النص المفهرس
صفحات 401-420
٤٠١ كتاب الزكاة/ باب فضل الصدقة وقد مر أن: ((صدقة السر تطفئ غضب الرب))(١) وغضبه تعالى لا يقابله شيء من المذكورات وغيرها في الصعوبة والشدة، بل ولا يبقى لشيء منها وجودًا أصلاً (رَوَاهُ التِّرْمِذِي وَقَالَ: هَذَا حَدِيْثٌ غَرِيْبُ). ولا ينافي ما تقرر من حيازة الآدمي لتلك الكمالات التي فضل بها على سائر المخلوقات ما ارتكز فيه من النقائض الناشئة عن نفسه الأمارة وأهويتها؛ لأن هذا هو سبب كماله؛ إذ لا يعرف صدق ترك النقيصة إلا ممن وجدت فيه وجودًا أوليًا؛ لأن هذا يحمله على النقص ويلجئه إليه، فإذا تركه مع ذلك وجد في الكمال عرف صدق وجهته وعلو مرتبته، وهذا هو السبب في كون الآدمي فضل الملك؛ لأنه سلطت عليه الأغيار فلم يؤثر فيه بخلاف الملك لم يسلط عليه غير، بل كانت الطاعة من جبلته؛ لأنه يجدها كالتنفس لنا، ومن ثم لما سلطت الأغيار على هاروت وماروت وقع منهما ما وقع مما جاء به النقل الصحيح، ونزاع غير واحد في قصتهما ليس في محله (وَذُكِرَ حَدِيْثُ مُعَاذ: ((الصَّدَقَةُ تُطْفِئُ الخَطَيْئَة)) فِي ((كِتَابِ الإِيْمَانِ))). (الفصل الثالث) ١٩٢٤ - [عَنْ أَبِي ذَرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: مَا مِنْ عَبْدٍ مُسْلِمٍ يُنْفِقُ مِنْ كُلِّ مَالٍ لَهُ زَوْجَيْنِ فِي سَبِيلِ اللّه ◌ِلَّ اسْتَقْبَلَتْهُ حَجَبَةُ الْجَنَّةِ كُّهُمْ يَدْعُوهُ إِلَى مَا عِنْدَهُ قُلْتُ: وَكَيْفَ ذَلِكَ؟ قَالَ إِنْ كَانَتْ إِلاَّ فَبَعِيرَيْنِ، وَإِنْ كَانَتْ بَقَرًا فَبَقَرَتَيْنِ. رَوَاهُ النَّسَائِي)](٢). (عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَُّ: مَا مِنْ عَبْدٍ مُسْلِمٍ يُنْفِقُ مِنْ كُلِّ مَالٍ لَهُ) من كل نوع من أنواع ماله (زَوْجَيْنِ فِي سَبِيلِ الله) مر الكلام عليه مستوفى في الفصل الأول (إِلَّ اسْتَقْبَلَتْهُ حَجَبَةُ الْجَنَّةِ) أي: الموكلون بأبوابها (كُلَّهُمْ يَدْعُوهُ إِلَى مَا) أي: إلى (١) أخرجه الطبراني في «الكبير)) (١٠١٨)، وفي «الأوسط)) (٣٤٥٠). (٢) أخرجه أحمد (٢١٣٧٩)، والنسائي (٣١٨٥)، والدارمي (٢٤٠٣)، وأبو عوانة (٧٤٨٧)، وابن حبان (٤٦٤٣)، والحاكم (٢٤٣٩) وقال: صحيح الإسناد. والطبراني (١٦٤٤)، والبيهقي (١٨٣٤٥)، والطبراني في ((الأوسط)) (٣٣٢٤). ٤٠٢ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس الدخول من الباب الذي (عِنْدَهُ) أي: تحت نظره وتصرفه (قُلْتُ) يا رسول الله (وَكَيْفَ ذَلِكَ؟) الإنفاق للزوجين من كل نوع من أنواع ماله فإنه خفي (قَالَ إِنْ كَانَتْ) راجع لكل مال له، وأنثه نظرًا إلى أنه في معنى أمواله، أو إلى خبره المؤنث وهو (إِيلاً) إذ هو اسم جنس (فَـ) ينفق منها (بَعِيرَيْنِ، وَإِنْ كَانَتْ) أمواله (بَقَرًّا فَبَقَرَتَيْنِ) أي: وإن كانت إِبلاً وبقرًا وغنمًا فبعيرين وبقرتين وشاتين وهكذا (رَوَاهُ النَّسَائِي). ومر أن حديث مسلم مقدم على هذا مع بيانه بما يعلم منه أنه يحتمل أنه تعالى أخبره بهذا أولاً، وأنه لا يدعى المتصدق من كل الأبواب إلا إن أنفق من كل نوع من أنواع ماله شيئين ثم خفف تعالى عن الأمة فجعل لهم ذلك الثواب الجزيل بإنفاق شيئين ولو حقيرين من نوع من أنواع ماله، كما أنه يحتمل أنه تعالى أخبر نبيه ﴿ ﴿ بأن صلاة الجماعة بخمس وعشرين، ثم أخبره بسبع وعشرين زيادة في المنة وسعة الفضل على هذه الأمة. ١٩٢٥ - [وَعَنْ مَرْتَد بْن عَبْد الله قَالَ: حَدَّثَنِي بَعْضُ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ لِ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﴿ يَقُولُ: إِنَّ ظِلَّ الْمُؤْمِنِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ صَدَقَتُهُ رَوَاهُ أَحْمَدٌ ](١). (وَعَنْ مَرْقَد بْن عَبْدِ اللّه قَالَ: حَدَّثَنِي بَعْضُ أصْحَابٍ رَسُول الله وَِّ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ وَ يَقُولُ: إِنَّ ظِلَّ الْمُؤْمِنِ) أي: ساترة من حر الشمس (يَوْمَ الْقِيَامَةِ صَدَقَتْهُ رَوَاهُ أحْمَدُ) وهو بمعنى الحديث الآخر: ((كل امرئ في ظل صدقته يوم القيامة حتى يقضي بين الناس ربه))(٤) مع القاعدة المقررة أن كل ما جاء عن الصادق ولم يستحل ظاهره يبقى على ظاهره؛ إذ لا حاجة لتأويله يعلم بقاء الحديث على ظاهره من أن الصدقة تجسم هي أو ثوابها، حتى يصير لها ظل حسي يستظل به صاحبها من حر الشمس في الموقف؛ لأنها تدنو من رؤوس الخلائق حتى يلجمهم العرق فيخوضون فيه (١) أخرجه أحمد (١٨٠٧٢)، وابن خزيمة (٢٤٣٢). (٢) أخرجه أحمد (١٧٣٧١)، وابن المبارك في (الزهد)) (٦٤٥)، وابن حبان (٣٣١٠)، والطبراني (٧٧١)، وأبو نعيم (١٨١/٨)، والحاكم (١٥١٧) وقال: صحيح على شرط مسلم. والبيهقي (٧٥٤٠). ٤٠٣ كتاب الزكاة/ باب فضل الصدقة على تفاوت مراتبهم إلا المتصدق ونحوه من المطالبين بالعرش. فإن قلت: صح فيه أنه منهم فلا حاجة له إلى الاستظلال بصدقته، قلت: الذي منهم له قيد مخصوص وهذا مطلق على أنه لا مانع أنه يظلل بها ثم بالعرش، أو يكون وهو في ظل العرش في ظلها أيضًا مبالغة في شرفه وإكرامه، وبهذا اندفع ما قبل الحديث من التشبيه المقلوب المحذوف الأداة، والأصل الصدقة كالظل في أنها تحميه عن أذى الحريوم القيامة. ١٩٢٦ [وَعَنِ ابْن مَسْعُود ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وََّ: مَنْ وَسَّعَ عَلَى عِيَالِهِ فِي النَّفَقَّةِ يَوْمَ عَاشُورَاءَ وَسَّعَ اللهُ عَلَيْهِ سَائِرَ سَنَتِهِ، قَالَ سُفْيَانُ: إِنَّا قَدْ جَرَّبْنَاهُ فَوَجَدْنَاهُ گذَلِكَ](١). (وَعَنِ ابْنِ مَسْعُود ◌ُهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وََّ: مَنْ وَسَّعَ عَلَى عِيَالِهِ فِي النَّفَقَّةِ يَوْمَ عَاشُورَاءَ) وهو عاشر المحرم (وسَّعَ اللهُ عَلَيْهِ سَائِرَ سَنَّتِهِ، قَالَ سُفْيَانُ) الظاهر أنه ابن عيينة (إِنَّا قَدْ جَرَّبْنَاهُ فَوَجَدْنَاهُ كَذَلِكَ). ١٩٢٧ - [َرَوَى البَيْهَقِي فِي ((شُعَبِ الإِيْمَانِ)) عَنْهُ وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةٍ وَأَبِي سَعِيْدٍ وَجَابِرٍ وَضَعَّفَهُ]. (رَوَى البَيْهَفِي) ذلك (في ((شُعَبِ الإِيْمَانِ)) عَنْهُ) أي: ابن مسعود (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةٍ وَأَبِي سَعِيْدٍ وَجَابِرٍ وَضَعَّفَهُ) ومع ذلك يعمل به؛ لأن هذا من الفضائل، وقد صرح البيهقي وغيره تتأكد الصدقة في يوم عاشوراء للأحاديث الكثيرة فيه. قال أئمتنا: ويتأكد أيضًا على من يريد أن يخص وقتًا أو مكانًا بالصدقة أن تتحرى الأزمنة والأمكنة الفاضلة كرمضان؛ لأنه أفضل الشهور؛ ولأنه وال﴾ كان أجود ما يكون في رمضان، رواه الشيخان، وأفضله عشرة الأخير وكمكة ثم المدينة، ثم بيت المقدس وليس المراد أن من قصد التصدق في غير الأوقات والأماكن المذكورة يسن (١) أخرجه ابن عدي (٢١١/٥)، وابن حبان في ((الضعفاء)) (٩٧/٣)، والبيهقي في ((شعب الإيمان)» (٣٧٩٢). ٤٠٤ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس له أن يؤخر إليها، بل المراد أن التصدق فيها أعظم أجرًا من التصدق في غيرها غالبًا، ويتأكد أيضًا عند كل ما يخشى منه كرب كحج ومرض وسفر؛ لأنها أرجى لزواله. ١٩٢٨ - [وعَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: قَالَ أَبُو ذَرٍّ: يَا نَبِيَّ الله، أَرَأَيْتَ الصَّدَقَةَ مَاذَا هِيَ؟ قَالَ: أَضْعَافُ مُتَضَاعَفَةٌ، وَعِنْدَ اللهِ الْمَزِيدُ](١). (وعَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: قَالَ أَبُو ذَرّ: يَا نَبِيَّ الله أَرَأَيْتَ) أي: أخبرني عن أمر مهم هو (الصَّدَقَةَ) مقول فيها (مَاذَا) أي: أي شيء؟ (هِيَ؟) في ذاتها (قَالَ) جاريًا على الأسلوب الحكيم لا يسأل عن ذاتها فإنها معلومة، ولكن اسأل عن ثوابها فإنه لا يستفاد إلا من حضرتنا هي (أَضْعَافُ) جمع ضعف وهو الشيء ومثله (مُتضَاعَفَةٌ) أي: متكرر ثوابها مرة بعد أخرى إلى نهاية لا يعلمها إلا المتفضل بها، ولا يستبعد ذلك كيف (وَعِنْدَ اللّه الْمَزِيدُ) أي: الزيادة على الثواب مما ينيله لعباده لا في مقابلة عمل منهم؛ لأنه لا يقابله عمل، قال تعالى: ﴿لَّلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦] وهي النظر إليه تعالی. وقال تعالى: ﴿وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتٍ مِن لَّدُنْهُ﴾ أي: من عنده ﴿أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٠] أي: زيادة في الإنعام والتفضل. وفي الحديث: يا رسول الله، هل يدخل أحد منا الجنة بعمله؟ قال: ((لا)) قالوا: ولا أنت قال: (ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمته)(٢) بدخول الجنة والنظر إلى الله تعالى لا يقابلان بعمل؛ لأنه يقصر عنهما، وإنما الذي يقابل به درجات الجنة والتفاوت فيها حسبه. (١) أخرجه أحمد (٢٢٩٤٨)، والطبراني (٨٧١٣). (٢) أخرجه البخاري (٦٠٩٨)، ومسلم (٢٨١٦). (باب) بیان (أفضل الصدقة) (الفصل الأول) ١٩٢٩ . [عَنْ أَبِي هُرَيْرَة وَحَكِيْمُ بْنِ حَزَّم - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - قَالا: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَسِنْ خَيْرُ الصَّدَقَةِ مَا كَانَ عَنْ ظَهْرٍ غِنَّى، وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَرَوَاهُ مُسْلِمُ عَنْ حَكِيْمِ وَحْدَهُ]١ . (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةٍ وَحَكِيْمِ بْنِ حَزَّامٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - قَالا: قَالَ رَسُولُ الله ﴿: خَيْرُ الصَّدَقَةِ) المتطوع بها للأقارب والأباعد (مَا كَانَ) صادرًا وناشئًا (عَنْ ظَهْرٍ) مزيد لإشباع المعنى، وتمكينه في الذهن كهو على ظهر يسير، وراكب متن السلامة، واممتط غارب العز] ونحو ذلك من الألفاظ التي يعبر بها عن التمكن من الشيء والاستيلاء عليه (غِنَى) عظيم من المال يعتمده ويستظهر به على نوائبه ومهماته، وضابط الغنى كما قاله جماعة أخذًا من كلام ((الإحياء): أن يكون عنده ما يفضل عن وفاء دينه وكفاية من تلزمه مؤنة يومه، وكسوة فضلة لا عما يكفيه في الحال فقط، ولا عما يكفيه لسنته. نعم قال بعض أئمتنا: يدخر لهؤلاء قوت سنة إذا لم يتوقع حصول شيء قبل مضيها فلا يتصدق إلا بالفاضل عن ذلك، وأيده غيره بقول ((الروضة)) عن الإمام، وأقره يجب على الموسرين المواساة بما زاد على كفاية سنة، ويرد بأن الوجوب يحتاج له، أكثر من الندب الذي كلامنا فيه، فلا يلزم من اعتبار السنة، ثم اعتبارهما هنا، أما إذا (١) أخرجه البخاري (١٣٦٠)، ومسلم (٢٤٣٣)، وأبو داود (١٦٧٦)، والنسائي (٢٥٤٤)، وأحمد (٩٢١٢)، وابن خزيمة (٢٤٣٩). - ٤٠٥ - ٤٠٦ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس لم يكن غنيًّا بالمعنى المذكور بأن لم يفضل عن ذلك شيء مما معه بأن يحتاج لجميع ما معه، إما لوفاء دينه أو مؤنة عياله حرم عليه التصدق بشيء من ذلك على المعتمد عندنا. أما الأول: فمسارعة لبراءة ذمته، وأداء حق الغير ولو كان الدين مؤجلاً ولو لله كدين زكاة، نعم إن رجا وفاؤه من جهة ظاهرة بأن غلب على ظنه ذلك ولم يحصل تأخير أدائه أنه يجب فورًا لعصيانه بسببه لم يحرم التصدق حينئذٍ، بل يستحب، قال بعض أئمتنا: نعم لا ينبغي حرمة التصدق بنحو رغيف مما لو تركه لا يصرفه في الدين لحقارته، وإلا لا يسد باب التطوع؛ إذ غالب الناس لا تخلو ذمته من دين مهر أو غيره. وأما الثاني: فللخبر الصحيح: ((كفى بالمرء إثمًا أن يضيع من يقوت)(١). ولقوله في هذا الحديث (وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ) ولا يرد على التحريم خبر الصحيحين في الأنصاري الذي نزل به الضيف فأطعمه قوته وقوت صبیانه. قال النووي في ((شرح المهذب)) لأن ذاك ليس بصدقة بل ضيافة، والضيافة لا يشترط فيها الفضل عن مؤنة نفسه وعياله؛ لتأكدها وكثرة الحث عليها، حتى إن جمعًا من المجتهدين أوجبوها؛ ولأنه محمول على أن الصبيان لم يكونوا محتاجين حينئذٍ إلى الأكل، وأما هو وامرأته فتبرعا بحقهما، وكانا صابرين فرحين؛ ولهذا جاء في قوله تعالى: ﴿ وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ ... ﴾ [الحشر: ٩]. وفي الحديث الثناء عليهما، وإنما قال لها: ((نوميهما)) خوفًا من طلبهم الأكل على عادة الصبيان في الطلب من غير حاجة. انتهى ملخصًا. وما ذكره من أن الضيافة لا يشترط فيها ذلك خالفه في ((شرح مسلم)) وهو الذي أميل إلى ترجيحه وإن مشى جمع من متأخري أئمتنا على الأول؛ لأن الضيافة، وإن قيل بوجوبها، فنفقة الممون واجبة إجماعًا فليقدم، فإن فضل شيء (١) أخرجه أحمد (٦٤٩٥)، وأبو داود (١٦٩٢)، والحاكم (١٥١٥)، والبيهقي (١٥٤٧٢)، والطيالسي (٢٢٨١)، والبزار (٢٤١٥)، وابن حبان (٤٢٤٠)، والنسائي في ((الكبرى)) (٩١٧٧). ٤٠٧ كتاب الزكاة/ باب بيان أفضل الصدقة فللضيف، نعم لو كان الممون بحيث لو أخذ غداؤه أو عشاؤه لا يحصل له منه تضرر ألبتة وكان الضيف محتاجًا، فحينئذٍ يتجه ترجيح الأول وهو تقديم الضيف على الممون. وبهذا يظهر لك أنه لا خلاف بين (شرح المهذب)) و(شرح مسلم)) فاشتراط الفضل في تقديم الضيف يحمل على ما إذا تضرروا بإيثاره عليهم، وعدم اشتراطه يحمل على ما إذا لم يتضرروا بإيثاره عليهم، وخرج بكفاية عياله كفاية نفسه، فإن فضل عنها شيء سن له التصدق بجميعه إن صبر على الإضافة وإلا فببعضه، وإن لم يفضل عنها شيء يومه وليلته وکسوة فضلة نظیر ما مر، فإن كان له توكل وقوة یقین یصبر بسببها على الجوع والإضافة لم يحرم عليه التصدق به، لما مرَّ في الأنصاري [مدرجة] وعليه يحمل قولهم للمضطر أن يؤثر مضطرًّا آخر على نفسه، وإن لم يصبر على الإضافة حرم عليه التصدق بشيء مما يحتاجه، وعليه يحمل قولهم: يحرم على العطشان إيثار عطشان آخر. وبما قررته في هذا الحديث يعلم أن الغنى المشترط في صدقة التطوع غير الغنى المشترط في نفقة العيال؛ لأن الأول من ضابطه، والثاني هو أن يقدر عليها ولو بالكسب، وأن قوله: ((وابدأ بمن تعول))(١) مقيد بحكم مغاير لما قبله؛ لأن ما قبله في بيان أن صدقة التطوع إنما تكون خيرًا إن كانت من غني بالمعنى السابق، وإلا لم یکن خيرًا، بل إنما كما مر. وأما قوله: ((وابدأ ... إلى آخره)) فهو في بيان أن نفقة العيال واجبة التقديم على صدقة التطوع، ومن ثم عبر بقوله: ((وابدأ)) وأنه لا يشترط في وجوبها الغنى المشترط في جواز صدقة التطوع، وبهذا إن تأملاته يظهر لك فساد قول الشارح استعير الصدقة للإنفاق حثًا عليه، ومسارعة فيما يرجى منه من جزيل الثواب، ومن ثم أتبعه قوله: ((وابدأ بمن تعول)) قرينة للاستعارة، فيشمل النفقة على العيال وصدقتي الواجب (١) تقدم تخريجه. ٤٠٨ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس والتطوع، وأن يكون ذلك الإنفاق من الربح لا من صلب المال كما سبق. فعلى هذا كان من الظاهر أن يؤتي ألفًا، فعدل إلى الواو، ومن الجملة الإنشائية إلى الإخبارية تفويضًا للترتب إلى الذهن واهتمامًا بشأن الإنفاق، وإن كل من تمكن من ذلك مأمور بالبدء، والبدء يقتضي أمورًا تنتهي إلى الغاية سرد الأحاديث بعده، في هذا المعنى. انتهى. وكأنه اعتمد في هذا الكلام الذي لا يناسب قواعد مذهبه بوجهٍ على ظاهر اللفظ من غير رجوع إلى كلام أئمة مذهبه في اشتراط حل صدقة التطوع، وفي اشتراط وجوب نفقة العيال في تقديم هذه على تلك، وفي أن الغنى المشترط في حل صدقة التطوع غير الغنى المشترط لوجوب إنفاق العيال، وحينئذٍ غفل عن ذلك تكلم على ظاهر اللفظ بما لا ينبغي صدوره من مثله، فتأمل ذلك لا سيما زعمه استعارة الصدقة للإنفاق، كيف وحكمها متغاير كما علمت وجعله، قوله: ((وابدأ بمن تعول)) قرينة الاستعارة، كيف وهو يبطلها ويبين أن هذا سياق حكم مغاير لحكم الأول، وقوله كان من الظاهر ... إلخ. كيف ومغايرة حكمي الجملتين من كل وجه كما تقرر يوجب العطف بالواو ويبطله بالفاء، وحينئذٍ يبطل قوله: تفويضًا ... إلخ، لا سيما قوله: ((والبدء .. إلخ)). وقوله: ((ويؤيد .. إلخ)) كيف وما في تلك الأحاديث سياق غير هذا السياق، فلا دليل فيه لما زعمه بوجه (رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَرَوَاهُ مُسْلِمٍ عَنْ حَكِيْمِ وَحْدَهُ) وعلى هذا التفصيل الذي قدمته فيه حملت الأخبار الصحيحة المختلفة الظواهر، كخبر: ((إن أبا بكر تصدق بجميع ماله))(١). وخبر الذي جاء بمثل البيضة من ذهب وقال للنبي ◌ُله: خذها فهي صدقة وما أملك غيرها. فأعرض عنه إلى أن أعاد عليه القول ثلاث مرات، ثم أخذها ورماه بها (١) أخرجه البخاري (٥٣٥١)، ومسلم (١٠٠٢). ٤٠٩ كتاب الزكاة/ باب بيان أفضل الصدقة رمية لو أصابته لأوجعته(١). ثم قال: ((يأتي أحدكم بما يملك فيقول هذه صدقة ثم يقعد يتكفف وجوه الناس، خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى)»(٢) أي: غنى النفس بالله وصبرها على الإضافة والفقر على ما مر. ١٩٣٠ [وَعَن ابْنِ مَسْعُودٍ ﴾ قَالَ: قَالَ وَِّهِ: إِذَا أَنْفَقَ الْمُسْلِمُ نَفَقَةً عَلَى أَهْلِهِ وَهْوَ يَخْتَسِبُهَا كَانَتْ لَهُ صَدَقَةً عَظِيْمَةٍ مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ](٣). (وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﴾ قَالَ: قَالَ رَ﴿ِ: إِذَا أَنْفَقَ الْمُسْلِمُ نَفَقَةً عَلَى أَهْلِهِ) الذين تلزمه مؤونتهم وغيرهم (وَهْوَ يَخْتَسِبُهَا) عند الله تعالى؛ أي: يقصد بها وجهه والتقرب إليه (كَانَتْ لَهُ صَدَقَةً عَظِيْمَة) الثواب؛ لأن فيها صلة الرحم الوارد فيها من الثواب ما لا يحصيه إلا المتفضل (مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ). ١٩٣١ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: دِينَارَ أَنْفَقْتَهُ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَدِينَارَ أَنْفَقْتَهُ فِي رَقَبَةٍ، وَدِينَارٌ تَصَدَّقْتَ بِهِ عَلَى مِسْكِينٍ، وَدِينَارْ أَنْفَقْتَهُ عَلَى أَهْلِكَ أَعْظَمُهَا أَجْرًا الَّذِي أَنْفَقْتَهُ عَلَى أَهْلِكَ. رَوَاهُ مُسْلِمٍ](٤). (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴿ه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّ: دِينَارُ) مبتدأ سوغه وصفه بما بعده، وخبره مع ما عطف عليه أعظمها .. إلخ (أَنْفَقْتَهُ في سَبِيلِ الله) أي: في وجه من وجوه الخير (وَدِينَارُ أَنْفَقْتَهُ فِي) شر (رَقَبَةٍ) ثم أعتقتها. (وَدِينَارُ تَصَدَّقْتَ بِهِ عَلَى مِسْكِينٍ) هو يشمل الفقير (وَدِينَارُ أَنْفَقْتَهُ عَلَى أَهْلِكَ) الذين تلزمك مؤنتهم وغيرهم (أُعْظَمُهَا) أي: الأربعة المذكورة (أَجْرًا الَّذِي أَنْفَقْتَهُ عَلَى (١) أخرجه أبو داود (١٦٧٥)، والبيهقي (٧٨٩٣)، والحاكم (١٥٠٧). (٢) أخرجه ابن حبان (٣٤٤١)، والدارمي (١٧١٢). (٣) أخرجه البخاري (٥٣٥١)، ومسلم (١٠٠٢)، وأحمد (١٧١٢٣)، والنسائي في ((الكبرى)) (٢٣٢٥)، وابن حبان (٤٢٣٩)، والدارمي (٢٧٢٠). (٤) أخرجه مسلم (٢٣٥٨)، وأحمد (١٠٤٤٢)، والنسائي (٩١٨٣). ٤١٠ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس أَهْلِكَ) لأن من تلزمه مؤونتهم يقع الإنفاق فيهم واجبًا، وهو أفضل من ثواب المندوب بأضعاف مضاعفة، ومن لا تلزمه مؤونتهم يكون في الإنفاق عليهم صلة رحمهم وثوابها أعظم مما ذكر بكثير كما دلت عليه الأحاديث الكثيرة فيه، وقد بينتها في ما يتعلق بها في كتاب حافل سميته: ((أسنى المطالب في صلة الأقارب)) (رَوَاهُ مُسْلِم). ١٩٣٢ - [وَعَنْ ثَوْبَانَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَيهِ: أَفْضَلُ دِينَارٍ يُنْفِقُهُ الرَّجُلُ دِينَارُ يُنْفِقُهُ عَلَى عِيَالِهِ وَدِينَارٌ يُنْفِقُهُ الرَّجُلُ عَلَى دَابَّتِهِ في سَبِيلِ الله وَدِينَارُ يُنْفِقُهُ عَلَى أَصْحَابِهِ فِي سَبِيلِ الله. رَوَاهُ مُسْلِم](١). (وَعَنْ ثَوْبَانَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ أَفْضَلُ دِينَارٍ يُنْفِقُهُ الرَّجُلُ دِينَارٌ يُنْفِقُهُ عَلَى عِيَالِهِ وَدِينَارُ يُنْفِقُهُ الرَّجُلُ عَلَى دَابَّتِهِ) التي يركبها أو يحمل عليها (في سَبِيلِ الله وَدِينَارُ يُنْفِقُهُ عَلَى أَصْحَابِهِ) الذين يكونون معه (فِي سَبِيلِ الله) الظاهر أن المراد به في هذین الجهاد. ويصح أن يراد به الأعم هنا؛ لأن ثواب الإنفاق على الدابة التي يركب أو يحمل عليها في الطاعة، وعلى الأصحاب الذين يجتمعون على الطاعة عظيم الثواب، وعلى الثاني فقد يشكل التساوي بين الثلاثة، فإنه إذا أريد مطلق الطاعة يكون الأول أفضلها، ويجاب بأنه لا مانع من أن الثلاثة وإن كانت أفضل من غيرها يكون أحدها أفضلها هو أفضل الأفضل (رَوَاهُ مُسْلِم). ١٩٣٣ - [وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَلِي أَجْرُ أَنْ أُنْفِقَ عَلَى بَنِي أَبِي سَلَمَةَ إِنَّمَا هُمْ بَنِيَّ؟ فَقَالَ: أَتْفِي عَلَيْهِمْ، فَلَكِ أَجْرُ مَا أَنْفَقْتِ عَلَيْهِمْ. مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ] (٢). (١) أخرجه مسلم (٩٩٤)، والطيالسي (٩٨٧)، وأحمد (٢٢٥٠٦)، والترمذي (١٩٦٦) وقال: حسن صحيح. والنسائي في «الكبرى)) (٩١٨٢)، وابن ماجه (٢٧٦٠)، وابن حبان (٤٢٤٢). (٢) أخرجه البخاري (٥٠٥٤)، ومسلم (١٠٠١)، وأحمد (٢٦٥٥٢). ٤١١ كتاب الزكاة/ باب بيان أفضل الصدقة (وعَنْ أُمّ سَلَمَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله أَ) أَيُكتب (لي أَجْرُ أَنْ أُنْفِقَ) أي: في إنفاقي (عَلَى بَنِي أَبِي سَلَمَةَ) وكيف لي أجر في ذلك (إِنَّمَا هُمْ بَنِيَّ) فهو تعليل لما أفاده الاستفهام التعجبي مبني على أن الإنفاق مشوب بشفقة الأمومة، وعلى ما هو مقرر أن الشوب في العمل يسقطه. (فَقَالَ: أَنْفِقِي عَلَيْهِمْ، فَلَكِ أَجْرُ مَا أَنْفَقْتِ عَلَيْهِمْ) وكأنه ◌َّ إنما لم يجبها عن سبب التعجب المذكور علمًا منه أنها إذا أمرت به فهي لا تفعله إلا لمجرد الامتثال لا غير، وحينئذٍ فلا شائبة مطلقًا (مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ). ١٩٣٤ - [وعَنْ زَيْنَبَ امْرَأَةٍ عَبْدِ الله بْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - قَالَتْ: قَالَ: رَسُولُ اللهِ وََّ: تَصَدَّقْنَ يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ وَلَوْ مِنْ حُلِيِّكُنَّ، قَالَتْ: فَرَجِعْتُ إِلى عَبْدِ اللّه فَقُلْتُ: إِنَّكَ رَجُلُّ خَفِيفُ ذَاتِ الْيَدِ، وَأَنَّ رَسُولَ اللهِ وَّهِ قد أمَرَنَا بِالصَّدَقَةِ فَائْتِهِ فَاسَأَلْهُ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ يُجْزِي عَنِّ وَإِلَّا صَرَفْتُهَا عَلَى غَيْرِكُم. قَالَت: فَقَالَ لِي عَبْد الله: بَلِ اثْتِيهِ أَنْتِ. قَالَتْ: فَانْطَلَقْتُ فإِذا امْرَأَةٍ مِنَ الأَنْصَارِ بَيَابٍ رَسُول اللّهَِ حَاجَتِي حَاجَتُهَا، قَالَتْ: وَكَانَ رَسُولُ اللّه ◌َ لْ قَدْ أُلْقِيَتْ عَلَيْهِ الْمَهَابَةُ، قَالَتْ: فَخَرَجَ عَلَيْنَا بِلَالْ، فَقُلْنَا لَهُ: انْتِ رَسُولَ اللهِ وَ فَأَخْبِرُهُ أَنَّ امْرَأْتَيَنِ بِالْبَابِ يَسْألانَكَ أَتُجْزِئ الصَّدَقَة عَنْهُمَا عَلَى أَزْوَاجِهِمَا وَعَلى أَيْتَامِ في حُجُورِهِمَا؟ وَلَا تُخْبِرُهُ مَنْ نَحْنُ. قَالَتْ: فَدَخَلَ بِلالْ عَلَى رَسُولِ اللهِ وَيِّ فَسَأْلَهُ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ وَِّ: (مَنْ هُمَا؟)) قَالَ: امْرَأَةٌ مِنَ الأَنْصَارِ وَزَيْنَبُ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَهَ: «أَيُّ الَّيَانِبِ؟» قَالَ: امْرَأَةٌ عَبْدِ اللهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَهُ: (لَهُمَا أَجْرَانِ: أَجْرُ الْقَرَابَةِ، وَأَجْرُ الصَّدَقَةِ)). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ وَالَّلِفْظُ لُمُسْلِم](١). (وعَنْ زَيْنَبَ امْرَأَةٍ عَبْدِ الله بْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - قَالَتْ: قَالَ: رَسُولُ الله ◌ََّ) أي يوم عيد كما مر (تَصَدَّقْنَ يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ وَلَوْ مِنْ حُلِيِّكُنَّ) كان وجه جعله غاية أن النساء لا يسمحن بالتفريط فيه إلا للأمر المهم إذا انحصر الخلاص (١) أخرجه البخاري (١٤٦٦)، ومسلم (٢٣٦٥)، وأحمد (١٦٥٠٩)، والنسائي (٢٥٩٥). ٤١٢ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس منه فيه، فكأنه يقول لهن: الصدقة أمر مهم جدًّا فكما أنكن تسمحن بإخراج حليكن في الأمر المهم إذا لم تجدن غيره، فكذلك أسمحن بإخراجه في الصدقة إذا لم تجدن غيره (قَالَتْ: فَرَجَعْتُ إِلىَ عَبْدِ اللهِ فَقُلْتُ: إِنَّكَ رَجُلُّ خَفِيفُ ذَاتٍ) زائدة للتأكيد (الْيَدِ) أي: قليل المال ولم يقله له تغييرًا ولا استخفافًا بحقه بل توطئة لقولها (وَأَنَّ رَسُولَ اللهِ وَيَ قد أُمَرَنَا بِالصَّدَقَةِ) ولا بدَّ لنا من امتثال أمره؛ أي: أمر ندب بدلیل ذکر الحلي فإنه غير زکوي. نعم، جاء أنه كان زكويًّا ثم نُسخ فيحتمل أن ذلك كان قبل النسخ، وحينئذٍ فيشكل الإذن لها في الصرف على أولادها بفرض كون المصروف زكاة، ويجاب بأنه يجوز صرف الزكاة لأولاد المزكي الذين لا تلزمه نفقتهم وكذا أصوله، والحاصل أن الأمر في ذلك محتمل وأن كل من لزم المزكي نفقته لا يجوز له صرف زكاته إليه باسم الفقر أو المسكنة. (فَائْتِهِ فَاسَأَلْهُ) هل يجزي عني أن أتصدق عليك وعلى أولادي فاصرفها عليكم أو لا، وأفاد هذا قولها عاطفة بالفاء المفيدة لتفضيل المسؤول (فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ) أي: التصدق عليكم (يُجْزِي عَنِّي) فعلته؛ لأنكم أحق به من غيركم (وَإِلّا) يجزي عني صرفها إليكم (صَرَفْتُهَا عَلَى) وفي نسخة: ((إلى)). (غَيْرِكُمْ؟ قَالَت: فَقَالَ لِي عَبْد الله: بَلِ اثْتِيهِ أَنْتِ) لعل أمره لها بذلك لاستحيائه، أو لبيان أنها الأولى بالسؤال؛ لأنه أمر يتعلق بها وبالمرأة نازلة، واحتاجت إلى السؤال عنها، فإن كان عارفًا وأخبرها لم يجز لها الخروج للسؤال؛ لأنها غير محتاجة له [ومن] ذلك لزمه أن يأذن لها في الخروج للسؤال حيث لا فتنة ليسأل ويخبرها، فإن كانت [ ..... ] وخشي الفتنة إذا اندفعت بذهابه معها كلفة، وإلا كلف ويخبرها (قَالَتْ: فَانْطَلَقْتُ فَإِذَا) هي للمفاجأة؛ إذ هي تختص بالجمل الاسمية ولا تحتاج لجواب ولا تقع في الابتداء، ومعنى المفاجأة حضور الشيء معك في وصف من أوصافه الفعلية كخرجت فإذا الأسد بالباب، فمعناه حضور الأسد معك في زمن أو مكان وصفك ٤١٣ كتاب الزكاة/ باب بيان أفضل الصدقة بالخروج، وتقدير المكان أولى؛ لأنه الذي يخصك فهو ألصق بك من الزمان، وكلما كان ألصق كانت المفاجأة فيه أقوى. ورجح ابن مالك أنها حرف. والمبرد وغيره أنها ظرف مكان. والزمخشري كالزجاج أنها ظرف زمان ناصبها فأجاب ورد بأن الصواب أن ناصبها الخبر المذكور أو المقدر، ولم يذكر في القرآن إلا وخبر المبتدأ بعدها مذكور (امْرَأَةً مِنَ الأَنْصَارِ) واقفة (بَابٍ رَسُول الله ◌َِّ حَاجَتِي حَاجَتُهَا) من التشبيه البليغ (قَالَتْ: وَكَانَ) هي هنا للدوام والاستمرار نحو: ﴿وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ [النساء: ١٥٢]. (رَسُولُ اللهِ ◌َ﴿ قَدْ أُلْقِيَتْ عَلَيْهِ الْمَهَابَةُ) أي: ألقى الله عليه الوقار والهيبة والإجلال مع ما عليه من بديع التواضع حتى كان أصحابه في مجلسه يعتريهم من ذلك ما يصيرهم خاضعين خافضين رؤوسهم، كأنما على رؤوسهم الطير. (قَالَتْ: فَخَرَجَ عَلَيْنَا بِلَالٌّ، فَقُلْنَا لَهُ: انْتِ رَسُولَ اللهِ وَلِ) لا ينافي ذلك أنه وَّ لم يكن له حاجب ولا نواب؛ لأن بلالاً لم يكن مرتبًا لذلك، وإنما صادف وقوفها وجوده عند النبي وَله وأخرجه إليهما ليسألهما عن حاجتهما (فَأَخْبرهُ أنَّ امْرَأْتَيَنِ) واقفتين (بِالبَابِ يَسْألانَكَ أُجْزِئُ الصَّدَقَةِ عَنْهُمَا عَلَى أَزْوَاجَهُمَا وَعَلَى أَيْتَامِ في حُجُورِهِمَا؟) أي: ولا يتهما وترتبيهما (وَلَا تُخْيِرْهُ) أي: وإذا لم يسألك عنا (مَنْ تَحْنُ) فإننا نستحي من ذلك. (قَالَتْ: فَدَخَلَ بِلالُّ عَلَى رَسُولِ اللهِ وَ فَسَأْلَهُ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ: مَنْ هُمَا، قَالَ) هما (امْرَأَةُ مِنَ الأَنْصَارِ) كان وجه إبهامها أنه أو بلال لم يعرف عينها (وزَيْنَبُ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وََّ: أَيُّ الَّيَانِبِ؟) هي فإنهن كثير (قَالَ: امْرَأَةٌ عَبْدِ الله) بن مسعود (فَقَالَ رَسُولُ الله ◌ِّهِ) نعم يجزي عنهما ذلك، بل لهما عليه (لَهُمَا أَجْرَانِ: أَجْرُ الْقَرَابَةِ) في الأولاد؛ أي: أجر صلة رحم القرابة التي تكفل الله لمن وصلها بأنه يصله بما لا ٤١٤ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس يقدر قدره إلا هو تعالى، وصح أن صلة الرحمن تتكفل تسعة الرزق والزيادة في العمر (وَأَجْرُ الصَّدَقَةِ) فيهم، وفي الزوج وفيه تغليب، فإن ابن مسعود كان زوجًا فقط (مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ وَالَّلِفْظُ لمُسْلِم). وفي رواية صحيحة أنه * قال لزينب هذه: «زوجك وولدك أحق من تصدقت عليه))(١) ومن ذلك أخذ أئمتنا قولهم: أحق الناس بأن يصرف إليه صدقة التطوع والزكاة والنذر والكفارة، والوقف والوصية وسائر وجوه البر الأقارب بتفصيلهم الأتي ومثلهم الزوجان. ١٩٣٥ - [وَعَنْ مَيْمُونَة بِنْتِ الْحَارِثِ أَنَّهَا أَعْتَقَتْ وَلِيدَةً فِي زَمَنِ رَسُولِ الله ◌َِّ فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ ◌َ﴿ فَقَالَ: لَوْ أَعْطَيْتِهَا أَخْوَالَكِ كَانَ أَعْظَمَ لِأَجْرِكِ. مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ](٢). (وَعَنْ مَيْمُونَة بِنْت الْحَارِثِ) أم المؤمنين، رضي الله عنها (أَنَّهَا أَعْتَقَتْ وَلِيدَةً) أصلها الطفلة، وقد يطلق على الأمة ولو كبيرة كما هنا (في زَمَنِ رَسُولِ الله ◌ِه فَذَكَرَتْ ذَلِكَ) أي: عتقها (لِرَسُولِ اللّهِ وَهُ فَقَالَ: لَوْ أَعْطَيْتِهَا أَخْوَالَكِ كَانَ) ذلك (أَعْظَمَ لأَجْرِكِ. مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ) ووجه الأعظمية أن العتق ليس فيه إلا ثواب واحد، بخلاف التصدق على الرحم فإن فيه ثوابين عظيمين لما في الخبر السابق آنفًا: ((أجران أجر القرابة وأجر الصدقة))(٣). والخبر الصحيح الآتي: ((الصدقة على المسكين صدقة وعلى ذي الرحم شيئان صدقة وصلة))(٤). (١) أخرجه البخاري (١٣٩٣)، وابن خزيمة (٢٤٦٢). (٢) تقدم تخريجه. (٣) تقدم تخريجه. (٤) أخرجه ابن أبي شيبة (١٠٥٤١)، وأحمد (١٦٢٧٨)، والدارمي (١٦٨١)، والترمذي (٦٥٨) وقال: حسن. والنسائي (٢٥٨٢)، وابن ماجه (١٨٤٤)، وابن خزيمة (٢٣٨٥)، وابن حبان (٣٣٤٤)، والطبراني (٦٢٠٤)، والحاكم (١٤٧٦)، والبيهقي (٧٥٢٤)، وابن أبي عاصم في ((الآحاد والمثاني)) - ٤١٥ كتاب الزكاة/ باب بيان أفضل الصدقة ١٩٣٦ - [وَعَنْ عَائِشَة - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ لِي جَارَيْنِ فَإِلَى أَيِّهِمَا أُهْدِي؟ قَالَ: إِلَى أَقْرَبِهِمَا مِنْكِ بَابًا . رَوَاهُ البُخَارِي](١). (وَعَنْ عَائِشَة - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ ◌ِي جَارَيْنٍ فَإِلَى أَيِّهِمَا أُهْدِي؟) أي: إذا لم يكن عندي إلا ما يكفي أحدهما أو عندي ذلك، وأرادت الاقتصار على أحدهما (قَالَ) أهدي (إِلَى أَقْرَبِهِمَا مِنْكِ بَابًا. رَوَاهُ البُخَارِي) وفيه أكد الحث على المبالغة في الإحسان للجار، وأن أحق الجيران بذلك أقربهم دارًا إلى دار المتصدق، ومحل ذلك حيث لم يكن التقييد قريبًا، والأقدم وإن بعدت داره بالبلد، فإن خرجت داره عن البلد قدم الجار الأجنبي عليه. وعلم من هذا وأحاديث أخر أن الأفضل للإنسان أن يصرف صدقته وغيرها مما مر لرحمه المحرم ومثله الزوجات، ثم لرحمه غير المحرم، ثم لمحرمه من رضاع، ثم من مصاهرة، ثم معتقه، ثم عتيقه، ثم الجار هذا إن استووا خيرية وحاجة وإلا فأهل الخير والحاجة أولى، ويظهر أن أهل الحاجة أولى من أهل الخير. ١٩٣٧ - [وَعَنْ أَبِي ذَرِّ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِ: إِذَا طَبَخْتَ مَرَقَةٍ فَأَكْثِرْ مَاءَها، وتَعَاهَدْ جِيرَانَكَ. رَوَاهُ مُسْلِم](٢). (وَعَنْ أَبِي ذَرِّ ◌َ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَيهِ: إِذَا طَبَخْتَ مَرَقَةٍ فَأَكَثِرْ مَاءَها، وتَعَاهَدْ جِيرَانَكَ. رَوَاهُ مُسْلِم) وإنما خص الجيران بالذكر لما علمت أنهم في مرتبة المحارم ذي الرحم، ومن ثَم ورد: ((مازال رسول الله وَ له يوصينا بالجار حتى ظننا أنه سیورثه)»(٣). - (١١٣٦). (١) أخرجه البخاري (٢٢٥٩)، وأحمد (٢٦٧٧٩)، والبيهقي (١٦٣٦٠٨). (٢) أخرجه مسلم (٦٨٥٥). (٣) أخرجه الطبراني (٩١٢)، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (٩٢٤١). ٤١٦ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس (الفصل الثاني) ١٩٣٨ - [عَنْ أَبِي هُرَيْرَة ﴾ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: جَهْدُ الْمُقِلِّ وَابْدَأُ بِمَنْ تَعُولُ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُد](١). (عَنْ أَبِي هُرَيْرَة ﴿ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيُّ الصَّدَقَةِ) أي: أي أنواع المال أو قدره لمن يريد التصدق؟ (أَفْضَلُ؟ قَالَ) لا تتقيد الأفضلية لشيء مخصوص من النوع، ولا القدر إلا لمن تعددت عنده الأنواع والمقادير، فأفضلها في حقه ما كان الرفق فيه للأخذ أكبر، وأما من ليس كذلك فلا تتقيد الأفضلية في حقه بشيء مخصوص، وإنما الأفضل حينئذٍ (جَهْدُ) هو بالضم: الوسع والطاقة، وبالفتح: المشقة. وقيل: المبالغة والغاية. وقيل: هما لغتان بمعنى واحد هو الوسع، فأما في المشقة والغاية فالفتح لا غير. (الْمُقِلِّ) أي: مجهود قليل المال؛ أي: قدر ما يحتمله حاله، فإذا لم يفضل عن حاجة نفسه إن لم يصبر على الإضافة، وحاجة عياله يومهم وليلتهم أو سنتهم على ما مرَّ إلا شيء تافه، وأراد التصدق به فهو في حقه أفضل منه في حق غيره القادر على أكثر منه، وبهذا الذي قررته في هذا الحديث يعلم أنه لا يخالف الحديث السابق: ((خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى)) (٢) وإيضاحه أن الغنى موجود هنا [ ... ] لكن ذلك الغنى قد یکون لشيء کثیر فاضل عما مر، وقد يكون بشيء قليل فاضل كذلك، فبين في الحديث الأول حكم الصدقة بالفاضل من حيث هو منطوقًا، وحكم الصدقة بغيره مفهومًا. وفي هذا الحديث أن من فضل عنده تافه فتصدق به أفضل ممن فضل عنده كثير فتصدق منه بذلك التافه، وبعد أن اتضح معناهما هذا الاتضاح اتضح اندفاع (١) أخرجه أبو داود (١٦٧٧)، وابن حبان (٣٣٤٦)، والحاكم (١٥٠٩) وقال: صحيح على شرط مسلم. والبيهقي (٧٥٦١)، وأحمد (٨٦٨٧)، وابن خزيمة (٢٤٥١). (٢) تقدم تخريجه. ٤١٧ كتاب الزكاة/ باب بيان أفضل الصدقة استشكال الشارح لهما، وجوابه بأن الفضيلة تتفاوت بحسب الأشخاص، وقوة التوكل، وضعف اليقين ... إلخ، ووجه اندفاعه أنه ليس هنا توكل ولا قوته، وإنما الذي هنا تصدق غني بتافه وفقير به، فهو من الفقير أفضل منه من الغني فتأمله. (وَابْدَأُ بِمَنْ تَعُولُ) وقع كالاستدراك مما قبله؛ لأنه لو اقتصر عليه لربما وهم منه أن مقدور المقل التصدق به أفضل مطلقًا وليس كذلك، وإنما المراد مقدوره بعد كفاية عياله كما أفاده قوله: ((وابدأ بمن تعول)» أي: قدم ما يحتاجه إليهم على الصدقة ولا يتصدق إلا بما فضل عنهم (رَوَاهُ أَبُو دَاوُد). ١٩٣٩ - [وَعَنْ سَلْيمَانَ بن عَامِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَِّ: الصَّدَقَةُ عَلَى الْمِسْكِينِ صَدَقَّةُ، وَهِي عَلَى ذِي الرَّحِمِ شَيْئَانِ صَدَقَةً وَصِلَةُ رَوَاهُ أَحْمَد وَالِّزْمِذِي وَالنَّسَائِي وَابْن مَاجَهُ وَالدَّارِمي](١). (وَعَنْ سَلْيْمَانَ بنِ عَامِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: الصَّدَقَةُ عَلَى الْمِسْكِينِ صَدَقَةٌ) أي: ثوابها ثواب صدقة واحدة (وَهِي عَلَى ذِي الرَّحِمِ) أي: القريب من جهة الأب أو الأم وإن بعد (شَيْئَان صَدَقَةٌ وَصِلَةٌ) أي: فيه ثوابان جليلان: ثواب الصدقة، وثواب صلة الرحم، وقد مر ما يعلم منه جلالة كل منهما (رَوَاهُ أَحْمَد وَالتِّرْمِذِي وَالنَّسَائِي وَابْن مَاجَهُ وَالدَّارِمي). ١٩٤٠ - [وَعَنْ أَبِي هُرِيْرةٍ ﴾ قَالَ: جَاءَ رَجُلُ إِلَى النَّبِيِّ رَِ، فَقَالَ: عِنْدِي دِینَارٌ. قَالَ: (أَنْفِقْهُ عَلَى نَفْسِكَ)) قَالَ: عِنْدِي آخَرُ، قَالَ: (أَنْفِقْهُ عَلَى وَلَكَ)) قَالَ: عِنْدِي آخَرُ. قَالَ: (أَنْفِقْهُ عَلَى أَهْلِكَ)) قَالَ: عِنْدِي آخَرُ. قَالَ: «أَنْفِقْهُ عَلَى خَادِمِكَ)) قَالَ: عِنْدِي آخَرُ. قَالَ: (أَنْتَ أَعْلَمُ)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِي)](٢). (وَعَنْ أَبِي هُرِيْرَة ◌َ﴾ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ◌َِّ، فَقَالَ: عِنْدِي دِينَارُ) أي: أريد إخراجه (قَالَ: أَنْفِقْهُ عَلَى نَفْسِكَ، قَالَ: عِنْدِي آخَرُ، قَالَ: أَنْفِقْهُ عَلَى وَلَدِكَ، قَالَ: عِنْدِي (١) تقدم تخريجه. (٢) أخرجه أبو داود (١٦٩٤)، والنسائي (٢٥٤٧)، وأحمد (٧٦٢٤). ٤١٨ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس آخَرُ، قَالَ: أَنْفِقْهُ عَلَى أَهْلِكَ، قَالَ: عِنْدِي آخَرُ، قَالَ: أَنْفِقْهُ عَلَى خَادِمِكَ، قَالَ: عِنْدِي آخَرُ، قَالَ: أَنْتَ أَعْلَمُ) بمصرفه وهو أي نوع من أنواع الخير شئت، وبمن هو الأحق به، فاجتهد في إيثاره به على غيره (رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِي) وهو حديث صحيح كما مر، وما اقتضاه من تقديم كفاية النفس على من بعدها أخذ به أئمتنا فقالوا: لا يلزمه نفقة غيره إلا إن فضل عنده شيء عن كفاية نفسه، ومن تقديم نفقة الولد على الأهل؛ أي: الزوجة مشكل على قولهم: لا يلزم الإنسان نفقة أصوله وفروعه إلا إن فضل عن مؤونة يوم وليلة له ولزوجته وخادمها وأم ولده شيء، فقدموا نفقة الزوجة وخادمها وأم ولده على أصوله وفروعه خلاف ما في هذا الحديث. وقد يجاب بأن هذا الحديث ليس نصًّا في الإنفاق الواجب، بل يحتمل أنه في المستحب، ويؤيده أنه عبر فيه بالدينار وهو لا يتصور وجوبه لولد ولا زوجة؛ لأن نفقة كلٍ إنما هي الحَب والأدُم والكُسوة لا النقد، على أنها إنما تجب يومًا بيوم، ويبعد عادة في ذلك الزمن أن الولد يجب له دينار في يوم واحد وكذا الزوجة، فتعين أن الحديث في الصدقة المستحبة، ولا شك أن من أرادها بفاضل عن كفايته وكفاية عياله ونفسه الأفضل له كما مر القريب المحرم وأقربه الولد فيسن له تقديمه، ثم بعده الزوجة لما مر أن الزوجين ملحقان بأقرب الأقارب، ثم بعدها الخادم؛ أي: الأجير عنده فهو أولى من الأجنبي عنه وإن لم يصرحوا به؛ لأنه كالجار الذي صرحوا به بل أولى، وحينئذٍ لا يشكل هذا الحديث على كلام أئمتنا بوجه. ثم رأيت الشارح قال: إن السائل أراد سؤاله الصدقة فحمله وعليه على الإنفاق جريًا على الأسلوب الحكيم، وما هو أهم به وأولى، وهو ناشئ عن غفلته عن كلام أثمته الذي ذكرته وقررته فتأمله. ١٩٤١ - [وَعَن ابْن عَبَّاس - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: أَلا أُخْبِرُكم بخيرِ النَّاسِ؟ رَجُلُ مُمْسِكُ بعِنَانِ فَرَسِهِ فِي سَبِيْلِ اللهِ، أَلَّا أُخْبِرُكُم بِالَّذِي يَتْلُوُ؟ رَجُلُّ فِي غُنَيْمَةٍ لَهُ يُؤدِّي حَقّ الله فِيْهَا، أَلَّا أَخْبِرُكُم بِشَرِّ النَّاسِ؟ رَجُلُ يُسْألُ ٤١٩ كتاب الزكاة/ باب بيان أفضل الصدقة بِالله وَلا يُعْطِي. رَوَاهُ التِّرْمِذِي وَالنَّسَائِي وَالدَّارِمي](١). (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاس - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ألا أُخْبِرُكم بخيرِ النَّاسِ؟) ذكره؛ ليتفرغوا لسماعه ويلقوا كليتهم له حتى يبادروا إلى الامتثال والعمل، خير الناس (رَجُلٌ مُمْسِكْ بِعِنَانٍ فَرَسِهِ) لشدة شكيمته وقوة نفسه وشجاعته (فِي سَبِيْلِ الله) وهذا محمول على ما إذا تعين عليه الجهاد، أو الخيرية فيه نسبية؛ أي: خير الناس المجاهدين غالبًا، أو هو بناء على أن الجهاد أفضل الأعمال كما قال به جماعة من العلماء. (أَلَّا أُخْبِرُ كُمْ بِالَّذِي يَتْلُوهُ؟) في الخبرية النسبية أيضًا (رَجُلٌّ) معتزل عن الناس مشغول عنهم (في غُنَيْمَةٍ لَهُ) يرعاهن (يُؤدِّي حَقّ الله) المطلوب منه (فِيْهَا) وجوبًا وندبًا، فهو مع كونه قائمًا بعبادة ربه وما طلبه منه فيها ومكتسباتها كفايته، مأمون الشرما في الفكر دائم الذكر، فهو أفضل أهل جنسه. (أَلَّا أُخْبِرُكم بِشَرِّ النَّاسِ؟) الذي يسألون فيمتنعون (رَجُلُّ يُسْألُ) متعطفًا ومتوسلاً (بالله) كأن يقول له فقير: أسألك بالله أن تتصدق علي، فيمتنع من ذلك (وَلا يُعْطِي) أي: بسبب كون المسؤول سأله بالله تعالى، ووجه كون هذا شر المسؤولين أن رد السائل على أقسام، أقبحها: أن يجعل الراد عقوبته شيئیین: حرمانه، وكونه سأله بالله. فإن قلت: الفقير مقصر في الإقسام على المسؤول بالله؛ لأن ذلك يخرجه غالبًا، قلت: يتعين أن يفرض ما في الحديث في غير مقصر، بأن يكون ظهر عليه لوائح الحاجة، ولم يستعطف بالله في سؤاله إلا على غاية من الأدب والتلطف الذي لا يخرج أصلاً، فرد هذا حينئذٍ ينبئ عن قساوة قلب، وخبث سریرة، واستحکام حرص، فكان شر المسؤولين حينئذٍ، ومر في الفصل الثاني ما له تعلق بذلك، وكان وجه ذكر هذا عقب الأولين أنه ضدهما من كل وجه؛ لأن كلاً منهما بذل نفسه وماله لله مع سلامة (١) أخرجه أحمد (٢٩٦١)، والترمذي (١٦٥٢) وقال: حسن غريب. والنسائي (٢٥٦٩)، وابن حبان (٦٠٤)، والطبراني (١٠٧٦٨)، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (٣٥٣٩)، والدارمي (٢٣٩٥). ٤٢٠ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس الناس من شره، وهذا أمسك عنده مسكًا يشعر بتفريطه في جانب الله تعالى وإيذائه للسائل (رَوَاهُ التِّرْمِذِي وَالنَّسَائِي وَالدَّارِمي). ١٩٤٢ - [وَعَنْ أمِّ تُجَيْدٍ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَيهِ: رُدُّوا السَّائِلَ وَلَوْ بِظِلْفٍ مُحَرِّقٍ. رَوَاهُ مَالِكَّ وَالنَّسَائِي، وَرَوَى التِّرْمِذِي وَأَبُو دَاوُدِ مَعْنَاهُ] (١). (وَعَنْ أمِّ تُجَيْدٍ) بالنون (قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: رُدُّوا السَّائِلَ) ردًّا جميلاً بأن تعطوه شيئًا (وَلَوْ بٍ) أن تعطوه نحو (ظِلْفٍ) وهو للبقر والغنم كالحافر للفرس والبغل، وكالخف للبعير (مُحَرِّقِ) أي: مشوي (رَوَاهُ مَالِكٌ وَالنَّسَائِي، وَرَوَى التِّرْمِذِي وَأَبُو دَاوُد مَعْنَاهُ) ولا ينافيه قوله تعالى: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ﴾ [البقرة:٢٦٧] الذي أخذ أثمتنا منه أنه يكره تعمد الصدقة بالرديء؛ لأن الظلف المحرق ليس برديء وإن كان حقيرًا؛ إذ الظاهر أن المراد بالرديء ما تأباه نفس الفقير وتنفر منه، والظلف إذا شوي لا تنفر منه نفس الفقير غالبًا. فإن قلت: وغير المحرق كذلك، فإن الفقير يتيسر له إحراقه، فَلِم قيد بالمحرق؟ قلت: زيادة في جبر خاطر الفقير، وحملاً للكل عنه، فهو تقييد لزيادة الثواب، ويصح أن يكون التقييد؛ لأنه بدون الحرق يعد رديئًا، ويؤيد تفسيري للرديء بما ذكره قول أئمتنا: ليس من الرديء التصدق بالثوب الخَلِق أو الفلوس، أو لأن الحديث فيمن لم يجد إلا ذلك الظلف؛ أي: ولو لم يجدوا ما يعطونه له إلا هو فأعطوه له ولا تدعوه یذهب بدون شيء. وقد قال أئمتنا أيضًا: إن محل كراهة الرديء إن وجد غيره، وإلا فلا كراهة. ١٩٤٣ - [وَعَن ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌ِكلِ: مَنِ اسْتَعَاذَ بِاللّه فَأَعِيذُوهُ، وَمَنْ سَأَلَ بِاللّه فَأَعْطُوهُ، وَمَنْ دَعَاكُمْ فَأَجِيبُوهُ، وَمَنْ صَنَعَ إِلَيْكُمْ مَعْرُوفًا فَكَافِئُوهُ، فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا مَا تُكَافِئُوهُ فَادْعُوا لَهُ حَتَّى تَرَوْا أَنْ قد كَافَأْتُمُوهُ. (١) أخرجه مالك (١٦٤٦)، وأحمد (١٦٦٩٩)، والبخاري في ((التاريخ الكبير)) (٢٦٢/٥)، والنسائي (٢٥٦٥)، وابن حبان (٣٣٧٤)، والبيهقي (٧٥٣٨).