النص المفهرس
صفحات 321-340
٣٢١ كتاب الزكاة/ باب الإنفاق وكراهية الإمساك تصدق بجميع ماله، وأقره النبي وسلم وأراد عمر ذلك فأمره و ل* بإمساك البعض. وجاء رجل يمثل البيضة من ذهب فقال: يا رسول الله خذها فهي لك صدقة وما أملك غيرها، فأعرض عنه * إلى إن أعاد عليه القول ثلاث مرات ثم أخذها ورماه بها رمية لو أصابته لأوجعته، ثم قال: ((يأتي أحدكم بما يملك، فيقول: هذه صدقة ثم يقعد يتكفف وجوه الناس خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى))(١) أي: عن غنى النفس الكامل بالله تعالى وصبرها على الإضافة. (خَيْرٌ لَكَ) من إمساكه فإنه معرض للآفات العائدة بالضرر عليك لأجله دینًا ودنيا كما قال تصريحًا بالمفهوم؛ لأن المقام مقام وعظ وتحذير (وَأَنْ تُمْسِكَهُ) أي: الفاضل عما ذكر (شَرُّلَكَ) إما لكونك تحرم خيره وثوابه إن أمسكته عن أن تبدله في مندوب، وإما لكونك تعاقب عليه العقاب الأليم إن أمسكته عن واجب، وخرج بالفضل بعضه فيسن مطلقًا وغير الفضل بأن احتاج لما معه لكفاية ممونه أو نفسه ولم يصبر على الإضافة، أو لوفاء دينه ولم يرج وفاءه من جهة ظاهرة حالاً في الحال، وعند حلول الأجل في المؤجل. فَيُحرم عليه التصدق بشيء من ذلك على المعتمد عندنا للخبر الصحيح: ((کفی بالمرء إثمًا أن يضيع من يقوت))(٢) أي: من يلزمه قوته ولا ينافي ذلك ما صح عن الأنصاري الذي نزل به الضيف فأطعمه قوته وقوت صبيانه؛ لأن ذاك ليس بصدقة بل ضيافة، وهي لتأكدها وكون جماعة أوجبوها لا يشترط فضلها عما ذكر على ما مشي عليه النووي في موضع أو صدقة، لكن الصبيان لم يكونوا محتاجين حينئذٍ إلى (١) أخرجه البخاري (١٣٦٠)، وأبو داود (١٦٧٦)، والنسائي (٢٥٤٤)، وأحمد (٩٢١٢)، وابن خزيمة (٢٤٣٩). (٢) أخرجه أحمد (٦٤٩٥)، وأبو داود (١٦٩٢)، والحاكم (١٥١٥)، والبيهقي (١٥٤٧٢)، والطيالسي (٢٢٨١)، والبزار (٢٤١٥)، وابن حبان (٤٢٤٠)، والنسائي في ((الكبرى)) (٩١٧٧)، والطبراني (١٣٤١٤). ٣٢٢ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس الأكل، وإنما قال لا مرأته: يؤمنهم خوفًا من طلبهم الأكل لغير حاجة كما هو عادتهم، وأما هو وامرأته فتبرعا بحقهما وكانا صابرين فرحين؛ ولذا أثنى الله عليهما كنظرائهما من الأنصار بقوله: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩]. (وَلَا يُلَامُ عَلَى كَفَافٍ) أي: لا يذم على إمساك مال يكف به إن لم يحسن تجارة، وألا يذل وجهك عن سؤال الناس والاحتياج إليهم، وإنما الذي تلام عليه إمساكك الفضل بقيوده السابقة (وَابْدَأً) من مالك إن كنت ذا مال (بِمَنْ تَعُولُ) أي: بكفايتهم نفقة وكسوة ومسكنًا بحسب ما يليق بهم فاتركها لهم، ثم إن فضل عندك شيء منها فيتصدق به حينئذٍ، وبهذا التقرير يندفع ما هنا لشارح من التشكيك فتأمله (رَوَاهُ مُسْلِم). ١٨٦٤ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَة ◌َ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: مَثَلُ الْتَخِيلِ وَالْمُتَصَدِّقِ كَمَثَلُ رَجُلَيْنِ عَلَيْهِمَا جُنَّتَانِ مِنْ حَدِيدٍ قَدِ اضْطَرَّتْ أَيْدِيهُمَا إِلَى ثَدِيهِمَا وَتَرَاقِيهِمَا، فَجَعَلَ الْمُتَصَدِّقُ كُلَّمَا تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ انْبَسَطَتْ عَنْهُ، وَجَعَلَ الْبَخِيلُ كُلَّمَا هَمَّ بِصَدَقَةٍ قَلَصَتْ وَأَخَذَتْ كُلُّ حَلْقَةٍ بِمَكَانِهَا(١) . مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ]. (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَة ◌َ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّيهِ: مَثَلُ الْبَخِيلِ وَالْمُتَصَدِّقِ) أي: صفتهما (كمَثَلُ رَجُلَيْنِ عَلَيْهِمَا جُنَّتَانٍ) بالموحدة والنون كما قاله غير واحد، والقول: بأنه لا شك ولا خلاف أنه بالنون يرده قول بعض المحققين أنه بالنون تصحيف. قيل: ومما يرجح النون أن الدرع لا يسمى جبة بالباء، بل بالنون؛ أي: وقايتان (مِنْ حَدِيدٍ) حكمة إيثاره الإعلام بأن الفقر والشح من جبلة الإنسان، وكذا أضيف إليه في: ﴿وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ﴾ [التغابن: ١٦] أن السخاوة من عطاء الله وتوفيقه يمنعها من يشاء من عباده، وإيثار الجُنة التي هي الدرع على الثقل؛ فيأتي الانبساط والتقلص المشار بهما إلى ما يأتي. (١) أخرجه البخاري (٥٧٩٧)، ومسلم (٢٤٠٧)، وأحمد (٩٠٤٥)، والنسائي (٢٥٤٨)، وابن حبان (٣٣٣٢). ٣٢٣ كتاب الزكاة/ باب الإنفاق وكراهية الإمساك (قَد اضْطَرَّتْ) أي: ضمت وألصقت (أَيْدِيهُمَا) خصت؛ لأن السخي يوصف ببسط اليد، والبخيل يوصف بقبضها ومنه: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُوْلَةً إِلَى عُنُقِكَ ... ﴾ [الإسراء: ٢٩] (إِلَى قَدِيهِمَا وَتَرَاقِيهِمَا فَجَعَلَ) هي بمعنى طفق لا بمعنى صبر (الْمُتَصَدِّقُ) أوقعه موقع السخي المقابل حقيقة للبخيل؛ ليبين أن السخي هو المتصدق على وفق ما أمر به لا المبذر في ماله بما لم يؤمر به، ودل على خبر جعل قوله: (كُلَّمَا تَصَدَّقَ بِصَدَقَةِ انْبَسَطَتْ عَنْهُ) أي: يتسع صدره كلما هم بصدقة (وَجَعَلَ الْبَخِيلُ كُلَّمَا هَمَّ بِصَدَقَّةٍ قَلَصَتْ) أي: انضمت (وَأَخَذَتْ كُلُّ حَلْقَةٍ) بفتح اللام (بِمَكَانَهَا) الباء مزيدة للتأكيد (مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ). ووجه التشبيه فيه للمتصدق والبخيل بما ذكر الذي هو من باب التشبيه المفرق، شبه السخي الموفق الذي إذا قصد التصدق سهل عليه ممن عليه درع ويده من تحته يخرجها منه كلما أراد، والبخيل بضد ذلك أن من عادة الله تعالى في الجواد أنه كلما هم بصدقة اتسع لها صدره وانشرح وطاوعته نفسه فامتدت يده بالعطاء، وفي البخيل أنه بضد ذلك فكلما هم بصدقة ضاق صدره وتكدرت نفسه فقبض يده عنها، ورأى أن ذلك هو الحزم والعقل، وكثيرًا ما ينسب البخلاء المتصدقين إلى السفاهة وعدم العقل بعدم الحرص على الدنيا وکنزها. ١٨٦٥ - [وَعَنْ جَابِرٍ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّ: اتَّقُوا الظُّلْمَ فَإِنَّ الظُّلْمَ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاتَّقُوا الشُّحَّ فَإِنَّ الشُّحَّ أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ حَمَلَهُمْ عَلَى أَنْ سَفَكُوا دِمَاءَهُمْ وَاسْتَحَلُّوا مَحَارِمَهُمْ (١). رَوَاهُ مُسْلِمٌ]. (وَعَنْ جَابِرِ ﴾، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَ﴾: اتَّقُوا الظُّلْمَ) المشتمل لكونه وضع الشيء في غير محله على أنواع متفاوتة القبح وأقبحها الشح؛ لأنه الحامل على تعينها (١) أخرجه البخاري في ((الأدب المفرد)) (٤٨٣)، ومسلم (٢٥٧٨)، وأحمد (١٤٥٠١)، وعبد بن حميد (١١٤٣)، والطبراني في «الأوسط)) (٨٥٦١)، والبيهقي في ((السنن الكبرى)) (١١٢٨١) وفي (شعب الإيمان)) (٢). ٣٢٤ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس كما يأتي فوقع ذكره هنا توطئة لذم الشح، وأبلغ من ذكره في باب الظلم (فَإِنَّ الظُّلْمَ) لم يقل فإنه زيادة في تقبيحه وذمه (ظُلُمَاتُ) على فاعله (يَوْمَ الْقِيَامَةِ) لأنه حسي تحته أنواع مختلفة، ويلزم من اختلافها اختلاف مسبباتها من الشدائد التي يقاسيها الظالم ذلك اليوم، منها هول الموقف، والحساب والميزان، والمرور على الصراط، وأنواع عقابها في النار. ومن إطلاق الظلمات على الشدائد قوله تعالى: ﴿قُلْ مَن يُنَجِّيكُم مِّن ظُلُمَاتِ البَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [الأنعام: ٦٣] أي: شدائدهما، ويصح أن المراد بالظلمات هنا حقائقها، وأن الظالم يعاقب بظلمات تعتريه في الموقف، وفي النار كما أن الكاملين تكون لهم حقيقة تسعى بين أيديهم ويإيمانهم كما في الآية. (وَاتَّقُوا الشُّحَّ) الذي هو نوع من أنواع الظلم؛ لأنه إمساك المال عما أمر الله بإخراجه فيه، ويصح أن يفسر بأنه الامتناع عن فعل أو بدل ما أمر الله بفعله، أو بدله بل هو أقبح أنواع الظلم؛ لأنه ينتجه حب الدنيا وشهواتها والاستئثار بهما على الغير المستلزم للحسد والمقاتلة عليها ولغير ذلك. ومن ثم علله بقوله: (فَإِنَّ الشُّحَّ) داؤه قديم في الأمم قبلكم؛ لأنه (أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ) منهم، وسبب ذلك أنه (حَمَلَهُمْ عَلَى أَنْ) قطعوا التواصل الذي بينهم وبين أرحامهم وأصدقائهم وحلفائهم ومعارفهم فعادوهم، فلم يتأثروا لذلك؛ لأن من أحب شيئًا بذل نفسه دونه، بل يأزروهم بالعداوة والمناوأة حتى (سَفَكُوا دِمَاءَهُمْ وَاسْتَحَلُّوا تَحَارِمَهُمْ) فروجهم وأعراضهم وأموالهم وغيرها، كما هو شأن الأعداء بعضهم مع بعض، ولا حامل على كل ذلك إلا الشح لا غير، فعلم أن هذا من عطف العام على الخاص، وأن قوله: ((واتقوا الشح)) من عكسه. ووضح أن الشح أقبح أنواع الظلم وأنه الحامل على بقيتها كما علم مما تقرر، ومن تعريفه الثاني الذي قدمته (رَوَاهُ مُسْلِمْ). ١٨٦٦ - [وَعَنْ حَارِثَةَ بنِ وَهْب ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: تَصَدَّقُوا فَإِنّهُ يَأْتِي ٣٢٥ كتاب الزكاة/ باب الإنفاق وكراهية الإمساك عَلَيْكُمْ زَمَانُ يَمْشِي الرَّجُلُ بِصَدَقَتِهِ فَلَا يَجِدُ مَنْ يَقْبَلُهَا يَقُولُ الرَّجُلُ: لَوْ جِئْتَ بِهَا بِالأَمْسِ لَقَبِلْتُهَا، فَأَمَّا الْيَوْمَ فَلا حَاجَةَ لِي بِهَا(١). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ]. (وَعَنْ حَارِثَة بِن وَهْب ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: تَصَدَّقُوا) معشر الأمة قبل ألا يتصدقوا على حد حجوا قبل ألا تحجوا، ومن ثم علله بقوله: (فإنه) أي: الشأن (يَأْتِي عَلَيْكُمْ) أي: على بعضكم؛ لأن ذلك الزمان إنما يدرك بعضهم، وشيوعه أن ما وقع من بعضهم الشح يصح إسناده إلى جميعهم باعتبار الصلاحية، كما في بنو فلان قتلوا فلانًا مع أن القاتل واحد منهم (زَمَانٌ) قرب الساعة؛ إذ من أشراطها كثرة المال حتى لا يجد الرجل من يقبل زكاته كما صح. (يَمْشِي الرَّجُلُ بِصَدَقَتِهِ) أي: يدور بها على من يقبلها منه (فَلَا يَجِدُ مَنْ يَقْبَلُهَا) منه (يَقُولُ الرَّجُلُ) أي: كل رجل عرضت عليه وكان مستحقًّا لها من قبل (لَوْ جِئْتَ بِهَا بِالأَمْسِ) أي: في الزمن الماضي حال فقري واستحقاقي (لَقَبِلْتُهَا) منك (فَأَمَّا الْيَوْمَ فَلا حَاجَةَ لِي بِهَا. مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ). ١٨٦٧ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةِ ﴾ قَالَ: قَالَ رَجُلُ: يَا رَسُولَ الله أَيُّ الصَّدَقَةِ أَعْظَمُ أَجْرًا؟ قَالَ: أَنْ تَصَدَّقَ وَأَنْتَ صَحِيحُ شَحِيحٌ تَخْشَى الْفَقْرَ وَتَأْمُلُ الْغناءَ، وَلَا تُمْهِلْ حَتَّى إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ قُلْتَ لِفُلَاٍ كَذَا وَلفلان كذا وَقَدْ كَانَ لِفُلَانٍ. مُتَّفَقَّ (٢) عَلَيْهِ] (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةِ ﴾ قَالَ: قَالَ رَجُلُ: يَا رَسُولَ اللهِ أَيُّ الصَّدَقَةِ أَعْظَمُ أَجْرًا؟) من حيث إيقاعها قبل الموت أو بعده بدليل الجواب (قَالَ: أَنْ تَصَدَّقَ) أي: أفضلها صدقتك (وَأَنْتَ) أي: والحال أنك (صَحِيحُ شَحِيحٌ) أي: من شأنك الشح والإمساك؛ (١) أخرجه البخاري (١٣٤٥)، ومسلم (١٠١١)، وأحمد (١٨٧٤٨)، والنسائي في ((الكبرى)) (٢٣٣٦)، وابن حبان (٦٦٧٨) والطبراني (٣٢٥٩) والطيالسي (١٢٣٩) وابن أبي شيبة (٩٨١١)، وعبد بن حميد (٤٧٨)، وأبو يعلى (١٤٧٥). (٢) أخرجه البخاري (١٣٥٣)، ومسلم (١٠٣٢)، وابن حبان (٣٣١٢)، والنسائي (٣٦١١)، وابن خزيمة (٢٤٥٤). ٣٢٦ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس لأنك ما دمت صحيحًا (تَخْشَى الْفَقْرَ وَتَأْمُلُ الْغنى) فبواسطة ذلك لا تسمح نفسك بإخراج شيء؛ لأنها تقول لك: أنت الآن مختص بمالك لا تعلق لورثتك به فلا تتلفه؛ لئلا تصير فقيرًا عولة على الناس بل أمسكه ليستمر غناك وتعففك عن الناس إلى قرب مماتك فتصدق به حينئذٍ، فإذا خالفتها مع ذلك وتصدقت كان ذلك أشق عليها وأشد مراغمة لها، وكل ما هو كذلك أعظم أجرًا من غيره كما في الحدیث. (وَلَا تُمْهِلْ) عطف على مقدر دل عليه ما قبله، أو على أن تصدق والأول أولى كما لا يخفى إلا إن ثبت نصبها [ .... ] أي: فبادر بالصدقة ولا تؤخرها (حَتَّى إِذَا) مرضت و(بَلَغَتْ) الروح (الْحُلْقُومَ) فصرت في آخر رمق، وأشرفت على مفارقة الدنيا، وتركت المال لورثتك (قُلْتَ) ليأسك حينئذٍ من خشية الفقر ورجاء الغنى، وعلمك بأنك تؤخر المال لمن لا يحمدك، بل قد بلغتك الوصية (لِفُلانٍ) بما هو (كَذَا وَ) أوصيت (لفلان) بما هو (كذا وَقَدْ كَانَ) هذا (لِفُلَانٍ). الظاهر أن هذا من باب الإقرار لا الوصية، وإنه من باب التسجيل عليه؛ أي: إذا كان طمعك في الحياة أوجب لك كتم الحق اللازم لك إلى أن آيست منها فأقررت به الآن ولم تقر به قبل ذلك، فأولى أن يوجب لك الطمع تأخير الصدقة إلى الآن، فاحذر ذلك فإنك ربما أخذت على بغتة بموت أو قتل فجأة فصرت رهينًا بما عندك متحسرًا على ما فاتك من مالك حين لا ينفعك التحسر ولا يفيدك الندم (مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ) ويشهد له الحديث الآتي: «أن يتصدق المرء بدرهم في حياته خير له من أن يتصدق بمائة عند موتە»(١). ١٨٦٨ [وعَنْ أَبِي ذَرِّ ﴾ قَالَ: انْتَهَيْتُ إِلَى النَّبِيِّ ◌َهُ وَهُوَ جَالِسٌّ في ظِلِّ الْكَعْبَةِ، فَلَمَّا رَآنِي قَالَ: هُمُ الأَخْسَرُونَ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ، فَقُلْتُ: فِدَاكَ أَبِي وَأَتِّي مَنْ هُمْ؟ قَالَ: الأَكْثَرُونَ أَمْوَالاً إِلَّا مَنْ قَالَ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ وَعَنْ (١) أخرجه أبو داود (٢٨٦٦)، وابن حبان (٣٣٣٤)، والديلمي (٧٨٤٧). ٣٢٧ كتاب الزكاة/ باب الإنفاق وكراهية الإمساك يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ وَقَلِيلُ مَا هُمْ مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ](١). (وعَنْ أَبِي ذَرِّ قَالَ: انْتَهَيْتُ إِلَى النَّبِيِّ ◌َ﴿ وَهُوَ جَالِسٌ فِي ظِلِّ الْكَعْبَةِ، فَلَمَّا رَآنِي) وما أنا عليه من الفقر أراد أن يسليني ويبين لي أن الفقر من الدنيا، والإعراض عنها بالقلب هو النعمة الكبرى فحينئذٍ (قَالَ) مبهمًا ثم مبينًا لمزيد التشويق والترسیخ في النفس لتطلعها إليه عند إبهامه واستلذاذها ببيانه (هُمُ) ضمير مبهم يفسره خبره وهو (الأَخْسَرُونَ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ، فَقُلْتُ: فِدَاكَ أَبِي وَأَتِي) هذا من باب حسن الأدب في المخاطبة، وهي البداءة بالدعاء قبل السؤال، ومن ثم كان أكثر الصحابة يراعون ذلك في مخاطباتهم له واليد. (مَنْ هُمْ؟) الأخسرون الذين أجملتهم (قَالَ: الأَكْثَرُونَ أَمْوَالاً) لأن من شأنهم الشح والأشر والبطر والكبر، والانهماك في المعاصي والشهوات (إِلَّا مَنْ قَالَ) أي: أشار؛ إذ القول يتوسع فيه فيعبر به عن جميع الأفعال، كقال برجله؛ أي: مشى وثوبه؛ أي: رفعه (هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا) أي: أشار بيده للعطاء للناس، إشارة مثل هذه الإشارة بهذه الكلمات الثلاثة مبينة تلك الإشارة بكون العطاء مبتدأ (مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ) حتى يعم أهل الجهة التي هي أمامه (وَمِنْ خَلْفِهِ) حتى يعم أهل الجهة التي من خلفه (ق) مجاوزًا (عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ) حتى يعم أهل هاتين الجهتين، وأشار إليهما بهكذا الأخيرة مع تباينهما كتباين الأمام والخلف المشار إليهما بهكذا مرتين؛ لأن التباين في هذین أظهر. وخص ذينك بعن؛ لأن الغالب في الإعطاء صدوره عن اليدين ومجاورته لهما (وَقَلِيلٌ) خبر مؤكد بحرف (مَا) الزائدة لتأكيد القلة قدم اختصاصًا (هُمْ) إذ لا يسمع بواحد كذلك إلا نادوا أحدًا، وأتى يسمع الأعضاء، وبواحد كذلك، بخلاف الأكثرين الذين ليسوا كذلك، فإنهم أزيد من هؤلاء القليل بأضعاف مضاعفة لشغف أكثر - (١) أخرجه البخاري (٦٦٣٨)، ومسلم (٢٣٤٧)، وأحمد (٢٢٠٢٢)، والنسائي (٢٤٥٢). ٣٢٨ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس الناس بالدنيا ومحبتهم لها المحبة المقتضية للشح بها، وإيثارهم لتحصيلها وكنزها على سائر أغراضهم ومقاصدهم (مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ). (الفصل الثاني) ١٨٦٩ [عَنْ أَبِي هُرَيْرَة ◌َ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّ: السَّخِيُّ قَرِيبٌ مِنَ الله قَرِيبٌ مِنَ الْجَنَّةِ قَرِيبٌ مِنَ النَّاسِ، وَالْبَخِيلُ بَعِيدُ مِنَ الله بَعِيدٌ مِنَ الْجَنَّةِ بَعِيدُ مِنَ النَّاسِ، قَرِيبٌ مِنَ النَّارِ، وَالجَاهِلُ سَخِيُّ أَحَبُّ إِلَى الله مِنْ عَابِدٍ تَخِيلٍ. رَوَاهُ الترْمِذِي](١). (عَنْ أَبِي هُرَيْرَة ◌َ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّ: السَّخِيُّ) المعهود ذهنًا في الشرع، وهو الباذل لكل ما أمره الله ببذله (قَرِيبُ مِنَ الله) أي: من رحمته ولطفه ورضاه ومعافاته له من الفتن، وإنزاله تعالى البركة له في رزقه وعمره وعمله (قَرِيبٌ مِنَ الْجَنَّةِ) إذ ليس بينه وبينها إلا مفارقة هذه الدار وهو أقرب من لمح البصر (قَرِيبٌ مِنَ النَّاسِ) أي: من محبتهم وتعظيمهم ودعائهم له وثنائهم عليه وذلك؛ لأنه امتثل أمر الله فيهم وعظمه وأجله عن أن يخالفه، وأثر أمره على هوى نفسه، وأظهر الشفقة على خلقه وواساهم بماله، فقرب منه ومنهم ولم يكن له منزل إلا الجنة. (وَالْبَخِيلُ) المعهود ذهنًا في الشرع، وهو من لا يؤدي الواجب عليه (بَعِيدُ مِنَ الله بَعِيدُ مِنَ الْجَنَّةِ بَعِيدُ مِنَ النَّاسِ) فهو على ضد السخي في جميع ما مر (قَرِيبُ مِنَ النَّارِ) ليس بينه وبينها إلا لمح البصر (وَالجَاهِلُّ) بما لا يجب عليه عينًا نقله (سَخِيُّ أَحَبُّ إِلَى الله مِنْ عَابِدٍ تَخِيلٍ) لم يقل عالم الذي هو مقتضى التطابق لإفادة أن الجاهل السخي الذي ليس بعابد أحب إلى الله من عالم بخيل وعابد بخيل، كما قيل: من حسنة غطت على عيبين عظيمين، ويا لها من سيئة عفت حسنتين خطيرتين (رَوَاهُ الترمذي). ١٨٧٠ - [وَعَنْ أَبِي سَعِيْدٍ عَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّةِ: لَأَنْ يَتَصَدَّقَ الْمَرْءُ في (١) أخرجه الترمذي (١٩٦١) وقال: غريب. وابن عدي (٤٠٣/٣)، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (١٠٨٥١). ٣٢٩ كتاب الزكاة/ باب الإنفاق وكراهية الإمساك حَيَاتِهِ بِدِرْهَمٍ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِمِائَةٍ عِنْدَ مَوْتِهِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدِ](١). (وَعَنْ أَبِي سَعِيْدٍ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ لَّهِ: لِأَنْ يَتَصَدَّقَ الْمَرْءُ فِي حَيَاتِهِ) أي: صحته (بِدِرْهَمٍ خَيْ لَهُ مِنْ أَنْ یَتَصَدَّقَ بِمِائَةٍ عِنْدَ مَوْتِهِ) أي: عند قرب موته، وسببه ما مرأن في الأول من المشقة على النفس أضعاف ما في الثاني، بل غالبًا الثاني لا مشقة فيه؛ ولذا قيل: المراد بمائة الكثرة، وبدرهم القلة، ويشهد له ما جاء في بعض النسخ بماله بدل بمائة؛ أي: بجميع ماله. انتهى. وفيه نظر بل الصواب بقاء الحديث على ظاهره؛ إذ لا مقتضى لصرفه عنه، وأن تلك النسخة تحريف إلا إن ثبتت أنها رواية (رَوَاهُ أَبُو دَاوُد). ١٨٧١ - [وَعَنْ أَبِي الدِرْدَاءِ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: مَثَلُ الَّذِي يَتَصَدَّقُ عِنْدَ مَوْتِهِ أَوْ يُعْتِقُ كَالَّذِي يُهْدِي إِذا شَبِعٍ. رَوَاهُ أَحْمَد وَالنسَائِي وَالدارَمِي وَالتَرْمِذِي وَصَححَهُ](٤). (وَعَنْ أَبِي الدِرْدَاءِ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِلَّهِ: مَثَلُ الَّذِي يَتَصَدَّقُ عند موته أو يُعْتِقُ) عند موته وقد أخر الصدقة أو العتق عن أوانها الأفضل إلى غيره (كَالَّذِي يُهْدِي) لغيره من طعامه (إذا شَع) منه ولم يبق له فيه حاجة، وهذا ليس فيه کبیر ثواب لخلوه عن فضيلة الإيثار المنبئ عن وقاية النفس، والمسبب عنه مدح الأنصار لقوله تعالى في حقهم: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ [الحشر:٩] بخلاف من يتصدق في صحته ويهدي قبل شبعه، فإن فيه إيثارًا مبنيًّا عن طهارة نفسه من شحها، وفيه مشقة عليها بعظيم ثوابه وحق مدحه (رَوَاهُ أَحْمَد وَالنِّسَائِي وَالدارَمِي وَالترْمِذِي وَصَحِحَهُ). ١٨٧٢ - [وَعَنْ أَبِي سَعِيْدٍ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِلَّهِ: خَصْلَتَانِ لَا يَجْتَمِعَانِ فِي (١) تقدم تخريجه. (٢) أخرجه أحمد (٢٢٣٥٠)، والنسائي (٣٦٢٩)، والترمذي (٢١٢٣) وقال: حسن صحيح. والداري (٣٢٨٩). ٣٣٠ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس مُؤْمِنٍ: الْبُخْلُ، وَسُوءُ الْخُلُقِ. رَوَاهُ التَرْمِذِي](١). (وَعَنْ أَبِي سَعِيْدٍ ﴿ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌ِ: خَصْلَتَانِ) مبتدأ سوغه ما يأتي والخبر (لَا يَجْتَمِعَانِ فِي مُؤْمِنٍ) كامل؛ لأن اجتماعهما يدل على غاية قبيحة من النقص، وإعراب هذا مبتدأ وصفته والخبر محذوف؛ أي: فيما أحدثكم به خصلتان ... إلخ كما في: ﴿سورة أَنزَلْنَاهَا﴾ [النور:١] أي: حتمًا أوحينا إليك فيه تكلف، والفرق بين هذا والآية واضح مما قررته؛ لأن ((أنزلناها)) لو كان هو الخبر وقع الابتداء بنكرة بلا مسوغ وهنا مسوغ، وهو إبدال المعرفة منه في قوله: (الْبُخْلُ، وَسُوءُ الْخُلُقِ). وقد تقرر شرعًا عظيم قبح كل من هذين وحينئذٍ فالقياس أن يقال: لا يوجد أحديهما في مؤمن، ومن ثم جاء في حديث النسائي: «لا يجتمع الشح والإيمان في قلب عبد أبدًا))(٢) فلم عدل عنه إلى لا يجتمعان، ويجاب بأنه لما كان المراد ما ينافي وصف كمال الإيمان من كل وجه ويؤتين معه من الفلاح قيد باجتماعهما، هو لبيان أن من اجتمعا فيه ما يؤتى من فلاحه ونجاحه لا غير، وحينئذ فلا يفهم من ذلك أن أحديهما لا ينافي ذلك، بل هو ينافيه لكن لا يحصل اليأس غالبًا إلا باجتماعهما، فإن قلت: البخل من جزئيات سوء الخلق فلم أفرده وعطف عليه، قلت: لنظير ما مر في الشح والظلم من أن البخل لما كان أقبح أنواع سوء الخلق وأفظعها صار كأنه أصل مستقل بنفسه، فعطفه عليه عطف المغاير ثم رأيت شارحًا قال: المراد من ذلك اجتماع الخصلتين فيه مع بلوغ النهاية فيهما بحيث لا ينفك عنهما ولا ينفكان عنه، فأما من فيه بعض هذا أو بعض ذاك أو ينفك عنه في بعض الأولى، فإنه بمعزل عن ذلك. انتهى. وبما قررته يعلم أنه لا يحتاج لكلامه هذا على أن فيه من مباينته للظاهر ما هو (١) أخرجه الطيالسي (٢٢٠٨)، وعبد بن حميد (٩٩٦)، والبخاري في ((الأدب المفرد)) (٢٨٢)، والترمذي (١٩٦٢) وقال: غريب. وأبو يعلى (١٣٢٨)، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (١٠٨٣٠)، والقضاعي (٣١٩)، والديلمي (٢٩٨٦). (٢) أخرجه النسائي (٣١١٠)، وابن حبان (٣٣٢٠)، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (٤٠٨٩). ٣٣١ كتاب الزكاة/ باب الإنفاق وكراهية الإمساك جلي، وكذلك قول غيره يمكن أن يحمل سوء الخلق على ما يخالف الإيمان، فإن الخلق الحسن هو ما به امتثال الأوامر واجتناب المناهي (رَوَاهُ الترْمِذِي). ١٨٧٣ - [وَعَنْ أَبِي بَكْرِ الصِّدِّيقِ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ خِبُّ وَلَا تَجِيلُ وَلَا مَنَّانَّ. رَوَاهُ الترْمِذِي](١). (وَعَنْ أَبِي بَكْرِ الصِّدِّيقِ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَ﴾: لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ) رجل (خِبُّ) بفتح أوله المعجم، وقد يكسر وهو الماكر المخادع الذي يسعى بين الناس بالفساد (وَلَا يَخِيلٌ) مر تفسيره (وَلَّا مَنَّانُ) بصدقته بأن يذكرها لمن لا يحب المتصدق عليه إطلاعه لها أو يعددها على المتصدق عليه إذلالاً وتحقيرًا له، وهذا المن حرام مبطل للأجر بنص ﴿لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأَذَى﴾ [البقرة: ٢٦٤]. ونفي دخول هؤلاء الجنة إما حقيقي بأن استحلوا هذه الكبار المجمع عليها المعلومة من الدين بالضرورة، أو محمول على أنهم لا يدخلونها أن يأتوا بها من غير توبة صحيحة من غير عذاب بعده إلا أن يعفو الله عنهم بعفو المظلومين، أو بتعويض الله لهم ما يزيد على حقوقهم، وتمسك أكثر المبتدعة بمثل هذه الظواهر، في أن ذا الكبيرة لا يدخل الجنة أصلاً وهو تحجير واسع لمجرد النهي، والمخالف للنصوص الصريحة في أن عصاة المؤمنين يدخلونها بعد عذاب بعضهم، ولا أحسن ما حكي عن بعض العلماء أنه صلى على معتزلي فقال: اللَّهُمَّ أذقه عذاب القبر فإنه كان لا يؤمن بالله (رَوَاهُ الترمِذِي). ١٨٧٤ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَة ◌ِ قَالَ: قَالَ رََّ: شَرُ مَا فِي الرَّجُلِ شُحُّ هَالِعُ وَجُبْنُ خَالِعُ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدٍ، وَسَنَذْكُرُ حَدِيْث أَبِي هُرَيْرَةٍ: ((لا يَجْتَمِعُ الشخُّ وَالإِيْمَانُ)) فِي كِتَابٍ (الجِهَاد)) إِنْ شَاءَ الله تَعَالَى](٤). (١) أخرجه الترمذي (٢٠٩٠)، وأحمد (١٣)، وأبو يعلى (٩٣). (٢) أخرجه البخاري في ((التاريخ الكبير)) (٨/٦)، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (١٠٨٣١)، وابن أبي شيبة (٢٦٦٠٩)، وعبد بن حميد (١٤٢٨)، وأبو داود (٢٥١١)، وابن حبان (٣٢٥٠). ٣٣٢ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَة ◌َ قَالَ: قَالَ رَّ: شَرُّ مَا فِي الرَّجُلِ) من الأوصاف القبيحة (شُحُّ) وهو أبلغ من البخل؛ لأن البخل منع ما وجب بذله من المال، والشح منع كل واجب من المال والفعل والقول (هَالِعٌ) أي: ذو هلع كيوم عاصف أو الإسناد إليه مجازي؛ إذ الهلع وصف حقيقة للشحيح لا للشح أو من باب الاستعارة المكنية، شبه الشح بإنسان ثم أضيف إليه ما هو من لوازم المشبه به من هلع بالكسر؛ أي: جزع في شحه أشد الجزع على استخراج الحق منه، فهو مذموم لأمرين قبيحين جدًّا شحه بالواجب عليه، وشدة جزعه على أخذ الحق منه. وفسَّر الهلوع في الآية بأنه الذي: ﴿إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا * وَإِذَا مَسَّهُ الخَيْرُ مَنُوعًا﴾ [المعارج: ٢٠ - ٢١] وهو قريب مما ذكر في تفسير الهلع (وَجُبْنُ خَالِعٌ) أي: شديد كأنه يخلع فؤاده من شدته، فالمجاز ليس في الإسناد؛ لأنه حقيقة، بل في لفظ خالع حيث استعمله في غير ما وضع له؛ إذ هو حقيقة في النزع وأريد به هنا الشدة، وذکر الرجل إما لإخراج المرأة فإنها قد تحمد على نوع من الشح والجبن، وإما؛ لأن هذي فيه أقبح منهما فيها (رَوَاهُ أَبُو دَاوُد). (وَسَنَذْكُرُ حَدِيْثٍ أَبِي هُرَيْرَة: ((لا يَجْتَمِعُ الشِحُّ وَالإِيْمَانُ) فِي كِتَابِ ((الجِهَاد)) إِنْ شَاءَ الله تَعَالَى). (الفصل الثالث) ١٨٧٥ - [عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - أَنَّ بَعْضَ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ◌َهِ قُلْنَ لِلنَّبِيِّ: أَيُّنَا أَسْرَعُ بِكَ لُخُوفًا قَالَ: أَطْوَلُكُنَّ يَدًا فَأَخَذُوا قَصَبَةً يَذْرَعُونَهَا وَكَانَتْ سَوْدَةٌ أَظْوَلَهُنَّ يَدًّا فَعَلِمْنَا بَعْدُ أَنَّمَا كَانَتْ طُولَ يَدِهَا الصَّدَقَةُ، وَكَانَتْ أَسْرَعَنَا لُوقًا بِهِ وَكَانَتْ تُحِبُّ الصَّدَقَةَ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ، وَفِي رِوَايَةٍ مُسْلِمٍ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ الله ◌َّةِ: أَسْرَعُكُنَّ لَاقًا بِي أَطْوَلُكُنَّ يَدًّا قَالَتْ: فَكُنَّ يَتَطَاوَلْنَ أَيَّتُهُنَّ أَطْوَلُ يَدَّا قَالَتْ: وَكَانَتْ أَطْوَلْنَا يَدًا ٣٣٣ كتاب الزكاة/ باب الإنفاق وكراهية الإمساك زَيْنَبُ؛ لِأَنَّهَا كَانَتْ تَعْمَلُ بِيَدِهَا وَتَصَدَّقُ](١). (عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - أَنَّ بَعْضَ أَزْوَاجِ التَّبِيِّ ◌َ ﴿ قُلْنَ لِلنَِّّ ◌َ: أَيُّنَا أَسْرَعُ بِكَ لُوقًا) في الوفاة بعدك، ومنه قوله وَلّ لفاطمة: ((إنك أول أهلي لحوقًا بي)(٢) فضحكت. (قَالَ: أَظْوَلُكُنَّ يَدًّا، فَأَخَذُوا) القياس فأخذن فعدل عنه قيل: تعظيمًا لشأنهن كما في ﴿ وَكَانَتْ مِنَ القَانِتِينَ﴾ [التحريم: ١٢]. انتهى. وفيه نظر؛ لأن مع ذاك التغليب للأشرف ولا تغليب هنا؛ لأن الكل نسوة اللَّهُمَّ إلا أن يقال: إذا سوغ التغليب اندراجهن في عداد الرجال ثلاث؛ فلأن يسوغ رعاية التعظيم استعمال ضمير الرجال فيهن حيث لا إيهام كما هنا بطريق الأولى أو المساواة (قَصَبَةً يَذْرَعُونَهَا) ويقيسون بها أيديهم لفهمهم أن المراد طول اليد الحسنى (وَكَانَتْ سَوْدَةُ أَطْوَلَهُنَّ يَدًا) حسًّا (فَعَلِمْنَا بَعْدُ أَنَّمَا كَانَتْ طُولَ يَدِهَا الصَّدَقَةُ) أي: بعد أن تأملنا وفطنا إلى أنه سي﴾ لا يريد الجارحة ولا الطول الحسي، وإنما اللائق به أن يريد العطاء وكثرته، أو بعد أن ماتت بعده زينب قبل بقية نسائه أنها هي المرادة، وأن المراد العطاء وكثرته؛ لكونها كانت أكثرهم صدقة. ويدل على هذا قول عائشة: (وَكَانَتْ) زينب كما ستصرح به الرواية الآتية (أَسْرَعَنَا لُوقًا بِهِ وَكَانَتْ تُحِبُّ الصَّدَقَةَ) وعلى كل فاليد مستعارة للصدقة، ورشح للاستعارة بما هو من لوازم المستعار منه وهو الطول (رَوَاهُ البُخَارِي). (وَفِي رِوَايَةٍ مُسْلِمٍ قَالَتْ) عائشة (قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلَ: أَسْرَعُكُنَّ لَحَاقًّا بِي أَطْوَلُكُنَّ يَدًا قَالَتْ: فَكُنَّ) أي: جماعة أمهات المؤمنين (يَتَطَاوَلْنَ) أي: يتقايسن طول أيديهن ناظرات أو لينظرن (أَيَّتُهُنَّ أَْوَلُ يَدًا قَالَتْ: وَكَانَتْ أَْوَلَنَا) أي: أكثرنا (١) أخرجه البخاري (١٣٥٤)، ومسلم (٢٤٥٢)، والنسائي (٢٥٤١)، وابن حبان (٦٦٦٥)، والحاكم (٦٧٧٦) وقال: صحيح على شرط مسلم. (٢) أخرجه مسلم (٦٤٦٨)، وأحمد (٢٧١٧٠)، وابن ماجه (١٦٨٩). ٣٣٤ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس عطاء وصدقة (يَدًا زَيْنَبُ) بنت جحش المرادة من قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًّا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ [الأحزاب: ٣٧] وهذا عكس التركيب المار في سودة أشارت به عائشة لمزيد فقهها وفصاحتها إلى أن الطول الحسي في سودة لما لم يكن المراد كان أحق بالتأخير، وأن يكون خبرًا تابعًا لا مبتدأ مقصودًا، وإلى أن الطول المعنوي في زینب لما كان هو المقصود استحق أن يقدم ويجعل المبتدأ المتبوع لا الخبر التابع. واعلم أن زينب لما كانت وفاتها سنة عشرين. وقيل: إحدى وعشرين، وسودة سنة أربع وخمسين، وعائشة سنة سبع أو ثماني وخمسين، ثم بينت عائشة مزيد فضل زينب لكون صدقتها لم تكن عن وجود شيء عندها يتصدق منه، وإن كانت مما يجهد عليه وتحصله فقالت: (لِأَنَّهَا كَانَتْ تَعْمَلُ) أي: تدبغ الجلود (بِيَدِهَا) ثم تبيعها (وَتَصَدَّقُ) بثمنها، وهذا مما ينبهك على عظيم فضلها؛ لأنها بذلت نفسها لله ولم تنظر لمشقة تلك الصنعة ولا إلى خستها في نفسها، ورفعة زینب في نسبها وقومها وما اختصها الله به من محبة نبیه. ومن ثم قالت عائشة: أنه كان لا يساويها غيرها من أمهات المؤمنين، ومن كون الله زوجها لنبيه من غير ولي ولا شهود، ومن ثم كانت تفخر بذلك على بقية أمهات المؤمنين، وتقول: «كلكن زوجكن منه أولياءكن، وأما أنا فزوجني منه ربي، وقد يؤخذ من ذلك أنها أفضلهن بعد خديجة وعائشة، لكن يتردد النظر بينها وبين حفصة بنت عمر - رضي الله عنها - إنه ورد في فضلها أنه وس* لما طلقها أنزل الله عليه جبريل يأمره بمراجعتها ويخبره بأنها صوامة قوامة وأنها زوجته في الجنة. ١٨٧٦ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَة ﴾ أن رَسُولَ اللهِهِ قَالَ: قَالَ رَجُلُ: لَأَتَصَدَّقَنَّ بِصَدَقَةٍ فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ فَوَضَعَهَا فِي يَدِ سَارِقٍ فَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ: تُصُدِّقَ اللَّيْلَةَ عَلَى سَارِقٍ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ عَلَى سَارِقٍ، لأَنَصَدَّقَنَّ بِصَدَقَةٍ فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ فَوَضَعَها في يَدِ زَانِيَةٍ، فَأَصْبَحَوا يَتَحَدَّثُونَ تُصُدِّقَ الَّيْلَةَ عَلَى زَانِيَةٍ فَقَالَ: اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ عَلَى ٣٣٥ كتاب الزكاة/ باب الإنفاق وكراهية الإمساك زَانِيَةٍ، لأَنَصَدَّقَنَّ بِصَدَقَةٍ فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ فَوَضَعَهَا فِي يَدِ غَنِيٌّ، فَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ تُصُدِّقَ اللَّيْلَةَ عَلَى غَنِيٌّ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ عَلَى سَارِقٍ وزَانِيَةٍ وَغَنِيٍّ، فَأُنِيَ فَقِيلَ لَهُ: أَمَّا صَدَقَتُكَ عَلَى سَارِقٍ فَلَعَلَّهِ أَنْ يَسْتَعِفَّ عَنْ سَرِقَتِهِ، وَأَمَّا الزَّانِيَةُ فَلَعَلَّهَا أَنْ تَسْتَعِفَّ عَنْ زِنَاهَا، وأما الْغَنِيُّ فلعله يَعْتَبِرُ فَيُنْفِقَ مِمَّا أَعْطَاهُ اللهُ تَعَالَى. مُتَفَقَّ عَلَيْهِ وَلَفْظُهُ لِلْبُخَارِي](١). (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَة ◌َ﴾، أن رَسُولَ اللّهِ وَِهِ قَالَ: قَالَ رَجُلُ) أي: لنفسه كما هو قضية السياق ليوطنها على أن هذا أمر لا بد منه حتى لا تمانعه بمكائدها ووساوسها أو لبعض أصدقائه ليتأسى به أو لتعينه بدعائه إن الله ييسر له ذلك (لأَتَصَدَّقَنَّ) الليلة (بِصَدَقَةٍ) أي: عظيمة كما يقتضيه السياق. (فَخَرَجَ) من بيته (بِصَدَقَتِهِ) ليعطيها لمستحقها (فَوَضَعَهَا في يَدِ) من ظنه مستحقًّا، فإذا هو قد وضعها في يد (سَارِقٍ) فأذاع السارق للناس أنه الليلة تصدق علي بصدقة (فَأَصْبَحُوا) أي: دخلوا في الصباح فهي تامة لا تحتاج لخبر حال كونهم (يَتَحَدَّثُونَ) قائلين (تُصُدِّقَ اللَّيْلَةَ عَلَى سَارِقٍ) تعجبًا من المتصدق، أو إنكارًا عليه كيف قصد بصدقته سارقًا وهو ليس من أهلها (فَقَالَ) المتصدق (اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ) أي: الثناء الحسن الجميل الدائم على كل حال. (عَلَى) إن قدرت على أن تصدقت على (سَارِقٍ) لا على أشر منه، أو على أن يسرت لي الصدقة، وإن وقعت في يد سارق أو على أن يسرتها لي على خصوص السارق، فإنك قد يكون لك في ذلك حكمة بالغة، وقيل: إن هذا غير مراد به الحمد، بل التعجب من فعل نفسه؛ إذ لم يصادف إلا سارقًا وهو بعيد ورؤيته القائل له، أما صدقتك على سارق إلخ لا يشهد للتعجب، بل هو مجازاة الحمد لله على هذا الحال الذي لا غرض للنفس فيه بإبداء غرض عظيم في الصدقة على خصوص السارق (لأَتَصَدَّقَنَّ بِصَدَقَةٍ) غيرها لعلها تقع في يد مستحق لها. (١) أخرجه البخاري (١٣٥٥)، ومسلم (١٠٢٢)، وأحمد (٨٢٦٥)، والنسائي (٢٥٢٣). ٣٣٦ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس (فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ فَوَضَعَها فِي يَدِ زَانِيَةٍ، فَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ تُصُدِّقَ الَّيْلَةَ عَلَى زَانِيَةٍ فَقَالَ: اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ عَلَى زَانِيَةٍ، لَأَتَصَدَّقَنَّ بِصَدَقَةٍ فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ فَوَضَعَهَا في يَدِ غَنِيٌّ، فَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ تُصُدِّقَ الَّيْلَةَ عَلَى غَنِيٍّ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ عَلَى سَارِقٍ وزَانِيَةٍ) كرر الحمد عليهما لمزيد التفويض والخضوع لقضاء الحق تعالى (وَغَنِيّ) في هذين جميع ما تقرر في الذي قبلهما (فَأَتِيَ) أي: فبسبب خضوعه ورضاه بالقضاء، ومزيد حمد الله وشكره عليه جازاه تعالى بأن أرسل له ملك الرؤيا يبشره ويبين له حسن صنيعه، وأن ما قصده من الخير والصدقة بثوابهما حاصل له زیادة. (فَقِيلِ لَهُ: أَمَّا صَدَقَتُكَ عَلَى سَارِقٍ) ففيها ثواب أي ثواب (فَلَعَلَّه) إذ حصلت له تلك الصدقة (أن يَسْتَعِفَّ) بسببها (عَنْ سَرِقَتِهِ، وَأَمَّا الزَّانِيَةُ فَلَعَلَّهَا) إذ حصلت لها (أَنْ تَسْتَعِفَّ عَنْ زِنَاهَا) إذ كثيرًا ما يفعل للحاجة إلى ما يحصل بسببه (وأما الْغَنِيَّ فلعله) إذا رأى غيره يتحرى الصدقة في السر ويحافظ عليها يتأسى به و(يَعْتَبِرُ) أي: يقيس نفسه بالمتصدقين ويقهرها حتى يدخل في عدادهم ويخرج عما هو عليه من البخل والإمساك (فَيُنْفِقَ مِمَّا أَعْطَاهُ اللَّهُ تَعَالَى. مُتَفَقُّ عَلَيْهِ وَلَفْظُهُ لِلْبُخَارِي) وأصل الاعتبار التوصل بمعلوم إلى مجهول. ١٨٧٧ [وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ وَ قَالَ: بَيْنَا بِفَلَاةٍ مِن الْأَرْضِ، فَسَمِعَ صَوْتًا فِي سَحَابَةٍ: اسْقِ حَدِيقَةً فُلانٍ، فَتَنَخَّى ذَلِكَ السَّحَابُ فَأَفْرَغَ مَاءَهُ فِي حَرَّةٍ، فَإِذَا شَرْجَةٌ مِنْ تِلْكَ الشِّرَاجِ قَدِ اسْتَوْعَبَتْ ذَلِكَ الْمَاءَ كُلَّهُ فَتَتَبَّعَ الْمَاءَ، فَإِذَا رَجُلُ قَائِمٌ فِي حَدِيقَتِهِ يُحَوِّلُ الْمَاءَ بِمِسْحَاتِهِ فَقَالَ لَهُ: يَا عَبْدَ اللهِ، مَا اسْمُكَ؟ قَالَ: فُلَانُّ - لِلاسْمِ الَّذِي سَمِعَ فِي السَّحَابَةِ - فَقَالَ لَهُ: يَا عَبْدَ اللهِ، لِمَ سْأَلْتَنِي عَنِ اسْمِي قَالَ: إِي سَمِعْتُ صَوْتًا فِي السَّحَابِ الَّذِي هَذَا مَاؤُهُ يَقُولُ: اسْقِ حَدِيقَةَ فُلَانٍ لِاسْمِكَ فَمَا تَصْنَعُ فِيهَا، فَقَالَ: أَمَّا إِذْا قُلْتَ هَذَا فَإِنِّي أَنْظُرُ إِلَى مَا يَخْرُجُ مِنْهَا فَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثِهِ وَآكُلُ أَنَا وَعِيَالِي ثُلُثًا وَأَرُدُّ ٣٣٧ كتاب الزكاة/ باب الإنفاق وكراهية الإمساك فِيهَا ثُلُثَهُ رَوَاهُ مُسْلِم] (١). (وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ وَّهِ قَالَ: بَيْنَا) أصله بين فأشبعت الفتحة ألفًا (بِفَلَاةٍ مِن الْأَرْضِ، فَسَمِعَ صَوْتًا فِي سَحَابَةٍ: اسْقٍ) لا مانع من خطاب الملك للسحاب لإمكان أن الله تعالى يجعل له فهمًا وسمعًا (حَدِيقَةً) هي بستان يدور علیه حائط (فُلَانٍ) كناية منه 80* عن اسم صاحب الحديقة؛ إذ المسموع لفظ الاسم كما يأتي لا لفظ فلان (فَتَنَتَّى ذَلِكَ السَّحَابُ فَأَفْرَغَ مَاءَهُ فِي حَرَّةٍ) أي: أرض ذات حجارة سود (فَإِذَا شَرْجَةٌ) بإسكان الراء؛ أي: قناة يصل الماء فيها إلى الأراضي المحتاجة إليه. (مِنْ تِلْكَ الشِّرَاجِ) أي: القنوات المحتفة بتلك الحرة (قَدِ اسْتَوْعَبَتْ ذَلِكَ الْمَاءَ كُلَّهُ) لجريانه فيها وحدها دون تلك الشراح (فَتَتَبَّعَ الْمَاءَ، فَإِذَا رَجُلُ قَائِمٌ فِي حَدِيقَتِهِ يُحَوِّلُ الْمَاءَ) من بعض أجزائها إلى بعض (بِمِسْحَاتِهِ) هي المجرفة من الحديد (فَقَالَ لَهُ: يَا عَبْدَ اللهِ، مَا اسْمُكَ؟ قَالَ: فُلَانُ - لِلاسْمِ الَّذِي سَمِعَ فِي السَّحَابَةِ فَقَالَ لَهُ: يَا عَبْدَ اللهِ، لِمَ سْأَلْتِنِي عَنِ اسْمِي، قَالَ: إِنَّي سَمِعْتُ صَوْتًا فِي السَّحَابِ الَّذِي هَذَا مَاؤُهُ يَقُولُ) ذلك الصوت؛ أي: صاحبة للسحاب. (اسْقِ حَدِيقَةَ فُلانٍ) فيه الكناية السابقة أيضًا لكن من السامع بدليل قوله: (لاسْمِكَ) والتقدير: قال الملك للسحاب: أبنو حديقة زيد مثلاً، وقلت: أنا فلان كناية عن اسمك الذي سمعته وهو زيد (فَمَا تَصْنَعُ فِيهَا) الموجب لكرامتك بذلك (فَقَالَ: أَمَّا إِذْا قُلْتَ هَذَا فَإِنَّ أَنْظُرُ إِلَى مَا يَخْرُجُ مِنْهَا) أي: من زرع الحديقة وثمرها (فَأَتَصَدَّقُ بِئُلُثِهِ وَآكُلُّ أَنَا وَعِيَالِي ثُلُثًا وَأَرُدُّ فِيهَا) أي: أصرف في مصالحها (قُلْتَهُ) بأن أخذ من هذا الثلث ما يحتاجه للنذر، وما فضل منه أصرفه في عمارة وإصلاح ما يحتاج لذلك منها (رَوَاهُ مُسْلِم). وفيه فضل عظيم للصدقة واعتناء أي اعتناء من الله تعالى للمتصدق بإذنه (١) أخرجه مسلم (٢٩٨٤)، وأحمد (٧٩٢٨)، والطيالسي (٢٥٨٧)، وابن حبان (٣٣٥٥)، والبيهقي (٧٣٠٣)، وفي (شعب الإيمان)) (٣٤٠٧). ٣٣٨ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس للملك أن يخصه من بين نظرائه بمثل هذه الكرامة البديعة. ١٨٧٨ [وَعَنْهُ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ◌َهُ يَقُولُ: ((إِنَّ ثَلَاثَةً في بَنِي إِسْرَائِيلَ: أَبْرَصَ وَأَفْرَعَ وَأَعْمَى، فَأَرَادَ اللهُ أَنْ يَبْتَلِيَهُمْ، فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ مَلَكَّا فَأَنَى الأَبْرَصَ فَقَالَ: أَُّّ شَيْءٍ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: لَوْنْ حَسَنْ وَجِلْهُ حَسَنَّ وَيَذْهَبُ عَنِّي الَّذِي قَدْ قَذِرَنِي النَّاسُ، فَمَسَحَهُ فَذَهَبَ عَنْهُ قَذَرُهُ وَأُعْطِيَ لَوْنًّا حَسَنًا فَقَالَ: فَأَيُّ الْمَالِ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: الإِبِلُ - أَوْ قَالَ: الْبَقَرُ شَكَّ إِسْحَاقُ، أَنَّ الأَبْرَصَ أَوِ الأَفْرَعَ قَالَ أَحَدُهُمَا: الإِبِلُ وَقَالَ الآخَرُ: الْبَقَرُ - قَالَ فَأُعْطِيَ نَاقَةً عُشَرَاءَ فَقَالَ: بَارَكَ اللَّهُ لَكَ فِيهَا، قَالَ: فَأَّتِى الأَفْرَعَ فَقَالَ: أَيُّ شَيْءٍ أَحَبُّ إِلَيْكَ قَالَ: شَعَرْ حَسَنَّ وَيَذْهَبُ عَنِّي هَذَا الَّذِي قَذِرَنِي النَّاسُ، قَالَ: فَمَسَحَهُ فَذَهَبَ عَنْهُ وَأُعْطِيَ شَعَرًّا حَسَنًّا، قَالَ: فَأَيُّ الْمَالِ أَحَبُّ إِلَيْكَ قَالَ: الْبَقَرُ، فَأُعْطِيّ بَقَرَةً حَامِلاً قَالَ: بَارَكَ اللَّهُ لَكَ فِيهَا، قَالَ: فَتَى الأَعْمَى فَقَالَ: أَيُّ شَيْءٍ أَحَبُّ إِلَيْكَ، قَالَ: أَنْ يَرُدَّ اللَّهُ إِلَّ بَصَرِي فَأَبْصِرَ بِهِ النَّاسَ، قَالَ: فَمَسَحَهُ فَرَدَّ اللَّهُ إِلَيْهِ بَصَرَهُ، قَالَ: فَأَيُّ الْمَالِ أَحَبُّ إِلَيْكَ، قَالَ: الْغَنَمُ، فَأُعْطِيَ شَاةً وَالِدَا فَأَنْتِجَ هَذَانٍ وَوَلَّدَ هَذَا، فَكَانَ لِهَذَا وَادٍ مِنَ الإِبِلِ، وَلَهَذَا وَادٍ مِنَ الْبَقَرِ، وَلِهَذَا وَادٍ مِنَ الْغَنَمِ، قَالَ: ثُمَّ إِنَّهُ أَنَى الأَبْرَصَ فِي صُورَتِهِ وَهَيْئَتِهِ فَقَالَ: رَجُلُّ مِسْكِينُ قَدِ انْقَطَعَتْ بِيَ الْحِبَالُ فِي سَفَرِي فَلَا بَلَاغَ لِيَ الْيَوْمَ إِلَّا بِالله ثُمَّ بِكَ، أَسْأَلُكَ بِالَّذِي أَعْطَاكَ اللَّوْنَ الْحَسَنَ وَالْجِلْدَ الْحَسَنَ وَالْمَالَ بَعِيرًا أَتَبَلَّغُ بهِ فِي سَفَرِي، فَقَالَ: الْحُقُوقُ كَثِيرَةٌ، فَقَالَ لَهُ: كَأَنِّي أَعْرِفُكَ، أَلَمْ تَكُنْ أَبْرَصَ يَقْذَرُكَ النَّاسُ، فَقِيرًا فَأَعْطَاكَ اللهِ؟ فَقَالَ: إِنَّمَا وَرِثْتُ هَذَا الْمَالَ كَابِرًّا عَنْ كَابِرٍ، فَقَالَ: إِنْ كُنْتَ كَاذِبًا فَصَيَّرَكَ اللَّهُ إِلَى مَا كُنْتَ، قَالَ: وَأَنَى الأَقْرَعَ فِي صُورَتِهِ فَقَالَ لَهُ مِثْلَ مَا قَالَ لِهَذَا وَرَدَّ عَلَيْهِ مِثْلَ مَا رَدَّ عَلَى هَذَا، فَقَالَ: إِنْ كُنْتَ كَاذِبًا فَصَيَّرَكَ اللَّهُ إِلَى مَا كُنْتَ، قَالَ: وَأَتَى الأَعْمَى فِي صُورَتِهِ وَهَيْئَتِهِ فَقَالَ: رَجُلُّ مِسْكِينَّ وَابْنُ سَبِيلِ انْقَطَعَتْ بِيَ الْحِبَالُ فِي سَفَرِي فَلَا بَلَاغَ لِيَ الْيَوْمَ إِلَّا بِاللّهِ ثُمَّ بِكَ، أَسْأَلُكَ بِلَّذِي رَدَّ عَلَيْكَ بَصَرَكَ شَاةً أَتَبَلَّغُ بِهَا فِي سَفَرِي، فَقَالَ: قَدْ كُنْتُ أَعْمَى فَرَدَّ اللَّهُ إِلَّ بَصَرِي فَخُذْ مَا شِئْتَ وَدَعْ مَا شِئْتَ، فَوَالله لَا أَجْهَدُكَ الْيَوْمَ بِشَيْءٍ أَخَذْتَهُ، فَقَالَ له: أَمْسِكْ مَالَكَ فَإِنَّمَا ابْتُلِيتُمْ. مُتَفَقُّ ٣٣٩ كتاب الزكاة/ باب الإنفاق وكراهية الإمساك عَلَيْهِ](١). (وَعَنْهُ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ◌َ﴿ يَقُولُ: ((إِنَّ ثَلَاثَةً فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ: أَبْرَصَ وَأَفْرَعَ وَأَعْمَى) بالنصب بدل من ثلاثة وخبر إن محذوف؛ أي: أقص عليكم شأنهم، فالفاء للتعقيب المفسر للمجمل، ولو روى أبرص وما بعده بالرفع لكان هو الخبر، ويصح عند من يجوز دخول الفاء في خبر ((إن)) أن يكون الخبر (فَأَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَبْتَلِيَهُمْ فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ مَلَكًا) في صورة رجل مسكين كما يدل عليه قوله الآتي في صورته وهيئته (فَأَقَى الأَبْرَصَ) ابتدائية ثم بالأقرع اهتمامًا بالتسجيل عليهما وتعجيلاً للانتقام منهما. وقدم الأبرص؛ لأن داءه أقبح وأشنع ولومه أعظم وأمنع (فَقَالَ: أَيُّ شَيءٍ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: لَوْنُ حَسنُ، وَجِلدُ حَسَنُ) لم يقتصر على طلب اللون الحسن؛ لأن جلد الأبرص يحصل له من التقلص والتشنج والخشونة ما يزيد به قبح صاحبه وعاره، فلم يكف طلب حسن اللون عن طلب حسن الجلد (وَيَذْهبُ) عطف على ما قبله بتقدير إن (عَنِّيّ الَّذِي قَدْ قَذِرَفِي النَّاسُ) أي: تباعدوا عني وكرهوني لأجله وهو البرص. وهذا إما إطناب: لأن قدر الأبرص یغیر لونه وجلده. وإما عطف أعم: لأن البرص یحصل منه ريح قبيح أيضًا يوجب بقاؤه واستقدار الناس لصاحبه، وإن فرض أنه عاد له لونه وجلده كما كانا، وعليه تأخر هنا؛ لأنه في مقام السؤال مقصود بطريق التبع؛ ولهذا لم يذكره له الملك في قوله: أسألك بالذي أعطاك اللون الحسن والجلد الحسن، وقدم فيما يأتي؛ لأنه مقام بشارة . والأولى فيه أن يفاجأ السمع بإزالة الكل بطريق العموم، ثم يخص ما هو الأهم فينص عليه. (فَمَسَحَهُ فَذَهَبَ عَنْهُ قَذَّرُهُ وَأَعْطِيَ لَونَّا حَسنًّا، فَقَالَ: فَأَيُّ المَالِ أَحَبُّ إِليكَ؟) أيهم له أولاً بقوله: أي شيء؟ فاختار ذهب برصه ولم يخبر حصول مال له مع بقاء (١) أخرجه البخاري (٣٢٧٧)، ومسلم (٢٩٦٤). ٣٤٠ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس برصه؛ لأن كثيرًا من الناس أو أكثرهم يودون السلامة من نحو هذا الداء، وإن نفذ ما عندهم فضلاً عن أن يفوتهم ما هو مرجو الحصول، وعين ثانيًا بقوله: ((من المال)) لعلمه بأن النفوس لا تعدل فقد حصول الشفاء من الأمراض بالمال شيئًا (قَالَ: الإِبِلُ - أَوْ قَالَ: الْبَقَّرُ شَكَّ إِسْحَاقُ) بن عبد الله أحد رواته هي؛ أي: اللفظين صدر منه لكن الراجح لكونه اقتصر على الإبل الاقتصار عليها في قوله الآتي: ((فأعطي ناقة)). وقد يقال: لا ترجيح فيه؛ لأن هذا مبني على أحد الاحتمالين، ويرد بأنه لو كان كذلك لم يقل عشرًا، فحيث أتى به كان مرجحًا كما هو مروي، لكن لم يشك إسحاق في (أَنَّ الأَبْرَصَ أَوِ الأَفْرَعَ قَالَ أَحَدُهُمَا: الإِبِلُ وَقَالَ الآخَرُ البَقَرُ) نعم فيه شك من جهة أخرى، وهو أن ظاهر هذا أنه لم يدر من القائل منهما الإبل على التعيين ولا البقر على التعيين، هو شاك في كل واحد منهما هل قال الإبل أو البقر؟ وحينئذٍ يشكل أما الاستثناء؛ لأنه بأن بما قررته أن كلاً من هذين مشكوك فيه هل قال الإبل أو قال البقر. (قال: فَأُعطِيَ) الأبرص (نَاقَةً عُشَرَاءَ) بضم ففتح، والأصل فيها أنها التي مضى على حملها عشرة أشهر ثم اتسع فيها فأطلقت على كل حامل (فَقَالَ: بَارِكَ الله لَكَ فِيهَا، قَالَ: فَأَتِى الأَفْرَعَ فَقَالَ: أَيُّ شَيْءٍ أَحَبُّ إِلَيْكَ قَالَ: شَعَرْ حَسَنْ وَيَذْهَبُ عَنَّ هَذَا الَّذِي قَذِرَفِي النَّاسُ، قَالَ: فَمَسَحَهُ فَذَهَبَ عَنْهُ وَأُعْطِيَ شَعَرًا حَسَنًّا، قَالَ: فَأَيُّ الْمَالِ أَحَبُّ إِلَيْكَ قَالَ: الْبَقَرُ، فَأُعْطِيّ بَقَرَةً حَامِلاً قَالَ: بَارَكَ اللَّهُ لَكَ فِيهَا، قَالَ: فَأَنَى الأَعْمَى فَقَالَ: أَيُّ شَيْءٍ أَحَبُّ إِلَيْكَ، قَالَ: أَنْ يَرُدَّ اللَّهُ إِلَّ بَصَرِي فَأُبْصِرَ بِهِ النَّاسَ، قَالَ: فَمَسَحَهُ فَرَدَّ اللَّهُ إِلَيْهِ بَصَرَهُ، قَالَ: فَأَّ الْمَالِ أَحَبُّ إِلَيْكَ، قَالَ: الْغَنَمُ، فَأَعْطِيَ شَاةً وَالِدًا) أي: عرف منها كثرة الولادة (فَأَنْتِجَ هَذَانٍ) أي: الأبرص والأقرع؛ أي: استولدا الناقة والبقرة (وَوَلََّ) بتشديد اللام (هَذَا) أي: الأعمى الشاة واستعمال أنتج قليل؛ لأنه لم يسمع من هذه المادة الأنتج مبني للمفعول، والنتاج الولد، والنتج والإنتاج الولادة. (فَكَانَ لِهَذَا) أي: الأبرص كما بقضية ترتيب البشر الذي هو الأصل (وَادٍ مِنَ