النص المفهرس

صفحات 441-460

٤٤١
كتاب الصوم
وهو شاذ؛ لأن الخبر ضعيف، وأسماء الله تعالى لا تثبت بحديث ضعيف (إِيمَانًا) أي:
اعتقادًا لحقية فرضيته لا لنحو حياء أو رياء مع عدم اعتقاد ذلك (وَاحْتِسَابًا) أي:
طلبًا لثوابه من الله تعالى [أو حفظه من الأمور] الصارفة عن الثواب (غُفِرَ لَه مَا تَقَدَّمَ
مِنْ ذَنْبِهِ) أي: صغائرها المتعلقة بالله تعالى كما مرَّ بيانه في الوضوء والصلاة وغيرهما
(وَمَنْ قَامَ رَمَضَانَ) أي: أحيا معظم كل ليلة منه بصلاة أو عبادة أخرى (إيمانًا
واحتسابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ) بقيده المذكور.
(وَمَنَ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ) أي: أحيا معظمها بصلاة أو قرآن مثلاً (إِيمَانًا) بوجودها
وإن جهلت عينها (وَاحْتِسَابًا) لثوابها عند الله تعالى (غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ) بقيده
المذكور أيضًا (مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ).
وفي رواية: ((من يعم)) واستشكلت بأنه كيف يكون الشرط مستقبلاً والجزاء
ماضيًا مع أنه مرتب عليه، ومسبب عنه؟ وأجيب بما يأتي أنه ماضٍ لفظًا لا معنى،
واستضعاف النحويين لذلك مردود بأنه بعد أن وجد في كلام أفصح الفصحاء لا سيما
القرآن ﴿مَن يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ﴾ [الأنعام: ١٦].
﴿مَن تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾ [آل عمران: ١٩٢].
﴿إِن تَتُوبَا إِلَى اللّه فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤] لم يسع القول
بضعفه اللَّهُمَّ إلا أن يقال مرادهم: إنه ضعيف قياسًا لا استعمالاً، فلا منافاة على أن
ابن الحاجب أجاب بأن الماضي جزءًا من حيث الإخبار، كأن تكرمني اليوم فقد
أكرمتك أمس، فالإكرام الأول سبب للإخبار بالإكرام الثاني لا لنفسه، وكذا يقال في
الحديث والآيات؛ أي: إن التوبة مثلاً سبب لذكر هذا الخبر وهو: ﴿فَقَدْ صَغَتْ﴾.
وأول صاحب المفتاح المثال بقوله: إن يعتد بإكرامك لي الآن فاعتد بإكرامي لك
أمس، وعليه فمعنى الحديث من يقم ليلة القدر فليعلم بأنه قد غفر له ذنبه.
-
والديلمى (٧٤٣٣).

٤٤٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس
١٩٥٩ - [وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّةِ: كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَم يُضَاعَف، الحَسَنَةُ بِعَشْرِ
أُمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِمَائِةِ ضِعْف، قَالَ اللهُ تَعَالَى: إِلَّ الصَّوْمِ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أُجْزِي بِهِ، يَدَعُ شَهْوَتَهُ
وَطَعَامَهُ مِنْ أَجْلِيٍ، لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ: فَرْحَةٌ عِنْدَ فِظْرِهٍ وَفَرْحَةً عِنْدَ لِقَاء رَبِّهُ، وَلَخُلُوفُ فَمِ
الصَّائِمِ أَظْيَبُ عِنْدَ الله مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ، والصِّيَامُ جُنَّةٌ فَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمٍ أَحَدِكُم فَلا
يَرْفُثْ وَلَا يَصْخَبْ فَإِنْ سَابَّهُ أُحَدُّ أَوْ قَاتَلَهُ فَلْيَقُلْ: إِنِي امْرُؤٌ صَائِمٍ مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ](١).
(وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّةٍ: كُلُّ عَمَلِ بْنِ آدَم) الذي فيه ثواب (يُضَاعَف)
هو؛ أي: جزاؤه أو يضاعف (الحَسَنَةُ) أي: في مقابلتها (بِعَشْرِ أُمْثَالِهَا) فيه أن
المضاعفة لا تنقص عن هذا في عمل من الأعمال، ويوافقه: ﴿مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ
عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠].
(إِلَى سَبْعِمَائِةِ ضِعْف) أي: فأكثر كما أفاده قوله تعالى: ﴿وَاللهُ يُضَاعِفُ لِمَن
يَشَاءُ﴾ [البقرة: ٢٦١] (قَالَ اللهُ تَعَالَى) علم منه أن الكل مقوله تعالى، وأن الحديث كله
قدسي؛ إذ المستثنى والمستثنى منه بمنزلة كلام واحد، وفائدة توسيطه ما فيه من البيان
بعد الإجمال وهو واقع في النفس من البيان من أول وهلة.
(إِلَّا) استثناء من كل عمل ابن آدم لما تقرر أن الحديث كله قدسي من كلام الله
تعالى فلا يحتاج إلى جعله مستثنى من محذوف، دل عليه ما قبله؛ أي: إن الحسنات
يضاعف جزاؤها إلى ما يمكن إحصاؤه إلا (الصَّوْم) فإنه لا يُقدِّر قدر ثوابه ولا يحصيه
إلا موليه؛ لاشتماله على خصوصيات ليست في غيره منها قوله تعالى: (فَإِنَّهُ لِي) فأضافه إليه
دون سائر العبادات؛ لأنه لا يمكن أن يطلع عليه غيره تعالى بخلاف غيره؛ لأن له صورة
في الوجود، والصوم لا صورة له في الوجود؛ إذ كثيرًا ما يوجد الإمساك المجرد عن الصوم،
فلا يقوم له إلا النية التي لا يطلع عليها غيره تعالى، فهو سر بين العبد وربه بفعله خالصًا
لوجهه، فقابله عليه بأن تولى جزاؤه ولم يكله إلى غيره كما يأتي.
فإن قلت: يتصور ظهوره بنحو: أنا صائم، قلت: الذي ظهر قوله ذلك لا حقيقة
الصوم؛ إذ لا يطلع عليها بذلك كما هو واضح، وأيضًا فالعبادات كلها تقرب بها إلى
(١) أخرجه البخاري (١٩٠٤)، ومسلم (٢٧٦٣)، وأحمد (١٠٤٤٤).

٤٤٣
كتاب الصوم
الآلهة إلا الصوم، فإنه لم يتقرب به أحد لغير الله تعالى، وصوم [ .... ] المستخدمين
لنحو الجن أو النجوم ليسوا لذواتهم، بل ليتخلوا عن الكدورات الجسمانية حتى
يقدروا على ملاقاة الصور الروحانية ومنها قوله: (وَأَنَا أُجْزِي بِهِ) فخصه تعالى من بین
سائر العبادات بأنه يتولى جزاءه لفاعليه، ولم يكله إلى ملائكته ليطابق ما تقرر من
أنه المنفرد بالاطلاع عليه، واطلاع كاتب الحسنات عليه ليكتبه إن فرض لا ينافي
ذلك التفرد، ومن لازم ذلك المتولي أن ثوابه لا يحبط به قدر أو صفة إلا المنعم به.
ومنها قوله استئنافًا لبيان بعض أسباب إضافته إليه دون غيره: (يَدَعُ شَهْوَتَهُ وَطَعَامَهُ
مِنْ أجْلِي) لأنه لا يتصور فيه رياء أصلاً؛ لأن غاية ما يقوله المرائي: أنا صائم، وهذا لا يوجب
رياء في أصل الصوم، إنما الذي وقع به الرياء الإخبار عن الصوم لا غير، وأيضًا فالعبادات
إما صرف مال، أو شغل بدن، فليس لهما كبير دخل في تصفية النفس وتطهيرها من
شهواتها، بخلاف الصوم فإنه المتكفل بذلك لما فيه من مقاساة مضض الجوع وحرقة العطش
المؤديين إلى إزالة جميع كدورات النفس وتطهيرها من قبيح صفاتها.
ومنها قوله: (لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ) عظيمتان (فَرْحَةٌ عِنْدَ فِظْرِهِ) من جهة الطبع؛ إذ
من شأن النفس الميل إلى مألوفها ومستلذها سيما بعد منعها منه، ومن جهة شهود
توفيقه لامتثال ما أمر به حتى أتى به على وفق الأمر وخرج عن عهدة التكليف
(وَفَرْحَةُ عند لقَاء رَبِّهُ) وهو راضٍ عنه وممتن عليه بما لا عين رأت ولا أذن سمعت
ولا خطر على قلب بشر، وهذه أعظم الفرحتين وأفضل الخزائن.
ومنها قوله: (وَلْخُلُوفُ) بضم الخاء، وكثير يفتحونها، لكن قال الخطابي:
إنه خطأ (فَمِ الصَّائِمِ) أي: تغير فمه الناشئ عن الصوم ضرورة أن المعدة إذا خلت عن
الطعام ظهر منها نزوح كريه (أَطْيَبُ عِنْدَ الله) في الدنيا، وذكر يوم القيامة في
حديث إنما هو لكونه محل الجزاء (مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ) الذي هو أطيب الطيب، ففيه
تفصيل ما يكره من الصائم على أطيب ما يستلذ من جنسه وهو المسك؛ ليقاس بذلك
ما فوقه من آثار الصوم ونتائجه، ويعلم أنها وصلت من الرفعة والعلو إلى حد لا يصل

٤٤٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس
إليه غيرها.
ومنها قوله: (والصِّيَامُ جُنَّةٌ) أي: وقاية كالجنة التي هي الترس في الدنيا عن
المعاصي؛ لأنه يكسر النفس ويطهرها من شهواتها وخبائثها الحاملة له على الاسترسال
في المخالفات، والإعراض عن المنجيات، وفي الآخرة يرفع كل مؤلم ومؤذٍ عنها من حر
النار والزحام وإلجام العرق، وغير ذلك مما يقاسيه الناس في اليوم الذي يكون طوله
على أكثر الناس كخمسين ألف سنة، وإذا تقرر ما في الصوم من هذه الفوائد
والخصائص التي لا توجد في غيره.
(فَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمٍ أَحَدِكُم) فرضًا أو نفلاً (فَلا يَرْفُثْ) أي: لا يتكلم بفحش
يتعلق بالنساء أولاً (وَلَا يَصْخَبْ) أي: يرفع صوته بخصومة ونحوها فإنه في عبادة من
أجلِّ العبادات، بل أجلّها عند جماعة من العلماء، ومن كان كذلك ينبغي له أن يكون
على غاية من الكمال والأدب وعدم تعاطي ما يؤدي إلى هتك حرمة ما تلبس به؛ لئلا
يفوته فوائده التي لا أكمل منها كما تقرر.
(فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ) مثلاً (فَلْيَقُلْ) بلسانه فطمًا لغيره عن التحرش به،
ولنفسه عن مجاوبته ومقاتلته (إِنَّ امْروَ صَائِم) فلا ينبغي منك التطول علي بلسانك
ولا بيدك؛ لأني في ذمة الله، ومن يحقر الله في ذمته يهلكه، ولا مني أن أغضب حتى
أجاريك، واهدني معك (مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ).
(الفصل الثاني)
١٩٦٠ - [عَنْ أَبِي هُرَيْرَة ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: إِذَا كَانَ أَوَّلُ لَيْلَةٍ مِنْ
رَمَضَانَ صُفِّدَتِ الشَّيَاطِينُ وَمَرَدَةُ الْجِنِّ وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ فَلَمْ يُفْتَحْ مِنْهَا بَابُ،
وَفُتِحَتْ أَبْوَابُ الْجِنَةِ فَلَمْ يُغْلَقْ مِنْهَا بَابُ وَنَادَى مُنَادٍ يَا بَاغِي الْخَيْرِ أَقْبِلْ، وَيَا بَاغِيَ
الشَّرِّ أَقْصِرْ، وَلِلَّهِ عُتَقَاءُ مِنَ النَّارِ وَذَلِكَ كُلَّ لَيْلَةٍ. رَوَاهُ التِّرْمِذِي وَابْنِ مَاجَه ](١).
(١) أخرجه الترمذي (٦٨٢)، وابن ماجه (١٦٤٢)، وابن حبان (٣٤٣٥)، والحاكم (١٥٣٢) وقال:
صحيح على شرط الشيخين. وأبو نعيم في ((الحلية)) (٣٠٦/٨)، والبيهقي في ((شعب الإيمان))
=

٤٤٥
كتاب الصوم
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَة ◌َّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَّهِ: إِذَا كَانَ أَوَّلُ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ
صُفِّدَتِ) أي: شدت وأوثقت بالأغلال (الشَّيَاطِينُ وَمَرَدَةُ الْجِنِّ) جمع مارد، وهو العاتي
الشديد الإغواء والإضرار، وهو عطف تفسير بقرينة الرواية الآتية: ((مردة
الشياطين))(١) أفاد به أنه لا يصفد إلا المردة؛ لينكف شرهم وإغواؤهم عن الناس في
رمضان فلا يتمكنون فيه من الإغواء ما يتمكنون في غيره تعظيمًا له؛ ولأن من شأن
الصوم قمع الشهوة وتطهير النفس، وينشأ عن ذلك التصفيد كثرة اشتغال أكثر الناس
بالعبادة وميلهم إلى امتثال المواعظ، وكثرة التصدق.
وقيل: المراد بتصفيدهم غير ذلك ولا يصح؛ لأنه إخراج اللفظ عن ظاهره بغير
دليل يصرح به (وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ الثَّارِ فَلَمْ يُفْتَحْ مِنْهَا بَابُ، وَفُتِحَتْ أَبْوَابُ الْحِنَةِ فَلَمْ
يُغْلَقْ مِنْهَا بَابٌ) مر الكلام على ذلك آنفًا (وَنَادَى مُنَادٍ) من قبل الحق تبارك وتعالى (يَا
بَاعِيَ الْخَيْرِ) أي: يا طالب عمله أو ثوابه (أَقْبِلْ) إلى الله تعالى بكليتك وأبذل وسعك
في مرضاته، فإن هذا أوانك، فإنك تعطي الثواب الجزيل بالعمل القليل لشرف الشهر
المقتضي لسعة تفضل الله فيه على عباده (وَيَا بَاعِيَ الشَّرِّ) أي: يا طالب المعاصي
المتلبس بها (أَقْصِرْ) أي: اكفف عما أنت فيه، وتب إلى الله تعالى، فإن هذا أوان أن
تقبل توبتك ويتفضل عليك بنحو ما اقترفته، وينيلك من واسع فضله ما لم يكن في
حسابك.
(وَلِلَّهِ عُتَقَاءُ) كثيرون (مِنَ النَّارِ) بسبب عفوه كما جنوه واقترفوه، فلعلك
تكون من جملتهم (وَذَلِكَ) العتق للجم الغفير أو النداء واقع (كُلُّ لَيْلَةٍ) من ليالي
رمضان (رَوَاهُ التِّرْمِذِي وَابْنِ مَاجَه).
١٩٦١ - [وَرَوَاهُ أَحْمَد عَنْ رَجُلٍ، وَقَالَ التِّرْمِذِي: هَذَا حَدِيْثٌ غَرِيْبُ].
=
(٣٥٩٨)، وفي ((السنن الكبرى)) (٨٢٨٤).
(١) أخرجه الطبراني في «الأوسط)) (٨١٣٩).

٤٤٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس
(وَرَوَاهُ أَحْمَد عَنْ رَجُلٍ، وَقَالَ التَّرْمِذِي: هَذَا حَدِيْثٌ غَرِيْبُ).
(الفصل الثالث)
١٩٦٢ - [عَنْ أَبِي هُرَيْرَة ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَلَهُ: أَتَاكُمْ رَمَضَانُ شَهْرٌ
مُبَارَكُ، فُرِضَ عَلَيْكُمْ صِيَامُهُ، تُفْتَحُ فِيهِ أَبْوَابُ السَّمَاءِ، وَتُغْلَقُ فِيهِ أَبْوَابُ الْجَحِيمِ،
وَتُغَلُّ فِيهِ مَرَدَةُ الشَّيَاطِينِ، لِلهِ فِيهِ لَيْلَةُ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ مَنْ حُرِمَ خَيْرَهَا فَقَدْ حُرِمَ.
رَوَاهُ أَحْمَد وَالنَّسَائِي)](١).
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةِ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ﴾: أَتَاكُمْ رَمَضَانُ شَهْرٌ مُبَارَكٌ) لكثرة
خيره ورزقه كما هو مشاهد، وسيأتي حديث: ((إنه يزاد فيه في رزق المؤمن))(٢) (فُرضَ
عَلَيْكُمْ صِيَامِهُ، تُفْتَحُ فِيهِ أَبْوَابُ السَّمَاءِ، وَتُغْلَقُ فِيهِ أَبْوَابُ الْجَحِيمِ، وَتُغَلُّ فِيهِ مَرَدَةُ
الشَّيَاطِينِ، لِلَّهِ فِيهِ) أي: في عشره الأخير كما صرحت به الأحاديث الآتية، خلافًا لمن
قال: إنها منبهمة في جميعه، ولمن قال: إنها منبهمة في جميع السنة، ولا يعول على خلافها
الشذوذه (لَيْلَةٌ) العمل فيها (خَيْرٌ مِنْ) العمل في (أَلْفِ شَهْرِ مَنْ حُرِمَ خَيْرَهَا) بأن فاته
إحياء ليالي العشر بخلاف من أحياها، وأنه صادفها بيقين فيحصل له خيرها، وما وقع
في ((شرح مسلم)) من أنه لا ينال فضلها إلا من أطلعه الله عليها، المراد منه لا ينال
فضلها الكامل.
(فَقَدْ حُرِمَ) الخير الكثير الذي لا يقدر قدره ولكون المراد من كل من الشرط
والجزاء ما ذكر فيه الدال عليه السياق لم يضر اتحادهما لفظًا فيه على حد: ((فمن كانت
هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله)(٣) (رَوَاهُ أَحْمَد وَالنَّسَائِي).
(١) أخرجه أحمد (٧١٤٨)، والنسائي (٢١٠٦)، والبيهقي في (شعب الإيمان)) (٣٦٠٠).
(٢) أخرجه البيهقي في (شعب الإيمان)) (٣٤٥٥).
(٣) أخرجه البخاري (١)، ومسلم (١٩٠٧)، ومالك (٩٨٣)، وأحمد (١٦٨)، والترمذي (١٦٤٧)، وأبو
داود (٢٢٠١)، والنسائي (٣٤٣٧)، وابن ماجه (٤٢٢٧)، وابن المبارك (١٨٨)، والحميدي (٢٨)،
والبيهقي (١٨١)، والطبراني في ((الأوسط)) (٤٠)، والخطيب (٢٤٤/٤)، وابن عساكر (١٦٦/٣٢)،
وابن منده في ((الإيمان)) (٢٠١)، وابن خزيمة (١٤٢)، والدارقطني (٥٠/١)، وأبو عوانة (٧٤٣٨)،

٤٤٧
كتاب الصوم
١٩٦٣ - [وَعَنْ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَه
قَالَ: الصِّيَامُ وَالْقُرْآنُ يَشْفَعَانِ لِلْعَبْدِ يَقُولُ الصِّيَامُ: أَي رَبِّ، إِي مَنَعْتُهُ الطَّعَامَ
وَالشَّهَوَاتِ بِالنَّهَارِ، فَشَفِّعْنِي فِيهِ وَيَقُولُ الْقُرْآنُ: مَنَعْتُهُ النَّوْمَ بِاللَّيْلِ، فَشَفِّعْنِي فِيهِ،
فَيُشَفَّعَانِ فيه. رَوَاهُ البَيْهَقِي فِي (شُعَبِ الإِيْمَانِ)](١).
(وَعَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْن عُمَر - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - أنَّ رَسُولَ اللهِه قال: الصِّيَامُ
وَالْقُرْآنُ) يجسمان يوم القيامة، وتجسيم المعنى جائز بل واقع، ألا ترى أن الموت يؤتى به
في صورة كبش ثم يذبح بين الجنة والنار، إشارة إلى خلود الفريقين الخلود الأبدي
الذي لا انتهاء له ثم (يَشْفَعَانِ لِلْعَبْدِ) وبما قررته من تجسيمها الجائز الواقع نظيره مع
قاعدة أن ما ورد عن الصادق يجري على ظاهره الممكن، ولا يعدل عنه إلا لدليل يدفع
تأويل الحديث بأنه استعيرت الشفاعة، والقول الصيام والقرآن لإطفاء غضب الله
وإعطاء الكرامة، ورفع الدرجات والزلفى عند الله.
(يَقُولُ الصِّيَامُ) في شفاعته (أَيْ رَبِّ، إِنِي مَنَعْتُهُ الطَّعَامَ وَالشَّهَوَاتِ) من عطف
الأعم أي تناولهما (بِالنَّهَارِ، فَشَفِّعْنِي فِيهِ) بأن تعفو عن ذنوبه وتقصيراته الموجبة
لعذابه ونقصه (وَيَقُولُ الْقُرْآنُ) أيْ رب، إنه اشتغل بتلاوتي لا سيما في الليل حتى
(مَنَعْتُهُ النَّوْمَ بِاللَّيْلِ، فَشَفِّعْنِي فِيهِ، فَيُشَفَّعَانِ فيه. رَوَاهُ البَّيْهَقِي فِي ((شُعَبِ الإِيْمَانِ)))
وما قررته من حمل القرآن على ظاهره أولى من قول الشارح، والقرآن هنا عبارة عن
التهجد والقيام بالليل كما عبر به عن الصلاة في قوله تعالى: ﴿وَقُرْآنَ الفَجْرِ﴾
[الإسراء: ٧٨] وإليه الإشارة بقوله، ويقول القرآن: منعته بالليل. انتهى.
ووجه الأولوية أن هذا فيه إخراج اللفظ عن ظاهره من غير داع له لظهور
-
والبزار (٢٥٧).
(١) أخرجه أحمد (٦٦٢٦)، وأبو نعيم في «الحلية)) (١٦١/٨)، والحاكم (٢٠٣٦) وقال: صحيح على
شرط مسلم. والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (١٩٩٤).

٤٤٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس
المعنى مع بقائه على ظاهره كما قررته، وحمل القرآن على الصلاة في الآية ليس متفقًا
عليه، على أن له داعيًا دل عليه السياق كما يعلم بتأملها، وهنا لا داعي بل الداعي
لبقائه على ظاهره، وهو أن العبد إذا جعل القرآن شغله فأفنى فيه ليله حصلت له هذه
الشفاعة، وإن لم يتهجد كما دل عليه هذا الحديث، وقوله: ((وإليه الإشارة ... إلخ)) يرد
ما قررته أن هذا إما مشير بل ظاهر في بقاء اللفظ على ظاهره كما هو واضح مما قررته
فتأمله.
١٩٦٤ - [وعن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﴾ قَالَ: دَخَلَ رَمَضَانُ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَهُ: إِنَّ
هَذَا الشَّهْرَ قَدْ حَضَرَكُمْ وَفِيهِ لَيْلَةُ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ مَنْ حُرِمَهَا فَقَدْ حُرِمَ الْخَيْرَ كُلَّهُ،
وَلَا يُحْرَمُ خَيْرَهَا إِلَّا كُل ◌َحْرُوم. رَوَاهُ ابْنِ مَاجَه](١).
(وعن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﴾ قَالَ: دَخَلَ رَمَضَانُ فَقَالَ رَسُولُ الله ◌ََّ) إعلامًا لهم
بعظيم فضل رمضان؛ ليبذلوا جهدهم في العبادة فيه (إِنَّ هَذَا الشَّهْرَ) العظيم الشأن
الجليل القدر (قَدْ حَضَرَكُمْ) فلم يبقَ إلا القيام بواجب حقه (وَفِيهِ لَيْلَةٌ خَيْرٌ مِنْ أَلْفٍ
شَهْرٍ مَنْ حُرِمَهَا) أي: حرم إحياءها لكونه حرم لطف الله وتوفيقه، فغلب عليه داء
الكسل عن مواسم الخيرات والتخلف عن المهمات (فَقَدْ حُرِمَ الْخَيْرَ كُلَّهُ) أي: الثواب
الكامل الذي يفوز به قوام ليلة القدر (وَلَا يُحْرَمُ خَيْرَهَا) حتى تتخلف عنها (إِلَّ كُل
تَخْرُومِ) من السعادة الكاملة (رَوَاهُ ابْن مَاجَه).
١٩٦٥ - [وَعَنْ سَلْمَانِ الفَارِسِي قَالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللهِ وَّهِ فِي آخِرٍ شَعْبَان فَقَالَ:
قَدْ أَظَلَّكُم شَهْرٌ عَظِيْمُ شَهْرٌ مُبَارَكْ، شَهْرٌ فِيْهِ لَيْلَةُ القَدَرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ،
جَعَلَ اللهُ صِيَامَهُ فَرِيْضَةٍ وَقِيَامِ لَيْلِهِ تَطَوُّعًا، مِنْ تَقَرَّبَ فِيْهِ بِخِصْلَةٍ مِن الْخَيْرِ كَانَ كَمَنْ
أَذَّى فَرِيْضَة فِيْمَا سِوَاه، وَمَنْ أَدَّى فَرِيْضَة فِيْهِ كَانَ كَمَنْ أَدَّى سَبْعِيْنَ فَرِيْضَةٍ فِيْمَا سِوَاهُ،
وَهُوَ شَهْرُ الصَّبْرِ، وَالصَّبْرُ تَوَابُهُ الْجَنَّة، وَشَهْرِ الْمُوَاسَاةِ، وَشَهْرَّ يُزَادُ فِيهِ فِي رِزْقِ المُؤْمِن،
(١) أخرجه ابن ماجه (١٦٤٤).

٤٤٩
كتاب الصوم
مَنْ فَظَرَ فِيْهِ صَائِمًا كَانَ مَغفرة لِذُنُوبِهُ، وَعَتَقَ رَقَبَتَهُ مِن النَّارِ، وَكَانَ لَهُ مِثْلِ أُجْرِهِ مِنْ
غَيْرِ أنْ يَنْقُص مِنْ أجْرِهِ شَيءٍ. قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ، لَيْسَ كُّنَا يَجِدُ مَا يُفْطِرُ الصَّائِمِ.
فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَ﴾: يُعْطِيِ اللهُ هَذَا الثَّوَابِ مَنْ فَظَرَ صَائِمًا عَلَى مِذْقَةٍ لَبَنٍ أَوْ تَمْرَةِ، أُوْ
شَرْبَةٍ مِنْ مَاءٍ، وَمَنْ أَشْبَعَ صَائِمًا سَقَاهُ اللهُ مِنْ حَوْضِي شَرْبَة لَا يَظْمَأْ حَتَّى يَدْخُلَ
الجَنَّةَ، وَهُوَ شَهْرٌ أَوَّلُهُ رَحْمَة وَأَوْسَطُهُ مَغْفِرَة وَآخِرُهُ عِثْقُ مِن النَّارِ، وَمَنْ خَفَّفَ عَنْ
مَمْلُوكِهِ فِيْهِ غَفَرَ اللهُ لَهُ وَأَعْتَقَهُ مِن النَّارِ](١).
(وَعَنْ سَلْمَانِ الفَارِسِي قَالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللّهِ وَهِ فِي آخِرٍ شَعْبَانِ فَقَالَ) أي:
بعد أن حمد الله وأثنى عليه كما هو المعهود المستمد من أحواله وَله في خطبه، وكأن
سلمان حذف ذلك اختصارًا (قَدْ أُظَلَّكُم) أي: قرب منكم (شَهْرٌ عَظِيْمُ) لأنه سيد
الشهور، كما في الحديث (شَهْرُ مُبَارَكٌ، شَهْرٌ فِيْهِ لَيْلَةُ القَدَرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ،
جَعَلَ اللهُ صِيَامَهُ فَرِيْضَة) جليلة، كيف وهو من أجلِّ فرائض الدين بل أجلها عند
جماعة (وَقِيَام) أي: صلاة أو إحياء (لَيْلِهِ) أي: كل ليلة منه بالعبادة، ويحصل أصل
إحياء كل ليلة بإحياء معظمها (تَطَوُّعًا) من شاء فعله وفاز بعظيم ثوابه، ومن شاء تركه
وحرم لذيذ مناجاة ربه وخطابه.
(مِنْ تَقَرَّبَ فِيْهِ بِخِصْلَةٍ مِنْ) خصال (الخَيْرِ) المتطوع بها (كَانَ) ثوابه (كَمَنْ)
أي: كثواب من (أدَّى فَرِيْضَة فِيْمَا سِوَاه، وَمَنْ أَدَّى فَرِيْضَة فِيْهِ كَانَ كَمَنْ أَدَّى سَبْعِيْنَ
فَرِيْضَة فِيْمَا سِوَاهُ) من الأشهر، ولو الحرم لما مر أنه سيد الشهور فاقتضى شرف زمنه
مزيد هذا التضعيف للعبادات الواقعة فيه (وَهُوَ شَهْرُ الصَّبْر) عن مألوفات النفس
وشهواتها، فلا يتجرع مرارة فقدها إلا من تحقق بحقيقة الصبر على المكروه (وَالصَّبْرُ)
لكونه الحامل على مقاساة شدائد التكليفات والمتكفل بالقيام بجميع المأمورات
والمنهيات (ثَوَابِهُ الجَنَّة) لمن قام به؛ أي: دخولها مع الناجين من غير مقاساة لشدائد
(١) أخرجه ابن خُزيمة (١٨٨٧)، والبيهقي في («شعب الإيمان)) (٣٤٥٥).

٤٥٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس
الموقف وما بعده.
(وَشَهْرِ الْمُوَاسَاةِ) أي: الإحسان لا سيما لفقراء الأقارب والأرحام والصالحين
والأيتام (وَ) مما يحمل الموفق على مزيد الإحسان فيه أنه (شَهْرُ يُزَادُ فِيه فِي رِزْقِ
المُؤْمِن) زيادة لا ينكرها إلا معاند أو محروم (مَنْ فَظَّرَ فِيْهِ صَائِمًا كَانَ) بفطره له
(مَغفرة لِذُنُوبِهُ) الصغائر المتعلقة بالله (وَعَتَقَ رَقَبَتَهُ مِن النَّارِ) المؤدية إليها تلك
الذنوب؛ أي: كان سببًا لهذين (وَكَانَ لَهُ مِثْل أجْرهِ) أي: الصائم (مِنْ غَيْرٍ أنْ يَنْقُص مِنْ
أجْرِهِ شَيء) زيادة إيضاح للعلم بعدم النقص من لفظ مثل.
(قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ، لَيْسَ كُلُّنَا يَجِدُ مَا يُفْطِرَ الصَّائِمِ) أي: يشبعه وإنما الذي يجد
ذلك بعضنا فما حكم من لم يجد ذلك (فَقَالَ رَسُولُ الله ◌ِ﴾) كلكم يقدر على ما
يحصل هذا الثواب؛ لأنه لا يتوقف على ما يعجزون عنه بل (يُعْطِي اللّهُ هَذَا الشَّوَاب
مَنْ فَظَّرَ صَائِمًا عَلَى مِذْقَةٍ لَبَنٍ أَوْ تَمْرَةِ، أَوْ شَرْبَةٍ مِنْ مَاءٍ) وكلكم يقدر على واحدة من
هذه الثلاثة (وَمَنْ أَشْبَعَ صَائِمًا سَقَاهُ اللهُ مِنْ حَوْضِي شَرْبَة لَا يَظْمَأ) بعدها (حَتَّى
يَدْخُلَ الجَنَّةَ) ومعلوم أن الجنة لا ظمأ فيها قال تعالى: ﴿لَا تَظْمَأَ فِيهَا وَلَا تَضْحَى﴾
[طه: ١١٩].
(وَهُوَ شَهْرٌ أوَّلُهُ رَحْمَة) عامة على المسلمين بتوفيقهم إلى صومه والقيام بحقوقه
(وَأَوْسَطُهُ مَغْفِرَة) لصغائرهم؛ لأن الأجير قد تتعجل بعض أجره قرب فراغه منه
(وَآخِرُهُ) الأجر الكامل وهو (عِثْقُّ) لرقابهم (مِن الثَّارِ، وَمَنْ خَفَّفَ عَنْ مَمْلُوكِهِ)
الصائم بقرينة السياق أو مطلقًا تعظيمًا لرمضان (فِيْهِ غَفَرَ اللهُ لَهُ) بعض الذنوب التي
بقيت عليه، بأن يعوض صاحبها حتى يرضى، فإن لم يكن عليه لأحد شيء أعطاه
من الدرجات العلمية ما يقابل ذلك، وكذا يقال في كل من عمل عملاً فيه تكفير
وليس عليه ما يكفره (وَأَعْتَقَهُ مِن النَّارِ) جزاء لإعتاقه لمملوكه من شدة العمل.
١٩٦٦ - [وَعَنِ ابْن عَبَّاس قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَ إِذَا دَخَلَ رَمَضَان أَظْلَقَ كُلَّ

٤٥١
كتاب الصوم
أَسِيْرٍ وَأَعْطَى كُلّ سَائِلٍ](١).
(وَعَنِ ابْن عَبَّاس قَالَ: كَانَ رَسُولُ الله ◌َ﴾: إِذَا دَخَلَ رَمَضَان أَطْلقَ كُلُّ أَسِيْرٍ)
أي: محبوس بقي على كفره بعد أسره ليختار فيه وَله المن أو القتل مثلاً (وَأَعْطَى كُلّ
سَائِلٍ) لأنه وعليه كان أجود ما يكون إن كان في رمضان، فإن قلت: هو ◌َّ كان لا يرد
سائلاً في غير رمضان أيضًا، بل إن كان عنده شيء أعطاه وإلا دعا له ووعده فما مزية
رمضان، قلت: يمكن أن مزيته أنه كان في رمضان بعدما يكفي السائلين بخلافه في
غيره تعظيمًا لرمضان وحثًا لأمته على إفراغهم الوسع وبلوغهم الجهد في تعظيمه والقيام
بحقوقه.
١٩٦٧ - [وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - أَنّ النَّبِيَّ نَّهِ قَالَ: إِنَّ الْجَنَّةَ
تُزَخْرَفُ لِرَمَضَانَ مِنْ رَأْسِ الْخَوْلِ إِلَى حَوْلٍ قَابِلِ، قَالَ: فَإِذَا كَانَ أَوَّلُ يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ
هَبَّتْ رِيحُ تَحْتَ الْعَرْشِ، مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ عَلَى الْحُورِ الْعِينِ، فَيَقُلْنَ: يَا رَبِّ، اجْعَلْ لَنَا مِنْ
عِبَادِكَ أَزْوَاجًا تَقَرُّ بِهِم أَعْيُنُنَا، وَتَقُّ أَعْيُّنُهُمْ بنا. رَوَى البَيْهَِي الأَحَادِيْثَ الثَّلاثَة فِي
((شُعَبِ الإِيْمَانِ))](٢).
(وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمَا - أَنّ النَّبِيَّ ◌َبِ قَالَ: إِنَّ الْجَنَّةَ تُزَخْرَف) أي:
تزين (لِرَمَضَانَ) أي: لأجله (مِنْ رَأْسِ الْحَوْلِ) لعل المراد به هنا أول شوال (إِلَى حَوْل
قَابِل) بأن تبدأ الملائكة في تزينها أول شوال، وتستمر إلى أول رمضان فتفتح أبوابها
حينئذ لتطلع الملائكة منها حينئذ على ما لا يطلعون عليه قبل إعلامًا لهم بعظيم
شرف رمضان، وشرف هذه الأمة ومجازاتهم على صومهم بمثل هذا النعيم المقيم
الظاهر الباهر (قَالَ: فَإِذَا كَانَ أَوَّلُ يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ هَبَّتْ رِيحُ تَحْتِ الْعَرْشِ) أي: في
الجنة؛ لأن سقف الجنة عرش الرحمن كما في الحديث وابتدأ هبوب تلك الريح.
(مِنْ وَرَقَ الْجَنَّةِ) ثم تنتشر فيها، والمقصود منها أن تهب (عَلَى الْحُورِ الْعِينِ)
(١) أخرجه البيهقي في ((شعب الإيمان)) (٣٤٧٥).
(٢) أخرجه البيهقي في ((شعب الإيمان)) (٣٦٣٣).

٤٥٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس
لتشوقهن إلى من أعددن له من صوام رمضان فتتشوقن (فَيقُلْنَ: يَا رَبِّ، اجْعَلْ لَنَا مِنْ
عِبَادِكَ) الصالحين (أَزْوَاجًا) أي: أقرانًا يقرن بهم، ويكون في خدمتهم على حد
﴿وَزَوَّجْنَاهُم بِحُورٍ عِينٍ﴾ [الدخان: ٥٤].
(تَقَرُّ بِهِم أَعْيُنُنَا، وَتَقرُّ أَعْيُنُهُمْ بنا) من القر؛ أي: البرد كناية عن السرور
والفرح، ومنه أبرد الله عينه؛ لأن دمع الفرح بارد، أو من القر المستلزم لبلوغ
الأمنية؛ إذ من فاز ببغيته قرت نفسه فلم تحرك لطلب ما سواها (رَوَى البَيْهَقِي
الأَحَادِيْثَ الثَّلاثَة فِي ((شُعَبِ الإِيْمَانِ))).
١٩٦٨ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَة ﴿ عَنِ النَّبِيِّ ◌َ أَنَّهُ قَالَ: يُغْفَرِ لأَمَّتِهِ مِنْ آخِرٍ لَيْلَةٍ فِي
رَمَضَان، قِيْلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَهِيَ لَيْلَةُ القَدِرِ؟ قَالَ: لَا وَلَكِنِ العَامِلُ إِنَّمَا يُوَّ أَجْرَهُ
إِذَا قَضَى عَمَلَهُ رَوَاهُ أَحْمَد] (١).
(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَة ◌َ﴾ عَنِ النَّبِيِّ ◌َ﴿ أَنَّهُ قَالَ: يُغْفَر لأُمَّتِهِ) هو حكاية معنى ما
يلفظ به ◌َّ الذي هو يغفر لأمتي (لأُمَّتِهِ فِي آخِرٍ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَان) أي: المغفرة الكاملة
حتى لا يتنافى ((وأوسطه مغفرة))(٢) السابق آنفًا (قِيْلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَهِيَ لَيْلَةُ القَدِرِ؟)
أي: على التعيين؛ أي: المغفرة فيها كونها ليلة القدر (قَالَ: لَا) بل يمكن أن تكون
هي وأن تكون غيرها من بقية ليالي العشر الأخير (وَلَكِن) سببها أن (العَامِلِ إِنَّمَا
يُوقَى أَجْرَهُ إِذَا قَضَى عَمَلَهُ. رَوَاهُ أَحْمَد).
(١) أخرجه أحمد (٧٩٠٤)، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (٣٦٠٢).
(٢) تقدم تخريجه.

(باب رؤية الهلال)
الفصل الأول
١٩٦٩ - [عَن ابْنِ عُمَرَ - رَضِي الله عَنْهُمَا - أَنَّ رَسُولَ الله ◌ِلَهَ ذَكَرَ رَمَضَانَ
فَقَالَ: ((لَا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوَا الْهِلَالَ، وَلَا تُفْطِرُوا حَتَّى تَرَوْهُ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا
لَهُ. وَفِي رِوَاية: قَالَ البَيْهَقِي: تِسْعُّ وَعِشْرُونَ لَيْلَةً فَلَا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوْهُ فَإِنْ غُمَّ
عَلَيْكُمْ، فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ ثَلَائِينَ يَوَمًا. مُتَّفَقَ عَلَيهِ ](١)
(عَن ابْنِ عُمَرَ - رَضِي الله عَنْهُمَا - أَنَّ رَسُولَ اللّه ◌َلْ ذَكَرَ رَمَضَانَ فَقَالَ: «لَّا
تَصُومُوا) أي: يوم ثلاثين شعبان عن رمضان كما دل عليه السياق (حَتَّى تَرَوُا الْهِلَالَ)
أي: حتى تثبت رؤيته ولو بواحد كما يأتي (وَلَا تُفْطِرُوا حَتَّى تَرَوْهُ) والنهي فيهما
للتحريم على الأصل وهو بالنظر لعموم الناس كما يدل عليه واو الجمع أما من رآه
وحده ولم يشهد به أو لم يقبل أو أخبره به من اعتقد صدقه فيلزمه العمل بمقتضى
رؤيته وإن لم يثبت رمضان ولا شوال على العموم.
ويسر بفطره لئلا يتعرض لعقوبة الحاكم (فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا لَهُ) أي:
قدروا عدد الشهر الذي أنتم فيه ثلاثين يومًا عملاً بالأصل من بقائه وعدم وجود
الهلال قبل الثلاثين.
(وَفِي رِوَاية: قَالَ البَيْهَقِي: تِسْعُّ وَعِشْرُونَ لَيْلَةً) أي: أقله ذلك (فَلَا) تفعلوا
بمقتضى ذلك الأقل و(تَصُومُوا حَتَّى تَرَوْهُ فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ) الهلال أو نائب الفاعل هو
الظرف أي إن كنتم مغمومًا عليكم أي غما من غميت الشيء غطيته بأن وقع نحو
سحاب أو قتر في محل الهلال وشك أيرى لو انكشف أو لا (فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ ثَلَائِينَ
(١) أخرجه البخاري (١٩٠٦)، ومسلم (٢٥٥٠)، والنسائي (٢١٢١)، ومالك (٦٣٠)، وأحمد (٥٢٩٤)،
والدارمي (١٦٨٤)، وابن حبان (٣٤٤٥)، والبيهقي (٧٧١١).
- ٤٥٣ -

٤٥٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس
يَوَمًا. مُتَّفَقٍ عَلَيه) أي: عدة شعبان كما في رواية البخاري.
١٩٧٠ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَة ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ، وَأَفْطِرُوا
لِرُؤْيَتِهِ، فَإِنْ غُبِّيَ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ. مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ ](١).
(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَة ◌َ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌ِ: صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ) الظاهر أن اللام
للتعليل؛ أي: لأجلها، وقيل: للتوقيت نظير ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء:
٧٨] أي: وقت دلوكها وفيه نظر؛ إذ الصوم هنا بعد الرؤية بزمن طويل والإقامة في الآية
وقت الدلوك فلا جامع، والضمير للهلال على حد حتى توارت بالحجاب اكتفاء بقرينة
السياق.
وبهذه الرواية الأخيرة والتي قبلها قول أحمد في إحدى الروايتين عنه، وطائفة
قليلة معنى أقدروا له ضيقوا له وقدره تحت السحاب فعجب عندهم صوم يوم
الثلاثين من شعبان عن رمضان إذا كانت ليلة الثلاثين مغيمة، وقول ابن سريج
وآخرين: قدروه بحساب المنازل، قال أئمتنا من قال بتقديره تحت السحاب: فهو منابذ
لصريح باقي الروايات، ومن قال: بحساب المنازل فيرد عليه بخبر («الصحيحين)): ((إِنَّا
أمة))(٤) الآتي وزعم بعض الحنابلة أن ما مر عن أحمد عليه إجماع الصحابة وَهم.
١٩٧١ - [وَعَنِ ابْنَ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - عَنِ النَّبِّ وَلَ قَالَ: إِنَّا أُمَّةُ أُمِّيَّةُ لَا
نَكْتُبُ وَلَا تَحْسُبُ وَالشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا وَعَقْدَ الإِبْهَامِ فِي الثَّالِئَةِ ثُمَّ قَالَ:
الشَّهَرُ وَهَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا - يَعْنِي: تمام الثَّلاثِينَ - يعني: مَرَّ تِسْعًا وَعِشْرِيْن وَمَرَّةٍ
ثَلاثِيْن. مُتَّفَقُ عَلَيْهِ](٣).
(١) أخرجه البخاري (١٨١٠)، ومسلم (١٠٨١)، والنسائي (٢١١٧)، وابن حبان (٣٤٥٧)، وأحمد
(٩٥٥٢).
(٢) أخرجه البخاري (١٨١٤)، ومسلم (١٠٨٠)، وأبو داود (٢٣١٩)، والنسائي (٢١٤٠)، وابن أبي شيبة
(٩٦٠٤)، وأحمد (٥٠١٧)، وأبو نعيم في ((مستخرجه)) على ((صحيح مسلم)) (٢٤٢٥)، والبيهقي
(٧٩٨٩).
(٣) انظر التخريج السابق.

٥٥!
كتاب الصوم/ باب رؤية الهلال
(وَعَنِ ابْنَ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - قَالَ: قَالَ رَسُول اللّهِ وَيُّ: إِنَّا) معشر
العرب نظرًا لأكثرهم (أَمَّةُ أَمِّيَّةُ) أي: منسوبون للأم لبقائهم على الحالة التي ولدتهم
عليها من عدم إحسان الكتابة والحساب، ولذا فسره بقوله: (لَا نَكْتُبُ وَلَا تَحْسُبُ
وَالشَّهْرُ هَكَذَا) وأشار بأصابعه العشر (وَهَكَذَا) وإشارتها فهذان عشرون (وَهَكَذَا
وَعَقَدَ الإِبْهَامِ فِي الثَّالِئَةِ) فصارت الجملة تسعة وعشرين (ثُمَّ قَالَ: الشَّهَرُ وَهَكَذَا
وَهَكَذَا وَهَكَذَا) قال الراوي: (يَعْنِي) بكونه هنا لم يعقد الإبهام في الثالثة (تمام
الثَّلاثِينَ).
قال الراوي أيضًا زيادة في الإيضاح: تأسيًا به وَِّ (يَعْنِي) بمجموع ما ذكره أن
الشهر يكون (مَرَّة تِسْعًا وَعِشْرِيْنِ وَمَرَّةٍ ثَلاثِيْن. مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ) وإنما بالغ بالبيان مما
ذكر مع الإشارة المذكورة ليبطل الرجوع إلى ما عليه الحساب والمنجمون وبه يبطل ما
مر عن ابن سریج، ومن وافقه.
ومن ثم قال أكثر أئمتنا: لا يعمل بحساب المنجم وهو من يرى أن أول الشهر
طلوع النجم الفلاني والمراد بقوله تعالى: ﴿وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [النحل: ١٦]
الاهتداء في نحو أدلة القبلة، وفي السفر ولا بحساب الحاسب، وهو من يعرف منازل
القمر وتقدير سيره لكن لكل منهما أن يعمل بمعرفة نفسه، ثم اختلفوا في أن ذلك
هل يجزيه فلا يلزمه قضاء أولا فيلزمه والذي عليه الأكثرون الأول.
١٩٧٢ - [وَعَنْ أَبِي بَكْرَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَّةُ: شَهْرًا عِيدٍ لَا يَنْقُصَانِ
رَمَضَانُ وَذُو الْحِجَّةِ مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ](١).
(وَعَنْ أَبِي بَكْرَةَ عَه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: شَهْرًا عِيدٍ لَا يَنْقُصَانِ رَمَضَانٌ)
وتسميته شهر عيد لمجاورته له (وَذُو الْحِجَّةِ. مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ) وليس المراد كما أجمعوا
عليه ومخالفة بعض الشيعة في ذلك لا يعتد بها أنهما لا ينقصان حسًّا؛ لأن الحس
(١) أخرجه البخاري (١٨١٣)، ومسلم (١٠٨٩)، وأحمد (٢٠٤١٥)، وأبو داود (٢٣٢٣)، والترمذي
(٦٩٢) وقال: حديث حسن. وابن ماجه (١٦٥٩).

٤٥٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس
بخلافه وصح عن جماعة من الصحابة صمنا مع رسول الله تسعًا وعشرين أكثر مما
صمنا معه ثلاثین.
ومن ثم قال بعض الحفاظ: صام ويل تسعة رمضانات منها رمضانان فقط
ثلاثون، بل إن ثوابهما المرتب عليهما من حيث الصيام والقيام والحج وغير ذلك، ومن
ثم خصا بالذكر؛ لأنه ليس لغيرهما من الفضائل التي يتوهم نقصها بنقصهما مثل ما
لهما لا لاختصاص ذلك بهما، بل كل شهر وثبت عليه فضله فهي حاصلة تم أو نقص
لا ينقص، وإن نقص عددهما كما صوبه النووي وغيره، فكل فضيلة ثبتت لرمضان أو
الحجة فهي حاصلة، نقص أو تم.
وقيل: المراد لا ينقصان معًا غالبًا من سنة واحدة، وقيل: من سنة معينة أرادها
وَالر وقيل: لا ينقص ثواب الحجة عن ثواب رمضان؛ لأن فيه المناسك والعشر، قال
النووي في ((شرح مسلم)) كابن عبد البر، وقد ينقص أربعة أشهر متوالية لا خمسة.
انتهى.
وكأنهما اعتمدا في ذلك استقراء ومع ذلك الظاهر أنه لو وقع خلاف ذلك عمل
به.
١٩٧٣ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: لَا يَتَقَدَّمَنَّ أَحَدُكُمْ
رَمَضَانَ بِصَوْمٍ يَوْمٍ أَوَ يَوْمَيْنِ إِلَّا رجل كان يَصُومُ صَومًا فَلْيَصُمْ ذَلِكَ الصَّوْمَ. مُتَّفَقُّ
عَلَيْهِ](١).
(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّةِ: لَا يَتَقَدَّمَنَّ أَحَدُكُمْ رَمَضَانَ بِصَوْمٍ
يَوْمٍ أَوَ يَوْمَيْنِ) وبه يخص أمره ◌َّله بسرر الشهر، وهو بفتح المهملة وكسرها أخره، ولهذا
وما صح عن عمار بن ياسر أنه قال: من صام يوم الشك فقد عصى أبا القاسم وقليل
كان المعتمد من مذهبنا حرمة صوم يوم الشك، بل وما قبله قبل العلة في تحريم ذلك
القوة على صوم رمضان، ونوزع فيه بعدم كراهة صوم شعبان كله، ويرد بأن صوم كل
(١) أخرجه البخاري (١٩١٤)، ومسلم (٢٥٧٠)، وأحمد (٨٨٠٥)، والبيهقي (٨١٩٦).

٤٥٧
كتاب الصوم/ باب رؤية الهلال
الشهر أو أكثره يورث قوة على رمضان الصيرورة الصوم مألوفًا وخلفًا لنفسه، فلا يشق
عليها تعاطیه بخلاف صوم نصفه فأقل.
وأما ما قبل العلة إيهام الناس دخول رمضان لتجويزهم أن صومه صادر عن
رؤية اختص بها، أو أنه ** لما قيد الأمر بالصوم بالرؤية كان الصوم قبلها كالاستدراك
على النص فلا يتأتى على مذهب العلل، فذلك أنه يحرم بعد النصف من شعبان ابتداء
صوم بلا سبب (إِلَّا رجل كان يَصُومُ صَومًا فَلْيَصُمْ ذَلِكَ الصَّوْمَ) فلا يحرم على من له
ورد صوم اعتاده، كأن اعتاد صوم الدهر، أو صوم يوم وفطر يوم، أو صوم يوم معين
كالاثنين والخميس أن يرفع مثل ذلك المعتاد في يوم الشك أو بعد النصف من شعبان،
وقيس بالورد فيما ذكر من صام ذلك عن نذر أو قضاء فرض أو نفل أو كفارة (مُتَّفَقَّ
عَلَيْهِ).
(الفصل الثاني)
١٩٧٤ - [عَنْ أَبِي هُرَيْرَة ◌َ﴾ه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: إِذَا انْتَصَفَ شَعْبَانِ فَلَا
تَصُومُوا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِي وَابْنِ مَاجَه وَالدَّارِمي](١).
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَة ﴿ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلَهُ: إِذَا انْتَصَفَ شَعْبَانِ فَلَا تَصُومُوا)
أي: صومًا بلا سبب كورد وغيره مما مرآنفًا.
وفي رواية: ((فلا صيام حتى يكون رمضان))(٢) (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدْ وَالتِّرْمِذِي وَابْنِ
مَاجَه وَالدَّارِمي) وقال الترمذي: إنه حديث حسن صحيح، ولا نظر لقول أحمد أنه
منكر؛ لأن أبا داود سكت عليَّ في ((سننه)) مع نقله عنه في غيرها الإنكار فكأنه لم
يرتضه، ووجهه أن أحمد قال عن راويه: إنه ثقة لا ينكر من حديثه إلا هذا، ولم يبين
سبب إنكاره فلم يقدح ذلك في رده ولم يأخذ أئمتنا بظاهر الحديث من حرمة صومه
(١) أخرجه أحمد (٩٧٠٥)، وأبو داود (٢٣٣٧)، والترمذي (٧٣٨) وقال: حسن صحيح. والنسائي في
((الكبرى)) (٢٩١١)، وابن ماجه (١٦٥١)، والبيهقي (٧٧٥٠).
(٢) انظر التخريج السابق.

٤٥٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس
ولو لسبب وإن وصله بما قبله.
أما الأول: فللقياس على ما مر في يوم الشك.
وأما الثاني: فلأنه بَليو كان يصوم أكثره مرة وكله أخرى، وصوم أكثره إذا كان
متواليًا كما هو الظاهر من صومه وقل﴾ مستلزم لصوم ما بعده متصلاً بما قبله، على أن
حفظ أصل [ابتداء] نية الصوم تؤيد التخصيص المذكور، وقال بعض أئمتنا: يجوز بلا
كراهة الصوم بعد النصف مطلقًا تمسكًا بأن الحديث غير ثابت، أو محمول على من
يخاف الضعف بالصوم، ورده المحققون بما تقرر: إن الحديث ثابت بل صحيح كما
تقرر، وبأنه مظنة للضعف وما نِيط بالمظنة لا يشترط فيه تحققها.
١٩٧٥ - [وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: أَحْصُوا هِلالَ شَعْبَانَ لَرَمَضَانَ. رَوَاهُ
التِّرْمِذِي](١).
(وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌ِ: أَحْصُوا هِلالَ شَعْبَانَ) أي: اجتهدوا في إحصائه
وضبطه بأن تتحروا مطالعه وتتراءَوا منازله (لرَمَضَانَ) أي: لأجل أن يكونوا على
بصيرة في إدراك هلال رمضان على حقيقته حتى لا يفوتكم منه شيء (رَوَاهُ
التِّرْمِذِي) ويؤخذ منه مسألة لم نرها لأحدٍ من أئمتنا، وهي أنه يسن بل يجب عملاً
بالقاعدة المشهورة أن الأمر للوجوب حقيقة إلا أن يرد ما يصرفه عن ذلك على الناس
على الكفاية التحري والاجتهاد في الإحاطة بهلال شعبان؛ لما فيه من المصلحة التي هي
إدراك رمضان من غير أن يفوت منه شيء، وذكر بعض أصحابنا أن من فروض
الكفايات رؤية الهلال في كل شهر لما يترتب على ذلك من المصالح العامة، وهذا غير ما
في الحديث؛ لأن الذي فيه إحصاء هلال شعبان لأجل رمضان، والذي قال بذلك
البعض من إحصاء كل هلال لأجل نفسه وما يرتبط به من الآجال والتعاليق ونحوهما.
١٩٧٦ - [وَعَنْ أمِّ سَلْمَةٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا- قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ رَسُولَ الله وَه
(١) أخرجه الترمذي (٦٨٧) وقال: لا نعرفه إلا من حديث أبي معاوية. والطبراني في ((الأوسط))
(٨٢٤٢)، والحاكم (١٥٤٨) وقال: صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي. والبيهقي (٧٧٢٩).

٤٥٩
كتاب الصوم/ باب رؤية الهلال
يَصُومُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ إِلَّا شَعْبَانَ وَرَمَضَانَ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِي وَالنَّسَائِي وَابْنِ
مَاجَه](١).
(وَعَنْ أُمِّ سَلْمَةٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللّهِ وَهُ يَصُومُ
شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ إِلَّا شَعْبَانَ وَرَمَضَانَ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدِ وَالتِّرْمِذِي وَالنَّسَائِي وَابْنِ مَاجَه)
ويأتي في صوم التطوع الكلام على صوم شعبان وما فيه من الإشكال.
١٩٧٧ - [وَعَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرِ ﴿ قَالَ: مَنْ صَامَ الْيَوْمَ الَّذِي يُشَكُّ فِيهِ فَقَدْ عَصَى
أَبَا الْقَاسِمِ نَِّ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدِ وَالتِّزْمِذِي وَالنَّسَائِي وَابْنِ مَاجَه وَالدَّارِمي](٢).
(وَعَنْ عَمَّارٍ بْنِ يَاسِر ◌َ﴾ قَالَ: مَنْ صَامَ الْيَوْمَ الَّذِي يُشَكُّ فِيهِ) قيل: أُثر هذا على
يوم الشك لإفادة ذاك الاكتفاء بأدنى شك كما عدل عن: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ
ظَلَمُوا﴾ [هود:١١٣] للاكتفاء في النهي بأدنى ظلم. انتهى.
وهو توجيه لفظي لما مر من حرمة صوم ما بعد نصف رمضان (فَقَدْ عَصَى أَبَا
الْقَاسِمِ) أي: الذي يقسم عن الله بين عباده حكمة بحسب ما يليق بهم، فكيف تليق
مخالفته ◌َّه؟ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدْ وَالتِّرْمِذِي وَالنَّسَائِي وَابْن مَاجَه وَالدَّارِمي) وصححه الأئمة،
وقول الصاغاني: إنه موضوع ليس في محله على أنه يتساهل في كثير من الأحاديث،
ويحكم عليها بالوضع من غير مستند، ومن ثم صنف الزين العراقي کراسه في رد ما
وقع له من هذا التساهل القبيح، ثم مثل هذه العبارة من الصحابي لا يقال من قبل
الرائي، فيكون في حكم المرفوع إلى رسول الله وعليه؛ أي: من صام يوم الشك فقد
عصاني.
وبه يتأيد المعتمد من مذهبنا أن صوم يوم الشك حرام كما مر، ويندفع اعتماد
ما نقل عن نص الشافعي وجمهور أصحابه أن صومه مكروه لا حرام، وإنما لم يسن
(١) أخرجه أبو داود (٢٣٣٦) بنحوه، والترمذي (٧٤١)، والنسائي (٢٣٦٤).
(٢) أخرجه أبو داود (٢٣٣٦)، والترمذي (٦٨٩)، والنسائي (٢٢٠٠)، وابن ماجه (١٧١٤)، والدارقطني
(٢١٧٤)، والدارمي (١٧٣٥).

٤٦٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس
صومه إذا أطبق الغيم لقول أحمد بوجوبه حينئذٍ؛ لأن الخلاف إذا خالف سنة
صحيحة صريحة لا يراعى، وهي هنا الأخبار السابقة منها: ((فإن غم عليكم فأكملوا
عدة شعبان ثلاثين)»(١) ولا يندب إمساك يوم الشك قبل الثبوت.
١٩٧٨ [وَعَن ابْن عَبَّاسِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - قَالَ: جَاءَ أَعْرَابِيُّ إِلَى رَسُولِ الله
فَقَالَ: إِنَّ رَأَيْتُ الْهِلالَ - يَعْنِي: هِلالَ رَمَضَانَ - فَقَالَ: أَتَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَّهَ إِلَّ اللّهُ؟
قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: أَنَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: يَا بِلالُ، أَذِّنْ فِي النَّاسِ أَنْ
يَصُومُوا غَدًا. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدِ وَالتِّزْمِذِي وَالنَّسَائِيِ وَابْنِ مَاجَه وَالدَّارِمي](٢).
(وَعَنِ ابْن عَبَّاسِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - قَالَ: جَاءَ أَعْرَائِيُّ إِلَى رَسُولِ اللهِ وَتِهِ
فَقَالَ: إِنَّ رَأَيْتُ الْهِلالَ؛ يَعْنِي: هِلالَ رَمَضَانَ) الظاهر أنه من كلام ابن عباس (فَقَالَ:
أَقَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: أَتَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ الله؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: يَا
بِلالُ، أَذِّنْ فِي النَّاسِ أَنْ يَصُومُوا غَدًا) أي: أعلمهم بوجوب صوم غدٍ عليهم بسبب
رؤية هذا الأعرابي لهلاله (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدِ وَالتِّرْمِذِي وَالنَّسَائِي وَابْنِ مَاجَه وَالدَّارِمي)
وصححه الحاكم، وذكر البيهقي أنه جاء من طرق موصولاً، ومن طرق مرسلاً، وأن
طرق الاتصال صحيحة؛ أي: والحكم للموصل دون الموصل؛ لأن الأول معه زيادة
علم.
١٩٧٩ - [وَعَن ابْنِ عُمَر - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - قَالَ: تَرَاءَى النَّاسُ الْهِلَالَ،
فَأَخْبَرْت رَسُولَ اللهِ وَِّ أَنِّ رَأَيْتُهُ، فَصَامَ وَأَمَرَ النَّاسَ بِصِيَامِهِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُد
وَالدَّارِمي](٣).
(١) أخرجه البخاري (١٨٠٨)، ومسلم (١٠٨٠)، ومالك (٦٣١)، وأحمد (٤٤٨٨)، وأبو داود (٢٣٢٠)،
وابن حبان (٣٥٩٣)، والشافعي (١٠٣/١)، وابن خزيمة (١٩٠٧).
(٢) أخرجه أبو داود (٢٣٤٢)، والترمذي (٦٩٤)، والنسائي (٢١٢٤)، وابن ماجه (١٧٢١)، والدارمي
(١٧٤٥).
(٣) أخرجه أبو داود (٢٣٤٤)، والدارمي (١٦٩١).