النص المفهرس
صفحات 181-200
١٨١
تتمة كتاب الجنائز/ باب زيارة القبور
الآخرة تصير نصب عينيه لا يغفل عن الاستعداد لها والتهيئ للرحيل إليها (رَوَاهُ ابْنُ
مَاجَە).
١٧٧٠ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَيْهِ لَعَنَ زَوَّارَاتِ الْقُبُورِ. رَوَاهُ أَحْمَدُ
وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنْ صَحِيحُ. وَقَالَ: قَدْ رَأَى بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ
أَنَّ هَذَا كَانَ قَبْلَ أَنْ يُرَخِّصَ النَّبِيُّ ◌َّهِ فِي زِيَارَةِ الْقُبُورِ، فَلَمَّ رَخَّصَ دَخَلَ فِي رُخْصَتِهِ
الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ إِنَّمَا كُرِهَ زِيَارَةُ الْقُبُورِ لِلنِّسَاءِ لِقِلَّةٍ صَبْرِهِنَّ وَكَثْرَةِ
جَزَعِهِنَّ. تَمَّ كَلَامُهُ](١).
(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴿ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَ﴿ لَعَنَ زَوَّارَاتِ الْقُبُورِ. رَوَاهُ أَحْمَدُ
وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحٌ. وَقَالَ) الترمذي في معنى هذا
الحديث: (قَدْ رَأَى بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ هَذَا كَانَ قَبْلَ أَنْ يُرَخِّصَ النَّبِيُّ ◌َّهُ فِي زِيَارَةٍ
الْقُبُورِ، فَلَمَّا رَخَّصَ دَخَلَ فِي رُخْصَتِهِ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ إِنَّمَا كُرِةٍ) أي:
كراهة تحريم؛ لأن اللعن يدل على الحرمة، بل على الكبيرة، ومن ثم عد بعضهم
زيارتهن القبور من الكبائر.
(زِيَارَةُ الْقُبُورِ لِلنِّسَاءِ لِقِلَّةٍ صَبْرِهِنَّ وَكَثْرَةٍ جَزَعِهِنَّ. تَمَّ كَلَامُهُ) أي: الترمذي
وما نقله آخرًا هو الأحق والأوفق للقاعدة الأصولية، أنه لا بد في النسخ من تيقن
تأخر الناسخ، وأنه متى أمكن الجمع لم يعدل إلى النسخ، وإن تأخر التاريخ، وهنا لم
یوجد واحد منهما.
أما الأول: فلأن قوله: فزوروها لا يعلم هل سبق خبر لعنهن أو لا؟.
وأما الثاني: فيمكن الجمع كما علم مما مر بحمل الإذن لهن في فزوروها على
عجوز بثياب بذلتها أمنت الفتنة، ونحو الجزع والنوح والندب واللعن لهن على من
اختل فيها شرط من ذلك.
١٧٧١ - [وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: كُنْتُ أَدْخُلُ بَيْتِي الَّذِي فِيهِ
(١) أخرجه أحمد (٨٦٧٣)، والترمذي (١٠٧٦).
١٨٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس
رَسُولُ اللهِ وَ﴿ وَإِنِي وَاضِعُ ثَوْبِي وَأَقُولُ إِنَّمَا هُوَ أَبِي وَزَوْجِي، فَلَمَّا دُفِنَ عُمَرُ عَلَّه معهم
فَوَالله مَا دَخَلْتُهُ إِلَّ وَأَنَا مَشْدُودَةٍ عَّ ثِيَابِي حَيَاءً مِنْ عُمَرَ. رَوَاهُ أَحْمَدُ] (١).
(وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: كُنْتُ أَدْخُلُ بَيْتِي الَّذِي) دفن (فِيهِ
رَسُولُ اللهِ وََّ) وأبوها (وَإِنِي وَاضِعٌ) التذكير فيه باعتبار الشخص (تَوْبِي وَقُولُ) أي:
والحال أني مستترة بثوبي؛ لئلا يرى مني شيء قائلة؛ أي: معتقدة (إِنَّمَا هُوَ) أي: الشأن
أو المدفون (أَبِي وَزَوْجِي) وكل منهما يحل له النظر إلي، ولكن إنما فعلت ذلك تأدبًا
عظيمًا مع رسول الله وحياء من أبي (فَلَمَّا دُفِنَ عُمَرُ ﴿ معهم فَوَالله مَا دَخَلْتُه إِلَّا وَأَنَا
مَشْدُودَة عَلَّ ثِيَابِي حَيَاءً مِنْ عُمَرَ. رَوَاهُ أَحْمَدُ).
وفيه أوضح دلیل لما مرَّ أنه ينبغي احترام الميت عند زيارته ما أمكن، لا سيما
الصالحون لا سيما الأنبياء، فإن يكون في غاية الحياء والتأدب بظاهره وباطنه، فإن
للصالحين مددًا بالغًا لزوارهم بحسب أدبهم وتهيئهم وقبولهم لا لقائهم.
(١) أخرجه أحمد (٢٦٤٠٨)، والحاكم (٤٣٧٥).
(كتاب الزكاة )
وزنها: زكوة بفتح الواو، وقلبت الفاً لتحركها وانفتاح ما قبلها، وهي اسم، ومما
للإخراج لتكون بمعنى التزكية أو للمال المخرج، فيكون بمعنى المزكى به.
وهي لغة النماء والبركة: لأنها تنمي المال؛ أي: تزيده وتبارك فيه.
والمدح: لمدح فاعلها. والطهارة: لأنها تطهر النفس من رذيلة البخل والمال من
الحرام الذي هو حق الفقراء؛ أي: ينزهه من اختلاطه به لو لم يخرج.
والإصلاح: لأنها مصلحة. والزيادة: لأنها تزيد فيه.
وشرعًا: اسم لما يخرج عن مال أو بدن وإثابة عامة لا محملة على الأصح،
فيستدل بها في محل الخلاف إلا ما أخرجه الدليل، وفرضت زكاة الفطر مع فرض
الصوم في السنة الثانية من الهجرة، وفرض غيرها بعد ذلك في تلك السنة.
(الفصل الأول)
١٧٧٢ - [عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - أَنَّ النَّبِيَّ ◌ََّ لِمَّا بَعَثَ مُعَاذَاً إِلَى
الْيَمَنِ فَقَالَ: إِنَّكَ تَأْتِي قَوْمًا أَهْلُ كِتَابٍ، فَادْعُهُمْ إِلَى شْهَادَةٌ أَنَّ لَا إِلَهَ إِلَّا اللّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا
رَسُولُ اللهِ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لذلكَ فَاعلمهُمْ أَنَّ اللّهِ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي
اليَوْمِ وَاللَّيْلَةِ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ فَأَعْلَمْهُمْ أَنَّ اللّه قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ
أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوكَ بِذَلِكَ فَإِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ، وَاتَّقِ دَعْوَةً
الْمَظْلُومِ فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللهِ حِجَابٌ. مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ](١).
(عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ - رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمَا - أَنَّ النَّبِيَّ ◌َّه لَمَّا بَعَثَ مُعَاذَاً إِلَى الْيَمَنِ
فَقَالَ) أي: وصاه فقال: (إِنَّكَ تَأْتِي قَوْمًا أَهْلُ كِتَابٍ) أي: معظمهم ذلك فقلبهم لكثرتهم
أو؛ لأن لهم نوع تميز على من لا كتاب لهم باعتبار الأصل (فَادْعُهُمْ إِلَى شْهَادة أَنْ لَا إِلَهَ
إِلَّا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ الله) في ذكر الشهادة في الأولى دون الثاني هنا، وذكرها فيهما
(١) أخرجه البخاري (١٤٩٦)، ومسلم (١٣٠)، وأحمد (٢١٠٣)، وأبو داود (١٥٨٦)، والترمذي (٦٢٧)،
والنسائي (٢٥٣٤)، وابن ماجه (١٨٥٥).
- ١٨٣ -
١٨٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس
في حديث وحذفها منهما في آخر دليل لعدم اشتراط ذكرها فيهما، فيكفي لا إله إلا الله
محمد رسول الله، وهي مسألة خلاف طويل بين أئمتنا.
وظاهر كلام جمع محققين أنه لا بد من اشتراط لفظ أشهد وألحق بها أعلم ونحوه
فيهما (فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لذلكَ) أي: انقادوا للنطق بالشهادتين (فَأَعلمُهُمْ أَنَّ اللّهُ قَدْ فَرَضَ
عَلَيْهِمْ) قبل في تقديمها على الإعلام بالأعمال، وترتبها عليها بالفاء إشعارًا أن الكفار غير
مخاطبين بالفروع على ما ذهب إليه بعض أهل الأصول، بل بالأصول فقط. انتهى.
ويرد بأنه لا إشعار في ذلك؛ لأن المترتب الإعلام بمعنى التكليف بالإتيان بتلك
الأعمال في الدنيا، وهذا لا يخاطب به الذميون اتفاقًا؛ لأن الحزبين يخاطبون ابتداء
بالإسلام أو بدل الجزية، وأهل الذمة أخذت منهم الجزية على تقريرهم وتأمينهم منا في
ألا تتعرض له بالأمر بمباشرة تلك الأعمال؛ لأن القائلين بتكليفهم بها إنما يقولون:
إنه بالنسبة للآخرة فقط حتى يعاقبوا عليها بخصوصها كما دل عليه: ﴿وَوَيْلُ
لِّلْمُشْرِكِينَ * الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ .. ﴾ [فصلت: ٦ - ٧]. ﴿قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ
المُصَلِّينَ ... ﴾ [المدثر:٤٣].
(خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي اليَوْمِ وَاللَّيْلَةِ) فيه لكون هذا البعث كان في أواخر حياته وَ له
دليل على أن الوتر ونحوه كالعيدين ليس بواجب، وأن المراد بخبر الوتر حق واجب هو
المراد من خبر غسل الجمعة واجب وهو مزيد التأكد، والفرض والواجب مترادفان كما
حقق في الأصول والخبر المتفق عليه هل على غيرها؛ أي: الخمس قال: لا إلا إن تطوع
صريح فيما قلناه.
(فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ فَأعلمْهُمْ أَنَّ اللّه قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ) بعد مضي الحول
بشروطه، والتمكن من إخراجها، حتى لو تلف المال بعد الحول وقبل التمكن لم
تجب زكاة (صَدَقَّةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ) الظاهر منه أن المراد أنها
تؤخذ من أغنياء أهل كل بلد أو محلة لترد على فقراء ذلك المحل، حتى يغنيهم عن
الاحتياج إلى أغنيائهم، وحتى يقطع طمعهم فيهم ويشوقهم إلى زكوات ما في أيديهم،
١٨٥
كتاب الزكاة
وحينئذٍ يقرب استدلال أصحابنا به على منع نقل الزكاة عن مستحقي محل المال المزكي،
فإن نقلت عنه، وثم مستحقون حرم ولم يجز عندنا خلافًا لمن وهم فيه.
وسببه ما علمت لما علمت من أن الحكمة العدلية اقتضت إغناء أهل كل محل
بزكاة ما فيه من الأموال، وأن النقل لغيرهم مع بقاء حاجاتهم فيه كسر لقلوبهم
واستهتار بحق جوارهم، فتعين ألا نَقُل إلا بعد فقد كل الأصناف من محل المال، فإن
فقد البعض ردت حصتهم على الباقين إن احتاجوا إليها وإلا نقلت، ويؤخذ من عموم
قوله: ((أغنيائهم)) وجوبها في مال غير المكلف من صبي ومجنون وهو مذهبنا كالجمهور،
ويأتي بسط دليل قبيل الفصل الثالث.
ومن قوله: ((فترد)) امتناع الإبدال في الزكاة، وتعين أخذ المفروض في المال بعينه
وإعطاؤه للمستحقين بعينه، فلا يجوز أخذ قيمته ولا بيع المأخوذ وصرف ثمنه
للمستحقين وهو مذهبنا كالجمهور أيضًا.
وقوله: ((فقرائهم)) عليهم مع أنها واجبة لثمانية أصناف بالنص القطعي؛ لكونهم
أغلب الثمانية وأكثرهم وجودًا في كل محل، وليس فيه دليل لجواز الاقتصار على بعض
المستحقين مع وجود الباقين؛ لأن العطف بالواو صريح لغة في اعتبار جمع المعطوفات كلها
في الحكم، فجعلها بمعنى أو وأنها لبيان جنس المصرف خلاف الظاهر، فلا بدَّ له من
دليل خاص يخرج الآية عن وضعها اللغوي إلى غيره الأبدي، أنه لو قال إنسان: أوصيت
بهذا لزيد وعمرو، أو وقفته على زيد وعمرو لا يجوز تخصيص أخذهما به فكذا هنا.
وزعم فرق تخيل لا يرضى به منصف؛ لأن الملاحظ اعتبار مدلول اللفظ، وهو
قدر مشترك بين الكل (فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوكَ بِذَلِكَ فَإِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ) أي: خيارها
كالحامل والقريبة العهد بالنتاج والمسمنة للأكل، فلا يجوز للساعي أخذ شيء من
هذه، بل للمالك إخراج فرصة بتحصيل أقل مجزي ولو من غير غنيمة، بشرط سلامته
من عيب ينقص قيمته ما لم يكن غنمه كذلك، وذلك؛ لأن المقصود منه إخراج
المجزي من غير مشقة عليه ولا بخس للمستحقين، فلا يكلف ذلك؛ لأن مبنى الزكاة
على السهولة والرفق ما أمكن ولا يقنع منه بالرديء الذي ليس ماله كله مثله؛ لأن
١٨٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس
الساعي نائب المستحقين، فيجب أن يتصرف لهم ولا أصلح في المعيب إلا إن كان
غنمه كلها معيبة.
(وَاتَّقٍ) أيها الأمير الآخذ للزكوات، والحاكم بين الناس (دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ)
بأخذك منه كريمًا أو أزيد من الواجب عليه، أو بتكليفك إياه ما لم يجب عليه، ولما
ذيل ﴾ التحذير من كرائم الأموال بما يعمها وغيرها، علل ذلك بما يحمل الموفق على
مزيد المباعدة من الظلم في ذلك وغيره فقال: (فَإِنَّهُ) أي: الشأن (لَيْسَ بَيْتَهُ وَبَيْنَ الله)
أي: قبوله لها (حِجَابٌ) أي: مانع، بل يتقبلها تعالى ويعامل الظالم بقضيتها سريعًا
لانتهاكه حرماته واستضعافه من أمر تعالى برعايته، وأكد في حمايته (مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ)
١٧٧٣ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَِّ: (مَا مِنْ صَاحِبٍ ذَهَبٍ وَلَا فِضَّةٍ
لَا يُؤَدِّي مِنْهَا حَقَّهَا إِلَّ إِذَا كَانَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ صُفِحَتْ لَهُ صَفَائِحُ مِنْ نَارٍ فَأَحْمِيَ عَلَيْهَا فِي
نَارٍ جَهَنَّمَ، فَيُكْوَى بِهَا جَنْبُهُ وَجَبِينُهُ وَظَهْرُهُ كُلُهُ، كُلَّمَا رُدَّتْ أُعِيدَتْ لَهُ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ
خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَّةٍ حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ الْعِبَادِ، فَيُرَى سَبِيلَهُ إِمَّا إِلَى الجَنَّةِ، وَإِمَّا إِلَى النَّارِ، قِيلَ:
يَا رَسُولَ اللّه فَالإِبِلُ؟ قَالَ: ((وَلَا صَاحِبُ إِلٍ لَا يُؤَدِّي مِنْهَا حَقَّهَا وَمِنْ حَقِّهَا حَلَبُهَا يَوْمَ
وِزْدِهَا، إِلَّ إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ بُطِحَ لَهَا بِقَاعٍ قَرْقَرٍ أَوْفَرَ مَا كَانَتْ لَا يَفْقِدُ مِنَهَا فَصِيلاً
وَاحِدًا يَطَؤُّهُ بِأَخْفَافِهَا وَتَعَضُّهُ بِأَفْوَاهِهَا، كُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ أُولَاهَا رُدَّ عَلَيْهِ أُخْرَاهَا، فِي يَوْمٍ كَانَ
مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَّةٍ حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ الْعِبَادِ فَيُرَى سَبِيلُهُ، إِمَّ إِلَى الْجَنَّةِ وَإِمَّا إِلَى النَّارِ،
قِيلَ: يَا رَسُولَ اللّهِ فَالْبَقَرُ وَالْغَنَمُ؟ قَالَ: ((وَلَا صَاحِبُ بَقَرٍ وَلَا غَنَمِ لَا يُؤَدِّي مِنْهَا حَقَّهَا إِلَّا
إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ بُطِحَ لَهَا بِقَاعٍ قَرْقَرٍ لَا يَفْقِدُ مِنْهَا شَيْئًا لَيْسَ فِيهَا عَقْصَاءُ وَلَا جَلْحَاءُ
وَلَا عَضْبَاءُ تَنْطِحُهُ بِقُرُونِهَا وَتَطَؤُّهُ بِأَظْلَافِهَا، كُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ أُولَاهَا رُدَّ عَلَيْهِ أُخْرَاهَا فِي يَوْمٍ
كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ الْعِبَادِ فَيُرَى سَبِيلُهُ إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ وَإِمَّا إِلَى
النَّارِ)) قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ فَالْخَيْلُ؟ قَالَ: ((فَالْخَيْلُ ثَلَاثَةُ: هِيَ لِرَجُلٍ وِزْرٌ، وَهِيَ لِرَجُلٍ سِتْرُ،
وَهِيَ لِرَجُلٍ أَجْرٌ، فَأَمَّ الَّتِي هِيَ لِرَجُل وِزْرٌّ فَرَجُلُّ رَبَطَهَا رِيَاءً وَفَخْرًا وَنِوَاءً عَلَى أَهْلِ الإِسْلَامِ
فَهِيَ لَهُ وِزْرٌ، وَأَمَّا الَّتِي هِيَ لَهُ سِتْرَ فَرَجُلُّ رَبَطَهَا فِي سَبِيلِ اللهِ ثُمَّ لَمْ يَنْسَ حَقَّ الله فِي
١٨٧
كتاب الزكاة
ظُهُورِهَا وَلَا رِقَابِهَا فَهِيَ لَهُ سِتْرُ، وَأَمَّا الَّتِي هِيَ لَهُ أَجْرُ فَرَجُلُّ رَبَطَهَا فِي سَبِيلِ الله لأَهْلِ
الإِسْلَامِ فِي مَرْجِ وَرَوْضَةٍ، فَمَا أَكَلَتْ مِنْ ذَلِكَ الْمَرْجِ أَوِ الرَّوْضَةِ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا كُتِبَ لَهُ عَدَدَ
مَا أَكَلَتْ حَسَنَاتٌ، وَكُتِبَ لَهُ عَدَدَ أَرْوَائِهَا وَأَبْوَالِهَا حَسَنَاتُ، وَلَا تَقْطَعُ طِوَلَهَا فَاسْتَنَّتْ
شَرَفًّا أَوْ شَرَفَيْنِ إِلَّا كَتَبَ اللهُ لَهُ عَدَدَ آثَارِهَا وَأَرْوَائِهَا حَسَنَاتٍ، وَلَا مَرَّ بِهَا صَاحِبُهَا عَلَى
نَهْرٍ فَشَرِبَتْ مِنْهُ وَلَا يُرِيدُ أَنْ يَسْقِيَهَا إِلَّا كَتَبَ اللهُ لَهُ عَدَدَ مَا شَرِبَتْ حَسَنَاتٍ)) قِيلَ: يَا
رَسُولَ اللهِ فَالْحُمُرُ؟ قَالَ: ((مَا أُنْزِلَ عَّ فِي الْحُمُرِ شَيْءٌ إِلَّا هَذِهِ الآيَةُ الْفَاذَّةُ الْجَامِعَةُ ﴿فَمَنْ
يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرَّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧ - ٨](١). رَوَاهُ
مُسْلِمُ].
(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: مَا مِنْ) مزيدة للتنصيص على العموم،
وأن ذلك الوعيد لا يستثنى منه أحد (صَاحِبٍ ذَهَبٍ وَلا فِضَّةٍ لا يُؤَدِّي منها) أي:
الفضة؛ لأنها الأقرب، والذهب يعلم مما ذكر فيها بالأولى؛ أو لأنها الأغلب، ومن ثم
اقتصر عليها في خبر: «وليس فيما دون خمس أواقٍ من الورق صدقة»(٤) أو هما وأنت؛
لأنهما في معنى الأموال، وهذا باعتبار أنه على منوال: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ
وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ [التوبة: ٣٤].
(حَقَّهَا) الذي أوجبه الله فيها لا يحصل له حال من الأحوال (إلا) حالة واحدة
هي أنه (إذا كان يوم القيامة صفحت) أي: مدت وطرقت (له) بقدر بدنه لتعمه كله
(صَفَائِحُ) بالرفع، ويصح النصب على أنه المفعول الثاني والأول ضميرها وأنه لما مر أو
لمطابقة الثاني (من نار فأحمي عليها في نار جهنم) بيان لمعنى كونها من نار؛ لأن
حقيقتها من غيرها لكن لهذا الإجمال الذي يصيرها كالنار في رأي العين سميت نارًا،
والآية: ﴿يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارٍ جَهَنَّمَ .. ﴾ [التوبة: ٣٥] ظاهرة في هذا، وذكر أحمي
(١) أخرجه مسلم (٢٣٣٧).
(٢) أخرجه البخاري (١٤١٣) ومسلم (٩٧٩) وأبو داود (١٥٥٨) والترمذي (٦٢٦) والنسائي (٢٤٧٦)
وابن ماجه (١٧٩٩) وابن خزيمة (٢٢٩٤) وابن حبان (٣٢٦٨) والدارقطني (٩٣/٢).
١٨٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس
ويحمي في الآية لإسناده إلى الظرف، والأصل أحمت النار عليها؛ أي: صارت ذات توقد
وحر شديد من قولهم: نار حمية ثم حول الإسناد عنها إلى الظرف مبالغة؛ لأن كونها
تحمى عليها أبلغ من كونها محماة؛ لأشعار الأول بمزيد علاج، ومن ثم كان المراد من
ذلك أن تلك الصفائح النارية يعاد إلى النار عودًا متكررًا إلى أن يبلغ في مزيد حرها
ولهبها واشتداد إحراقها الغاية، وإنما كان الأصل ذلك؛ لأنه لا يقال: أحميت على
الحديد، بل أحميت الميسم وحمیته.
(فَيُكْوَى بِهَا جَنْبُهُ وَجَبِينُهُ وَظَهْرُهُ كُلُهُ) خصت هذه الثلاثة؛ لأن إمساك المال
عن أداء الواجب منه لأجل وجاهة تحصل له عند الناس بكثرته مع صرف بعضه في
ترفه وبدنه مطعمًا وملبسًا والإحاطة بالجبين، وحيازة المطاعم فيما بين الجبين
والملابس بالظهر. أو لأنه أعرض لوجهه وجانبه عن الفقير وولاه ظهره.
أو لأنها أشرف الأعضاء الظاهرة لاشتمالها على الأعضاء الرئيسية: الدماغ
والقلب والكبد، أو المراد منها جهات البدل الأربع: أمامه ووراءه ويمينه ويساره.
(كُلَّمَا رُدَّتْ) عن بدنه إلى النار؛ لزيادة حموها وشدتها (أَعِيدَتْ لَهُ) أحر وأشد ما
كانت، فهو لا يزال معذبًا بها لا ينفك عنه ذلك (فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ)
على الكافر ونحوه من الفسقة المتمردين المانعين حق الله وحق عباده، أما المؤمنون فهو على
بعضهم كركعتي الفجر، وعلى باقيهم كنصف يوم من أيام الدنيا، كما أشير لذلك بقوله
تعالى: ﴿وَأَحْسَنُ مَقِيلاً﴾ [الفرقان: ٢٤] ولا يزال تعذيبه مستمرًا في هذه المدة الطويلة.
(حَتَّی یُقْضَى بَيْنَ الْعِبَادِ، فَیری) ضم أوله وفتحه ورفع لام سبیله ونصبه على
أنه يأتي مفعوليه (سَبِيلَهُ) أي: طريقه (إِمَّا إِلَى الجَنَّةِ) إن كان مؤمنًا، وإن لم يستحل
ترك الزكاة (وَإِمَّا إِلَى النَّارِ) إن كان كافرًا إن استحل تركها هو مسلوب الاختيار يومئذٍ
مقهور على ما هو فيه حتی تعین له أحد مستقریه.
(قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، فَالإِبِلُ؟) أي: عرفنا حكم التقدير فما حكمها (قَالَ)
عطفًا على ما من صاحب ذهب (وَلَا صَاحِبُ إِبِلِ لَا يُؤَدِّي مِنْهَا حَقَّهَا) الواجب
١٨٩
كتاب الزكاة
(وَمِنْ) بعض (حَقِّهَا) المندوب ذكرا استطرادًا وبيانًا لما ينبغي أن يعتني به من له مروءة
وحسب لا يكون التعذيب يكون عليه أيضًا لما هو مقرر أن العذاب لا يكون إلا
على ترك واجب أو فعل حرام بزعم أن حقها الأول أعم من الثاني ليس في محله، كزعم
أنه يحتمل أن التعذيب عليهما معًا تغليظًا.
(حَلَبُهَا) بفتح اللام على الأشهر والإسكان غريب لكنه القياس (يَوْمَ وِرْدِهَا)
الماء بأن يحلب حينئذٍ ويسقي ألبانها المارة والواردين للماء ونظير ذلك الأمر بالصرام
نهارًا ليحضره المحتاجون والنهي عنه ليلاً (إِلَّا إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ بُطِحَ) هو؛ أي:
طرح على وجهه (لھَا).
وفي بعض النسخ: (له)) ولا يصح رواية: (بل)) معنى؛ لأن الضمير لها باعتبار
الجنس (بِقَاعِ) أي: في صحراء واسعة مستوية (قَرْقَرٍ) أي: مستوٍ فهو صفة كاشفة حال
كونها (أَوْفَرَ) اسمن (مَا) مصدرية (كَانَتْ) أي: أوقات كونها [ ....... ] ليزداد ثقلها عليه
عند وطئها له؛ ولكون إضافة أفعل غير محضة لم تمنع وقوعه حالاً (لَا يَفْقِدُ مِنَهَا)
جملة حالية من فاعل كان التامة العائد للإبل، قيل: وهذه الحال متداخلة، وفيه نظر
بل الأظهر كونها مؤسسة؛ إذ عدم فصيل واحد منها غير كونها أقر ما كانت كما هو
واضح.
(فَصِيلاً وَاحِدًا يَطَؤُّهُ) حال أيضًا متداخلة، أو أنه استئناف كأنه قيل: لم يبطح
لها في حال كونها بتلك الأوفرية، فعيل: ليطأ، (بِأَخْفَافِهَا وَتَعَضُّهُ بِأَفْوَاهِهَا، كُلَّمَا) حال
أو استئناف أيضًا (مَرَّ عَلَيْهِ أُولَاهَا رُدَّ عَلَيْهِ أُخْرَاهَا).
قيل: الأنسب رواية مسلم: ((كلما مرَّ عليه أخراها رد عليه أولاها))(١) وفيه ما
فيه بل المقصود من العبارتين من تابعها عليه واحد.
(في يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ الْعِبَادِ فَيُرَى سَبِيلُهُ، إِمَّا
إِلَى الْجَنَّةِ وَإِمَّا إِلَى النَّارِ، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللّهِ فَالْبَقَرُ وَالْغَنَمُ؟ قَالَ: ((وَلَا صَاحِبُ بَقَرٍ وَلَا
(١) تقدم تخريجه.
١٩٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس
غَنَمِ لَا يُؤَدِّي مِنْهَا حَقَّهَا إِلَّا إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ بُطِحَ لَهَا بِقَاعٍ قَرْقَرٍ لَا يَفْقِدُ مِنْهَا شَيْئًا
لَيْسَ فِيهَا عَقْصَاءُ) هي ملتوية القرنين (وَلَّا جَلْحَاءُ) هي التي لا قرن لها (وَلَا
عَضْبَاءُ) هي منكسرة القرن، استفيد من نفي هذه الثلاثة أن قرونها في غاية السلامة
والقوة والاستواء؛ ليكون أحوج للمبطوح (تَنْطِحُهُ بِقُرُونِهَا وَتَطَؤُّهُ بِأَظْلَافِهَا) هي للبقر
والغنم بمنزلة الأخفاف للإبل.
(كُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ أُولَاهَا رُدَّ عَلَيْهِ أُخْرَاهَا فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَّةٍ
حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ الْعِبَادِ فَيُرَى سَبِيلُهُ إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ وَإِمَّا إِلَى النَّارِ)) قِيلَ: يَا رَسُولَ الله
فَالْخَيْلُ؟) ما حكمها أيجب فيها زكاة ويعاقب تاركيها لذلك أو لا فلا؟ (قَالَ: ((فالْخَيْلُ)
أحكامها (ثَلَاثَةٌ) أخرى غير ما مر فلا زكاة فيها حتى يعاقب تارکها، هذا ما دل عليه
السياق الذي يكاد أن يقرب من الصريح عند من له أدنى مسكة من إنصاف، فهو من
جملة أدلة مذهبنا أنه لا زكاة فيها.
وأما قوله: القائلين بوجوبها فيها التقدير احتكامها ثلاثة أخرى غير الزكاة فهو
مما ينبئ عنه اللفظ فلا يسمع، وأغرب منه استدلالاً لهم على الوجوب لهذا الحديث
نفسه؛ لقوله: ((بلم ينس حق الله في ظهورها ولا رقابها)) لأن المراد بالرقاب ذواتها؛ إذ
ليس في الرقاب منفعة عائدة إلى الغير كالظهور، ولك رده بأن حق الله في الرقاب
صادق بإطعامها ودفع ما يضرها، وأي مانع لإرادة هذا ومعين لإرادة الزكاة؟ فنتج أنه
ليس في ذلك ما يدل على وجوب الزكاة بوجه.
على أن تعبيره (بـ((لم ينس))) أدل دليل على عدم الوجوب؛ لأن الوجوب لا يؤخذ
من مثل هذه الصيغة في قاعدة من قواعد الأصول؛ ولأنها مستعملة في القرآن في غير
الواجب كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ [القصص: ٧٧] وادعاء أن
مفهوم: «ما أنزل عليَّ في الحُمر شيء)(١) الوجوب في الخيل عجيب، كيف ومدلوله أنه لم
(١) تقدم تخريجه.
١٩١
كتاب الزكاة
ينزل عليَّ فيها نظير أحكام الأنعام ولا نظير أحكام الخيل؟ وأي مفهوم لهذا أن الخيل
فيها زكاة هذا، وبفرض التصريح بأن فيها زكاة متعيناً حملها على زكاة التجارة جمعًا بينه
وبين الخبر الآتي: ((ليس على المسلم في عبده ولا فرسه زكاة))(١).
(هِيَ لِرَجُلٍ وِزْرُ، وَهِيَ لِرَجُلٍ سِتْرُ، وَهِيَ لِرَجُلٍ أَجْرٌ، فَأَمَّا الَّتِي هِيَ لِرَجُل وِزْرٌ
فَرَجُلُ رَبَطَهَا رِيَاءً وَفَخْرًا وَنِوَاءً) بكسر النون والمد، الواو بمعنى (أو)) أي: بقصد الرياء
حتى يقول: الناس: شجاع مجاهد، أو الفخر والكبر على الغير، أو العداوة إليه (عَلَى أَهْلِ
الإِسْلَامِ فَهِيَ لَهُ وِزْرُ) جملة مؤكدة مشعرة بتمام عنايته و له ببيان هذا الأمر والتحذير
منه، ويأتي هذا في نظيره الآتي.
(وَأَمَّا الَّتِي هِيَ لَهُ سِتْرْ فَرَجُلْ رَبَطَهَا فِي سَبِيلِ الله) أي: طاعته لا خصوص الجهاد
لئلا يتحد مع ما بعده، ومن ثَم عين بدله في رواية بقوله: ((ورجل ربطها تغنيًا
وتعففًا))(٢) أي: استغناء بنتاجها وتعففًا عن سؤال الناس عند احتياجه إلى الركوب (ثُمَّ
لَمْ يَنْسَ حَقَّ الله) الشامل للواجب والمندوب (في ظُهُورِهَا) بأن يركبها للطاعات وعند
الحاجات ويركبها للمحتاجين (وَلَّا رِقَابِهَا) بأن يتعهدها بما يصلحها ويدفع ضررها
(فَهِيَ لَهُ سِتْرُ) أي: حجاب يمنعه عن الحاجة للناس.
(وَأَمَّا الَّتِي هِيَ لَهُ أَجْرُ فَرَجُلُ رَبَطَهَا فِي سَبِيلِ الله) أي: بقصد الجهاد عليها
والإغاثة بها (لأَهْلِ الإِسْلَامِ فِي) متعلق بربط (مَرْج) صحراء واسعة كثيرة العشب
تمرح فيها الدواب؛ أي: تسرح (وَرَوْضَةٍ) هي عطف أخص (فَمَا أَكَلَتْ مِنْ ذَلِكَ
الْمَرْجِ أَوِ الرَّوْضَةِ مِنْ شَيْءٍ) قل أو كثر (إِلَّا كُتِبَ لَهُ عَدَدَ مَا) أي: الذي (أَكَلَتْ) من
نحو العشب والزرع (حَسَنَاتٌ، وَكُتِبَ لَهُ عَدَدَ أَرْوَائِهَا وَأَبْوَالِهَا) باعتبار أن بها بقاء
(١) أخرجه ابن أبي شيبة (٣٦٣٨٥)، البخاري (١٣٩٥)، ومسلم (٩٨٢)، وأبو داود (١٥٩٥)،
والترمذي (٦٢٨) والنسائي (٢٤٦٧)، وابن ماجه (١٨١٢).
(٢) أخرجه البخاري (٢٢٤٢)، ومسلم (٩٨٧)، والنسائي (٣٥٦٢)، وابن ماجه (٢٧٨٨)، وابن حبان
(٤٦٧٢).
١٩٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس
حياتها مع كون أصلها قبل الاستحالة من مال مالكها، وفي ذكر هذين غاية المبالغة؛
لأنهما إذا كُتبا مع استقذارهما فغيرهما أولى.
(حَسَنَاتٌ، وَلَا تَقْطَعُ طِوَلَهَا) بكسر ففتح وهو جبل طويل ليشد طرفه في نحو
وتد وطرفه الآخر في يد الفرس أو رجلها؛ لتدور فيه وترعى من جوانبها ولا تذهب
لوجهها (فَاسْتَنَّتْ) أي: عدت في مرجها لتوفزها وقوتها ونشاطها (شَرَفًا أَوْ شَرَفَيْنِ) أي:
ذهابًا إلى آخر المرج أو مع العود إلى محلها (إِلَّا كَتَبَ اللهُ لَهُ عَدَدَ آثَارِهَا) كخطاها
(وَأَزْوَائِهَا) أراد بها هنا ما يشمل البول، أو أسقطها للعلم بها منه (حَسَنَاتٍ، وَلَا مَرَّ بِهَا
صَاحِبُهَا عَلَى نَهْرٍ فَشَرِبَتْ مِنْهُ وَلَا يُرِيدُ أَنْ يَسْقِيَهَا) فكيف إذا أراد وإنما أثبت
على ما لم يقصده؛ لأن شربها نشأ عن فعله الذي هو إطعامها حتى احتاجت
للشرب.
(إِلَّا كَتَبَ اللهُ لَهُ عَدَدَ مَا شَرِبَتْ حَسَنَاتٍ)) قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ فَالْحُمُرُ؟) ما
حكمتها أتجري فيها أحكام الأنعام أو أحكام الخيل (قَالَ: «مَا أَنْزِلَ عَلَّ في الْحُمُرِ شَيْءٌ)
أي: من تلك الأحكام (إِلَّا هَذِهِ الآيَةُ الْفَاذَّةُ) بالمعجمة؛ أي: الجامعة أو المنفردة في
جمعها ما لم يجمعه غيرها لكل طاعة واجبه ومندوبة وكل معصية كفر أو غيره، وتلك
الآية هي قوله تعالى: ((فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا
يَرَهُ﴾. رَوَاهُ مُسْلِمْ).
١٧٧٤ - [وَعَنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلَهُ: مَنْ آتَاهُ اللهُ مَالاً فَلَمْ يُؤَدِّ زَكَتَهُ مُثّلَ لَهُ
يَوْمَ الْقِيَامَةِ شُجَاعًا أَفْرَعَ لَهُ زَبِيِبَتَانِ يُطَوَّقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، ثُمَّ يَأْخُذُ بِلِهْزِمَتَيْهِ - يَعْنِي:
شِدْقَيْهِ - ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا مَالُكَ أَنَا كَنْزُكَ، ثُمَّ تَلا: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا
آتَاهُمُ اللهُ ... ﴾ [آل عمران: ١٨٠] رَوَاهُ البُخَارِي](١).
(وَعَنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: مَنْ آتَاهُ اللهُ مَالاً فَلَمْ يُؤَدِّ زَكَاتَهُ مُثِّلَ) أي: صَوَّر
أو ضمن صير (لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شُجَاعًا) هو التنين الذكر، وقيل: مطلقًا (أَفْرَعَ) أي: لا
(١) أخرجه البخاري (٤٥٦٥).
١٩٣
كتاب الزكاة
شعر على رأسه ليمعط جلد رأسه من كثرة سمه وطول عمره (لَهُ زَبِيبَتَانٍ) أي: نقطتان
سوداوان فوق عينيه وهو أخبث الحيات.
وقيل: هما الزبدتا شدقيه إذا غضب (يُطَوِّقُهُ) أي: يجعل كالطوق في عنقه؛
ولذكر الطرفين حمل على التشبيه بحذف أداته (يَوْمَ الْقِيَامَةِ، ثُمَّ يَأْخُذُ بِلِهْزِمَتَيْهِ) أي:
لحيته وما تصل بها من الحنك، ومن ثم قال الراوي: (يَعْنِي: شِدْقَيْهِ - ثُمَّ يَقُولُ) له: (أَنَا
مَالُكَ أَنَا كَتْرُكَ) تهكم به لمزيد غصته وهمه؛ لأنه شر أتاه من حيث لا يحتسب (ثُمَّ
ثَلا) شاهدًا لذلك هو قوله عز قائلاً: (﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللهُ ... ﴾
[آل عمران: ١٨٠]. رَوَاهُ البُخَارِي).
١٧٧٥ - [وعَنْ أَبِ ذَرِّ عَنِ النَّبِيِّ وَ قَالَ: ((مَا مِنْ رَجُلٍ يَكُونُ لهُ إِل أَوْ بَقَر أَوْ
غَنَمِ لَا يُؤَدِّي حقَّهَا إِلَّا أَنَى بِهَا يَوْمَ القِيَامَةِ أَعْظَمَ مَا تَكُونُ وَأَسْمَنَه تَطَؤُهُ بِأَخْفَافِها
وَتَنْطَحُهُ بِقُرُونِهَا كُلَّمَا جَاءَت أُخْرَاهَا رُدَّتْ عَلَيْهِ أُولَاهَا حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ(١).
مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ].
(وَعَنْ أَبِي ذَرِّ عَنِ النَّبِيِّ وَلِ قَالَ: «مَا مِنْ رَجُلٍ يَكُونُ لهُ إِل أَوْ بَقَر أَوْ غَنَم لَأْ
يُؤَدِّي حقَّهَا إِلَّا أَنَى بِهَا يَوْمَ القِيَامَةِ) حال كونها (أَعْظَمَ مَا تَكُونُ وَأَسْمَنَه) عطف
مرادف أو أخص (تَطَؤُّهُ بِأَخْفَافِها) غلب الإبل؛ لأنها أشرف الثلاثة (وَتَنْطَحُهُ
بِقُرُونِهَا) غلب الأخيرين لكثرتهما (كُلَّمَا جَاءَت أُخْرَاهَا رُدَّتْ عَلَيهِ أُولَاهَا حَتَی یُقْضَی
بَيْنَ النَّاسِ. مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ):
١٧٧٦ - [وَعَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللّه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((إِذَا أَتَاكُمُ
الْمُصَدِّقُ، فَلْيَصْدُرْ عَنْكُمْ وَهُوَ عَنْكُمْ رَاضٍ. رَوَاهُ مُسْلِمٍ](٤).
(١) أخرجه البخاري (١٤٦٠)، ومسلم (٢٣٣٩)، والترمذي (٦٢٠)، والنسائي (٢٤٥٢).
(٢) أخرجه مسلم (٩٨٩)، والترمذي (٦٤٧)، وأحمد (١٩٢٦٦)، والنسائي (٢٤٦١)، وابن ماجه
(١٨٠٢)، والدارمي (١٦٧٠)، وابن خزيمة (٢٣٤١)، والطيالسي (٦٦٧)، والشافعي (٩٨/١)،
والطبراني (٢٣٣٦)، والبيهقي (٧٣٢٠).
١٩٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس
(وَعَنْ جَرِيرٍ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌ِ: ((إِذَا أَتَاكُمُ الْمُصَدِّقُ) أي:
آخذ الصدقة وهو الساعي (فَلْيَصْدُرْ عَنْكُمْ وَهُوَ عَنْكُمْ رَاضٍ) لإرضائكم له لتلقيه
بالترحيب والإعطاء الهني الخالي عن الغش والخيانة، فهذا سبب لصدوره عنكم
راضيًا فهو من ذكر المسبب وإرادة السبب مبالغة في إرضائه؛ لأنه وإن كان أمرًا
للساعي هو في الحقيقة أمر للملاك، وسيأتي أرضاؤه وأن ظلم (رَوَاهُ مُسْلِم).
١٧٧٧ - [وَعَنْ عَبْدِ الله بن أَبِي أَوْفَى قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﴿ إِذَا أَتَاهُ قَوْمٌ بِصَدَقَتِهِمْ،
قَالَ: ((اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى آلِ فُلان، فَأَتَاهُ أَبِي بِصَدَقَتِهِ، فَقَالَ: ((اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى آلِ أَبِي أَوْنَى)).
مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ، وَفِي رِوَايَةٍ: إِذَا أَنَى الرَّجُلُ النَّبِيّ ◌َهِ بِصَدَقَتِهِ فَقَالَ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَيْهِ] (١).
(وَعَنْ عَبْدِ الله بن أَبِي أُوْلَى قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ وَ إِذَا أَتَاهُ قَوْمُ بِصَدَقَتِهِمْ، قَالَ:
((اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى آلِ فُلان، فَأَتَاهُ أَبِي بِصَدَقَتِهِ، فَقَالَ: ((اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى آلٍ أَبِي أَوْقَى). مُتَّفَقُّ
عَلَيْهِ) وهذا توصية للآخذين برفق بالمعطي عكس ما قبله.
(وَفِي رِوَايَةٍ: إِذَا أَى الرَّجُلُ السَّبِيَّ ◌َّهِ بِصَدَقَتِهِ فَقَالَ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَيْهِ) وأخذ منه
كقوله تعالى: ﴿وَصَلٌّ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٣] أصحابنا أنه يسن لقابض الزكاة من عامل
ومستحق الدعاء جهر للمزكي عند الأخذ منه ترغيبًا له في الخير وتطييبًا لقلبه وأفضله:
((أجزاك الله)) بالمد والقصر وهو أجود فيما أعطيت، وجعله لك طهورًا، وبارك لك فيما
أبقيت، وصحَّ أنه وَِّ دعا لمن أتاه بصدقته فقال: ((اللَّهُمَّ بارك فيه وفي إِبله)(٢).
ثم اختلفوا في الدعاء له أو لغيره بلفظ الصلاة، فقيل: يكره وإن أراد بها مطلق
الرحمة.
وقيل: محرم.
وقيل: خلاف الأولى.
(١) أخرجه البخاري (٤١٦٦، ٦٣٥٩)، ومسلم (٢٥٤٤)، وأبو داود (١٥٩٢)، والنسائي (٢٤٧١)، وابن
ماجه (١٨٦٨)، وأحمد (١٩٦٢٨).
(٢) أخرجه النسائي (٢٤٥٧)، والطبراني (١٧٥٦٦)، والبيهقي في (سننه)) (٧٩٠٨).
١٩٥
كتاب الزكاة
وقيل: یسن.
وقيل: يباح إن أراد بالصلاة مطلق الرحمة، ويكره إن أراد بها المقرنة بالتعظيم،
والأصح عندنا الأول؛ لأن ذلك شعار أهل المدح وقد نبهنا عن شعارهم وإن صح
المعنى؛ لأنها صارت مختصة في عرف أهل السنة بالأنبياء والملائكة كما لا يقال رأيت
إلا لله تعالى، وإن صح المعنى في غيره؛ لأنه صار مختصًّا به تعالى، وأجابوا بذلك عن
هذا الحديث بأنها حقه فله الإنعام بها على من شاء بخلافنا نحن، ومن ثم كان محل
الكراهة عندنا أن يصلي بغير نبي أو ملك عَلَى غَيْرِ نَبِيٍّ، أَوْ مَلَك اسْتِقْلَالًا لا تَبَعًا؛ لأن
السلف لم يمنعوا منه، وقد أمرنا به في التشهد وغيره، والسلام كالصلاة، فلا يفرد به
غائب غير نبي أو ملك، نعم ما يقع منه غيبة في المراسلات سنة أو واجب كالخطاب به
ولا يكره الإفراد فيمن اختلف في نبوته كلقمان ومريم.
١٧٧٨ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللهِ وَِّ عُمَرَ عَلَى الصَّدَقَةِ فَقِيلَ: مَنَّعَ
ابْنُ جَمِيلٍ وَخَالِدُ بْنُ الْوَلِدِ وَالْعَبَّاسُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِوَسَ﴾: مَا يَنْقِمُ ابْنُ جَمِيلٍ إِلَّا أَنَّهُ
كَانَ فَقِيرًا فَأَغْنَاهُ اللهُ وَرَسُولُهُ، وَأَمَّا خَالِدْ فَإِنَّكُمْ تَظْلِمُونَ خَالِدًا قَدِ احْتَبَسَ أَدْرُعَهُ
وَأَعْتِدَهُ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَأَمَّا الْعَبَّاسُ فَهِيَ عَّ وَمِثْلُهَا مَعَهَا، ثُمَّ قَالَ: يَا عُمَرُ أَمَا شَعَرْتَ
أَنَّ عَمَّ الرَّجُلِ صِنْوُأَبِيهِ](١).
(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللهِ وَ عُمَرَ عَلَى) جباية (الصَّدَقَةِ فَقِيلَ:
مَنَعَ) أي امتنع من إعطائها (ابْنُ جَمِيلٍ وَخَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ وَالْعَبَّاسُ، فَقَالَ رَسُولُ الله
﴿*) لما بلغه ذلك (مَا يَنْقِمُ) بكسر القاف؛ أي: يعيب ويكره (ابْنُ جَمِيلٍ) المنافق
(إِلَّا أَنَّهُ كَانَ فَقِيرًا فَأَغْنَاهُ اللهُ وَرَسُولهُ) لأنه السبب في إسلامه المستحق به من النعم
المباحة لهذه الأمة ببركته وَله قال تعالى: ﴿وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ مِن
فَضْلِهِ﴾ [التوبة: ٧٤] أي: ما حمله على منع الزكاة إلا غناه؛ إذ التقدير لم يقع منه كفر
(١) أخرجه البخاري (١٣٩٩)، ومسلم (٩٨٣)، وأبو داود (١٦٢٣)، وأحمد (٨٢٦٧)، والنسائي
(٢٤٦٤)، وعبد الرزاق (٦٨٢٦)، والدار قطني (١٢٣/٢)، وابن حبان (٣٢٧٣)، والبيهقي (٧١٦٠).
١٩٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس
نعم الإسلام لشيء من الأشياء إلا بغناه بعد فقره، ففيه أول تعريض بأنه كفر النعمة
وتفريع بأنه أساء السير حيث قال: الإحسان بالسوء فهو يستحق سائر وجوه الذنب؛
لأن الغناء بعد الفقر موجب لغاية الشكر والطاعة، فعكس ذلك ولعله موجبًا
للكفر والامتناع عن أداء الواجب عليه.
(وَأَمَّا خَالِدٌ فَإِنَّكُمْ تَظْلِمُونَ خَالِدًا) بالتقول عليه ما لم يقله، والدليل على ذلك
إنه الشجاع المشهور بذلك جاهلية وإسلامًا شهرة نار على علم، ومن ثم لم يزل ◌َلچر
والخليفتان بعده يوجهانه لكشف كل ملمة وإزاحة كل مدلهمة، والشجاعة والبخل لا
سيما بالواجب لا يجتمعان في نفس كاملة، وهذا كله تضمنه ذكر اسمه لضمن ذكر
(حاتم)) للجود، وأيضًا فإنه (قَدِ احْتَبَسَ أَدْرُعَهُ وَأَعْتِدَهُ) جمع قلة مفرده عتاد (في
سَبِيلِ الله) أي: وقت دروعه وسائر ما أعده من السلاح والدواب على المسلمين، ومن
يتطوع بمثل ذلك لا يمنع الزكاة التي هي من أجل أركان الإسلام، فلعل منعه إن صح
عنه لطلبكم منه أكثر ما عليه، ومن شأن الشجاع الكامل ألا يصير على ظلم وضيم
وإلا فهو أكرم من أن يعطي أمثال الزكاة الواجبة عليه.
وقيل معنى احتبسها: أعدها للتجارة من غير وقف، وما كان كذلك ليس فيه
زكاة تجارة فمنعه لطلبكم الزكاة فيها لا حرج عليه فيه، وإنما تم هذا لقائله لو كانت
زكاة التجارة مجمعًا على وجوب الزكاة فيها، وليس الأمر كذلك فتغير الحمل على المعنى
الأول، ومن ثم احتج به أصحابنا على صحة وقف المنقول ولزومه وإن لم يحكم به
حاكم.
وأما ما قيل: إن فيه دليلاً على وجوب الزكاة في أبواب التجارة وإلا لما أعتذر عنه
** عند مطالبته بزكاتها، وعلى أن سائر العروض تصلح؛ لأن تكون مال تجارة فليس
الصحيح؛ لأن الاحتباس إلا عبد حبس في سبيل الله ينافي كونها عروض تجارة؛ لأن
من شأن عروضها الخروج عن اليد ثم العود؛ لأن التجارة تقليب المال بالإدخال
والإخراج لغرض الربح، والاحتباس ينافي ذلك من كل وجه.
١٩٧
كتاب الزكاة
(وَأَمَّا الْعَبَّاسُ فَهِيَ عَلَّ وَمِثْلُهَا مَعَهَا) أي: فأنا الكفيل بما عليه مع زيادة مثله
فلا تؤذوني فيه على أن امتناعه كان لفرض صحيح هو معذور فيه؛ لأنه * استسلف
منه صدقة عامين هذا العام الذي طلبت منه فيه والعام الذي بعده، فمن ثم قال رَله
«فهي عليَّ باعتبار ما أخذه من زكاة السنة الأولى ومثلها معها باعتبار ما أخذه من زكاة
السنة الآتية)) وفي جواز سلف الإمام الزكاة لعامين خلاف عندنا في إجزائه للسنة
الثانية وأكثرهم على الإجزاء لحديث العباس هذا ومحققوهم على عدمه، وحملوا
الحديث على أن معنى كونه يسلفها في عامين أنه يسلم دفعتين كل دفعة في عام وهو
بعید.
وقيل: معنى «هي عليَّ ومثلها معها)) إنه استمهل رسول الله صل بذلك عامين
فأمهله لما رأى به من الحاجة.
فإن قلت: هذا ممتنع على الساعي.
قلت: أحواله 183 في مثل ذلك كانت من خصائصه فلا تقاس به غيره.
(ثُمَّ قَالَ: يَا عُمَرُ أَمَا شَعَرْتَ) أي: علمت واتنبهت حيث اتهمت العباس بما
قيل عنه إلى أن قال عمر: (أَنَّ عَمَّ الرَّجُلِ صِنْوُ أَبِيهِ) أي: خرجا من أصل واحد؛ فلذلك
كان العم إياكما في القرآن في غير آية فلا نضع لما قيل فيه.
١٧٧٩ - {وَعَنْ أَبِي حُمَيْدِ السَّاعِدِيِّ عَّ قَالَ: اسْتَعْمَلَ النَّبِيُّ ◌َهَ رَجُلاً مِنَ الأَزْدِ
يُقَالُ لَهُ: ابْنُ اللَّتْبِيَّةِ عَلَى الصَّدَقَةِ، فَلَمَّا قَدِمَ قَالَ: هَذَا لَكُمْ وَهَذَا أُهْدِيَ لِي، فَخَطَبَ
النَّبِيُّ ◌َ فَحَمِدَ اللّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّ أَسْتَعْمِلُ رِجَالًا مِنْكُمْ عَلَى أُمُورٍ
مِمَّا وَلَّانِي اللّهُ فَيَأْتِي أَحَدُكُمْ فَيَقُولُ: هَذَا لَكُمْ وَهَذِهِ هَدِيَّةٌ أُهْدِيَتْ لِي، فَهَلَّا جَلَسَ
فِي بَيْتِ أَبِيهِ أَوْ بَيْتِ أُمِّهِ فَيَنْظُرَ أَيُهْدَى لَهُ أَمْ لَا، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يَأْخُذُ أَحَدُّ مِنْهُ
شَيْئًا إِلَّا جَاءَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَحْمِلُهُ عَلَى رَقَبَتِهِ، إِنْ كَانَ بَعِيرًا لَهُ رُغَاءُ أَوْ بَقَرًّا لَه خُوَارْ أَوْ
شَاةً تَيْعَرُ، ثُمَّ رَفَعَ يَدِيهِ حَتَّى رَأَيْنَا عُفْرَةَ إِبْطَيْهِ ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ، اللَّهُمَّ هَلْ
بَلَّغْتُ. مُتَّفَقَّ عَلَيْهِ، قَالَ الْخَطَّابِي وَفِي قَوْلِهِ: ((هَلَّا جَلَسَ فيِ بَيْتِ أُمِّهِ أُوْ أَبِيْهِ فَيَنْظُر
١٩٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس
أَيُهْدَى إِلَيْهِ أُمْ لَا)) دَلَيْل عَلى أنَّ كُلَّ أَمْرٍ يَتَدَرَّعِ بِهِ إِلى مَحْظُورِ فَهُوَ مَحْظُورِ وَكُلَّ دَخِيْلٍ فِي
العُقُودِ يَنْظُرِ، هَلْ يَكُون حُكْمِه عِنْدَ الانْفِرَادِ كَحُكْمِهِ عِنْدَ الاقْتِرَانِ أُمْ لا هَكَذَا فِي:
(شَرْجِ السُّنَّةِ))](١).
(وَعَنْ أَبِي حُمَيْدِ السَّاعِدِيِّ ◌َ﴾ قَالَ: اسْتَعْمَلَ النَِّيُّ ◌َ رَجُلاً مِنَ الأَزْدِ يُقَالُ لَهُ)
عبد الله (ابْنُ اللَّتْبِيَّةِ) بلام مضمومة وفوقية ساكنة خطًّا، وأما فتحها نسبة لبني لتب
قبيلة (عَلَى الصَّدَقَّةِ، فَلَمَّا قَدِمَ قَالَ: هَذَا لَكُمْ وَهَذَا أَهْدِيَ لِي، فَخَطَبَ السَّبِيُّ ◌َّ)
الناس ليعلمهم ويحذرهم عن مثل فعله (فَحَمِدَ اللهَ وَأَنْنَى عَلَيْهِ) كما هو شأن الخُطب
أنها تفتتح بذلك (ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ) هذا على عادته الكريمة من إتيانه بهذه
الكلمة المسماة بفصل الخطاب (فَإِنِّ أَسْتَعْمِلُ رِجَالًا مِنْكُمْ) أجمل الفاعل ولم بين
عيبه سترًا عليه وتكرمًا (عَلَى أُمُورٍ مِمَّا وَلَّانِي اللّهُ) من الزكوات والغنائم
وغیرها.
(فَيَأْتِي أَحَدُكُمْ فَيَقُولُ: هَذَا لَكُمْ وَهَذِهِ هَدِيَّةٌ أَهْدِيَتْ لِي، فَهَلَّا جَلَسَ فِي بَيْتٍ
أَبِيهِ أَوْ) للشك أو التنويع (بَيْتِ أُمِّهِ فَيَنْظُرَ أَيُهْدَى لَهُ أَمْ لَا؟) فيه إلحاق المغايرة
والتحقير لشأنه إذا لم يهدوا إليه لذاته بل لتوليته عليهم (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يَأْخُذُ
أَحَدُّ) من العمال (مِنْهُ) أي: مما يعطاه وهو عامل (شَيْئًا إِلَّا جَاءَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَحْمِلُهُ
عَلَى رَقَّبَتِهِ) إن قلت الذي في الآية: ﴿وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ﴾ [الأنعام: ٣١]
قلت: الظهور ليشمل ما هو قريب منها، أو ذاك في أوزار الكفار وهذا في أوزار
المؤمنين، أو ذاك في مطلق الأوزار وهذا في أوزار عامل الزكاة فقط تميزًا لها لمزيد قبحها
فيها باعتبار أن فيها حقين: حقًّا لله تعالى، وحقًّا للآدمي.
(إِنْ كَانَ) المأخوذ (بَعِيرًا) جاء به و(لَهُ رُغَاءُ) أو قلة رغاء وحذف فاء الجزاء من
الجملة الأسمية سائغ لكنه قليل، وكذا يقال في الثاني، والرغاء صوت الإبل من رغا
يرغو (أَوْ) كان (بَقَرًا) جاء به و(لَه خُوَارً) هو صوت البقر (أو) كان (شَاةً) جاء بها وهي
(١) أخرجه البخاري (٧١٩٧)، ومسلم (٤٨٤٤).
١٩٩
كتاب الزكاة
(تَيْعَرُ) من يعرت المعز تيعر بالكسر تعارًا بالضم؛ أي: صوتت، وحكمة تلك الأصوات
من تلك المحمولات الزيادة في تحقيره وفضيحته (ثُمَّ رَفَعَ يَدِيهِ حَتَّى رَأَيْنَا عُفْرَةَ
إِبْطَيْهِ) أي: بياضهما الذي ليس بالناصع باعتبار ما يرى من العبد، أو لوجود آثار شعر
بفرض أن له ثَمَّة شعرًا.
وفي روايات في غير هذا التعبير: ((لبياض إبطيه))(١) ولعله باعتبار النظر إليها من
قُرب مع عدم شعرها فلا تنافي بين الروايتين، وقد عد من خصائصه أنه لا ريح لإبطيه
(ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ هَلْ) بمعنى قد (بَلَّغْتُ، اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ، مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ، قَالَ الخَطَّابِي وَفِي
قَوْلِهِ: ((هَلَّا جَلَسَ في بَيْتِ أُمِّهِ أَوْ أَبِيْهِ فَيَنْظُرِ أَيُهْدَى إِلَيْهِ أَمْ لَا)) دَلَيْل عَلَى أَنَّ كُلَّ أَمْرٍ
يَتَدَرَعِ) أي يتوصل (بِهِ إِلى مَخْطُور فَهُوَ تَخْفُور) منه قرض جر منفعة للمقرض، ومن
ثم جاء: ((كل قرض جر منفعة - أي: للقرض فهو - ربا))(٤) ومرهون شرط على راهنه
انتفاع المرتهن به مجانًا (وَكُلَّ) محتمل رفعه وهو الأحسن؛ لأنه لم يحرم بحكم هذا
الدخيل، والدليل إنما يدل على الحكم لا على التردد، فتعين قطعه لتعذر العطف فيه.
ويحتمل نصبه، ويوجه العطف حينئذٍ بأن في الدليل مطلق النظر إلى هذا
الدخيل، أما التردد المذكور فإنما هو مضطرب ينقدح عند من ثبت عنده النظر الأول
ففيه نوع حجة على من ألغى النظر لهذا من أول وهلة (دَخِيْلٍ فِي العُقُودِ يَنْظُر) فيه
(هَلْ يَكُون حُكْمِه عِنْدَ الانْفِرَاد كَحُكْمِهِ عِنْدَ الاقْتِرَان أمْ لا هَكَذَا) نقل عنه البغوي
(في (شَرْجِ السُّنَّةٍ))) فأما ما قاله في الكلية الأولى فهو موافق لمذهبنا؛ لأن من قواعدنا أن
للوسائل حكم المقاصد، فوسيلة الطاعة طاعة ووسيلة المعصية معصية.
والوسيلة هي ما يتوصل به إلى غيره، فإن كان ذلك لغير طاعة أو مباحًا أو
مكروهًا أو محرمًا كان لوسيلته حكمه، ووجه دلالة الحديث على هذه القاعدة أنه وايت
ذم عمله؛ لأنه وسيلة لمحرم وهو أخذه ممن أعطاه لأجل عمله، أو أنه لم يملكه ما
(١) لم أقف على هذا اللفظ.
(٢) أخرجه البيهقي (١١٢٥٢).
٢٠٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس
أعطيه؛ لأنه وسيلة إلى محرم هو خوف جوره أو رجاء محابته، وأما ما قاله من الكلية
الثانية فهو أنه يليق بمذهب من منع الحيل المتوصل بها إلى الخروج من الربا وغيره
كمالك وأحمد - رضي الله عنهما - ومن ثم ألحق مالك بذلك أن يبيع ذهبًا جيدًا أو
رديئًا بذهب متوسط فيمتنع وإن تماثلا وزنًا؛ لأن زيادة الجودة في أحد الجانبين كزيادة
الوزن؛ إذ لولا تلك الزيادة ما وقع ذلك العقد.
وأما الشافعي وأبو حنيفة وغيرهما ممن يرى إباحة الحِيل فلا ينظران إلى هذا
الدخيل؛ لأن النبي ◌ّ﴿ عَلَّم عامله على خيبر وقد قال له: إنه يشتري صاع تمر جيد
بصاعي رديء حيلة تخرجه عن الربا، وهي أن يبيع الرديء بدراهم ويشتري بها الجيد
فأفهم أن كل عقد توسط في معاملة أخرجها عن المقابلة المؤدية إلى الربا جائز، وأنه لا
نظر إلى ما نظر إليه مالك في مسألة الذهب المذكورة؛ لأنهم في مسألة التمر لولا إعطاء
صاعين رديئين، وأخذ صاع جيد لما وسطوا ذلك العقد الحيلة على الخروج من الربا،
ومع ذلك لم ينظر الشارع لهذا القصد، فكذلك لا نظر إليه في مسألة الذهب فتأمله
فإنهم أولوا حديث عامل خيبر بما ينبو عنه لفظه من غير دليل صريح لهذا التأويل
فلا يسمع.
فإن قلت: حديث المتن دليل لهذا التأويل؛ لأنه لو نظر إلى قصد المعطين وإنه
لولا عمله عليهم ما أعطوه، فأخرج المعطي عن ملكه نظرًا لهذا القصد فلينظر
للقصد في مسئلتنا ولیؤول حدیث عامل خیبر.
قلت: ليس هنا عقد يقتضي الملك حتى يدبر الأمر عليه، وإنما الذي هنا
إعطاء قارنه إكراه في الباطن وهو الخوف من هذا العامل لئلا يجور عليه أو لحابيه،
وقد حكى الغزالي أن من أعطى غيره شيئًا وليس الباعث عليه إلا الحياء من الناس،
كإن سأله بحضرتهم شيئًا فأعطاه إياه ولو كان وحده لم يعطه الإجماع على حرمة أخذ
مثل هذا؛ لأنه لم يخرج عن ملكه؛ لأنه في الحقيقة مُكره لسبب الحياء هو كالمكره
بالسيف.