النص المفهرس
صفحات 501-520
(باب صوم المسافر) (الفصل الأول) ٢٠١٩ - [عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ الله عَنْهَا - أَنَّ حَمْزَةَ بنِ عَمْرٍو الأَسْلَمِيَّ، قَالَ للنَّبِّ وَُّ: أَصُومُ فِي السَّفَرِ كَانَ كَثِيرَ الصِّيَامِ فَقَالَ: إِنْ شِئْتَ فَصُمْ، وَإِنْ شِئْتَ فَأَفْطِرْ(١). مُتَّفَق عَلَيهِ]. (عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ الله عَنْهَا - أَنَّ حَمْرَةَ بنِ عَمْرٍو الأَسْلَمِيَّ، قَالَ للنبي ◌َّ: أَصُومُ) أي: أأصوم (في السَّفَرِ كَانَ كَثِيرَ الصِّيَامِ) جملة معترضة لبيان الحامل له على هذا السؤال (فَقَالَ: إِنْ شِئْتَ فَصُمْ، وَإِنْ شِئْتَ فَأَفْطِرْ. مُتَّفَقَ عَلَيهِ) وما صرح به هذا والأحاديث الآتية من أن المسافر في رمضان، وغيره سفرًا يقصر فيه الصلاة مخير بين الفطر والصوم مطلقًا هو ما عليه كافة العلماء، وما نقل عن ابن عمر أنه يجب الفطر في السفر لعدم صحة الصوم فيه. وعن ابن عباس: إنه يجب الصوم فيه كأنه إن صح عنهما وإلا فقد روي عن ابن عمر خلاف ذلك، وما في حديث الشيخين عن ابن عباس إنه قائل: بالتخيير لعدم بلوغ هذا التخيير لهما أولاً، لكن الثاني مشكل جدًّا مع قوله تعالى: ﴿فَعِدَّةُ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤] ولابن عباس أن يقول: هي إنما تدل على أنه إذا أفطر يقضي لا على جواز الفطر الذي الكلام فيه، ولم ينظر لاقترانه بالمريض المقتضي أنه مثله في حل الإفطار، ثم القضاء؛ لأن دلالة الاقتران ضعيفة عند الأصوليين، وكان هذا هو السبب في أخذ الشيعة وبعض الظاهرية، فهذا المروي عن ابن عباس؛ لكنه معذور لعدم إطلاعه على الحديث بخلافهم فإنهم اطلعوا عليه وتركوه لغير مقنع فغير مقنع. (١) أخرجه البخاري (١٩٤٣)، ومسلم (٢٦٨١)، ومالك (٦٥٨)، وأحمد (٢٤٩٢٨)، والترمذي (٧١٥)، والنسائي (٢٣١٣)، وابن ماجه (١٧٣١). - ٥٠١ - ٥٠٢ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس وسيأتي الجواب عن حديث أولئك العصاة، واختلف القائلون بالتخيير في الأفضل فقال: أقلهم الفطر، وقال أكثرهم: الصوم مسارعة لبراءة الذمة واختار الشافعي وأصحابه وآخرون أن أفضلهما أيسرهما لقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ اليُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] فمن يشق عليه الصوم بأن خشي منه أدنى ضرر ولو في المال، أو كان حاجًا أو غازيًا يضعفه الصوم، وإن لم يتضرر به أو شك في حل الفطر أو اعتقده ولم تطمئن إليه نفسه أو كان معه رفقة يقتدون به. فالفطر له أفضل لخبر: ((ليس من البر الصيام في السفر)»(١). قال ابن دقيق العيد: وقوله وَله: ((عليكم برخصة الله التي رخص لكم))(٢) دليل على أنه يندب التمسك بالرخصة إذا دعت الحاجة إليها وترك التنطع والتعمق، ومن لم يشق عليه الصوم فهو له أفضل مسارعة لبراءة الذمة ولفضيلة الوقت، وبهما فارق أفضلية القصر مطلقًا بعد ثلاث مراحل لوجودهما فيه كالإتمام، وأيضًا فذاك فيه خروج من الخلاف في وجوبه، وليس هنا خلاف يعتد به في إيجاب الفطر لمخالفته لصرائح الأحاديث الصحيحة التي لا تقبل التأويل. ٢٠٢٠ [وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﴾ قَالَ: غَزَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ل﴾ه لِسِتَّ عَشْرَةَ مَضَتْ مِنْ رَمَضَانَ فَمِنَّا مَنْ صَامَ، وَمِنَّا مَنْ أَفْطَرَ، فَلَمْ يَعِبِ الصَّائِمُ عَلَى الْمُفْطِرٍ وَلَا الْمُفْطِرُ عَلَى الصَّائِمِ- رَوَاهُ مُسْلِم] (٣). (وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﴾ قَالَ: غَزَوْنَا مَعَ رَسُولِ الله وَّهُ لِيسِتَّ عَشْرَةَ مَضَتْ مِنْ رَمَضَانَ فَمِنَّا مَنْ صَامَ، وَمِنَّا مَنْ أَفْطَرَ، فَلَمْ يَعِبِ الصَّائِمُ عَلَى الْمُفْطِرِ وَلَا الْمُفْطِرُ عَلَى الصَّائِمِ. رَوَاهُ مُسْلِمٍ). (١) أخرجه البخاري (١٨٤٤)، ومسلم (١١١٥)، والشافعي (١٥٧/١)، وعبد الرزاق (٤٤٧٠)، وأحمد (١٤٤٦٦)، وعبد بن حميد (١٠٧٩)، وأبو داود (٢٤٠٧)، والنسائي (٢٢٥٨)، وابن حبان (٣٥٥). (٢) أخرجه مسلم (١١١٥). (٣) أخرجه مسلم (٢٦٧١)، وأبو يعلى (٩٩٩). ٥٠٣ كتاب الصوم/ باب صوم المسافر وروي أيضًا: هي رخصة من الله فمن أخذ بها فحسن، ومن أحب أن يصوم فلا جناح عليه. وروي أيضًا: كنا نسافر مع رسول الله وَلهر فيصوم الصائم، ويفطر المفطر ولا یعیب بعضهم على بعض. وفي رواية له: يرون أن من وجد قوة فصام فإن ذلك حسن، ویرون أن من وجد ضعفًا فأفطر فإن ذلك حسن. وروى الشيخان: خرجنا مع رسول الله ◌َ﴾ في شهر رمضان في حر شديد ما فينا صائم إلا رسول الله وَ﴾ وعبد الله بن رواحة، وهذه عين غزوة الفتح؛ لأن ابن رواحة استشهد قبلها بمؤتة، وغير غزوة بدر؛ لأن أبا الدرداء حضر هذه ولم يكن أسلم يوم بدر. ٢٠٢١ - [وَعَنْ جَابِرِ عَه قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللّه ◌َيهِ فِي سَفَرِ فَرَأَى زِحَامًا وَرَجُلاً قَدْ ظُلِّلَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: مَا هَذَا؟ قَالُوا: صَائِمٌ. فَقَالَ: لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصَّومُ فِي السَّفَرٍ مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ](١). (وعَنْ جَابِرٍ ﴾ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللّه وَِّ فِي سَفَرٍ، فَرَأَى زِحَامًا وَرَجُلا قَدْ تُلِّلَ عَلَيْهِ) وذلك الزحام عليه لشدة ما حصل له من العطش (فَقَالَ: مَا هَذَا؟) الحال الذي حصل لهذا الرجل (قَالُوا) إنما حصل له ذلك؛ لأنه (صَائِمٌ، فَقَالَ: لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصَّومُ). وفي رواية: ((ليس من البر الصيام)) (٢). (في السَّفَر) أي: ليس من الإحسان والفضل في العبادة الصيام في السفر لمن حاله مثل حال هذا كما دل عليه السياق، بل تعينه أحاديث التخيير السابقة؛ لأنها صريحة في جواز كل من الصوم والفطر، وهذا على أفضلية الفطر، بل وجوبه إن تحقق مبيح يتمم (مُتَّفَقُّ عَلَيْه). (١) تقدم تخريجه. (٢) تقدم تخريجه. ٥٠٤ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس ٢٠٢٢ - [وَعَنْ أَنَسِ ﴾ قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ بَه فِي السَّفَرِ فَمِنَّا الصَّائِمُ وَمِنَّا الْمُفْطِرُ، فَنَزَلْنَا مَنْزِلاً في يَوْمٍ حَارٍّ فَسَقَطَ الصَّوَّامونُ وَقَامَ الْمُفْطِرُونَ فَضَرَبُوا الأَبْنِيَةَ وَسَقَوا الرَّكَابَ فَقَالَ رَسُولُ الله ◌َيِ: ذَهَبَ الْمُفْطِرُونَ الْيَوْمَ بِالأَجْرِ)(١). (وَعَنْ أَنَسِ ﴾ قَالَ: كُنَّا مَعَ الَّبِّ وَّهِ فِي السَّفَرِ فَمِنَّ الصَّائِمُ وَمِنَّا الْمُفْطِرُ، فَنَزَلْنَا مَنْزِلاً في يَوْمٍ حَارِّ فَسَقَطَ الصَّوَّمونُ) أي: ضعفوا عن الحركة حوائجهم (وَقَامَ الْمُفْطِرُونَ فَضَرَبُوا الأَبْنِيَةَ) أي: نصبوا الخيام (وَسَقَوْا الرَّكَابَ) أي: الإبل (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﴿ ﴿: ذَهَبَ الْمُفْطِرُونَ الْيَوْمَ بِالأَجْرِ) أي: أجر الخدمة؛ أي: مضوا به واستصحبوه معهم فلم يتركوا للصوام شيئًا منه. فقال: ذهب به إذا استصحبه ومضى به معه، وهذا المعنى صحيح هنا من غير نزاع، وإنما النزاع في تخريج ((الكشاف)) ذهب الله بنورهم عليه؛ لأن المعنى ثم على أذهبه، فلم يبق لهم شيئًا منه وهو غير ما هنا، وأخذ من هذا بعض أئمتنا المتأخرين أن المسافر لو لم يتضرر بالصوم لكنه يقطعه عن كثير من أعمال البر كإعانة الرفقة، كان الفطر أولى ومعنى ذهاب المفطرين بالأجر المقتضي لتقديم أولى المصالح المتعارفة أن أجرهم قد بلغ في الكثرة بالنسبة إلى أجر الصوم مبلغًا ينعم فيه أجر الصوم. فصار الأجر كأنه كله لهم مبالغة وحثًا على تقديم النفع المتعدي، ويحتمل أن المراد أن لهم أجر ما فعلوا من المصالح لا مطلق الأجر، ذكر هذين ابن دقيق العيد ولم يرجح منهما شيئًا ورجحت الأولى؛ لأنه اللائق بالسياق؛ إذ على الثاني لا يبقى في تخصیهم بذلك كبير فائدة. ٢٠٢٣ - [وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللهِنَّهِ مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى مَكَّةَ فَصَامَ حَتَّى بَلَغَ عُسْفَانَ، ثُمَّ دَعَا بِمَاءٍ فَرَفَعَهُ إِلَى يَدَيْهِ لِيراهُ النَّاسَ، (١) أخرجه البخاري (٢٧٣٣)، ومسلم (١١١٩)، والنسائي (٢٢٨٣)، وأبو يعلى (٤٢٠٣)، وابن حبان (٣٥٥٩). ٥٠٥ كتاب الصوم/ باب صوم المسافر فَأَفْطَرَ حَتَّى قَدِمَ مَكَّةَ وَذَلِكَ في رَمَضَانَ وَأَفْطَرَ فَمَنْ شَاءَ صَامَ، وَمَنْ شَاءَ أَفْطَرَ. مُتَّفَقَّ عَلَيْه](١). (وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللهِ وَ﴿ مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى مَكَّةَ) عام الفتح (فَصَامَ حَتَّى بَلَغَ عُسْفَانَ، ثُمَّ دَعَا بِمَاءٍ فَرَفَعَهُ إِلَى يَدَيْهِ لِيراهُ النَّاسَ) هذا فيه نوع غموض ومن ثم قيل: الصواب رواية أبي داود: ((فرفعه إلى فيه)(٢) وإن ذکر یده هنا تصحیف. انتهى. وفي الجزم بأنه تصحيف نظر لإمكان صحته يجعل ((إلى)) بمعنى (على)) أو بمعنى ((مع)) على حد قوله تعالى: ﴿مَنْ أَنصَارِي إِلَى الله﴾ [آل عمران: ٥٢]. ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى المَرَافِقِ﴾ [المائدة: ٦]. ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء: ٢] فـ((إلى)) فيها بمعنى: ((مع) كما قاله ابن مالك وغيره، فكذا هنا؛ أي: فرفعه مع يده ليروه ويتأسوا به، وقال الرضي وغيره: التحقيق أنها في هذه الثلاثة لانتهاء الغاية كما هو الأصل والأشهر فيها؛ أي: من يضيف نصرته إلى نصرة الله، أو من ينصرني حال كوني ذاهبًا إلى الله أو مضافة إلى المرافق أو إلى أموالكم، وعليه فيصح نظير ذلك هنا؛ أي: فرفعه رفعًا بليغًا مضافًا إلى رفع يده، وهذا هو الأولى؛ لأن بقاء الحرف على معناه الأصلي. والأشهر فيه حيث أمكن أولى من إخراجه عن ذلك إلى مجازه، ويصح أن تكون للظرفية كفي نحو ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ﴾ [النساء: ٨٧] أي: فيه هل لك إلى أن تزكى؛ أي: في أن تزكي؛ أي: فرفعه في حال كونه في يده رفعًا بليغًا بدليل قوله: (يراه الناس)) وأن يكون بمعنى على؛ أي: رفعه على يده (فَأَفْطَرَ) واستمر مفطرًا (حَتَّى قَدِمَ مَكَّةَ) وفيه أظهر دليل على أن للمسافر الفطر، وإن نوى من الليل وأصبح صائمًا (١) أخرجه البخاري (١٩٤٨)، ومسلم (٢٦٦٤)، وأحمد (٢٧٠٤)، والنسائي (٢٣٢٦)، وابن حبان (٣٦٣٥). (٢) أخرجه أبو داود (٢٤٠٦). ٥٠٦ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس وعلى أن لمنشئ السفر في رمضان الفطر، وخالف في هذا عبيدة السلماني من التابعين فمنع الفطر فيه محتجًا بقوله تعالى: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥] وهو احتجاج ضعيف جدًّا؛ لأن الأحاديث بل وأخر الآية قاضية بأن المراد ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ﴾ أي: شيئًا منه من غير نحو مرض ولا سفر ﴿فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥]. (وَذَلِكَ فِي رَمَضَانَ) سنة ثماني فكان ابن عباس يقول: قد صام رسول الله وَايه في السفر تارة (وَأَفْطَرَ) أخرى ليبين للأمة جواز كل من الأمرين (فَمَنْ شَاءَ صَامَ، وَمَنْ شَاءَ أَفْطَرَ. مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ). ٢٠٢٤ - [وَ فِي رِوَايَةٍ: لمُسْلِمٍ: عَنْ جَابِرِ أَنَّهُ شَرِبَ بَعْدَ العَصْرِ]. (وَفِي رِوَايَةٍ: لِمُسْلِمٍ عَنْ جَابِرِ أَنَّهُ) وَ (شَرِبَ بَعْدَ العَصْرِ) وفيها أبلغ حجة على أن للمسافر الفطر وإن نوى من الليل وأصبح صائمًا حتى مضى أكثر النهار ولم يبق منه إلا القليل. (الفصل الثاني) ٢٠٢٥ - [عَنْ أَنَس بْن مَالِك الكَعْبِي قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌ََّ: إِنَّ اللّهَ وَضَعَ عَنِ الْمُسَافِرِ شَطْرَ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمَ عَنِ الْمُسَافِرِ، وَعَنِ الْمُرْضِعِ والْخُبْلَى. رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِي وَالنَّسَائِي وَابْنِ مَاجَه](١). (عَنْ أَس بْن مَالِك الكَعْبِي) زاد ابن ماجه رجل من بني عبد الأشهل وغلط في ذلك، فإن الصواب هو ما جزم به البخاري في ترجمته وجرى عليه أبو داود فقال رجل من بني عبد الله بن كعب: أخوه قشير فهو كعبي لا قشيري خلافًا لما وقع لابن (١) أخرجه عبد الرزاق (٧٥٦٠)، وأحمد (١٩٠٦٩)، وعبد بن حميد (٤٣١)، وأبو داود (٢٤٠٨)، والترمذي (٧١٥)، والنسائي (٢٢٧٦)، وابن ماجه (١٦٦٧)، والبغوي في ((معجم الصحابة)) (١٧)، وابن خزيمة (٢٠٤٢)، والطحاوي (٤٢٢/١)، وابن قانع (١٦/١)، والطبراني (٧٦٥)، والبيهقي (٧٨٦٩). ٥٠٧ كتاب الصوم/ باب صوم المسافر عبد البر؛ لأن كعبًا له ابنان عبد الله جد أنس هذا، وقشير وهو أخو عبد الله وأنس هذا لا يعرف له غير هذا الحدیث. (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: إِنَّ اللهَ وَضَعَ عَنِ الْمُسَافِرِ شَطْرَ الصَّلاةِ) فيه حجة لما عليه الشافعي كأكثر أهل العلم أن القصر جائز لا واجب؛ لأن وضع بمعنى أسقط وإسقاط الشيء يقتضي إسقاط وجوبه الأخص لا جوازه الأعم، ويدل له الحديث الصحيح أن عائشة رضي الله عنها قالت: وهي مسافرة معه ◌َ له يا رسول الله، ((قصرت)) أي: أنت ((وأتممت)) أي: أنا، فقال: ((أحسنت يا عائشة))(١). (وَ) وضع (الصَّوْمَ) أي: وجوبه (عَنِ الْمُسَافِرِ) فهو معطوف على شطر المؤخر من تقديم، والتقدير أن الله وضع شطر الصلاة عن المسافر، والصوم عن المسافر، وإنما أعاده لتوقف صحة عطف ما بعده عليه وهو قوله: (وَعَنِ الْمُرْضِعِ وَالْحُبْنَى) ولا يلزم من استواء الكل في الوضع الذي هو إسقاط الوجوب كما تقرر استواؤهم في توابعه؛ إذ هو في الصلاة لا إلى بدل وفي الثلاثة إلى بدل مختلف فيهم؛ إذ هو في المسافر مجرد القضاء، وفي الأخيرين القضاء وحده تارة ومع الفدية أخرى. وبيان ذلك أن الحامل أو المرضع متى خشيت من الصوم ضررًا أبيح التتميم على نفسها أو ولدها كأن يسقط الحامل أو يقل اللبن فيضنى الولد لزمها الفطر سواء الأم وغيرها، ولو مستأجرة ومتبرعة وإن وجد غيرها كما قاله النووي قال: وقول الغزالي: لا تفطر المستأجرة غلط ثم إن أفطرت خوفًا على الولد جدة لزمها القضاء مطلقًا، وكذا الفدية وهي مد واحد عن كل يوم، وإن تعدد الولد فتلزمها في مالها إن أيسرت، وإلا ففي ذمتها مطلقًا حيث لم تكن متجبرة ولا مريضة ولا مسافرة، قال ابن عباس وقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ﴾ منسوخة إلا في حق هذين والشيخ الكبير بقوله: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ﴾ [البقرة: ١٨٤]. (١) أخرجه النسائي (١٤٥٥)، والدار قطني (٢٣١٨)، والبيهقي (٥٦٣٥). ٥٠٨ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس وقال جمع لا نسخ ولا مقدرة فيها وإن خافت على نفسها وحدها أو مع الولد لم تجب فدية، والفرق بين هاتين والحالة الأولى ذكرته في ((شرح العباب)) (رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِي وَالنَّسَائِي وَابْن مَاجَه) وأحمد وصححه الترمذي وغيره. ٢٠٢٦ - [وَعَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْمُحَبَّقِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَيلَ: مَنْ كَانَ لَهُ حَمُولَة يَأْوِي إِلَى شِبَعِ فَلْيَصُمْ رمضان حَيْثُ أَدْرَكَهُ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ](١). (وَعَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْمُحَبَّقِ) بحاء مهملة فموحدة مشددة مكسورة أو مفتوحة، وفتحها أشهر عند المحدثين، بل قيل: كلهم يفتحونها واعترض عليهم بأن المحبق في اللغة المُضرِط(٤) فيتعين كسرها سمي بذلك تفاؤلاً بأنه يُضرِط أعداءه، كما قالوا: في عمرو بن هند مضرط الحجارة ولما شهد مع رسول الله يَله حنينًا بشر بابنه سلمان فقال لسهم: أربي به عن رسول الله وَله أحب إلي مما بشروني به. (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وََّ: مَنْ كَانَ لهُ حَمُولَة) هي كل ما يحمل عليه من إبل وحمر وغيرهما، وفعول بمعنى مفعول يدخله التأنيث؛ أي: من كانت له دابة تحمله و(يَأْوِي) به من أوى بالمد والقصر لازم ومتعد لكن الأكثر في المتعدي المد (إِلَى شِبَع) أي: محل إقامته الذي تهيأ له فيه طعام يشبعه ومسكن يقيه الحر والبرد (فَلْيَصُمْ رمضان حَيْثُ أَدْرَكَهُ) لأن سفره حينئذ قصير لا مشقة فيه ولا تعب؛ لأن الظاهر من يأوي أنه في أوى يومه لا يبيت إلا في محل إقامته فلم يكن أهلاً؛ لأن يرخص له في الفطر؛ لأن شرط السفر المرخص للفطر أن يكون مثل السفر المرخص للقصر في كونه جائزًا إلى مقصد معلوم على مرحلتين؛ لأن هذا هو الذي يكون مظنة للمشقة المناسبة للرخصة بخلاف ما إذا انتفى شرط من ذلك ککونه دون مرحلتين. وحمل شارح السفر هنا على المستوفى الشروط، والأمر بالفطر على الندب؛ لأن الصوم على راكبٍ يصل كل ليلة إلى محل شبعه لا يشق. (١) أخرجه أحمد (١٥٩٥٣)، وأبو داود (٢٤١٠). (٢) كان يسمى: عمرو بن هند، ولقب مضرط الحجارة؛ لشدته وصرامته. ٥٠٩ كتاب الصوم/ باب صوم المسافر قيل: وهذا أظهر من الأول؛ لأنه يلزم على الأول أن الحديث فيه كناية، وإطلاق اللازم على الملزوم، ومن الدلالة على المكنى عنه بحيث لا يخفى المراد على السامع عند إطلاق اللازم، وهذا غير موجود على الأول، انتهى. ولك رده بأن الأظهر هو الأول؛ لأن فيه إبقاء الأمر على حقيقته وهي الوجوب، والثاني يلزمه مجاز هو استعماله في الندب من غير قرينة، بل القرينة قاضية بالحقيقة وهي قوله حيث أدركه، فإن هذا تضييق يليق بالوجوب لا بالندب، وادعاء أنه يلزم على الأول ما ذكره ممنوع، بل من لمح ما ذكرته في شرحه علم أن مؤداه ما ذكر في الأول من غير ملاحظة لازم ولا ملزوم لما سبق أن قوله: يأوي إلى شبع ظاهر في أن المراد أنها أفضل به في يوم سفره إلى محل إقامته؛ لأن من مقصده على مرحلتين يأوي به دابته في أول يوم إلى غير شبع فلا يتناوله الحديث، وإنما حملت إلى شبع على محل الإقامة؛ لأنه المتبادر منه؛ إذ من شأن محلها تيسر ما يشبع ويروي، ومن شأن غير محلها خلاف ذلك، فتأمله. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُد) وفيه الرد على من زعم جواز الفطر في قصير السفر كطويله. (الفصل الثالث) ٢٠٢٧ - [وَعَنْ جَابِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَ خَرَجَ عَامَ الْفَتْحِ إِلَى مَكَّةَ فِي رَمَضَانَ فَصَامَ حَتَّى بَلَغَ كُرَاعَ الْغَمِيمِ فَصَامَ النَّاسُ، ثُمَّ دَعَا بِقَدَجٍ مِنْ مَاءٍ فَرَفَعَهُ حَتَّى نَظَرَ النَّاسُ إِلَيْهِ ثُمَّ شَرِبَ، فقِيلَ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ: إِنَّ بَعْضَ النَّاسِ قَدْ صَامَ فَقَالَ: أُولَئِكَ الْعُصَاةُ، أُولَئِكَ الْعُصَاةُ رَوَاهُ مُسْلِمْ)(١). (وَعَنْ جَابِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَهِ خَرَجَ عَامَ الْفَتْحِ إِلَى مَكَّةَ فِي رَمَضَانَ فَصَامَ حَتَّى بَلَغَ كُرَاعَ الْغَمِيمِ) وهو بالمعجمة واد بالحجاز منتهاه قريب من عسفان سمي ذلك المسمى كراعًا؛ لأنه يشبه كراع الضم وهو ما دون الركبة من الساق (فَصَامَ النَّاسُ) (١) أخرجه مسلم (٢٦٦٦)، والترمذي (٧١٤)، والنسائي (٢٢٧٥). ٥١٠ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس عطف على فصام (ثُمَّ دَعَا بِقَدَجٍ مِنْ مَاءٍ فَرَفَعَهُ حَتَّى نَظَرَ النَّاسُ إِلَيْهِ ثُمَّ شَرِبٌ، فَقِيلَ لَهُ) أي: للنبي ◌َّهِ (بَعْدَ ذَلِكَ) المذكور من الرفع والإفطار. (إنَّ بَعْضَ النَّاسِ قَدْ صَامَ) ولم يقله لك (فَقَالَ: أُولَئِكَ الْعُصَاةُ، أُولَئِكَ الْعُصَاةُ) أي: لتضررهم بالصوم لأمره لهم بالفطر يشقوا والذين بمكة؛ لأنهم كانوا ذاهبين إليها لفتحها فلما قوموا منها خشي عليهم أن يجهدهم الصوم في السفر، ففعل ذلك ليفطر وأقاموا فكانوا عصاة بالمعصية ليست لذات الصوم، كيف وهو ريه والصحابة صاموا من المدينة إلى كراع العميم كما في هذا الحديث نفسه فتعين أن عصيانهم ليس من حيث صومهم، بل من حيث مخالفتهم لما تضمنه فعله والقر من أمره لهم بالفطر للمصلحة المذكورة، أو لمصلحة بيان جواز الفطر في السفر. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وكرر فيه أولئك إلخ مبالغة في تقبيح فعلهم المخالف لفعله مع مبالغته في طلب الإفطار منهم برفعه قدح الماء بحيث يرونه كلهم، ثم شربه ليتبعوه ويقبلوا رخصة الله فأبوا. ٢٠٢٨ [وعن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: صَائِمُ رَمَضَانَ فِي السَّفَرِ كَالْمُفْطِرٍ فِي الْخَضَرِ رَوَاهُ ابْن مَاجَه](١). (وعن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: صَائِمُ رَمَضَانَ في السَّفَرِ كَالْمُفْطِرٍ في الْحَضَرِ) قضية التشبيه تحريم الصوم في السفر مطلقًا الذي مر عن بعض الصحابة والظاهرية القول به ولا دليل لهم فيه؛ لأنه محتمل يمكن تأويله بحمله على المتضرر بالصوم في السفر، فلا يعارض الأحاديث المصرحة بالجواز تصريحًا لا يمكن تأويله على أن التشبيه محتمل لغير الحرمة بأن يراد أن بينهما مشابهة في مجرد الامتناع عن قبول ما جاء عنه ◌َل﴾ فلا ينافي أنه في المشبه به حرام وفي المشبه غير حرام (رَوَاهُ ابْن مَاجَه). (١) أخرجه ابن ماجه (١٦٦٦). ٥١١ كتاب الصوم/ باب صوم المسافر ٢٠٢٩ - [وعَنْ حَمْزَةَ بْنِ عَمْرِو الأَسْلَمِيِّ أَنَّهُ قَالَ: يا رَسُولَ اللهِ، أَجِدُ بِي قُوَّةً عَلَى الصِّيَامِ فِي السَّفَرِ فَهَلْ عَلَّ جُنَاحٌ؟ قَالَ: هِيَ رُخْصَةٌ مِنَ الله ◌َتَ فَمَنْ أَخَذَ بِهَا فَحَسَنُ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَصُومَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ رَوَاهُ مُسْلِمٌ] (١). (وَعَنْ حَمَْةَ بْنِ عَمْرٍو الأَسْلَمِيِّ أَنَّهُ قَالَ: يا رَسُولَ الله أَجِدُ بِي قُوَّةً عَلَى الصِّيَامِ فِي السَّفَرِ فَهَلْ عَلَّ جُنَاحٌ؟) يحتمل أن مراده فهل علي إثم في الفطر؛ لأني قوي والرخصة للضعيف أو في الصوم؛ لأن الفطر رخصة وهي قد تكون واجبة، ووقع لشارح خلاف هذا التقرير، وهذا أولى منه وأظهر كما يعرف بتأملهما (قَالَ: هِيَ) أي: تلك الفعلة أو الخصلة المذكورة، وهي الصيام في السفر أو الصيام وأنثى ضميره لتأنيث خبره وهو (رُخْصَةُ) أي: تسهيل (مِنَ الله ورثات) لعباده رفعًا للمشقة عليهم ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]. (فَمَنْ أَخَذَ بِهَا) فأفطر في السفر لا سيما إن شق عليه الصوم فيه (فَحَسَنَّ) الحديث الآخر: ((إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه))(٢). (وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَصُومَ) في السفر ولا ضرر عليه في ذلك (فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وهو صريح في التخيير السابق في الأحاديث المتقدمة. (١) أخرجه مسلم (٢٦٨٥)، والنسائي (٢٣١٥)، والدارقطني (٢٣٢٥)، والبيهقي (٨٤١٧). (٢) أخرجه الطبراني (١٠٠٣٠)، وفي («الأوسط)) (٢٥٨١)، وأبو نعيم في (الحلية)) (١٠١/٢). (باب القضاء) (الفصل الأول) ٢٠٣٠ - [عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ الله عَنْهَا - قَالَتْ: كَانَ يَكُونُ عَلَيَّ الصَّوْمُ مِنْ رَمَضَانَ فَمَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَقْضِيَ إِلَّ فِي شَعْبَانَ قَالَ يَخْتَى بْنِ سَعِيْد: لِشُغْلِ مِن النَّبِيِّ أَوْ بِالنَّبِيِّ ◌َِّ مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ](١). (عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ الله عَنْهَا - قَالَتْ: كَانَ يَكُونُ) زائدة للتأكيد نحو ﴿وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الشعراء: ١١٢]. (عَّ) خبر كان (الصَّوْمُ مِنْ رَمَضَانَ) اسمها، ويصح كونها غير زائدة؛ لأنها تأتي بمعنى حضر؛ أي: كان الصوم من رمضان علي يحضر؛ أي: وقت قضائه بأن أكون طاهرًا صحيحة أو التقدير كان الشأن يحضر عليَّ الصوم؛ أي: وقت قضائه (فَمَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَقْضِيَ إِلَّا في شَعْبَانَ) أي: لأنه يدلّ كان يصومه كله تارة، وأكثره أخرى ويأتي أن مانعها شغلها به بالمعنى الآتي. وذلك منتفٍ عند صومه، فحينئذ يتمكن من قضاء ما عليها (قَالَ: يَحَْى بن سعيد) زيادة على غيره في الرواية عنها (لشُغْلِ) أي: سبب عدم استطاعتي ذلك أنه يمنعني الشغل (مِن الَّبِيِّ أَوْ بِالنَّبِيِّ ◌َ﴿) الظاهر أن ((أو)) للتنويع؛ أي: تارة هو وَلِيّ يشغلها وتارة هي تشتغل بخدمته، وقضية كلام النووي أنها للشك فإنه قال: ويعني بالشغل أنها كانت مهيِّئة نفسها للنبي وَلّ يسترصده لاستمتاعه بها في جميع أوقاته إن أراد ذلك (مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ). ويؤخذ منه أن من أفطر رمضان أو بعضه لعذر كمرض أو سفر أو حيض لا يلزمه القضاء فورًا لعدم تقصيره، فله تأخير القضاء لكن محل جواز تأخيره ما لم يبق (١) أخرجه البخاري (١٩٥٠)، ومسلم (٢٧٤٣)، والبيهقي (٨٤٦٩). - ٥١٢ - ٥١٣ كتاب الصوم/ باب القضاء قبل رمضان الثاني ما يسع القضاء فقط، فحينئذ يضيق القضاء فيحرم التأخير حيث لا عذر لوجوب الفدية لما تأخر إلى ما بعد رمضان الثاني لكل يوم مدَّ عندنا، وكذا عند غيره إلا أبا حنيفة ومن وافقه. وأن قول أصحابنا: يسن لمن جاز له تأخير القضاء تعجيله ويتابعه مسارعة لبراءة ذمته محله حيث لا عذر له، ووجه أخذ ذلك من كلامها أن عذر شغلها به اليه أو منه كما منع توجه وجوب قرينة القضاء إليها منع توجه ندبها إليها أيضًا، وإن من العذر المانع لندب تعجيل القضاء اشتغال المرأة بإعدادها نفسها لتمتع زوجها كما فعلته عائشة، وأقرها عليه النبي له وأن محل هذا كون عذرًا ما لم يقرب رمضان الثاني بالمعنى المذكور أولاً. ٢٠٣١ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قال: قال رَسُولُ اللهِلَّهِ: لا يَحِلُّ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَصُومَ وَزَوْجُهَا شاهدٌّ. وَلا تَأْذَنُ فِي بَيْتِهِ إِلا بِإِذْنِهِ رَوَاهُ مُسْلِم ](١). (وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ◌ََه قال: قال رَسُولُ اللهِ وَّهِ: لا يَحِلُّ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَصُومَ وَزَوْجُهَا شاهدٌ) أي: حاضر معها في بلدها، ومنه أخذ أئمتنا: إنه يحرم على الزوجة الخُرة أن تصوم تطوعًا بغير إذن حليلها الحاضر بالبلد إلا إن علمت رضاه، وذلك؛ لأنها تفوت بصومها حقه من التمتع بها، فإنه وإن جاز له في التطوع والفرض الموسع أن يطأها ولو كرهًا لكنه يهاب ذلك؛ لأن كل أحد يهاب إفساد عبادة غيره، وإذا هاب ذلك يضر تركه فيتضرر ويستثنى من التطوع نحو عرفة وعاشوراء لندرتهما، فلا يتضرر بصومها لهما، وإنما لم يلحق بالصوم في ذلك صلاة التطوع لقصر زمنها. قال بعض أصحابنا: ومتى أذن ثم سقط حقه فليس له بعد شروعها في الصوم إفساده عليها، وردوا عليه يقول الأصحاب: يجوز رجوعه عن الإذن لها في الاعتكاف المندوب؛ لأنه لا يجب بالشروع فيه (وَلا) يحل لها أن (تَأَذَنُ) لأحد ولو نحو أبويها (١) أخرجه البخاري (٤٨٩٦)، ومسلم (١٠٢٦)، وأحمد (٨١٧٣)، وأبو داود (٢٤٥٨)، والترمذي (٧٨٢) وابن ماجه (١٧٦١)، وابن حبان (٣٥٧٢). ٥١٤ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس وولدها ويصح رفعه خبرًا مرادًا به النهي وجزمه على النهي (في) دخول (بَيْتِه) الذي يملك أو يستحق منفعته (إِلا بِإِذْنِهِ. رَوَاهُ مُسْلِم) ومنه أخذ أئمتنا قولهم له: إن يمنع نحو أبويها وأولادها من الدخول لها في بيته كما أن له أن يمنعها من الخروج لزيارتهم وعیادتهم وشهود جنائزهم. ٢٠٣٢ - [وعَنْ مُعَاذَةَ الْعَدَوِيَّةِ أَنّهَا قَالتْ لِعَائِشَة: مَا بَالُ الْخَائِضِ تَقْضِي الصَّوْمَ وَلا تَقْضِي الصَّلاةَ؟ قَالَتْ عَائِشَة: كَانَ يُصِيبُنَا ذَلِكَ فَنُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّوْمِ، وَلا نُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّلاةِ- رَوَاهُ مُسْلِم](١). (وعَنْ مُعَاذَةَ الْعَدَوِيَّةِ أَنّها قالت: لعائشة مَا بَالُ الْخَائِضِ تَقْضِي الصَّوْمَ وَلا تَقْضِي الصَّلاةَ؟ قَالَتْ عائشة: كَانَ) الشأن (يُصِيبُنَا ذَلِكَ) أي: الحيض المفهوم من ذكر الحائض (فَنُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّوْمِ، وَلا تُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّلاة. رَوَاهُ مُسْلِم) وجوابها بذلك من الأسلوب الحكيم؛ أي: دعي السؤال عن العلة، فإن الحكم إما يقتدي فلا علة له، وإنما المدار فيه على مجرد الاتباع لا غير أو دعي السؤال عنها، فإنها خفية لا أهلية لك فيك إلى فهمها وتمسكي بالاتباع المحض، وهي أن قضاء الصوم لا يشق؛ لأنه لا يكون في السنة إلا مرة بخلاف قضاء الصلاة، فإنه يشق كثيرًا؛ لأنه يكون غالبًا في كل شهر ستًا أو سبعًا، بل قد تمتد إلى خمسة عشر ولزم قضاء صلوات نصف كل شهر وذلك في غاية المشقة. ٢٠٣٣ - [وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَّهِ: مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صَوْمُ صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ مُتَّفَقُ عَلَيْهِ](٢). (وعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وََّ: مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صَوْمُ صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ. مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ) أفهم قوله: وعليه صوم أنه لا فرق في ذلك بين (١) أخرجه مسلم (٧٨٩)، والبيهقي (١٥٣٠). (٢) أخرجه البخاري (١٨٥١)، ومسلم (١١٤٧)، وأحمد (٢٤٤٤٦)، وأبو داود (٢٤٠٠)، وأبو يعلى (٤٤١٧)، وابن حبان (٣٥٦٩)، والدارقطني (١٩٤/٢) وقال: هذا إسناد صحيح. والبيهقي (٨٠١٠). ٥١٥ كتاب الصوم/ باب القضاء رمضان أدائه وقضائه والنذر والكفارة، لكن اتفق أئمتنا وغيرهم بل أجمع العلماء إلا طاووس وقتادة على أن محل ذلك إن مات بعد التمكن من الصوم ومثله مألوفاته بلا عذر، وإن لم يتمكن منه بخلاف ما إذا فات بعذر ومات قبل التمكن منه بأن مات عقب موجب القضاء أو الكفارة أو النذر أو استمر به الغم، وكالسفر أو المرض إلى موته فلا فدية ولا صيام كما لا زكاة لو تلف المال بعد الحول وقبل التمكن من الأداء. وقوله: ((صام عنه وليه)) أن صومه عنه واجب، وهو كذلك لكنه واجب مخير ومحله إن خلف تركة، فحينئذٍ وليه مخير بين أن يطعم عنه لكل يوم مد طعام مما يجزي فطره ومصرفها فقير أو مسكين، ويجوز إعطاء واحد إمداد إلا دون مد، وهذا لا خلاف في إجزائه وأن يصوم عنه، وهذا فيه خلاف. فمذهب الشافعي الجديد منعه وهو المشهود في المذهب، وصححه أكثر أصحابه وانتصر له بعضهم بأن القياس وفتوى الصحابة تعضده، وأولوا الأحاديث المصرحة بالصوم بما فيه بُعْد وتكلف ظاهر. ومن ثم قال النووي: إنه تأويل باطل ومذهبه القديم جوازه. وصححه جماعة من محققي أصحابه متقدمیهم ومتأخريهم. وصوبه النووي من جهة الدليل للأخبار الصحيحة التي لا معارض لها وأكثرها في («الصحیحین)). قال: وليس للجديد حجة من السنة والحديث الوارد بالإطعام ضعيف، ومما يوجبه اعتماد القديم أن الشافعي نفسه، قال عن حديث الصوم: إن صح قلت به، وقد صح من غير معارض، فوجب العمل به من غير نظر في انتفاء القوادح عنه، لما هو المقرر أنه لا يقول ذلك في حديث إلا وقد علم أنه لا قادح فيه غير الصحة، فإذا ثبتت انتفت عنه سائر القوادح. والمراد بالولي في الحديث: كل قريب بأي قرابة كان لما صح أنه ولي أمر امرأة أن تصوم عن أمها، وهو يرفع احتمال أن يراد بالولي ولي المال أو ولي العصوبة. ٥١٦ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس وروى أحمد وأبو داود أنه جاءت إليه وَّل امرأة قرابة لا مرأة ماتت وعليها نذر صوم شهر فذكرت له ذلك، فقال: ((صومي عنها))(١) فإطلاق القرابة فيه دليل على أنه لا فرق بين الوارث وغيره؛ لأنه واقعة حال قولية والاحتمال تعميمها، وكالقريب أجنبي أذن له القريب أو أوصاه تأخره أو دونها ولو كان عليه ثلاثون يومًا فصامها عنه ثلاثون رجلاً في يوم واحد أجزا كما قاله الحسن البصري، وقواعد مذهبنا توافقه. (الفصل الثاني) ٢٠٣٤ - [عَنْ نَافِعٍ عَن ابْنِ عُمَر عَنِ النَّبِيِّ نَ﴿ قَالَ: مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامُ شَهْرِ فَلْيُطْعِمْ عَنْهُ مَكَانَ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا. رَوَاهُ التِّرْمِذِي وَقَالَ: الصَّحِيْحُ أنَّهُ مَوْقُوفُ عَن ابْن عُمَر](٤). (عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَر عَنِ النَّبِيِّ ◌َ﴿ قَالَ: مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامُ شَهْرٍ فَلْيُطْعِمْ عَنْهُ مَكَانَ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا. رَوَاهُ التِّرْمِذِي وَقَالَ: الصَّحِيْحُ أنَّهُ مَوْقُوفٌ عَنِ ابْنِ عُمَر) وهو حديث ضعيف اتفاقًا، ومع ضعفه فالإطعام لا يمتنع عند القائل بالصوم كما مر، واستفيد منه أن كل يوم عليه مد، وأن مصرفه الفقير أو المسكين كما مر. (الفصل الثالث) ٢٠٣٥ - [عَنْ مَالِك بَلَغَهُ أنَّ ابْنِ عُمَر كَانَ يَسَألُ: هَلْ يَصُومُ أَحَدُ عَنْ أَحَدٍ أَوْ يُصَلِّ أَحَدُ عَنْ أَحَدٍ؟ٍ فَيَقُولُ: لَا يَصُومُ أَحَدُّ عَنْ أَحَدٍ وَلَا يُصَلِّ أَحَدُ عَنْ أَحَدٍ. رَوَاهُ فِي («المُوَّا))](٣). (عَنْ مَالِك بَلَغَهُ أَنَّ ابْنِ عُمَر كَانَ يَسَألُ: هَلْ يَصُومُ أَحَدُ عَنْ أَحَدٍ أَوْ يُصَلِّ أَحَدُ عَنْ أَحَدٍ؟ فَيَقُولُ لَا يَصُومُ أَحَدُ عَنْ أَحَدٍ وَلَا يُصَلّ أَحَدْ عَنْ أَحَدٍ رَوَاهُ فِي (المُوَظَا)). (١) أخرجه مسلم (٢٧٥٣)، والترمذي (٦٦٩)، والبيهقي (٨٤٩١). (٢) أخرجه الترمذي (٧١٨)، وابن ماجه (١٧٥٧)، وأبو نعيم في ((الحلية)) (٢٤٦/١٠)، وابن عدي (٣٧٣/١). (٣) أخرجه مالك (٦٧٦). ٥١٧ كتاب الصوم/ باب القضاء أما قوله: ((لا يصوم أحد عن أحد)) فهو موافق للجديد، وقد مر أن عليه جماعة من الصحابة، وأنه لا خلاف في إجزاء الإطعام، وإنما الخلاف في الصوم. وأما قوله: ((لا يصلي أحد عن أحد)) فهو إجماع على ما حكاه كثيرون من الشافعية وغيرهم. لكن حكى القفال عن بعض أصحابنا أنه يطعم عن كل صلاة مدًّا. قال الخوارزمي من أئمتنا: ورأيت بخراسان من يفتي به من بعض أصحابنا. وحكى ابن برهان عن الشافعي # في ((القديم)) أنه يجب على الولي أن يصلي عنه ما فاته لقوله ◌َّ﴾: ((إن من البر بعد البر أن تصلي لهما مع صلاتك، وتصوم لهما مع صومك))(١) وهو حديث معضل مرسل، وحكاه أيضًا العبادي قولاً للشافعي لخبر فیه. وحكي عن عطاء وإسحاق كالصوم واختاره ابن دقيق العيد والسبكي قال: ومات لي قريب عليه خمس صلوات ففعلتها عنه قياسًا على الصوم، وإن منعه أيضًا أكثر العلماء ومال إلى ترجيحه ابن أبي عصرون وغيره. قال ابن أبي عصرون: وليس في الحديث ما يمنع وصول ثواب الصلاة للميت. وروى فيها عن الوالدين أخبار غير مشهورة واستظهر السبكي ما قاله للحديث المفضل المرسل المذكور. وقيل: المراد تدعو لهما ولا مانع من حمله على ظاهره وفي ((تهذيب البغوي)) اختلف أصحابنا في جواز الصلاة عن الميت إذا أوصى. قال الأسنوي: فإذا جازت بالوصية جازت للولي. قال المحب الطبري من متأخري أئمتنا: ويصل للميت ثواب كل عبادة فعلت عنه واجبة أو مندوبة. (١) أخرجه مسلم (٣٤)، وابن أبي شيبة (١٢٠٨٤). ٥١٨ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس وكُتب الحنفية ناصة على أن للإنسان أن يجعل ثواب عمله لغيره صلاة أو غيرها. وفي ((شرح المختار)) لمؤلفه منهم مذهب أهل السنة والجماعة أن للإنسان أن يجعل ثواب عمله وصلاته لغيره ويصل. ويعارض ما رواه مالك عن ابن عمر أنه لا يصلي أحد عن أحد ما صح في البخاري عنه: ((أنه أمر من ماتت أمها وعليها صلاة أن تصلي عنها)(١). (١) أخرجه البخاري (٣٠). 0 ١٠٠ مے ہ فهرس محتويات الجزء السادس ٠٠ 0 ٠٠٠٠ - ٥١٩ - فهرس محتويات الجزء السادس تتمة كتاب الجنائز .. ٣ باب تمني الموت وذکره ٣ الفصل الأول ٣ الفصل الثاني. ١١ الفصل الثالث ١٩ باب ما يقال عند من حضره الموت ٢٤ الفصل الأول ٢٤ الفصل الثاني. ٢٩ الفصل الثالث ٣٣ باب غسل الميت وتكفينه. ٥٣ الفصل الأول ٥٣ الفصل الثاني ٥٨ الفصل الثالث ٦٣ باب المشي بالجنازة والصلاة عليها ٦٧ الفصل الأول ٦٧ الفصل الثاني. ٩١ الفصل الثالث ١٠٠ باب دفن الميت ١٠٩ الفصل الأول ١٠٩ ٥٢١