النص المفهرس

صفحات 301-320

٣٠١
كتاب الزكاة/ باب من تحل له المسألة ومن لا تحل له
عليه السياق، ويصح بعد وفاتك وأنا حي، لكن يبعده أن سبب قوله {وَلّ له ذلك
تكريره لسؤاله عما دل عليه قوله: ((ثم سألته فأعطاني)».
(شَيْئًا) أي: لا أسأله؛ إذ الزرء النقص والسؤال المتسبب عنه الإعطاء مستلزم
للنقص، فعبر باللازم وهو النقص عن الملزوم وهو السؤال، وأبقى بعضهم الزرء على
حقيقته بنوع تكلف، فقال: المعنى لا أنقص بعدك قال أحد بالسؤال عنه والأخذ منه
(حتى أُفَارِقَ الدُّنَيَا مُتَّفَقْ عَلَيهِ).
ووجه إيثار حكيم التعبير بالزرء الذي هو النقص أنه لما سمع أن اليد العليا؛
أي: المتعففة؛ أي: التي بعض ما فيها من المال خير بسبب تجريدها من اليد الآخذة،
بسبب ما سلب عنها من صفة التجريد قال: فقسما بالله لا أنقص مال أحد حتى
يسلب عني صفة التجريد، أو سمع أن اليد المتعففة عن السؤال بسبب استغنائها
عزيزة عند الناس قال: ﴿يَحْسَبُهُمُ الجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ﴾ [البقرة: ٢٧٣] وأن
اليد السائلة بخلافها دليله قال: لا أنقص من مال أحد حتى فصَّل لي صفة الذل
والهوان.
١٨٤٣ - [وَعَن ابن عُمَرَ - رَضي الله عَنهُمَا - أَنَّ رَسُولَ الله ◌َّهِ قَالَ وَهُوَ عَلَى
المِنْبَرِ وَهُوَ يَذْكُرُ الصَّدَقَةَ، وَالتَّعَفُّفَ عَنِ الْمَسْأَلَةِ: الْيَّدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِن الْيَدِ السُّفْلَى،
وَالْيَدُ الْعُلْيَا الْمُنْفِقَةُ وَالسُّفْلَى السَّائِلَةُ (١). مُتَّفَقَ عَلَيهِ].
(وَعَنَ ابَنْ عُمَرَ - رَضي الله عَنْهُمَا - أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَيَ قَالَ وَهُوَ عَلَى الْمِنبَرِ
وَهُوَ) أي: والحال أنه (يَذْكُرُ الصَّدَقَةَ) أي: فَضَلها أو حكم أخذها وسؤالها (وَالتَّعَفُّفَ
عَنِ الْمَسْأَلَةِ) أي: فضله (الْيَدُ الْعُلْيَا) من علو الفضل والكرم أو الثواب (خَيْرُ مِن
الْيَدِ السُّفْلَ، وَالْيَدُ الْعُلْيَا الْمُنْفِقَةُ وَالسُّفْلَىِ السَّائِلَةُ مُتَّفَقَ عَلَيهِ).
وروى أبو داود هذا التفسير عن أكثر الرواة، ووجه خيرية المعطية على الآخذة
ظاهر؛ إذ الآخذ من الصدقة يدل غالبًا على سفال الذل واستكانة الترفق وعدم الحمية،
(١) أخرجه البخاري (١٣٦١)، وأحمد (١٥٦١٦)، والطبراني (٣٠٩٢).

٣٠٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس
ومن ثم حرم عليه ل﴾ أخذ صدقة الفرض والنفل.
وأما قول الخطابي الأرجح ما في أبي داود عن ابن عمر أن العليا هي المتعففة
والسفلى هي السائلة؛ لأن السياق في ذكر المسألة والتعفف عنها فمردود، بل الراجح
الذي عليه الجمهور هو الرواية الأولى كما قاله النووي، وتعليل الخطابي ما ذكر لا ينتج
مدعاة؛ لأن الرواية الأولى تناسب السياق أيضًا؛ لأن الآخذ الذي له مروءة وحمية إذا
عرف أن يده السفلى، ويد المعطي هي العليا كف عن الأخذ حيث لم يضطر إليه غالبًا.
ومما يرجح الأولى أيضًا إفادتها أن يد الدافع أعلى من يد الآخذ وإن لم يكن سؤال،
وأيضا فالأولى تفيد الثانية صريحًا ولا عكس، ووجهه أنه عرف من الأولى أن الأخذ
سفال وتركه علو، وهو ما في الثانية، ولا يعرف من هذا صريحًا أن يد الدافع أعلى من
يد الآخذ؛ لأنه لا يلزم من تفصيل الشيء على مقابله في الذكر تفصيله على ما لم يذكر،
فكانت الأولى أولى لإفادتها هذين الحكمين المتغايرين علو يد الدافع على يد الآخذ،
ويد التعفف على يد السائل، والثانية لا يفيد إلا الثاني لا غير فتأمله.
١٨٤٤ - [وَعَنْ أَبِي سَعِيد الخُدرِي ﴾ قَالَ: إِنَّ أُنَاسًا مِن الْأَنْصَارِ سَأَلُوا رَسُولَ الله
وَّ فَأَعْطَاهُمْ، ثُمَّ سَأَلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ حَتَّى نَفِدَ مَا عِنْدَهُ فَقَالَ مَا يَكُوْنَ عِندِي مِنْ خَيْرِ
فَلَنْ أَدَّخِرَهُ عَنْكُمْ، وَمَنْ يَسْتَعْفِفْ يُعِقَّهُ اللهِ، وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللهِ، وَمَنْ يَتَصَبَّرْ
يُصَبِّرْهُ اللهِ، وَمَا أُعْطِيَ أَحَدُّ عَطَاءً هو خَيْرٍ وَأَوْسَعَ مِن الصَّبْرِ(١). مُتَّفَقَ عَلَيهِ].
(وَعَنْ أَبِي سَعِيد الخُدرِي ﴾ قَالَ: إِنَّ أَنَاسًا مِن الْأَنْصَارِ سَأَلُوا رَسُولَ اللهَِّ
فَأَعْطَاهُمْ ثُمَّ سَأَلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ حَتَّى نَفِدَ) بالمهملة؛ أي: فرغ (مَا عِنْدَهُ فَقَالَ مَا)
موصولة فيها معنى الشرط؛ فلذا دخلت الفاء في خبرها (يَكُوْنَ عِندِي مِنْ خَيْرٍ) مال
(فَلَنْ أَدَّخِرَهُ عَنْكُمْ) في (كم)) دلالة على وصوله ◌َّه في الكرم إلى غاية لم يصل إليها
غيره؛ لأن كل من اشتهر عنه كرم لا بد أن يمسك ما عنده شيئًا، ولو في بعض الأحيان
(١) أخرجه مالك (١٨١٢)، والبخاري (١٤٠٠)، ومسلم (١٠٥٣)، وأبو داود (١٦٤٤)، والترمذي
(٢٠٢٤)، وأحمد (١١٩٠٨)، والنسائي (٢٥٨٨)، وابن حبان (٣٤٠٠)، والدارمي (١٦٤٦).

٣٠٣
كتاب الزكاة/ باب من تحل له المسألة ومن لا تحل له
وهو رؤية بخلاف ذلك؛ لأنه لا يخاف الفقر.
(وَمَنْ يَسْتَعْفِفْ) عن أموال الناس بالكف عن سؤالهما والاستشراف إليها
فالتبين لمجرد التأكيد، ويصح كونها على حقيقتها من طلب العفة؛ أي: من طلب من
نفسه العفة عن السؤال (يُعِقَّهُ اللهُ) أي: يصيره عفيفًا قنوعًا، ((والقناعة كنز لا يفنى))
منزها عن كل خلق دنيء.
(وَمَنْ يَسْتَغْنِ) أي: يظهر الغنى عن أموال الناس: ﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ
التَّعَقُّفِ﴾ [البقرة: ٢٧٣] (يُغْنِهِ اللهُ) أي: يجعله غني النفس، وليس الغناء إلا غناها،
ومن هو كذلك لا يفترق حاله في الأخذ والرد، بل ربما يترجح الأخذ لما في الحديث: ((من
أتاه من هذا المال شيء من غير سؤال ولا إشراف نفس فرده فكأنما رده على الله))(١) ومن
ثم قیل بوجوب القبول حينئذٍ وسیأتي قریبًا في حدیث عمر وغيره ما يؤيد ذلك.
(وَمَنْ يَتَصَبَّرْ) عن السؤال والتطلع لما في أيدي الناس بأن يتجرع مرارة ذلك
ولا يشكو حاله لغير ربه (يُصَيِّرْهُ اللهُ) أي: يعطيه من حقائق الصبر الموصلة للرضا ما
يهون به عليه كل مشق ومكدر ولما كان مقام الصبر هو أعلى المقامات؛ لأنه جامع
المكارم الأخلاق ومعالي الصفات، فلا ينال شيئًا منها إلا من تحلى به، ومن ثم قدمه
تعالى حتى على الصلاة في قوله عز قائلاً: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ .. ﴾ [البقرة: ٤٥]
عقبه بقوله: (وَمَا أَعْطِيّ أَحَدُّ عَطَاءً هو خَيْر) له (وَأُوْسَع) أي: معطي من الأخلاق
والمقامات أو شيئًا منها عطاء (مِن الصَّبْرٍ مُتَّفَق عَلَيه).
لكن رواية مسلم حذف هو ولا يضر؛ لأنها مقدرة.
وفي رواية: ((خيرًا)) صفة كالجملة على الرفع، ومعنى كونه أوسع أنه تتسع به
المعارف والمشاهد والأعمال والمقاصد.
فإن قلت: الرضی أفضل منه كما صرحوا به.
(١) أخرجه ابن حبان (٣٤٠٤)، والطبراني (٤١٢٤)، والحاكم (٢٣٦٣) وقال: صحيح الإسناد، وأبو
یعلی (٩٢٥).

٣٠٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس
قلت: هو غايته التي لا يعتد به إلا معها، فليس اختباء عنه كما يرشد إليه قوله
تعالى: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا﴾ [ص: ٤٤] إذ المراد به في حقه ونحوه ما يكون معه رضى
وإلا فهو مقام ناقص جدًّا.
١٨٤٥ - [وَعَنْ عُمَرَ بن الخَطَابَ﴾ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ◌َهِ يُعَطِينِيِ العَطَاءَ فَأَقُول:
أَعطِهِ أَفَقَرِ إِلَيهِ مِنِي، فَقَالَ: خُذْهُ فَتَمَوَّلَهُ وَتَصَدَّقَ بِهِ فَمَا جَاءَكَ مِنْ هَذَا المَالِ وَأَنتَ غَير
مشرف وَلَّا سَائِل فَخُذْهُ، وَمَالاً، فَلا تُتبِعُهُ نَفسَكَ(١). مُتَّفَقَ عَلَيهِ].
(وَعَنْ عُمَرِ بنِ الْخَطابَ ﴿ه قَالَ: كَانَ النَّبِي وَهِ يُعَطِينِي العَطَاءَ فَأَقُول: أُعطِهِ
أَفقَر إِلَيهِ مِني) أي: لأنه الأحق به (فَقَالَ: خُذْهُ فَتَمَولهُ) أي: أقبله واتخذه مالاً يتصرف
فيه تصرف الملاك في أموالهم (وَتَصَدَّق بِه) على أفقر منك إن طلبت المرتبة الفاضلة
(فَمَا جَاءَكَ مِنْ هَذَا المَال) أي: جنسه أو مال الصدقة (وَأَنتَ) أي: والحال إنك (غَير
مشرف) أي: متطلع له (وَلَا سَائِل) عنه (فَخُذْهُ، وَمَالاً) يجيئك كذلك بأن تطلعت
إليه أو سألته (فَلا تتبعهُ نَفسَكَ) بأن تتأسف وتتحسر على عدم وصوله إليك؛ لأن
ذلك يدل على حمقك وغفلتك؛ إذ ما قدر لك يصلك وإن بالغت في الإعراض والتنزه
عنه، ومالاً لا يصلك منه شيء وإن بذلت غاية جهدك في إعمال الحيلة في وصوله
فاسترح من غنى التدبير فيه قبولاً وردًا (مُتَّفَق عَلَيه).
قيل: يحتمل أن المراد بهذا المال أجرة سعايته الآتية فيما يأتي من حديثٍ في
الفصل الثالث. انتهى.
وفيه نظر؛ لأن ما يستحقه الإنسان لا يفضل فيه بين إشراف وسؤال وغيرهما،
أولا نقص بوجه على من سأل حقه فضلاً عن أن يستشرف إليه، وإنما الذي يفضل فيه
ما أعطيه الإنسان من غير مبالغة تقتضي أنه يعطاه، فالاستشراف لهذا وسؤاله فيه
نقص؛ أي: نقص لإنبائه عن الاستهلاك في جمع الأموال، وعلى أي حالة كان.
(١) أخرجه البخاري (٦٧٤٤)، ومسلم (١٠٤٥)، وأحمد (١٠٠)، والحميدي (٢١)، والدارمي (١٦٤٧)،
والنسائي في ((الكبرى)) (٢٣٨٨)، وابن خزيمة (٢٣٦٦).

٣٠٥
كتاب الزكاة/ باب من تحل له المسألة ومن لا تحل له
(الفصل الثاني)
١٨٤٦ - [عَنْ سُمُرَةَ بِنِ جُنْدُب ◌ِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَّ: المُسَائِلُ كُدوج
يَكَدَحُ الرَّجُلُ وَجْهَهُ، فَمَنْ شَاءَ أَبْقَى عَلَى وَجْهِهِ وَمَنْ شَاءَ تَرَكَهُ، إِلَّا أَنْ يَسْألَ الرَّجُلُ ذَا
سُلْطَانٍ أَوْ فِي أَمْرٍ لَا تَجِدُ مِنْهُ بُدًّا(١). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدِ وَالتِّرْمِذِي وَالنَّسَائِي).
(عَنْ سُمُرَةَ بن جُنْدُبِ هَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: المَسَائِلُ) للناس من
أموالهم (كُدَوج) بالضم جمع كدح كضرب وضروب، وهي الآثار المستنكرة من نحو
خدش أو عض، وجوز فيه الفتح مبالغة كصبوح من الكدح؛ أي: الجرح وحينئذٍ
فالإخبار به عن المسائل باعتبار من قامت به؛ أي: سائل الناس أموالهم، ((كدوح)) أي:
خارج لهم وهو كالذي قبله تشبيه بليغ.
فعلى الأول: شبه آثار ذل السؤال في وجه السائل بآثار الجرح فيه، ويصح بقاء
ذلك على ظاهره لما يأتي في الحديث الذي يليه.
وعلى الثاني: شبه السائل نفسه بجارح تجريح الناس ويؤذيهم، ويطلق الكدح على
غير ذلك كالسعي، ومنه: ﴿إِنَّكَ كَادِعُ إِلَى رَبِّكَ کَدْحاً فَمُلاقِهِ﴾ [الانشقاق: ٦].
(يَكْدَحُ الرَّجُلُ وَجْهَهُ) أي: يشنيه ويجرحه (فَمَنْ شَاءَ أَبْقَى عَلَى وَجْهِهِ) ماء
الحياء ونضارة التعفف بترك السؤال (وَمَنْ شَاءَ تَرَكَهُ) أي: ذلك الإبقاء بأن يزيل عنه
ذلك الماء وتلك النضارة، وتكسبه الذل والهوان بسبب السؤال، وجمع المسائل باعتبار
أنواعها، ومن ثم استثنى منها كما قال: (إِلَّ أَنْ يَسْألَ الرَّجُلُ ذَا سُلْطَان) أي: صاحب
قوة وشوكة شيئًا مما تحت يده للمسلمين، فلا حرج على السائل إن كان له حق في ذلك؛
لما مر أن من سأل حقه لا ملام عليه بوجه، والكلام فيمن ليس أكثر ماله حرامًا، وإلا
حرم سؤاله والأخذ منه عند الغزالي.
واعتمده النووي في ((شرح مسلم)) لكنه بالغ في رده في ((شرح المهذب)» فيكره
(١) أخرجه أبو داود (١٦٤١)، وأحمد (٢٠٧٩٩)، والنسائي (٢٦١١)، وابن حبان (١٩١)، والبيهقي في
(سننه)» (٨١٢٩)، والطيالسي (٩٢٠).

٣٠٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس
ذلك سؤالاً وأخذًا، وقد اختلف السلف في قبول إعطاء السلطان، فمنعه قوم وأباحه
آخرون (أو) إلا أن يسأل (في أمْرٍ) مهم (لَا يَجِدُ مِنْهُ) أي: عنه (بُدًّا) أي: غنى لنحو
دين أو حاجة أو آفة اضطره ذلك إلى السؤال، فلا يلام عليه في السؤال أيضًا لاضطراره
إليه ووجوبه عليه (رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِي وَالنَّسَائِي) وهو صريح فيما قدمته أن
السؤال لضرورة كعري وجوع مباح، بل واجب أن توقف اندفاع الضرورة عليه.
قال الغزالي: وكذا يجب السؤال على من استطاع الحج فتركه حتى أعسر؛ أي:
لأنه أوقع نفسه في ورطة الفسق لو مات قبل الحج فلزمه أن يخرج عن هذه الذلة
المقتضية للفسق لسؤال الأغنياء ما يؤدي به هذا الواجب المنتهي لعظيم الفسق والإثم؛
وبهذا يندفع نزاع بعضهم للغزالي في الوجوب.
١٨٤٧ - [وَعَنْ عَبْد الله بن مَسْعُودٍ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: مَنْ سَأَلَ النَّاسَ
وَلَهُ مَا يُغْنِيْهِ جَاءَ يَوْمِ القِيَامَةِ وَمَسْأَلَتُهُ فِي وَجْهِهِ خُوشِ أَوْ خُدُوشِ كُدُوح قِيْلَ يَا
رَسُولَ الله: وَمَا يُغْنِيْهِ؟ قَالَ: خَمْسُونَ دِرْهَمَا أَوْ قِيْمَتُهَا مِن الذَّهَبِ(١). رَوَاهُ أَبُو دَاوُد
وَالتِّرْمِذِي وَالنَّسَائِي وَالدَّارِمي].
(وَعَنْ عَبْد اللّه بِن مَسْعُودٍ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِهِ: مَنْ سَأَلَ النَّاسَ وَلَهُ مَا
يُغْنِيْهِ جَاءَ يَوْمِ القِيَامَةِ وَمَسْألَتُهُ فِي وَجْهِهِ خُوشِ أَوْ) شك من الراوي (خُدُوشِ أَوْ)
شك أيضًا (كُدُوح) وهي ألفاظ متقاربة، والحاصل أن من سأل الناس أموالهم من غير
حاجة به إلى السؤال جاء يوم القيامة وفي وجهه آثار مستنكرة حقيقة؛ ليعرف ويشهر
بذلك بين أهل الموقف، وقال غير واحد أو للتنويع وتلك الثلاثة متفاوتة بتفاوت
السائلين شدة وخفة وتوسطًا.
فالخدش: قشر الجلد بالظفر.
(١) أخرجه أحمد (٤٤٤٠)، والترمذي (٦٥٠) وقال: حسن، وأبو داود (١٦٢٦)، وابن ماجه (١٨٤٠)،
والنسائي (٢٥٩١)، والحاكم (١٤٧٩)، والبيهقي (١٢٩٨٦)، والدارمي (١٦٤٠)، والبزار (١٩١٣)،
والشاشي (٤٧٨)، والطبراني (١٠١٩٩)، والدار قطني (١٢١/٢)، والرافعي (١١٥/١).

٣٠٧
كتاب الزكاة/ باب من تحل له المسألة ومن لا تحل له
والخمش: قشره بنحو عود.
والكدح: أبغض، وجمعت مع أنها مصادر؛ لأنها نقلت وجعلت أسماء للآثار.
(قِيْلَ يَا رَسُولَ اللهُ: وَمَا يَغْنِيْهِ؟ قَالَ: خَمْسُونَ دِرْهَمَا أَوْ قِيْمَتُهَا مِن الذَّهَبِ) أخذ
بظاهره ابن المبارك وأحمد وإسحاق فقالوا: من ملك ذا لا يحل له المسألة ولا أخذ
الصدقة، لكن ظاهر الحديث الذي بعده أن من وجد قدر غدائه وعشائه في أغلب
الأوقات غني لا يحل له ذلك سواء أوجد ذلك بكسب يد أو تجارة، وهذا هو المعتمد
عندنا كما مر، وإنما أخذنا بهذا دون الأول؛ لأنه منضبط ويشهد له المعنى، وهو أن
المراد من الغنى هنا غير المحتاج للسؤال.
ولا شك أن من هو كذلك غير محتاج إليه بخلاف من عنده خمسون أو عدلها
من غير جنسها، فإنها قد لا تكفيه يومًا وليلة لكثرة عياله، فلا يكون عينًا حينئذٍ
كما يشهد له المعنى الذي ذكرناه، فوجب حمله على أن ذكرها ليس المقصود به التحديد
بل التقريب باعتبار عرف ذلك الزمن؛ لأن الغالب عليهم التجارة، والغالب في هذا
القدر أنه يأتي به رأس مال يحصل منه ربح يكفي الإنسان، ويدل لكون المقصود
التقريب لا التحديد ما يأتي.
جاء في الحديث الآتي أيضًا: ((وله أوقية أو عدلها)(١) والأوقية؛ إذ ذاك أربعون
درهمًا.
وفي الحديث الآخر: ((وله خمس أواق)) فعلمنا باجتماع هذه الروايات أن المراد
من سأل وله ما يكفيه، كخمسين لبعض الناس، وأربعين لآخرين، وخمس أواقٍ
لآخرين فلا تنافي بينهما ولا نسخ؛ لأنه لا يجوز المصير إليه إلا إن تعذر الجمع، وعلم
تأخر الناسخ، وهنا لم يوجد واحد من هذين، هذا كله في سؤال صدقة التطوع وأخذها.
وأما سؤال الزكاة وأخذها: فلا يتقدر بذلك بل بملك نصاب أو كفاية سنة، أو
(١) أخرجه مالك (١٨٥٤)، وأبو داود (١٦٢٩)، وأحمد (١٦٨٥٦)، والنسائي (٢٦٠٨)، والبيهقي في
((سننه» (١٣٥٨٨).

٣٠٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس
كفاية العمر الغالب وهو الأصح عندنا كما مر، والفرق أن القصد من صدقة التطوع
سد الخلة في الحال؛ لأنها ليست مقدرة بزمن، ومن الزكاة غناء المستحقين مدة؛ لأنها
مقدرة بسنة واختلفوا في تلك المدة بحسب نظرهم إلى المقصود منها، وهو عندنا الغنى
المطلق لا المقيد بسنة ولا ملك نصاب (رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِي وَالنَّسَائِي وَالدَّارِمي).
١٨٤٨ - [وَعَنْ سَهْلِ بِنِ الحَنْظَلية ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلَ: مَنْ سَأَلَ وَعِنْدَهُ
مَا يُغْنِيْهِ فَإِنَّمَا يَسْتَكْثِرُ مِن النَّارِ، قَالَ النُّفَيْلِيّ - وَهُوَ أَحَدُ رِوَاتِهِ فِي مَوْضِعٍ آخَر - وَمَا
الغِنَ الذِي لا تَنْبَغِي مَعَهُ المَسأَلَةِ؟ قَالَ: قَدْرُ مَا يُغَدِّيهِ وَيُعَشِّيِهِ، وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ:
أَنَّ يَكَونَ لَهُ شِبَعُ يَومٍ أَوْ لَيلةٍ وَيَومٍ(١). رَوَاهُ أَبْو دَاوُدَ].
(وَعَنْ سَهْلٍ بِنِ الحَنْظَلية ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِّ: مَنْ سَأَلَ) أحدًا شيئًا وإن
حل (وَعِنْدَهُ مَا يَغْنِيْهِ فَإِنَمَا يَسْتَكْثِرُ مِن النَّارِ) أي: من عقابها باعتبار أن كل ما أخذه
من ذلك الوجه يعاقب عليه (قال التُّفَيْلِي، وَهُوَ أحَدُ رِوَاتِهِ فِي مَوْضِعٍ آخَر) زيادة على ما
مر (وَمَا الغِنَى الذِي لا تَنْبَغِي مَعَهُ المسأَلَةِ؟ قَالَ: قَدْرُ مَا يُغَدِّيهِ وَيُعَشِّيهِ) وهو معنى
قول أئمتنا أن يجد كفاية يوم وليلة بمال أو كسب (وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: أَنَّ يَكَونَ لَهُ
شِبَعُ يَومَ أَوْ) الظاهر أنها شك (لَيلَةً وَيَوم) وبهذه أخذ أئمتنا؛ لأنها هي الموافقة للتي
قبلها؛ إذ من وجد ما يغديه ويعشيه يصدق عليه أنه وجد كفاية يوم وليلة كما تقرر
(رَوَاهُ أَبْوِ دَاوُدَ).
١٨٤٩ - {وَعَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي أَسَدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلَ:
مَنْ سَأَلَ مِنْكُمْ وَلَهُ أُوْقِيَّةُ أَوْ عَدْلُهَا فَقَدْ سَأَلَ إِلْخَافًا (٤). رَوَاهُ مَالِكَ وَأَبُو دَاوُدَ
وَالنَّسَائِي].
(وَعَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي أَسَدٍ) هو منهم لكن إبهام الصحابي لا
يؤثر؛ لأن الأصح بل الصواب أن الصحابة كلهم عدول، ومن وقع له هناة منهم
(١) أخرجه أبو داود (١٦٣١)، والبيهقي في «سننه)) (١٣٥٩٢).
(٢) تقدم تخريجه.

٣٠٩
كتاب الزكاة/ باب من تحل له المسألة ومن لا تحل له
وفقه الله للتوبة منها سريعًا ببركة ما حصل عليه من لحظه ◌َّليه ومدده الأكبر الذي لا
یبقي شيئًا من النقص ولا یذر.
(قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌ِهِ: مَنْ سَأَلَ مِنْكُمْ وَلَهُ أُوقِيَّةُ) مرَّ أنها إذ ذاك أربعون
درهمًا (أَوْ عَدْلُهَا) ما يساويها من غيرها (فَقَدْ سَأَلَ) سؤالاً (إِلْخَافًا) أي: ملخصًا؛ أي:
فقد سأل وألحف إلحافًا، وقد تقرر عظيم إثم الإلحاف، فكذا من سأل وعنده ذلك
لعظم إثمه كإثم الملحف بجامع شدة إيذاء المسؤول بكل منهما، أما بالإلحاف
فواضح، وأما مع ملك ما مر؛ فلأن الغالب من المتصدقين أنهم لا يقصدون بصدقتهم
إلا من ليس معه شيء أصلاً، فإذا خَفِيَ أخذ ما معه وأخذ منهم فقد أخذ مالهم بغير
حق فيكون ظالمًا مؤذيًا لهم (رَوَاهُ مَالِكَ وَأَبْو دَاوُدَ وَالنَّسَائِي).
١٨٥٠ - [وَعَنْ حُبْشِيٌّ بْنِ جُنَادَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: إِنَّ الْمَسْأَلَةَ لا تَحِلُّ
لِغَنِيِّ وَلا لِذِي مِرَّةٍ سَوِيٌّ إِلَّا لِذِي فَقْرٍ مُدْقِعٍ أَوْ غُرْمٍ مُفْظِعٍ، ومَنْ سَأَلَ النَّاسَ لِيُثْرِيّ بِهِ
مَالَهُ كَانَ خُمُوشًا فِي وَجْهِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَرَضْفًّا يَأْكُلُهُ مِنْ جَهَنَّمَ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُقِلَّ وَمَنْ
شَاءَ فَلْيُكْثِرُ(١). رَوَاهُ التّرمِي].
(وَعَنْ حُبْشِيٍّ بْنِ جُنَادَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّةِ: إِنَّ الْمَسْأَلَةَ لا تَحِلُّ لِغَنِيٌّ)
بمال يكفيه يومه وليلته بالنسبة لصدقة النفل كما مر (وَلا لِذِي مِرَّةٍ) أي:
قوة (سَوِيٌّ) أي: مستوٍ الأعضاء بألا يكون به علة، والعقل بألا يكون به نحو
جنون أو خبل أو إغماء (إِلَّا) استثناء من الأخيرة (لِذِي فَقْرٍ مُدْقِع) بضم الميم
وسكون المهملة وكسر القاف؛ أي: شديد لإفضائه بصاحبه إلى الدقعاء وهي
التراب؛ لكونه لم يجد عنده ما يقي به التراب عن نفسه كناية عن عدم وجود شيء
مطلقًا.
(أَوْ غُرْمٍ) بأن استدان لنفسه وعياله؛ أو لمعصية وصرفه في مباح أو وتاب
(مُفْظِع) أي: شديد سقيع بأن كان ذلك الدين حالاً ولم يجد ما يوفيه به، فيحل لكل
(١) أخرجه الترمذي (٦٥٣) وابن أبي عاصم في ((الآحاد والمثاني)) (١٥١٢)، وابن عدى (٤٤٢/٢).

٣١٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس
من هذين أن يسأل صدقة الفرض والنفل.
أما الثاني: فواضح أنه يسأل وإن كان قادرًا على الكسب؛ لأن الغالب أن الكسب
لا یوفي منه دین حالاً.
وأما الأول: فمحله في قادر على كسب لا يفي بكفاية نفسه ومموّنهُ، فله أن
يسأل تمام کفایته.
(ومَنْ سَأَلَ النَّاسَ) أو واحدًا منهم زكاة أو صدقة تطوع خلافًا لما يوهمه كلام
شارح من تخصيص ذلك بالزكاة (ليُثْرِيّ) أي: يكثر (بِهِ) أي: بالمأخوذ أو بسبب
السؤال (مَالَهُ) لا لحاجة ولا لاستحقاق كما أفههما قوله: ليثرى به (كَانَ) سؤاله؛ أي:
عقابه (خُمُوشًا فِي وَجْهِهِ) سبق معناه (يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَرَضْفًا) أي: حجرًا محميًّا (يَأْكُلُهُ
مِنْ جَهَنَّمَ) أي: فيها (فَمَنْ شَاءَ فَلْيُقِلَّ) من السؤال المقتضي لهذا العقاب الشديد
(وَمَنْ شَاءَ فَلْيُكْئِرْ) من ذلك وهما أمر تهديد على حد: ﴿فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْ مِن وَمَن شَاءً
فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩] (رَوَاهُ التّرمذِي).
١٨٥١ - [وَعَنْ أَنَسِ ﴾ أَنَّ رَجُلاً مِنَ الأَنْصَارِ أَنَى النَّبِيَّ ◌َ يَسْأَلُهُ فَقَالَ: «مَا فِي
بَيْتِكَ شَيْءٍ؟)). قَالَ: بَلَى حِلْسَ نَلْبَسُ بَعْضَهُ وَنَبْسُطُ بَعْضَهُ وَقَعْبُ نَشْرَبُ فِيهِ مِنَ الْمَاءِ.
قَالَ: (اثْتِي بِهِمَا)). فَأَخَذَهَمَا رَسُولُ الله ◌َ بِيَدِهِ وَقَالَ: ((مَنْ يَشْتَرِي هَذَيْنٍ؟)). قَالَ رَجُلُ:
أَنَا آخُذُهُمَا بِدِرْهَمٍ. فَقَالَ: ((مَنْ يَزِيدُ عَلَى دِرْهَمٍ). مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا؟ قَالَ رَجُلْ: أَنَا آخُذُهُمَا
بِدِرْهَمَيْنِ. فَأَعْطَاهُمَا إِيَّاهُ وَأَخَذَ الدِّرْهَمَيْنِ فَأَعْطَاهُمَا الأَنْصَارِيَّ وَقَالَ: ((اشْتَرِ بِأَحَدِهِمَا
طَعَامًا فَائْبِذْهُ إِلَى أَهْلِكَ، وَاشْتَرِ بِالآخَرِ قَدُومًا فَأَتِنِي بِهِ)). فَأَتَاهُ بِهِ فَشَدَّ فِيهِ رَسُولُ الله
◌َّ عُودًا بِيَدِهِ، ثُمَّ قَالَ: ((اذْهَبْ فَاحْتَطِبْ وَلَا أَرَيَنَّكَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا)». فَذَهَبَ الرَّجُلُ
يَخْتَطِبُ وَيَبِيعُ فَجَاءَه وَقَدْ أَصَابَ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ، فَاشْتَرَى بِبَعْضِهَا تَوْبًا وَبِبَعْضِهَا طَعَامًا.
فَقَالَ رَسُولُ اللهِ:((هَذَا خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ تَجِيءَ الْمَسْأَلَةُ نُكْتَةً فِي وَجْهِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ
إِنَّ الْمَسْأَلَةَ لَا تَصْلُحُ إِلَّا لِقَلَاثَةِ: لِذِي فَقْرٍ مُدْقِعٍ، أَوْ لِذِي غُرْمٍ مُفْظِعٍ أَوْ لِذِي دَمِ

٣١١
كتاب الزكاة/ باب من تحل له المسألة ومن لا تحل له
مُوجِعٍ))(١). رَوَاهُ أَبْوِ دَاوُدَ وَرَوَى ابْن مَاجَه إِلَى قَوله: يَومِ القِيَامَةِ].
(وَعَنْ أَنَسِ ﴾ أَنَّ رَجُلاً مِنَ الأَنْصَارِ أَنَى الشَّبِيَّ ◌َهِ يَسْأَلُهُ فَقَالَ: مَا) فيه حذف
حرف الاستفهام (في بَيْتِكَ شَيْءٌ. قَالَ: بَلَ) فيه (حِلْسُ) هو كساء غليظ يجعل على
ظهر البعير تحت القتب (فَلْبَسُ بَعْضَهُ وَنَبْسُطُ بَعْضَهُ وَقَعْبُ) أي: قدح من خشب
مقعر (نَشْرَبُ فِيهِ مِنَ) زائدة على مذهب الأخفش أو تبعيضية (الْمَاءِ. قَالَ: ((اقْتِنِي
بِهِمَا)). فَأَخَذَهَمَا رَسُولُ اللهِ وَّهِ بِيَدِهِ وَقَالَ: ((مَنْ يَشْتَرِي هَذَيْنٍ؟)) فيه غاية التواضع
والتنزل منه ◌َ ل9، بل وغاية الاعتناء بذلك الرجل؛ للعلم بأنه * إذا خرج عليهما
بنفسه النفيسة رغب فيهما بأزيد من أثمانهما بكثير.
(قَالَ رَجُلُ: أَنَا آخُذُهُمَا بِدِرْهَمٍ فَقَالَ) ◌ِِّ (مَنْ يَزِيدُ عَلَى دِرْهَمٍ). مَرَّتَيْنِ أَوْ
ثَلَاثًا؟ قَالَ رَجُلُ: أَنَا آخُذُهُمَا بِدِرْهَمَيْنٍ. فَأَعْطَاهُمَا إِيَّاهُ وَأَخَذَ الدِّرْهَمَيْنِ فَأَعْطَاهُمَا
الأَنْصَارِيَّ وَقَالَ: (اشْتَرِ بِأَحَدِهِمَا طَعَامًا فَانْبِذْهُ) أي: اطرحه (إِلَى أَهْلِكَ) الذين
تلزمكم مؤنتهم لتتفرغ لما أمرك به (وَاشْتَرِ بِالآخَرِ قَدُومًا) هو آلة البخار (فَأْتِنِي بِهِ)
فاشتراه (فَأَتَاهُ بِهِ فَشَدَّ فِيهِ رَسُولُ اللهِ وَّهِ عُودًا بِيَدِهِ) الكريمة (ثُمَّ قَالَ: ((اذْهَبْ
فَاحْتَطِبْ وَلَا أَرَيَّنَّكَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا))) نهى نفسه عن رؤيته هذه المدة، والمراد نهي
الرجل عن ترك الاكتساب هذه المدة.
(فَذَهَبَ الرَّجُلُ يَخْتَطِبُ وَبَبِيعُ فَجَاءَه وَقَدْ أَصَابَ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ، فَاشْتَرَى بِبَعْضِهَا
ثَوْبًا وَبِبَعْضِهَا طَعَامًا. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ: «هَذَا خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ) يستمر على ما كنت
عليه من السؤال وترك الكسب فتورًا وكسلاً، وإنك لو استمريت على ذلك لعوقبت
بعقاب مفظع وهو (تَجِيءَ الْمَسْأَلَةُ) حال كونها (نُكْتَةً) أي: علامة قبيحة (في
وَجْهِكَ) تعرف بها (يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ الْمَسْأَلَةَ لَا تَصْلُحُ) أي: لا تحل حلاً خاليًا عن
نقص (إِلَّ لِقَلَاثَةِ: لِذِي فَقْرٍ مُدْقِعٍ، أَوْ لِذِي غُرْمٍ مُفْظِعٍ) مر آنفًا معناهما (أُوْ لِذِي دَمٍ
(١) أخرجه أبو داود (١٦٤٣)، وابن ماجه (٢١٩٨).

٣١٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس
مُوجِع) وهو من يتحمل دية قتيل اتهم به رحمه أو صديقه أو أجنبي، فيؤديها لأولياء
القتيل إزالة لما خشيه.
قيل: من توجعه قبله لو لم يؤد إليهم ذلك، وسمي المتحمل ذا الدم؛ لأنه لما أوجعه
قتل المتهم لأخوة القرابة أو الدين صار كأنه القاتل (رَوَاهُ أَبْوِ دَاوُدَ وَرَوَى ابْن مَاجَه إِلَى
قَوله: يَومَ القِيَامَةِ).
١٨٥٢ - [وَعَن ابْنِ مَسعُود ◌َ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِلَّهِ: مَنْ أَصَابَتْهُ فَاقَةٌ فَأَنْزَلَهَا
بِالنَّاسِ لَمْ تُسَدَّ فَاقَتُهُ وَمَنْ أَنْزَلَهَا بِاللهِ أَوْشَكَ اللهُ لَهُ بِالْغِنَاءِ إِمَّا بِمَوْتٍ عَاجِلٍ أَوْ غِنِىَّ
آجِل(١). رَوَاهُ أَبو دَاوُدَ وَالتّرمِذِي].
(وَعَن ابْنِ مَسعُود ﴾﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌ِ﴾ِ: مَنْ أَصَابَتْهُ فَاقَةٌ) أي: سبق في
المعيشة (فَأَنْزَلَهَا بِالنَّاسِ) بأن عول في سدها على سؤالهم (لَمْ تُسَدَّ فَاقَتُهُ) بل يصير
لشؤم إعراضه عن الله والتعويل عليه في النوائب عرضة للمحن، كلما سد فاقة
أصابته أخرى وهكذا (وَمَنْ أَنْزَلَهَا بِالله) بأن توجه إليه معولاً في سدها على عظيم
فضله وسعة جوده وكرمه (أَوْشَكَ) أي: أسرع (اللّهُ لَهُ بِالْغِنَاء) بفتح أوله والمد؛ أي:
الكفاية من قولهم: ((فرس لا عناء فيه)) وروايته بالكسر والقصر؛ أي: اليسار تحريف؛
إذ لا یناسبه قوله بعده.
(إِمَّا بِمَوْتٍ عَاجِلٍ أَوْ غِنَّى) بكسر أوله والقصر؛ أي: لبيان (آجِل) وفي أكثر
نسخ ((المصابيح)) ((وجامع الأصول)): ((عاجل)) والأولى أنسب.
واستعمال الإنزال الذي هو من خواص الأجسام في الغاية التي هي أمر معنوي
استعارة تمثيلية؛ لأن كلاً من طرفها منتزع من عدة أمور شبه حال الفاقة واستكفاء
معرتها من الله تعالى بالتوكل عليه والوثوق به بحال من اضطره المكروه إلى نزول مكان
يلتجئ إليه، ودلَّ على ذلك التشبيه باستعمال ما هو من خواص المشبه به في جانب
(١) أخرجه أحمد (٣٨٦٩)، وأبو داود (١٦٤٥)، والحاكم (١٤٨٢) وقال: صحيح الإسناد، والبيهقي
(٧٦٥٨).

٣١٣
كتاب الزكاة/ باب من تحل له المسألة ومن لا تحل له
المشبه وهو لفظ الإنزال، وكان هذا الحديث مستمد من قوله تعالى: ﴿وَمَن يَتَّقِ الله
يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقُهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَخْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ الله
بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ [الطلاق: ٢ - ٣] (رَوَاهُ أَبو دَاوُدَ وَالتَّرمَذِي).
(الفصل الثالث)
١٨٥٣ - [عَنِ ابْنِ الْفِرَاسِيٌّ، أَنَّ الْفِرَاسِي ◌َ﴾ قَالَ لِرَسُولِ اللهِ وَلَ: أَسْأَلُ يَا
رَسُولُ اللهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َّهِ: لَا، وَإِنْ كُنْتَ لَا بُدَّ فَاسْأَلِ الصَّالِحِينَ(١). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ
وَالنَّسَائِيُّ].
(عَنِ ابْنُ الْفِرَاسِيَّ، أَنَّ الْفِرَاسِي ﴾ قَالَ لِرَسُولِ اللهِ وَهُ: أَسْأَلُ) أي: أَأسأل (يَا
رَسُولُ اللهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َِّ: لَا) تسأل وتوكل على الله فهو حسبك وكافيك (وَإِنْ كُنْتَ)
محتاجًا إلى السؤال بأن كان (لَا بُدَّ) أي: لا غنى لك عنه (فَاسْأَلِ الصَّالِحِينَ) من الناس
القائمين بحقوق الله وحقوق عباده، فإنهم يصونون عرضك عن أدنى ذل أو نقص
يلحقك، ويحسنون إليك إحسانًا بليغًا على كل تقدير؛ لأنهم إن كان عندهم شيء
وأتوك به عن طيب نفس وبشاشة وجه مع طيب ما يعطونه لتحريهم في مآكلهم
ومشاربهم، وإلا ردوك ردًّا جميلاً ودعوا لك دعاء نافعًا.
وما فسرت به الصالحين أولى من تفسيرهم بالكرماء؛ لأنه يلزم من وصف
الصلاح بالمعنى الذي ذكرته وصف الكرم ولا عكس؛ إذ ((الكريم)) [لا يتصف]
بالفسق والجور (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ).
١٨٥٤ - [وَعَن ابْنِ السَّاعِدِي قَالَ: اسْتَعْمَلَنِي عُمَرُ عَلَى الصَّدَقَةِ فَلَمَّا فَرَغْتُ مِنْهَا
وَأَدِيتُهَا أَمَرَ لِي بِعُمَالَةٍ فَقُلْتُ: إِنَّمَا عَمِلْتُ للهِ وَأَجْرِي عَلَى الله قَالَ: خُذْ مَا أَعْطِيتك
فَإِّ قَدْ عَمِلْتُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ وَِّ فَعَمَّلَنِي فَقُلْتُ مِثْلَ قَوْلِكَ، فَقَالَ لِي رَسُولُ الله
مَ : إِذَا أُعْطِيتَ شَيْئًا مِنْ غَيْرِ أَنْ تَسْأَلَه فَكُلْ وَتَصَدَّقْ(٩). رَوَاهُ أَبُو دَاوَدَ].
(١) أخرجه أحمد (١٨٩٦٥)، وأبو داود (١٦٤٦)، والبيهقي (٧٦٦٧)، والنسائي (٢٥٨٧).
(٢) أخرجه مسلم (١٠٤٥)، وأبو داود (١٦٤٧)، والنسائي (٢٦٠٤)، وابن حبان (٣٤٠٥)، وأحمد (٣٧١)،
=

٣١٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس
(وَعَن ابْنِ السَّاعِدِي قَالَ: اسْتَعْمَلَنِي عُمَرُ عَلَى الصَّدَقَةِ فَلَمَّا فَرَغْتُ مِنْهَا وَأَدِيْتُهَا
أَمَرَ لِي بِعُمَالَةٍ) بضم العين؛ أي: بأجرة على عملي (فَقُلْتُ: إِنَّمَا عَمِلْتُ لله وَأَجْرِي
عَلَى اللّه قَالَ: خُذْ مَا أعْطيتك فَإِّ قَدْ عَمِلْتُ) على الصدقة (عَلَى عَهْدِ رَسُولِ الله ◌ُِّ
فَعَمَّلَنِ) بالتشديد؛ أي: أراد أن يعطيني أجرة عملي (فَقُلْتُ مِثْلَ قَوْلِكَ فَقَالَ لِي
رَسُولُ اللهِ وَِّ: إِذَا أُعْطِيتَ شَيْئًا مِنْ غَيْرٍ أَنْ تَسْأَلَه فَكُلْ وَتَصَدَّقْ. رَوَاهُ أَبُو دَاوَدَ) وفيه
جواز أخذ العوض من بيت المال على العمل العام وإن كان فرضًا كالقضاء والحسبة
والتدريس، بل يجب على الإمام كفاية هؤلاء ومن في معناهم من مال بيت المال.
وفيه أيضًا وجوب قبول ما أعطيه الإنسان من غير سؤال كما هنا، ولا إشراف
نفس كما علم من الأحاديث السابقة؛ لأن الأمر للوجوب حقيقة، وبه قال أحمد وغيره
لكن الصحيح الذي عليه الجمهور أنه مستحب لا غير بشرط حل المال المعطي، وقد
يجاب عن الحديث بأن الأمر فيه للإباحة كما في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾
[المائدة: ٢] بجامع أنه في كل وارد بعد الخطر؛ إذ مال الغير ممنوع عليك أخذه بالإذن
فيه، إنما يفيد الإباحة لا غير، وأما الاستحباب فأخذ من دليل آخر.
١٨٥٥ - [وَعَنْ عَليّ ﴾ أَنَّهُ سَمِعَ يَومَ عَرَفَة رَجُلاً يَسَأَلَ النَّاسَ، فَقَالَ: أَفِي هَذَا
الَّومَ، وَفِي هَذَا المَكَانِ تَسَأَلُ غَيرَ الله؟ فخَفَقَه بالدّرَةِ(١). رَوَاهُ رَزِینُ].
(وَعَنْ عَلِيٍّ عَلَّه أَنَهُ سَمِعَ يَومَ عَرَفَةِ رَجُلاً يَسَأَّلَ النَّاسِ، فَقَالَ: أَفِي هَذَا اليوم، وَفِي
هَذَا المَكَانِ تَسَأَّل غَير الله؟) والناس مشغولون بما هم فيه من طلب ما عند الله
تعالى، فإن الدعاء في هذا اليوم مستجاب، ومن أمر الحج الأكبر وآدابه وواجباته التي
فيها شغل شاغل عن السؤال وغيره، فالاستفهام للإنكار وزاد فيه بإدخال همزته على
الطرفين وتقديمهما على عاملهما؛ أي: السؤال منكر في غير هذا اليوم والمكان، فكيف
==
والبزار (٢٤٥)، وابن خزيمة (٢٣٦٤)، والبيهقي (١٢٩٤٨).
(١) ذكره ابن الأثير في ((جامع الأصول من أحاديث الرسول)) (٧٦٤٦/١٠).

٣١٥
كتاب الزكاة/ باب من تحل له المسألة ومن لا تحل له
به فيهما وهما مشتملان على ما ذكر مما يقتضي الكف عن السؤال فيهما مطلقًا؟ ولما
كان في المساجد شبه بما ذكر من حيث أنها لم تبن إلا للعبادة، بالغ جماعة من العلماء
في منع السؤال فيها ورأوه منكرًا أي منكر.
(فخَفَقَه بالدِّرَّة) أي: ضربه بها إذا تحقق الضرب بالشيء العريض (رَوَاهُ
رُزِينُ).
١٨٥٦ - [وَعَنْ عُمَرَ ﴿ قَالَ: تَعْلَمِنَّ أَيُّهَا النَّاسُ أَنَّ الطَّمَعَ فَقْرِ، وأَنَّ الإِيَاسَ
غِنَى، وأنَّ المرءَ إِذَا آيَسَ عَنْ شَيْءٍ اسْتَغْنَى عَنهُ(١). رَوَاهُ رَزِبنُ].
(وَعَنْ عُمَرَ ﴿ه قَالَ: تَعْلَمنَّ) أي: والله لتعلمن (أيُّها النَّاسُ) الكاملون إذا
رجعتم إلى عقولكم وصدق تأملكم (إنَّ) بالكسر (الطَّمَعَ) وهو حرص الإنسان على
ما عنده بأن يخرجه ولا ينفقه، وعلى ما عند الناس بأن یود ویسعی في حصوله له على أي
وجه كان (فَقْر) القياس لفقر وهو تشبيه بليغ متضمن لادعاء أن عين هذا الطمع هو
عين الفقر؛ لأن الله تعالى يعامل كل إنسان بنقيض قصده الفاسد، يتعامل الطماع بأن
يسلط عليه المحق والسحق ويبتليه بالمحن المذهبة لما جمعه ومنعه عن آخره، كما هو
مستقرًا مشاهد من أحوال الطماعين بالمعنى الذي ذكرته.
(وأنَّ الإِيَاسَ) أي: اليأس عما في أيدي الناس بألا يتبعه نفسه وبعده كالفاني
المعدوم الذي لا وجود له (غِنى) لأن من يأسى عما عند الناس فأعرض عنه بالكلية
يمن الله عليه بغنى النفس الذي لا غنا في الحقيقة إلا هو، ثم أكد هذه الجملة بجملة
أخرى هي عينها، والمعنى زيادة في تقرير هذا المعنى في النفس فقال عاطفًا لها بالواو
نظرًا إلى أن بينهما نوع مغايرة (وأنَّ المرءَ إِذَا آيَسَ عَنْ شَيْءٍ اسْتَغْنَى عَنْهُ) لما تقرر أنه
باليأس عنه يعده فانيًا هالكًا، ومن أعد شيئًا كذلك لا يلتفت إليه ولا يعول عليه
(رَوَاهُ رَزِينٌ)
١٨٥٧ - [وَعَنْ ثَوبَانَ عَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: مَنْ يَتَكَفَّل لِي أَلَّا يَسَأَّلَ
(١) أخرجه ابن المبارك (٦٣١).

٣١٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس
النَّاسَ شَيْئًا فَأَتَكَفَّل لَهُ بِالْجَنَّةِ فَقَالَ ثَوبَانَ: أَنَا فَكَانَ لا يَسأَلُ أَحَدًا شَيْئًا(١). رَوَاهُ أَبْوُ
دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ].
(وَعَنْ ثَوْبَانَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَهِ: مَنْ يَتَكَفَّل) أي: يضمن ويلتزم (لي
أَلَّا يَسَأَلَ النَّاسَ شَيْئًا) أي: في حال السعة والاختيار كما هو واضح (فَأَتَكَفَّل لَهُ
بِالجَنَةِ) من غير سابقة عذاب في مقابلة تكفله، فإن ذلك مقام كريم يناسبه جزاء
عظيم (فَقَالَ ثَوبَانَ) مولاه ◌َ (أَنَا) أتكفل لك بذلك رغبة في هذا الجزاء (فَكَانَ)
ثوبان بعد ذلك (لا يَسأَلُ أَحَدًا شَيْئًا) وفاء بما عاهد عليه رسول الله وَ ل﴾ طمعًا في ذلك
الثواب الجزيل (رَوَاهُ أَبْوُ دَاوُدَ وَالنَّسَائِي).
١٨٥٨ - [وَعَنْ أَبِي ذَر ◌َ﴾ قَالَ: دَعَانِي رَسُولُ اللهِ وَهُوَ يَشتَرِطُ عَلَيَّ أَلَّا تَسْأَّلَ النَّاسِ
شَيْئًا، قُلْتُ: نَعَمَ، قَالَ: وَلَا سَوَظُكَ إِنْ سَقَطَ مِنَكَ حَتَى تَنزِلَ إِلَيْه فَتَأْخُذَهُ(٢). رَوَاهُ
أَحْمَدُ].
(وَعَنْ أَبِي ذَر ﴾ قَالَ: دَعَانِي رَسُولُ اللهِ وَيُ) أي: إلى مبايعته ومعاهدته (وَهُوَ)
أي: والحال أنه (يَشتَرِط عَلَيَّ) أي: يقول لي على جهة الاشتراط: أبايعك على (أَلَّا قَسأَلَ
النَّاسِ شَيْئًا، قُلْتُ: نَعَمَ) بايعتك على ذلك (قَالَ: وَلَا سَوَطُكَ إِنْ سقُطَ مِنكَ) لا تسأل
أحدًا أن يناوله لك بل أتركه (حَتَى تَنَزِلَ إِلَيْهِ فَتَأْخُذَهُ رَوَاهُ أَحْمد) وفيه من الحث على
ترك السؤال حتى في الحقير ما يوجب لكل كامل ألا يحتج إلى سؤال أحد في شيء وإن
قل، فإن المسؤول ربما استنكف من ذلك.
ومن ثم قيل: ((ولو سئل الناس التراب لأوشكوا إذا قيل: هاتوا أن يملوا
فيمنعوا)).
(١) أخرجه أبو داود (١٦٤٣)، والطبراني (١٤٣٣)، والحاكم (١٥٠٠)، وأبو نعيم في ((الحلية)) (١٨١/١)،
والبيهقي في (شعب الإيمان)) (٣٥٢١)، وأحمد (٢٢٤٢٠).
(٢) أخرجه أحمد (٢١٥٤٨).

(باب الإنفاق وكراهية الإمساك)
(الفصل الأول)
١٨٥٩ - [عَنْ أَبِي هُرَيْرَة ◌َ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهَِّهِ: لَوْ كَانَ لِي مِثْلُ أُحُدٍ ذَهَبًّا،
لَسَرَّني ألا تمَّ عليَّ ثَلاثُ لَيَالٍ وَعِندِي مِنْهُ شَيْءُ إِلَّ شَيْئًا أَرْصِدُهُ لدَينٍ(١). رَوَاهُ
البُخَارِي].
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةِ عَه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: لَوْ) امتناعية (كَانَ لِي مِثْلُ أُحُدٍ
ذَهَبًّا، لَسَرَّني ألا تمرَّ عليَّ ثَلاثُ لَيَالٍ وَعِندِي مِنْهُ شَيءٌ) لو هنا إما لمجرد ربط الجواب
بالشرط من غير دلالة على انتفائهما، أو انتفاء الشرط، وبه صرح الأسلوبين، وعليه لا
إشكال في الحديث، وكذا على ما هو المشهور فيها أنها حرف بدل على امتناع الجواب
لامتناع الشرط الغير المناسب هنا كما هو جلي للمتأمل؛ لأنه الأغلب؛ إذ كل انتفاء
الجزاء بانتفاء الشرط أن يكون الجزاء لازمًا للشرط عقلاً أو عادة أو شرعًا، وألا
يكون للشرط خلف في ترتب الجزاء عليه، والملازمة هنا ممنوعة وبتسليمها.
فالشرط هنا يخلفه غيره لكثرة الأسباب التي ترتب عليها السرور، فلا يلزم من
انتفاء أن عنده أحدًا ذهبًا انتفاء سروره لسرعة إنفاقه لو وجد، فهو دائم السرور لسرعة
إخراجه عزمًا إن لم يوجد، وفعلاً إن وجد، وبهذا يعلم اندفاع ما قيل: إن لا زائدة
فهي في: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ﴾ [الأعراف: ١٢] أي: امتنع سروري بكثرة المال التقييد
بالثلاث للمبالغة في سرعة الإنفاق، وأن الرفع في قوله استثناء للشيء المقيد بإعداده
للذين من الشيء المطلق.
(إِلَّا شَيْئًا أُرْصِدُهُ لدَينٍ) على الإتباع لكونه استثناء من منفي، وإن قلنا بزيادة
لا؛ لأن جواب لو الامتناعية في تقدير النفي باعتبار أصله كما تقرر (رَوَاهُ البُخَارِي)
(١) أخرجه البخاري (٦٠٨٠).
- ٣١٧ -

٣١٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس
وفيه أوضح دلالة على أنه « لا أوفى في مقام الكرماء والسخاء إلى غاية لم يصل إليها
غيره وأنه باعد الدنيا والركون إليها مباعدة لم يصل إليها غيره أيضًا، وأن ما أرسل من
المال ليصرف في حاجة حاقة إليه لا ينافي الكرم والزهد والتخلي عن الدنيا، وأنه لا
ينبغي لمن علیه التصدق قبل وفائه بل یؤدیه أولاً ثم يتصدق.
وقد كثر اختلاف أصحابنا في تصدق من عليه دين، والأصح أنه إن كان له
جهة ظاهرة يوفي منها دينه حالاً في الحال، وعند الحلول في المؤجل لا يحرم التصدق
وإن لم يكن له جهة كذلك حرم عليه؛ لأن براءة ذمته التي هي فرض حتم مقدم على
تطوعه.
١٨٦٠ - [وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: مَا مِنْ يَوْمٍ يُصْبِحُ الْعِبَادُ فِيهِ إِلَّا مَلَكَانِ
يَنْزِلانِ فَيَقُولُ أَحَدُهُمَا: اللهُمَّ أَعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا، وَيَقُولُ الآخَرُ: اللهُمَّ أَعْطِ مُمْسِكًا
تَلَفًّا(١). مُتَّفَق عَلَيهِ].
(وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّةٍ: مَا) نافية وفي عملها الخلاف المشهور (مِنْ)
زائدة للنفي على الاستغراق (يَوْمٍ) موصوف بكونه (يُصْبِحُ الْعِبَادُ فِيهِ) وخبر يوم الذي
هو اسم ما أو المبتدأ محذوف؛ أي: ليس يوم موصوف بما ذكر ينزل فيه أمر عظيم من
السماء (إِلَّا مَلَكَانٍ) هو استثناء من الخبر المحذوف المدلول عليه بقوله: (يَنْزِلانٍ)
لإسعاف المنفق وخذلان الممسك.
(فَيَقُولُ أَحَدُهُمَا: اللهُمَّ أَعْطِ مُنْفِقًا) أي من ماله؛ أي منفق كان في أي خبر كان
(خَلَفًا) أي: عوضًا لما أنفقه في الخير من جزيل الثواب في الآخرة، وتيسير حصول
البذل في الدنيا، وخلفًا مصدر واسمه تعالى خلف الله لك خلفًا بخير، وأخلف عليك
خلفًا؛ أي: أبدلك خيرًا مما أنفقته في طاعته (وَيَقُولُ الآخَرُ: اللهُمَّ أَعْطِ مُمْسِكًا) أي:
ممسك لماله عن أن ينفقه في الخير (تَلَفًا) لما له حسيًّا أو معنويًّا بألا ينتفع به بصرفه في
(١) أخرجه البخاري (١٣٧٤)، ومسلم (١٠١٠)، والنسائي في ((الكبرى)) (٩١٧٨)، والبيهقي في ((شعب
الإيمان)) (١٠٨٢٧).

٣١٩
كتاب الزكاة/ باب الإنفاق وكراهية الإمساك
خير، بل لا يزال ممسكًا له إلى أن يموت عنه فتكوى به جبهته وجنبه وظهره، ويأخذه
من لا يحمده بل قد يلعنه (مُتَّفَق عَلَيهِ).
١٨٦١ - [وَعَنْ أَسَمَاءَ - رَضِي اللّهُ عَنْهَا - قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: أَنْفِقِي وَلَا
تُخْصِي فَيُحْصِيَ اللهُ عَلَيْكِ وَلَا تُوعِي فَيُوعِيَ اللهُ عَلَيْكِ إِرَضَخِي مَا استَطَعتِ (١). مُتَّفَق
عَلَيهِ].
(وَعَنْ أَسَمَاءَ - رَضِي اللّهُ عَنْهَا - قَالَتْ: قَالَ) لي (رَسُولُ الله ◌َِّ: أَنْفِقِي) من
مالك في وجوه الخير ما استطعت (وَلَا تُخْصِي) أي: تمسكي المال ويدخر به من غير
إنفاق منه (فَيُحْصِيَ اللهُ عَلَيْكِ) أي: يمسك عنك مادة الرزق والبركة فيه، ويناقشك
الحساب في الموقف؛ إذ أصل الإحصاء الإحاطة بالشيء جملة وتفصيلاً، وهذا فيه تلف
أي تلف فيكون مطابقًا لا معطي ممسكًا تلفًا، أو أنه يستفاد من مجموعهما أن الممسك
يعاقب بعقابين بل بثلاثة أنواع من العقاب:
أحدها: تلف ما عنده.
الثاني: حسن مادة ورقة والبركة فيه.
والثالث: مناقشة الحساب، وقد قال ◌َله في الحديث الصحيح: ((من نوقش
الحساب عذب))(٤) وهذا أبلغ وأليق بمقام التنفير والتغليظ.
(وَلَّا تُوعِي) أي: لا تمنعي ما فضل عنك عمن هو محتاج إليه، وأصل الإيعاء
حفظ المتاع بجعله في وعاء يحفظه (فَيُوعِيَ اللهُ عَلَيْكِ) أي: تغبط عليك أعمالك
ليشدد عليك في الحساب، أو يمنع عنك فضله وجوده، وبهذا يعلم أن هذه بمعنى ما
قبلها، وأن القصد مزيد التأكيد والحث على الإنفاق، ومن ثم زاد تأكيدًا وحثًا عليه
بقوله: (إِرَضَخِي) أي: اعطي المحتاجين (مَا استَطعتٍ) أي: ما قدرت عليه (مُتَّفَق
(١) أخرجه البخاري (٢٤٥١)، ومسلم (١٠٢٩)، وأحمد (٢٦٩٦٧)، وابن حبان (٣٢٠٩).
(٢) أخرجه البخاري (٦٥٣٦)، ومسلم (٢٨٧٦)، وأبو داود (٣٠٩٥)، وأحمد (٢٥٧٠٠)، والقضاعي
(٣٣٨).

٣٢٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس
عَلَيهِ).
١٨٦٢ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيَرَة ◌َ﴾ه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وََّ: قَالَ الله تَعَالَى: أُنفِقِ يَا
ابْنَ آدَمَ أُنْفِقْ عَلَيْكَ(١) مُتَّفَقَ عَلَيهِ].
(وَعَنْ أَبِي هُرَيَرةٍ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَُّ: قَالَ الله تَعَالَى: أَنفِقِ يَا ابْنَ آدَمَ)
أي: أخرج مما عندك شيئًا في وجوه الخير؛ لأن الإنفاق شرعًا لا يطلق إلا على ما يصرف
في خير، وأما ما يصرف في شر فيقال فيه: خسرة وضيعة (أَنْفقْ عَلَيْكَ) أي: أعطيك
من يديَّ الملأى؛ أي: ما تقربه عينك، فاستعمال الإنفاق الثاني من باب المشاكلة؛ لأن
أصل نفق الشيء مضى ونفذ فني، وذلك محال على الله تعالى: ﴿مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا
عِندَ اللّه بَاقٍ﴾ [النحل: ٩٦].
وفي الحديث: ((يد الله ملأى لا يغيضها نفقة سحاء الليل والنهار))(٤) (مُتَّفَق
عَلَيهِ).
١٨٦٣ - [وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: يَا ابْنَ آدَمَ أن تَبْذُلَ
الْفَضْلَ خَيْرٌ لَكَ، وَأَنْ تُمْسِكَهُ شَرَّ لَكَ وَلَا يُلَامُ عَلَى كَفَافٍ، وَابْدَأَ بِمَنْ تَعُولُ (٣). رَوَاهُ
مُسْلِم].
(وَعَنْ أَبِي أَمَامَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﴿: يَا ابْنَ آدَمَ أَن) بالفتح (تَبْذُلَ
الْفَضْلَ) مبتدأ؛ أي: إخراجك ما فضل عن نفقة ممونك سنة، وعن نفقة نفسك يومًا
وليلة وكسوتها فضلاً، وأنت تصبر على الإضافة وعن دینك ومسكنك، كما دل على
هذا التفضيل ضرورة الجمع بين الأحاديث المختلفة الظواهر، كخبر أن أبا بكر
(١) أخرجه البخاري (٤٤٠٧)، ومسلم (٢٣٥٥)، وأحمد (٧٢٩٦)، وابن ماجه (٢١٢٣)، وهناد في
((الزهد)) (٣٤٠/١).
(٢) أخرجه البخاري (٦٩٧٦)، ومسلم (٩٩٣)، والترمذي (٣٠٤٥) وأحمد (١٠٥٠٧)، وابن ماجه
(١٩٧).
(٣) أخرجه مسلم (١٠٣٦)، وأحمد (٢٢٣١٩)، والترمذي (٢٣٤٣) والروياني (١٢٥١).