النص المفهرس

صفحات 281-300

٢٨١
كتاب الزكاة/ باب من لا تحل له الصدقة
إِنَّ اللّه لَمْ يَرْضَ بِحُكْمٍ نَبِيِّ وَلَا غَيْرِهِ فِي الصَّدَقَاتِ حَتَّى) أي: إلى أن (حَكَمَ فِيهَا) هو
مجرد تأكيد (فَجَزَّأَهَا ثَمَانِيَةَ أَجْزَاءٍ، فَإِنْ كُنْتَ مِنْ تِلْكَ الأَجْزَاءِ أَعْطَيْتُكَ) فيه غاية
التلطف به، وبيان الحق له على أبلغ وجه والسلامة من ورطة نفي استحقاقه لسبب
مستحقًّا لاحتماله وبعثه على ألا يدعي الإخفاء وإلا كان مخالفًا لقسمة الله وتجزئته.
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُد) وفيه مسائل:
منها: أنه يقبل قول الآخذ في أنه مستحق، لكن في ذلك تفصيل عندنا هو أن
كلاً من الفقير والمسكين يقبل قولهما في الفقر والمسكنة بلا يمين، وإن شهد حالهما
بخلاف ذلك لا في القتال، ولا في تلف مال عرف لهما إلا بينة كما مر، وكذا المؤلف
الذي بينه ضعيفة في أهل الإسلام يقبل قوله في ذلك؛ لأنه لا يعرف إلا منه، وكذا ابن
السبيل والغازي إذا ادعيا إرادة السفر أو الغزو فيصدقان ويعطيان بلا يمين أيضًا،
بخلاف بقية الأصناف لسهولة الاطلاع على حالهم، فلا بدَّ من بينة تشهد لهم بطبق
دعواهم، ويغني عنها الاستفاضة بل وشهادة عدل واحد لبناء أمر الزكاة على المساهلة.
ومنها: أنه يجب صرف الزكاة إلى الأصناف الثمانية المذكورين في الآية إن
وجدوا كلهم، وأنه يجب في تلك الأجزاء أن تكون متساوية فيجب لكل صنف ثمن،
ووجه دلالة الحديث على هذا أن قوله: ((فجزأها ثمانية أجزاء)» ظاهر في هذه المسائل
الثلاث لا سيما الأولى، وهي أنه يجب تعميمهم ولا يجوز تخصيص بعض الأصناف
دون بعض، وهو مذهب الشافعي وجماعة.
وقال أكثر العلماء منهم الأئمة الثلاثة على اختلاف عنهم: يجوز دفعها كلها إلى
رجل واحد من أحد تلك الأصناف، وانتصر لهم الفخر الرازي بأن الآية إنما وردت
إعلامًا للأئمة بجعل جملة الصدقات لهؤلاء الأصناف، فأما إن صدقة زيد بعينها يجب
توزيعها على الأصناف كلها فلا، كما أن آية الغنيمة توجب تقسيم الخمس على
الطوائف كلها، وأيضًا الحكم الثابت في مجموع لا يوجب ثبوته في كل جزء من
أجزائه. انتهى.

٢٨٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس
ولك رده إن فرض الكلام في الإمام الأعظم فالذي قاله الشافعي فيه: إن الزكوات
كلها بالنسبة إليه كزكاة واحدة، فله إعطاء زكاة رجل وزكاتي رجلين وأكثر من ذلك إلى
رجل واحد، فالإمام بالنظر لهذا ليس من محل الخلاف فاندفع قوله إعلامًا للأئمة ...
إلخ.
وقوله: فأما إن صدقة زيد ... إلى آخره، ووجه اندفاعهما ما تقرر أن الشافعي لا
يخالف في الإمام إلا من حيث أنه يلزمه تعميم الأصناف من مجموع الزكوات التي
يحصلها لا من زكاة بعينها، والآية ليس فيها ما يبقي هذا المعنى بوجه كما هو واضح،
وأنه في زكاة زيد بعينه موافق، على أنه يجوز للإمام صرفها إلى شخص واحد كما تقرر،
وبهذا يرد؛ إذ التعجب من كلام الإمام هذا.
فإن قيل: إن خلافهم في الإمام أيضًا قلنا: لا يخفى أن من البعيد تجويز أن
للإمام دفع جميع ما عنده من الزكوات لواحد، وكيف يجوز ذلك مع قوله صل في
الحديث الصحيح في وصف الزكاة: ((إنها تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم))(١) إذ هذا
نص في أن القصد بالزكاة إنماء المستحقين، ولو جاز للإمام أن يجبي جميع صدقات
رعاياه ويدفعها لواحد بطل المعنى الذي شرع له الزكاة؛ ولأجل كون الزكوات كلها في يد
الإمام كزكاة واحدة استشكل قول جمع من أئمتنا: لو أجاز الإمام نصف ضمن له من
مال الصدقات بأن الزكوات كلها في يده كزكاة واحد، فكيف يتصور أنه بخل بصنف
وتبقى عنده فضلة من الصدقات؟.
وجوابه: إن ذلك يتصور بما إذا أخل بصنف من جميع صدقات العام فيضمن له
من صدقات العام الآتي قدر ما فوقه عليه، وبما قررته أن الزكوات كلها في يد الإمام
كزكاة واحدة يعلم اتحادا [من] الزكاة والغنيمة بالنسبة للإمام، فاندفع استدلال الفخر
بآية الغنيمة، وقوله.
(١) أخرجه البخاري (١٤٩٦)، ومسلم (١٣٢)، والنسائي (٢٤٤٧).

٢٨٣
كتاب الزكاة/ باب من لا تحل له الصدقة
وأيضا الحكم الثابت في مجموع .. إلخ مما يتعجب منه أيضًا؛ لأن هذا؛ أعني:
ثبوت الصدقات لمجموع الأصناف أو كلهم هو محل النزاع، فكيف بجعله دليلاً؟ فظهر
زیف کل ما للعجز هنا، ففطن له فأنه ظاهر بأدنى تأمل.
وعجيب من الطيبي وغيره كيف راج عليهم حتى اعتمدوه وجعلوه واردًا على
الشافعية؟ واعترض عليهم أيضًا بأن الأصناف الثمانية إنما سميت إعلامًا فإن
الصدقة لا تخرج عنهم لا إيجابًا لقسمها جميعًا بينهم، يدل عليه إيرادًا؛ لأنه بأداة
الحصر؛ أي: إنما الصدقات لهؤلاء الأصناف لا لغيرهم، ولك رده بأنه دعوى استدل لها
بما لا يطابقها، وبيانه أن الحصر في الآية بالمعنى الذي ذكره لا ينافي ما قلناه؛ لأنا أيضًا
نقول: إنما الصدقات لهؤلاء لا لغيرهم، فنحن وأنتم متفقون على أنها لا تتعداهم إلى
غيرهم، بل يكون لهم، وكونها لهم باتفاق منا ومنكم يؤيد ما قلناه: أنه يجب
لجمیعهم يدل على ذلك ما أجمعنا عليه نحن وأنتم فيمن أقر لزيد وعمرو وبكر بألف،
فإنه يجب قسمتها بين الثلاثة ولا يجوز أن يحرم واحد منهم سواء أتى في إقراره بصيغة
حصر أم لا.
وبعد هذا البيان لا يحتاج إلى برهان فاتضح ما قاله الشافعي، وأنه لا غبار عليه
لا يقال الآية إنما دلت على أن الصدقات منحصرة فيهم، ولا يلزم من ذلك وجوب
صرفها في إلى الأصناف كلهم.
لو سلمنا عدم لزوم ذلك لا يضرنا؛ لأنا نكتفي في الأدلة الظنية بظواهرها
فقط، وظاهر الحصر فيهم وعطف بعضهم على بعض بالواو، يؤيد ما قلناه كما هو
واضح لا سيما، ومسألة الإقرار التي قلناها صريحة فيما ذكرناه وكذا الوصية.
فلو قال: أوصيت بألا يعطى هذا إلا لزيد وعمرو وبكر أو للفقراء أو المساكين
وابن السبيل، وجب على الوصي أو الحاكم قسمته بين الثلاثة، ولم يجز له حرمان
أحدهم، وإذا كان ظاهر الآية والحديث، وهو قوله فيه يجزئها ثمانية أجزاء والقياس
على مسألتي الإقرار والوصية كل هذه مؤيدة ما ذكره الشافعي فلا عذر لمتشكك فيما

٢٨٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس
ذهب إليه ، ولا لبعض أصحابه في أصحابه في اختياره خلاف قوله.
(الفصل الثالث)
١٨٣٦ - [عَنْ زَيَدِ بنِ أَسلَمَ ﴾ قَالَ: شَرِبَ عُمَرُ بَنِ الْخَطَّابِ ﴾ه لَبَنَّا فَأَعَجَبَهُ
فَسَأَلَ الذي سَقَاهُ مِنْ أَيْنَ هَذَا اللَّبَنُ فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ وَرَدَ عَلَى مَاءٍ قَدْ سَمَّاهُ، فَإِذَا نَعَمُ مِنْ نَعَمِ
الصَّدَقَةِ يَسْقُونَ فَحَلَبُوا مِنْ أَلْبَانِهَا فَجَعَلْتُهُ فِي سِقَائِي فَهُوَ هَذَا فَأَدْخَلَ عُمَرُ يَدَهُ
فَاسْتَقَاءَهُ(١). رَوَاهُ مَالِكَ وَالْبَيْهَقِي فِي ((شُعَبِ الإِيمانِ))].
(عَنْ زَيدِ بن أَسَلَمَ ﴾ قَالَ: شَرَبَ عُمَر بن الخطّابِ هِ لَبَنَّا فَأَعَجَبَهُ فَسَأَلَ
الذي سَقَاهُ) فقال له: (مِنْ أَيْنَ) لك (هَذَا اللَّبَنُ فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ وَرَدَ عَلَى مَاءٍ) أي: مكان فيه
ماء كذا قاله شارح وهو غير محتاج إليه، وما المانع أنه ورد الماء نفسه وإن كان من لازم
وروده ورود محله؟.
(قَدْ سَمَّاهُ، فَإِذَا) هي للمفاجأة (نَعَمُّ) يؤده هناك (مِنْ نَعَمِ الصَّدَقَةِ يَسْقُونَ) ها
(فَحَلَبُوا مِنْ أَلْبَانِهَا) فأعطوني هذا فأخذته منهم (فَجَعَلْتُهُ فِي سِقَائِي فَهُوَ هَذَا فَأَدْخَلَ
عُمَرُ يَدَهُ) في حلقه (فَاسْتَقَاءَهُ) أي: تقيأه وأخرجه من جوفه (رَوَاهُ مَالِكَ وَالبَيهَقِي فِي
((شُعَبِ الإِيمانِ))).
قال شارح: وإنما تقيأه ورعًا وتنزهًا عن الشبهة، وكأنه لم يستحضر قول أئمته:
من أكل أو شرب حرامًا لزمه أن يتقيأه إن أطاقه وإن عذر في تناوله.
وقال بعضهم: لا يلزمه إذا عذر، ففعل عمره إنما يوافق هذا القول الضعيف،
وإنما كان هذا من الحرام الذي لم يعلم به؛ لقول أئمتنا ليس للإمام الأعظم حق في
الزكاة؛ لأن كفايته من بيت المال، وكذا والي الإقليم والقاضي، وحينئذٍ فعمره لما ظن
أن اللبن لمعطيه شربه، ثم لما بان أنه من نعم الزكاة المحرمة عليه لكونه الإمام الأعظم،
وإن إعطاء الرعاة لم يصادف محلاً وقدر على إخراجه أخرجه لقوله وله: (لا يدخل
(١) أخرجه مالك (٦١٨) والشافعي في ((الأم)) (٨٠/٢) والبيهقي (١٣٠٣٦) وفي ((الشعب)) (٥٥٢٩).

٢٨٥
كتاب الزكاة/ باب من لا تحل له الصدقة
الجنة لحم نبت من حرام))(١) واقتدى في ذلك بأبي بكر - رضي الله عنهما - فإن مولاه
جاء بلبن فشربه ثم بان له أنه أخذه بكسب لا يحل فتقيأه فورًا، واستدل بالحديث
المذكور.
فإن قلت: قضية ما تقرر أن عمر يلزمه مثل اللبن ولم ينقل أنه غرم مثله،
قلت: عدم النقل لا يدل على عدم الوقوع على أنه څ مجتهد.
فإن قلت: لم يجوز للرعاة والعمال جلب لبن نعم الزكاة وإعطاء لبنها لمن حضر
عندهم، ونظيره الأضحية المنذورة تجوز للناذر مع زوال ملكه عنها بالنذر شرب
فاضل لبنها عن ولدها، قلت: يفرق بأن المستحقين لمجرد قبض الساعي لها يملكونها،
ويلزم من ملكهم لها ملكهم للبنها، فالقياس أنه يلزم الساعي حيث لم يمكنه حمل
اللبن إليهم وقدر على بيعه أن يبيعه ويقسم ثمنه على حكم قسمة تلك النعم.
فإن قلت: يحتمل أن آخذه مستحق للزكاة، قلت: فلو سلمناه فمن أين أن أولئك
السعاة أذن لهم في التفرقة؟ ولو سلمنا أنه أذن لهم لا يجوز لهم إيثار بعض المستحقين
بشيء من لبنها.
فإن قلت: لا يجد من يشتري ولا يمكنه الحمل، فما الذي يفعل به؟
قلت: يسقيه لها إن احتاجت إليه أو نفعها، وإلا فهذا محل نظر ولم أرَ لأصحابنا
في هذه المسألة كلامًا، وإنما ذكرت ما مر فيها بمقتضى القواعد لا غير، ويظهر في
الأخير أن لهم التصدق به حينئذٍ؛ لأنه أولى من تركه حتى يتلف ويرموه، ويؤخذ من
هذا الأثر أيضًا أن من أعطى شيئًا فأكله قبل البحث عنه لا ينافي ذلك ورعه، ومحله
أن ظن حسن حال المعطي واللائق بكمال ورعه لم يقدم على شرب ذلك اللبن، وكذا
أبو بكر - رضي الله عنهما - في قصته المذكورة إلا بعد أن ظن حسن حال المعطي.
فإن قلت: قال ◌َ: ((هدايا العمال سحت))(٢) ومن ثم صرح أئمتنا بأن ما ذكره في
(١) أخرجه بنحوه البيهقي في ((شعب الإيمان)) (٥٧٦٠)، وابن قانع (٦١/٢).
(٢) ذكره الشيخ زكريا الأنصاري في «أسنى المطالب)) (٢٠٣/٢٢).

٢٨٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس
الهدية إلى القاضي يأتي في الهدية إلى غيره من العمال، فكيف قبل عمر الهدية بتقدير
أن أخذ اللبن ملكه؟ قلت: إما: لأنه مجتهد فرأى حِل قبول ذلك الشيء منه.
وإما: لأن من عادة معطيه أنه كان يهدي إليه قبل الولاية، وهذا لا يحرم قبول
هدیته إلا إن زاد في قدرها أو وصفها.
وإما: لأنه اضطر إليه وليس الاضطرار ببعيد عليه، وإن كان خليفة كما لا
يخفى على من علم أحواله الكاملة وتقلله من الدنيا ما أمكنه، وفيه أيضًا أن مباشرة
النجاسة باليد جائزة للحاجة، فإن إدخال يده إلى حلقه يؤدي إلى تنجسها غالبًا
بالقيء، ومع ذلك لم يلتفت إليه، فدل على ما ذكرناه وهو واضح، وأن التقيؤ ليس بضار
في ذاته، وأنه ينبغي لكل من حصل له ضرر من طعام وسهل عليه التقيؤ أن يبادر إليه،
فإن ذلك ینفعه نفعًا له وقع.

(باب من تحل له المسألة ومن لا تحل له)
(الفصل الأول)
١٨٣٧ - [عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ مُخَارِقٍ قَالَ: تَحَمَّلْتُ حِمَالَةً فَأَتَيْثُ رَسُولَ اللهِ وَهِ أُسأله
فِيهَا فَقَالَ: أَقِمْ حَتَّى تَأْتِيَنَا الصَّدَقَةُ فَآمُرُ لَكَ بِهَا، ثُمَّ قَالَ يَا قَبِيصَةُ، إِنَّ الْمَسْأَلَةَ لا تَحِلُّ
إِلَّا لِأَحَدِ ثَلاثَةٍ: رَجُلٍ تَحْمَّلَ حِمَالَةً فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَهَا ثُمَّ يُمْسِكُ، وَرَجُلُّ
أَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ اجْتَاحَتْ مَالَهُ فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ أَوْ قَالَ:
سِداد من عيش وَرَجُلِ أَصَابَتْهُ فَاقَةً حَتَّى يَقُومِ ثَلاثة مِنْ ذَوِي الْحِجَا مِنْ قَوْمِهِ قَدْ
أَصَابَتْ فُلانًا فَاقَةُ فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ أو قال: سدادًا من
عيش فَمَا سِوَاهُنَّ مِنَ الْمَسْأَلَةِ، يَا قَبِيصَةُ، سُحْتُ يَأْكُلُهَا صَاحِبُهَا سحتًا(١). رَوَاهُ
مُسلمٌ].
(عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ مُخَارِقٍ قَالَ: تَحَمَّلْتُ حِمَالَةً) بفتح الحاء المهملة؛ أي: استدنت
دينًا دفعته في إصلاح ذات البين السابق بيانه آنفا في الغارم (فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ وَه
أسأله فيهَا) أي: في وفاء الدين الذي تحملته لأجلها، وفيه إشارة إلى أن الغارم لإصلاح
ذات البين لا بأس في سؤاله وفاء دينه وإن كان غنيًّا (فَقَالَ: أَقِمْ حَتَّى تَأْتِيَنَا الصَّدَقَةُ)
أي: الزكاة (فَآمُرُ لَكَ بِهَا) فيه أنه ينبغي لمن سئل ما ليس عنده أن يعد السائل وعدًا
جميلاً حتى لا يرجع خائبًا، لا سيما إن كان سبب دينه طاعة كالإصلاح بين المسلمين
هنا، وأن الغارم لإصلاح ذات البين له حق في الصدقة بأن يوفي عنه من مالها جميع
دينه، وإن كان غنيًّا بعثًا للناس على هذه المكرمة العظيمة.
(ثُمَّ قَالَ) إرشادًا له إلى أنه لا ينبغي السؤال إلا عند الحاجة والضرورة، أو الأمر
المبهم كما هنا (يَا قَبِيصَةُ، إِنَّ الْمَسْأَلَةَ) أي: سؤال الصدقة المذكورة وهي الزكاة بقرينة
(١) أخرجه مسلم (٢٤٥١)، وأبو داود (١٦٤٢).
٢٨٧

٢٨٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس
أن الغالب في الحمالة أن صاحبها إنما يسأل من الزكوات، ويصح أن يراد بها ما يعم
صدقة النفل أيضًا لكن يبعده أن سؤال صدقة النفل لا تجوز كما يأتي إلا لمن ليس
عنده كفاية يوم وليلة، بخلاف سؤال الزكاة يجوز لمستحقها، وإن كان عنده كفاية ذلك
وأكثر منه.
ومما يؤيد أن الكلام في الزكاة ذكر الغارم وهو ذوا الحمالة، والمسكين وهو ذو
الفاقة، وهؤلاء بعض مستحقي الزكاة، وخصوا بالذكر لما يأتي، وسيأتي أن للمشتغل
بطلب العلم سؤال الصدقة النفل أيضًا وإن قدر على الكسب (لا تَحِلُّ إِلَّا لِأَحَدٍ ثَلاثَةٍ:
رَجُلٍ تَحَمَّلَ حِمَالَةً فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ) أي: أن يسأل الإمام أو أهل الزكاة في وفائها
(حَتَّى) أي: إلى أن (يُصِيبَهَا) أي: الحمالة؛ أي: حتى تقضي دينه الذي تحمله لأجلها.
(ثُمَّ) بعد قضاء دينه (يُمْسِكُ) عن المسألة إلا لضرورة أو حاجة أخرى، وقد
يؤخذ منه أن من فيه صفتا استحقاق كفقير غارم لا يجوز له أن يأخذ بهما معًا؛ لأن
العطف في الآية يقتضي التغاير، وأفهمت ثم إن محل ذلك أن أخذهما دفعة واحدة
بخلاف ما لو أخذ بالغرم وصرفه لدينه، فإنه الآن يعطى بالفقر، هذا كله إن كان من
زكاة واحدة وإلا فله الأخذ من زكاة بصفة زمن أخرى بصفة أخرى ولو معنا.
(وَرَجُلُّ أَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ) أي: آفة سماوية أو غيرها ومن قيد بالسماوية نظر إلى
أصل وضع الحائجة، وإلا فالمدار هنا على ما یصیره محتاجًا، وهو یعم أخذ متعد كما له أو
إتلافه له (اجْتَاحَتْ) أي: استأصلت (مَالَهُ) كزرعه أو ثمره (فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ) أي:
أن يسأل الناس في جبر حاجته (حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ) أي: ما يقوم بحوائجه
الضرورية والحاجية (أو) شك في أي اللفظين المرادفين نطق به؟.
(قال: سِداد) بكسر السين (من عيش وَرَجُلِ أَصَابَتْهُ فَاقَةُ) أي: فقر شديد
اشتهر بین قومہ (حَتّی) لم یکف علی أحد منھم فیحملهم ما یعلمونه من حاله، وما هو
فيه من الضنك والعسر إلى أن (يَقُوم) على رؤوس الأشهاد (ثَلاثة مِنْ ذَوِي الْحِجًا) أي:
العقل الكامل (مِنْ قَوْمِهِ) لأن مثل هذا العدد الذي هو أقل الكثير مع اتصافهم

٢٨٩
كتاب الزكاة/ باب من تحل له المسألة ومن لا تحل له
بكمال العقل وكونهم من قومه العارفين بأحواله الظاهرة والباطنة، والمطلعين منها
على ما لا يطلع عليه غيرهم يقبله ويصدقه كل أحد فيما يخبر به عن أحوال ذلك
الرجل، قائلين إخبارًا للناس حاله ليتصدقوا عليه مع التأكيد بلام القسم (قَدْ أَصَابَتْ
فُلانًا فَاقَةُ).
وبما تقرر في معنى يقوم أنه باقٍ على ظاهره وإن فُقِدَ ... إلخ مقول القول الذي هو
حال من فاعل يقوم بحدوثه؛ لدلالة مقولها عليه لعدم صلاحية تعلقه بمقوم على أن
حذف القول، وأيضًا مقوله، فصحيح سائغ، قال تعالى: ﴿وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفَّا لَّقَدْ
جِئْتُمُونَا﴾ [الكهف: ٤٨] أي: لقد جئتمونا ... إلخ.
وأن الباعث على هذا مزيد التحري لمزيد السؤال والكف عنه حتى يظهر فقره
واضطراره للناس، إخبار العدد الكثير الجامعين مع وصف الكثرة وصف العقل،
وكونهم من أفاد المحيطين بحاله غالبًا، فعلم اندفاع قول الصحابي بيوم وقع في كتاب
مسلم، والصواب ((يقول)) باللام كما في رواية أبي داود وقول غيره: أن يقوم بمعنى يقول
وهو وإن صح إلا أن المراد المبالغة في الكف عن المسألة حتى يظهر صدقه، وهو غالبًا
إنما يظهر بثلاثة من قومه، فذكر الثلاثة لذلك مبالغة لا لتوقف الحل عليه؛ لأنه
خارج عن القواعد.
بل قيل: لم يوجد لهذا العدد مدخل في شيء من الشهادات عند أحد من الأمة
(فَ) بسبب هذه القرائن الدالة على صدقه في سؤاله (حَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ) من غير عيب
يلحقه فيها.
(حَقَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ أو قال: سدادًا من عيش) وفي تعبيره بالحاجة في
الثاني، والفاقة في الثالث حتى يشهد من ذكر غاية المبالغة في الكف عن المسألة إلا
بعد الوصول لحالة الاحتياج الشديد، بل الاضطرار الملجئ لأكل الميتة، وفي قوله:
((قوامًا أو سدادًا)) إنه بعد أن جلت له المسألة لا يكثر منها بل يقتصر على ما يقتصر
عليه المضطرين من سد الرمق، إلا أن يحتاج إلى قوامة أو سده في المستقبل، بأن كان

٢٩٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس
ذلك المحل يكثر فيه الناس في زمن ويقلون في زمن، فله أن يسأل في أيام كثرتهم ما
يقوم بحاجاته في أيام قلتهم.
(فَمَا سِوَاهُنَّ) أي: هذه الأقسام الثلاثة (مِنَ الْمَسْأَلَةِ) أي: للزكاة أو صدقة
النفل على ما مر (يَا قَبِيصَةُ، سُحْتُ) أي: حرام لا يحل فعله؛ لأنه يسحت البركة؛ أي:
يذهبها ويهلكها؛ إذ السحت أصله الإهلاك والاستئصال، ومنه مال أو دم سحت؛ أي:
يحمل إهلاكه واستئصاله ووصفه بقوله: (يَأْكُلُهَا) راجع للمبتدأ وهو ما الواقعة على
الصدقة (صَاحِبُهَا) في حال كونها (سحتًا) أي: حرامًا خالصًا لا شبهة له في أكلها ولا
تأویل.
ففائدة الصفة ذلك احترازًا من أن الحرام في ذاته قد يجوز تعاطيه لأمر يقتضيه،
كعدم العلم بل قد يجب مع العلم كإساغة اللقمة بخمر لمن غص ولم يجد غيرها، وهذا
أولى من كونها صفة لبيان الواقع على حد ما قيل في: ﴿ وَيَقْتُلُونَ التَّبِّينَ بِغَيْرِ الحَقِّ﴾
[البقرة: ٦١] والتحقيق أنه لإفادة أنهم يقتلونهم معتقدين إباحة قتلهم، فهو نظير ما
تقرر أولاً في الصفة هنا (رَوَاهُ مُسلم).
واستفيد منه أن من يحمل حمالة على الوجه الذي قررناه فيه من جملة الغارمين
الذين هم أحد الأصناف الثمانية المذكورين في: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ ... ﴾ [التوبة:
٦٠] وإن كان له تمر أو مال فتلف، فإن بقي له شيء يقع موقعًا من كفايته فهو مسكين،
وإن لم يبقَ له شيء وهو المعبر عنه بمن أصابته بأفة وأصابها كما يشمل هذا يشمل من
لم يرزق ما لا يقع موقعًا من كفايته، وهذا بقسميه هو الفقير.
فإن قلت: قوله في كل من الثاني والثالث: ((حتى يصيب ... إلخ)) يدل على
اتحادهما، قلت: ممنوع؛ لأن قوام كل منهما وسداده بحسب ما يليق به، فالمسكين قوامه
أن يكمل له كفايته، والفقير سداده أن يعطي كفايته، فالقوام والسداد أن يتقولان
بالتشكيك ويختلفان بالاعتبار، فلا دلالة في تعينهما بغاية واحدة في اللفظ على
اتحادهما.

٢٩١
كتاب الزكاة/ باب من تحل له المسألة ومن لا تحل له
فإن قلت: لِمَ أعطي الثاني ما يكمل كفايته ولم يؤمر ببيع ما في يده وإنفاقه،
ثم إذا فرغ أعطى كفايته إلا أن؟ قلت: لا فائدة في ذلك بل فيه ضرر؛ لأنه بعد أن كان
يأخذ بعض الكفاية يصير يأخذ كلها، وقد يصنع ما يبيعه لوقته ثم يسأل في أحد
كفايته، فتعين بقاء ما يأتي له منه بعض الكفاية وإعطاؤه الباقي، وسبق لنا أن كلاً من
الفقير والمسكين يصدق بقوله، وإن كان قويًّا جلدًا نعم من عهد له مال وادعى تلفه
بحاجة أو غيرها، ولم يشتهر ذلك التلف لا بد من بينة يقيمها على تلفه، وإلا لم يعط
من الزكاة شيئًا؛ لأنه متهم في قوله لكون الأصل بقاء ماله.
فما أوهمه كلام شارح هنا من خلاف ذلك ليس في محله وحصرها في الثلاثة
بالذكر؛ لأن بقية أنواع الغارم والرقاب، وهم المكاتبون كتابة صحيحة وابن السبيل
في معنى الفقير، فالمسكين لاشتراط الفقر في كل من أولئك الثلاثة والغازي
والعامل والمؤلف في معنى ذي الحمالة؛ لما في كل من عود المنفعة إلى عموم
المسلمين.
ومر في حديث: ((ليس المسكين بيان حده)» وحكم أخذه مما يعلم منه أن قول
شارح شافعي هنا من لم يقدر على كسب لزمانة أو نحوها جازله السؤال؛ أي: من الزكاة
بقدر قوت قومه ليس في محله؛ لأن أصحابنا اختلفوا:
فجماعة منهم: على أنه يسأل ويأخذ كفاية سنة.
وأكثرهم: على أنه يسأل ويأخذ كفاية العمر الغالب وهو الأصح، فإن أراد سؤال
صدقة النفل قرب كلامه كما يعلم مما يأتي، ومر في ذلك الحديث أيضًا ما يعلم منه أن
المشتغلين بنوافل العبادات لا يحل لهم أخذ الزكاة؛ لأن نفعهم قاصر على أنفسهم
بخلاف المشتغلين بالعلوم الشرعية والانتهاء، فإنهم يعطون من الزكاة وإن قدروا على
الكسب؛ لأنهم يسعون في مصالح المسلمين فهم كالغزاة بل أولى.
ومن ثم جاء في حديث: «إنه يوزن مداد العلماء ودم الشهداء فيرجح مداد

٢٩٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس
العلماء))(١) وأن سبب ذلك أن العلماء أولاً دلوا الغزاة على الغزو وشرطه ومندوباته
وما يتعلق به من إصلاح الظاهر والباطن لم يحسنوا الجهاد، ولم يفعلوه على وجهه
المطلوب من الشارع، قال ذلك الشارح.
ومن ترك الكسب للتطوع بنحو الصلاة والصيام يكره له صدقة التطوع،
والذين يتهاونون في نحو رباط، ويشتغلون بالطاعة والرياضة وتصفية الباطن يستحب
لواحد منهم أن يسأل صدقة التطوع، وكسرات الخبز واللباس لهم، وينبغي للساعي أن
ينوي الكفاف لهم لا لنفسه إن لم يكن منهم لكن لا يكره أن يأكل معهم وأن
يترك الإلحاح، بل يقوي من يعطي شيئًا لرضى الله ولا يواجه أحدًا بعينه فإن أعطى
دعا، وإن لم يعط لم يسخط، ومن لم يقم بهذه الشرائط كان إثمه أكثر من أجره.
انتهى.
وما اقتضاه كلامه من الفرق بين المشتغلين بنحو الصلاة، والمشتغلين بالرياضة
وتصفية الباطن حيث جعل السؤال للأولين مكروهًا وللآخرين مسنونًا فيه نظر؛ لأن
الذي اقتضاه كلام أئمتنا أن سؤال الأولين حرام، فإنهم حرموا السؤال مع القدرة على
الكسب، ولم يستثنوا من ذلك إلا المشتغلين بالعلم كالزكاة فاقتضى ذلك أن المشتغلين
بالنوافل كما لا تحل لهم الزكاة لا يحل لهم سؤال صدقة التطوع.
وأما للآخرين فالذي يتجه فيهم أن اشتغالهم بتصفية الباطن إن كان واجبًا بأن
قصدوا تصفية نفوسهم من خبائئها الباطنة كالكبر والرياء والعجب والخيلاء والحقد
والحسد، فهؤلاء كالمشتغلين بالعلم بل أولى، وقد ألحقوا بالمشتغلين بالعلم المشتغلين
بحفظ القرآن بجامع أن الكل فرض كفاية فهذا أولى؛ لأنه فرض عين على من لم يرزق
قلبًا سليمًا.
كما صرح به الغزالي وغيره، وإن كان غير واجب بأن لم يحتاجوا لذلك كانوا
كمن قبلهم في حرمة السؤال عليهم، وقوله: وأن يترك الإلحاح سيأتي أن تركه واجب،
(١) ذكره ابن الجوزي في ((العلل المتناهية)) (٨٥).

٢٩٣
كتاب الزكاة/ باب من تحل له المسألة ومن لا تحل له
ويرشد له قوله: كان إثمه أکثر من أجره.
١٨٣٨ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيَّرَة ◌َ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّه ◌َّهِ: مَنْ سَأَلَ النَّاسَ أَمْوَالَهُمْ
تَكَثُّرًا فَإِنَّمَا يَسْأَلُ جَمْرًا فَلْيَسْتَقِلَّ أَوْ لِيَسْتَكْثِرُ(١). رَوَاهُ مُسلم].
(وَعَنْ أَبِي هُرَيَرَةٍ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: مَنْ سَأَلَ النَّاسَ أَمْوَالَهُمْ) أي: شيئًا
منها سواء الأموال الزكوية وغيرها (تَكَثُّرًا) أي: لأجل أن يستكثر المال لا لأجل حاجة
أو مسوغ فيه يقتضي حل أخذه لصدقة فرض أو نفل (فَإِنَّمَا يَسْأَلُ جَمْرًا) أي: شيئًا
يؤدي إلى الاصطلاء بجمر جهنم وحرها على حد ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ اليَتَامَى ظُلْماً
إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً﴾ [النساء: ١٠].
وزعم الحديث يفيد أن ما يأخذه تڪثرًا يكون گنزًا يترتب عليه ما يترتب
على الكنز في آية ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ [التوبة: ٣٤] يوهم أن الوعيد
المذكور في الحديث يتقيد بأخذ المال لكنزه وليس كذلك، بل الاستنكار صادق بأن
يأخذه للتوسع به في المأكل والملابس الغير المحتاج إليها، وإن لم يكنزه فالمراد سؤاله
وأخذه من صدقة الفرض أو النفل بغير استحقاقه صرفه أو كنزه، وأذقه علم أن ما
يأخذه على هذا الوجه يكون عقابه ما ذكر (فَلْيَسْتَقِلَّ أَوْ لِيَسْتَكْثِنْ) من الجمر، فهو
تهديد على سبيل التهكم أو من السؤال، فهو تهديد محض على حد ﴿فَمَن شَاءَ
فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩] (رَوَاهُ مُسلم).
ويؤخذ منه مع حد الكبيرة، بأنها ما ورد فيها وعيد شديد في الكتاب أو السنة
أن سؤال الصدقة المفروضة أو المندوبة مع عدم استحقاقها كبيرة؛ لأنهم جعلوا من
الأدلة على أن أكل مال اليتيم كبيرة قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً﴾
[النساء: ١٠] وقد علمت أن ما في هذا الحديث على طبق ما في آية اليتامى فليفيد أنه
كبيرة مثلها، ومن هذا الحديث وأحاديث أخر يأتي بعضها أخذ غير واحد من أئمتنا
(١) أخرجه مسلم (٢٤٤٦)، وأحمد (٧٣٦٢)، وابن حبان (١٨٧)، والبيهقي في ((سننه)) (٨١٢٤).

٢٩٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس
قولهم: لا يجوز للغني بمال أو كسب بأن يجد ما يحتاجه هو ومن يلزمه مؤونة يومهم
وليلتهم، أخذ صدقة التطوع إن أظهر الحاجة إليها أو سألها.
وقد حكى النووي عن الأصحاب أنهم حكوا وجهين في تحريم السؤال على القادر
وعلى الكسب قالوا: وظاهر الاحتمال يدل على تحريمه، قال: وهو كما قالوا، ففي
الأحاديث الصحيحة تشديد أكيد في النهي عن السؤال، وظواهر كثيرة تقتضي
التحريم، وعلى من عنده مال حملوا خبر الذي مات من أهل الصفة وترك دينارين فقال
﴾﴾: ((کیتان من نار))(١). انتهى.
نعم لا يحرم السؤال على مشتغل بعلم شرعي أو آلة له؛ لأنه إذا جاز له أخذ
الزكاة حينئذ كما مر، فكذا صدقة التطوع ومع حرمة السؤال لا يحرم الإعطاء كما في
((شرح مسلم)) وقال بعض أئمتنا المتأخرين: يحرم؛ لأنه إعانة على معصية، وقد يجاب
بأنه قد يحرم الأخذ ويحل الإعطاء كالرشوة على حق، وكما يعطي الشاعر خوفًا من
لسانه، أما إذا كان غنيًّا ولم يسأل ولا أظهر الفاقة فيجوز له أخذها.
قال النووي: بلا خلاف فيثاب دافعها إليه عليها، وإن علم غناه وذلك لخبر
الصحيحين: ((تصدق الليلة على غني))(٤) وفيه لعله أن يعتبر فينفق مما أتاه الله، نعم إن
علم أو ظن أن الدافع إليه إنما دفع إليه لظنه فقره حرم عليه الأخذ حينئذ ككل من
أعطى لظن صفة كعلم أو صلاح أو نسب وليس هو في الباطن كذلك فيحرم عليه
الأخذ، ويترتب عليه نحو ذلك الوعيد المذكور في الحديث لما علمت أن سببه كونه
أخذ مال الناس من غير وجه يسوغ له أخذه، وهذا المعنى موجود فيمن أعطى لظن
صفة فیه ولیست فیه فشبه لذلك وأحفظه، فإن کثیرًا من الناس يتسامحون فيه مع ما
فيه من الإثم الشديد والوعيد الأكيد.
(١) أخرجه أحمد (٤٠٢٢)، والطبراني (٤٦٥) وفي ((الشاميين)) (١٤٢٣)، وابن عساكر (٢٦٧/٦١)، وأبو
نعيم في ((الحلية)) (٧٧/٢)، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (٦٩٦٣).
(٢) أخرجه البخاري (١٣٥٥)، ومسلم (١٠٢٢)، وأحمد (٨٢٦٥)، والنسائي (٢٥٢٣).

٢٩٥
كتاب الزكاة/ باب من تحل له المسألة ومن لا تحل له
وأفهم ما ذكرته في معنى قوله: يكنز أقول الغزالي، ومن تبعه من أئمتنا أنه يباح
السؤال لحاجة مهمة كمن لا جبة له، ويتأذى بالبرد وكأجرة مركوب لمن يشق عليه
المشي، ومع ذلك ترك السؤال أولى؛ إذ الصورة أنه لم يخش على نفسه ضررًا وإلا وجب
السؤال كما قاله إمام الحرمين، أما السؤال لحاجة غير مهمة كثوب يتجمل به أو محمل
يركب فيه مع قدرته على الركوب على الرحل ففيه تفصيل، وهو أنه إن أظهر الحاجة أو
شكر الله تعالى أو تذلل للمسؤول أو ألح في الطلب حرم عليه ووقع في الوعيد
الشديد، وإن لم يوجد شيء من هذه الأربعة كره له سؤال ما ذكر ولم يحرم عليه؛ لأن
له نوع حاجة إليه.
وظاهر كلام الغزالي جواز السؤال في الضرورة والحاجة القريبة منها، وإن كان
فيه ذل وشكوى وإيذاء وإلحاح وليس مرادًا، فقد قال غيره: شرط حل سؤال المحتاج
ما قاله النووي في ((شرح مسلم)) أي: وعبارته من أذل نفسه إذلالاً زائدًا على ذل
السؤال أو ألح فيه أو أذى المسؤول حرم بالاتفاق. انتهى.
ويوافقه قول الإمام أبي عمر وابن الصلاح: السؤال مع التذلل والإلحاح وإيذاء
المسؤول حرام، وإن كان محتاجًا، وقال إمام الحرمين: هو مع الإيذاء حرام مطلقًا ومع
الحاجة جائز والتعفف عنه أولى لغير حاجة؛ أي: مهمة مكروه إلا في مباسطة
الأصدقاء وواجب عند الضرورة. انتهى.
١٨٣٩ - [وَعَنْ عَبْدِ الله بنِ عُمَرَ - رَضي الله عَنهُمَا - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّ:
مَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَسأَلُ النَّاسَ حَتَّى يَأْتِي يَومَ القِيَامَةِ لَيْسَ فِي وَجْهِهِ مُزْعَةُ لَخْمٍ (١). مُتَّفَق
عَلَيهِ].
(وَعَنْ عَبْدِ الله بن عُمَرَ - رَضي الله عَنْهُمَا - قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌َّهِ: مَا يَزَالُ
(١) أخرجه البخاري (١٤٠٥)، ومسلم (١٠٤٠)، والنسائي في ((الكبرى)) (٢٣٦٦)، والطبراني في
«الأوسط)) (٨٧٢٥)، والبيهقي في شعب الإيمان)) (٣٥٠٩)، وأحمد (٤٦٣٨)، وابن أبي شيبة
(١٠٦٦٨)، وعبد بن حميد (٨٢٨)، ومسلم (١٠٤٠)، والقضاعي (٨٢٦).

٢٩٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس
الرَّجُلُ) أي: مثلاً (يَسأَلُ النَّاسَ) سؤالاً يكثر كما قيد به في الحديث السابق، ومر
معناه وما يترتب عليه (حَتَى يَأْتِي) إلى الموقف (يَومَ القِيَامَةِ) بصفة قبيحة شنيعة يدل
على قبح عمله وخسارة صفقته وهي أنه (لَيْسَ فِي وَجْهِهِ مُزْعَةُ) بضم الميم وكسرها
وبالزاي؛ أي: قطعة (لَخْمٍ).
وإن قلت: وهو إما كفاية عن غاية الذلة والحقارة وعدم الجاه والمال من قولهم
لفلان: وجه في الناس؛ أي: جاه ومنزلة رفيعة، أو على حقيقته بأن يحشر بوجه عظم
محض لا يستره شيء من لحم؛ ليشتهر بين أهل الموقف بهذه الصفة الشنيعة الدالة على
سوء صفته وقبح طويته، ويظهر لهم ما خفي عنهم من قبائحه.
وتجويز إنه شعار يعرف به لا لعقوبة يرده أن هذا إنما سبق لذمه وهو لا يناسب
إلا أحد المعنيين لا غير، وفي ذلك إشارة إلى أن الأعمال يظهر حسنها وقبحها على
وجوه عامليها: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وَجُوهُ وَتَسْوَدُّ وَجُوهُ﴾ [آل عمران: ١٠٦] وهذا فيما يميز
المسلم من الكافر.
وأما ما يميز مراتب المسلمين فهو أنواع أخر منها: طول أعناق المؤذنين، والغرة،
والتحجيل، ووجه بلا لحم وغير ذلك (مُتَّفَق عَلَيه).
١٨٤٠ - [وَعَنْ مُعَاوِيَة ◌َ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَُّ: لَا تُلْحِفُوا فِي الْمَسْأَلَةِ فَوَالله
لا يَسْأَلُنِي أَحَدُّ مِنْكُمْ شَيْئًا فَتُخْرِجِ لَهُ مَسْأَلَتَهُ مِنِّي شَيْئًا له وَأَنَا لَهُ كَارِهُ، فَيُبَارَكُ لَهُ
فِيه(١). رَوَاهُ مُسلم].
(وَعَنْ مُعَاوِيَة ◌َ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّةُ: لَا تُلْحِفُوا) أي: تلحوا وتبالغوا
وتلازموا (فِي الْمَسْأَلَةِ) أي: في سؤالكم لي شيئًا مما عندي صدقة أو غيرها (فَوَالله لا
يَسْأَلُفِي أَحَدٌ مِنْكُمْ شَيْئًا) مع الإلحاح والمبالغة والملازمة (فَتُخْرِج) بالنصب (لَهُ
مَسْأَلَتَهُ مِنِّي شَيْئًا وَأَنَا لَهُ) أي: لهذا الإخراج الدال عليه تخرج (كَارِهُ، فَيُبَارَكُ) بالنصب
(١) أخرجه مسلم (١٠٣٨)، وأحمد (١٦٩٣٩)، والنسائي (٢٥٩٣)، والحميدي (٦٠٤)، والطبراني
(٨٠٨).

٢٩٧
كتاب الزكاة/ باب من تحل له المسألة ومن لا تحل له
(لَهُ فِيه) والفاء للسببية فيهما، أما الأول فواضح، وأما الثاني فلأمارته أن عدم السؤال
الملح سبب للبركة في المعطي، فالسؤال الملح سبب لعدمها فيه، ويجوز الرفع على حد
ولا يؤذن لهم فيعتذرون لكن يفوت التنبيه على إثبات الشيء بذكر سببه وعلته
المقتضي لمزيد رسوخه في النفس وتمام إذعانها له؛ إذ ذلك بمنزلة أقام بينة به (رَوَاهُ
مُسلم).
قال النووي في ((شرحه)): اتفق العلماء على النهي عن السؤال لغير ضرورة،
واختلف أصحابنا في مسألة القادر على الكسب على وجهين أصحهما: إنه حرام لظاهر
الأحاديث.
والثاني: حلال مع الكراهة بثلاثة شروط:
ألا يذل نفسه، ولا يلح في السؤال، ولا يكلف المسؤول.
فإن فقد أحد هذه الشروط فحرام بالاتفاق. انتهى.
ومر اتفاقًا له تعلق بذلك، واستفيد من قوله: ((وأنا له كاره)» ما قاله الغزالي: إن
من أخذ منه شيء مع العلم؛ أي: أو الظن كما يفيده كلام أئمتنا في مواضع كثيرة بأنه
باعث المعطي الحياء منه أو من الحاضرين، ولولا ذلك ما أعطاه فهو حرام إجماعًا،
ويلزمه رده أو رد عليه إليه أو إلى ورثته.
١٨٤١ - [وَعَنِ الزُّبَير بن العَوَامِ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: لَأَنْ يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ
حَبْلَهُ فَيَأْتِيَ بِحُزْمَةِ حَطَبٍ عَلَى ظَهْرِهِ فَيَبِيعَهَا، فَيَكُفَّ الله بِهَا وَجْهَهُ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ
النَّاسَ أَعْطَوْهُ أَوْ مَنَعُوهُ(١). رَوَاهُ البُخَارِي].
(وَعَنِ الزُّبَيرِ بَنِ العَوَامِ ﴾، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِّ: لَأَنْ يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ حَبْلَهُ)
فيجمع حطبًا ثم يربطه بحبله (فَيَأْتِي بِحُزْمَةٍ حَطَبٍ عَلَى ظَهْرِهِ) إلى السوق (فَيَبِيعهَا)
بثمن يسد به فاقته (فَيَكُفَّ الله بِهَا وَجْهَهُ) أي: يمنعه عن أن یریق ماءه بالسؤال (خَیْ
(١) أخرجه البخاري (١٤٠٢)، وأحمد (١٤٢٩)، وابن ماجه (١٨٣٦)، والبزار (٩٨٢)، والديلمي
(٧٨٥٢).

٢٩٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس
لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ النَّاسَ أَعْطَوْهُ أَوْ مَنَعُوهُ) ووجه الخبر به واضح، فإن الذي ينبغي لذي
المروءة أن يصون عرضه ومروءته عن مواطن الذل المزري ما أمكنه، ولا يشك عاقل
أن في سؤال الناس ذل، أي ذل؟ أعطوه أو لا؛ لأن من سأل إنسانًا ذل له واستكان وترفق
لعله أن يدفع إليه شيئًا.
ولما كان السؤال يستلزم ذلك كله حذر منه * بأبلغ من هذا، فقال: ((من تواضع
الغني لأجل غناه ذهب ثلثا دينه))(١) (رَوَاهُ البُخَارِي) ومنه يؤخذ ترجيح أن اكتساب المال
ليكف به نفسه عن ذل السؤال أو ليصرفه لمستحقيه أفضل من التخلي للعبادة.
ويوجه بأن في هذا خطأ تامًا للنفس ونفعًا قاصرًا بخلاف الأول فيهما، وهذه
مسألة حكى الغزالي في ((الإحياء)» فيها خلافًا، ثم قال: وهذا في حق من يسلم من آفات
الدنيا وإلا فالتخلي للعبادة أفضل قطعًا، وينبغي له أن يجتهد في ذلك ويزن الخير بالشر
ويفعل ما يدل عليه نور العلم دون طبعه، وما يجده أخف على نفسه فهو في الغالب
أضر عليه.
١٨٤٢ - [وَعَنْ حَكِيمٍ بَنِ حَزَامٍ ﴾ قَالَ: سَأَلَتُ رَسُولَ اللهِ وَلِ فَأَعْطَانِ، ثُمَّ
سَأَلْتُه فَأَعَطَانِي، ثَمَّ قَالَ لِي: يَا حَكِيمُ، إِنَّ هَذَا المَالَ خَضَرَ حُلْو فَمَنْ أُخذَه بَسَخَاوَةٍ
نفسه بُورِكَ له فيه، وَمَنْ أُخَذَهُ بِإِشرافَ نَفَس لم يُبَارْ لَه فِيهِ وَكَانَ كَالذي يأكلُ وَلَا
يَشَبَعُ والِيَدُ العُلْيا خَيرٍ مِن الَدِ السُّفْلَ، قَالَ حَكِيمٌ: فَقُلتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَالذي
بَعَثَكَ بالحقِّ لَا أَرْزَأُ أحدًا بَعدَكَ شَيئًا حتى أُفَارِقَ الدُّنيَا (٩). مُتَّفَق عَلَيهِ].
(وَعَنْ حَكِيمٍ بَنْ حَزَامٍ ﴾ قَالَ: سَأَلَثُ رَسُولَ اللهِ وَ﴿ فَأَعَطَانِيِ، ثُمَ سَأَلْتُه
فَأَعَطَانِ، ثَمَّ قَالَ لِي: يَا حَكِيمُ، إِنَّ هَذَا المَالَ) الذي بأيدي الناس (خَضرِ حُلْو) تشبيه
بليغ شبه المال بفاكهة خضراء حلوة بجامع رغبة النفوس في كل منهما وميلها إليه
(١) أخرجه الديلمي (٥٤٤٩).
(٢) أخرجه البخاري (٢٧٥٠)، ومسلم (٢٤٧٠)، وأحمد (١٥٦١٢)، والطبراني (٣٠٩٥)، والحاكم
(٦٠٤٨)، والطيالسي (١٣١٧).

٢٩٩
كتاب الزكاة/ باب من تحل له المسألة ومن لا تحل له
وحرصها عليه، وإن اختلفت الحيثية؛ إذ الرغبة في المال من حيث التلذذ بحصوله
لتكملة تحصيل جميع الأغراض، وفي الفاكهة المذكورة من حيث تمتع النظر بالحضرة
والذوق بالطعم.
وفيه تشبيه آخر ولعله الأنسب بالمقام، وهو أن كلاً منهما ذاهب فانٍ في أسرع
وقت؛ إذ الإنسان بين ما هو في غاية سعة الدنيا والتمتع بها، وإذا بدائرة دارت عليه
فأصبح فقيرًا يتكفف الناس، وكذلك الفاكهة بين ما هي في غاية الحضرة والنضارة
والحلاوة، وإذا هي قد ذبلت وحمضت فزال موجب الرغبة فيها في أقرب وقت وأسرعه،
فعاقبة كل منهما قبيحة وخيمة، فلا ينبغي لعاقل الركون إلى المال بوجه ولا التعويل على
جمعه في حالة مطلقًا.
ووجه أن هذا أنسب بالمقام أنه أقرب إلى الغرض المقصود من إزالة ما عند
حكيم من نهمة المال والرغبة في تحصيله، كما دل على ذلك بتكرير سؤاله، وقد زال
ذلك منه كما يعلم من آخر الحديث.
(فَمَنْ أُخذَه بَسَخَاوَةٍ نفسه) أي: أخذًا مكتسبًا بسخاوة نفس الآخذ؛ أي: كما
أبانها لكونها ظهرت عن شحها عن التعويل عليه بأن لم يسأله ولا استشرفت نفسه
وتطلعت إليه، ولا طمعت فيه لعلمها بفنائه، وأنه فتنة أي فتنة تقطع عن الله ورسوله
(بُورِكَ له فيه) لأنه ناظر في أخذه إلى ربه قائم لشكره ممتثل لأمره مُتقوٍ به على طاعته،
لا حظّ له في قبوله إلا ذلك: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا
يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٢ - ٣].
(وَمَنْ أَخَذَهُ) أخذًا ملتبسًا (بإشراف نَفَس) أي: تطلعها إلى حصوله وطمعها
فيه على أي وجه كان غير مبالٍ بما يفوته من الكمالات في جنب حصوله لشغفه
لمحبته، وامتلاء نفسه يود جمعه مع شحه به (لم يُبَاركْ لَه فِيه) معاملة له بنقيض
قصده الفاسد، وعقابًا له على تفريطه فيما أمر به وطلب منه (وَ) من أسباب عدم
البركة له فيه أن الله تعالى يسلط عليه الشره، ومن سُلط عليه الشره (كَانَ كَالذي يأَكُلُ

٣٠٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس
وَلَا يَشَبَعُ) لأن قواه الباطنة فسدت بفساد قلبه فصارت لا تهضم طعامًا حق هضمه
حتى يتغذى به، وإنما جوفه كمجراه كل ما دخل إلى أولها خرج من آخرها، فهو بذلك
في غاية من السقم والآفة لا يرد؛ إذ بالأكل إلا تنعمًا ولا يجد شبعًا فلا ينجع فيه طعام
ولا يرد له أوام، بل كل ما جمعه ذاهب من بين يديه من غير أن يعود عليه نفع منه،
وأي عدم بركة أعظم من هذا؟
ويصح أن يكون المراد نفس الدافع؛ أي: فمن أخذه أخذًا ملتبسًا لسخاوة
نفس الدافع بأن يعطي لله عن طيب نفس لا حياء ولا رياء بورك له فيه؛ لعود بركة
معطیه علیه ومن لا فلا.
فإن قلت: ما وجه للرفع فمن ألح على ما قبله؟
قلت: وجهه ظاهر فإن ما قبله مشتمل على غاية مدح المال بما فيه من النضارة
والحلاوة المعنويين، كما يشهد لذلك حديث: ((فإن أهل الدثور بالأجور))(١).
وحديث: ((نعم المال الصالح في يد الرجل الصالح»(٢) وعلى غاية ذمه بما فيه من
الاغترار بزهوته ونضارته والتعويل عليه، وذلك موجب نسيان حقوق الله التي فيه، ثم
[صرف عنه] فعل خیر فیه، فيبقى على وزره وحسرته وندمه حيث لا ينفعه ندم، وإذا
علم أن في هذا المدح وهذا الذم علم أنه يتفرع عليهما مناسبتهما ففرع على ذلك
التشبيه المتضمن للمدح ما يناسب المدح، وهو أخذه لسخاوة نفس، وللذم ما يناسب
الذم وهو أخذه بإشراف نفس، فتأمل ذلك فإنه دقیق.
ثم رأيت الشارح وجه التفريع بوجه آخر ربما يؤول لما ذكرته (واليَدُ العُلْيا)
وهي المعطية (خَيرٍ مِن اليَدِ السُّفَلَى) وهي الآخذة كما يأتي (قَالَ حَكِيمُ: فَقُلتُ: يَا
رَسُولَ اللهِ، وَالذي بَعَثَكَ بالحقِّ لَا أُرْزَأَ أحدًا بَعدَكَ) أي: بعد سؤالك هذا، كما دل
(١) أخرجه البخاري في ((الأدب المفرد)) (٢٢٧)، ومسلم (٢٣٧٦)، وأحمد (٢٢٠٩٠).
(٢) أخرجه البخاري في ((الأدب المفرد)) (٢٩٩)، وأحمد (١٨٢٣٦)، وابن حبان (٦)، والبيهقي في
((الشعب)) (١٢٤١).