النص المفهرس

صفحات 221-240

٢٢١
كتاب الزكاة/ باب ما يجب فيه الزكاة
في الدنيا، وإنما لم تسقط عنه الكفارة بإسلامه؛ لأن الزكاة مواساة فخفف عليه فيها
بخلاف الكفار، فإن الغالب فيها مضي الغرامات، وخرج بالأصل المرتد فيلزمه الزكاة؛
لأنه التزم أحكام الإسلام فلم تسقط عنه ردته.
(وَالَّتِي أَمَرَ اللهُ بِهَا رَسُولَهُ) أن يأخذها من أمته بين به أن فرضه ◌َّ المستفاد
من الأول لم ينشأ عن اجتهاد، بل عن أمر الله له به بعينه، وإذا كانت مما أمر الله تعالى
به (فَمَنْ سُئِلَهَا مِن الْمُسْلِمِينَ) سؤالاً جاريًا (عَلَى وَجْهِهَا) أي: على وفق ما أمر الله به
فيها من غير زيادة (فَلْيُعْطِهَا) وجوبًا عليه وإلا كان فاسقًا، بل كافرًا إن اعتقد عدم
وجوبها فيه دليل على أن الإمام إذا طلب زكاة الأموال الظاهرة على وجهها وجب
إعطاؤها له، وإن كان فاسقًا جائرًا.
وهو كذلك، بل قال بعض أئمتنا: يجب دفعها إليه وإن علم منه أنه يصرفها في
الفسق، ووجهه أن في مخالفته والامتناع عنه إثارة الفتنة وشق العصا، وأما قول
بعضهم فيه دليل على أن الإمام والحاكم إذا ظهر فسقهما بطل حكمهما فغير صحيح،
وإنما الذي دل عليه أنه إذا طلب منه الأكثر مما عليه لا يعطى الزائد، بل يعطى
الواجب، وهذا صريح في بقاء ولايتهما وإن فسقا بطلت غير الواجب فتأمله.
(وَمَنْ سُئِلَ فَوْقَهَا) أي: أزيد من واجبها ذاتًا أو وصفًا (فَلَا يُعْطِ) ما ليس
واجبًا عليه، بل يعطي الواجب عليه فقط وله الامتناع من إعطاء الزائدة نعم إن
اختلف اعتقاد المالك والساعي، فرأى الساعي اجتهاد أو تقليد صحيح الوجوب،
والمالك باجتهاد أو تقليد صحيح عدم الوجوب، فالعبرة باعتقاد الساعي؛ لأنه بمنزلة
الحاكم الذي يترافع إليه خصمان مخالفان له في اعتقاده، فيلزمه القضاء باعتقاده من
غير نظر إلى اعتقادهما.
وأما ما أشعر به الحديث من أن له الامتناع لمحمول على ما إذا سأله الساعي، ما
لا يسوغ إجماعًا ما لم تخش فتنة لسقطه، وعلى هذا وأما إذا رأى الساعي الوجوب فقط
يحمل الخبر السابق، ارضوا تصديقكم؛ أي: عمال الزكاة الذين نصبهم الإمام لقبضها،

٢٢٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس
وإن ظلمهم؛ أي: في اعتقادكم فقط أو قد خفتم الفتنة.
(أَرْبَع) هو وما بعده استئناف بيان للمشار إليه الذهني بهذه كما مر (وَعِشْرِينَ
مِن الْإِبِلِ) هو اسم جمع على ما قاله جمع من أهل اللغة وتبعهم النووي في تحريره، وعليه
يحمل قوله في مجموعه أنه اسم جنس للذكر والأنثى لا واحد له من لفظه؛ أي: فهو اسم
جنس جمعي ويجمع على أبال كأجمال.
(فَمَا دُونَهَا مِن الْغَنَمِ) هو اسم جنس جمعي للذكر والأنثى لا واحد له من لفظه
ويؤنث وصفه كالإبل والبقر نحو غنم سائمة (مِنْ كُلِّ خَمْسٍ شَاءُ) مبتدأ خبره في أربع،
ومن الغنم بيان للمبتدأ تأكيدًا؛ إذ الشاة لا تكون إلا من الغنم فالطرف مستقر،
ويصح كون ((من)) تبعيضية، ومن الثانية بمعنى ((اللام)) أو في ((والتقدير)) شاة من الغنم
لكل خمس أو في كل خمس يجب في أربع وعشرين من الإبل، ويجوز أن يكون من
الغنم خبر لمبتدأ محذوف دل عليه السياق، ومن كل خمس شاة جملة مبنية للجملة
قبلها، والتقدير الواجب من الغنم في أربع وعشرين من كل خمس شاة فعلم أن أول
نصاب الإبل خمس إجماعًا، ففيها شاة إجماعًا أيضًا ولا يجزئ عنها نصفا شاتين.
وظاهر الخبر أنها وجبت أصالة لا بدلاً عن الإبل فيطالبه الساعي بها
بخصوصها، فإن أعطاه ثمنها تغيرا قبله، ويجب كونها جذعة ضأن أو ثنية معز أو
جذعًا أو ثنيا، وإن كانتا له إناثًا وفي عشر شاتان وفي خمس عشرة ثلاث شياه وفي
عشرين أربع شياه إجماعًا في الكل (فَإِذَا بَلَغَتْ) إبله (خَمْسًا وَعِشْرِينَ إِلَى خَمْسِ
وَثَلَاثِینَ فَفِيهَا بِنْتُ مَخَاضٍ) وهذا مجمع عليه.
وأما ما روي عن علي أن فيها خمس شياه، وفي ست وعشرين بنت مخاض، فلم
يصح كالخبر المروي في ذلك، وبنت المخاض ما لها سنة سميت بذلك؛ لأن أصلها بعد
سنة من ولادتها تحمل مرة أخرى فتصير من المخاض؛ أي: الحوامل من النوق لا واحد
لها من لفظها، وإنما واحدها خلفه ثم لزمها هذا الاسم، وإن لم تحمل اعتبارًا للمظنة؛
لأنهم كانوا يحملون النحول على الإناث في السنة الثانية، فهي حينئذ مظنة الحمل

٢٢٣
كتاب الزكاة/ باب ما يجب فيه الزكاة
فأدرجت في الحوامل وأضيفت البنت إلى الجمع وإن لم يتصور.
(أُنْقَى) أفهم التقييد أو التأكيد بالأنثى هنا دون الشاة، أنه لا تجب أنوثة الشاة
فتحرى الذكر عن الإناث كما مرَّ، وأنه يجب أنوثة بنت المخاض، فلا يجري ابن
المخاض.
تنبيه:
قولنا: التقييد جرى على قول شارح وصفها بالأنوثة لئلا يتوهم أن البنت والابن
في قولهم ابن لبون، كالبنت في بيت طبق والابن في ابن أوى يشترك فيهما الذكر والأنثى.
انتهى.
وما ذكره في بنت طبق يخالف ما في القاموس وعبارته، وبنات طبق الدواهي
والسلاحف والحيات، وبنت طبق سلحفاة تبيض لتسعة وتسعين بيضة سلاحف.
انتهى.
وهي نص في أن بنت طبق بفتح أوليه أنثى لا غير، خلافًا لما يصرح به كلام ذلك
الشارح، أنها تشمل الأنثى والذكر فإن قلت: تفسير القاموس بنات طبق السلاحف
ظاهر وشموله السلاحف الذكور والإناث فيفيد المدعي، وهو أن مفرد بنات طبق يشمل
ذلك، وهذا المفرد غير قوله، وبنت طبق إلخ، قلت: هذا محتمل لكنه بعيد.
(فَإِذَا بَلَغَتْ سِقًّا وَثَلَاثِينَ إِلَى خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ فَفِيهَا بِنْتُ لَبُونٍ أَنْقَى) وهي ما لها
سنتان سميت به؛ لأن أمها آن أن تلد فتصير لبونًا؛ أي: من شأنها ذلك، ولا تجزي عند
فقدها ذكر حق أو غيره ولا بنت مخاض (فَإِذَا بَلَغَتْ سِتَّا وَأَرْبَعِينَ إِلَى سِقِّينَ فَفِيهَا
حِقّةٌ) وهي ما لها ثلاث سنين سميت بذلك؛ لأنها استحقت أن تركب ويحمل عليها
وأن يطرقها الفحل فتحمل منه كما قال طروقة الحمل أفعولة؛ بمعنى: مفعولة؛ أي:
استحقت بوصولها هذا السن أن يركبها الفحل لتحمل منه.
(فَإِذَا بَلَغَتْ وَاحِدَةً وَسِتِّينَ إِلَى خَمْسٍ وَسَبْعِينَ فَفِيهَا جَذَّعَةُ) وهي ما لها أربع
سنين سميت به؛ لأنها جذعة مقدم أسنانها؛ أي: أسقطته، وقيل: لتكامل أسنانها، وما

٢٢٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس
ذكرناه في سن بنت المخاض وما بعدها تحديد فلا بدَّ من الطعن فيما بعد كل.
(فَإِذَا بَلَغَتْ سِتَّ وَسَبْعِينَ إِلَى تِسْعِينَ فَفِيهَا بِنْتَا لَبُونٍ، فَإِذَا بَلَغَتْ إِحْدَى
وَتِسْعِينَ إِلَى عِشْرِينَ، وَمِائَةٍ فَفِيهَا حِقَّتَانِ طَرُوقَتَا الْجَمَلِ، فَإِذَا زَادَتْ عَلَى عِشْرِينَ
وَمِائَّةٍ فَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ وَفِي كُلِّ خَمْسِينَ حِقَّةً) هذا؛ أعني: قوله فإذا زادت إلخ
مشكل على قواعدنا.
أما أولاً؛ لأن الثلاث البنات اللبون إنما يجب في مائة وإحدى وعشرين، لكنا
استندنا في ذلك إلى أن المتبادر من الزيادة الواحدة لا بعضها، وإلى أن ذلك مصرح به
في رواية أبي داود، فإذا كانت إحدى وعشرين ومائة ففيها ثلاث بنات لبون، فإن قلت:
إذا كان المراد هذا لم يصح قوله: ((في كل أربعين)) بل يصير في «كل أربعين وثلث واحدة
بنت لبون)) قلت: لا بعد في أن ذلك هو المراد ليطابق قوله، ففيها ثلاث بنات لبون
الظاهر في توزيع الثلاث على المائة والإحدى والعشرين، ومن لازم هذا التوزيع أن في
کل أربعین وثلث بنت لبون.
وحينئذ فحذف الكسر اختصار أو تغليب لبقية الصور التي لا كسر فيها، وإذا
تقرر أن هذا هو ظاهر الخبر فلا يخالف ما هو المقرر عندنا أن الواحدة الزائدة على
العشرين قسط من الواجب حتى لو تلفت بعد الحول، وقبل التمكن سقط قسطها،
ومن الحديث دليل على أنه لا شيء في الْأَوْقَاص وهي ما بين النصابين، وأكثر وقص
الإبل تسعة وعشرون ما بين أربعين وستين وأكثر، وقص الغنم مائة وثمانية وتسعون
ما بين مائتين وواحدة وأربعمائة والأربعمائة على استقرار الحساب بعد المائة والإحدى
والعشرين، بزيادة تسع بأن تصير مائة وثلاثين، فيجب فيها بنتا لبون وحقه، ثم بزيادة
عشرة بأن تصير مائة وأربعين فيجب بنت لبون وحقتان، ثم عشر فيجب ثلاث
حقاق، وهكذا هذا ما عليه أكثر أهل العلم.
وقال النخعي والثوري وأبو حنيفة يستأنف الحساب بإيجاب الشياة، ثم بنت
المخاض، ثم بنت اللبون على الترتيب السابق لرواية بذلك لكنها لا تقاوم حديث

٢٢٥
كتاب الزكاة/ باب ما يجب فيه الزكاة
البخاري المذكور، فوجب الأخذ به (وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ إِلَّا أَرْبَعُ مِن الْإِبِلِ، فَلَيْسَ فِيهَا
صَدَقَةُ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبُّهَا) أن يتطوع استثناء منقطع؛ لأن المنفي الصدقة الواجبة
والمثبت الصدقة المندوبة أو متصل إطلاقًا للصدقة عليهما، واحتاج إليه لئلا يظن أنه
لا شيء فيها ولا على وجه التطوع أو للمبالغة في نفي الوجوب نظير ما مرَّ في هل على
غيرها، قال: لا إلا إن تطوع (فَإِذَا بَلَغَتْ خَمْسًا فَفِيهَا شَاءُ) وهذا كله تأكيد وإيضاح؛
لأنه فهم من قوله السابق من كل خمس شاة.
(وَمَنْ بَلَغَتْ عِنْدَهُ مِن الْإِبِلِ) بتعيين أن من زائدة على مذهب الأخفش داخلة
على الفاعل؛ أي: ومن بلغت إبله (صَدَقَةُ الْجَذَعَةِ) بالإضافة البيانية، وفي نسخة
بتنوين صدقة ونصب جذعة، وكذا الباقي بأن كانت إبله إحدى وستين (وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ
جَذَعَةُ، وَعِنْدَهُ حِقَّةُ فَإِنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ الْحِقَّةُ وَيَجْعَلُ مَعَهَا) للمستحقين (شَاتَيْنِ إِن
اسْتَيْسَرَتَا) ذكرين أو أنثيين أو أنثى وذكرا من الضأن ما لها سنة ومن المعز ما لها
سنتان.
(أَوْ عِشْرِينَ) وخبر عشرة ضعيف (دِرْهَمًا) فضة خالصة إسلامية، وهي المراد
بالدراهم الشرعية حيث أطلقت نعم لو غلبت المغشوشة أجزاء، منها ما يكون فيه
من الخالصة قدر عشرين خالصة، وله في هذه الصورة أن يصعد إلى البنية وهي ما لها
خمس سنين كاملة، وإن لم تكن من أسنان الزكاة وله على الأصح سند جمهور أصحابنا
طلب شاتين أو عشرين درهمًا لما بين الجذعة والبنية من التفاوت.
(وَمَنْ بَلَغَتْ عِنْدَهُ صَدَقَةُ الْحِقَّةِ) بأن كانت ستًّا وأربعين (وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ الْحِقَّةُ،
وَعِنْدَهُ الْجَدَعَةُ فَإِنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ الْجَذَعَةُ) بدل من الضمير الذي هو اسم إن أو فاعل
يقبل فالضمير للقصة (وَيُعْطِيهِ الْمُصَدِّقُ) أي: فائض الزكاة من الإمام أو نائبه أو
المستحقين إن قبضوا لأنفسهم (عِشْرِينَ دِرْهَمًا أَوْ شَاتَيْنِ) كما ذكر.
(وَمَنْ بَلَغَتْ عِنْدَهُ صَدَقَةُ الْحِقَّةِ، وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ إِلَّ بِنْتُ لَبُونٍ فَإِنَّهَا) أي: بنت
اللبون (تُقْبَلُ مِنْهُ، وَمَنْ بَلَغَتْ صَدَقَتُهُ بِنْتَ لَبُونٍ وَعِنْدَهُ حِقَّةٍ فَإِنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ الْحِقَّةُ)

٢٢٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس
جعل الضمير تارة للقصة، وتارة لما قبله وصدقه فاعلاً مرة ومفعولاً أخرى [ ..... ] يزيد
البلاغة رونقًا والفصاحة طلاوة.
(وَيُعْطِيهِ الْمُصَدِّقُ عِشْرِينَ دِرْهَمَا أَوْ شَاتَيْنٍ، وَمَنْ بَلَغَتْ صَدَقَتُهُ بِنْتَ لَبُونٍ
وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ وَعِنْدَهُ بِنْتُ مَخَاضٍ، فَإِنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ بِنْتُ مَخَاضٍ وَيُعْطِي مَعَهَا) حال مما
بعده؛ لأنه صفة له تقدمت عليه (عِشْرِينَ دِرْهَمًا أَوْ شَاتَيْنِ، وَمَنْ بَلَغَتْ صَدَقَتُهُ بِنْتَ
تَخَاضٍ وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ وَعِنْدَهُ بِنْتُ لَبُونٍ، فَإِنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ وَيُعْطِيهِ الْمُصَدِّقُ عِشْرِينَ
دِرْهَمَا أَوْ شَاتَيْنٍ) واستفيد منه أن الخيرة في الشاتين، والدراهم للدافع من المزكي أو
الساعي.
بي
وأنه لا يجوز تبعيض خبر إن واحد كان يؤخذ عنه شاة وعشرة دراهم إلا إن كان
الآخذ هو المالك؛ لأنه سامح بحقه ولا حجر عليه، وأن الخيرة في النزول والصعود
للمزكي؛ لأنهما شرعًا تخفيفًا عليه ففوض الأمر إلى اختياره، وحاصل ذلك أن فرضه
بنت مخاض أو لبون أو حقة أو جذعة ففقد الفرض حسًّا أو شرعًا ككونه معيبًا أو
کریمًا، فله صعود درجة.
وأخذ جبران وهو الشاتان أو العشرون أو نزولها ودفع جبران، وإن نقص المنزول
إليه مع الجبران غير قيمة المفقود، وأفهم تنصيصه وَّير على فقد درجة واحدة أنه لا
يجوز نزول درجتين فأكثر أو صعودهما نعم إن قنع المالك بجبران واحد جاز له الصعود،
وإن قدر على القربى في جهة المُخرجة؛ لأن الحظ حينئذ للمستحقين، وإن طلب
جبرانين أجيب إن تعذرت الدرجة القربى في جهة المخرجة كما لو لزمه بنت مخاض،
ولم يجد الآخذ عنه فله دفعها، وأخذ ثلاثة جبرانات أو لزمه جذعة فلم يجد إلا بنت
مخاض فله دفعها وإعطاء ثلاثة جبرانات بخلاف ما لو فقدت لبون لزمته، ووجد حقة
وجذعة، فلا يجوز له إخراج الجذعة إلا إن قنع بجبران واحد أو فقد حقة لزمته.
ووجد بنت لبون وبنت مخاض فلا يخرجها مع جبرانين للاستغناء عن زيادة
الجبران يدفع الواجب من القربى، وهو الحقة في الأول وبنت اللبون في الثاني، أما لو

٢٢٧
كتاب الزكاة/ باب ما يجب فيه الزكاة
كانت القربى في غير جهة العدول كفاقد بنت لبون لزمته وليس عنده إلا جذعة،
وبنت مخاض فيجوز له دفع الجذعة، وأخذ جبرانين ولم تتعين بنت المخاض مع جبران
وإن كانت أقرب للواجب؛ لأنها ليست في جهة الجذعة المخرجة (فَإِنْ) لزمه بنت
مخاض و(لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ بِنْتُ مَخَاضٍ عَلَى وَجْهِهَا) بأن فقدها حسًّا أو شرعًا لكون
معيبة أو كريهة أو معدومة أو مرهونة، ولم يقدر على تخليصها.
(وَعِنْدَهُ ابْنُ لَهُونٍ، فَإِنَّهُ يُقْبَلُ مِنْهُ) فهذا الساعي ليس له الامتناع من قبوله
(وَلَيْسَ مَعَهُ شَيْءٌ) أي: جبران وإن نقص عن بنت المخاض؛ لأن فضل السن يجبر
فضل الأنوثة فلم يحتج لجبر، ومن ثم لم يجز ابن المخاض خلافًا لمن شدَّ من أصحابنا
ولو فقد بنت لبون لم يجز عنها حق ولا جذع، وفارق ما مر في ابن اللبون بأن زيادة
سنة توجب اختصاصه بقوة، ورود الماء والشجر والامتناع من صغار السباع بخلافها
هنا، فإنها لا توجب اختصاص الحق أو الجذع عن بنت اللبون بهذه القوة لوجودها
فيها أيضًا.
(وَفِي صَدَقَةِ الْغَنَمِ فِي سَائِمَتِهَا) بدل بإعادة الجار وفي تكراره إشارة إلى أن
للسوم في هذا الجنس مدخلاً قويًّا وإلى أنه أصل يقاس عليه، وفي الإتيان بالبدل الدال
على أن المبدل في نية الطرح، والبدل هو المقصود بالحكم أفاده أن هذا أبلغ مما لو قيل
في سائمة الغنم أو في الغنم السائمة.
وبهذا يتضح دلالة الحديث على أن من شروط زكاة الغنم السوم؛ أي: الرعي من
المالك أو نائبه في كلا مباح تعظم الحول، وقسنا بها الإبل والبقر بل في حديث أبي داود
والذي صححه الحاكم وحسنه الترمذي النص على السوم في الإبل أيضًا، لا يقال
السوم يغلب في الغنم في أقطار الأرض لا سيما الحجاز، فالتقييد فيها بالسوم للغالب.
والمفهوم إذا خرج مخرج الغالب ليس بحجة إجماعًا، وأيضا فهذا مفهوم فلو
سلم أنه حجة كان معارضًا بمنطوق في كل أربعين شاة؛ لأنا نقول لا نسلم عليه ذلك
في أقطار الأرض ولئن سلم في الغنم، فلا يسلم في الإبل المنصوص عليه فيها أيضًا كما

٢٢٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس
علمت، ولئن سلم فيهما كأن زعم أن التقييد المذكور لموافقة الغالب إلخ اشتباهًا؛ لأن
الغلبة هنا ليست للمفهوم، وهو نفي الزكاة عن المعلوفة، بل للمنطوق المتفق على وجوب
الزكاة فيه، وهو السائمة والذي وقع الإجماع على عدم حجيته إنما هو إذا كان المفهوم
هو الموافق للغالب، وليس ذلك بموجود فيما نحن فيه.
وزعم المعارضة المذكورة ليس في محله؛ لأن ذلك المنطوق عام في الأشخاص،
وهو لا يستلزم العموم في الأوصاف، فهو فيها مطلق فقيد بمفهوم ما هنا وهو جائز على
أنا لو سلمنا التعارض لكان ما هنا مفهومًا اعتضد بمنطوق، وهو ما في الخبر الصحيح
ليس في البقر العوامل صدقة.
وحكمة اختصاص السائمة بالزكاة أنه لا مؤنة لها فناسب أن يواسي منها
المستحقون بخلاف المعلوفة بما يتمول ولو ثلاثة أيام في السنة، ويستثنى من السائمة
العاملة في نحو حرث أو نضح أو جهل به فلا زكاة فيها عند عامة أهل العلم خلافًا
لمالك كما سيأتي.
(إِذَا كَانَتْ أَرْبَعِينَ إِلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ شَاءُ) جذعة ضأن وهي ما لها سنة كاملة أو
أخذ عن قبلها أو بنية معز، وهي ما لها سنتان كاملتان (فَإِذَا زَادَتْ عَلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ
إِلَى مِائَتَيْنٍ فَفِيهَا شَاتَانٍ، فَإِذَا زَادَتْ عَلَى مِائَتَيْنٍ إِلَى ثَلَائِمِائَةٍ فَفِيهَا ثَلَاثُ شِيَاهِ، فَإِذَا
زَادَتْ عَلَى ثَلَاثِمِائَةٍ) مائة أخرى، وإنما أخذ النخعي والحسن بن صالح بظاهره من أن
الزيادة تصدق بواحدة، فإذا زادت على ثلاثمائة واحدة بأربع شياه إلى أن يبلغ
أربعمائة، فإذا زادت واحدة فخمس شياه فاتفق العلماء كافة على خلافه.
(فَفِي كُلٌّ مِائَةٍ شَاءُ) فعلم أن في مائة وإحدى وعشرين شاتان ومائتين وواحدة
ثلاث وأربعمائة أربع، ثم في كل مائة شاة (فَإِذَا كَانَتْ سَائِمَةُ الرَّجُلِ) ذكر؛ لأنه الغالب
(نَاقِصَةً مِنْ أَرْبَعِينَ شَاءً وَاحِدَةً فَلَيْسَ فِيهَا صَدَقَةٌ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبُّهَا) إن يتطوع نظير
ما مرآنفًا (وَلَا يُخْرَجُ فِي الصَّدَقَةِ) التي هي الزكاة.
(هَرِمَةٌ وَلَا ذَاتُ عَوَارٍ) هو بفتح أولیه في الأفصح الأشهر، وقد یضم العین فهو

٢٢٩
كتاب الزكاة/ باب ما يجب فيه الزكاة
من عطف العام؛ إذ العيب يشمل المرض والهرم وغيرهما، ومن فسره بالنقص والعيب
أراد التأكيد؛ إذ النقص والعيب متحدان (وَلَّا تَيْسُ) أي: فحل الغنم، ومحل هذا النهي
أما عن الأول فهو أن تكون ماشيته كلها سليمة أو أباقي أو فيها سليم أو أنثى قدر
الواجب فلا يجوز له أن يخرج عنها معيبة إلا ذكرًا مطلقًا.
قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ .. ﴾ [البقرة: ٢٦٧] بخلاف ما لو
كانت كلها معيبة أو ذكورًا فله إخراج معيبة أو ذكر فإن تفاوتت ماشيته في العيب بأن
قل في بعض، وكثر في بعض أخرج واحدة من أوسطها نقصًا ولا تكلف صحيحًا لما
فيه من الإضرار به، نعم قد يجب الذكر بالنص كما في إناث الإبل أصالة، ومن المعيبة
الصغار فلو كانت ماشيته كلها دون سن الفرض كأربعين ماعزة أو بقرة مضى عليها
سنة في ملكه، وكنتاج في الحول ماتت أمهاته وتبعها فيه، فيجب منها صغير بخلاف ما
لو كان فيها ما هو يسن الفرض، فإنه يتعين نظير ما مر.
ودليل وجوبها في الصغار قول أبي بكر ظه الذي رواه البخاري: والله لو منعوني
عناقًا كانوا يؤدونها إلى رسول الله ويليه لقاتلتهم على منعها ووافقه عليه الصحابة فكان
إجماعًا مع روايته له عن رسول الله ويليه والعناق بفتح العين أنثى المعز إذا قويت ما لم
تبلغ سنة.
وفي رواية إن (إِلَّا مَا شَاءَ الْمُصَدِّقُ) بكسر الدال عند أكثر المحدثين،
وبتخفيف الصاد؛ أي: الساعي بأن يؤديه اجتهاده إذا كان من أهل الاجتهاد إلى جواز
أخذ المعيب أو الذكر لمصلحة، ظهرت له فيه يعود على المستحقين فالاستثناء راجع
للكل، وقيل: بتشديدها؛ أي: المالك بأن تمحضت ماشيته كلها معيبة أو ذكورًا؛
فالاستثناء كذلك وعجيب ممن حمله على المالك، وجعله راجعًا إلى المستحقين فقط
فأوهم كلامه أن له إخراج الذكر لا المعيب، وفرق بأن الذكر قد يرغب فيه ولا كذلك
المعيب، وليس كذلك لما تقرر أن ماشيته إن تمحضت معيبات أو ذكورًا أخرج
المعيب، والذكر وإلا لم يخرجهما إلا إن أدى اجتهاد الساعي إلى قبولهما فهما على حدٍّ

٢٣٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس
سواء بلا فرق، وقيل: يجوز كون الاستثناء منقطعًا؛ أي: لا يخرج المزكي الناقص
والمعيب لكن يخرج ما شاء المصدق من السليم، والكامل وهو تكلف موهم لا
حاجة إليه.
(وَلَا يُجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ وَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعِ خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ) مفعول لأجله
راجع إليهما نهي الملاك عن التفريق وعن الجمع خشية وجوبها أو كثرتها، ونهي
الساعي عنهما خشية سقوطها أو قلتها بالتقدير خشية وجوب أو كثرة الصدقة إن
رجع للمالك، أو خشية سقوط أو قلة الصدقة إن رجع إلى الساعي فتفريق الملاك كأن
يكون لاثنين أربعون شاة مختلطة، فليس لهما تفريقها عند قدوم الساعي لتسقط
الزكاة عنهما في الظاهر، وجمعهم كأن يكون لكل من ثلاثة أربعون متفرقة فيجمعونها
عند قدومه لتجب شاة واحدة.
وتفريق الساعي: كأن تكون هذه مجموعة مختلطة فتفريقها؛ ليلزم كلاً شاة،
وقد كان واجبها شاة واحدة.
وجمعه: كأن تجمع الأولى إذا كانت متفرقة ليلزمها شاة، وقد كانت لا واجب
فيها، وبهذا يعلم أن خلطة الجوار لشروطها، وقسنا بها خلطة الشيوع لها تأثير في
الوجوب أو تكثيره تارة خلافًا لمن منع تأثيرها وعدمه أخرى.
فالأول: كأن يخلط عشرين غنمًا له بمثلها لغيره.
والثاني: كخلط أربعين غنمًا بمثلها، فعلى كل نصف شاة ولو انفرد ألزم كلاًّ شاة،
وقد لا تؤثر الخلطة شيئًا كخلط مائة بمثلها، وقد يقلل على واحد ويكثر على آخر
کخلط أربعین بأحد وثمانین.
ويدل أيضًا على تأثير الخلطة قوله: (وَمَا كَانَ مِنْ خَلِيطَيْنِ فَإِنَّهُمَا يَتَرَاجَعَانِ
بَيْنَهُمَا بِالسَّوِيَّةِ) خرج التقييد به مخرج الغالب أن الشركة تكون مناصفة فليس
قيدًا، وحينئذٍ فيستفاد منه أن للساعي في خلطة الجواز التي الكلام فيها وهو أن يتجاوز
المالان ويتحدا في الشروط المقررة في الفقه حتى يصيرا كالشيء الواحد، وكذا بقية

٢٣١
كتاب الزكاة/ باب ما يجب فيه الزكاة
الأموال الزكوية أخذ الواجب من مال أحد الخليطين أو الخلطاء، وإن أمكنه أخذ
واجب كل من ماله، ثم للمأخوذ منه الرجوع على صاحبه بحصته مثلاً في المثل وقيمة في
المتقوم.
قال بعض أئمتنا؛ وإن لم يأذن له في الدفع والحديث يقتضيه (وَفِي الرِّقَّةِ) بكسر
أوله وتخفيف ثانيه والهاء عوض من الواو، كما في العدة والوعد، ويجمع على رقين
كبنين وعزين وأصلها الورق وهو (رُبُعُ الْعُشْرِ) إن بلغت نصابًا كاملاً وهو مائة درهم
إسلامیة إجماعًا بوزن مكة.
وعبر بعض أئمتنا المتأخرين بالوزن الذي كان بمكة إشارة إلى أن وزنها الآن زاد
على وزنها الأول وهو كذلك في المثاقيل، وأثروا مكة للخبر الصحيح: ((الوزن وزن مكة
والمكيال مكيال المدينة)) والوزن هنا عندنا وعند أكثر أهل العلم: تحديد حتى لو نقص
في بعض الموازين لم يجب شيء.
واعلم أن المثقال وهو اثنتان وسبعون حبة مما تقشر، لم يختلف جاهلية ولا
إسلامًا، بخلاف الدرهم اختلف جاهلية وإسلامًا، فكان غالب المعاملة في زمنه وَله.
والصدر الأول بالدرهم البعلي الأسود وهو ثمانية دوانيق، والطبري وهو أربعة دوانيق،
قال النووي عن الخطابي: وكان أهل المدينة يتعاملون بالدراهم عدًّا عند قدومه وَيدن
فأرشدهم إلى الوزن وجعل العيار وزن مكة وهو ستة، وكانوا يستعملون الأولين
مناصفة فإنه يغلبه، ومائة طبرية، فكان في مائتين منها خمسة دراهم زكاة، وأول من
ضربها في الإسلام - كالدنانير بأنها كانت تجلب إليهم من بلاد الروم، وعليها الصور
المحرمة - عبد الملك سنة أربع أو خمس وسبعين، فجعل كل درهم ستة دوانيق وأجمع
عليه المسلمون، وقيل مصعب بأمر أخيه عبد الله بن الزبير * سنة سبعين على ضرب
الأكاسرة، وقيل: عمر
ثم قال النووي وغيره والصحيح الذي يتعين اعتماده واعتقاده أن الدراهم
المطلقة في زمنه 18 كانت معروفة الوزن والقدر، وهي السابقة للفهم عند الإطلاق

٢٣٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس
وبها يتعلق الزكاة وغيرها من الحقوق والمقادير الشرعية، وإن كان ثم أخرى أكبر أو
أصغر، فإطلاقه وَلي لها محمول على المفهوم عند الإطلاق وهو الدرهم الذي هو ستة
دوانيق، وأجمعوا عليه ولا يجوز أن يجمعوا على خلاف ما كان في زمنه وليه والخلفاء
الراشدین. انتهى.
قال الزركشي عن ابن عبد البر: روى خبر ((لا يصح الدينار)) أي: المثقال أربعة
وعشرون قيراطًا، قال: وهذا وإن لم يصح، ففي قول جماعة العلماء به، وإجماع الناس
على معناه ما يغني عن الإسناد فيه، والدانق ثماني حبات من حب الشعير المعتدل،
وخُمسا حبة فالدرهم خمسون حبة وخُمُسا حبة فالتفاوت بينه وبين المثقال ثلاثة أعشار
المثقال.
(فَإِنْ لَمْ تَكُنْ) القصبة التي عنده (إِلَّا تِسْعِينَ) درهمًا (وَمِائَةً) من الدراهم
أو إلا مائتين ينقص أدنى حبة لما مر أول الباب من رواية، وليس فيما دون خمس
أواق من الورق صدقة، وبها يعلم أن النص على التسعين إنما هو لكنة فلا مفهوم له
وهي إما أن التسعين آخر فصل من فصول المائة، فيعبر به عما دونها إلغاء للكسر
كما جمع بين رواية أن سنة وير كل ستوق ورواية ثلاث وستون بأن الأول ألغى
الكسر.
وأما أن الحصر قد يتوجه إلى رد منكر لما انصب الحصر عليه، فلا ينافي وجود
غيره نحو ما زيد إلا عالم للرد على منكر علمه فلا يقتضي سلب صفات له غير العلم،
فكذلك هنا يحتمل أنه وس﴿ أورد لك ردًّا على منكر أن المائة والتسعين لا شيء فيها
(فَلَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ) يجب إجماعًا (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) وهو حديث جليل مشتمل على فوائد
جليلة وأحكام كثيرة.
١٧٩٧ - [وَعَنْ عَبْدِ الله بْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - عَنِ النَّبِيِّ ◌ََّ قَالَ: فِيمَا
سَقَتِ السَّمَاءُ وَالْعُيُونُ أَوْ كَانَ عَثَرِيًّا الْعُشْرُ، وَمَا سُِيَ بِالنَّصْجِ نِصْفُ الْعُشْرِ. رَوَاهُ

٢٣٣
كتاب الزكاة/ باب ما يجب فيه الزكاة
البُخَارِيُّ](١).
(وَعَنْ عَبْدِ الله بْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - عَنِ النَّبِيِّ ◌َ﴿ قَالَ: فِيمَا سَقَّت
السَّمَاءُ وَالْعُيُونُ أَوْ كَانَ عَثَرِيًّا) وهو بفتح المثلثة بلا تشديد، وقيل به وغلط وقيل
بإسكانها وبتشديد التحتية زرع أو نخل يسعى بالسيل الجاري إليه في حفر تسمى عاثورًا
لتعثر المار بها إذا جهلها.
وقيل هو الذي يشرب من نهر يجري إلى جانبه، وفسر السقي بالمطر وجرى
عليه في القاموس وبما يشرب بعروقه من ماء المطر المجتمع في حفره، قال شارح:
وهو الأولى لئلا يلزم التكرار وعطف الشيء على نفسه، وإنما يكون أولى بالنسبة
لما قبله لا بالنسبة لما جرينا عليه أولاً، بل هو المناسب لقول القاموس
المحيط: والعَاتُورُ المَهْلَكَةُ من الأَرضِينَ، والشَّرُّ، كالعِثَارِ، وما أُعِدَّ لِيَقَعَ فيه أَحَدُّ،
والپِثْرُ.
قال الزمخشري: سمي بذلك؛ لأنه لا يحتاج في سقيه إلى عمل من عثر على المشي
عثورًا وعثرًا؛ لأنه يهجم عليه الماء بلا عمل من صاحبه كأنه نسب إلى الغير، وحركت
عينه کما قيل في الرمل: رملي. انتهى.
وفسر في القاموس العثر بالاطلاع، وظاهر كلام الزمخشري أنه الاطلاع من أول
أهله (الْعُشْرُ وَمَا سُقِيَ بِالنَّصْج) أي: بالناضح البعير أو غيره من بئر أو نهر والأنثى
ناضحة، ويسمى هذا الحيوان أيضًا سانية (نِصْفُ الْعُشْرِ، رَوَاهُ البُخَارِيُّ) ويؤخذ منه
ومن خبر مسلم فيما شقت الأنهار والغنم؛ أي: المطر العشر، وفيما سقي بالسانية
نصف العشر.
ومن حديث أبي داود بسند صحيح فيما سقت السماء والأنهار أو كان بغلاً؛
أي: وهو ما يشرب لعروقه لقربه من الماء العشر، وفيما سقي بالسواقي أو النضح نصف
العشر أن الملحظ في ذلك كثرة المؤونة وخفتها كما في السائمة والمعلوفة بالنظر إلى
(١) أخرجه البخاري (١٤٨٣)، وأبو عوانة (٢١٦٠).

٢٣٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس
الوجوب وعدمه، ففي كل ما سقي بلا كبير مؤونة العشر إجماعًا كالسقي بماء مطر.
ومنه الماء المنصب من الجبال أو نهر أو عين أو قناة أو ساقية حفرت من نهر
عظيم، وإن احتاجا إلى عظيم مؤونة؛ لأنها لعمارة الملك لا للماء وفي كل ما سقي
بكبير مؤنة نصف العشر أيضًا، كالمسقى بالناضح والدولاب أو بما اشتراه أو غصبه
أو نهبه لعظيم المنة فیه.
١٧٩٨ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بَ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَّهِ: الْعَجْمَاءُ جُرْحُهَا جُبَارٌ،
وَالْبِقْرُ جُبَارَ، وَالْمَعْدِنُ جُبَارٌ، وَفِي الرِّكَازِ الْخُمُسُ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ](١).
(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: الْعَجْمَاءُ) بالمد هو في الأصل
تأنيث أعجم، وهو من لا يتكلم ثم نقل للبهيمة؛ لأنها لا تتكلم (جُرْحُهَا) أي: إتلافها
شيئًا على مالكه وليس معها سائق ولا قائد ولا عليها راكب ولا قصر مالكها في
إطلاقها لكونه أحكم ربطها فقطعته أو طلقه وهي طائر مطلقًا أو غيره واعتاد أهل
البلد ذلك ليلاً أو نهارًا.
(جُبَارٌ) أي: هدر لا شيء فيه بخلاف ما إذا أتلفت شيئًا ومعها أحد أو قصر في
ربطها أو أطلقها في وقت لا يعتاد أهل تلك البلد إطلاق بهائمهم فيه، فإنه يضمن
متلفها في هذه الصورة ما لم يقصر مالكه كأن يعرضه لها ولو بان تركه بالطريق بلا
حافظ، قيل: لا بد من تقدير مضاف ليصح حمل المبتدأ على الخبر؛ أي: فعل العجماء
هدر. انتهى.
وهو سهو؛ لأنه لم يخبر عن العجماء بجبار بل يخرجها جبار، وهذا صحيح من
غير تقدير كما هو واضح (وَالْبِئْرُ) التي حفرها إنسان غير متعد بحفرها لكونها تملكه،
(١) أخرجه البخاري (١٤٢٨)، ومسلم (١٧١٠)، ومالك (١٥٦٠)، وأحمد (٧٢٥٣)، وعبد الرزاق
(١٨٣٧٣)، وأبو داود (٤٥٩٣)، والترمذي (٦٤٢) والنسائي (٢٤٩٥)، وابن ماجه (٢٦٧٣)، وابن
أبي شيبة (٢٧٣٧٤)، والدارمي (١٦٦٨)، وابن خزيمة (٢٣٢٦)، وأبو عوانة (٦٣٥٤)، وابن حبان
(٦٠٠٥)، والبيهقي (١٦١٧٢).

٢٣٥
كتاب الزكاة/ باب ما يجب فيه الزكاة
فتعدى إنسان ودخله فوقع فيها أو دعاه إليه المالك وأعلمه بها فوقع فيها، وكذا إذا
حفرها بطريق واسع لمصلحة المسلمين أو لمصلحة نفسه.
وقد أذن له الإمام أو استأجر رجلاً ليحفر له بئرًا بشرطه فحفر، ثم انهار عليه
ما حفره فأهلكه (جُبَارُ) أي: تساقط فيها أو المنهارة عليه هدر، فلا يضمن صاحب
البئر الواقع فيها في الصورة الأولى ولا حافرها في الثانية؛ لأن المالك لا تقصير منه
حينئذ بوجه.
(وَالْمَعْدِنُ) وهو الجوهر المستخرج من مكان خلقه الله تعالى فيه، وپسمى به
مكانه أيضًا، وهو المراد هنا من عدن بكذا یعدن بالكسر إذا أقام به، ومنه عدن للبلد
المعروفة؛ لأن تُبَّعًا كان يحبس أصحاب الجرائم فيها، وكان رجلاً صالحًا قيل: آمن بنبينا
﴿4* قبل مبعثه بسبعمائة سنة، المنهار على مستأجر لهذه (جُبَارُ) أي: المنهار عليه هدر؛
لأنه الذي عزر بنفسه، وإنما حملناه على ذلك لإجماعهم على وجوب الزكاة فيما يستخرج
من المعدن إذا كان ذهبًا أو فضة، ففيها ربع العُشر لقوله تعالى: ﴿وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم
مِّنَ الأَرْضِ﴾ [البقرة: ٢٦٧].
وللخبر الصحيح أنه ﴿ أخذ من المعادن القبلية الصدقة، وسيأتي (وَفِي الرِّكَازِ)
أي: المركوز ككتاب؛ أي: مكتوب وهو لغة الثبوت من ركزت الرمح إذا غرزته أو
الخفاء، ومنه قوله تعالى: ﴿أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً﴾ [مريم: ٩٨] أي: صوتًا خفيًّا وشرعًا دفين
الجاهلية، وهم من قبل بعثه نبينا وير الموجود بموات الإسلام أو خرابه أو بالقبور
الجاهلية أو بالقلاع التي عمرت في الجاهلية، وباد أهلها أو بموات دار الحرب وإن دنا
عنه ولا أثر لاحتمال أن مسلمًا وجده ثم كنزه؛ لأنه خلاف الأصل؛ ولأنه لا يشترط
العلم بكونه من دفنهم لتعذره، وإنما يكتفي بعلامة تدل عليه من ضرب أو غيره
کوجوده بقبورهم، فإن مجرد كونه فيها قرينة على أنه من دفنهم.
(الْخُمُسُ) على من هو من أهل الزكاة، ونقل ابن المنذر الإجماع على وجوبه على
الذمي سهو وفارق وجوب ربع العشر في المعدن لعدم المؤونة أو خفتها ولا تغير فيهما

٢٣٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس
حوله؛ لأنه إنما اعتبر لنمو المال، وهذان كلاهما نماء عظيم في نفسه، بل النصاب ولو
بضمه إلى مال آخر عنده (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ).
وأجمعوا عليه إلا الحسن البصري، وفسَّر أهل العراق من أصحاب أبي حنيفة
الركازهنا بالمعدن حتى يجب فيه الخمس، لخبر أنه * سئل عنه فقال: الذهب والفضة
الذي خلقه الله في الأرض يوم خَلقه السموات والأرض، وجوابه أن الحديث ضعيف
وتفسيرنا له بالدفين السابق أقرب إلى مدلول الركاز لغة فتعين وتأييد الأول بأن حديث
الدفين في هذا المقام دخيل؛ لأنه لما ذكر حكم المعدن في الهدر استتبعه حكمًا آخر له،
وهو وجوب الزكاة فيما حصل منه استطرادًا يرد بأن هذا إلا تأييد فيه؛ لأن مجرد
المناسبات اللفظية لا نظر إليها في استنباط الأحكام الشرعية على إنا نمنع كونه دخيلاً.
ويقول: لا يصح غيره؛ لأن المراد من قوله والمعدن خيار المحل الذي يستخرج
منه الجوهر كما مر، فلو أريد بالركاز المعدن؛ بمعنى: الجوهر المستخرج لزم عليه إيهام
أن نفس الجوهر لا يسمى معدنًا وليس كذلك، بل هو المسمى بالمعدن حقيقة، وأما
المكان فإنما سمي به مجاز للمجاوزة.
(الفصل الثاني)
١٧٩٩ - [عَنْ عَلِيٍّ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّ: (قَدْ عَفَوْتُ عَنِ الْخَيْلِ وَالرَّقِيقِ
فَهَاتُوا صَدَقَةَ الرِّقَةِ مِنْ كُلِّ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا دِرْهَمُ، وَلَيْسَ فِي تِسْعِينَ وَمِائَةٍ شَيْءٌ، فَإِذَا
بَلَغَتْ مِائَتَيْنِ فَفِيهَا خَمْسَة. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُد، وَفِي رِوَايَةٍ لِأَّبِي دَاوُد: عَنِ الْخَارِثِ
الأَعْوَرِ عَنْ عَلٍّ، قَالَ زُهَيْرُ: أَحْسِبُهُ عَنِ النَّبِيِّ وَ قَالَ: هَاتُوا رُبُعَ الْعُشْرِ مِنْ كُلِّ أَرْبَعِينَ
دِرْهَمَا دِرْهَمُ، وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ شَيْءٍ حَتَّى تَتِمَّ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ فَفِيهَا خَمْسَةُ دَرَاهِمَ فَمَا زَادَ
فَعَلَى حِسَابٍ ذَلِك، وَفِي الْغَنَمِ فِي كُلِّ أَرْبَعِينَ شَاةً شَاةً إِلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ، فَإِنْ زَادَتْ
وَاحِدَةً فَشَاتَانٍ إِلَى مِائَتَيْنِ، فَإِنْ فَثَلاثُ شِيَاهٍ إِلَى ثَلَائِمِائَةٍ، فَإِذَا زَادَتْ عَلَى ثَلاثِمِائَةٍ فَفِي
كُلِّ مِائَةٍ شَاةً فَإِنْ لَمْ يَكُنْ إِلَّا تِسْعًا وَثَلَائِينَ فَلَيْسَ عَلَيْكَ فِيهَا شَيْءٌ، وَفِي الْبَقَرِ من كُلِّ

٢٣٧
كتاب الزكاة/ باب ما يجب فيه الزكاة
ثَلَاثِينَ تَبِيعُّ أَوْ تَبِيعَة وَفِي الأَرْبَعِينَ مُسِنَّةٌ وَلَيْسَ عَلَى الْعَوَامِلِ شَيْءٌ ](١).
(عَنْ عَلِيّ ◌َهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَالَ: قَدْ عَفَوْتُ عَنِ الْخَيْلِ وَالرَّقِيقِ) أي:
اللذين لغير التجارة كما مر واستعمال العفو هنا، إما تجوز؛ بمعنى: عدم الإيجاب من
أصله، وإنما أتى بلفظ العفو إشعارًا بأن الأصل فيما يملكه الإنسان الزكاة ليواسي بها
المحتاجين، أن الزكاة كانت واجبة فيهما، ثم نسخت بهذا الحديث وإذا وقع
العفو عن هذين وهما أكثر الأموال، وما ألحق بهما من كل ما لا زكاة فيه رفقًا
بالملاك.
(فَهَاتُوا) هذا الشيء القليل وهو (صَدَقَةَ الرِّقَّةِ مِنْ كُلِّ أَرْبَعِينَ دِرْهَمَا دِرْهَمْ،
وَلَيْسَ فِي تِسْعِينَ) درهمًا (وَمِائَةٍ) من الدراهم (شَيْءٌ) ومر حكمة ذكر التسعين دون
ما زاد عليها إلى دون المائة تيسر، ودل على أن المراد نقص أدنى شيء عن المائتين، قوله:
(فَإِذَا بَلَغَتْ مِائَتَيْنِ) من الفضة الخالصة (فَفِيهَا خَمْسَةُ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدِ، وَفِي
رِوَايَةٍ لِأَّبِي دَاوُد: عَنِ الْحَارِثِ الأَعْوَرِ عَنْ عَلٍّ، قَالَ زُهَيْرُ: أَحْسِبُهُ عَنِ النَّبِيِّ ◌َِّ قَالَ:
هَاتُوا رُبُعَ الْعُشْرِ) من جميع ما عندكم من الفضة وهو في كل حول وهو (مِنْ كُلِّ
أَرْبَعِينَ دِرْهَمَا دِرْهَمْ، وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ شَيْءٌ) من الزكاة (حَتَّى تَتِمَّ) الفضة التي عندكم
حال كونها بالغة (مِائَتَيْ دِرْهَمٍ فَفِيهَا) حينئذٍ (خَمْسَةُ دَرَاهِمَ فَمَا زَادَ) على أقل نصاب
(فَعَلَى حِسَابٍ ذَلِك) يؤدي زكاته كما علم من الأول أيضًا.
وأعيد هنا لمزيد التأكيد لما جبلت النفوس عليه من الشح ومنع الزكاة، واستفيد
من هذا وكتاب أبي بكر السابق مع قوله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام:
١٤١] أنه إذا أخرج زكاة الميقات اختيارًا من ثمر أو زبيب أو حب وأقامت عنده سنين
لم يجب فيها شيء آخر، بخلاف النعم والنقد والتجارة يتكرر زكاتهما تتكرر السنين؛
لأنه تعالى علق الوجوب في الأول بالحصاد، وهو لم يتكرر فلم تتكرر الزكاة، وأما
الآخران فعلقها الشارع بالحول وهو يتكرر، ولأن هذه معرضة للنماء فناسبها التكرر.
(١) أخرجه أحمد (٧٢٢)، والترمذي (٦٢٣)، وأبو داود (١٥٩٦، ١٥٧٤).

٢٣٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس
والأول: منقطع معرض للفساد فلم يناسبه تكرر، وهو قول الحسن البصري:
((على مالكه العشر كل سنة)) رد بأنه خلاف الإجماع.
(وَفِي الْغَنَمِ فِي كُلِّ أَرْبَعِينَ) بدل مما قبله بإعادة الجار، والظاهر أن كل زائدة، أو
المراد بها استغراق أفراد الأربعين؛ ليفيد تعلق الزكاة بكل من الأربعين، وحينئذٍ
فيستفاد منه أن كل واحدة من الأربعين فعلقت الزكاة بربع عشرها، فلو باع الأربعين
وقد تعلقت الزكاة بها بطل البيع في ربع كل واحدة من الأربعين، وهذا هو الأقرب من
وجهين لأصحابنا، والباقي أن الواجب شاة مهمة فيبطل البيع في الكل، وفي ذلك خلاف
طويل بين أصحابنا.
وأما قول ابن الصلاح: ((ظواهر الأحاديث تدل للثاني)) فممنوع بل هذا الحديث
بدل للأول كما علمت فتأمله، فليست مثلها في من كل أربعين درهمًا درهم، وإلا
لفسد المعنى؛ إذ لا تتكرر الزكاة هنا بتكرر الأربعين إجماعًا (شَاةً).
قيل: ليس تمييزًا مثله في درهمًا؛ لأن درهمًا بيان مقدار الواحد من الأربعين،
ولا يعلم هذا مما قبله بخلاف شاة لمزيد التوضيح. انتهى.
وفي الفرق نظر؛ لأن كلاً من الرقة، والغنم اسم جنس يصدق بأربعين جزءًا من
درهم أو شاة أو من أكثر وبأربعين درهمًا أو شاة، فكما بين التمييز بدرهمًا أن المراد
الثاني فكذلك التمييز بشاة (شَاءُ) مبتدأ مؤخر لكونه نكرة ثم لا شيء فيما زاد على
الأربعين (إِلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ، فَإِنْ زَادَتْ وَاحِدَةً فَشَاتَانٍ إِلَى مِائَتَيْن، فَإِنْ) واحدة
(فَثَلاثُ شِيَاهٍ إِلَى ثَلَائِمِائَةٍ، فَإِذَا زَادَتْ عَلَى ثَلاثِماتَةٍ فَفِي كُلٌّ مِائَةٍ شَاةٌ) ومر الكلام على
ذلك مستوفي.
(فَإِنْ لَمْ يَكُنْ إِلَّا تِسْعًا وَثَلَائِينَ فَلَيْسَ عَلَيْكَ فِيهَا شَيْءٌ، وَفِي الْبَقَرِ من كُلِّ
ثَلاثِينَ) ولو إناسًا مسنة (تَبِيعُ أَوْ تَبِيعَة) وهو ما له سنة كاملة سمي به؛ لأنه يتبع أمه.
وقيل: لأن قرنه يتبع أذنه (وَفِي الأَرْبَعِينَ) تبيعة ومسنة كلها أو بعضها (مُسِنَّةُ)
وهي ما لها سنتان كاملتان، سميت بذلك لتكامل أسنانها ولا شيء فيما زاد على

٢٣٩
كتاب الزكاة/ باب ما يجب فيه الزكاة
الأربعين حتى تبلغ سنتين، ففيها تبيعان بتغير الفرض بزيادة عشر فعشر، ففي كل
أربعين مسنة وكل ثلاثين تبيع (وَلَيْسَ عَلَى) مالك (الْعَوَامِلِ) من البقر كما اقتضاه
السياق.
وصرح بها في رواية صحيحة، ومع ذلك يلحق بها الإبل قياسًا سواء أعملت
للمالك أو لغيره بأجرة أو دونها وحرث أو غيره (شَيْءٌ) وإن استامها المالك كل الحول،
وبه قال الأئمة الثلاثة، وأوجب مالك فيها الزكاة لنا هذا الخبر الصحيح وأنها بالعمل
صارت غير مقتناة للنماء فأشبهت ثياب البدن وأمتعة الدار ومدة العمل المؤثرة، نحو
ثلاثة أيام في السنة، فإذا علمت فيها ذلك وتركت بقيتها بلا عمل لم يجب فيها زكاة.
١٨٠٠ - [وَعَنْ مُعَاذٍ ﴿ أَنَّ النَّبِيَّ ◌َ لَمَّا وَجَّهَهُ إِلَى الْتَمَنِ أَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ كُلِّ
ثَلاثِينَ تَبِيعًا أَوْ تَبِيعَةً، ومِنْ كُلِّ أَرْبَعِينَ مُسِنَّةً. رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيّ
وَالدَّارِميُّ](١).
(وَعَنْ مُعَاذٍ ◌َ أَنَّ الَِّيَّ ◌َ لَمَّا وَجَّهَهُ إِلَى الْيَمَنِ) عاملاً عمل الزكاة وغيرها
(أَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ كُلِّ ثَلَاثِينَ) من المسنات أو الأتبعة (تَبِيعًا أَوْ تَبِيعَةً) وهي أولى
للأنوثة، وكذا يجري مسن ومسنة (ومِنْ كُلِّ أَرْبَعِينَ مُسِنَّةً) نعم إن كانت الأربعون
اتبعه أجزاء تبيع على ما ذكره بعضهم، وفيه نظر ظاهر (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدٍ وَالتِّرْمِذِيُّ
وَالنَّسَائِيّ وَالدَّارِيُّ) وهو صحيح.
١٨٠١ - [وَعَنْ أَنَسِ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: الْمُعْتَدِي فِي الصَّدَقَةِ كَمَانِعِهَا.
رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ](٢).
(وَعَنْ أَنَّس ◌َ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ) المالك (الْمُعْتَدِي فِي الصَّدَقَةِ) يكتم
بعضها أو وصفها على الساعي حتى أخذ منه ما لا يجزيه، أو ترك عنه بعض ما هو عليه
(١) أخرجه أبو داود (١٥٧٨)، والترمذي (٦٢٥)، والنسائي (٢٤٦٢)، والدارمي (١٦٧٦).
(٢) أخرجه أبو داود (١٥٨٥)، والترمذي (٦٤٦) وقال: غريب. وابن ماجه (١٨٠٨)، والبيهقي
(٧٠٧٢).

٢٤٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس
(كَمَانِعِهَا) من أصلها في الإثم والسبق، بل وفي القتال بأن قال: لا أعطي إلا ما لا
يجزي.
فإن قلت: المتعدي بما ذكر مانع لها لبقاء جميعها فيما إذا دفع ما لا يجزي أو
بعضها فيما إذا كتم البعض ودفع عن البعض، فكيف يصح التشبيه؟ قلت: لما كان
هذا المخادع في صورة المعطي لم يطلق عليه عرفًا أنه مانع فيشبه به ليعلم قبح ما هو
عليه (رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ).
١٨٠٢ - [وَعَنْ أَبِي سَعِيدِ الْخُدْرِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ ◌َ قَالَ: لَيْسَ فِي حَبِّ وَلَا تَمْرٍ صَدَقَةُ
حَتَّى يَبْلُغَ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ- رَوَاهُ النَّسَائِيَ)](١).
(وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ ◌َ قَالَ: لَيْسَ فِي حَبٌّ) يقتات في حالة
الاختيار؛ إذ لا شيء فيما لا يقتات إلا في حال الاضطرار مطلقًا (وَلَا تَمْرٍ) ولا زبيب
(صَدَقَةُ حَتَّى يَبْلُغَ خَمْسَةً أَوْسُقِ. رَوَاهُ النَّسَائِي) ومر بيانها وهي تحدیدیه فأدنى نقص
يؤثر.
وقضى النووي في عدة من كتبه على أنها تقريبية فلا يضر نقص خمسة أرطال.
١٨٠٣ - [وَعَنْ مُوسَى بن طَلْحَةَ قَالَ: عِنْدَنَا كِتَابُ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ عَنِ النَّبِيِّ ◌َّلـ
أَنَّهُ قَالَ: إِنَّمَا أَمَرَهُ أَنْ يَأَخَذَ الصَّدَقَةَ مِنَ الْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَالزَّبِيبِ وَالتَّمْرِ. مُرْسَلُ رَوَاهُ
في (شَرْحِ السُّنَّةِ)](٢).
(وَعَنْ مُوسَى بن طَلْحَةَ) أحد المبشرين بالجنة ﴾ سمع ابنه موسى منه ومن
غيرء (قَالَ: عِنْدَنَا كِتَابُ مُعَاذٍ بْنِ جَبَلٍ) الذي أخذه أو رواه (عَن النَّبِيِّ وََّ) هذا من
نوع الوجازة وهي النقل من كتاب للغير يجده من رواية له عنه، وعليه فهذا في حكم
المرسل؛ لأن موسى سئل عن كتاب معاذ أن النبي ◌ّلهو أمر معاذًا بما يأتي فكان موسى
يقول: أمر * معاذًا بما يأتي؛ إذ المرسل هو الذي يرويه التابعي عن النبي ◌َّ- من غير
(١) أخرجه مسلم (٢٣١٥)، وأحمد (١٢٠١٥)، والنسائي (٢٤٨٤).
(٢) أخرجه أحمد (٢٢٦٣٦)، والدارقطني (١٩٣٧)، ولم أُقف عليه في ((شرح السنة).