النص المفهرس
صفحات 381-400
٣٨١
كتاب الزكاة/ باب فضل الصدقة
(وعَنْ أَبِي ذَرِّ ﴾ قَالَ رَسُولُ اللّهِ رََّ: تَبَسُّمُكَ) بظاهرك المطابق لباطنك (في
وَجْهِ أَخِيكَ صَدَقَةٌ) منك عليه؛ لأن ذلك يدل غالبًا على صدق المودة وأداء حق
الأخوة (وَأَمْرُكَ بِالْمَعْرُوفِ صَدَقَةٌ، وَنَهْيُكَ عَنِ الْمُنْكَرِ صَدَقَةٌ) ولا يمنع من ذلك
كونهما واجبين؛ لأن الزكاة واجبة وهي تسمى صدقة، قال أئمتنا: الصدقة المطلقة
تتناول الزكاة، وتسمية المأخوذ من الماشية صدقة، ومن المعشر عشرًا، ومن النقد زكاة،
وقع للشافعي # في ((القديم)) ثم رجع عنه في ((الجديد)) وقال: يسمى الكل صدقة
وزكاة.
قال البيهقي: وقد سمى رسول الله و ليل هذا كله صدقة، والعرب تقول: هذا
صدقة وزكاة ومعناهما عندهم واحد، ثم ساق أحاديث في الصحيحين وغيرهما تبطل
القول بالفرق (وَإِرْشَادُكَ الرَّجُلَ) ذكره للغالب فالمرأة كذلك (فِي أَرْضِ الضَّلَالِ) أي: في
المفازة أو البيان التي من شأنها أن تضل سالكها لعدم علامة فيها ترشده لمقصوده
[فوصفها] للضلال باعتباروقوعه فيها غالبًا لسالكها، كأرض الزرع فالضلال باقٍ على
معناه، وكونه صفة للضال، وحينئذٍ يعلم ما في قول الشارح: أضاف الأرض للضلال
مبالغة كأنه خيل للضلال أو صار الضلال للمار. انتهى.
(لَكَ) زيدت هنا وفيما بعدها لمزيد الاختصاص (صَدَقَةٌ، وَبَصَرُكَ لِلرَّجُلِ
الرَّدِيءِ الْبَصَرِ) أي: قودك للأعمى ومن في حكمه حتى يقضي حاجته، وعبر عن ذلك
بالبصر مبالغة في الحث عليه وإعلامًا بأنه لخوفه لو مشي وحده من سوء يقع به،
كوقوع في وهدة وصدم مؤذٍ له أشبه مظلومًا خائفًا من ظلمه، فكما يتعين على كل أحد
نصر المظلوم كذلك يتعين على كل أحد نصر هذا بالسعي في صونه عن وقوع فيما يضره
(لَكَ صَدَقَةُ، وَإِمَاطَتُكَ الْحَجَرَ وَالشَّوْكَ وَالْعَظْمَ) وغيرها من كل ما يتعثر به (عَنِ
الطَّرِيقِ لَكَ صَدَقَةٌ، وَإِفْرَاغُكَ مِنْ دَلْوِكَ فِي دَلْوٍ أَخِيكَ لَكَ صَدَقَةٌ رَوَاهُ التِّزْمِذِي، وَقَالَ:
هَذَا حَدِيْثٌ غَرِيْبُ).
١٩١٢ - [وَعَنْ سَعْد بن عُبَادَة قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ أُمَّ سَعْدٍ مَاتَتْ فَأَيُّ
٣٨٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس
الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: ((الْمَاءُ)) فَحَفَرَ بِثْرًا وَقَالَ: هَذِهِ لِأُمِّ سَعْدٍ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُد
وَالنَّسَائِي](١).
(وَعَنْ سَعْد بن عبَادَة قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ أُمَّ سَعْدٍ) يعني: نفسه (مَاتَتْ فَأَيُّ
الصَّدَقَةِ) عنها (أَفْضَلُ؟) حتى أفعله (قَالَ: الْمَاءُ) سبق أن هذا محمول على محل
الاحتياج فيه للماء أكثر، وأما ما اقتضاه قول شارح: إنما كان الماء أفضل؛ لأنه أعم
نفعًا في الأمور الدينية والدنيوية، وكذلك من الله تعالى بقوله: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً
طَهُورًا * لِنُحْبِيَ بِهِ بَلْدَةً مَّيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ﴾ [الفرقان: ٤٨ - ٤٩]
وإنما وصف الماء بالطهور؛ ليشير إلى أن الفرض الأصلي في الإنزال إزالة الموانع عن
العبادة، وباقي الأعراض تابعة لها. انتهى.
من أن الصدقة بالماء أفضل مطلقًا فبعيد جدًّا؛ لأن الماء وإن كان فيه هذه
المنافع لكنها لا تنتج أفضليته إلا في محل يحتاج إليه فيها، وأما محل لا يحتاج إليه فيها
وإنما الحاجة فيه ماسة إلى الطعام هو حينئذٍ أفضل قطعًا (فَحَفَرَ بِثْرًا وَقَالَ: هَذِهِ)
صدقة جارية (لأُمِّ سَعْدٍ) ظاهرة أن صدقة التطوع تحتاج للفظ، والذي في ((الروضة)»
قال الإمام: لا يحتاج مخرج الزكاة إلى لفظ أصلاً، وفي صدقة التطوع تردد، والظاهر أنها
مثلها. انتهى.
وعلل الإمام الأولى: بأن أدائها في حكم أداء الديون، واقتضى كلامه الإنفاق
على ذلك ونقله في ((المجموع)) عن قطع الجمهور قال: وقول أبي علي لا بد فيها من اللفظ
لیس بشيء نبهت علیه؛ لئلا يغتر به. انتهى.
وعلة الثانية: إن المطلوب فيها الإخفاء ما أمكن بنص القرآن والسنة، فلو
توقفت على لفظ نافى ذلك إخفاءها المطلوب، وحينئذٍ فالظاهر أن سعدًا عليه إنما قال
ذلك إعلامًا بأنه بادر إلى امتثال ما أجابه به وَّهِ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِي).
١٩١٣ - [وَعَنْ أَبِي سَعِيْدٍ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﴾: أَيُّمَا مُسْلِمٍ كَسَا مُسْلِمًا
(١) أخرجه أبو داود (١٦٨٣)، ولم أقف عليه عند النسائي.
٣٨٣
كتاب الزكاة/ باب فضل الصدقة
تَوْبًا عَلَى عُرْي كَسَاهُ اللهُ مِنْ خُضْرِ الْجَنَّةِ، وَأَيُّمَا مُسْلِمٍ يُطْعِمُ مُسْلِمًا عَلَى جُوعٍ
أَطْعَمَهُ اللهُ مِنْ ثِمَارِ الْجَنَّةِ، وَأَيُّمَا مُسْلِمٍ سَقَى مُسْلِمًا عَلَى ظَمَأْ سَقَاهُ اللهُ مِن الرَّحِيقِ
الْمَخْتُومِ. رَوَاهُ أَبُو دَاود وَالتِّرْمِذِي](١).
(وَعَنْ أَبِي سَعِيْدٍ عَ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ﴾: أَيُّمَا مُسْلِمٍ كَسَا مُسْلِمًا) وإن
أهدر دمه ما لم يجب قتله فورًا نظير ما مر؛ لأن ذلك لا يمنع الثواب لستر عورته
ووقايته من برد أو حر؛ لأنا مأمورون بإحسان القتلة (تَوْبًا عَلَى) الظاهر أنها هنا
للتعليل على حد: ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٥] أي: لأجل (عُرْيٍ)
هدايته إياكم (كَسَاهُ اللهُ مِنْ خُضْرِ الْجَنَّةِ) بإسكان الضاد وضمها جمع حضرة كما في
((القاموس)) أي: ثيابها الخضر فهو من إقامة الصفة مقام الموصوف، وقد يقال: ما المانع
أنه جمع أخضر؟ وحينئذٍ فلا حاجة لدعوى الإقامة المذكورة.
(وَأَيُّمَا مُسْلِمٍ يَظْعم) عبر في الأول بكساء وهنا يطعم وبعده يسقي للتفنن،
ولبيان أن المضارع يأتي بمعنى الماضي كعكسه المذكور في كساءه وما بعده (مُسْلِمًا
عَلَى) للتعليل أيضًا (جُوعٍ أَطْعَمَهُ اللهُ مِنْ ثِمَارِ الْجَنَّةِ) قياس السياق من طعام الجنة إلا
أن يراد بثمارها ما يشمل طعامها (وَأَيُّمَا مُسْلِمٍ سَقَى مُسْلِمًا عَلَى ظَمَلْ) أي: عطش
(سَقَاهُ اللهُ مِن الرَّحِيقِ) أي: الخمر أو أطيبها وأفضلها، أو الصافي الخالص من كل
مكدر أقوال وكلها صحيحة هنا (الْمَخْتُومِ) أي: المختومة أوانيه لنفاسته وكرامته،
وقيل: هو ما يجد شاربه طعم المسك وريحه آخرًا، فإنه من قولهم ختمت الكتاب؛ أي:
انتهيت إلى ... آخره (رَوَاهُ أَبُو دَاود وَالتِّرْمِذِي).
١٩١٤ - [وعَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ قَالَتْ: قال: رسول الله وَّهِ: إِنَّ فِي الْمَالِ لَحَقًّا
سِوَى الزَّكَاةِ، ثُمَّ ثَلًا: ﴿لَيْسَ البِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ المَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ ... ﴾
(١) أخرجه أحمد (١١١١٦)، وأبو داود (١٦٨٢)، والترمذي (٢٤٤٩) وقال: غريب. وأبو يعلى (١١١١)،
والبيهقي (٧٥٩٤).
٣٨٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس
[البقرة: ١٧٧]. رَوَاهُ التِّرْمِذِي وَابْنِ مَاجَه وَالدَّارِمي](١).
(وعَنْ فَاطِمَةَ بِئْتِ قَيٍْ قَالَتْ: قال: رسول الله وََّ: إِنَّ فِي الْمَالِ لَحَقًّا) واجبًا
تارة ومندوبًا أخرى كما سأذكره (سِوَى الزَّكَاةِ، ثُمَّ ثَلًا: ﴿لَيْسَ الِبِرَّ﴾) الخطاب لأهل
الكتاب؛ أي: ليس البر توجهكم إلى قبلتكم ومجادلتكم في تحويل القبلة فإن
ماعدا الكعبة منسوخ بها أو لهم وللمسلمين؛ أي: ليس البر الذي يهتم بشأنه مقصورًا
على أمر القبلة أو البر كل فعل أو قول رضيه الشارح (﴿أَنْ تُوَلَّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ
المَشْرِقِ والمَغْرِبِ ... ﴾ [البقرة: ١٧٧]) وهي ولكن البر؛ أي: الذي ينبغي أن يهتم به من
أمن؛ أي: ير بالله والملائكة والكتاب والنبيين: ﴿وَأَنَى المَالَ عَلَى﴾ أي: مع حبه؛ أي:
حال كون إيتائه مصاحبًا لحب الله أو المال أو الإيتاء في الحديث السابق: «أفضل
الصدقة وأنت صحيح شحيح، تخشى الفقر وتأمل الغنى))(٢).
﴿ذَوِي القُرْبَى﴾ أي: القرابة بدأ بهم اهتمامًا بصلة الرحم الوارد فيها من
التأكيد، وفي قطعها من الوعيد ما يحتمل كل موفق على أن يبالغ في صلتها بما أمكنه،
ولا يحرم حرم تنفير قطيعتها بوجه: ﴿وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ
وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ﴾ نصب
على المدح قطعًا له عما قبله إيذانًا بعظيم فضل البر وأنه الأصل في كل ما ذكر.
﴿فِي البَأْسَاءِ﴾ أي: الفقر ﴿وَالضَّرَّاءِ﴾ أي: المرض ﴿وَحِينَ البَّأْسِ﴾ أي: وقت
مجاهدة العدو ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٧] بيَّن تعالى
أنه لا يتم للعبد حقيقة الصدق مع الله تعالى ولا حقيقة التقوى التي هي كما قاله
البيضاوي: البراءة مما سوى الله إلا إذا وقي شح نفسه فأخرج محبوبها عن قلبه، ثم
(١) أخرجه الترمذي (٦٦٠) وقال: إسناده ليس بذاك، وأبو حمزة ميمون الأعور يضعف. وابن ماجه
(١٧٨٩)، والدارمي (١٦٩٠).
(٢) أخرجه البخاري (١٣٥٣)، ومسلم (١٠٣٢)، وابن حبان (٣٣١٢)، والنسائي (٣٦١١)، وابن خزيمة
(٢٤٥٤).
٣٨٥
كتاب الزكاة/ باب فضل الصدقة
صرفه لوجه الله تعالى في هذه المصارف كما مر، ومن ثم لما أعتقت بعض أمهات
المؤمنين وليدة لها قال لها ري: (لو أعطيتها لأخوالك لكان أعظم لأجرك)(١) بفضل صلة
الرحم حتى على العتق من الأقارب.
وهذا أهم الكل وأفضله؛ ولذا قدم ثم اليتامى؛ لأنهم أضعف ممن بعدهم بل
وأحوج ثم المساكين الشاملين للفقراء لدوام حاجتهم ثم المسافرين لانقضاء
السفر المنقضية به حاجتهم ثم بالسائلين؛ لأن لهم حق السؤال والانكسار، ومن ثم
روى أحمد وأبو داود وغيرهما حديث: ((للسائل حق وإن جاء على فرس)»(9) ثم بالعتق؛
لأن سد ضرورة الحيوان أهم منه، ثم بعد ذلك كله قال: ﴿وَآتَوُا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة:
٢٧٧] فجعل ذلك كله من حقوق المال، وذلك صريح في أن في المال حقوقًا أخرى
غير الزكاة لكن، هذه الحقوق منها ما هو واجب لاضطرار أو نحوه، وما هو
مندوب.
وقد ذكر أئمتنا أن من فروض الكفايات إطعام المحتاجين وكسوة العارين.
وقيل: المراد ((باقي ... إلخ)) الزكاة أيضًا لكن ذكر لبيان المصرف، ثم أعيد للتأكيد
والحث على إخراجها وهو بعيد وإن استدل له بقوله {وَ ل﴾: ((نسخت الزكاة كل صدقة))(٣)
لأنه وإن أخرجه جماعة لكنه غريب، وفي إسناده من ليس بالقوي عندهم، وفي الآية
نكتة لطيفة وهي أن قضية سياق بقية الآيات والأحاديث أن يعقب الإيمان بإقام
الصلاة وإيتاء الزكاة، وهنا عقب الإيمان بإيتاء المال مع حبه لمن ذكر إشارة إلى أنه لا
تتم حقيقة الإيمان إلا من وقي شح نفسه حتى بذل ما معه.
ومن ثم ختم تعالى الآية بقوله: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُوْلَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ﴾
(١) أخرجه البخاري (٢٥٩٢)، ومسلم (٢٣٦٤)، وأحمد (٢٧٥٧٤)، وأبو داود (١٦٩٢)، وابن حبان
(٣٤١٢).
(٢) أخرجه أحمد (١٧٣٠)، والطبراني (٢٨٩٣)، وأبونعيم في ((الحلية)) (٣٧٩/٨)، والبيهقي (١٢٩٨٣)،
وابن أبي شيبة (٩٨٢٣)، وأبو داود (١٦٦٥)، وأبو يعلى (٦٧٨٤)، والقضاعي (٢٨٥).
(٣) أخرجه الدارقطني (٢٨١/٤)، وابن عدي (٣٨٦/٦)، والبيهقي (١٨٧٩٩).
٣٨٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس
[البقرة: ١٧٧] إشارة إلى أنه لا تتم حقيقة صدق في إيمان وغيره ولا حقيقة تقوى لمن لم
يوقَ شح نفسه، والحاصل أن هذه الآية جامعة للكمالات الإنسانية بأسرها دالة عليها
صريحًا وضمنًا، فإن تلك الكمالات مع كثرتها وتشبعها منحصرة في ثلاثة أشياء: صحة
الاعتقاد، وحسن المعاشرة، وتهذيب النفس.
وقد أشير إلى الأول: بـ﴿مَنْ آمَنَ﴾ إلى: ﴿ وَالنَّبِّينَ﴾.
وإلى الثاني: ﴿وَآتَى المَالَ﴾ إلى: ﴿الرِّقَابِ﴾ [البقرة: ١٧٧].
وإلى الثالث: بالبقية ولذلك وصف المستجمع لها بالصدق نظرًا إلى إيمانه
واعتقاده، وبالتقوى اعتبارًا بمعاشرته للخلق ومعاملته مع الحق، وروى ابن المنذر
حديث: ((من قرأ هذه الآية فقد استكمل الإيمان))(١) (رَوَاهُ التِّرْمِذِي وَابْنِ مَاجَه
وَالدَّارِمي).
١٩١٥ . [وَعَنْ بُهَيْسَة عَنْ أَبِيْهَا قَالَتْ: قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا الشَّيْءُ الَّذِي لا يَحِلُّ
مَنْعُهُ؟ قَالَ: ((الْمَاءُ)) قَالَ: يَا نَبِي الله، مَا الشَّيْءُ الَّذِي لا يَحِلُّ مَنْعُهُ؟ قَال: ((الْمِلْحُ)) قَالَ: يَا
نبي الله، مَا الشَّيْءُ الَّذِي لا يَحِلُّ مَنْعُهُ؟ قَالَ: أَنْ تَفْعَلَ الْخَيْرِ خَيْرٌ لَكَ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُد](٢).
(وَعَنْ بُهَيْسَة) بموحدة مصغرًا (عَنْ أَبِيْهَا قَالَتْ: قَالَ) أبي: (يَا رَسُولَ اللّهِ مّا
الشَّيْءُ الَّذِي لا يَحِلُّ مَنْعُهُ؟) عن طالبه (قَالَ: الْمَاءُ) الذي لم يملك؛ لأن الناس شركاء
فيه كما في الحديث، على أن بعض الأئمة أخذ بظاهره فقال: إن الماء لا يملك مطلقًا،
وعلى الأصح أنه يملك إذا حيز في نحو إناء أو حوض، فالمراد لا يحل منعه عن المضطر
إليه بل يجب بذله له ولو ببذله كله.
(قَالَ: يَا نبي الله، مَا الشَّيْءُ الَّذِي لا يَحِلُّ مَنْعُهُ؟ قَال: الْمِلْحُ) يتعين حمله على
معدنه الغير المملوك؛ لأن الناس شركاء فيه كسائر المعادن الظاهرة وهي لا يجوز لأحد
تحجيرها ولا منع الناس من الأخذ منها، ولقد أراد سلطان تركي جائر في زمننا أن
(١) أخرجه الطبراني في الأوسط (٩٠٨٣).
(٢) أخرجه أبو داود (١٦٧١)، وأحمد (١٦٣٦٨).
٣٨٧
كتاب الزكاة/ باب فضل الصدقة
يجعل مكسًا على ملحة، فانقطع ما فيها فأنهى إليه أمرها فأمر برفع المكس عنها
فعادت أکثر ما كانت.
(قَالَ: يَا نبي الله، مَا الشَّيْءُ الَّذِي لا يَحِلُّ مَنْعُهُ؟ قَالَ: أَنْ تَفْعَلَ) أي: فعلك
(الخَيْرِ خَيْرٌ لَكَ) فلا يحل لك إذا رغبت نفسك في خير واجب تضيق؛ أي: تمنعها منه،
ويصح أن يراد بلا يحل في الثلاثة نفي الحل المستوي الطرفين وهو الإباحة، ونفيها
صادق بإثبات خلاف الأولى والمكروه؛ أي: منع الماء من طالبه ولو مملوكًا وإن كان
الطالب غير مضطر خلاف الأولى، وكذلك منع الملح المملوك لما مر أنه لحقارته عد
من جملة الحقوق الكائنة في المال غير الزكاة، وكذلك منع الخير المندوب أو الواجب
الموسع بكف النفس عنه وقد أرادته، فهو إما خلاف الأولى أو مكروه وختم بهذا؛
لأنه أعم مما قبله.
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُد) وكان وجه ذكر هذا الحديث في هذا الباب أن الأولين لما
عبر بنفي على منعهما كانا من جملة ما التصدق به أفضل من غيره، أما الماء فواضح
ومر التصريح به في غير هذا الحديث، وأما الملح فلعدم نفعه وشدة الاحتياج
إليه.
١٩١٦ [وَعَنْ جَابِرٍ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهَِّ: مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيْتَةً فَلَهُ فِيهَا
وَمَا أَكَلَتِ الْعَافِيَةُ منه فَهُوَ لَهُ صَدَقَةٌ] (١).
(وَعَنْ جَابِرِ عَهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيْتَةً) وهي شرعًا في
باب إحياء الموات التي لم تعلم جريان ملك مسلم عليها، ويصح أن يراد بها هنا
المتعطلة عن الزرع وإن كانت مملوكة له؛ لأن النظر هنا للمنفعة التي يحصل من
إحيائها للناس الدواب، وهذا لا يفترق الحال فيه بين المملوكة وغيرها، وكأن هذا هو
سبب ذكر المصنف كأصله لهذا الحديث في هذا الباب؛ لأن هذا الإحياء إذا ترتب
عليه ما يأتي من الثواب الجزيل كان منزلاً في الثواب منزلة التصدق بالماء وغيره من
(١) أخرجه أحمد (١٤٨٧٤)، وابن حبان (٥٢٩٥)، والبيهقي (١٢١٥٩).
٣٨٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس
الأشياء العامة النفع (فَلَهُ فِيهَا) أي: إحيائها (أَجْرٌ).
أما الإحياء بالمعنى الأول: فواضح، ومن ثم كان إحياء الموات سنة؛ أي: حيث لم
يقصد به إلا حيازة المال لنفسه.
وأما الإحياء بالمعنى الثاني: فهو بالنظر لما يحصل من إحيائها فمن قصد بإحياء
ملكه يزرعه مثلاً نفع المسلمين به كان له في ذلك أجر أي أجر، ومن ثم عقب
ذلك بما أوضح المراد منه وهو قوله: (وَمَا أَكَلَتِ الْعَافِيَةُ) وهي هنا كل طالب رزق من
إنسان أو بهيمة أو طائر (منه فَهُوَ لَهُ صَدَقَةُ) وهذا أوفى في معناه حجة واضحة؛ لقول
كثيرين من العلماء أن الزراعة أفضل المكاسب لعموم نفعها وكثرته وعظيم ثوابه الذي
لا يوجد نظيره في التجارة.
١٩١٧ - [وَعَنِ البَرَّاءِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: مَنْ مَنَحَ مِنْحَةَ لَبَنٍ وَرِقٍ، أَوْ هَدَى
زُقَاقًا كَانَ لَهُ مِثْلَ عِثْقِ رَقَبَة. رَوَاهُ التِّرْمِذِي] (١).
(وَعَنِ البَرَّاءِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: مَنْ مَنَحَ) أي: أعطى (مِنْحَةَ لَبَنٍ) بأن
يعطيه لبونًا أو شاة أو بقرة ينتفع بلبنها ثم يعيدها إليه، وعبر باللبن؛ لأنه الغالب وإلا
فلو منحها له ليأخذ نحو صوفها ثم يردها له كان كذلك كذا قيل، وفيه نظر؛ لأن
الثواب لا يدخله قياس، ويحتمل أن الجزاء الآتي خاص بمنحة اللبن بل هو ظاهر
الحديث، فالحاصل أن منحة غير اللبن فيها ثواب عظيم، وأما أن الثواب الآتي
فحصوله فيها غير معلوم، أو منحة (وَرِقٍ) بأن أقرضه دراهم ينتفع بها ثم يرد له بدلها
(أَوْ هَدى) أي: دل نحو أعمى (زُقَاقاً) كأن قاده حتى أخرجه منه، وهو بضم أوله ويؤنث
السكة وكان ذكره للتمثيل، والمراد أن يدل المتحير في طريق حتى يزول تحيره، ويروى
بتشديد الدال مبالغة في الهداية، أو بمعنى أهداه؛ أي: وقفه شارعًا للمسلمين (كَانَ لَهُ
مِثْلَ عِثْقِ رَقَبَة. رَوَاهُ التِّرْمِذِي)
(١) أخرجه أحمد (١٩٠٢١)، والترمذي (٢٠٨٤)، وأبو نعيم في ((الحلية)) (٢٧/٥).
٣٨٩
كتاب الزكاة/ باب فضل الصدقة
١٩١٨ - [وعَنْ أَبِي جُرَيٍّ جَابِرِ بِنْ سَلِيمٍ قَالَ: أَتَيْتُ المدينة فرَأَيْتُ رَجُلاً يَصْدُرُ
النَّاسُ عَنْ رَأْيِهِ لا يَقُولُ شَيْئًا إِلَّا صَدَرُوا عَنْهُ قُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالُوا: رَسُولُ اللهِ. قَالَ:
قُلْتُ: عَلَيْكَ السَّلامُ يَا رَسُولَ اللهِ، مَرَّتَيْنٍ. قَالَ: لا تَقُلْ: عَلَيْكَ السَّلامُ، عَلَيْكَ السَّلامُ
تَحِيَّةُ الْمَيِّتِ، قُلِ: السَّلامُ عَلَيْكَ. قُلْتُ: أَنْتَ رَسُولُ اللهِ؟ قَالَ: أَنَا رَسُولُ اللهِ الَّذِي إن
أصابك ضُرَّ فَدَعَوْتَهُ كَشَفَهُ عَنْكَ، وَإِنْ أَصَابَكَ عَامُ سَنَةٍ فَدَعَوْتَهُ أَنْبَتَهَا لَكَ، وَإِذَا كُنْتَ
بِأَرْضِ قَفْرٍ أَوْ فَلَاةٍ فَضَلَّتْ رَاحِلَتُكَ فَدَعَوْتَهُ رَدَّهَا عَلَيْكَ، قُلْتُ: اعْهَدْ إِلَّ قَالَ: لا
تَسُبَّنَّ أَحَدًا. قَالَ: فَمَا سَبَبْتُ بَعْدُه حُرَّا وَلا عَبْدًا وَلا بَعِيرًا وَلا شَاةً قَالَ: وَلا تَحْقِرَنَّ
شَيْئًا مِنَ الْمَعْرُوفِ، وَأَنْ تُكَلِّمَ أَخَاكَ وَأَنْتَ مُنْبَسِطٌ وَجْهُكَ إِلَيْهِ إِنَّ مِنْ ذَلِكَ
المَعْرُوفِ، وَارْفَعْ إِزَارَكَ إِلَى نِصْفِ السَّاقِ فَإِنْ أَبَيْتَ وإِلَى الْكَعْبَيْنِ، وَإِنَّكَ وَإِسْبَالَ الإِزَارِ
فَإِنَّهَا مِنَ الْمَخِيلَةِ وَإِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْمَخِيلَةَ، وَإِنِ امْرُؤُ شَتَمَكَ وَعَّرَكَ بِمَا يَعْلَمُ فِيكَ
فَلا تُعَيِّرُهُ بِمَا تَعْلَمُ فِيهِ، فَإِنَّمَا وَبَالُ ذَلِكَ عَلَيْهِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَرَوَى التِّرْمِذِي مِنْهُ
حَدِيْثِ السَّلام، وَفِي رِوَايَةٍ: ((فَيَكُونَ لَكَ أُجْرُ ذَلِكَ وَوَبَالُه عَلَيْهِ](١).
(وعَنْ أَبِي جُرَيِّ) بضم الجيم، بفتح الراء فتشديد الياء (جَابِرِ بنْ سَلِيم
قَالَ: أَتَيْتُ المدينة) يحتمل أنه سمع بخبره ◌َّ إجمالاً فأتى ليستبين الحال، وأنه
أتى لحاجة أخرى فصادفه فعرف قبل أن قيل له ما يأتي نبوته فورًا (فرَأَيْتُ رَجُلا)
عظيمًا جامعًا لجميع أوصاف الكمالات البشرية (يَصْدُرُ النَّاسُ) كلهم؛ أي: يرجعون
(عَنْ رَأْيِهِ) أي: ممتلئين من بحار علومه وآدابه التي لا يكدرها القلة ولا تنزفها
الكثرة.
(لا يَقُولُ شَيْئًا إِلَّا) امتثلوه وعقلوه ثم (صَدَرُوا عَنْهُ) مرتوين من معارفه
((وعن) فيهما للمجاوزة على حد ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ [النور: ٦٣] أي:
يجاوزونه ويتعدون عنه، لكن تلك مجاوزة محمودة، وهذه مجاوزة مذمومة، فعلم أن
فيه تشبيه المنصرفين عنه* بما أنالهم من العلوم والمعارف والآداب والحكم
(١) أخرجه أبو داود (٤٠٨٦).
٣٩٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس
والعوارف الباطنة والظاهرة المتعلقة بالدنيا والآخرة، لمن وردوا منهلاً عظيمًا فارتووا
منه.
ثم صدروا عنه (قُلْتُ: مَنْ هَذَا؟) الذي بهذه العظمة أهو غير النبي الذي سمعنا
به إجمالاً، أو هو بناء على التقدير الأول أو أهو نبي بناء على الثاني (قَالُوا) هذا
(رَسُولُ الله) الذي لا شك فيه ولا امتراء (قال: قُلْتُ: عَلَيْكَ السَّلامُ يَا رَسُولَ الله
مَرَّتَيْنِ) يحتمل أنه قال: هذا اللفظ كذلك، وأن المراد أنه كرر هذا اللفظ مرتين
تأكيدًا.
(قَالَ: لا تَقُلْ عَلَيْكَ السَّلامُ) أي: لأنه خلاف الأفضل في صيغة الابتداء؛ لأنه
خلاف المألوف فيها، ومع ذلك هو صيغة ابتداء صحيحة يجب ردها كما قاله أئمتنا؛
لأن القصد من السلام الإخبار بحصول السلامة من المسلم، وهو حاصل قدم المبتدأ
أو أخر، بل في تأخيره إفادة اختصاص وحصر ردًّا لما قد يتوهمه المسلم عليه من
حصول ضرر له من المسلم؛ أي: ما غلبك مني إلا السلامة فلا يكن عندك تردد في
ذلك.
وأما تعليله بأن (عَلَيْكَ السَّلامُ تَحِيَّةُ الْمَيِّتِ) فالمراد به أنه تحية ميت القلب
الذي لا رغبة له في الإتباع، والكمال وهو السلام عليك، ومن ثم قيل: إنه كان تحية
أهل الجاهلية وحينئذ فهذا التعليل موافق لما ذكرناه من أن النهي للتنزيه فيكره ذلك
لا غير، وإنما وجب رده مع كراهته؛ لأن الكراهة ليست لذاته لما علمت أنه يفيد
مقصود السلام بالأولى، بل لأمر عارض اقترن به هو أنه خلاف المعروف المستقر في
لسان جملة الشرع.
وإنما أولنا الميت بميت القلب؛ لأنه ◌َ ﴾( صح عنه في الأحاديث الكثيرة الشهيرة
أنه كان يقول في السلام على الموتى: السلام عليكم دار قوم مؤمنين، فمن أخذ من
قوله تحية الميت: إنه لا يسلم عليه إلا بصيغة عليك السلام، فقد غفل عما كان ◌َله.
يقوله في سلامه على الميت أو ظن بين الحديثين تعارضًا، فأخذ بأحدهما والنفي الآخر
٣٩١
كتاب الزكاة/ باب فضل الصدقة
وليس كما ظن؛ لأن عليك السلام تحية الميت يمكن تأويله بما ذكرناه.
وقوله مسير في السلام على الميت: السلام عليكم لا يمكن تأويله فوجب
الأخذ بهذا، وتأويل ذلك؛ لأن العمل بالحديثين ولو بتأويل ما يمكن تأويله واجب.
(قُلِ: السَّلامُ عَلَيْكَ) لأنه الأفضل لما مر أن هذا هو المألوف المستقر في لسان
حملة الشرع بخلاف عكسه، فإنه سنة جاهلية وإن كان محصلاً لحصول السلام
بالأولى كما تقرر، وأما زعم شارح فرقًا بينهما بأنه إذا قدم السلام تبين له الأمان منه
أولاً، بخلاف ما إذا بدأه بعليك، فإنها تحتمل الدعاء له وعليه حتى يقول السلام فلا
يحصل له الأمن أولاً، فهو في غاية التهافت؛ لأن الكلام إنما يتبين بأخره، وليس هنا
تراخ بين عليك وما بعدها حتى يتم ذلك التوهم، بل لو فرض حصوله زال في أسرع
وقت.
فإن قلت: ظاهر سياق الحديث أنه لو لم يجب المسلم بعليك السلام، فمن أين
يأخذون وجوب جوابه؟ قلت: ليس في الحديث ما ينفي ذلك ولا ما يثبته، وحينئذ فلا
ينافي القياس الذي قلناه: إنه إذا وجب جواب السلام عليكم وجب جواب عليكم
السلام بجامع ألا يفيد الأمر باللفظ الوارد، بل الأمر في عليك السلام أبلغ كما مر.
(قُلْتُ: أَنْتَ) أضمر همزة الاستفهام التقريري اختصارًا (رَسُولُ الله؟) الذي
سمعنا به إجمالاً، أو الذي دل على رسالته صدور الناس عن رأيه بما لا يوجد مثله في
غيره (قَالَ: أَنَا رَسُولُ الله) ثم نبهه على أن رسالته علمت وظهرت حتى صارت أظهر
من الشمس، وما هذا شأنه لا يستفهم عنه؛ لأن أصل الاستفهام إنما هو للخفي أو
المحتمل، وعلى أن الذي ينبغي أن يسأل عنه ما هو أخص من ذلك، وهو ما تميز به وَالاول
على سائر الأنبياء والمرسلين من أنه الرحمة الكبرى والملجأ للخلائق كلهم في الدنيا
والأخرى.
فقال جاريًا على الأسلوب الحكيم: (الَّذِي إن أصابك ضُرَّ فَدَعَوْتَهُ) أي: دعوتني
أنت بأن تشفعت لي إلى ربك في إزالته، أو فدعوته أنا لك بأن قلت: يا الله اكشف
٣٩٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس
عنه (كَشَفَهُ) ضمير الفاعل يعود إلى الله إن كانت الفاء مضمومة، فإن فتحت جاز
عوده على الله وعلى رسوله وكذا في الراحلة وردها الآتيين، وعليه فالإسناد إليه وسلّ مجاز
باعتبار أنه السبب فيه (عَنْكَ) لأنه لا يخيب نبيه شافعًا ولا داعيًا.
(وَإِنْ أَصَابَكَ عَامُ سَنَةٍ) بالإضافة؛ أي: قحط، فهو من إضافة الأعم إلى الأخص
بالتأويل المعروف أو بدونه على الخلاف فيه، وذلك؛ لأن السنة غلبت على القحط
حسي لا يكاد يفهم منها غيره؛ ولذلك نكرت، وأضيف إليها (فَدَعَوْتَهُ) فيه الوجهان
السابقان (أَنْبَتَهَا لَكَ) أي: صبر تلك السنة ذات نبات وخصب.
فإن قلت: تلك السنة قد مضت فكيف تصير كذلك؟ قلت: إما إن أراد وصف
العام بالسنة اعتبار أوله وتحويله إلى الخصب باعتبار أخره، أو أراد أن المحول
للخصب هو ما يعقب السنة، وأطلقها عليه مجازًا لمجاورته إياها (وَإِذَا كُنْتَ بِأَرْضِ
قَفْرِ أَوْ فَلاةٍ) الظاهر أنه للمرادفة أو للشك من الراوي؛ إذ المراد من القفر والفلاة
المفازة المهلكة.
(فَضَلَّتْ رَاحِلَتُكَ فَدَعَوْتَهُ) فيه الوجهان السابقان (رَدَّهَا عَلَيْكَ، قُلْتُ: اعْهَدْ
إِلَّ) عهدًا؛ أي: أوصني وصاية مشتملة على أوامر ونواهي امتثلها (قَالَ: لا تَسُبَّنَّ أَحَدًا)
أي: لا تذكره بما فيه نقص له في حضرته أو غيبته.
(قَالَ فَ) بسبب ذلك (مَا سَبَبْتُ بَعْدُه) أي: بعد عهده هذا (حُرَّا وَلا عَبْدًا وَلا
بَعِيرًا وَلا شَاةً) أي: ولا بهيمة مبالغة في امتثال عهده بَّهِ (قَالَ: وَلا تَحْفِرَنَّ شَيْئًا مِنَ
الْمَعْرُوفِ) أي: الطاعة مطلقًا أو التي يتعدى أثرها للغير، بل كل ما تيسر لك منه
أفعله، وإن قل ولأجل ذلك قال أئمتنا: ينبغي للإنسان ألا يأنف من التصدق بالقليل؛
أي: لأن الله تعالى يقول: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧].
والقليل فيه ذرات كثيرة كما قالت عائشة - رضي الله عنها - ردًّا على
سائل أعطته عنبة فرماها إليها وذهب: (وَأَنْ تُكَلِّمَ أَخَاكَ) في الإسلام معطوف على
النهي، والأصل وكلمه تكليمًا، ثم حذف الفعل تدرجًا إلى الإتيان بالفعل الآتي
٣٩٣
كتاب الزكاة/ باب فضل الصدقة
الأخص منه في المقصود لما يأتي، وأضيف المصدر لفاعله فصار وتكليمك أخاك، ثم
حل المصدر إلى أن والفعل قصد التجدد هذه المكرمة كل ما تجدد لعنك
لأخيك.
(وَأَنْتَ مُنْبَسِطٌ وَجْهُكَ إِلَيْهِ) جملة حالية؛ أي: وكلمة في حال طلاقة، وجهك
وضحكه واستبشاره (إِنَّ مِنْ ذَلِكَ المَعْرُوفِ) الكامل المترتب عليه من صفاء القلوب
وصدق المحبة والمودة والسلامة من الضغائن ما يكون سببًا لحيازة الكمالات وإدرار
الصلات (وَارْفَعْ إِزَارَكَ إِلَى نِصْفِ السَّاقِ) فإن ذلك أتقى وأنقى وأبقى كما في حديث
آخر.
ووجه كونه أنقى دلالته على التواضع وهضم النفس صدق الأسوة الحسنة به ولية.
(فَإِنْ أَبَيْتَ) أي: امتنعت من أن تفعل هذا الأكمل (و) ارفعه (إِلَى الْكَعْبَيْنِ) فإنه لا
أقل من ذلك، ولأجل ذلك نهى عن إسباله عنهما كما أفهمه قوله: (وَإِيَّكَ وَإِسْبَالَ
الإِزَارِ فَإِنَّهَا) أي: هذه الفعلة، وهي إسبال الإزار عن الكعبين (مِنَ الْمَخِيلَةِ) أي:
التكبر، فإن قصده بفعل ذلك حرم وإلا کره.
وكذا يقال في تطويل الأكمام والعذبة ونحوهما (وَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمَخِيلَةَ) بل
يكرهها ويعاقبه عليها إلا أن يتفضل بعفوه ومغفرته (وَإِنِ امْرُؤُّ شَتَمَكَ وَعَيَّرَكَ بِمَا
يَعْلَمُ فِيكَ) من النقائص (فَلا) تشتمه، ويحتمل أنه إنما حذفه؛ لأن وعيرك عطف
تفسير لشتمك ولا (تُعَيِّرُهُ بِمَا تَعْلَمُ فِيهِ) فيحرم على من شتم أو عير أن يقابل شاتمه
أو یعیره بمثل فعله.
(فَإِنَّمَا وَبَالُ ذَلِكَ) أي: إثمه وعقابه (عَلَيْهِ) وحده فلا يجيبه وإلا شاركته في
الإئم والعقاب؛ لأن الأعراض لا مدخل للقصاص فيها؛ لأنها أمور معنوية متفاوتة
غير منضبطة نعم استثنى من ذلك أئمتنا ما لا يخلو أحد عنه كالجهل والحمق فلمن
شتم أن يقول لشاتمه: يا جاهل يا أحمق، وسكوته عن ذلك أفضل، وأفضل منه العفو
٣٩٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس
عنه لما مر في حديث مسلم: ((وما زاد الله عبدًا بعفو إلا عزَّ)(١).
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدٍ، وَرَوَى التَّرْمِذِي مِنْهُ حَدِيْثِ السَّلامِ، وَفِي رِوَايَةٍ: ((فَيَكُونَ لَكَ)
إذا سكت عن جوابه (أجْرُ ذَلِكَ) أي: شتمه أو تعييره لك؛ لأنك مظلوم (وَوَبَاله عَلَيْه)
لأنه ظالم.
١٩١٩ - [وعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - أَنَّهُمْ ذَبَجُوا شَاءً فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َ
مَا
بَقِيَ مِنْهَا؟ قَالَتْ: مَا بَقِيَ مِنْهَا إِلَّا كَتِفُهَا قَالَ: بَقِيَ كُلُّهَا غَيْرَ كَتِفِهَا. رَوَاهُ التِّرْمِذِي
وَصَحَّحَهُ](٤).
ذَبَحُوا شَاةً
(وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - أَنَّهُمْ) أي: أهل بيت النبي
فَقَالَ الشَّبِيُّ ◌َهَ) لها بعد أن علم أنهم تصدقوا ببعضها (مَا بَقِيَ مِنْهَا قَالَتْ: مَا بَقِيَ)
عندنا (مِنْهَا إِلَّا كَتِفُهَا) والباقي ذهب؛ لأنا تصدقنا به (قَالَ) ردًّا لما أوهمه كلامها: إن
ما تصدق به هو الذاهب، وما أمسك للأكل هو الباقي الأمر بالعكس؛ إذ (بَقِيَ كُلُّهَا
غَيْرَ كَتِفِهَا) لأن البقاء الحقيقي ليس إلا لما يبقى ثوابه في الآخرة، والمتصدق به وإن
ذهبت عينه كذلك بخلاف الباقية عينه للأكل، فإنه لعدم الثواب فيه حيث لم يقصد
به غرض صالح ذاهب مضمحل، فلا بقاء له وأصل ذلك قوله تعالى: ﴿مَا عِندَكُمْ
يَنفَدُ وَمَا عِندَ اللّه بَاقٍ﴾ [النحل: ٩٦].
(رَوَاهُ التِّرْمِذِي وَصَحَّحَهُ) وفيه أبلغ حث على التصدق من كل ما يأكله
الإنسان؛ لأن من استحضر أن ما يأكله لا ثواب له فيه حيث لا غرض صالح، وما
تصدق به منه فيه الثواب الجزيل الباقي حمله ذلك على التصدق به ولو بلقمة اغتنامًا
لعظيم ثوابها.
١٩٢٠ - [وَعَن ابْن عَبَّاس - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله :
يَقُولُ: مَا مِنْ مُسْلِمٍ كَسَا مُسْلِمًا ثَوْبًا إِلَّا كَانَ فِي حِفْظِ مِنَ الله مَا دَامَ عَلَيْهِ مِنْهُ خِرْقَة.
m-
(١) تقدم تخريجه.
(٢) أخرجه الترمذي (٢٤٧٠) وقال: صحيح.
٣٩٥
كتاب الزكاة/ باب فضل الصدقة
رَوَاهُ أَحْمَدِ وَالتِّرْمِذِي](١).
(وَعَنْ ابْن عَبَّاس - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَّهُ يَقُولُ: مَا
مِنْ مُسْلِمٍ) مر: ((ما من مسلم يغرس غرسًا)(٢) ما يتأتى هنا (كَسَا مُسْلِمًا تَوْبًا) يستر
بدنه، ويحتمل أنه أراد به ما يشمل الإزار (إِلَّا كَانَ فِي حِفْظٍ) عظيم، ولذا لم يضفه إلى
الجلالة (مِنَ الله) في الدنيا (مَا دَامَ عَلَيْهِ مِنْهُ خِرْقَة).
وظاهر هذا أنه لا ثواب له غير ذلك، لكن قضية الأدلة الشرعية أن العمل
الخالص لله لا بد من ثواب عليه في الآخرة، وإن جوزي صاحبه في الدنيا بما جوزي به،
وكان هذا هو مستند قول شارح، إنما ترك ذكر ثوابه في الآخرة؛ لأنه لا حصر له ولا عد
ونظير قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاؤُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ [الزمر: ٧٣] لم يذكر الجزء ليدل
على ما لا يدخل تحت الحصر من الكرامة والبشارة؛ يعني: حتى إذا جاءوها كان كيت
وكيت وفتحت أبوابها (رَوَاهُ أحْمَد وَالتِّرْمِذِي).
١٩٢١ [وعن ابْنِ مَسْعُودٍ ﴾ يَرْفَعُهُ ثَلَاثَةٌ يُحِبُّهُمُ الله: رَجُلُ قَامَ مِنَ اللَّيْلِ يَتْلُو
كِتَابَ الله، وَرَجُلْ يَتَصَدَّقُ بِصَدَقَةٍ بِيَمِينِهِ يُخْفِيهَا أُرَاهُ قَالَ: مِنْ شِمَالِهِ، وَرَجُلُّ كَانَ في
سَرِيَّةٍ فَانْهَزَمَ أَصْحَابُهُ فَاسْتَقْبَلَ الْعَدُوَّ. رَوَاهُ التِّرْمِذِي وَقَالَ: هَذَا حَدِيْثُ غَيْرِ مَحْفُوظ،
أَحَد رُوَاتِهِ أَبُو بَكْرِ بْن عَيَّاش وَهُوَ كَثِيْرُ الغَلَطِ](٣).
(وَعَن ابْنِ مَسْعُودٍ ﴿ يَرْفَعُهُ) أي: الحديث المعلوم من السياق إلى النبي
وَسَـ
وإنما ذكر هذا؛ لئلا يوهم حذفه أنه موقوف على ابن مسعود، وإن كان مثل هذا لا يقال
من قبل الرأي وما هو كذلك، وإن وقف على راوية الصحابي له حكم المرفوع بقوله:
برفعه تأكيد لا تأسيس خلافًا لما يوهمه كلام شارح (ثَلَاثَةُ) من الناس أو صالحون
فشاع الابتداء به (يُحِبُّهُمُ اللَّهُ) محبة خاصة يترتب عليها ثواب خاص يليق بعلمهم.
(١) أخرجه الترمذي (٢٤٨٤) وقال: حسن غريب. ولم أقف عليه عند أحمد.
(٢) تقدم تخريجه.
(٣) أخرجه الترمذي (٢٥٦٧)، والطبراني (١٠٣٣٥).
٣٩٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس
(رَجُلُ قَامَ) أي: صلى بعد النوم في زمن (مِنَ اللَّيْلِ يَتْلُو) جملة حالية من فاعل
قام (كِتَابَ الله) كله أو بعضه في صلاته (وَرَجُلُّ يتَصَدَّقُ بِصَدَقَةٍ) وإن قلت: (بِيَمِينِهِ
يُخْفِيهَا أُرَاهُ) أي: أظنه (قَالَ) يخفها (مِنْ شِمَالِهِ) كناية عن المبالغة في الإخفاء؛ أي:
بحيث أن الشمال لو كان لها إدراك لم يشعر بذلك.
ومن هذا كقوله تعالى: ﴿إِن تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا
الفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧١] أخذ أئمتنا قولهم: الأفضل إخفاؤها إلا أنه
كان يقتدي به، وأمن الرياء والسمعة ولم يتأد الأخذ بالإظهار، فهو حينئذ
أفضل.
قال الغزالي وغيره: هذا ما يتعلق بالدافع، وأما الأخذ فالأفضل له أن يعمل
بعكس مراد الدافع، فإن أحب الإظهار أخفى والإخفاء أظهر (وَرَجُلْ كَانَ فِي سَرِيَّةٍ)
هي مثال؛ إذ المقصود الآتي لا يتقيد بعدد مخصوص؛ أي: في جماعة قلوا أو كثروا
(فَانْهَزَمَ أَصْحَابُهُ فَاسْتَقْبَلَ الْعَدُوَّ) أي: وقف في مقابلتهم حتى فاز أصحابه أو حتى
غلبت العدد وقهره (رَوَاهُ التِّرْمِذِي وَقَالَ: هَذَا حَدِيْثُ غَيْرِ مَحْفُوظ، أحَدِ رَوَاتِهِ أَبُو
بَكْرِ بْن عَيَّاش وَهُوَ كَثِيْرُ الغَلَطِ).
١٩٢٢ - [وعن أبي ذَرِّ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ثَلَاثَةُ يُحِبُّهُم الله وَثَلَاثَةُ
يَبْغُضُهُمِ اللهِ، أَمَّا الثَّلاثَة الَّذِينَ يُحِبُّهُم الله: فَرَجُلُ أَنَى قَوْمًا فَسَأَلَهُمْ بِالله وَلَمْ يَسْأَلُهُمْ
بِقَرَابَةٍ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ فَمَنَعُوهُ، فَتَخَلَّفَ رَجُلُّ بِأَعْيَانِهِمْ فَأَعْطَاهُ سِرًّا لَا يَعْلَمُ بِعَطِيَّتِهِ
إِلَّ الله وَالَّذِي أَعْطَاهُ، وَقَوْمُ سَارُوا لَيْلَتَهُمْ حَتَّى إِذَا كَانَ النَّوْمُ أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِمَّا يُعْدَلُ بِهِ،
فَوَضَعُوا رُؤوسَهُمْ فَقَامَ يَتَمَلَّقُنِي وَيَتْلُو آيَاتِي، وَرَجُلُ كَانَ فِي سَرِيَّةٍ فَلَقِي الْعَدُوَّ فَهُزِمُوا
فَأَقْبَلَ بِصَدْرِهِ حَتَّى يُقْتَلَ أَوْ يُفْتَحَ لَهُ، وَالثَّلاثَةُ الَّذِينَ يَبْغُضُهُم الله: الشَّيْخُ الزَّانِي،
وَالْفَقِيرُ الْمُخْتَالُ، وَالْغَنِيُّ الظّلُومُ. رَوَاهُ التِّرْمِذِي وَالنَّسَائِي مِثْلَهُ، وَلَمْ يَذْكُرُوا: ثَلاثَة
يَبْغِضهُم الله](١).
(١) أخرجه أحمد (٢١٩٦٣)، والترمذي (٢٧٦٧)، والنسائي (٢٥٨٢)، وابن حبان (٣٤١٨).
٣٩٧
كتاب الزكاة/ باب فضل الصدقة
(وعن أَبِي ذَرِّ ◌َ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌ِ: ثَلَاثَةُ) مسوغة نظير ما مر قبله
(يُحِبُّهُم الله وَثَلَاتَةُ يَبْغُضُهُمِ اللهِ، أَمَّا الثَّلاثَةِ الَّذِينَ يُحِبُّهُم الله: فَرَجُلُّ) أي: فمعطي
رجل كما يدل عليه السياق الآتي (أَفَى قَوْمًا فَسَأَلَهُمْ بِالله) أي: مستعطفًا به أو مقسمًا
به كأنشدكم بالله، أو أقسم عليكم به في أن تحسنوا إليَّ أو تعطوني كذا، ولا يتوهم
من ذلك أنه ينبغي للسائل أن يسأل ويقسم على المسؤول بالله، فإن ذلك أما خلاف
الأولى أو مكروه، بل إن أذاه بالإقسام عليه وأضجره حرم عليه.
ومع ذلك لا ينبغي حرمانه لقول الأئمة: يكره للإنسان أن يسأل مخلوقًا
بوجه الله، ويكره للمسؤول أن يرد السائل بأنه كما يأتي مبسوطًا (وَلَمْ يَسْأَلْهُمْ بِقَرَابَةٍ
بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ) يؤخذ منه أن السؤال بالله أولى منه بالقرابة، والرحم بأن يقول: أعطني
الله فهو أولى من أعطني للقرابة التي بيني وبينك (فَمَنَعُوهُ) المسؤول ولم يعطوه شيئًا
(فَتَخَلَّفَ رَجُلُ) منهم بعد ذهابهم، أو جعلهم خلف ظهره حتى لم يروا ما يعطيه
للسائل (بِأَعْيَانِهِمْ) الباء بمعنى ((من)) أي: من أكابرهم، أو ((عن)) كما صرحت بها رواية
الطبراني؛ أي: استتر عن أعيانهم أو تأخر عنهم حتى خلا بالسائل، أو على بابها متعلقة
المحذوف؛ أي: تأخر عنهم مستترًا بأشخاصهم عن أن يروا ما يعطيه للسائل.
(فَأَعْطَاهُ سِرًّا لَا يَعْلَمُ بِعَطِيَّتِهِ إِلَّا اللّه وَ) السائل (الَّذِي أَعْطَاهُ) وإنما أحب الله
هذا؛ لأنه فعلها أنبأ عن مزيد كرمه وتعظيمه لربه وإخلاصه في عبادته حيث خالف
أصحابه فأعطى من حرموه، وعظم اسم الله تعالى الذي لم يعظموه، وبالغ في أسرار
صدقته لإرادته بها وجه الله لا: ﴿جَزَاءً وَلَا شُكُورًا﴾ [الإنسان: ٩].
(وَقَوْمٌ) عطف على رجل بالتقدير الذي قلناه؛ أي: وصاحب قوم وهو فاعل قام
بالمعنى الآتي (سَارُوا لَيْلَتَهُمْ) مجدين في الظفر بمطلوبهم (حَتَّى إِذَا كَانَ النَّوْمُ أَحَبَّ
إِلَيْهِمْ مِمَّا يُعْدَلُ بِهِ) أي: من كل شيء، أو من مطلوبهم الذين هم مجدون لأجله
(فَوَضَعُوا رُؤُوسَهُمْ فَقَامَ) يصلي و(يَتَمَلَّقُنِي) أي: يبالغ في التودد والتضرع إلي جهده
وطاقته، من أطلق بالتحريك، وهو الزيادة في التودد والتضرع (وَيَتْلُو آيَاتِي) وإنما
٣٩٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس
أحبه؛ لأن تركه النوم وقد وصل في احتياجه إليه إلى ما ذكر، ثم صلاته وتملقه وقرأته
تنبئ عن تخليه عن سائر حظوظه وشهواته، وتحليه بخوارق القرب والشهود، وصفاء
قلبه عن سائر الأغيار، وكان القياس فقام يتملق الله ويقرأ آياته، فعدل وَله عنه إلى
مكانه ما يعبر به عن الكلام النفسي للاستلذاذ بسماعه لما فيه من الشوق إلى إقبال الله
على من ناجاه وتملق بين يديه، وليس هذا من الالتفات في شيء؛ لأنه لا بد فيه من
اتحاد مرجع الضمير، وإنما هو عدول عن مقتضى الظاهر إلى خلافه لنكتة هي ما
تقرر.
(وَرَجُلُّ كَانَ فِي سَرِيَّةٍ فَلَقِي الْعَدُوَّ فَهُزِمُوا) أي: سريته (فَأَقْبَلَ بِصَدْرِهِ) على
العدو يقاتلهم ويصدهم عن سريته (حَتَّى يُقْتَلَ أُوْ يُفْتَحَ لَهُ) وإنما أحبه على ذلك؛ لأنه
ينبئ عن غاية الشجاعة والإخلاص والصدق، وبذل النفس في سبيل الله ونصرة
الإسلام وأهله.
(وَالثَّلَاثَةُ الَّذِينَ يَبْغُضُهُم الله: الشَّيْخُ الرَّانِي) لأن الزنا فاحش من كل أحد، ومن
الشيخ أفحش؛ لأن من شأن الشيخ قلة الشهوة أو عدمها وكثرة المعرفة وزيادة المروءة
عما رأى من التجارب وقوة الحذر، لما قاسا من المحن فإذا صدر منه مع ذلك كله الزنا
دل على عظيم استهتاره وغوايته، وأنه لم يبقَ فيه قبول للخير ولا التفات إليه، وهذا
يؤذن بالبعد من الله الموجب لسخطه وغضبه.
(وَالْفَقِيرُ الْمُخْتَالُ) أي: المتكبر؛ لأن التكبر فاحش من كل أحد ومن الفقير
أفحش؛ لأن من شأن الفقير الذل والانكسار والتواضع، فإذا تكبر مع ذلك دل على
أن نفسه من الخبث والفجور ما لا يؤثر فيه فقر ولا غيره، فلا يرجى له صلاح ولا
يؤمل فيه فلاح.
(وَالْغَنِيُّ الظَّلُومُ) لأن الظلم فاحش ومن الغني أفحش؛ لأن من شأن من لا مال
له محبة المال التي لا ينشأ الظلم غالبًا إلا عنها، فإذا كان عينًا وبالغ في ظلم غيره دل
ذلك منه على أنه لسوء الخلق الذي طبعت عليه نفسه حتى لم يتأهل لخير قط، ومن
٣٩٩
كتاب الزكاة/ باب فضل الصدقة
ظلمه مظلمة الحديث الصحيح: ((مطل الغني ظلم)»(١) فإذا تكرر منه المطل وبالغ فيه
يبعد دخوله حينئذٍ في الغني الظلوم فيكون من الذين يبغضهم الله، ومن ثم عُد
مظلمة كبيرة للخبر الصحيح: ((مطل الغني)»(٢) محل عرضه وعقوبته (رَوَاهُ التِّرْمِذِي
وَالنَّسَائِي مِثْلَهُ، وَلَمْ يَذْكُرُوا: ثَلاثَة يَبْغِضُهُم الله).
١٩٢٣ - [وَعَنْ أَفَسِ ﴿ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِلِهِ: لَمَّا خَلقَ اللهُ الأرضَ جَعَلَت
تَمِيدُ، فَخَلَقَ الْجِبَالَ فَقَالَ بِهَا عَلَيْهَا فَاسْتَقَرَّتْ، فَعَجِبَتِ الْمَلَائِكَةُ مِنْ شِدَّةِ الْجِبَالِ،
فَقَالُوا: يَا رَبِّ، هَلْ مِنْ خَلْقِكَ شَيْءُ أَشَدُّ مِنَ الْجِبَالِ؟ قَالَ: نَعَم، الْحَدِيدُ، فَقَالُوا: يَا رَبِّ،
هَلْ مِنْ خَلْقِكَ شَيْءٌ أَشَدُّ مِنَ الْحَدِيدِ؟ قَالَ: نَعَم، النَّارُ. فَقَالُوا: يَا رَبِّ هَلْ مِنْ خَلْقِكَ
شَيْءٌ أَشَدُّ مِنَ النَّارِ؟ قَالَ: نَعَمِ، الْمَاءُ. فَقَالُوا: يَا رَبِّ، هَلْ مِنْ خَلْقِكَ شَيْءُ أَشَدُّ مِنَ
الْمَاءِ؟ قَالَ: نَعَمْ، الرِّيحُ. فَقَالُوا: يَا رَبِّ، هَلْ مِنْ خَلْقِكَ شَيْءٌ أَشَدُّ مِنَ الرِّيحِ؟ قَالَ: نَعَم،
ابْنُ آدَمَ تصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ بِيَمِينِهِ يُخْفِيهَا مِنْ شِمَالِهِ. رَوَاهُ التِّرْمِذِي وَقَالَ: هَذَا حَدِيْثُ
غَرِيْبُ، وَذُكِرَ حَدِيْثُ مُعَاذ: ((الصَّدَقَةُ تُطْفِئ الخَطَيْئَةِ ((فِي (( كِتَابِ الإِيْمَانِ))](٣).
(وَعَنْ أَنَس ◌َ﴿ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِهِ: لَمَّا خَلقَ اللهُ الأرضَ جعلت تَمِيدُ)
أي: شرعت في التحرك؛ لأنها على الماء وإن كان بينهما وسائط، فلا نظر إلى أن طبيعتها
الثقل والرسوب (فَخَّلَقَ الْجِبَالَ فَقَالَ بِهَا) الباء زائدة للتأكيد؛ أي: ألقاها؛ إذ القول
يعبر به عن الفعل كثيرًا (عَلَيْهَا فَاسْتَقَرَّتْ) أي: سكنت؛ لأنها لما كانت من جنسها
جعلت أوتادًا لها (فَعَجِبَتِ الْمَلَائِكَةُ مِنْ شِدَّةِ الْجِبَالِ) التي سكنت لأجلها الأرض
مع سعتها.
(١) أخرجه البخاري (٢١٦٦)، ومسلم (١٥٦٤)، ومالك (١٣٥٤)، وعبد الرزاق (١٥٣٥٥)، وأبو داود
(٣٣٤٥)، والترمذي (١٣٠٨)، والنسائي (٤٦٩١)، وابن ماجه (٢٤٠٣)، وابن حبان (٥٠٩٠).
(٢) تقدم تخريجه.
(٣) أخرجه أحمد (١٢٢٧٥)، وعبد بن حميد (١٢١٥)، والترمذي (٣٣٦٩) وقال: غريب لا نعرفه
مرفوعًا إلا من هذا الوجه. وأبو يعلى (٤٣١٠)، والبيهقي في (شعب الإيمان)) (٣٤٤١)، وأبو الشيخ
في «العظمة» (٨٧٢٧٦)، والضياء (٢١٤٨).
٤٠٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس
(فَقَالُوا: يَا رَبِّ هَلْ مِنْ خَلْقِكَ شَيْءٌ أَشَدُّ مِنَ الْجِبَالِ؟ قَالَ: نَعَم الْحَدِيدُ) أي:
لأنه يفتتها ويذهبها (فَقَالُوا: يَا رَبِّ هَلْ مِنْ خَلْقِكَ شَيْءٌ أَشَدُّ مِنَ الْحَدِيدِ؟ قَالَ: نَعَم
النَّارُ) أي: لأنها تذيبه (فَقَالُوا: يَا رَبِّ هَلْ مِنْ خَلْقِكَ شَيْءٌ أَشَدُّ مِنَ النَّارِ؟ قَالَ: نَعَم
الْمَاءُ) أي: لأنه يطفئها في أسرع وقت (فقَالُوا: يَا رَبِّ هَلْ مِنْ خَلْقِكَ شَيْءٌ أَشَدُّ مِنَ
الْمَاءِ؟ قَالَ: نَعَم الرِّيحُ) أي: لأنه يموج الماء ويهيجه ويلعب به كما يعلب
الصبي بالكرة، وقيل: لأن الريح يتصرف في السحاب الحامل للماء وتفرقه في
الآفاق.
(فَقَالُوا: يَا رَبِّ هَلْ مِنْ خَلْقِكَ شَيْءُ أَشَدُّ مِنَ الرِّيحِ؟ قَالَ: نَعَم، ابْنُ آدَمَ)
أشد من الريح، ولذا فضل على سائر الخلائق؛ لأنه اندرجت فيه تلك العناصر
الأربعة:
التراب المناسب للقبض [ ..... ] ولذا كنى به عن الفقر في: ((تربت)) التمسك،
المناسبة لإهلاك الغير وإضراره.
والهواء المناسب للعلو، والنكير يطلبه انتشار الذكر وقهر الغير.
والماء المناسب لانتعاش النفس وحياة شهواتها وإراداتها، واندرجت فيه أيضًا
طبائع تلك العناصر من: البرودة المقتضية الركود الهمة وتقاعدها عن الكمالات،
كالكرم والحرارة المقتضية للكبر والحسد وظلم الناس، واليبوسة المقتضية للشح
والإمساك، والرطوبة المقتضية لانحلال العزيمة عن السعي في حيازة الثواب، ومع ذلك
كله قهر الموفق بالفعل وغيره بالقوة؛ إذ لو توجه لما توجه إليه لكان مثله تلك العناصر
وطبائعها، فلم يجز على قضاياها المذكورة بل طهر نفسه من خبائئها حتى لم يجر على
جبلته وطبيعته، وسعى في رضا ربه وأخلص وجهته إليه حتى لم يحصل كغيره منه إلا
النفع [ .... ].
وذلك لأنه (تصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ) عظيمة (بِيَمِينِهِ) خالصة لله تعالى، كيف وهو
لعظيم إخلاصه يبالغ في إخفائها؟ حتى لو كان لشماله إدراك لكان (يُخْفِيهَا مِنْ شِمَالِهِ)