النص المفهرس

صفحات 481-500

٤٨١
كتاب الصوم/ باب تنزيه الصوم عما يبطله من أصله أو يبطل ثوابه أو ينقصه
هواها مرتبكة في ظلمة خبائها لا تفيدها العبادات لا سيما الصوم إلا مجرد مقاساة
تعبها ومساعدة ظفرها بمطلبها.
ومن هذا الحديث وحديث الحاكم الذي صححه: ((ليس الصيام من الأكل
والشرب فقط الصيام)) أي: الكامل ((من اللغو والرفث)(١) أخذ قولهم: يتأكد على الصائم؛
أي: من حيث الصوم فلا ينافي كونه واجبًا عليه من جهة أخرى أن يكف لسانه
وسائر جوارحه عن المباحات، وأكد من ذلك كف ما ذكر عن المعاصي بأسرها، قال
جمع متقدمون منهم وأقرهم النووي في ((مجموعه)) ونقله البيهقي عن الشافعي عظته،
ويبطل بذلك ثوابه من أصله لا ذاته خلافًا للأوزاعي، ومن ثم قال الماوردي وغيره في
خبر: ((خمس يفطرن الصائم: الغيبة والنميمة والكذب والقبلة واليمين الفاجرة))(٢)
المراد به؛ أي: بتقدير صحته، وإلا فهو باطل كما في (شرح المهذب)) بطلان الثواب لا
الصوم. انتهى.
وبهذا كالذي قبله يندفع قول بعض المتأخرين: ينقدح أن له ثواب الصوم وعليه
إثم معصيته. انتهى.
قال السبكي: ولو اغتاب ثم تاب لم تؤثر التوبة في النقص الحاصل، بل في رفع
الإثم فقط، واعتمده في ((الخادم)) وأطال فيه وقولهم: يتأكد عليه أيضًا أن يكف نفسه
عن شهواتها التي لا تبطل الصوم؛ لأن ذلك هو سر الصوم ومقصوده الأعظم؛ لتنكسر
نفسه عن الهوى وتقوى على حقيقة التقوى سواء المسموعات والمبصرات، والمشمومات
والملبوسات كشم الرياحين والنظر إليها ولمسها، ويكره له كل ذلك لما فيه من الترفه
الذي لا يناسب حكمة الصوم، والظاهر أنها كونه أشعث أغبر كالمحرم، لكن لما كان
القصد الأعظم من الصوم ما ذكر طلب فيه كف الجوارح عن كل ما تشتهيه وغلب
فيه رعاية ما يليق بالبواطن عكس الإحرام؛ لأن القصد به التغرب عن الأوطان وقطع
(١) أخرجه الحاكم (١٥٧٠) وقال: صحيح على شرط مسلم. والبيهقي (٨٠٩٦)، والديلمي (٥٢٢٤).
(٢) أخرجه بنحوه الديلمي (٢٩٧٩).

٤٨٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس
المسافات الظاهرة لتكون عونًا على قطع المسافات الباطنة، فغلب فيه رعاية ما يتعلق
بالظواهر.
قال بعض أصحابنا: ويكره له؛ أي: من غير حاجة دخول الحمام؛ أي: وإن
لم يتأذ به؛ لأنه إنما يخشى منه ضررًا إن لم يعتده أو يكون فيه تنعم لا يناسب
الصائم.
٢٠٠٠ - [وعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِوَِّ يُقَبِّلُ
وَيُبَاشِرُ وَهُوَ صَائِمْ وَكَانَ أَمْلَكَكُمْ لِإِرْبِهِ. مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ] (١).
(وعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَهِ يُقَبِّلُ وَيُبَاشِرُ)
بعض نسائه (وَهُوَ صَائِمٌ) زاد مسلم: ((في رمضان)»(٢) (و) ينبغي ألا يتأسوا به في ذلك
بإطلاقه، فإنكم لستم مثله في العصمة والصبر؛ لأنه (كَانَ أُمْلَكَكُمْ لإِرْبِهِ) بفتح
أوليه عند أكثر المحدثين؛ أي: لحاجته يعني: إنه وإن احتاج للنساء يسهل عليه من
الصبر والإعراض عنهن ما لا يسهل على غيره، وبكسر فسكون؛ أي: لحاجته أو
لذكره، كذا وقع في ((شرح السنة)) للبغوي، قيل: لا يعبر بهذا إلا جاهل بوجوه حسن
الخطاب مائل عن سنن الأدب ونهج الصواب. انتهى.
ورد بأنها ذكرت أنواع الشهوة مترقية من الأدنى إلى الأعلى فبدأت بمقدمتها
التي هي القبلة، ثم ثنت بالمباشرة من نحو المداعبة والمعانقة، وأرادت أن تعبر
بالمجامعة فكفت عنها بالأدب، وأي عبارة أحسن منها؟ انتهى.
وفيه إيهام غير خفي فليتنبه له (مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ) ولأجل فعله وَّهِ واستدراك
عائشة ما يقطع التأسي به فيه كما تقرر اختلف العلماء في جواز القبلة
للصائم:
(١) أخرجه البخاري (١٩٢٧)، ومسلم (٢٦٣٢)، وأحمد (٢٤٨٨٣)، وأبو داود (٢٣٨٤)، والترمذي
(٧٣٣).
(٢) أخرجه مسلم (٢٦٤٠).

٤٨٣
كتاب الصوم/ باب تنزيه الصوم عما يبطله من أصله أو يبطل ثوابه أو ينقصه
فرخص فيها: عمر وأبو هريرة وعائشة ﴾.
وكرهها: ابن عباس - رضي الله عنهما - للشاب، وأخذ الشافعي عليه وأصحابه
من حديث ((الصحيحين)): ((من حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه)(١) ومما صح أنه
مثل* رخص في القبلة للشيخ وهو صائم، ونهى عنها الشاب، وقال: الشيخ يملك إربه،
والشاب يفسد صومه قولهم: يكره للصائم تقبيل حليلته في الفم أو غيره إن أمن
الجماع والإنزال وإن التذ.
ومن قال: يحرم إن التذ فقد غلط؛ لما صح أن عمر # هش؛ أي: نشط وارتاح
فقبَّل، فأتى النبي وَليه قائلاً: صنعت أمرًا عظيمًا فقال له: ((أرأيت لو تمضمضت من الماء
وأنت صائم)) قال: قلت: لا بأس. قال: ((فيم؟))(٢) وإن خاف من القبلة جماعًا أو إنزالاً
حرمت إن كان صائمًا فرضًا ولو شيخًا؛ لأن فيها حينئذٍ تعريضًا لإفساد العبادة، وكل
ذلك أفهمه التعليل في الحديث الأخير، وإنما كرهت مع أمن ما ذكر؛ أي: كانت خلاف
الأولى حسمًا للباب؛ لأنه قد يظنها غير محركة وهي محركة؛ ولما مر أنه ليس له ترك
الشهوات ولا يفطر اتفاقًا بها بلا إنزال، وإن أثم بها لخوفه منه، نعم ليس له القضاء
خروجًا من خلاف من أوجبه، والمرأة كالرجل فيما ذكر، ومحرم على المفطرة لنحو
حيض يمكنه إن لم يأمن ذلك، كما يحرم عليه إن أفطر لنحو سفر تمكنها إن لم تأمن
ذلك.
٢٠٠١ [وَعَنْهَا قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَِّ يُدْرِكُهُ الْفَجْرُ فِي رَمَضَانَ وَهُوَّ جُنُبُ
مِنْ غَيْرِ حُلْمٍ فَيَغْتَسِلُ وَيَصُومُ مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ](٣).
(وَعَنْهَا قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللّهِ وَيِّ: يُدْرِكُهُ الْفَجْرُ فِي رَمَضَانَ وَهُوَ جُنُبٌ) سمي
(١) أخرجه البخاري (٥٢)، ومسلم (١٥٩٩)، وأحمد (١٨٣٩٨)، وأبو داود (٣٣٢٩)، والترمذي
(١٢٠٥) والنسائي (٤٤٥٣)، وابن ماجه (٣٩٨٤)، والدارمي (٢٥٣١)، والبيهقي (١٠١٨٠).
(٢) أخرجه عبد بن حميد (٢١).
(٣) أخرجه البخاري (١٩٣٠)، ومسلم (٢٦٤٦)، وأبو عوانة (٢٢٨٥).

٤٨٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس
به لتجنبه نحو الصلاة والقراءة (مِنْ غَيْرِ حُلْمٍ).
وفي رواية: (يصبح جنبًا من جماع غير احتلام))(١).
(فَيَغْتَسِلُ وَيَصُومُ) عملاً بنص آية البقرة؛ لأنه تعالى أحل الوطء في جميع أجزاء
الليل، وذلك يستلزم طلوع الفجر مع الجنابة فلا يقع الغسل إلا بعده.
(مُتَّفَقُ عَلَيْهِ) ومنه أخذ كافة أهل العلم أنه يصح صوم الجنب والحائض
والنفساء، وقال جمع منهم أبو هريرة، لكنه رجع عنه يجب الغسل من ذلك قبل الفجر؛
لخبر البخاري: ((من أصبح جنبًا فلا صوم له))(٢) وأجابوا عن هذا بأنه منسوخ،
واستحسنه ابن المنذر أو محمول وهو الأولى، على أن من أصبح مجامعًا واستدام الجماع.
وعلى الأول: قال أصحابنا: يتأكد عليه أن يغتسل قبل الفجر خروجًا من
الخلاف، وخشية من وصول الماء إلى باطن نحو الأذن أو الدبر، ومن ثم كان الأحوط له
غسل هذه المواضع إن لم يتهيأ له الغسل الكامل، ولو احتلم نهارًا قبل صلاة العصر
سن له المبادرة بالغسل؛ ليؤدي الصوم على أكمل الحالات وبعدها، فقد يعارض في حقه
خشية سبق مفطر وأداء الصوم على الطهارة، والذي يتجه رعاية الأولى فيؤخر للغروب.
وإنما احتاجت عائشة لقولها: ((من غير حلم)) مع أن الأنبياء يحتلمون؛ لأن هذا
النفي ليس على إطلاقه، بل المراد أنهم لا يحتلمون برؤية جماع؛ لأن ذلك من تلاعب
الشيطان بالنائم وهم معصومون عن ذلك، وأما الاحتلام بمعنى نزول المني في النوم
من غير رؤية وقاع، فهو غير مستحيل عليهم؛ لأنه ينشأ عن نحو امتلاء البدن، فهو
من الأمور الخلقية أو العادية التي يستوي فيها الأنبياء وغيرهم.
٢٠٠٢ - [وَعَنِ ابْنِ عَبَّاس - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - قَالَ: إِنَّ النَّبِيَّ ◌َِّ احْتَجَمَ وَهُوَ
مُحْرِم، وَاحْتَجَمَ وَهُوَ صَائِمٍ. مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ] (٣).
(١) أخرجه مالك (٦٤٣)، وأحمد (٢٤٨٠٢)، وأبو داود (٢٣٩٠)، والنسائي (٢٩٤٧).
(٢) أخرجه أحمد (٢٧٠٥٢)، والطبراني (١٥١٤٨)، ولم أقف عليه عند البخاري.
(٣) أخرجه البخاري (١٩٣٨)، ومسلم (٢٩٤٢)، وأحمد (١٨٧٧).

٤٨٥
كتاب الصوم/ باب تنزيه الصوم عما يبطله من أصله أو يبطل ثوابه أو ينقصه
(وَعَنِ ابْنِ عَبَّاس - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - قَالَ: إِنَّ النَّبِيَّ وَّهِ احْتَجَمَ وَهُوَ مُحْرِم،
وَاحْتَجَمَ وَهُوَ صَائِم. مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ) ومنه أخذ أكثر العلماء حل الحجامة من غير كراهة
لمحرم بنسك إن لم تنتف شعر، ولصائم ولو فرضًا، وقال جماعة من السلف: يكره
خوف الضعف.
وقال عطاء: يبطل صوم المحجوم وعليه الكفارة.
وقال أحمد وإسحاق وغيرهما: يبطل صومهما ولا كفارة عليهما للخبر المتواتر:
((أفطر الحاجم والمحجوم)(١).
وأجاب الأولون بأنه منسوخ لما صح: «رخص ◌ّة في القبلة للصائم وفي
الحجامة))(٢).
فلذا صح أيضًا: ((أول ما كرهت الحجامة للصائم)) أن جعفر بن أبي طالب ﴾
احتجم وهو صائم، فمر النبي ◌ّله فقال: ((أفطر هذان))(٣) أي: الحاجم والمحجوم، ثم
رخص ولي في الحجامة للصائم، وكان أنس ﴾ يحتجم وهو صائم.
ولما صح أيضًا أن قوله: ((أفطر الحاجم والمحجوم)) كان لثماني عشرة من رمضان
سنة الفتح وهي سنة ثمان، ويأتي في حديث شداد بن أوس أنه قال ذلك بالمدينة،
فليحمل على أنه قاله تارة بمكة وتارة بالمدينة، وأن احتجامه ◌َليه وهو صائم كان في
حجة الوداع سنة عشر، وقول ابن عباس - رضي الله عنهما - راويه: ((وهو صائم يبطل
ما قيل إنما احتجم؛ لأنه كان مسافرًا والمسافر له الفطر بالحجامة وغيرها)) ووجه إبطاله
له أنه أثبت له الصوم مع الحجامة؛ إذ لا يقال: أكل وهو صائم، وبأن المعنى أنهما تعرضا
للفطر المحجوم للضعف، والحاجم؛ لأنه لا يأمن أن يصل شيء إلى جوفه بمص
(١) أخرجه أحمد (٢١٨٧٥)، والبيهقي (٨٠٦٦)، والنسائي في الكبرى (٣١٦٥)، والخطيب (٣٧٨/٩)،
والضياء (١٣٠٨).
(٢) أخرجه الدارقطني (١٨٣/٢)، والبيهقي (٨٠٥٧).
(٣) أخرجه الدارقطني (٢٢٨٣)، والبيهقي (٨٥٦١).

٤٨٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس
المحجمة، وبأنهما كانا يغتابان في صومهما، رواه البيهقي في بعض طرقه.
٢٠٠٣ [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَة ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: مَنْ نَسِيَ وَهُوَ صَائِمٍ فَأَكَلَ
أَوْ شَرِبَ فَلْيُتِمَّ صَوْمِه فَإِنَّمَا أَطْعَمَهُ اللّه وَسَقَاهُ مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ] (١).
(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَة ◌َ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌ِِّ: مَنْ نَسِيَ وَهُوَ صَائِم) إنه في صوم
(فَأَكَلَ أَوْ شَرِبَ) وفي رواية للبخاري: ((فأكل وشرب))(٢).
(فَلْيُتِمَّ صَوْمه) وجوبًا عليه إن كان فرضًا؛ لأنه لم يخرج منه بما فعله، كيف
وفعله لغو؟ (فَإِنَّمَا أَطْعَمَهُ اللّه وَسَقَاهُ) أي: ما أطعمه ولا سقاه أحد غير الله؛ لأنه الذي
أنساه لطفًا به وتیسیرًا عليه برفع الحرج عنه.
(مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ) وبه أخذ أبو حنيفة والشافعي وأحمد، وأفاد ما فيه من العموم
أنه لا فرق بين الأكل والشرب الكثيرين والقليلين وهو الأصح من مذهبنا، وقال
مالك: يبطل صومه والدليل عليه الحديث المذكور والحديث الصحيح أيضًا: ((فلا
يفطر))(٣).
وصح أيضًا: ((فلا قضاء عليه)) (٤).
وفي رواية سندها صحيح أو حسن: ((من أفطر في شهر رمضان ناسيًّا فلا قضاء
عليه ولا كفارة)»(٥) وإنما بطلت الصلاة بالأكل الكثير فيها نسيانًا؛ لأن لها هيبة تذكر
المصلي أنه فيها فيندر ذلك فيها بخلاف الصوم، وكالأكل ناسيًا الجماع ناسيًا، وكالناسي
جاهل أمكن أن يخفى عليه ما تعاطاه لقرب إسلامه أو بعده عن العلماء ومكره على
تعاطي مفطر فيتعاطاه الداعية الإكراه لا غير، بل هذا أولى؛ لأنه مخاطب بتعاطي المفطر
(١) أخرجه البخاري (٦٢٩٢)، ومسلم (١١٥٥)، وأحمد (٩١٢٥)، وابن ماجه (١٦٧٣)، والدارمي
(١٧٢٦)، وأبو يعلى (٦٠٧١).
(٢) أخرجه البخاري (١٩٣٣)، وأحمد (١٠٣٩٧).
(٣) أخرجه الترمذي (٧٢١) وقال: حسن صحيح. والدارقطني (١٨٠/٢).
(٤) أخرجه الدارقطني (١٧٨/٢).
(٥) أخرجه الحاكم (١٥٦٩) وقال: صحيح على شرط مسلم. والبيهقي (٧٨٦٣).

٤٨٧
كتاب الصوم/ باب تنزيه الصوم عما يبطله من أصله أو يبطل ثوابه أو ينقصه
لدفع ضرر الإكراه عن نفسه، بخلاف التأسي، وللخبر المشهور: ((رفع عن أمتي الخطأ
والنسيان وما استكرهوا عليه)(١) ويسن القضاء في ذلك كتعاطي شيء آخر، قيل
فيه: إنه مفطر خروجًا من الخلاف، نعم إن خالف الخلاف سنة صحيحة لم تسن
مراعاته.
٢٠٠٤ . [وَعَنْهُ قَالَ: بَيْنَا نَحْنُ جُلُوسُ عِنْدَ النَّبِيِ نَّهِ إِذْ جَاءَهُ رَجُلُ فَقَالَ: يَا
رَسُولَ اللهِ، هَلَكْتُ. قَالَ: مَا لَكَ؟ قَالَ: وَقَعْتُ عَلَى امْرَأَتِي وَأَنَا صَائِمٌ. فَقَالَ رَسُولُ الله
وَهُ: هَلْ تَجِدُ رَقَبَةً تُعْتِقُهَا؟ قَالَ: لَا. قَالَ: فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ؟
قَالَ: لَا. قَالَ: فَهَلْ تَجِدُ إِطْعَامَ سِتِّينَ مِسْكِينًا، قَالَ: لَا. قال: اجلس. وَسَكَّتَ النبيّ ◌ََّ
فَبَيْنَا نَحْنُ عَلَى ذَلِكَ أَنِيَ النَّبِيُّ ◌َ بِعَرَقٍ وَالْعَرَقُ الْمِكْتَلُ الفَحْمِ. قَالَ: أَيْنَ السَّائِلُ؟ قَالَ:
أَنَا. قَالَ: خُذْ هَذَا فَتَصَدَّقْ. فَقَالَ الرَّجُلُ: أَعَلَى أَفْقَرَ مِنْ يَا رَسُولَ اللهِ، فَوَالله مَا بَينَ
لَابَتَيْهَا - يُرِيدُ الْحَرَّتَيْنِ - أَهْلُ بَيْتٍ أَفْقَرُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي. فَضَحِكَ النَّبِيِنَّهَ حَتَّى بَدَتْ
أَنْيَابُهُ ثُمَّ قَالَ: أَطْعِمْهُ أَهْلَكَ. مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ](٢).
(وَعَنْهُ قَالَ: بَيْنَا نَحْنُ جُلُوسَّ عِنْدَ النَّبِي ◌َ إِذْ جَاءَهُ رَجُلُ) هو سلمة بن صخر
الأنصاري الشافعي، وقيل سليمان (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللّه هَلَكْتُ) لارتكابي عظيمًا
من الذنوب يوجب أليم العقاب المُهلك؛ إذ إفساد يوم من رمضان عمدًا كبيرة
(قال: مَا لَكَ) أي: أي شيء أهلكك؟ (قَالَ: وَقَعْتُ عَلَى امْرَأَتِي) أي: جامعتها (وَأَنَا
صَائِمٌ).
وفي رواية: ((وقعت على امرأتي في نهار رمضان))(٣) وبها أخذ أئمتنا فقالوا: إنما
تجب الكفارة الآتية بالجماع إن كان في أداء رمضان لا غير؛ لأنه تميز عن غيره
بخصائص كثيرة (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَله: هَلْ تَجِدُ رَقَبَةً تُعْتِقُهَا، قَالَ: لَا، قَالَ: فَهَلْ
(١) أخرجه الطبراني (١٤٣٠)، وفي ((الشاميين)) (١٠٩٠).
(٢) أخرجه البخاري (١٩٣٦)، ومالك (٦٦٢)، وأحمد (١٠٩٧٢)، وابن حبان (٣٥٨٩).
(٣) أخرجه ابن أبي شيبة (٣٦١٨٢).

٤٨٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس
تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنٍ، قَالَ: لَا، قَالَ: فَهَلْ تَّجِدُ إِطْعَامَ سِتِّينَ مِسْكِينًا،
قَالَ: لَا) دل ترتيبه الثاني بالفاعل فقد الأول، ثم الثالث بها أيضًا على فقد الثاني،
على أن هذه الكفارة مرتبة ككفارة الظهار المذكورة أوائل سورة المجادلة، وهو
ما قاله الشافعي كالأكثرين، وقال مالك: إنها مخيرة ككفارة اليمين المذكورة في
سورة المائدة؛ لرواية أبي داود بعتق رقبة، أو بصوم شهرين متتابعين، أو يطعم ستين
مسکینًا.
وأجاب أصحابنا بأن أو كمالاً يقتضي الترتيب لا يمنعه كما بينته الروايات
الأخر، وحينئذٍ فالتقدير أو يصوم إن عجز عن العتق، أو يطعم إن عجز عن الصوم
على أن أحاديث الترتيب أصح، ورواتها أكثر وأشهر فقد رواها فوق عشرين صحابيًّا،
وهي حكاية لفظ النبي وَيّ ورواة هذا اثنان، وهو لفظ الراوي، وخبر: ((إنه مخير بين
عتق ونحر بدنة»(١) ضعیف وإن أخذ به الحسن.
(قال: اجلس، وَسَكَتَ النبيِ رَ﴿ فَبَيْنَا تَحْنُ على ذلك) المذكور من الجلوس
والسكوت (أَفِيَ النبيِ وََّ بِعَرَقٍ) بمهملتين مفتوحتين (وَالْعَرَقُ الْمِكْتَلُ) المنسوج من
خوص النخل (الفحم) وهو ما يسع خمسة عشر صاعًا، وظاهره أن الواجب ستون مدًا؛
لأن الصاع أربعة أمداد، فلا تجب زيادة على ذلك ولا يجزئ النقص عنه [ .... ] الشافعي
(قَالَ: أَيْنَ السَّائِلُ، قال: أنا قال: خُذْ هَذَا فَتَصَدَّقْ بِه) فيه دليل على أن العبرة في
الكفارات بحالة الأداء إلا الفعل؛ لأنه عنده لم يكن يملك شيئًا فلما ملکه له صار
قادرًا عليه فأمره بالتصدق به عن الكفارة.
(فَقَالَ الرَّجُلُ: أَ) يقع التصدق (عَلَى أَفْقَرَ مِنْ يَا رَسُولَ اللهِ، فَوَاللَّهُ مَا بَيَّنَ
لَابَتَيْهَا) أي: المدينة (يُرِيدُ الْحَرَّتَيْنِ) العربية والشرقية؛ أي: ما بين أطراف
حرمها (أَهْلُ بَيْتٍ أَفْقَرُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي) فيه دليل على أن للإنسان الجزم بالشيء استنادًا
القرائن المفيدة للظن والحلف عليه وذلك؛ لأن كونه أفقر أهلها الذين فيهم
(١) أخرجه الشافعي (٦٩٦).

٤٨٩
كتاب الصوم/ باب تنزيه الصوم عما يبطله من أصله أو يبطل ثوابه أو ينقصه
من لا يعرف حالهم لا يمكن علمه، وإنما غاية الأمر أن يظن ذلك لقرائن
قامت عنده بذلك (فَضَحِكَ النَّبي ◌َّهِ حَتَّى بَدَتْ أَنْيَابُهُ) أي: تعجبًا من حاله
المشتملة على بعد التفاوت بين أولها المقتضي أنه لو طلب منه الفداء لما وقع فيه
من الهلاك بأي شيء قدر عليه بدله، وأخرها المنبئ عن تقديمه لحاجة نفسه
الناجزة وإعراضه عما كان فيه من القلق المزعج بسبب ما ارتكبه (ثُمَّ قَالَ: أَطْعِمْهُ
أَهْلَكَ).
لا ينافي هذا قول أئمتنا: لا يجوز للمكفر صرف طعام كفارته لمن يلزمه مؤنته
وإن كان فقيرًا، كالزكوات وسائر الكفارات؛ لأن قوله: ((أطعمه أهلك)) يحتمل كما قال
الشافعي في ((الأم)): إنه لما أخبره بفقره صرفه له صدقة، أو أنه ملكه إياه وأمره بالتصدق
به، فلما أخبره بفقره أذن له في صرفها لهم للإعلام بأنها إنما تجب بعد الكفاية، أو أنه
تطوع بالتكفير عنه وسوغ له صرفها لأهله للإعلام بأن لغير المكفر التطوع
بالتكفير عنه بإذنه، وإن له صرفها لأهل المكفر عنه؛ أي: وله فيأكل هو وهم منها
كما صرح به الأصحاب حيث قالوا: ولغير المكفر التبرع بإخراج الكفارة عنه بإذنه
وحرمتها له ولأهله.
وحاصل الاحتمالين الأولين أنه صرف له ذلك تطوعًا، قال ابن دقيق العيد: وهو
الأقرب وتبعه غير واحد ونازعا في الأخير بأنه يبعد عادة كون أهله كانوا ستين، وبأن
القياس أنه يقدر دخوله في ملكه كما في الأصداف وأداء الثمن على الغير، وحينئذٍ
فكيف يأكل ملكه الواجب عليه صرفه لكفارته؟
ويجاب عن الأول: بأن استبعاد ذلك عادة ممنوع لا سيما إذا حملنا الأهل على
مطلق الأقارب الذين تلزمه مؤنتهم وغيرهم.
وعن الثاني: بأنه يغتفر في الأشياء التقديرية ما لا يغتفر في غيرها، على أن ذلك
خرج مخرج الرخصة فلا يؤثر فيه ما ذكر.
(مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ) وليس ما فيه خاصًا بذلك الرجل خلافًا للزهري، ولا منسوخًا

٤٩٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس
خلافًا لقوم؛ لأن كلاً من دعوى الخصوصية والنسخ لا يقبل إلا بدليل يصرح به، وفيه
دليل على عظم حرمة الجماع في رمضان وأنه مفطر، لكن بشرط العلم والتعمد
والاختيار، وألحق به مقدماته فيفطر بالإمناء لنحو لمس لما ينقض لمسه الوضوء دون
غيره، أو قبلة بلا حائل، لا بنحو فكر إجماعًا، أو نظر أو ضم أو قبلة بحائل وإن خف
وتكررت الأربعة بشهوة لانتفاء المباشرة فيها فأشبهت الاحتلام، ومثلها لو حكَّ
ذكره لعارض نحو سوداء لتولده من مباشرة مباحة، ولا أثر للإمذاء بمباشرة خلافًا
لمالك وأحمد، رضي الله عنهما.
ويقاس برمضان في ذلك غيره، نعم حرمة تعمد الإفطار بشيء من ذلك خاصة
بالفرض لجواز إبطال النفل عندنا، وفيه دليل أيضًا على أن من عجز عن جميع خصال
الكفارة بقيت في ذمته مرتبة كما كانت؛ لأنه و 85* أمره أن يكفر بما دفعه إليه مع
إخباره بعجزه فدل على أنها ثابتة في الذمة حينئذٍ، وإنما لم يأمره ◌َل﴿ بإخراجها بعد؛
لأن ما دفعه إليه كفارة كما مر، وعلى التنزل فتأخير البيان لوقت الحاجة جائز وهو
وقت القدرة، ويجب مع هذه الكفارة القضاء خلافًا لمن زعم اندراجه فيها مطلقًا، أو
إن كانت صومًا للأمر به معها، وفي رواية صحيحة: بل ويعزر مع ذلك كما نقل عن
نص الشافعي واعتمده جماعة من المتقدمين والمتأخرين.
(الفصل الثاني)
٢٠٠٥ - [عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - أَنَّ النَّبِيَّ ◌َ كَانَ يُقَبِّلُهَا وَهُوَ صَائِمٌ،
وَيَمُضُّ لِسَانَهَا. رَوَاهُ أَبُو دَاوُد] (١).
(عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - أَنَّ النَّبِيَّ ◌َ كَانَ يُقَبِّلُهَا وَهُوَ صَائِمٌ، وَيَمُصُّ
لِسَانَهَا. رَوَاهُ أَبُو دَاوُد) وظاهره مشكل على قول أئمتنا: لا يفطر ببلع ريقه الظاهر الذي
لم يفارق باطن الفم والشفتين، إلا إذا اختلط بأجنبي كرطوبة تنفصل من نحو سؤال
(١) أخرجه أبو داود (٢٣٨٨)، وأحمد (٢٥٦٥٨)، وابن خزيمة (١٨٨١)، والبيهقي (٨٣٥٩).

٤٩١
كتاب الصوم/ باب تنزيه الصوم عما يبطله من أصله أو يبطل ثوابه أو ينقصه
أو خيط فبله بفمه، وكريق الغير فإنه يفطر به حينئذٍ اتفاقًّا، والجواب عنه من
وجھین:
أحدهما: إن الحديث في سنده اثنان مختلف في توثيقهما فلا حجة فيه.
ثانيهما: لو سلمنا صحته فهو واقعة حال فعلية، محتمله أنه وَلو كان يبصقه
ولا يبتلعه، أو أن لسانها لم يكن فيه رطوبة منفصلة، أو كان يمصه ويلقى جميع ما في
فمه في فمها، والقاعدة المقررة في الأصول أن الواقعة الفعلية إذا احتملت لا دليل
فیها.
٢٠٠٦ . [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَة ◌ِ أَنَّ رَجُلاً سَأَلَ النَّبِيَّ وَّهَ عَنِ الْمُبَاشَرَةِ لِلصَّائِمِ
فَرَخَّصَ لَهُ وَأَتَاهُ آخَرُ فَسَأَلَهُ فَنَهَاهُ، فَإِذَا الَّذِي رَخَّصَ لَهُ شَيْخُّ؛ وَإِذِ الَّذِي نَهَاهُ شَابُّ رَوَاهُ
أَبُو دَاوُد](١).
(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَة ◌ِ أَنَّ رَجُلاً سَأَلَ النَّبِيِّ ◌َ عَنِ الْمُبَاشَرَةِ لِلصَّائِمِ) أي: عن
مباشرة بدنه لبدن حليلته بغير جماع سواء أكان بقبلة أم بغيرها (فَرَخَّصَ لَهُ وَأَتَاهُ آخَرُ
فَسَأَلَهُ) عنها (فَنَهَاهُ) قال أبو هريرة: فتأملنا حالهما (فَإِذَا الَّذِي رَخَّصَ لَهُ) فيها (شَيْخُ
وَإِذْ الَّذِي نَهَاهُ) عنها (شَابُّ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُد) ووجه الفرق بينهما ما مر في الحديث: إن
من شأن الشيخ أنه يملك نفسه ولا يخشى منها إنزالاً مفطرًا، والشاب بالعكس، وأنه
لا نظر لخصوص شيخ ولا شاب بل لمن يخشى وقاعًا أو إنزالاً يحرم عليه، ولمن يأمنها
فلا تحرم وإن التذ بها لكنها خلاف الأولى.
٢٠٠٧ - [وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَِّ: مَنْ ذَرَعَهُ الْقَيْء وَهُوَ صَائِمٌ فَلَيسَ قَضَاء
عَلَيْهِ، وَمن اسْتَقَاء عَمْدًا فَلْيَقْضِ. رَوَاهُ التِّرْمِذِي وَأَبُو دَاوُد وَابْنِ مَاجَه وَالدَّارِي، وَقَالَ
التِّرْمِذِي: هَذَا حَدِيْثُ غَرِيْبُ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيْثِ عِيْسَى بْنِ يُونُس، وَقَالَ مُحَمَّدْ
- يعني: البخاري - لَا أَرَاهُ مَحْفُوظًا](٢).
(١) أخرجه أبو داود (٢٣٨٩)، والبيهقي (٨٣٣٩).
(٢) أخرجه أبو داود (٢٣٨٠)، والترمذي (٧٢٠) وقال: حسن غريب. وابن ماجه (١٦٧٦)، والحاكم

٤٩٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس
(وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَهَ: مَنْ ذَرَعَهُ) بالذال المعجمة؛ أي: غلبة وسعة
(الْقَيْء وهو صائم فَلَيْسَ قَضَاء عَلَيْهِ، وَمن اسْتَقَاء) أي: تسبب في خروج القيء
(عَمْدًا) عالمًا بالتحريم مختارًا (فَلْيَقْضِ. رَوَاهُ التِّرْمِذِي وَأَبُو دَاوُدْ وَابْن مَاجَه وَالدَّارِمي،
وَقَالَ التِّرْمِذِي: هَذَا حَدِيْثُ غَرِيْبُ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيْثٍ عِيْسَى بْنِ يُونُس، وَقَالَ
مُحَمَّدٌّ - يعني: البخاري - لَا أُرَاهُ) أي: هذا الحديث (مَحْفُوظًا) أي: بل هو منكر لكن
صححه جماعة، ولما بسط النووي كلام الناس فيه قال الحاصل: إنه مجموع طرقه
وشواهده المذكورة حديث حسن، وكذا نص على حسنه غير واحد من الحفاظ، ومن ثم
أخذ به أئمتنا فقالوا: إن تعمد القيء لغير عذر أفطر اتفاقًا، وإن تيقن أنه لم يعد شيء
من فيه إلى جوفه أو عاد إليه شيء بغير اختياره؛ لأن القيء مفطر لعينه وإن لم يتعمده
كذلك، فإن نسي أو أكره، أو جهل حكمه وأمكن اشتباهه عليه أو غلبه القيء فلا
يفطر اتفاقًا لعذره.
قال البغوي: ولم يختلف أهل العلم فيما في هذا الحديث.
وقال ابن عباس وعكرمة: الصوم مما دخل وليس مما خرج، وليس من القيء
اقتلاع نخامة ولو من باطنه فلا يفطر به، نعم يسن القضاء خروجًا من خلاف من
قال: إنها مفطرة وإن كانت من الصدر، ويحل ذلك حيث لم تصل النخامة إلى حد
الظاهر من الفم، وهو مخرج الحاء المهملة فإن وصلت إليه وأمكنه طرحها فتساهل
حتى نزلت للجوف أفطر سواء النازلة من الرأس وغيرها؟.
٢٠٠٨ - [وَعَنْ مَعْدَانَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ: إِنَّ أَا الدَّرْدَاءِ حَدَّثَهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ قَاءَ
فَأَفْطَرَ، قَالَ: صَدَقَ أَنَا صَبَبْتُ لَهُ وَضُوءًا. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدِ وَالتِّرْمِذِي وَالدَّارِمي](١).
-
(١٥٥٧) وقال: صحيح على شرط الشيخين. والبيهقي (٧٨١٧)، وأحمد (١٠٤٦٨)، وأبو يعلى
(٦٦٠٤)، والدار قطني (١٨٥/٢)، والطحاوي (٩٧/٢).
(١) أخرجه أبو داود (٢٣٨٣) والترمذي (٨٧)، وأحمد (٢٨٢٦٦) والدارمي (١٧٨١)، والدارقطني
(٥٩٩).

٤٩٣
كتاب الصوم/ باب تنزيه الصوم عما يبطله من أصله أو يبطل ثوابه أو ينقصه
(وَعَنْ مَعْدَانَ بْن أَبِي طَلْحَة: إِنَّ أَبَا الدَّرْدَاءِ حَدَّثَهُ أَنَّ رَسُولَ اللّهِ قَاءَ فَأَقْطَرَ،
قَالَ: صَدَقَ أَنَا صَبَبْتُ لَهُ وَضُوءًا) أي: ما نظف به يده وفمه الكريم من آثار القيء،
وليس فيه دليل على أن القيء ينقض الوضوء كما قال به أبو حنيفة #؛ لأن الوضوء
هنا مستعمل في معناه اللغوي؛ لأن قرينة السياق قاضية بأن ذلك المصبوب للتنظيف
أو للتطهير بناء على ما هو المشهور أن فضلاته * كفضلات غيره، وإن كان المختار
عند جمع من أئمتنا طهارتها منه وَال# على أنه لا يتم استدلالهم به، إلا إن أثبتوا أنه ولية
كان قبل القيء متوضئاً، وأنى لهم بذلك بل لو سلمنا أنه كان متوضئاً وأنه صب له ما
توضأ به حقيقة لا دليل فيه؛ لأن فعله هه المطلق عن القرينة محمول على الندب على
خلاف قوي فيه مذکور في الأصول.
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِي وَالدَّارِمي) وسنده حسن، وهو محمول على أنه تعمده في
تطوع أو لم يتعمده لكنه ضعف لسببه عن إتمام تطوعه.
٢٠٠٩ . [وَعَنْ عَامِر بْنِ رَبِيْعَة ◌َ﴾ قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ◌َ مَا لَا أُحْصِي عَدَدَهَا
يَتَسَوَّكُ وَهُوَ صَائِمٌ. رَوَاهُ التِّزْمِذِي وَأَبُو دَاوُد](١).
(وَعَنْ عَامِرِ بْنِ رَبِيْعَةِ ﴾ قال: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ◌َ مَا) أي: مرات (لَا أَحْصِي
عددها يَتَسَوَّكُ) أي: متسوكًا فهو ثاني مفعولي رأيت؛ لأنه الخبر في الحقيقة و((ما)) ظرف
له (وَهُوَ صَائِمٌ. رَوَاهُ التَّرْمِذِي وَأَبُو دَاوُد) وليس فيه دليل لقول أبي حنيفة ومالك
- رضي الله عنهما - بعدم كراهة تسوكه بعد الزوال التي قال بها الشافعي وأحمد
- رضي الله عنهما - لتعيين حمله على ما قبل الزوال، أو على بيان الجواز لما جاء في
الحديث الحسن إن من خصائص هذه الأمة: ((إنهم يمسون وخلوف أفواههم أطيب من
ريح المسك»(٤) وصريح الأخبار بهذه الأطيبية في المساء، وهو اسم لما بعد الزوال طلب
بقائه؛ لأنه أثر هذه العبادة العظيمة فكرهت إزالته حينئذٍ؛ لأنه الوقت الذي تخلوا
(١) أخرجه أبو داود (٢٣٦٦)، والترمذي (٧٢٩)، وأحمد (١٦٠٨٦)، والدار قطني (٢٣٩٣).
(٢) ذكره السيوطي في تنوير الحوالك (٢٩٤/١).

٤٩٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس
المعدة فيه من آثار الطعام فيظهر الخلوف فيه غالبًا.
٢٠١٠ - [وَعَنْ أُنَس ﴾ قَالَ: جَاءَ رَجُلُ إِلَى النَّبِيِّ ◌َ قَالَ: اشْتَكَتْ عَيْنِي أَفَأَ كْتَحِلُ
وَأَنَا صَائِمٌ؟ قَالَ: نَعَمْ. رَوَاهُ التِّرْمِذِي وَقَالَ: إِسْنَادَهُ لَيْسَ بِالقَوِي، وَأَبُو عَاتِكَة الرَّاوِي
ضَعِيْف](١).
(وَعَنْ أَنَس ◌َ﴾ قَالَ: جَاءَ رَجُلُ إِلَى النَّبِيِّ ◌َِّ قَالَ: اشْتَكَتْ عَيْنِى أَفَأَ كْتَحِلُ وَأَنَا
صَائِمٌ؟ قَالَ: نَعَمْ. رَوَاهُ التِّرْمِذِي وَقَالَ: إِسْنَادَهُ لَيْسَ بِالقَوِي، وَأَبُو عَاتِكَة الرّاوِي
ضَعِيْف) ويوافقه خبر البيهقي والحاكم: ((إنه وَّ كان يكتحل بالإثمد وهو صائم))(٢)
لكن ضعفه في ((المجموع)) وقال عن الترمذي: لا يصح عن النبي ◌َّ في هذا
الباب شيء، وخبر ابن عمر، رضي الله عنهما: ((خرج علينا رسول الله وَ ل وعيناه
مملوءتان من الكحل وذلك في رمضان وهو صائم)»(٣) في إسناده من اختلف في توثيقه.
انتهى.
لكن إذا جمعت طرق الحديث أحدثت له قوة وساغ الاستدلال به؛ لأنه حينئذٍ
حسن وإن كان لغيره، ومن ثم استدل به أصحابنا على أن من اكتحل وهو صائم لم
يفطر لكن لا يكره له ذلك، وإن وصل الكحل إلى جوفه بأن وجد لونه في نخامته أو
طعمه في حلقه، ووجهه أن العين ليست جوفًا ولا منفذ فيها للحلق، لكن الترك
أولى، بل يسن له القضاء خروجًا من خلاف من أوجبه، ومثله كل ما وصل للجوف لا
من منفذ مفتوح إليه، بل من يشرب المسامّ وهي بتشديد الميم ثقب البدن؛ لأنه لم
يصل من منفذ مفتوح فأشبه الانغماس في الماء.
٢٠١١ - [وَعَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ النَّبِيِ﴿ قَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُ النَّبِيَّ ◌َّهُ بِالْعَرْجِ
(١) أخرجه الترمذي (٧٣٠).
(٢) أخرجه البيهقي (٨٥١٧)، والطبراني (٩٣٢).
(٣) ذكره الرافعي في ((التلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير)) (١٩/٣).

٤٩٥
كتاب الصوم/ باب تنزيه الصوم عما يبطله من أصله أو يبطل ثوابه أو ينقصه
يَصُبُّ عَلَى رَأْسِهِ الْمَاءَ وَهُوَ صَائِمٌ مِنَ الْعَطَشِ، أَو الْخَرِّ. رَوَاهُ مَالِك وَأَبُو
دَاوُد](١).
(وَعَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ النَّبِي ◌َ﴿ قَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُ النَِّيَّ رَ بِالْعَرْجِ) محل قريب
من المدينة (يَصُبُّ عَلَى رَأْسِهِ الْمَاءَ وَهُوَ صَائِمٌ مِنَ الْعَطَشِ، أَو الْحَرِّ. رَوَاهُ مَالِكَ وَأَبُو
دَاوُد) وغيرهما من طرق صحيحة، ومنه أخذ أئمتنا أنه يجوز اتفاقًا الانغماس في الماء
في حمام وغيره وإن وجد أثره في باطنه.
٢٠١٢ - [وَعَنْ شَدَّادِ بن أَوْسِ، أَنّ رَسُولَ اللهِ وَّهِ أَنَّى رَجُلاً بِالْبَقِيعِ وَهُوَ يَخْتَجِمُ
وهو آخذ بيدي لتَمَاني عَشْرَةَ خَلَتْ مِنْ رَمَضَانَ، فَقَالَ: أَفْطَرَ الْحَاجِمُ، وَالْمَحْجُومُ رَوَاهُ
أَبُو دَاوُد وَابْنِ مَاجَه وَالدَّارِي، قَالَ الشَّيْخُ الإِمَامِ مُحْبِي السُّنَّة - رحمه الله - وَتَأْوَّلَهُ
بَعْض مَنْ رَخَّصَ فِي الْحِجَامَة لِلْصَائِمِ؛ أيْ: تَعَرُّضًا لِلإِفْطَارِ، المَحْجُومِ: لِلضَّعْفِ،
وَالحَاجِمِ؛ لأنَّهُ لَا يَأْمَن أَنْ يَصِلِ شَيْءٍ إِلى جَوْفِهِ بِمَصِّ المُلَازِمِ](٩).
(وَعَنْ شَدَّادٍ بِن أَوْسٍ) ﴾ (أَنّ رَسُولَ اللهِ وَّهِ أَنَى رَجُلاً بِالْبَقِيعِ وَهُوَ يَخْتَجِمُ
وهو) أي: النبي ◌َّ (آخذ بيدي لتَمَاني عَشْرَةَ خَلَتْ مِنْ رَمَضَانَ، فَقَالَ: أَفْطَرَ الْحَاجِمُ،
وَالْمَحْجُومُ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدٍ وَابْنِ مَاجَه وَالدَّارِمي، قَالَ الشَّيْخُ الإِمَامِ) البغوي (مُحْبِي السُّنَّة
- رحمه الله - وَتَأوَّلَهُ بَعْض مَنْ رَخَّصَ فِي الحِجَامَة لِلْصَائِمِ) وهم أكثر العلماء بما منع
احتجاج المانعين به حيث قالوا: أفطرا (أي: تَعَرُّضًا لِلإِفْطَارِ، المَحْجُومِ: لِلصَّعْفِ) أي:
لأن الحجامة تضعفه فتحمله على الفطر (وَالحَاجِم؛ لأنَّهُ لَا يَأمَن أَنْ يَصِل شَيْءٍ إِلى
جَوْفِهِ بِمَصِّ المُلَازِمِ) أي: الحاجم سميت بذلك؛ لأنها تلزم على المحل وتقبضه،
وأوله آخرون بأن معنى: «أفطرا)) أبطلا ثواب صيامهما بارتكابهما هذا الفعل
المكروه، وآخرون بأن حديث إفطارهما منسوخ، ومر ما في ذلك مبسوطًا في الفصل
الأول.
(١) أخرجه مالك (٦٥٦)، وأبو داود (٢٣٦٧)، وأحمد (٢٣٩٢٣).
(٢) تقدم تخريجه.

٤٩٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس
٢٠١٣ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّةِ: مَنْ أَفْطَرَ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ مِنْ
غَيَرِ رُخْصَةٍ وَلَا مَرَضِ لَمْ يَقْضِ عَنْهُ صَوْمُ الدَّهْرِ كُلِّهِ وَإِنْ صَامَهُ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِي
وَأَبُو دَاوُدٍ وَالدَّارِي وَالبُخَارِي فِي تَرْجَمَةِ بَابٍ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: سَمِعْتُ مُحَمَّدًا - يَعْنِي:
البُخَارَيُّ - يَقُولُ: أَبُو الْمُطَوِّسِ الزَّاوِي لَا أَعْرَفُ لَهُ غَيْرَ هَذَا الْحَدِيْث](١).
(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَة) عَّهِ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌َِّ: مَنْ أَفْطَرَ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ مِنْ
غَيِّرِ رُخْصَةٍ) أي: لنحو سفر (وَلَا مَرَضٍ) مر عطف الأخص على الأعم (لَمْ يَقْضِ عَنْهُ)
ثواب ذلك اليوم (صَوْمُ الدَّهْرِ) أي: صوم فيه، فالإضافة بمعنى في على حد نحو: ﴿مَكْرُ
اللَّيْلِ﴾ [سبأ : ٣٣].
(كُلِّهِ وَإِنْ صَامَهُ) على أكمل الأحوال المطلوبة للصائم، وما اقتضاه ظاهره أن
صوم الدهر كله بنية القضاء عما أفطره من رمضان لا يجزيه، قال به علي وابن مسعود
- رضي الله عنهما - والذي عليه الشافعي، وأكثر العلماء أنه يجزيه: يوم بدل يوم، وإن
كان ما أفطره في غاية الطول والحر وما صامه بدله في غاية القصر والبرد.
وأوجب بدل اليوم ربيعة: اثني عشر يومًا؛ لأن السنة اثنا عشر شهرًا.
وابن المسيب: ثلاثين يومًا.
والنخعي: ثلاثة آلاف يوم، ولا يكره قضاء رمضان في زمن، وشذ من كرهه في
شهر الحجة، ومن أفطر لغير عذر يلزمه القضاء فورًا عقب يوم عيد الفطر، أو لعذر
يسن له ذلك ولا يجب (رَوَهُ أحْمَدُ وَالتِّرْمِذِي وَأَبُو دَاوُدْ وَالدَّارِي وَالبُخَارِي فِي تَرْجَمَةِ
بَابٍ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: سَمِعْتُ مُحَمَّدًا - يَعْنِي: البُخَارَيُّ - يَقُولُ: أَبُو الْمُطَوِّسِ الرَّاوِي لَا
أعْرَفُ لَهُ غَيْرَ هَذَا الْحَدِيْث) ومن ثم كان إسناده غريبًا وإن سكت عليه داود، وحينئذٍ
فلا حجة فيه لمن أخذ بظاهره، وبفرض صحته هو محمول على التشديد والمبالغة في
(١) أخرجه الطيالسي (٢٥٤٠)، وأحمد (١٠٠٨٢)، وأبو داود (٢٣٩٦)، والترمذي (٧٢٣)، وابن ماجه
(١٦٧٢)، والبيهقي في ((الكبرى)) (٧٨٥٤)، وفي (شعب الإيمان)) (٣٦٥٣)، والنسائي في ((الكبرى))
(٣٢٨١).

٤٩٧
كتاب الصوم/ باب تنزيه الصوم عما يبطله من أصله أو يبطل ثوابه أو ينقصه
تعظيم رمضان وتأكيد الاعتناء بصومه والمحافظة عليه.
٢٠١٤ - [وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌ِ: كَمْ مِنْ صَائِمِ لَيْسَ لَهُ مِنْ صِيَامِهِ إِلَّا
الظَّمَأُ وَكَمْ مِنْ قَائِمِ لَيْسَ لَهُ مِنْ قِيَامِهِ إِلَّ السَّهَرُ. رَوَاهُ الدَّارِمِي، وَذَكَرَ حَدِيْث لَقِيْط بُن
صَبْرَة فِي بَابِ (سُنَنِ الوُضُوءِ)](١).
(وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَيُ: كَمْ مِنْ صَائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ) تعليلية (صِيَامِهِ
إِلَّا الظَّمَأُ) والجوع وآثر الأول؛ لأن مشقته أعظم لما مر في وجه تسمية باب الصائمين
بالريان؛ أي: كثير من الصائمين بل أكثرهم لا يحصل لهم ثواب على صومهم وإنما الذي
ينالهم منه محض التعب من الجوع والظمأ في الدنيا، والخسران المبين في الآخرة وذلك؛
لأنهم لا يتحفظون في صومهم عما يبطل ثوابه من الرياء والغيبة ونحوهما مما مر في
شرح حديث: ((من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه
وشرابه))(٢).
(وَكَمْ مِنْ قَائِمِ) يصلي أو يتعبد بقراءة القرآن وغيرها في الليل (لَيْسَ لَهُ مِنْ
قِيَامِهِ إِلَّ السَّهَرُ) أي: كثير من القائمين والمتعبدين ليس لهم ثواب على قيامهم
وتعبدهم؛ لأنهم لم يتحفظوا عما يبطل ثوابه من الرياء والسمعة والعجب بالعمل
والفخر به على الغير، وإنما لهم مجرد التعب في الدنيا والحرمان في الآخرة (رَوَاهُ الدَّارِمي،
وَذَكَرَ حَدِيْث لَقِيْطِ بْنِ صَيْرَةٍ فِي بَابٍ ((سُنَنِ الْوُضُوءِ))).
(الفصل الثالث)
٢٠١٥ - [عَنْ أَبِي سَعِيْدِ الْخُدَرِي ◌َ﴾ُ: قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّةِ: ثَلاثُ لا يُفْطِرْنَ
الصَّائِمَ الحِجَامَةُ وَالِقِيءُ وَالاحْتِلامُ. رَوَاهُ التِّرْمِذِي، وَقَالَ: هَذَا حَدِيْثُ غَيْرِ مَحْفُوظ
وَعَبْدِ الرَّحْمَن بن زَيْدِ الرَّاوِي لِضَعْفٍ فِي الحَدِيْثِ](٣).
(١) أخرجه الدارمي (٢٧٧٦)، وأحمد في ((الزهد)) (٢٤٧).
(٢) تقدم تخريجه.
(٣) أخرجه عبد بن حميد (٩٥٩)، والترمذي (٧١٩)، وأبو يعلى (١٠٣٩)، وأبو نعيم في ((الحلية)) (٨)
عـ

٤٩٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس
(عَنْ أَبِي سَعِيْدِ الْخُدَرِي ◌َ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهُ وَّةِ: ثَلاث لا يُفْطِرْنَ
الصَّائِمَ الحِجَامَةُ) سبق ما فيها مما يدل على الإفطار وعدمه وأن الذي عليه أكثر
أهل العلم عدمه، وما ورد مما يدل لخلافه مؤولاً ومنسوخ (وَالقِيءُ) الذي لم
يتعمده كما مر في الحديث الصحيح (وَالاحْتِلامُ) وإن نشأ عن فكر أو نظر (رَوَاهُ
التِّرْمِذِي، وَقَالَ: هَذَا حَدِيْثُ غَيْرِ مَحْفُوظُ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ زَيْدِ الرَّاوي لِضَعْفٍ فِي
الحَدِيْثِ).
٢٠١٦ - [وَعَنْ ثَابِتِ البَنَائِي قَالَ: سُئِلَ أَنَس بْنُ مَالِك: كُنْتُمْ تَكْرَهُونَ الْحِجَامَةِ
لِلصَّائِمِ؟ عَلَى عَهدِ رَسُولِ اللهِ وَهِ قَالَ: لَا، إِلَّ مِنْ أَجْلِ الضَّعْف. رَوَاهُ البُخَارِيُّ](١).
(وَعَنْ ثَابِتِ البَنَانِي قَالَ: سُئِلَ أَنَس بْنُ مَالِك كُنْتُمْ) أي: أكنتم (تَكْرَهُونَ
الْحِجَامَة لِلصَّائِمِ؟ عَلَى عَهِدِ رَسُول اللّهِ وَهِ قَالَ: لَا، إِلَّ مِنْ أَجْلِ الضَّعْفِ رَوَاهُ
البُخَارِيُّ) وهو لكون هذه الصيغة ونحوها في حكم المرفوع كما هو مقرر في الأصول
على أن هذه الصيغة ظاهرة في إجماع الصحابة، وهو لا يكون إلا عن نص حجة لما
ذهب إليه أكثر العلماء أنها لا تفطر الصائم، وإنما يكره له خشية عليه من أن
يضعف بسببها فيحتاج إلى الفطر.
٢٠١٧ - [وَعَنِ البُخَارِي تَعْلِيْقًّا قَالَ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ يَخْتَجِمُ وَهُوَ صَائِمٌ، ثُمَّ تَرَكَهُ
فَكَانَ يَخْتَجِمُ بِاللَّيْلِ](٢).
(وَعَنِ البُخَارِي تَعْلِيْقًا قَالَ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ يَحْتَجِمُ وَهُوَ صَائِمٌ، ثُمَّ تَرَكَهُ) أي: فعل
الحجامة تورعًا بدليل ما مر عن أنس الظاهر في إجماع الصحابة على أنها لا تفطر كما
مر (فَكَانَ يَحْتَجِمُ بِاللَّيْلِ) خشية على صومه أن يحصل له بسببها ما ينقضه أو يبطله،
٣٥٧)، والبيهقي (٨٠٦٢) وقال: كذا رواه عبد الرحمن بن زيد وليس بالقوي. والديلمي (٢٥٠٨).
(١) أخرجه البخاري (١٩٤٠)، والبيهقي (٨٥٢٤).
(٢) أخرجه البخاري (١٩٣٧)، والبيهقي (٨٥٦٣).

٤٩٩
كتاب الصوم/ باب تنزيه الصوم عما يبطله من أصله أو يبطل ثوابه أو ينقصه
والقصد كالحجامة في جميع ما مر فيها.
٢٠١٨ - [وَعَنْ عَطَاء ◌َ﴾ إِنْ مَضْمَضَ ثُمَّ أَفْرَغَ مَا فِي فِيهِ مِنَ الْمَاءِ لَا يَضِيرُهُ، إِنْ
لَمْ يَزْدَرِدْ رِيقَهُ، وَمَاذَا بَقِيَ فِي فِيهِ، وَلَا يَمْضَغُ الْعِلْكَ، فَإِنِ ازْدَرَدَ رِيقَ الْعِلْكِ لَا أَقُولُ:
إِنَّهُ يُفْطِرُ، وَلَكِنْ يُنْهَى عَنْه. رَوَاهُ الْبُخَارِي فِي تَرِجَمَةِ بَاب](١).
(وَعَنْ عَطَاءِ ﴿ إِنْ مَضْمَضَ) الصائم (ثُمَّ أَفْرَغَ مَا فِي فِيهِ مِنَ الْمَاءِ) جميعه
(لَا يَضِيرُهُ) حينئذ (إِنْ لَمْ يَزْدَرِدُ) أي: يبتلع (رِيقَهُ، وَمَاذَا بَقِيَ فِي فِیهِ) من آثار
الماء التي اختلطت بريقه، وإلى هذا ذهب أئمتنا حيث قالوا: لا يفطر بجري ريقه
بأثر ماء المضمضة، وإن أمكنه مجه لعسر التحرز عنه قال بعض أئمتنا: ولا يلزمه
إذا تمضمض أن ينشف فمه قطعًا (وَلَا يَمْضَغُ الْعِلْكَ) بكسر العين؛ أي:
المعلوك.
قال بعض أئمتنا: وهو الْمُومْيَا، ويلحق بالعلك ما في معناه كاللبان والمصطكا،
والعلك بفتح العين المضغ (فَإِنِ ازْدَرَدَ رِيقَ الْعِلْكِ) يصح هنا كسر العين وفتحها؛ أي:
الريق المتولد من المعلوك أو من مضغه (لَا أَقُولُ: إِنَّهُ يُفْطِرُ) لأنه لم ينزل إلى الجوف
عين أجنبية، وإنما النازل إليه محض الريق لا غير (وَلَكِنْ يُنْهَى) الصائم (عَنْه) لما
يأتي، وإلى هذا ذهب أئمتنا أيضًا فقالوا: يسن للصائم أن يحترز عن مضغ نحو العلك
فإن فعل كره؛ لأنه يجمع الريق، فإن ابتلعه أفطر في وجه، وإن ألقاه عطشه ويشترط أن
يكون مما يتفتت منه شيء، وإلا فإن نزل منه شيء للجوف أفطر مطلقًا وحرم إن كان
الصوم فرضًا.
وعبارة شرح المهذب قال أصحابنا: ولا يفطر لمجرد العلك، ولا بنزول الريق
منه إلى جوفه، فإن تفتت فوصل من جزئه شيء إلى جوفه عمدًا أفطر، وإن شك في
ذلك لم يفطر ولو نزل طعمه إلى جوفه أو ريحه دون جرمه لم يفطر؛ لأن ذلك الطعم
(١) أخرجه البخاري (٢٨)، والبيهقي (٨٥٦٥).

٥٠٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس
كمجاورة الريق له، وقيل: إن ابتلع الريق وفيه طعمه أفطر وليس بشيء. انتهت
ملخصة.
ونوزع في قوله: عمدًا بأنه كسبق ماء المضمضة في الرابعة وفرقت بينهما في
((شرح العباب)) (رَوَاهُ البُخَارِي فِي تَرِجَمَة بَاب) أي: في تفسيره.