَ الصَّوْمِ
صَوْمٍ دَاوُدَ؛ صِيَامَ يَوْمٍ وَإِفْطَارَ يَوْمٍ، وَاقْرَأْ فِي كُلِّ سَبْعِ لَيَالٍ، وَلَا تَزِدْ عَلَى ذَلِكَ(١). مُتَّفَقُّ
عَلَيْهِ].
ـيـ
(وَعَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرِو بْنِ العَاصِ - رَضِي اللّهُ عَنْهُمَا - قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله
وَّهِ: يَا عَبْدَ اللهِ، أَلَمْ أُخْبَرْ أَنَّكَ تَصُومُ النَّهَارَ وَتَقُومُ اللَّيْلَ؟ فَقُلْتُ: بَلَ يَا رَسُولَ الله)
قال: أفعل ما أخبرت به عني فهو جواب لما فُهم من السياق أن ذلك الفعل هل وقع منه
أولا؛ لا لما أفهمه اللفظ أن الإخبار هل وقع أولا؛ لأنه وقع قطعًا؟ (قَالَ: فَلَا تَفْعَلْ،
صُمْ وَأَفْطِرْ، وَقُمْ وَنَمْ) ليتقوى بالفطر والنوم على الصيام والقيام؛ ولذا كان الأفضل
صيام داود، وهو صوم ويوم وفطر يوم، وقيامه وهو يوم نصف الليل، ثم قيام ثلثه، ثم
(١) أخرجه بنحوه البخاري (٥٠٥٢)، ومسلم (٢٧٩٣)، وأحمد (٦٩٣٦)، والنَّسَائِيّ (٢٤١٥).

٢٧
تتمة كتاب الصوم/ باب صيام التطوع
نوم سدسه؛ لأن فيهما حفظ الصحة وتوفير النشاط للقيام بالعبادات والحقوق ورعاية
دینك أهم وأولى.
ومن ثم علل وَلّ لابن عمرو نهيه له عن إدامة صوم النهار وقيامه بالليل (فَإِنَّ
لِجَسَدِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِعَيْنِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِزَوْجِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِزَوْرِكَ)
جمع: زائر، كركب وراكب (عَلَيْكَ حَقًّا، لَا صَامَ مَنْ صَامَ الدَّهْرَ) سبق الكلام عليه
مستوفى مما يعلم منه بعدما قيل: يحتمل أنه خبر بمعنى أن من أدمن الصوم يألفه فلا
تبقى عليه مشقة صوم فكأنه لم يصم، ووجه بعده أن السياق اقتضى نهيه عن صوم
الدهر؛ لأنه يمنعه من القيام بما عليه من الحقوق (صَوْمُ ثَلَاثَةٍ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ صَوْمُ
الدَّهْرِ كُلُّهِ) أي: كثواب صوم جميعه فلا تضعف كما مر (صُمْ كُلِّ شَهْرٍ) أي: في كل
شهر (ثَلَاثَة أَيَّامٍ) أي: ليحصل لك صوم الدهر من غير كبير تعب.
(اقْرَإِ الْقُرْآنَ فِي كُلِّ شَهْرٍ) أي: مرة (قُلْتُ: إِنِّي أُطِيقُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ) أي: من
صوم ثلاثة وقراءة القرآن مرة في كل شهر (قَالَ: صُمْ أَفْضَلَ الصَّوْمِ صَوْمٍ دَاوُدَ؛ صِيَامَ
يَوْمٍ وَإِفْطَارَ يَوْمٍ، وَاقْرَأْ) القرآن (فِي كُلِّ سَبْعِ لَيَالٍ، وَلَا تَزِدْ عَلَى ذَلِكَ مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ).
(الفصل الثاني)
٢٠٥٥ - [عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللّهِ وَلِ يَصُومُ
الإِثْنَيْنِ وَالْخَمِيسَ(١). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ].
(عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَِّ يَصُومُ الإِثْنَيْنِ
وَالْخَمِيسَ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) وحسَّنه (وَالنَّسَائِيُّ).
٢٠٥٦ - [وعَنْ أَّبِي هُرَيْرَة ﴿ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَيَ: تُعْرَضُ الأَعْمَالُ يَوْمَ
الإِثْنَيْنِ وَالْخَمِيسِ، وأُحِبُّ أَنْ يُعْرَضَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمُ(٥). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ].
(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةٍ عَّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهُ: تُعْرَضُ الأَعْمَالُ يَوْمَ الإِثْنَيْنِ
(١) أخرجه الترمذي (٧٥٠)، والنسائي (٢٣٦١).
(٢) أخرجه الترمذي (٧٥٢).

٢٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السابع
وَالْخُمِيسِ، وَأُحِبُّ أَنْ يُعْرَضَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمُ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) وحسنه.
وفي حديث مسلم: ((تعرض أعمال الناس في كل جمعة مرتين: يوم الإثنين ويوم
الخميس ضعف لكل مؤمن، إلا عبدًا بينه وبين أخيه شحناء، فقال: انظروا حتى
يصطلحا))(١) والمراد عرضها على الله تعالى، وأما رفع الملائكة لها فإنه بالليل مرة
وبالنهار مرة، ولا ينافي هذا رفعها في شعبان كما في خبر (مسند أحمد)) أنه وَل+ سئل
عن إكثاره؛ أي: صوم في شعبان فقال: ((إنه شهر ترفع فيه الأعمال وأحب أن يرفع
عملي وأنا صائم))(٤) لجواز رفع أعمال الأسبوع مفصلة وأعمال العام جملة، وأخذ أئمتنا
من هذه الأحاديث أنه يتأكد صومهما دائمًا.
وقول الحليمي من أئمتنا: يكره اعتياد صوم بعينه كالإثنين والخميس غريب
ضعيف لا يعول عليه، ومن زعم أن ظاهر السنة يؤيد ما قاله؛ لأنه لم ينقل أنه وله
كان يواظب عليهما فقد وهم؛ لأن كان في الحديث الأول تدل عرفًا على الدوام
والاستمرار، ومما يصرح به ما في رواية: ((إنه ◌َل﴾ كان يتحرى صومهما))(٣) نعم كان
يفرض له أعذار فيفطرهما وذلك لا يمنع الديمومة العرفية، وبفرض عدم مواظبته
كيف يظن من له أدنى مسكة بأن عدم المواظبة على الفعل بعد سبقه منه، وتعليله بما
يقتضي تأكد طلبه، فضلاً عن أصل طلبه يقتضي كراهة الفعل؟
وسمي الإثنين؛ لأنه ثاني الأسبوع، والخميس؛ لأنه خامسه كذا نقله النووي عن
أهل اللغة، وهو مبني على أن أول الأسبوع الأحد، ونقله ابن عطية عن الأكثرين
لكن الذي عليه أئمتنا في باب النذر أن أوله السبت، وقال السهيلي: إنه الصواب،
وقول العلماء كافة. انتهى.
فعليه توجه تسميتهما بذلك بنظير ما لحظه ابن عباس في قوله: ((إن عاشوراء هو
تاسع المحرم)) على ما مر فيه.
٢٠٥٧ - [وَعَنْ أَبِي ذَرِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَهُ: يَا أَبَا ذَرٍّ، إِذَا صُمْتَ مِنَ الشَّهْرِ
(١) أخرجه مسلم (٢٥٦٥)، وابن حبان (٥٦٦٧) قال ابن حبان: هذا في ((الموطأ)) موقوف، ما رفعه
عن مالك إلا ابن وهب.
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة (٩٧٦٥)، والنسائي (٢٣٥٧)، والضياء (١٣٢٠).
(٣) أخرجه أحمد (٢٥٤٨٥) بلفظ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﴿ يَتَحَرَّى صَوْمَ يَوْمِ الإِثْنَيْنِ وَالْخَمِيِ)).

٢٩
تتمة كتاب الصوم/ باب صيام التطوع
ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَصُمْ ثَلَاثَ عَشْرَةَ وَأَرْبَعَ عَشْرَةَ وَخَمْسَ عَشْرَةَ(١). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ].
(وَعَنْ أَبِي ذَرِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَإِنَّ: يَا أَبَا ذَرٍّ، إِذَا صُمْتَ مِنَ الشَّهْرِ ثَلَاثَةَ
أَيَّامِ) أي: عملاً بما عملته مني أن صوم ثلاثة أيام من كل شهر بمنزلة صوم الدهر كله
(فَصُمْ ثَلاثَ عَشْرَةَ وَأَرْبَعَ عَشْرَةَ وَخَمْسَ عَشْرَةَ) أي: فالأفضل أن يجعل تلك الثلاثة
هذه الثلاثة؛ ليحصل سنتان كونها ثلاثاً وكونها البيض كما مرَّ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ)
وحسنه (وَالنَّسَائِيُّ) وصححه ابن حبان.
وفي رواية للنسائي بسند حسن: ((صيام ثلاثة أيام من كل شهر أيام
البيض))(٢).
وفي نسخ: ((وأيام البيض))(٣) والأول أوضح ثالث عشرة ورابع عشرة وخامس
عشرة، ومن عبر بالأيام البيض فقد لحنوه؛ لأن الأيام كلها بيض، وأنها هي أيام البيض؛
أي: الليالي البيض؛ لأن بياض القمر ونوره يعمها، فناسب صيامها شكر الله تعالى على
ذلك، والأحوط صوم الثاني عشر معها لاحتمال نقص الشهر لا لرعاية الخلاف في أنه
أول الثلاثة؛ لأنه مخالف للأحاديث الصحيحة.
والقاعدة عندنا أن الخلاف إذا خالف سنة صحيحة لا يراعى؛ ولهذا يعلم
شذوذ أقوال تسعة أو عشرة حكاها الغزالي في تعيين البيض في غير ما ذكر، فلا يعول
على شيء منها قال بعض أصحابنا: ويسن أيضًا صوم أيام السود، وهي الثامن
والعشرون وتالياه، ويسن صوم السابع والعشرين معها لاحتمال نقص الشهر، وحكمة
ذلك الرغبة إلى الله تعالى في كشف الظلمة.
٢٠٥٨ - [وَعَنْ عَبْدِ الله بن مَسْعُودٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِوَ﴾﴿ يَصُومُ مِنْ غُرَّةِ كُلِّ
(١) أخرجه أحمد (٢١٤٧٤)، والترمذي (٧٦١) وقال: حسن، والنسائي (٢٤٢٤)، وابن خزيمة (٢١٢٨)،
وابن حبان (٣٦٥٥)، والبيهقي (٨٢٢٨)، والطيالسي (٤٧٥)، والديلمي (٨٣٧١).
(٢) أخرجه النسائي (٢٤٣٢)، والبيهقي في (شعب الإيمان)) (٣٦٥٩).
(٣) انظر التخريج السابق.

٣٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السابع
شَهْرٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَقَلَّمَا كان يُفْطِرُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ (١). رَوَاهُ التَّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد
إِلَى: ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ].
(وَعَنْ عَبْدِ اللّه بن مَسْعُودٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَهِ يَصُومُ مِنْ غُرَّةِ كُلِّ شَهْرٍ)
أي: أوله (ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ) فيتأكد صوم هذه كالبيض، لكن البيض أفضل وكلا هذين
أفضل من السود كما هو ظاهر (وَقَلَّمَا كان يُفْطِرُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ) لا ينافي ما مر من النهي
عنه بقيده؛ لأن هذا فيما إذا وصله بما قبله، أو بما بعده، قيل: ((أو)) من خصوصياته
كالوصال، ويرد بأن الخصوصية لا تثبت إلا بدليل يصرح بها، فالجزم بها من غير دليل
يصرح بها ليس في محله.
وقيل: يحتمل أن المراد منه أنه واله كان يمسك قبل الجمعة ولا يتغذى إلا بعد
أدائها (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَانِيُّ وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدٍ إِلَى: ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ).
٢٠٥٩ - [وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: كَانَ رَسُول الله ◌َ يَصُومِ مِن
الشَّهْرِ السَّبْتَ وَالْأَحَدَ وَالإِثْنَيْنَ، وَمِن الشَّهْرِ الْآخَرِ: الثُّلَاثَاءَ وَالْأَرْبِعَاءَ وَالْخَمِيسَ(٤).
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ].
(وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ يَصُومِ مِن الشَّهْرِ
السَّبْتَ وَالْأَحَدَ وَالإِثْنَيْنَ، وَمِنَ الشَّهْرِ الْآخَرِ: الثُّلَاثَاءَ وَالْأَرْبِعَاءَ وَالْخَمِيسَ. رَوَاهُ
التِّرْمِذِيُّ) قيل: حكمة ذلك مع ما مر أنه قلما كان يفطر يوم الجمعة تبيَّن أن أيام
الأسبوع كلها محل للصوم ولم يوالها؛ لئلا يشق على الأمة الاقتداء به فيه، ويستفاد من
الحديث أن محل كراهة صوم السبت والأحد الآتية إن أفردهما لا إن جمعهما، أو وصل
السبت بما قبله أو الأحد بما بعده.
٢٠٦٠ - [وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِهِ يَأْمُرُنِي أَنْ
(١) أخرجه الترمذي (٧٤٧)، وأبو داود (٢٤٥٢)، وأحمد (٣٩٣٧)، والنسائي (٢٣٨٠)، وابن ماجه
(١٧٩٦).
(٢) أخرجه الترمذي (٧٥١) وفي «الشمائل)) (٢٩٧).

٣١
تتمة كتاب الصوم/ باب صيام التطوع
أَصُومَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ أَوَّلُهَا الإِثْنَيْنِ وَالْخَمِيس(١). رَوَاهُ أَبُو دَاوُد والنَّسَائِيُّ].
(وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِوَهِ يَأْمُرُنِي أَنْ أَصُومَ
ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ أَوَّلُهَا الإِثْنَيْنِ) القياس الاثنان لولا احتمال أن لفظ الاثنين
صار هو العلم، أو أن الأصل يوم الاثنين فحذفت المضاف لدلالة اللفظ عليه، أو
أنه كأول منصوب باجعل؛ أي: اجعل أولها الاثنين أو الخميس (وَالْخَمِيس) أي:
أولها أول اثنين، بلى الهلال إن أُهل بالجمعة أو السبت أو الأحد، أو أول خميس يليه
إن أُهلَّ بالثلاثاء أو الأربعاء، وفي قوله: ((والخميس)) بمعنى أو (رَوَاهُ أَبُو دَاوُد
والنَّسَائِيُّ) وكان القياس أن الأفضل صوم الهلال وتالييه، إلا أن يجاب بأنه وَّ قصد
بيان فضلي الاثنين والخميس بجعل مفتتح صوم الثلاثة الاثنين تارة والخميس
أخرى.
٢٠٦١ - [وَعَنْ مُسْلِمِ الْقُرَشِيِّ قَالَ: سَأَلْتُ - أَوْ سُئِلَ - رَسُولَ اللهِ ◌ّلْ عَنْ صِيَامٍ
الدَّهْرِ، فَقَالَ: إِنَّ لأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، صُمْ رَمَضَانَ وَالَّذِي يَلِيهِ، وَكُلَّ أَرْبِعَاء وَخَمِيسٍ،
فَإِذَّا أَنْتَ قَدْ صُمْتَ الدَّهْرَ(٢). رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ].
(وَعَنْ مُسْلِمِ الْقُرَشِيِّ قَالَ: سَأَلْتُ - أَوْ سُئِلَ - رَسُولَ اللهِوَّ عَنْ صِيَامِ الدَّهْرِ،
فَقَالَ: إِنَّ لأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا) أي: وصوم الدهر من شأنه أنه يفتر الهمة عن القيام
بحقوق الأهل وغيرهم، ومن ثم كره لمن أثر فيه ذلك بخلاف من لم يؤثر فيه، فإنه لا
يكره له صومه بل يسن كما مرَّ، ثم أرشده وَّه إلى صوم لا ضرر فيه، فقال: (صُمْ
رَمَضَانَ وَالَّذِي يَلِیهِ) وهو شوال.
(وَكُلَّ أَرْبِعَاء وَخَمِيٍ، فَإِذَّا) الفاء تدل على شرط محذوف، هو إن فعلت ما قلت
لك جزاؤه ما بعدها المؤكد بإذن الدالة عليه أيضًا تأكيدًا للربط (أَنْتَ قَدْ صُمْتَ الدَّهْرَ.
(١) أخرجه أبو داود (٢٤٥٤)، والنسائي (٢٤١٨)، والبيهقي في ((الشعب)) (٣٦٩٦).
(٢) أخرجه أبو داود (٢٤٣٢)، والترمذي (٧٤٨) وقال: غريب، والْبَيْهَقِيُّ فِي «شُعَبِ الْإِيمَانِ)»
(٣٨٦٨).

٣٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السابع
رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ) والظاهر أن هذا متقدم وما سبق من حصول صوم الدهر
بثلاثة من كل شهر متأخر عن هذا؛ لقولهم: إنه لو كان يخبر أولاً بالجزاء القليل ثم
بالكثير إعظامًا للمنة عليه وعلى أمته.
٢٠٦٢ - [وعَنْ أَبِي هُرَيْرَة ﴾ أَنَّ رَسُولَ اللهِوَلَ نَهَى عَنْ صَوْمٍ يَوْمٍ عَرَفَةَ بِعَرَفَةَ(١).
رَوَاهُ أَبُو دَاوُد].
(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةٍ عَّهِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَهُ نَهَى عَنْ صَوْمٍ يَوْمٍ عَرَفَةَ بِعَرَفَةَ) وألحق
بمن فيها القريب منها (رَوَاهُ أَبُو دَاوُد) ومنه أخذ النووي قوله: في ثلث التنبيه أن
صومه حينئذٍ مكروه، ونقله في ((المجموع)) عن كثيرين لكنه رده حيث قال: لم يذكره
الجمهور بل قالوا كالشافعي: يسن فطره؛ أي: وصومه خلاف الأولى، وخبر النهي عنه؛
أي: المذکور في إسناده مجهول. انتهى.
وفيه نظر فقد قال الحاكم: إنه على شرط البخاري، وأقره الذهبي، وصححه ابن
خزيمة وحينئذٍ اتجه ما قاله في الثلث أنه مكروه، وإنما سن فطره وإن كان مقيمًا
خلافًا للحاجّ، رواه الشيخان كما مرَّ، ويستوي على الدعاء وأخذ في ((شرحي المهذب
ومسلم)) بمفهوم قوله ◌َّ في هذا الحديث بعرفة فقال: يسن صومه لحاج لم يصل عرفة
إلا ليلاً؛ لفقد العلة؛ أي: وهي التقوي على الدعاء، ونازعه فيه بعض المتأخرين بما
أَجبتُ عنه في «شرح العباب».
٢٠٦٣ - [وَعَنْ عَبْدِ الله بْنِ بُسْرِ عَنْ أُخْتِهِ الصَّمَّاءِ، أَنَّ رَسُولَ الله ◌َِّ قَالَ: لَا
تَصُومُوا يَوْمَ السَّبْتِ إِلَّا فِيمَا أُفْتُرِضَ عَلَيْكُمْ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ أَحَدُكُمْ إِلَّا لِجَاءَ عِنَبةِ أَوْ
عُودَ شَجَرَةٍ فَلْيَمْضُغْهُ(٢). رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وابْنُ مَاجَه وَالدَّارِمِيُّ].
(١) أخرجه أبو داود (٢٤٤٢).
(٢) أخرجه أحمد (١٧٧٢٢) والترمذي (٧٤٤) وقال: حسن، وأبو داود (٢٤٢١) والنسائي (٢٧٦٢)،
وابن ماجه (١٧٢٦)، وابن حبان (٣٦١٥)، وأبو نعيم في «الحلية)) (٢١٨/٥)، والحاكم (١٥٩٢)،
والبيهقي (٨٢٧٦)، والدارمي (١٨٠٣)، وابن خزيمة (٢١٦٤)، والطبراني (٨٢٠)، وعبد بن حميد
(٥٠٨).

٣٣
تتمة كتاب الصوم/ باب صيام التطوع
(وَعَنْ عَبْدِ الله بْنِ بُسْرِ عَنْ أُخْتِهِ الصَّمَّاءِ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَِّ قَالَ: لَا تَصُومُوا
يَوْمَ السَّبْتِ) ومنه أخذ أئمتنا أنه يكره صومه (إلَّا فِيمَا اُفْتُرِضَ عَلَيْكُمْ) أو إلا إن
وصله بما قبله أو بما بعده، أو وافق عادة له أو ما طلب بدئه بخصوصه نظير ما مرَّ في
يوم الجمعة، والحاصل أنه كما قيد ذاك بما هنا وهو إلا فيما افترض عليكم، قيد هذا
بما هنا وهو إلا أن يكون في صوم يصومه أحدكم، فاليومان وكذا الأحد كما يأتي
على حد واحد في الكراهة، وما استثنى منها، وسبب كراهة إفراد السبت أو الأحد
بالصوم أن فيه تعظيمًا له فيكون فيه تشبيه باليهود أو النصارى؛ أي: في مطلق التعظيم
لا في نوعه؛ إذ تعظيمهم له إنما هو بتحريم الشغل فيه والتخلي للعبادة والتبسط
في المأكول وغيره، وإنما لم يكره صومهما معًا كما مر؛ لأن المجموع لم يعظمه
أحد.
قيل: ولا نظير لذلك، وهو أنه إذا ضم مكروه إلى مكروه زالت الكراهة، وروى
النَّسَائِيّ وغيره بسند صحيح: إنه ◌َّه كان أكثر ما يصوم من الأيام هذين، وكان يقول:
((إنهما يوما عيد للمشركين فأحب أن أخالفهم) (١).
(فَإِنْ لَمْ يَجِدْ أَحَدُكُمْ إِلَّا لِجَاءَ) بكسر اللام وبالمهملة وبالمد (عِنَبة) أي:
قشرها، فالمراد شجرة العنب لا حبابها (أَوْ عُودَ شَجَرَةٍ فَلْيَمْضُغْهُ) حتى لا تقع منه
صورة صوم مكروه، وقد يؤخذ منه ما مر عن بعض أصحابنا في يوم العيد أنه يجب
عليه تعاطي مفطر فيه، وكأنهم إنما أعرضوا عنه؛ لأن ما هنا إنما سبق تنفيرًا عن صوم
السبت ما أمكن، وحينئذٍ فلا بدل لما ذكره ذلك البعض فتأمله (رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ
وابْنُ مَاجَه وَالدَّارِييُّ) وحسنه الترمذي وصححه الحاكم على شرط البخاري.
وقال النووي: صححه الأئمة.
وقول أبي داود: إنه منسوخ غير مقبول، كقول مالك: إنه كذب.
وقول بعض أئمتنا: هما لا يقولان ذلك إلا عن ثبت فلا يرد قولهما بالهوينا لا
(١) أخرجه أحمد (٢٧٥٠٧)، والبيهقي (٨٧٦٠)، وابن خزيمة (١٩٨٥).

٣٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السابع
يجدي؛ لأن من البين أن مدعي النسخ لا بد له من بيان سند لدعواه وإن حل، وكذا
مدعي كذب حديث صححه الأئمة، فلم يرد قولهما بالهوينا بل بالقواعد الأصولية
والحديثية، وقول: إن هذين الإمامين لا يعارضان ((تصحيح الحاكم)) أي: لتساهله في
التصحيح كثيرًا ليس في محله؛ لأن النسخ لا ارتباط له بالتصحيح؛ ولأن لم نعتمد
تصحيح الحاكم فقط وإنما اعتمدنا قول النووي وهو اجل حفاظ المتأخرين المطلعين
صححه الأئمة غيره.
٢٠٦٤ - [وعَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: مَنْ صَامَ يَوْمًا فِي سَبِيلِ الله
جَعَلَ اللهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّارِ خَنْدَقًّا كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ(١). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ].
(وَعَنْ أَبِي أَمَامَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌َّهِ: مَنْ صَامَ يَوْمًا فِي سَبِيلِ الله) مر المراد
به (جَعَلَ اللهُ بَيْنَهُ، وَبَيْنَ الثَّارِ خَنْدَقًّا) أي: حاجزًا يحجزه عنها مسافة مديدة (كَمَا)
أي: كمسافة (بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ) وهو خمسمائة سنة، ففيه تشبيه الصوم بالحصن
الحصين، والنار بالعدو المهلك لمن ظفر به والخندق المستعار للحاجز في بعد غوره بما
بين السماء والأرض الدال على التشبيهين الأولين فهي استعارة بالكناية يتبعها استعارة
تخييلية (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ).
٢٠٦٥ - [وَعَنْ عَامِرِ بْنِ مَسْعُودٍ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَةَ: الْغَنِيمَةُ الْبَارِدَةُ
الصَّوْمُ فِي الشِّتَاءِ(٩). رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ مُرْسَلٌ].
(وَعَنْ عَامِرٍ بْنِ مَسْعُودٍ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّةِ: الْغَنِيمَةُ الْبَارِدَةُ) أي:
الشيء الخطير القدر، الرفيع المنزلة، الهنيء المريء، الحاصل من غير خطر وقتال، ولا
كبير تعب، والأصل في إفادة النار ما ذكر من الراحة والطيب والهناء أن الماء والهواء لما
توقف طيبها على بردهما خصوصًا بنحو الحجاز صار البرد يكنى به عن كل طيب
وهناء (الصَّوْمُ فِي الشِّتَاءِ) لقصر الزمن وعدم الظمأ الذي هو أشق ما على الصائم، وهذا
(١) أخرجه الترمذي (١٦٢٤) وقال: غريب، والطبراني (٧٩٢١).
(٢) أخرجه الترمذي (٨٠٢)، وأحمد (١٩٤٧٣)، والبيهقي في ((سننه)) (٨٧١٧).

٣٥
تتمة كتاب الصوم/ باب صيام التطوع
من عكس التشبيه نحو: الأسد كزيد؛ لأن فيه إثبات المعنى المطلوب من التشبيه على
أبلغ وجه وأكمله؛ لأن الغنيمة المذكورة مع أن الأصل أن يشبه بها الصوم في المعنى
المطلوب إذا شبهت به في ذلك أفادت أبلغ ذلك من حصول أبلغ الثواب من غير
إحساس بألم جوع ولا عطش، (رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ مُرْسَلُ).
٢٠٦٦ - [وَذَكَرَ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَة: ((ما من أيام أحب إلى الله .. ))(١) فِي بَابٍ
الأُضْحِيةِ].
(وَذَكَرَ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةٍ: ((ما من أيام أحب إلى الله.)) فِي بَابِ الأَصْحِيةِ)
(الفصل الثالث)
٢٠٦٧ - [عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ - رَضِي اللّهُ عَنْهُمَا - أَنَّ رَسُولَ الله ◌َيْ قَدِمَ الْمَدِينَةَ
فَوَجَدَ الْتَهُودَ صِيَامًا يَوْمَ عَاشُورَاءَ، فَقَالَ لَّهُمْ رَسُولُ اللهِ وَمَ: مَا هَذَا الْيَوْمُ الَّذِي
تَصُومُونَهُ؟ فَقَالُوا: هَذَا يَوْمُ عَظِيمٌ أَنْجَى اللهُ فِيهِ مُوسَى وَقَوْمَهُ، وَغَرَّقَ فِرْعَوْنَ وَقَوْمَهُ،
فَصَامَهُ مُوسَى شُكْرًا فَنَحْنُ نَصُومُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ: فَنَحْنُ أَحَقُّ وَأَوْنَى بِمُوسَى
مِنْكُمْ، فَصَامَهُ رَسُولُ اللهِ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ (٢) مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ].
(عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ - رَضِي اللّهُ عَنْهُمَا - أَنَّ رَسُولَ اللهِلَّهِ قَدِمَ الْمَدِينَةَ فَوَجَدَ
الْيَهُودَ صِيَامًا يَوْمَ عَاشُورَاءَ) أي: أول عاشوراء، أدركه في المدينة وهو في السنة الثانية؛
لأن قدومه في الأولى كان بعده في ربيع الأول، قيل: ويحتمل أن يكون رآهم حال
قدومه في ربيع؛ لأنهم كانوا يحسبون عاشوراء بالسنين الشمسية لا الهلالية كسائر
صيامهم وأعيادهم، فتأخر عاشوراء عندهم إلى ربيع، وعلى الأول فيشكل كون المراد
يوم عاشوراء العربي لما تقرر أنهم يؤرخون الشهور على غير ما يؤرخه العرب، والجواب
أنه لا مانع أن عاشوراء العربي في تلك السنة وافق عاشوراء القبطي الذي أنجى الله فيه
(١) تقدم تخريجه.
(٢) أخرجه البخاري (٣٢١٦)، ومسلم (١١٣٠)، وأبو داود (٢٤٤٤)، وأحمد (٢٦٤٤)، وابن ماجه
(١٧٣٤)، والنسائي (٢٨٣٥)، والحميدي (٥٤٣)، والبيهقي في ((سننه)) (٨٦٥٨).

٣٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السابع
موسى وأهلك فرعون على أنه لا مانع أيضًا أن هذا الاتجاه وقع في عاشوراء العربي، ثم
وقع التغيير بهم إلى تلك السنة فتوافقا أيضًا.
(فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ وَّةِ: مَا هَذَا الْيَوْمُ الَّذِي تَصُومُونَهُ، فَقَالُوا: هَذَا يَوْمٌّ عَظِيمٌ
أَنْجَى اللهُ فِيهِ مُوسَى وَقَوْمَهُ، وَغَرَّقَ فِرْعَوْنَ وَقَوْمَهُ، فَصَامَهُ مُوسَى شُكْرًا فَنَحْنُ نَصُومُهُ)
إتباعًا له (فَقَالَ رَسُولُ الله: فَنَحْنُ أَحَقُّ وَأَوْلَى بِمُوسَى) أي: بأن يعظم ما عظمه لا على
جهة المبالغة له في شرعه، بل على جهة موافقة شرعيًّا لشرعه في ذلك (مِنْكُمْ) لأنه
يشاركه في الرسالة والآخرة في الدين؛ ولأنه هو وأمته أطوع وأتبع للحق منهم (فَصَامَهُ
رَسُولُ اللهِ ﴾38) ليس هذا ابتداء صيامه له؛ لأنه كان يصومه لقريش قبل قدومه
للمدينة، فليحمل قوله فصامه على المداومة.
قبل أو كان تركه ثم لما علم ما عند أهل الكتاب فيه عاد وصامه، أو لعل ابن
عباس ما كان يعلم أنه يصومه قبل القدوم، واعلم أنه وي لو لم يعتمد على قول اليهود في
ذلك مطلقًا بل إما على الوحي أو على الاجتهاد بما يوافقه، أو أخبره من أسلم منهم كابن
سلام أو من لم يسلم وهم عدد التواتر؛ إذ ليس من شرطه الإسلام (وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ.
مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ) واستشكلت موافقته لهم بأنا مأمورون بمخالفتهم، وأجيب بأنا إنما نؤمر
بمخالفتهم فيما أخطؤوا فيه مكان التعظيم كالسبت، وفيه نظر بل ليس في محله
لما قررته في: ((فنحن أحق وأولى بموسى منكم)) من أنه لم يقصد إتباعهم في ذلك
ولا إتباع نبيهم، وإنما أمر بالوحي أو الاجتهاد بتعظيم ذلك اليوم بصومه شكر
الله على ما وقع لموسى، كما سجد في ((ص)) شكرًا لله على قبول توبة داود، عليهم
السلام.
ومرَّ قريبًا أنهم اختلفوا، هل صامه وَّيه وجوبًا، ثم نسخ إلى رمضان فيكون
إلى بدل أثقل، أو إلى غير بدل؟ وأن الأصح عندنا أنه لم يجب صومه أصلاً كما
يأتي، وقد ينافي ما تقرر رواية البخاري عن أبي موسى قال: كان يوم عاشوراء تعده

٣٧
تتمة كتاب الصوم/ باب صيام التطوع
اليهود عيدًا، قال النبي ◌َّله: ((فصوموه أنتم))(١) فهذا يشعر بأن الصوم لمخالفتهم، وما مرَّ
صريح في أنه كان لموافقتهم وجمع بأنه لا يلزم من عدهم أيامه عيدًا أن يكون عيدًا
حقيقة، وأيضًا فيحتمل أن العيد لا صومه عندهم أو هؤلاء اليهود غير يهود المدينة،
فوافق يهودها حيث عرف أنه الحق يوحى وخالف غيرهم؛ إذ علمهم بخلافه.
٢٠٦٨ - [وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَ يَصُومُ
يَوْمَ السَّبْتِ وَيَوْمَ الأَحَدِ أَكْثَرَ مِمَّا يَصُومُ مِنَ الأَيَّامِ، وَيَقُولُ: إِنَّهُمَا يَوْمَا عِيدِ الْمُشْرِكِينَ،
فَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أُخَالِفَهُمْ (٩). رَوَاهُ أَحْمَدُ].
(وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَهِ يَصُومُ يَوْمَ
السَّبْتِ وَيَوْمَ الأَحَدِ أَكْثَرَ مِمَّا يَصُومُ مِنَ الأَيَّامِ، وَيَقُولُ: إِنَّهُمَا يَوْمَا عِيدِ الْمُشْرِكِينَ)
والمشرك الكافر على أي ملة كان، وقد يطلق على مقاتل أهل الكتاب كما في قوله تعالى:
﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ﴾ [البينة: ١] وما في الحديث من
الاستعمال الأول (فَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أُخَالِفَهُمْ. رَوَاهُ أَحْمَدُ) وغيره بسند صحيح وبه يعلم أن
محل كراهة صومهما السابقة إن أفردهما وإلا فلا كراهة.
قال بعض أئمتنا: ولا يظهر لهذه المسألة وهي أنه إذا ضم مكروه إلى مكروه
زالت الكراهة، وألحق الحنابلة بكراهة صوم أحد هذين صوم يوم النيروز والمهرجان،
ومال إليه بعض أئمتنا، لكن المنقول أنه لا يكره إفراد بعض أعيادهم بالصوم ويوجه
بأنهم لا يعظمون هذا بالعبادة، بل لمجرد الفرح والسرور فالصوم مخالف لهم بخلاف
الأحد والسبت فهما يوما عبادتهم.
٢٠٦٩ - [وعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ ﴾ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَِّ يَأْمُرُنَا بِصِيَامِ يَوْمِ
عَاشُورَاءَ وَيَحْنُنَا عَلَيْهِ وَيَتَعَاهَدُنَا عِنْدَهُ، فَلَمَّا فُرِضَ رَمَضَانُ لَمْ يَأْمُرْنَا وَلَمْ يَنْهَنَا وَلَمْ
يَتَعَاهَدْنَا عِنْدَهُ(٣). رَوَاهُ مُسْلِمُ].
(١) أخرجه البخاري (٢٠٠٥).
(٢) أخرجه أحمد (٢٧٥٠٧).
(٣) أخرجه مسلم (٢٧٠٨)، والبيهقي في ((سننه)) (٨٦٧٤).

٣٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السابع
(وعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ ﴾ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَإِهِ يَأْمُرُنَا بِصِيَامٍ يَوْمٍ عَاشُورَاءَ
وَيَحْثُّنَا عَلَيْهِ وَيَتَعَاهَدُنَا عِنْدَهُ) أي: عند صومه بما يقوينا عليه من المواعظ والرقائق
تحريضًا على مداومته وملازمته (فَلَمَّا فُرِضَ رَمَضَانُ لَمْ يَأْمُرْنَا وَلَمْ يَنْهَنَا وَلَمْ يَتَعَاهَدْنَا
عِنْدَهُ رَوَاهُ مُسْلِمْ).
وفي قوله: ((يأمر بصيام يوم عاشوراء)) حجة لمن قال: كان واجبًا ثم نسخ، والأصح
عند الشافعي وغيره أنه لم يجب أصلاً لما رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عن معاوية : إنه عام حج
خطب بالمدينة يوم عاشوراء، فقال: يا أهل المدينة، أين علماؤكم؟ سمعت رسول الله
◌َ* يقول: «هذا يوم عاشوراء ولم يكتب الله عليكم صيامه)»(١) فهذا نص في أنه لم
يجب أصلاً لا يقال: قوله: ولم يكتب عليكم صيامه مدرج من قول معاوية؛ لأنا
نقول هذا احتمال بعيد مخالف للسياق، فلا ينظر إليه على أن النسائي صرح في روايته
بأن هذا من كلام النبي ◌َّ فارتفع ذلك الاحتمال من أصله.
٢٠٧٠ - [وعَنْ حَفْصَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: أَرْبَعُ لَمْ يَكُنْ يَدَعُهُنَّ النَّبِيُّ ◌َ
صِيَامَ عَاشُورَاءَ، وَالْعَشْرَ، وَثَلاثَةَ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَرَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْفَجْرِ (٢). رَوَاهُ النَّسَائِيُّ].
(وعَنْ حَفْصَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: أَرْبَعُ) من مهمات الدين (لَمْ يَكُنْ
يَدَعُهُنَّ النَّبِيُّ ◌َ: صِيَامَ عَاشُورَاءَ) ومن ثم كان صومه سنة مؤكدة كما مر (وَ) صيام
(الْعَشْرَ) الأول من ذي الحجة والمراد ماعدا يوم العيد لحرمة صومه إجماعًا كما مر:
((ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله تعالى من هذه الأيام) يعني: أيام العشر،
قالوا: ولا الجهاد في سبيل الله، قال: ((ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجل خرج بنفسه
وماله فلم يرجع من ذلك بشيء)) (٣).
وروى أبو عوانة في (صحيحه): ((صيام يوم منها يعدل صيام سنة، وقيام ليلة
منها بقيام ليلة القدر))(٤) وهي أفضل الليالي وعشر الحجة أفضل من حيث أيامه؛ لأن
(١) أخرجه البخاري (٢٠٠٣)، ومسلم (٢٧٠٩)، ومالك (٦٦٨)، وابن حبان (٣٦٩٦).
(٢) أخرجه النسائي (٢٤١٥)، وابن حبان (٦٥٢٩).
(٣) أخرجه البخاري (٩٢٦)، وأحمد (٣٢٢٨).
(٤) أخرجه النسائي (٢٤١٥)، وابن حبان (٦٥٢٩).

٣٩
تتمة كتاب الصوم/ باب صيام التطوع
فيها يوم عرفة وهو أفضل الأيام. وظاهر كلام أئمتنا: إن عشر رمضان أفضل مطلقًا
ويوجه بأن كل ليلة من ليالي عشر رمضان يحتمل أنها ليلة القدر، فاقتضى ذلك
أفضلية الجملة، ويوم عرفة متميز عن بقية العشر، فلا يقتضي أفضلية الجملة.
وذهب ابن حبان في ((صحيحه)) إلى تساويهما في الفضل، وألحق الغزالي وغيره
بعشر الحجة فيما ذكر عشر المحرم (وَ) صيام (ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ) ومر ما فيها من
الثواب (وَرَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْفَجْرِ) ومرَّ ما ورد فيها وأنهما أفضل الرواتب بعد الوتر
للخلاف في وجوبهما كالوتر (رَوَاهُ النَّسَائِيُّ).
٢٠٧١ - [وعَن ابْنِ عَبَّاسِ - رَضِي اللهُ عَنْهُمَا - قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَ لَا
يُفْطِرُ أَيَّامَ الْبِيضِ فِي حَضَرٍ وَلَا سَفَرٍ(١). رَوَاهُ النَّسَائِيُّ].
(وعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِي اللّهُ عَنْهُمَا - قَالَ: كَانَ رَسُولُ الله ◌ِِّ لَا يُفْطِرُ أَيَّامَ)
الليالي (الْبِيضِ) ومرَّ بيانها، فالبيض صفة لليالي لاستغراقها بنور القمر وغلط من
جعله صفة للأيام في قوله: الأيام البيض (في حَضَرٍ وَلَا سَفَرٍ) فيبقى التأسي به ◌َّ في
ذلك (رَوَاهُ النَّسَائِيُّ).
٢٠٧٢ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ عَنِ النَّبِيِّ نَّهِ قَالَ: لِكُلِّ شَيْءٍ زَكَاةٌ، وَزَكَةُ الْجَسَدِ
الصَّوْمُ(٢). رَوَاهُ ابْنُ مَاجَه].
(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴿ عَنِ النَّبِيِّ ◌َِّ قَالَ: لِكُلِّ شَيْءٍ) مما يطلب استنماؤه وتكثيره
وسلامته من النقائص (زكاةُ) أي: صدقة عنه بحسبه (وَزَكَاةُ الْجَسَدِ الصَّوْمُ) لأنه يصفیه عن
الكدورات، ويجعله في جُنة متحليًا بالكمال موقى من المخالفات (رَوَاهُ ابْنُ مَاجَه).
٢٠٧٣ - [وَعَنْهُ أَنَّ النَّبيَّ ◌َ كَانَ يَصُومُ الإِثْنَيْنِ وَالْخَمِيسَ، فَقِيلَ: يَا رَسُولَ الله،
إِنَّكَ تَصُومُ يَومَ الإِثْنَيْنِ وَالْخَمِيسَ، فَقَالَ: إِنَّ يَوْمَ الإِثْنَيْنِ وَالْخَمِيسَ يَغْفِرُ اللهُ فِيهِمَا
لِكُلِّ مُسْلِمٍ إِلَّا ذَا هَاجِرِيْنٍ، يَقُولُ: دَعْهُمَا حَتَّى يَصْطَلِحَا(٣). رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهُ].
(١) أخرجه النسائي (٢٣٥٧).
(٢) أخرجه ابن ماجه (١٨١٧).
(٣) أخرجه ابن ماجه (١٨١٢) بلفظ: ((لِكُلِّ مُسْلِمٍ إِلَّا مُهْتَجِرَيْنٍ))، ولم أقف على لفظه عند أحمد.

٤٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السابع
(وَعَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ ◌َّهِ كَانَ يَصُومُ الإِثْنَيْنِ وَالْخَمِيسَ، فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّكَ
تَصُومُ يَومَ الإِثْنَيْنِ وَالْخَمِيسَ، فَقَالَ: إِنَّ يَوْمَ الإِثْنَيْنِ وَالْخَمِيسَ يَغْفِرُ اللهُ فِيهِمَا لِكُلِّ
مُسْلِمٍ إِلَّا ذَا هَاجِريْنٍ) أي: مهاجرة محرمة كما هو ظاهر واذا» زائدة (يَقُولُ) الله
للمقدم من الملائكة الموكلين بجزاء صانعهما (دَعْهُمَا) عن هذه المغفرة العظيمة لسوء
صنيعهما وقبح طويتهما (حَتَّى يَصْطَلِحَا. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَه) وفيه أعظم ردع عن
مهاجرة المسلم وترك كلامه لغير عذر شرعي.
وفي معنى هذا الحديث الآخر: «تفتح أبواب السماء يوم الإثنين ويوم الخميس فيغفر
لكل عبد لا يشرك بالله شيئًا إلا رجل كانت بينه وبين أخيه شحناء، فيقال لملائكة الجزاء:
انظروا هذين؛ أي: أخروهما حتى يصطلح)(١). وفي رواية: ((حتى يفيئ)(٢).
٢٠٧٤ - [وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوََّ: مَنْ صَامَ يَوْمًا ابْتِغَاءَ وَجْهِ الله بَعَّدَهُ اللهُ
مِنْ جَهَنَّمَ بُعْدَ غُرَابٍ طَارَ وَهُوَ فَرْغٌ حَتَّى مَاتَ هَرَمًّا(٣). رَوَاهُ أَحْمَدُ].
(وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَهِ: مَنْ صَامَ يَوْمًا ابْتِغَاءَ وَجْهِ الله) أي: طلبًا لرضاه
وإخلاصًا لوجهه (بَعَّدَهُ اللهُ مِنْ جَهَنَّمَ بُعْدَ غُرَابٍ طَارَ وَهُوَ فَرُْ) حال من ضمیر طائر
الصفة لغراب (حَتَّى مَاتَ) ذلك الغراب حال كونه (هَرَمًا. رَوَاهُ أَحْمَدُ).
٢٠٧٥ - [وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ فِي (شُعَبِ الْإِيمَانِ)) عَنْ سَلَمَةَ بْنِ قَيْصَرَ(٤).
(وَرَوَى الْبَيْهَتِيُّ فِي ((شُعَبِ الْإِيمَانِ))) ذلك (عَنْ سَلَمَةَ بْنٍ قَيْصَرَ) شبه بعد
الصائم عن جهنم ببعد مسافة غراب طار من أول عمره الطويل، كيف والغراب
يضرب مثلا في طول العمر إلى آخره؟ وهذا بحسب العرف أما بحسب الحقيقة، فمن
صام كذلك فلا مناسبة بين البعدين.
(١) أخرجه مالك (١٦١٨)، والبخاري في ((الأدب المفرد)) (٤١١)، ومسلم (٢٥٦٥)، وأبو داود (٤٩١٦)،
والترمذي (٢٠٢٣) وقال: حسن صحيح، وأحمد (٩١٨٨)، وابن حبان (٥٦٦١).
(٢) أخرجه مالك (٣٣٧٠)، والبغوي (٣٢٥/٦).
(٣) أخرجه أحمد (١١٠٩٥).
(٤) أخرجه الْبَيْهَقِيُّ فِي ((شُعَبِ الْإِيمَانِ)) (٣٤٣٨)، واسم الراوي في أصل المشكاة (سلمة بن قيس)
وهو خطأ.