النص المفهرس

صفحات 241-260

٢٤١
كتاب الزكاة/ باب ما يجب فيه الزكاة
واسطة، والواقع من موسى هنا ذلك؛ لأنه لم يروه عن معاذ، فكونه وجازه لا ينافي كونه
مرسلاً خلافًا لمن ظنه.
(أَنَّهُ) أي: معاذًا (قَالَ: إِنَّمَا أَمَرَه) أي: معاذًا رسول الله وَّهِ (أَنْ يَأَخَذَ الصَّدَقَةَ
مِنَ الْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَالزَّبِيبِ وَالتَّمْرِ. مُرْسَلُ رَوَاهُ فِي شَرْجِ السُّنَّةِ).
وفي معناه الخبر الصحيح: ((ولا تأخذ الصدقة إلا من هذه الأربعة الشعير
والحنطة والتمر والزبيب))(١) والحصر فيها إضافي باعتبار أن الحنطة والشعير هما
المتأصلان في القوت الغالبان في الوجود.
ولخبر الحاكم وصححه، لكن الذي في ((المجموع)) أنه مرسل: ((فيما سقت
السماء والسيل والبعل العُشر وفيما سقي بالنضح نصف العُشر))(٤) وإنما يكون ذلك
في التمر والحنطة والحبوب فأما القثاء والبطيخ والرمان والقصب؛ أي: بالمعجمة
الساكنة وهو الرطبة فعفوعفا عنه رسول الله وَ له؛ أي: لم يوجب فيه شيئًا.
وبهذا يعلم بطلان قول من قال: إنما حضر في تلك الأربعة؛ لأنه لم يكن ثم
غيرها، ولو قال: لأنها أغلب من غيرها لسلم من ورطة ادعاء ما لو طولب ببنائه
وثبوته بالنقل لعجز عنه، وأخذ بعضهم بعموم فيما سقت السماء فأوجبها في المقتات
وغيره.
١٨٠٤ - [وَعَنْ عَتَّابٍ بْنِ أَسِيدٍ أَنَّ النَّبِيَّ ◌َِّ قَالَ فِي زَكَاةِ الْكُرُومِ: إِنَّهَا تُخْرَصُ كَمَا
تُخْرَصُ النَّخْلُ، ثُمَّ تُؤَدِّي زَكَاتَهُ زَبِيبًا، كَمَا تُؤَدِّي زَكَاةَ النَّخْلِ تَمْرًا. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو
دَاوُد](٣).
(وَعَنْ عَتَّابٍ بْنِ أَسِيدٍ) بفتح الهمزة أمير مكة ﴾ (أَنَّ النَّبِيَّ ◌َ﴿ قَالَ فِي) كيفية
(١) أخرجه الحاكم (١٤٥٩) وقال: إسناده صحيح. والبيهقي (٧٢٤٢)، والدار قطني (٩٨/٢).
(٢) أخرجه الحاكم (١٤٥٨) وقال: صحيح الإسناد. والبيهقي (٧٢٦٨).
(٣) أخرجه أبو داود (١٦٠٥)، والترمذي (٦٤٦)، والبيهقي (٧٢٢٣)، وابن أبي عاصم في ((الآحاد
والمثاني)) (٥٦٣).

٢٤٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس
إخراج (زَكَاةِ الْكُرُومِ: إِنَّهَا تُخْرَصُ كَمَا تُخْرَصُ النَّخْلُ، ثُمَّ تُؤَدِّي زَكَاتَهُ زَبِيبًا، كَمَا تُؤَدِّي
زَّكَاةَ النَّخْلِ تَمْرًا. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُد) وحسنه الترمذي وصححه الحاكم وابن
حبان.
لكن بين النووي في (مجموعه)): إنه من مراسيل ابن المسيب، ثم قال: الأصح
فيها أنها إنما يحتج بها إذا اعتضدت بإسناد أو إن سأل من جهة أخرى أو يقول له
بعض الصحابة أو أكثر العلماء، قال: وقد وجد ذلك هنا، ثم قال: ما حاصله أن حكمة
جعل النخل فيه أصلاً مقيسًا علته أن خيبر فتحت أولاً سنة سبع وبها نخل، وقد بعث
إليهم النبي ◌َليل عبد الله بن رواحة فخرصها، فلما فتح الطائف وبها العنب الكثير أمر
بخرصه كخرص النخل المعروف عندهم ذكره صاحب ((البيان)) وهو الأحسن، أو أن
النخل كانت عندهم أکثر. انتهى.
ثم هذا الحديث مشتمل على أصلين عظيمين، الأول الخرص وهو الجزر،
والتخمين بأن يجتهد العدل المتأهل للشهادة العارف بالخرص، وبقدر الثمرة رطبة ثم
جافة ليعلم ما يأتي منها إذا جفت وهو سنة عندنا، ولا يكون إلا بعد الوجوب بأن
يبدوا صلاحه الانضباطه وتعلق حق المستحقين به حينئذ، وحكمته الرفق بالمالك
والمستحقين، ومنعه أصحاب الرأي قالوا: لإفضائه إلى الربا.
وزعموا أن أحاديثه إنما كانت قبل تحريمه فيكون ناسخًا لها وأبطل غيرهم
النسخ بأن الخرص ورد بعد الربا كما صرح به حديث عتاب، هذا فإن إسلامه سنة
ثماني بعد الفتح على أنه لا رياء فيه إن قلنا تتعلق الزكاة بذمة المالك؛ وذلك فيما إذا
ضمن الساعي أو ما دونه المالك بعد الخرص حق المستحقين فإنه بذلك ينتقل لذمته،
ويجوز له التصرف في جمیعه.
وأما إذا قلنا بتعلقها بالعين وأن المستحقين شركاء المالك فيها، وذلك بأن لم
يضمنه أحد كذلك أو بناء على أن الخرص لاعتبار المقدار فقط، فهذا مستثنى بالنص
للحاجة كالعرايا، فلا يدع في ذلك بوجه الثاني، وقت الإخراج وهو أن يصير الرطب

٢٤٣
كتاب الزكاة/ باب ما يجب فيه الزكاة
تمرًا جافًّا والعنب الذي يتزبب زبيبًا، والحب مصفى من تبنه ونحوه، فيعتبر النصاب
حينئذ ولا يجوز الإخراج منه قبل ذلك، فإن أخذ الساعي رطبًا يقبل التجفيف وحب
رده ارتقی وإلا فبدله.
وأما وقت الوجوب الذي به تتعلق الزكاة بالمال، فهو بدء صلاح التمر والزبيب
واشتداد الحب، فحينئذ لا يجوز للمالك التصرف في شيء منه، ومزية نحو الجُدّاد
والتجفيف والحصاد والدياس(١) والحمل والتصفية على المالك لا من مال الزكاة، ولا
ينافي تسمية العنب كرمًا خبر الشيخين: ((لا تسموا العنب الكرم(٢) فإن الكرم هو
المسلم.
وفي رواية: ((فإِنما الكرم قلب المؤمن)(٣) لأنه نهي تنزيه على أن تلك التسمية
من لفظ الراوي، فلعله لم يبلغه النهي أو خاطب به من لا يعرفه، قال العلماء: إنما
سَمت العرب العنب كرمًا لكثرة حمله وسهولة قطفه وكثرة منافعه؛ إذ هو فاكهة
وقوت، ويتخذ منه خل ودبس وغير ذلك، والخمر كرمًا؛ لأنها كانت تحثهم على الكرم
وتطرد الهم، فنهى الشرع عن تسمية العنب كرمًا لتضمنه مدحها فتتشوق إليها
النفوس، وكان اسم الكرم بالمؤمن وبقلبه أليق وأعلق لكثرة خيره ونفعه لاجتماع
الأخلاق والصفات الجميلة فيه من ذلك القدر.
١٨٠٥ - [وَعَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ ﴾ه حَدَّثَ أَنَّ رَسُولَ الله ◌َ﴿ كَانَ يَقُولُ: إِذَا
خَرَصْتُمْ فَخُذُوا وَدَعُوا الُّلُثَ، فَإِنْ لَمْ تَدَعُوا القُّلُثَ فَدَعُوا الرُّبُعَ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو
دَاوُدِ وَالنَّسَائِيُّ](٤).
(١) الدياس: داس الزرع دياسًا وأداسه؛ ليتخلص من الحب والقشر.
(٢) أخرجه البخاري (٦١٨٢)، ومسلم (٦٠٠٦)، وأحمد (١٠٢٣٧)، والطبراني (١٩٨).
(٣) أخرجه البخاري (٥٨٢٩)، وأحمد (٧٢٥٦)، والحميدي (١٠٩٩).
(٤) أخرجه أحمد (١٥٧٥١)، والطيالسي (١٢٣٤)، وابن أبي شيبة (٣٦٢٠٩)، والدارمي (٢٦١٩)، وأبو
داود (١٦٠٥)، والترمذي (٦٤٣)، والنسائي (٢٤٩١)، وابن خزيمة (٢٣٢٠)، وابن حبان (٣٢٨٠)،
وابن قائع (٢٦٩/١)، والطبراني (٥٦٢٦)، والحاكم (١٤٦٤).

٢٤٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس
(وَعَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ ﴾، حَدَّثَ أَنَّ رَسُولَ اللّه ◌َ كَانَ يَقُولُ: إِذَا خَرَصْتُمْ)
أيها السعاة (فَخُذُوا) من المالك القدر الذي قدره الخارص إن سلم المخروص من آفة أو
نحوها، ولا يقبل قول المالك بلا بينة ظلمني الخارص بالحيف علي؛ لأن الخارص بمنزلة
الحاكم.
(وَدَعُوا) للمالك من ذلك القدر (الثُّلُثَ) عطف على جواب الشرط، ووقع في
((المصابيح)) يدعوا وحذف خذوا، وهذا بمعنى الاستثناء؛ أي: خذوا قدر الزكاة إلا ثلثها
فدعوه للمالك (فَإِنْ لَمْ تَدَعُوا) له (الثُّلُثَ فَدَعُوا) له (الرُّبُعَ).
بهذا أخذ الشافعي في قوله القديم، واختاره جماعة من أصحابه وعليه عامة أهل
الحديث، فقال بترك الساعي له نخلة أو نخلات يأكلها أهله، ثم رجع عن ذلك في
القديم وقال: ولا يترك له شيئًا، وأجاب عن الحديث بأن المراد منه دعوا له ذلك ليفرقه
بنفسه على نحو أقاربه وجيرانه لطمعهم في ذلك منه (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُد
وَالنَّسَائِيّ) وسنده صحيح.
١٨٠٦ [وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ يَبْعَثُ
عَبْدَ الله بنَ رَوَاحَةَ إِلى يهودَ فَيُخْرِصُ النَّخْلَ حِينَ يَطِيبُ قَبْلَ أَنْ يُؤْكَلَ مِنْهُ رَوَاهُ أَبُو
دَاوُد](١).
(وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَهِ يَبْعَثُ عَبْدَ الله بنَ
رَوَاحَةَ إِلى يهودَ) الذين بخيبر (فَيُخْرِصُ النَّخْلَ حِينَ يَطِيبُ) أي: يبدو صلاحها (قَبْلَ
أَنْ يُؤْكَلَ مِنْهُ) بأن يتلون البسر ويحلو ويتموه العنب ويعلو، ويكفي بدء الصلاح في
البعض فعلم أنه لا يجوز الخرص قبل ذلك لعدم تعلق حق المستحقين به حينئذ مع
تعذر الخرص بعدم انضباط المقدار لكثرة العاهات حينئذ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُد) وسنده
حسن، زاد في رواية ثم يخير يهود بين أن يأخذوه بذلك الخرص، أو يدفعوه إليه به لكي
-
(١) أخرجه أبو داود (١٦٠٨)، والبيهقي (٧٦٩٠).

٢٤٥
كتاب الزكاة/ باب ما يجب فيه الزكاة
تحصى الزكاة قبل أن تؤكل الثمار وتفرق، ولا ينافي هذا ما مر أن الكافر لا زكاة عليه؛
لأن ابن رواحة لم يخرص عليهم إلا حصة الغانمين؛ لأنهم دفعوا إليهم تخلها ليعملوا
فيه بحصة من التمر.
وبهذا استدل أصحابنا على أنه لو كان الشجر لمسلم ويهودي مثلاً فضمن
الساعي على اليهودي زكاة شريكه المسلم جاز؛ أي: ولا نظر لكون اليهودي ليس من
أهل الزكاة؛ لأن التضمين منزل منزلة القرض، وجاز على خلاف الأصل؛ لأن فيه
مصلحة ظاهرة للمستحقين بنقل حقهم من العين المعرضة للتلف مع كثرة الآفات إلى
الذمة المصونة عن ذلك.
١٨٠٧ - [وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَلَ فِي
الْعَسَلِ: فِي كُلِّ عَشَرَةٍ أَزُقُّ زِقٌّ. رَوَاهُ التَّرْمِذِيُّ وَقَالَ: فِي إِسْنَادِهِ مَقَالُّ، وَلَا يَصِحُ عَنِ
النَّبِّ ◌ََّ فِي هَذَا الْبَابِ كَثِيرُ شَيْءٍ](١).
(وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌َّهِ فِي الْعَسَلِ: فِي كُلِّ
عَشَرَةٍ أَزُقٌّ) أفعل جمع قلة لزق (زِقٌّ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: فِي) بعض رجال (إِسْنَادِهِ
مَقَالُ) أي: موضع قول وطعن للحدیثین.
(وَلَّا يَصِحُّ عَنِ الَّبِّ وَ فِي هَذَا الْبَابِ) أي: باب زكاة المأكولات (كَثِيرُ شَيْءٍ)
أي: شيء كثير، وإنما صح فيه شيء قليل وهو ما ورد في التمر والزبيب والحبوب
المقتاتة اختيار أيضًا في بعضها، وقياسًا في الباقي وماعدا ذلك، ومنه العسل فلم يصح
فيه شيء.
ومن ثم قال الشافعي في القديم بوجوبها فيه، ثم رجع عن ذلك، وقال شارح
المراد في باب العسل، ومعنى قوله: كثير شيء أنه لم يصح في العسل ما يعول عليه، وما
ذكرته أقرب كما هو ظاهر؛ إذ لو كان المراد ما ذكره لتعين حذف كثير، والتعبير فلم
(١) أخرجه الترمذي (٦٢٩)، والبيهقي (٧٢٤٨).

٢٤٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس
يصح شيء وكما أن حديث العسل هذا ضعيف كذلك الآثار الواردة في الزيت
والزيتون والورس ونحو ذلك كلها ضعيفة، والحاصل أن سائر الفواكه والخضراوات لا
زكاة فيها؛ لأنه لم يصح فيها شيء وليست في معنى المنصوص عليه.
١٨٠٨ . [وَعَنْ زَيْنَبَ امْرَأَةِ عَبْدِ اللهِ قَالَتْ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللهِ فَقَالَ: يَا
مَعْشَرَ النِّسَاءِ تَصَدَّقْنَ وَلَوْ مِنْ حُلِيِّكُنَّ، فَإِنَّكُنَّ أَكْثَرُ أَهْلِ جَهَنَّمَ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ](١).
(وَعَنْ زَيْتَبَ امْرَأَةٍ عَبْدِ الله) بن مسعود، رضي الله عنهما (قَالَتْ: خَطَبَنَا
رَسُولُ اللهِ وَّل﴿ فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ تَصَدَّقْنَ وَلَوْ مِنْ حُلِيُّكُنَّ) هو بضم فكسر
فتشديد واحدة حلي بفتح فسكون ما تحلى؛ أي: تتزين به لبسًا أو غيره، ثم علل هذا
الأمر بما يحمل عليه، ويدعوا إليه؛ إذ من وقع في مهلك وقدر على النجاة منه بادر إليه
جهده وطاقته.
فقال: (فَإِنَّكُنَّ أَكْثَرُ أَهْلِ جَهَنَّمَ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) وليس فيه تصريح بوجوب
الزكاة في الحلي؛ لأنهن لما سمعن ذلك حين خطب ول﴿ يوم العيد ثم جاء النهي، وقال
لهن: ذلك جعلت الواحدة منهن تلقي ما كان عليها منه في حجر بلال من غير اعتبار
أن ما يلقيه ربع عشر حليها، بل ربما ألقى أكثرهن ما كان عليهن منه إجابة
لرسول الله ول* بكل ما قدرن عليه، لعلهن أن يتخلصن من ذلك الوعيد الذي
حذرهن إياه بقوله: فإنكن إلخ معلمًا لهن بما طبعن عليه من سوء الأخلاق،
واشتمالهن على علامات النفاق.
ومشيرًا لهن إلى قوله: اتقوا النار ولو بشق تمرة الموافق لقوله هنا: ولو من
حليكن؛ أي: اتقوا النار بما قدرتم عليه، قل: كشق تمرة أو كثر وعبر كالحلي المعد
لزينتكن التي لا شيء عندكن يعدلها، ويجوز أن يبقى الأمر على أصله من الوجوب،
ولا يدل على وجوب الزكاة في الحلي، بخصوصه يحمل لو على المبالغة التي لا يراد به
(١) أخرجه أحمد (٢٧٠٩٣)، والترمذي (٦٣٥)، والنسائي في الكبرى (٩٢٠٠)، والحاكم (٨٧٨٤)
وقال: صحيح على شرط الشيخين. وابن حبان (٤٢٤٨).

٢٤٧
كتاب الزكاة/ باب ما يجب فيه الزكاة
حقيقتها؛ أي: يلزمكن زكاة أموالكم حتى ما لا تجب زكاته كالحلي.
١٨٠٩ - [وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ امْرَأَتَيْنِ أَتَتَا رَسُولَ الله
الله
( وَفِي أَيْدِيهِمَا سِوَارَانٍ مِنْ ذَهَبٍ فَقَالَ لَهُمَا: تُؤَدِّيَانِ زَكَاتَهُ؟ قَالَتَا: لَا، فَقَالَ رَسُولُ الله
وَ﴿: أَتُحِبَّانِ أَنْ يُسَوِّرَكُمَا اللهُ تعالى بسِوَارَيْنِ مِنْ نَارٍ، قَالَتَا: لَا، قَالَ: فَأَدِّيَا زَكَتَهُ. رَوَاهُ
التِّرْمِذِيُّ، وقَالَ: هَذَا حَدِيثُ قَدْ رَوَى الْمُثَنَّى بْنُ الصَّبَّاحِ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ نَحْوَ
هَذَا، وَالْمُثَنَّى بْنُ الصَّبَّاحِ وَابْنُ لَهِيعَةَ يُضَعَّفَانِ فِي الْحَدِيثِ، وَلَا يَصِحُّ فِي هَذَا الْبَابِ عَنِ
الَّبِيِّ ◌َّ شَيْءٌ] (١).
(وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيِهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ امْرَأَتَيْنِ أَتَتَا رَسُولَ الله وٍَّ وَفِي
أَيْدِيهِمَا) أي: كل من أيديهما (سَارَانٍ مِنْ ذَهَبٍ فَقَالَ لَهُمَا: تُؤَدِّيَانٍ) أي: أتؤديان
فالاستفهام مقدر (زَكَاتَهُ) أي: المذكور من تلك الأسورة (قَالَتَا: لَا، فَقَالَ رَسُولُ الله
وَلِِّ: أَتُحِبَّانِ أَنْ يُسَوِّرَكُمَا اللهُ تعالى بِسوَارَيْنٍ مِنْ نَارٍ، قَالَتَا: لَا، قَالَ: فَأَدِّيَا زَكَاتَهُ. رَوَاهُ
التِّرْمِذِيُّ، وقَالَ: هَذَا حَدِيثُ قَدْ رَوَى الْمُثَنَّى بْنُ الصَّبَّجِ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ تَحْوَ
هَذَا، وَالْمُثَنَّى بْنُ الصَّبَّاحِ وَابْنُ لَهِيعَةَ يُضَعَّفَانِ فِي الْحَدِيثِ، وَلَا يَصِحُّ فِي هَذَا الْبَابِ عَنِ
السَّبِيِّوَّ شَيْءٌ).
لكن سن النووي - رحمه الله - في (مجموعه)) أن الحديث الذي بمعنى هذا الحديث
حسن، وهو أنه وَلّ رأى امرأة بيدها مسكتان - أي: واحدة مسكة بفتحات - غليظتان
من ذهب، فقال: ((أتعطين زكاة هذا؟)) قالت: لا قال: (أيسرك أن يسورك الله بهما يوم
القيامة سوارين من نار))(٢) فألقتهما إليه وَ ل﴿ وقالت: هما لله ورسوله.
وفي حديث حسن أنه وله قال نحو ذلك لعائشة في فضة، ولأجل هذا قال
الشافعي في (القديم)): وجماعة بوجوب الزكاة في الحلي المباح، لكنه رجع في الجديد إلى ما
عليه أكثر هذا العلم أنه لا زكاة فيه، كما صح ذلك عن ابن عمر وعائشة وأختها
(١) أخرجه أحمد (٦٦٦٧)، والترمذي (٦٣٧)، وابن أبي شيبة (١٠١٥٩).
(٢) أخرجه النسائي (٢٤٩١)، وأبو داود (١٥٦٥)، والبيهقي (٧٧٩٩).

٢٤٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس
أسماء، وأنس وجابر وغيرهم، وأجابوا عن تلك الأحاديث بأن الحلي كان محرمًا أول
الإسلام فوجبت زكاته حينئذ لتحريمه، فلما أبيح زالت زكاته ويؤيده أن عائشة
تركت زكاة مال أيتام تحت حجرها، مع أن مذهبها أنه يلزم الولي زكاة مال محجوره،
ومع زجرها في الحديث السابق، فلولا علمها بنسخه ما استجازت ذلك أو بأن
الحُلي الذي رآه وسيه كان فيه إسراف؛ أي: يقتضي كراهته لا تحريمه، وإلا لم يقر عليه
صَعَلى الله
وستم
ومذهبنا أن أصل الإسراف مكروه والمبالغة فيه كخلخال وزنه مائتا مثقال
حرام، وفي كل تجب الزكاة، وروى البيهقي عن ابن عمر وابن المسيب أن زكاته؛ أي: التي
كانت واجبة عاريته٦٦٦.
١٨١٠ - [وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: كُنْتُ أَلْبَسُ أَوْضَاحًا مِنْ
ذَهَبٍ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَكَثْرَّ هُوَ فَقَالَ: مَا بَلَغَ أَنْ تُؤَدَّى زَكَاتُهُ فَرُنِيَّ فَلَيْسَ بِكَئْزٍ.
رَوَاهُ مَالِكٌ وَأَبُو دَاوُد](١).
(وَعَنْ أَمِّ سَلَمَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: كُنْتُ أَلْبَسُ أَوْضَاحًا مِنْ ذَهَبٍ) جمع
وصح، وأصله من الفضة سمي بذلك لشدة بياضه (فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَكَثْرُ هُوَ؟)
أي: أتجب فيه الزكاة، حتى يكون عدم إخراجها عنه يصير صاحبه داخلاً في قوله
تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ.﴾ [التوبة: ٣٤].
(فَقَالَ: مَا بَلَغَ أَنْ تُؤَدَّى زَكَاتُهُ) بأنه كان من الجنس التي تجب الزكاة فيه وبلغ
نصابًا (فَزْنِي فَلَيْسَ بِكَثْرٍ) وظاهره أن هذه الأوضاح مما تجب زكاته إن بلغت نصابًا
(رَوَاهُ مَالِكٌ وَأَبُو دَاوُد) وهو محمول على ما مرَّ من النسخ أو السرف.
ويحتمل احتمالاً قريبًا يؤيده العدول عن الجواب المطابق بنعم أو لا، أن المراد
انظري إن کنت تتخذیه للاقتناء ولو تؤدي زکاته فهو کنز، وإن كنت تتخذیه للتزين به
المباح فليس بكنز ولا زكاة فيه، ومما تقرر من أن الكلام في حلي النساء الملبوس لهن
(١) أخرجه أبو داود (١٥٦٦)، والبيهقي (٧٠٢٦)، ولم أقف عليه عند مالك.

٢٤٩
كتاب الزكاة/ باب ما يجب فيه الزكاة
أخذ أئمتنا أنه لو اتخذ الحلي لإجارته لمن يحل له لبسه لا زكاة عليه ولا على غيره
بالآخرة في ذلك قياسًا على ما مر فيمن اتحدا، إيلاً أو بقرًا عوامل لغيره بالآخرة لا زكاة
فيها، وأن الزكاة تجب في حلي حرم لذاته كالإناء وما فيه مبالغة في السرف أو للقصد
كأن اتحد الحلي لإجارته أو إلباسه لمن لا يحل له لبسه أو كره كضبة فضة كبيرة لحاجة
أو صغيرة لزينة، وكخواتيم متعددة ليلبسها على ما في ذلك من خلاف.
١٨١١ - [وَعَنْ سَمُرَةَ بن جُنْدُبٍ ﴿ أَنّ رَسُولَ اللهِ وَلَ كَانَ يَأْمُرُ أَنْ تُخْرِجَ
الصَّدَقَةَ مِنَ الَّذِي يُعَدُّ لِلْبَيْعِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُد](١).
(وَعَنْ سَمُرَةَ بنِ جُنْدُبٍ ﴾ أَنّ رَسُولَ الله ◌ِ كَانَ يَأْمُرُ أَنْ تُخْرِجَ الصَّدَقَةَ مِنَ)
المتاع (الَّذِي يُعَدُّ لِلْبَيْعِ) أي: للتجارة فيه بالبيع أو غيره، وخص؛ لأنه الأغلب (رَوَاهُ
أَبُو دَاوُد) وسكت عليه، فهو حسن عنده وفيه دلالة ظاهرة لوجوب زكاة التجارة، ويدل
لها أيضًا خبر الحاكم بإسنادين صحيحين على شرط الشيخين عن أبي ذر أنه وَل﴿ قال:
((في الإبل صدقتها، وفي البقر صدقتها، وفي الغنم صدقتها، وفي البز صدقته))(٤) والبز:
أمتعة البزار أو السلاح، وليس فيه زكاة عين، فصدقته زكاة التجارة.
وأمر عمر غه كما رواه جماعة من يبيع الأدم بأن يقومه ويخرج زكاته، وصح عن
أبيه رضي الله عنهما أنه قال: ((ليس في العروض زكاة إلا ما كان للتجارة))(٣).
ورواية: ((لا زكاة فيها)»(٤) عن ابن عبّاس - رضي الله عنهما - ضعيفة.
ومرَّ أن خبر: ((ليس على المسلم في عبده ولا في بيته صدقة))(٥) محمول كما
يتبادر من لفظه على ما ليس للتجارة مما هو للبينة، واستفيد من الخبر الأول أن من
(١) أخرجه أبو داود (١٥٦٤)، والبيهقي (٧٨٤٧).
(٢) أخرجه أحمد (٢١٥٩٧)، وابن أبي شيبة (١٠٧٠٠)، والدارقطني (١٠١/٢)، والحاكم (١٤٣١) وقال:
إسناده صحيح على شرط الشيخين. والبيهقي (٧٣٩٠).
(٣) أخرجه البيهقي (٧٨٥٥).
(٤) انظر: مرقاة المفاتيح (١١٨/٦).
(٥) المصدر السابق.

٢٥٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس
ملك عرضًا من أي جنس كان بمعاوضة، ولو بدون نصاب بنية التجارة صار مال
تجارة من حين ملكه فيعقد حوله من حينئذ، فإذا مضى حول [ ...... ] اقتناه لنفسه
[ ...... ] آخر الحول بالنقد، فإن بلغ نصابًا أو أكثر أخرج ربع عشره وإلا فلا.
١٨١٢ - [وَعَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ غَيْرٍ وَاحِدٍ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَّ
أَقْطَعَ لِلَالٍ بْنِ الْخَارِثِ الْمُزَبِيِّ مَعَادِنَ الْقَبَلِيَّةِ، وَهِيَ مِنْ نَاحِيَةِ الْفُرْعِ، فَتِلْكَ الْمَعَادِنُ
لَا يُؤْخَذُ مِنْهَا إِلََّ الزَّكَاةُ إِلَى الْيَوْمِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُد](١).
(وَعَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ غَيْرٍ وَاحِدٍ: أَنَّ رَسُولَ الله وَلِ أَقْطَعَ) أي:
أعطى على جهة الإقطاع، وهو إقرار الإمام شيئًا من بيت المال تمليكًا تارة وإرصادًا
أخرى بحسب اجتهاده لبعض الأجناد ليرتفق به (لِلَال بْنِ الْحَارِثِ الْمُؤَِّيّ مَعَادِنَ
الْقَبَلِيَّةِ) بفتح القاف والموحدة (وَهِيَ مِنْ نَاحِيَةِ الْفُرْع) وهو بضم الفاء وإسكان الراء
وبالعين المهملة خلافًا لمن وهم فيه فضبطه بالمعجمة قرية مشهورة بوادي السراة، مياه
بين مكة والمدينة، وإلى المدينة أقرب.
وقيل: منسوبة إلى ناحية بساحل البحر بينها وبين المدينة خمسة أيام (فَتِلْكَ
الْمَعَادِنُ لَا يُؤْخَذُ مِنْهَا إِلَّا الزَّكَاةُ) التي هي ربع العشر عند مالك، وفي الأصح عند
الشافعي والخمس عند أبي حنيفة، وفي قول للشافعي وفي قول له: وإن حصل تعب
فالخمس وإلا فربع العشر (إِلَى الْيَوْمِ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد) وصحح الحاكم خبر أنّه وَّ:
((أخذ من المعادن القبلية الصدقة)(٢).
ومر آنفًا وفيهما تصريح بوجوب الزكاة في الذهب أو الفضة المستخرجين من
المعدن، ويعتبر هنا النصاب لا الحول لما مر.
(الفصل الثالث)
١٨١٣ - [عَنْ عَلَيِّ﴾ أَنَّ النَّبِيَّ ◌َلِ قَالَ: لَيْسَ فِي الْخَضْرَاوَاتِ صَدَقَةُ، وَلَا فِي
(١) أخرجه مالك (٥٨٨)، وأبو داود (٣٠٦٣)، والبيهقي (٧٨٨٦).
(٢) أخرجه الحاكم (١٤١٩)، والبيهقي (٧٨٨٧).

٢٥١
كتاب الزكاة/ باب ما يجب فيه الزكاة
الْعَرَايَا صَدَقَّةً، وَلَا فِي أَقَلَّ مِنْ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ، وَلَا فِي الْعَوَامِلِ صَدَقَةٌ، وَلَا فِي
الْجَبْهَةِ صَدَقَةُ، قال: الْصَقْرُ الْجَبْهَةُ الْخَيْلُ وَالْبِغَالُ وَالْعَبِيدُ(١). رَوَاهُ الدَّارَقُطِنِي].
(عَنْ عَلِيٍّ ه أَنَّ السَّبِيَّ ◌َهَ قَالَ: لَيْسَ فِي الْخَضْرَاوَاتِ صَدَقَةٌ) لأنها لا تقتات
والزكاة تختص بالقوت كما مر، وحكمته أن القوت ما يقوم به بدن الإنسان غالبًا؛ لأن
الاقتيات من الضروريات التي لا حياة بدونها، فوجب فيه حق لأرباب الضرورات (وَلَا
فِي الْعَرَايَا) جمع: عربة فعيلة بمعنى: فاعلة أو مفعولة، وهي النخلة التي يعطيها مالكها
لغيره ليأكل ثمرتها عامًا أو أكثر.
وفي القاموس: وأعراه النخلة وهبه ثمرتها عامًا، والعربة النخلة المعراة والتي
أكل ما عليها وما عزل عن المساومة عند بيع النخل. انتهى.
(صَدَقَّةٌ) لأنها في الغالب تكون دون النصاب؛ أو لأنها خرجت عن ملك
مالكها قبل الوجوب بطريق صحيح (وَلَا فِي أَقَلَّ مِنْ خَمْسَةٍ أَوْسُقِ صَدَقَةٌ) لما مر أنه
قليل فلا تتشوق نفوس الفقراء إلى المواساة منه (وَلَا فِي) الإبل والبقر (الْعَوَامِلِ)
للمالك أو غيره (صَدَقَةٌ) لأنها بالعمل صارت غير مقتناة للنماء كما مر.
(وَلَا فِي الْجَبْهَةِ صَدَقَةُ. قال) أبو سعيد (الْصَقْرُ الْجَبْهَةُ الْخَيْلُ وَالْبِغَالُ وَالْعَبِيدُ)
والذي في القاموس وغيره أنها الخيل.
قال في ((الفالق)): سميت بذلك؛ لأنها خيار البهائم كما يقال: وجع السلعة
لخيارها ووجه القوم وجهتهم لسيدهم.
وقال بعضهم: هي خيار الخيل، ثم رأيت صاحب النهاية أشار إلى أن ما قاله
الصقر فيه بعد وتكلف (رَوَاهُ الدَّارَقُطِني).
١٨١٤ - [وَعَنْ طَاوُسِ أَنَّ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ أَنِيَ بِوَقَصِ الْبَقَرِ فَقَالَ: لَمْ يَأْمُرْنِي فِيهِ
السَِّيُّ ◌َ﴿ بِشَيْءٍ. رَوَاهُ الدَّرَاقُطُنِي وَالشَّافِعِي وَقَالَ: وَالْوَقَصُ مَا لَمْ يَبْلُغِ الْفَرِيضَةَ] (٢).
(١) أخرجه الدارقطني (١٩٣٠).
(٢) أخرجه الشافعي (٣٧٣)، وأبو داود في ((المراسيل)) (١٠٣)، والدار قطني (١٩٥٠).

٢٥٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس
(وَعَنْ طَاوُسٍ أَنَّ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ أَنِيَ بِوَقَصٍ) بفتح القاف (الْبَقَرِ فَقَالَ: لَمْ يَأْمُرْنِي
فِيهِ الشَّبِيُّ وََّ بِشَيْءٍ) أي: يأخذ شيء (رَوَاهُ الدَّرَاقُطُنِي وَالشَّافِعِي وَقَالَ) أي: الشافعي
(وَالْوَقَصُ مَا لَمْ يَبْلُغْ الْفَرِيضَةَ) أي: ما لم يجب فيه شيء ابتداء كأربع الإبل، ودون
ثلاثين البقر، وأربعين الغنم أو في الأثناء كما بين الخمس والعشر في الأول والثلاثين
والأربعين في الثاني والأربعين والمائة والإحدى والعشرين في الثالث، والأشهر إطلاقه
على المعنى الثاني كما مر في حديث أبو بكر مع بيان قدر أكثر وقص الثلاثة، وقيل:
الوقص ما وجبت الغنم فيه من فرائض الإبل، ويبطله قول معاذ المذكور، وقيل: الوقص
في البقر خاصة.

(باب صدقة الفطر)
ويقال: صدقة الفطرة وزكاة، أو الفطرة كأنها من الفطرة التي هي الحلقة
فوجوبها عليها تزكية للنفس؛ أي: تطهيرًا لها وتنمية لعملها، ويقال: للمخرج هنا فطرة
بكسر الفاء وهي مولدة لا عربية ولا معربة، بل اصطلاحية للفقهاء فهي حقيقة
شرعية على المختار كالصلاة والزكاة، وفرضت هي وصوم شهر رمضان في السنة الثانية
من الهجرة.
وأما رمضان ففي شعبان، وأما هي فقال غير واحد: إنها في السنة الثانية أيضًا،
وقال بعض الحفاظ: قبل العيد بيومين، وقال البغداديون من أصحابنا: إن زكاة الفطر
وجبت بموجب زكاة الأموال من نصوص الكتاب والسنة لعمومها فيهما.
وقال البصريون منهم: إن وجوبها سابق على وجوب زكاة الأموال، واعتمده بعض
الحفاظ، وقيل: إن زكاة الأموال فرضت قبل الهجرة ويدل لفرضها قبل الزكاة خبر
قيس بن سعد بن عبادة - رضي الله عنهما - لسند فيه مجهول أمرنا رسول الله ولاية.
بصدقة الفطر قبل أن تنزل الزكاة، فلما نزلت فلم يأمرنا ولم ينهنا؛ أي: اكتفاء بالأمر
السابق، ولأجل ذلك قال: ونحن نفعله؛ أي: نخرجها.
وحكمة إيجابها أخر الصوم ما يأتي: ووجوبها مجمع عليه كما حكاه ابن المنذر
والبيهقي، واعترض بأن جمعًا حكوا الخلاف فيها عن بعض الصحابة وغيرهم، وتبعهم
ابن اللبان من أصحابنا، لكن في الروضة أن ما قاله غلط صريح، وفي المجموع سبقه
إليه الأصم وهو لا يعتد به في الإجماع، وابن علية أيضًا.
وعن ابن المسيب والحسن البصري: إنها لا تجب إلا على من صلى وصام.
وعن علي كرم الله وجهه: إنها لا تجب إلا على من أطاق الصوم والصلاة.
وعن عطاء وربيعة والزهري: إنها لا تجب على أهل البادية.
قال الماوردي: شذوا بهذا عن الإجماع؛ أي: بفرض صحة ذلك عنهم قال بعض
- ٢٥٣ -

٢٥٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس
أئمتنا: ولا يكفر جاحدها؛ أي: وإن سلمنا الإجماع؛ لأنها غير معلومة من الدين
بالضرورة.
(الفصل الأول)
١٨١٥ - [عَن ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - قَالَ: فَرَضَ رَسُولُ اللهِ وَهْ زَكَاةَ
الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ عَلَى العَبْدِ والحُرِّ والذَّكَرِ وَالأَنْنَى وَالصَّغِير
وَالكَبِير مِن الْمُسْلِمِينَ، وَأَمَرَ منِهَا أَنْ تُؤَدَّى قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إِلَى الصَّلَاةِ(١). مُتَّفَقُّ
عَلَيْهِ].
(عَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - قَالَ: فَرَضَ رَسُولُ الله ◌َهْ زَكَاةَ الْفِطْرِ) فيه
دليل لمذهبنا أنها فرض، ولما رأى الحنفية الفرق بين الفرض والواجب بأن الأول ما
ثبت بقطعي، والثاني ما ثبت بظني.
قالوا: إن الفرض هنا بمعنى الواجب وفيه نظر؛ لأن هذا قطعي لما علمت أنه
مجمع عليه، فالفرض فيه باق على حاله حتى على قواعدهم فلا يحتاج لتأويلهم الفرض
هنا بالواجب حال كونها (صَاعًا) وهو أربعة أمداد، والمد رطل وثلث بالبغدادي،
ورطل بغداد على الأصح مائة وثمانية وعشرون درهمًا وأربعة أسباع درهم، ومر أن
الصاع بالقدح المصري قدحان إلا سبعي مد.
وخبر أن الصاع ثمانية أرطال ضعيف كما بينه البيهقي، وأخذ به أبو حنيفة
وتبعه أبو يوسف حتى اجتمع هو ومالك - رضي الله عنهما - عند الرشيد فتناظرا فيه
فجمع مالك مكاييل أهل المدينة، وأهلها فكلهم قال عن كيله أن أباه أخبره عن جده
أنه كان يخرج به زكاة الفطر على عهد رسول الله وَّه فعويرت مكايلهم فرويت كذلك
فرجع أبو يوسف إلى مالك، ووافقه على أن الصاع ما مر.
قال ابن الرفعة: كان قاضي القضاة سيد المتورعين عماد الدين السكري يقول
(١) أخرجه البخاري (١٥٠٣)، ومسلم (٢٣٢٦) والنسائي (٢٥١٦) وأحمد (٥٩١٥)، والدارقطني
(٢٠٩٥)، وابن حبان (٩٦)، والنسائي (٢٥٠٣)، والبيهقى في «سننه» (٧٩٥٣).

٢٥٥
كتاب الزكاة/ باب صدقة الفطر
حين يخطب بمصر خطبة عيد الفطر: والصاع قدحان؛ أي: تقريبًا بكيل بلدكم
هذه سالم من الطين والعيب والفلت ولا يجزي في بلدكم هذه إلا القمح. انتهى.
والحكمة في إيجاب الصاع أن الناس يمتنعون غالبًا من التكسب يوم العيد
وثلاثة أيام بعده؛ لأنها أيام سرور وراحة فلا يجد المستحق من يستعمله فيها، والصاع
خبرًا ثمانية أرطال؛ إذ يضاف إليه من الماء الثلث والثمانية يكفي الشخص أربعة
أ
أيام.
(مِنْ تَمْرِ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ) سيأتي أن الوجوب لا يختص بهذين، بل يعم كل ما
تجب الزكاة فيه من المقتات السابق و((أو)) هنا وفيما يأتي لبيان الأنواع لا للتخيير؛ لأن
الواجب غالب قوت البلد في غالب السنة؛ لأن نفوس المستحقين الذين شرعت الزكاة
لأجلهم إنما تتشوق لهذا الغالب دون غيره، فإن فرض استواء نوعين أو أكثر في الغلبة
کانت «أو» هنا وفیما یأتي للتخییر.
(عَلَى) هي بمعنى: عن (العَبْدِ) وشذ داود الظاهري فقال: وحده على ((علي)) بأنها
تجب على العبد، ويلزم السيد تمكينه من كسبها وليس بصحيح؛ لأن الرقيق لا يملك
فكيف يتوجه إليه الوجوب (والحُرّ والذَّكَرِ وَالأَنْتَى والصَّغِيرِ وَالكَبِير) والحاضر والغائب
حال کونھم (مِن الْمُسْلِمِینَ) دون غیرهم.
وجاء في رواية ضعيفة ممن تموتون، وأخذوا من ذلك أن من كان وقت وجوبها،
وهو أخر جزء من رمضان، وأول جزء من شوال كما تدل له الإضافة إلى الفطر؛ أي:
من رمضان فلكل منه، ومن الفطر منه دخل في وجوبها موسرًا بأن فضل معه شيء
عن مؤنة نفسه، ومؤنة ليلة العيد ويومه وعما يحتاج إليه من اللائق به لباسًا وسكنًا
وخادمًا، وعن دينه على المعتمد عندنا لزمه إخراجها عن كل مسلم يلزمه مؤنته في
ذلك الوقت المركب من الوقتين المذكورين له بزوجة، فلا يلزم الزوجة وإن كانت غنية
وزوجها فقيرًا.
وقال النووي وأبو حنيفة: المزوجة لعبد أن فطرتها مرتبطة بمن تلزمه النفقة

٢٥٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس
غالبًا، وبقولي غالبًا اندفع إيراد أن النفقة قد تجب دون الفطرة أو ملك ولو للتجارة،
فيخرج عن مملوكه زكاة التجارة في وقتها والفطرة في وقتها لا خلاف [ ..... ] أو أبوة أو
بنوة، وإن زال لزوم المؤونة له عقب ذلك الوقت بنحو بينونة أو بيع أو غنى، ويلزم الولي
أن يخرج من مال محجوره فطرة المحجور، ومن على المحجور مؤونته فإن لم يكن
للمحجور مال لزم ولیه أن يخرج عنه من مال نفسه كما يلزمه مؤونته، وإن من كان
له زوجة أو مملوك أو أصل أو فرع كافر لا يلزمه فطرة عنه، وإن لزمه مؤونته؛ لأنها
طهرة والكافر ليس من أهلها.
فإن قلت: تأويل على المعنى المذكور يلزمه حذف المفروض عليه، وخروج فرض
عن معناه قلت: لا يضر ذلك، أما الأول؛ فلأنه لا محذور فيه لدلالة السياق عليه، وأما
الثاني فالتضمين شائع يضمن فرض معنى فعل يتعدى عن ((على)) أنه لا يحتاج إليه؛ إذ
المعنى فرض على الموسر أداها عن مأمونه.
ثم رأيت في رواية صحيحة أيضًا: ((فرض رسول الله وَله زكاة الفطر من رمضان
على الناس صاعًا من تمر أو صاعًا من شعير على كل حر ... إلخ))(١) وهي نص مما ذكرته،
فإنه ذكر فيها المؤدي بقوله: على الناس؛ أي: الموسرين منهم والمؤدي عنه بقوله: على كل
حر إلخ، ولم يقيد المؤدي بالمسلم، وقيد المؤدي عنه به إشارة إلى أنه لا يكون إلا
مسلمًا.
وأما المؤدي فقد يكون كافرًا وله مأمون مسلم فيلزمه الأداء عنه بلا نية
تقرب؛ لأنه ليس من أهلها، فإن قلت: يمكن لفاعل على ظاهرها، ويكون دليلاً
للأصح عندنا أن الوجوب يلاقي المؤدي عنه أولاً ثم يتحمله المؤدي، قلت: يمكن ذلك
لكن فيه نوع إيهام أن ذلك يجب مستقرًا.
(وَأَمَرَ) ندبًا بدليل الخبر الحسن: ((من أداها قبل الصلاة، فهي زكاة مقبولة، ومن
(١) تقدم تخريجه.

٢٥٧
باب صدقة الفطر
الصلاة، فهي صدقة من الصدقات))(١) وبهذا يندفع قول بعض السلف: أن
الامر سا للوجوب، وإن قواه جمع من أئمتنا (منِهَا أَنْ تُؤَدَّى قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إِلَى
الصَّلَاةِ) فإخراجها قبيل خروجه إلى صلاة العيد أفضل.
قال جماعة: إجماعًا وهذا جرى على الغالب من فعلها أول النهار، فإن أخرت
عنه استحب الأداء أول النهار للتوسعة على المستحقين، ومن ثم كان تعجيلها عقب
الفجر سنة أيضًا، وتأخيرها إلى ما بعد الصلاة مكروهًا؛ أي: إلا إن كان تأخيره لانتظار
رحم أو جار، ويحرم تأخيرها عن يوم العيد إلا لغيبة مال أو مستحق؛ لأن القصد
إغناء المستحقين عن الطلب فيه.
وفي خبر ضعيف: ((أغنوهم عن الطلب في هذا اليوم))(٢) وإذا أخرها عنه لزمه
تداركها فورًا إن أخر لغير عذر وإلا فندبًا ويكون قضاء، وأفهم كون المستحب ما
ذكر أنه يجوز إخراجها قبل يوم العيد وهو كذلك، بل يجوز عندنا تعجيلها من أول
رمضان لما مر أن له دخلاً في وجوبها لكون وقته أخره مع أول شوال (مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ).
١٨١٦ - [وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﴾ قَالَ: كُنَّا تُخْرِجُ زَكَاةَ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ طَعَامِ
صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ أَقِطِ، أَوْ صَاعًا مِنْ زَبِيبٍ(٣). مُتَّفَقُّ
عَلَيْهِ].
(وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَ﴾ قَالَ: كُنَّا تُخْرِجُ زَكَاةَ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ طَعَامٍ) أما
أعم فما بعده من عطف الخاص على العام، أو المراد به البر وهو ما ذكره الخطابي قال:
بل ذلك اسم خاص به، واستدل بأن عدم ذكره في التفصيل مع أنه الأشهر والأعلى
(١) أخرجه أبو داود (١٦٠٩)، وابن ماجه (١٨٢٧)، والحاكم (١٤٨٨).
(٢) رواه الدارقطني في "السنن" (١٥٢/٢ - ١٥٣ /٦٧)، والبيهقي (١٧٥/٤)، والحاكم في "معرفة علوم
الحديث" ص (١٣١)، وابن عدي في "الكامل" (٢٥١٩/٧)، وحميد بن زنجويه في "الأموال" (٢٣٩٧)،
وابن حزم في "المحلى" (١٢١/٦).
(٣) أخرجه مالك (٦٣٠)، والبخاري (١٥٠٦)، ومسلم (٢٣٣٠)، وأبو داود (١٦١٨)، والترمذي (٦٧٥)،
والنسائي (٢٥٢٤)، وأحمد (١٢٢٥٥)، والدارمي (١٧١٧).

٢٥٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس
عندهم صريح في أنه المراد بالطعام فأبعده من عطف المغايرة.
(أو صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرِ، أَوْ صَاعًا مِنْ أَقِطِ) بتثليث الهمزة بإسكان
القاف أو بفتح فكسر وهو لبن يابس غير منزوع الزبد، كما قاله النووي وغيره
وإطلاقه في قول ابن الأثير: هو لبن مجفف يابس مستحجر ينضح، وتخصيصه في كلام
غيره ما يعمل من اللبن المخيض أو المنزوع الزبد أو لبن الإبل غير مشهور، وعلى التنزل
فليس المراد به في كلام جملة الشرع إلا ما مر أولاً (أَوْ صَاعًا مِنْ زَبِيبٍ، مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ).
ومر أن أوقية لبيان الأنواع لا للتخيير إلا عند الاستواء في الغلبة، وأنه يدل
على أن الفطرة لا تجري إلا إن أخرجت من المقتات التي تجب الزكاة فيه، كالحمص
والعدس والذرة والباقلاء والأرز وما في معناها إلحاقًا لما لم يذكر بالمذكور في الحديث؛
لأنه في معناه بجامع الاقتیات.
واستفيد من النص على الأقط أنه يجري اللبن والجبن أيضًا لمن اقتاتوا ذلك سواء
أهل البادية والحاضرة خلافًا لمن وهم فیه، ویتعین في الجبن الوزن لتعذر کیله، ویعتبر
في اللبن أن يخرج منه ما يأتي صاع أقط؛ لأنه المنصوص عليه ويجري أقط مملح لم
يعينه الملح ولا يحسب المملح في الكيل.
وخرج بالمقتات المذكور في الحديث وما ألحق به المخيض والتمر واللحم والدقيق
والسويق والخبز والمخلوط الذي لا يبلغ حاله نصابًا، والمعيب والمسوس والمبلول إلا إن
خف سليمًا ومن لا قوت له غير ما ذكر يخرج من غالب قوت أقرب البلاد إليه إلا
المسوس أو المعيب، فإنه يجري إذا لم يكن له قوت غيره، نعم لا بد في المسوس من أن
يبلغ خالصة صاعًا ومن أن العبرة في بلد به أقوات بالغالب في معظم السنة، ولا يجزي
غيره إلا إن كان أعلا منه كالبر فإنه أعلى الأقوات فيجزي مطلقًا بل هو أفضل؛ لأنه
زاد خیرًا.
(الفصل الثاني)
١٨١٧ - [عَنِ ابنِ عَبَّاس - رَضِي اللهُ عَنْهُمَا - قَالَ: آخِرِ رَمَضَانَ أَخْرِجُوا صَدَقَةً

٢٥٩
كتاب الزكاة/ باب صدقة الفطر
صَوْمِكُمْ، فَرَضَ رَسُولُ اللهِوَِّ هَذِهِ الصَّدَقَةَ صَاعًا مِنْ تَمْرِ أَوْ شَعِيرٍ أَوْ نِصْفَ صَاعٍ
مِنْ قَمْحٍ عَلَى كُلّ حٍُّ أَوْ مَمْلُوٍ ذَكَرٍ أَوْ أَنْقَى صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ(١). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدِ وَالنَّسَائِي).
(عَن ابن عَبَّاس، رَضِي اللهُ عَنْهُمَا) أنه (قَالَ) للناس (آخِرِ رَمَضَانَ) إعلامًا لهم
بما يجب عليهم وبكيفيته (أَخْرِجُوا صَدَقَةَ صَوْمِكُمْ) فيه بعث لهم على الامتثال
لإشعاره بتوقف كمال الصوم على إخراجها، ثم بين لهم سبب وجوبها عليهم فقال:
(فَرَضَ رَسُولُ اللهِوَِّ هَذِهِ الصَّدَقَةَ) المذكورة حال كونها (صَاعًا مِنْ تَمْرِ أوْ) صاعًا من
(شَعِيرٍ أَوْ نِصْفَ صَاعٍ مِنْ قَمْحِ) لا حجة فيه لإجزاء نصف صاع حنطة الذي قال به
أبو حنيفة وخالفه الأئمة الثلاثة؛ لأن الحديث ضعيف.
وأنه أخذ به معاوية حيث قال في خطبته بالمدينة: أرى نصف صاع من
حنطة تعدل صاعًا من تمر، قال العلماء: هذا اجتهاد منه لا يعادل النصوص الصريحة
بإجاب الصاع حتى من الحنطة لا سيما الحديث السابق المتفق عليه (عَلَى) سبق أنها
بمعنى عن (حُرٍّ أَوْ مَمْلُوكٍ ذَكَرٍ أَوْ أُنْقَى صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِي).
١٨١٨ - [وَعَنْهُ قَالَ: فَرَضَ رَسُولُ اللهِوَّهِ زَكَاةَ الْفِطْرِ طُهْرَةً على الصَّائِمِ مِن اللَّغْوِ
وَالرَّفَثِ وَطَعْمَةً لِلْمَسَاكِينِ(٤). رَوَاهُ أَبُو دَاوُد].
(وَعَنْهُ قَالَ: فَرَضَ رَسُولُ اللهِ وَّرِ زَكَاةَ الْفِطْرِ طُهْرَةً على الصَّائِمِ) وفي رواية:
(طهرة للصائم))(٣).
(مِنْ) نقص وذنب الكلام (اللَّغْوِ وَ) الكلام أو الفعل (الرَّفَثِ) أي: المعصية أو
الكلام القبيح، أو المتعلق بالجماع ومقدماته الغير المناسب للصائم لعوده على صومه
بالإبطال أو النقص (وَطَعْمَةً لِلْمَسَاكِينِ) المنقطعين عن الكسب؛ لعدم قدرتهم عليه،
أو لعدم من يستعملهم؛ لأن الناس مشغولون بعيدهم وسرورهم عن ذلك (رَوَاهُ أَبُو
(١) أخرجه أبو داود (١٦٢٤)، والنسائي (٢٥٠٧).
(٢) أخرجه أبو داود (١٦٠٩)، وابن ماجه (١٨٢٧)، والحاكم (١٤٨٨) بلفظ: ((طهرة للصائم)).
(٣) تقدم تخريجه.

٢٦٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس
دَاوُد) وسنده حسن، بل قال الحاكم: صحيح على شرط البخاري.
وبه يعلم أن حكمة مشروعيتها خبرها لنقص الصوم كما شرع: سجدا السهو
في الصلاة لخبر نقصها، وفي خبر حسن غريب: ((شهر رمضان معلق بين السماء
والأرض لا يرفع إلا بزكاة الفطر))(١).
وأخذ بعض العلماء من ذلك أنها لا تجب على الصغير؛ لأنه لا تكليف عليه
حتى يطهره، ومر أن هذا شاذ مخالف للإجماع، وعليه فيجاب بأن ما ذكر حكمه وهي
لا يجب إطرادها بخلاف العلة وهي هنا إغناء المساكين في تلك الأيام لضرورة فقد من
يستعملهم، وهذه عامة مطردة.
(الفصل الثالث)
١٨١٩ - [عَنْ عَمْرو بن شُعَيْب عَنْ أمِّهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ النَّبِيَّ ◌َ بَعَثَ مُنَادِيًّا فِي
فِجَاجٍ مَكَّةَ: أَلَا إِنَّ صَدَقَةَ الْفِطْرٍ وَاحِبَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ ذَكَرٍ أَوْ أَنْنَى حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ صَغِیرٍ
أَوْ كَبِيرٍ مُدَّانِ مِنْ قَمْحِ أَوْ سِوَاهُ أَوْ صَاعٌ مِنْ طَعَامٍ(٢). رَوَاهُ التِّرْمِذِي].
(عَنْ عَمْرو بن شُعَيْب عَنْ أُمِّهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ الشَّبِيَّ ◌َّهِ بَعَثَ مُنَادِيًّا فِي فِجَاجِ
مَكَّةَ) متعلق ببعث جمع: فج، وهو الطريق الواسع، ثم بين ذلك النداء بقوله: (أَلَا إِنَّ
صَدَقَةَ الْفِطْرِ وَاجِبَةٌ عَلَى) مر أنها بمعنى عن (كُلِّ مُسْلِمٍ ذَكَرٍ أَوْ أَنْقَى حُرِّ أَوْ عَبْدٍ صَغِيرٍ
أُوْ كَبِيرٍ) وهذه الصدقة (مُدَّانٍ مِنْ قَمْحِ أَوْ) للتنويع أو التخيير كما مر (سِوَاهُ أو)
للشك في أي اللفظين سمع؟ (صَاعُ مِنْ طَعَامِ، رَوَاهُ التِّرْمِذِي).
وفيه ينبغي إظهار العلم ويعلم ما يضطرون إلى معرفته ولو بالنداء بذلك في
الطرق والأسواق، بل لو قيل: ينبغي أخذًا من هذا الحديث أنه يسن للإمام بعث من
ینادي في الناس ليلة العيد أو یومه بنحو ذلك لم یبعد.
١٨٢٠ - [وَعَنْ عَبْد الله بن تَعْلَبة أَوْ ثَعْلَبة بن عَبْد الله بن أبي صُعَيْرِ عَنْ أَبِيْهِ
(١) أخرجه الديلمي (٩٠١).
(٢) أخرجه الترمذي (٦٧٦)، والدارقطني (٢١٠٣).