النص المفهرس
صفحات 161-180
١٦١
تتمة كتاب الجنائز/ باب البكاء - بالمدٍّ على الأفصح - على الميت
(وَمَا) شرطية أيضًا (كَانَ مِنَ الْيَدِ) من نحو لطم أو شق أو نتف أو غير ذلك مما
مر (ومن اللِّسَانِ) من نياحة أو ندب (و) هو (مِنَ الشَّيْطَان) وتسويله ليظفر من
الناس بمراده وهذا؛ أعني: نسبة الأول إلى الله، والثاني إلى الشيطان على منوال القاعدة
السابقة من نسبة المحمود لله تعالى، والمذموم للشيطان نظيره يشقيني، والشر ليس
إليك بيدك الخير ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللهِ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن
نَّفْسِكَ﴾ [النساء: ٧٩] (رَوَاهُ أَحْمَدُ).
١٧٤٩ - [وَعَنِ البُخَارِيِّ تَعْلِيقًا: لَمَّا مَاتَ الْحَسَنُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ ﴾ ضَرَبَتِ
امْرَأَتُهُ الْقُبَّةَ عَلَى قَبْرِهِ سَنَةً، ثُمَّ رُفِعَتْ، فَسَمِعَتِ صَائِحًا يَقُولُ: أَلَا هَلْ وَجَدُوا مَا فَقَدُوا؟
فَأَجَابَهُ آخَرُ: بَلْ يَئِسُوا فَانْقَلَبُوا](١).
(وَعَنِ البُخَارِيِّ تَعْلِيقًا) مر قريبًا معناه (لَمَّا مَاتَ الْحَسَنُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ عَلِّ ﴾
ضَرَبَتِ امْرَأَتُهُ الْقُبَّةَ) هي الخيمة (عَلَى قَبْرِهِ سَنَةً، ثُمَّ رُفِعَتْ، فَسَمِعَتِ صَائِحًا يَقُولُ)
تأنيبًا لها في أفعالها لهذا الشيء المكروه؛ إذ لا فائدة فيه للميت.
ومن ثم لو كان لأجل استظلال المقربين عليه ونحوهم لم يكن به بأس؛ لأنه
الحاجة (أَلَا) للاستفتاح (هَلْ وَجَدُوا) بضربها ثم رفعها (مَا فَقَدُوا؟) أي: ذلك الميت
الذي ضربوها عليه، ثم خلوها عنه (فَأَجَابَهُ آخَرُ: بَلْ يَئِسُوا) من نفع يحصل بضربها
(فَانْقَلَبُوا) أي: رجعوا إلى وطنهم.
١٧٥٠ - [وعَنْ عِمْرَانَ بن حُصَيْنٍ، وَأَبِي بَرْزَةَ، قَالا: خَرَجْنَا مَعَ رسول اللّه ◌َلِّ فِي
جَنَازَةٍ فَرَأَى قَوْمًا قَدْ طَرَحُوا أَرْدِيَتَهُم يَمْشُونَ فِي خَمْصٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وََّ: أَبِفِعْلِ
الْجَاهِلِيَّةِ تَأْخُذُونَ، أَوْ بِصُنْعِ الْجَاهِليةِ يتشبهون؟ لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَدْعُوَ عَلَيْكُمْ دَعْوَةً
تَرْجِعُونَ فِي غَيْرِ صُوَرِكُمْ. قَالَ: فَأَخَذُوا أَرْدِيَتَهُمْ وَلَمْ يَعُودُوا لِذَلِكَ. رَوَاهُ ابْنُ مَاجَه](9).
(وعَنْ عِمْرَانَ بن حُصَيْنٍ، وَأَبِي بَرْزَةَ، قَالا: خَرَجْنَا مَعَ رسول الله وَّهِ فِي جَنَازَةٍ
(١) أخرجه البخاري (٦١).
(٢) أخرجه ابن ماجه (١٤٨٥)، والطبراني (٦٠١).
١٦٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس
فَرَأَى قَوْمًا قَدْ طَرَحُوا أَرْدِيَتَهُم) حال كونهم (يَمْشُونَ) حال كونهم (فِي خَمْصٍ) يؤخذ
منه أن الشعار المعروف في ذلك الزمن هو الرداء فوق القميص (فَقَالَ رَسُولُ الله ◌ِلَّهُ:
أَبِفِعْلِ الْجَاهِلِيَّة) من تغيير الزي المألوفة عند الموت (تَأْخُذُونَ أَوْ) يحتمل أنها للشك
وأنها للتنويع.
(بِصُنْعِ الْجَاهِليةِ يتشبهون) أي: يتشبهون (لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَدْعُوَ عَلَيْكُمْ دَعْوَةً
تَرْجِعُونَ) أي: تصيرون لاستحالة حقيقة الرجوع هنا من العود لمثل الأول، أو المراد
بالصورة الصفة؛ أي: ترجعون إلى الكفر الذي كنتم عليه في الجاهلية كذا قيل وفيه
نظر؛ لأن المراد بالرجوع هنا الانقلاب من الجنازة؛ أي: ترجعون إلى أهاليكم حال
كونكم.
(فِي غَيْرِ صُوَرِكُمْ) بأن تتحول إلى بعض صور الدواب، وفيه من الوعيد الشديد
على ما كاد الناس أن يطبقوا عليه من تغيير زيهم عند الموت، ما يحمل من له أدنى
مسكة من دين أو عقل على مجانبة ذلك بكل وجه، وعلى أمر من يفعله بتركه.
وذكر هذا الوعيد له فإن الداعي لتهافت الناس على هذه البدعة المحرمة، بل
الكبيرة لما تقرر من شدة الوعيد عليها جهل أكثرهم بذلك، وتساهل أقلهم فيه مع
علمهم بتحريمه، كما قدمناه عن نص جماعة من أئمة مذهبنا.
والحديث نص فيما يفعله المتوسمون برسوم الفقهاء من أهل مكة، فإنه إذا مات
لهم ميت تركوا المناديل التي على أكتافهم المنزلة في الأصل منزلة الأردية المألوفة في
الزمن الأول، فكما أن أولئك استحقوا ذلك الوعيد الشديد على ترك أرديتهم، فهؤلاء
يستحقونه على ترك مناديلهم المنزلة منزلة الأردية كما تقرر.
(قَالَ) فيه إبهام، فإن الراوي اثنان: فيحتمل أو المراد قال كل منهما، ويحتمل قال
الراوي الشامل لهما (فَأَخَذُوا) بسبب هذا الوعيد والزجر لهم (أَرْدِيَتَهُمْ) على أكتافهم
(وَلَمْ يَعُودُوا لِذَلِكَ) الفعل المذموم خوفًا من تلك العقوبة المهلكة (رَوَاهُ ابْنُ مَاجَه)
ويتأمل ما فيه من ترتب هذا الوعيد الفظيع على مجرد وضع الرداء عن الكتف يعلم
١٦٣
تتمة كتاب الجنائز/ باب البكاء - بالمدٍّ على الأفصح - على الميت
عظيم عقاب، ما هو أشد من ذلك بكثير، بل لا نسبة بينهما من النياحة
والندب واللطم ونحوها مما كثر فعله، ولم ينكره أحد تعاميًا عن الحق، وتصميمًا على
الباطل.
١٧٥١ - [وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ وَِّ أَنْ تُتْبَعَ
جَنَازَةٌ مَعَهَا رَانَّةُ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ](١).
(وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ وَ﴿ أَنْ تُتْبَعَ جَنَازَةٌ
مَعَهَا رَانَةُ) أي: نائحة؛ إذ الرنين الصوت (رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَه).
ويؤخذ منه أن محل ندب لتشييع الجنازة ما لم يكن فيها معصية، كنياحة أو
غيرها من سائر المحرمات وهو قياس ما ذكروه في إجابة وليمة العرس، بل ما هنا أولى؛
لأن الإجابة ثم واجبة، وتسقط إذا كان بمحل الحضور معصية، فكذا يسقط الندب
هنا، نعم قياس تلك أن المعصية لو زالت بحضوره مع الجنازة لزمه حيث لا عذر له
لتشييعها إزالة للمنكر.
١٧٥٢ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾، أَنَّ رَجُلاً قَالَ لَهُ: مَاتَ ابْنَّ ◌ِي فَوَجَدْتُ عَلَيْهِ هَلْ
سَمِعْتَ مِنْ خَلِيلِكَ - صَلَواتُ اللهُ عَلَيْهِ - شَيْئًا نُطَيِّبُ بِأَنْفُسِنَا عَنْ مَوْثَانَا؟ قَالَ:
نَعَمْ، سَمِعْتُهُ فَ قَالَ: صِغَارُهُمْ دَعَامِيصُ الْجَنَّةِ يَلْقَى أَحَدُهُمْ أَبَاهُ فَيَأْخُذُ بِنَاحِيَةِ ثَوْبِهِ،
فَلَا يُفَارِقُهُ حَتَّى يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ رَوَاهُ مُسْلِمْ وَأَحْمَدُ، وَاللَّفْظُ لَهُ](٤).
(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ أَنَّ رَجُلاً قَالَ لَهُ: مَاتَ ابْنُ لِي فَوَجَدْتُ) أي: حزنت (عَلَيْهِ
هَلْ سَمِعْتَ مِنْ خَلِيلِكَ - صَلَواتُ الله عَلَيهِ - شَيْئًا نُطَيِّبُ بِأَنْفُسِنَا) الباء زائدة عند
من يرى زيادتها في الإثبات كالأخفش.
(عَنْ مَوْتَانَا قَالَ: نَعَمْ سَمِعْتُهُ وََّ قَالَ: صِغَارُهُمْ) أي: المسلمين (دَعَامِيصُ
الْجَنَّةِ) أي: سواحلها لا يمنعون دخول شيء من منازلها؛ إذ الدعموص دويبة في
(١) أخرجه أحمد (٥٨٠١)، وابن ماجه (٦٣٠٢).
(٢) أخرجه مسلم (٢٦٣٥)، وأحمد (١٠٣٣٦).
١٦٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس
مستنقع الماء، أو الدخال في الأمور، كما أنهم في الدنيا لا يمنعون من الدخول حتى على
الحريم.
(يَلْقَى أَحَدُهُمْ أَبَاهُ فَيَأْخُذُ بِنَاحِيَةٍ ثَوْبِهِ) أي: ببعض طرفه (فَلَا يُفَارِقُهُ حَتَّى
يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ. رَوَاهُ مُسْلِمْ وَأَحْمَدُ، وَاللَّفْظُ لَهُ).
١٧٥٣ - [وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: جَاءَتِ امْرَأَةُ إِلَى رَسُولِ اللهِ نَّهِ فَقَالَتْ: يَا
رَسُولَ اللهِ، ذَهَبَ الرِّجَالُ بِحَدِيثِكَ فَاجْعَلْ لَنَا مِنْ نَفْسِكَ يَوْمًا نَأْتِيكَ فِيهِ تُعَلِّمُنَا مِمَّا
عَلَّمَكَ اللّهُ، فَقَالَ: اجْتَمِعْنَ فِي يَوْمٍ كَذَا وَكَذَا فِي مَكَانٍ كَذَا وَكَذَا، فَاجْتَمَعْنَ فَأَتَاهُنَّ
رَسُولُ اللهِ وَّهِ فَعَلَّمَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَهُ اللّهُ ثُمَّ قَالَ: مَا مِنْكُنَّ امْرَأَةً تُقَدِّمُ بَيْنَ يَدَيْهَا مِنْ
وَلَدِهَا ثَلَاثَةً، إِلَّا كَانَ حِجَابًا مِنَ النَّارِ. فَقَالَتِ امْرَأَةً مِنْهُنَّ: يَا رَسُولَ الله أو اثْنَيْنِ؟
فَأَعَادَتْهَا مَرَّتَيْنِ، ثُمَّ قَالَ: وَاثْنَيْنِ وَاثْنَيْنِ وَاثْنَيْنِ، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ](١).
(وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ وَّهِ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ الله
ذَهَبَ الرِّجَالُ بِحَدِيثِكَ) أي: أخذوا حظًّا وافرًا مما يلقيه عليهم من الأحكام والحكم
والمواعظ والآداب وغيرها، ولما كان هذا الأخذ يستدعي الظفر به الزمن الطويل طلبوه
تعبيرًا عن الحال بالمحل فقالوا: (فَاجْعَلْ لَنَا مِنْ نَفْسِكَ) من ابتدائية وهي ومجرورها
حال، قدم لكون صاحبه يكره وهو (يَوْمًا) أي: زمنًا بمعنى: نصيبًا كائنًا من تلك
العلوم.
(نَأْتِيكَ فِيهِ) فيه نوع من الاستخدام؛ لأن المراد باليوم ما مرَّ، وهنا حقيقة
الزمن (تُعَلِّمُنَا مِمَّا عَلَّمَكَ اللهُ، فَقَالَ: اجْتَمِعْنَ فِي يَوْمٍ كَذَا وَكَذَا فِي مَكَانٍ كَذَا وَكَذَا،
فَاجْتَمَعْنَ فَأَتَاهُنَّ رَسُولُ اللهِ وَِّ فَعَلَّمَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَهُ اللهُ ثُمَّ قَالَ: مَا مِنْكُنَّ امْرَأَةً
تُقَدِّمُ بَيْنَ يَدَيْهَا مِنْ وَلَدِهَا ثَلَاثَةً، إِلَّا كَانَ) الولد بمعنى: السلامة (حِجَابًا) هي ساترًا
(مِنَ النَّارِ فَقَالَتِ امْرَأَةً مِنْهُنَّ: يَا رَسُولَ الله أو اثْنَيْنِ؟) مرَّ أنه عطف تلقيني (فَأَعَادَتْهَا
مَرَّتَيْنِ ثُمَّ قَالَ: وَاثْنَيْنٍ وَائْنَيْنِ وَاثْنَيْنِ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ).
(١) أخرجه البخاري (٧٣١٠).
١٦٥
تتمة كتاب الجنائز/ باب البكاء - بالمدّ على الأفصح - على الميت
١٧٥٤ - [وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ حَبَلٍ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وََّ: مَا مِنْ مُسْلِمَيْنِ يُتَوَقَى
لَهُمَا ثَلَاثَةُ إِلَّا أَدْخَلَهُمَا اللهُ الْجَنَّةَ بِفَضْلٍ رَحْمَتِهِ إِيَّهُمَا فَقَالُوا: يَا رَسُولَ الله أَوِ اثْنَانِ
فَقَالَ: أَوِ اثْنَانِ، قَالُوا: أَوْ وَاحِدٌ قَالَ: أَوْ وَاحِدٌ، ثُمَّ قَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إِنَّ السِّقْطَ
لَيَجُرُّ أُمَّهُ بِسَرَرِهِ إِلَى الْجَنَّةِ إِذَا اخْتَسَبَتْهُ. رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَرَوَى ابْنُ مَاجَه مِنْ: وَالَّذِي نَفْسِي
بِيَدِهِ](١).
(وَعَنْ مُعَاذِ بْنٍ جَبَلِ ﴿ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَهُ: مَا مِنْ مُسْلِمَيْنٍ يُتَوََّى لَهُمَا
ثَلَاثَةُ) من الولد (إِلَّا أَدْخَلَهُمَا اللهُ الْجَنَّةَ بِفَضْلٍ رَحْمَتِهِ إِيَّاهُمَا) تأكيد لمفعول أدخل، أو
مفعول للمصدر، وعلم من قوله: تفضل رحمته أن الله تعالى لا يجب عليه شيء، وأن
هذا الجزاء إنما هو من محض الفضل دون شائبة استحقاق قطعًا.
(فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ أَوِ اثْنَانٍ فَقَالَ: أَوِ اثْنَانٍ، قَالُوا: أَوْ وَاحِدُ قَالَ: أَوْ وَاحِدُ، ثُمَّ
قَالَ) تتميمًا ومبالغة في ثواب الولد؛ ولذا أكده بالقسم (وَالَّذِي نَفْسِي) أي: حياتي أو
روحي (بِيَدِهِ) أي: في تصاريف إرادته وقدرته (إِنَّ السِّقْطَ لَيَجُرُّ أُمَّهُ بِسَرَرِهِ) أي:
بالمصران المتصل بسرته وبطن أمه (إِلَى الْجَنَّةِ) وإذا كان هذا ثواب فقد الطفل الذي
ليس للنفس به كبير تعلق، فكيف بثواب من تعلقت به حتى صار أعز عندها منها؟
(إِذَا احْتَسَبَتْهُ) أي: ادخرن ثواب الصبر على فقده عند الله تعالى، وهذا قيد فيما يأتي
أيضًا (رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَرَوَى ابْنُ مَاجَه مِنْ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ).
١٧٥٥ - [وَعَنْ عَبْدِ الله بْنِ مَسْعُودٍ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَِّ: مَنْ قَدَّمَ ثَلَاثَةً
مِنَ الْوَلَدِ لَمْ يَبْلُغُوا الْحِنْثَ كَانُوا لَهُ حِصْنَا حَصِينًا مِنَ النَّارِ، فَقَالَ أَبُو ذَرِّ قَدَّمْتُ اثْنَيْنِ،
قَالَ: وَاثْنَيْنٍ، فَقَالَ أَبِيُّ بْنُ كَعْبٍ أَبُو الْمُنْذِرِ سَيِّدُ الْقُرَّاءِ: قَدَمْتُ وَاحِدًا، قَالَ: وَاحِدًا.
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهُ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ](٢).
(١) أخرجه أحمد (٢٢١٤٣)، وابن ماجه (١٦٠٩)، والحكيم (٣١١/١)، والطبراني (٢٩٩)، وعبد بن حميد
(١٢٣).
(٢) أخرجه الترمذي (١٠٦١) وابن ماجه (١٦٠٦) وأبو يعلى (٥١١٦) والبيهقي في ((شعب
=
١٦٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس
(وَعَنْ عَبْدِ الله بْنِ مَسْعُودٍ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: مَنْ قَدَّمَ) بين يديه
ونسبة التقديم إليه مجاز؛ لأنه سببه (ثَلَاثَةً مِنَ الْوَلَدِ لَمْ يَبْلُغُوا الْحِنْثَ) مر معناه قريبًا
(كَانُوا لَهُ حِصْنًا حَصِينًا) أي: مانعًا قويًّا (مِنَ النَّارِ، فَقَالَ أَبُو ذَرٍّ) يا رسول الله، هل
يحصل ذلك من قدم اثنین؟ فأبى.
(قَدَّمْتُ اثْنَيْنٍ، قَالَ) يحصل لك ذلك (وَ) إن قدمت (اثْنَيْنِ، فَقَالَ أَبِيُّ بْنُ كَعْبٍ
أَبُو الْمُنْذِرِ) بدل أو عطف بيان لمزيد المدح (سَيِّدُ الْقُرَّاءِ) لأنه كان إمامهم، ومن ثم
اختص بخصوصية لم يشركها فيها غيره وهي قراءة رسول الله وَليه سورة (لم يكن))،
وقال: يا رسول الله أمن تلقاء نفسك أم أمرك الله بذلك؟ فقال: بل أمرني الله به
(قَدَّمْتُ وَاحِدًا) فهل يحصل لي ذلك الثواب أيضًا؟.
(قَالَ) يحصل لك وإن قدمت (وَاحِدًا. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهُ، وَقَالَ
التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ).
١٧٥٦ - [وَعَنْ قُرَّةَ بن إياسٍ ﴾ أَنَّ رَجُلاً كَانَ يَأْتِي النَّبِيّ ◌َّهِ وَمَعَهُ ابن لَهُ فَقَالَ لَهُ
النبي ◌َّلَهُ: أَتُحِبُّهُ؟ فَقَالَ: يا رسول اللّهِ وَّهِ: أَحَبَّكَ اللهُ كَمَا أُحِبُّهُ فَفَقَدَهُ النبيِّه
فَقَالَ: مَا فَعَلَ ابنِ فُلانٍ؟ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ الله مات، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ لهِ: أَمَا تُحِبُّ أَلا
يَأْتِيَ بَابًا مِنْ أَبْوَابِ الْجُنَّةِ إِلَّ وَجَدْتَهُ يَنْتَظِرُكَ. فَقَالَ رَجُلُ: يَا رَسُولَ اللهِ، لَهُ خَاصَّةً، أَمْ
◌ِكُلِّنَا؟ قَالَ: بَلْ لِكُلِّكُمْ. رَوَاهُ أَحْمَدُ](١).
(وَعَنْ قُرَّةَ بنِ إِياسٍ ﴾ أَنَّ رَجُلاً كَانَ يَأْتِي النَّبِيَّ ◌َّهِ وَمَعَهُ ابنَ لَهُ فَقَالَ لَهُ النبي
وَّةِ: أَنَّحِبُّهُ؟ فقَالَ: يا رسول اللّهُ وَِّ: أَحَبَّكَ اللهُ كَمَا أَحِبُّهُ) كأن مراده من ذلك، وإلا
فلا نسبة بين المحبتين أحبه محبة عظيمة جدًّا لا غاية لها فأحبك الله كذلك (فَفَقَدَهُ
النبي ◌َ﴿، فَقَالَ: مَا فَعَلَ ابن فُلانٍ؟ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ الله مات، فَقَالَ رَسُولُ اللهِهِ: أَمَا
=
الإيمان)) (٩٧٥٠).
(١) أخرجه أحمد (١٦٠٠٠)، والحاكم (١٣٦٧).
١٦٧
تتمة كتاب الجنائز/ باب البكاء - بالمدٍّ على الأفصح - على الميت
◌ُحِبُّ أَلا يَأْتِي بَابًا مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ إِلَّا وَجَدْتَهُ) سابقك إليه بأن يلهم أن يسبقك إلى
الباب الذي تريده من تلك الأبواب فتقعد عنده (يَنْتَظِرُكَ) ليأخذ بيدك ويدخلك
الجنة.
وبهذا التقدير الذي هو ظاهر اللفظ يندفع قول الشارح استعير الانتظار للفتح
مبالغة؛ أي: أما تحب ألا تأتي باب من تلك الأبواب إلا وجدته مفتحًا لك، على أن هذا
ليس فيه خصوصية للولد؛ لأن كثيرين من أهل الأعمال تفتح لهم أبواب الجنة الثمانية
ليدخلوا من أيهما شاؤوا، فلا مبالغة في ذلك وإنما المبالغة المسلية لفقد الولد أن يعلم
أنه لا يختار بابًا إلا وجد ولده قاعدًا عنده ينتظره، يفرح به كما يفرح الولد بقدوم أبيه
عليه في الدنيا من سفر طويل، ثم يدخل به أو معه وهو في غاية من السرور بولده فوق
السرور بالفوز بذلك النعيم المقيم.
(فَقَالَ رَجُلُ: يَا رَسُولَ الله) أهذا الثواب العظيم (لَهُ خَاصَّةً أَمْ) هو (لِكُلِّنَا)
معشر المسلمين (قَالَ: بَلْ لِكُلِّكُمْ. رَوَاهُ أَحْمَدُ).
١٧٥٧ - [وَعَنْ عَلِيِّ - كَرَّمَ اللّهُ وَجْهَهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَيِّ: إِنَّ السِّقْطَ
لَيُرَاغِمُ رَبَّهُ إِذَا أَدْخَلَ أَبَوَيْهِ النَّارَ، فَيُقَالُ: أَيُّهَا السِّقْطُ الْمُرَاغِمُ رَبَّهُ أَدْخِلْ أَبَوَيْكَ الْجَنَّةَ،
فَيَجُرُّهُمَا بِسَرَرِهِ حَتَّى يُدْخِلَهُمَا الْجَنَّةَ. رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ] (١).
(وَعَنْ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللّهُ وَجْهَهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّه ◌َ: إِنَّ السِّقْطَ لَيُرَاغِمُ رَبَّهُ)
أي: يحاجه حجاجًا كثيرًا في أمر والديه، وهذا على ظاهره؛ إذ لا مانع أن الله تعالى
يلهمه لإظهار عظيم ثواب الصبر على فقدان الولد يقيم حججًا تقتضي خروج أبويه من
النار، وأنه يشفع في ذلك فشفعه الله فيه فاندفع قول الشارح: هذا تخييل على حد ما
جاء أن الرحم قائمة عند ساق العرش تستعيذ بالله من القطيعة، فيقول الله لها: ((أما
(١) أخرجه ابن ماجه (١٦٠٨)، والحكيم (٣١٢/١)، والبيهقي في («شعب الإيمان)) (٩٧٦٣)، وابن أبي
شيبة (١١٨٨٧)، وأبو يعلى (٤٦٨).
١٦٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس
ترضين أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك))(١). انتهى.
على أن ما قاس عليه ممنوع أيضًا فلا تخييل فيه بل هو على حقيقته أيضًا؛ إذ لا
مانع أن الله يجسم معنى الرحم جسمًا قائمًا بين يديه يستعيذ به من القطيعة حتى
يجيبه بذلك (إِذَا أَدْخَلَ) أراد أو على ظاهره (أَبَوَيْهِ النَّارَ، فَيُقَالُ) له (أَيُّهَا السَّقْطُ
الْمُرَاغِمُ رَبَّهُ أَدْخِلْ أَبَوَيْكَ الْجَنَّةَ، فَيَجُرُّهُمَا بِسَرَرِهِ حَتَّى يُدْخِلَهُمَا الْجَنَّةَ).
ولا ينافي هذا ما قبله من الانتظار بباب الجنة؛ لأن الأطفال متخالفون في
الشفاعة بحسب طمأنينة النفس بفقدهن صبرًا تارة ورضًا أخرى (رَوَاهُ ابْنُ مَاجَه).
١٧٥٨ - [وَعَنْ أَبِي أَمَامَةَ عَنِ النَّبِيِّ ◌َ قَالَ: يَقُولُ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ابْنَ آدَمَ إِنْ
صَبَرْتَ وَاحْتَسَبْتَ لَمْ أَرْضَ لَكَ تَوَابًا دُونَ الْجَنَّةِ. رَوَاهُ ابْنُ مَاجَه](٩).
(وَعَنْ أَبِي أُمَامَةً عَنِ النَّبِيِّ ◌َهِ قَالَ: يَقُولُ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ابْنَ آدَمَ إِنْ صَبَرْتَ
وَاحْتَسَبْتَ) الظاهر أنه عطف تفسير؛ لأنه يلزم من الصبر المحمود الذي هو طمأنينة
النفس وسكونها للقضاء مع الإذعان والتسليم احتساب ثواب تلك المصيبة وادخار
أجرها عند الله تعالى (لَمْ أَرْضَ لَكَ ثَوَابًا دُونَ الْجَنَّةِ) أي غير نعيمها (رَوَاهُ ابْنُ مَاجَه).
١٧٥٩ - [وَعَنِ الْحُسَيْنِ بن عَلِيٍّ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - عَنِ النَّبِيِّ ◌َ قَالَ: «مَا مِنْ
مُسْلِمٍ وَلَا مُسْلِمَةٍ يُصَابُ بِمُصِيبَةٍ فَيَذْكُرُهَا وَإِنْ طَالَ عَهْدُهَا، فَيُحْدِثُ لِذَلِكَ اسْتِرْجَاعًا
إِلَّا جَدَّدَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَهُ عِنْدَ ذَلِكَ فَأَعْطَاهُ مِثْلَ أَجْرِهَا يَوْمَ أُصِيبَ بِهَا. رَوَاهُ أَحْمَدُ
وَالْبَيْهَقِيُّ فِي (شُعَبِ الْإِيمَانِ))](٣).
(وَعَنِ الْحُسَيْنِ بنِ عَليِّ - رَضِيَ اللّهُ عَنْهُما - عَنِ السَّبِيِّ وَلِ قَالَ: مَا مِنْ مُسْلِم
وَلَّا مَسْلِمَةٍ يُصَابُ بِمُصِيبَةٍ فَيَذْكُرُهَا وَإِنْ طَالَ) أي: بَعُد (عَهْدُهَا، فَيُحْدِثُ لِذَلِكَ)
(١) أخرجه البخاري (٥٦٤١) ومسلم (٢٥٥٤) وأحمد (٨٣٤٩)، والنسائي في الكبرى (١١٤٩٧)، وابن
حبان (٤٤١)، والحاكم (٣٠٠٥) وقال: صحيح الإسناد. والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (٧٩٣٤).
(٢) أخرجه ابن ماجه (١٦٦٥).
(٣) أخرجه أحمد (١٧٦٠)، والطبراني في ((الأوسط)) (٢٧٦٨)، ولم أقف عليه في ((شعب الإيمان)).
١٦٩
تتمة كتاب الجنائز/ باب البكاء - بالمدّ على الأفصح - على الميت
أي: عند ذكرها أو لأجله (اسْتِرْجَاعًا) أي: قول: ﴿إِنَّ الله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة:
١٥٦ ].
(إِلَّا جَدَّدَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَهُ عِنْدَ ذَلِكَ) ثوابًا بينه بقوله: (فَأَعْطَاهُ مِثْلَ أَجْرِهَا
يَوْمَ أَصِيبَ بِهَا) وصبر عليها (رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالْبَيْهَِيُّ فِي ((شُعَبِ الْإِيمَانِ))) ويؤخذ منه
ندب الاسترجاع عند تذكر أي مصيبة ذكرها ليحصل له هذا الثواب الجزيل.
١٧٦٠ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: إِذَا انْقَطَعَ شِسْعُ نَعْلٍ
أَحَدِكُمْ فَلْيَسْتَرجِعِ، فَإِنَّه مِنَ المصَائِب](١).
(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌َِّ: إِذَا انْقَطَعَ شِسْعُ) أي: سير (نَعْلِ
أَحَدِكُمْ فَلْيَسْتَرجِعِ، فَإِنَّه مِنَ المصَائِب) ونبه بالشسع على ما فوقه بالأولى، وعلى ما
دونه بطريق التساوي، فيسن ذكر الاسترجاع في الجميع كما تقرر.
١٧٦١ [وَعَنِ أُمِّ الَّرْدَاءِ قَالَتْ: سَمِعْتُ أَبَا الدَّرْدَاءِ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا الْقَاسِمِ وَلـ
يَقُولُ: ((إِنَّ اللّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى قَالَ: يَا عِيسَى، إِنِّ بَاعِثُ مِنْ بَعْدِكَ أُمَّةً إِنْ أَصَابَهُمْ مَا
يُحِبُّونَ حَمِدُوا اللهَ، وَإِنْ أَصَابَهُمْ مَا يَكْرَهُونَ احْتَسَبُوا وَصَبَرُوا، وَلَا حِلْمَ وَلَا عَقْلَ.
فَقَالَ: يَا رَبِّ كَيْفَ يَكُونُ لَهُمْ وَلَا حِلْمَ وَلَا عَقْلَ؟ قَالَ: أُعْطِيهِمْ مِنْ حِلْمِي
وَعِلْمِي))](٤).
(وَعَنِ أُمِّ الدَّرْدَاءِ قَالَتْ: سَمِعْتُ أَبَا الدَّرْدَاءِ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا الْقَاسِمِ وَهِ يَقُولُ:
(إِنَّ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى قَالَ: يَا عِيسَى، إِنَّ بَاعِثْ مِنْ بَعْدِكَ أَمَّةً) لهم شأن عظيم، هم
صلحاء أمة محمد ◌ٍَّ وذلك أنه (إِنْ أَصَابَهُمْ مَا يُحِبُّونَ حَمِدُوا اللهَ) عليه (وَإِنْ أَصَابَهُمْ
مَا يَكْرَهُونَ احْتَسَبُوا) ثوابه عندي (وَصَبَّرُوا) على فقده الصبر الجميل.
(١) أخرجه البزار (٣٤٧٥) والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (٩٦٩٣)، وهناد (٤٢٤)، والديلمي (١٣٠٢).
(٢) أخرجه أحمد (٢٧٥٨٥)، وأبو نعيم في ((الحلية)) (٢٢٧/١)، والحاكم (١٢٨٩)، والبيهقي في ((شعب
الإيمان)) (٩٩٥٣)، والبخاري في ((التاريخ الكبير)) (٣٥٥/٨)، والطبراني في الأوسط (٣٢٥٢)،
والديلمي (٤٤٩٨).
١٧٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس
(وَ) الحال أنه (لَا حِلْمَ وَلَا عَقْلَ) لهم قبل ذلك، يحملهم على هذا الكمال
العظيم؛ لأنه لم يسبق منهم مجاهدة لأنفسهم حتى تتبدل صفاتها الدنية بصفات علية
(فَقَالَ: يَا رَبِّ كَيْفَ يَكُونُ) الكمال (لَهُمْ وَلَا حِلْمَ وَلَا عَقْلَ؟) لهم، وهو إنما يحصل
لمن أخلص لله حتى أتقن العلم والعمل المكنى عنهما بـ (يُؤْتِي الحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن
يُؤْتَ الحِكْمَةَ فَقَدْ أُوِتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦٩].
(قَالَ: أُعْطِيهِمْ مِنْ حِلْمِي وَعِلْمِي) حال النعمة، والمصيبة ما يحملهم على ذلك
تفضلاً وتكرمًا عليهم ولطفًا بهم حتى لا تلهيهم النعمة عن المنعم، وحتى لا
يستفزهم صدمات المصائب عما يرضي ربهم كما هو الغالب فيمن لم يجاهد نفسه،
وفي إبدال العقل بالعلم الإشارة إلى أنه تعالى لا يوصف بالعقل؛ لاستحالته عليه تعالى؛
إذ هو من مقولات الأعراض أو الجواهر، وكلاهما محال على الله تعالى، وللعلماء في
تعاريفه وماهيته عبارات بعضها مشكل، وقد حررت ما في كل منها في باب الأحداث
من ((شرح العباب)) ومن أخصرها أنه صفة أو قوة تدرك بها الضروريات أو والنظريات
عند سلامة الآلات.
(باب زيارة القبور)
(الفصل الأول)
١٧٦٢ - [عَنِ بُرَيْدَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهُ: كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةٍ
الْقُبُورِ فَزُورُوهَا، وَنَهَيْتُكُمْ عَنْ لُومِ الأَضَاحِيِّ فَوْقَ ثَلَاثٍ فَأَمْسِكُوا مَا بَدَا لَكُمْ،
وَنَهَيْتُكُمْ عَنِ النَّبِيذِ إِلَّا فِي سِقَاءٍ فَاشْرَبُوا فِي الأَسْقِيَةِ كُلُّهَا وَلَا تَشْرَبُوا مُسْكِرًا. رَوَاهُ
مُسْلِمْ) (١).
(عَنِ بُرَيْدَةَ ﴿ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وََّ: كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ)
وسبب النهي قرب عهدهم بالجاهلية، وكلماتها القبيحة التي كانوا يألفونها على القبور
(فَزُورُوهَا) نسخ لذلك النهي لما تمهدت القواعد واتضحت الأحكام، فعلموا ما ينفع
وما يضر.
فحينئذ طلبها منهم وجعل طلبه لها مرتبًا على مقدمة، علمت مما تقرر هي فإذا
أمنتم على نفوسكم من فعل الجاهلية فزوروها، وعللها كما في رواية لمسلم بأنها تذكر
الآخرة؛ أي: لأنها ترق القلب بتذكير الموت وأحواله وما بعده، وأكد في تحفظهم عن
عادة الجاهلية فنهاهم كما صح ألا تقولوا هجرًا؛ أي: باطلاً، ولأجل ذلك التذكير
بالآخرة خالف ما هنا القاعدة الأصولية أن الأمر بعد الحظر للإباحة على أنه أعضد
بتكرر زيارته # للأموات وبالإجماع على طلبها، بل حكى ابن عبد البر عن بعضهم
وجوبها.
واتفق أئمتنا على: إنه يندب للرجال زيارة قبور المسلمين، وأن يلوا لما مر من
بقاء عجب الذنب، ولبقاء تعلق الروح بمحل القبر، وأخذوا من تعليله ولد للزيارة
(١) أخرجه مسلم (٩٧٧)، وأحمد (٢٣٠٥٣)، وابن حبان (٥٣٩٠)، والترمذي (١٠٥٤) والنسائي
(٤٤٢٩).
١٧١
١٧٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس
فإنها تذكر الآخرة، أنها لا تسن إلا لمن قصد بها التفكر في الموت، ومآل الدنيا إلى ماذا
مع الترحم والاستغفار والتلاوة والدعاء لهم، وهي لمن كان يعرفه في الحياة أكد.
وقد قسّم النووي الزيارة إلى أقسام متعددة؛ لأنها:
إما: لمجرد تذكر الموت والآخرة فيكفي رؤية القبور من غير معرفة أصحابها.
وإما: لنحو الدعاء فتسن لكل مسلم.
وإما: للتبرك فتسن لأهل الخير؛ لأن لهم في برازخهم تصرفات وبركات لا تحصى
مددها.
وإما: لأداء حق نحو صديق ووالد، لخبر أبي نعيم: ((من زار قبر والديه أو أحدهما
يوم الجمعة كان كحجة))(١).
ولفظ رواية البيهقي: ((غفر له وكتب له برًّا))(٢).
وإما: رحمة له وتأنيسًا لما روى أنس ما يكون الميت في قبره إذا رآه من كان يحبه
في الدنيا.
وصح خبر: ((ما من أحد يمر بقبر أخيه المؤمن يسلم عليه إلا عرفه ورد عليه
السلام)(٣) ولا يسن وشذ الجويني فقال: لا يجوز السفر لأجلها إلا لقرشي أو عالم أو
صالح.
أما النساء فيكره لهن زيارة القبور لمزيد جزعهن وقلة صبرهن، ولا تحرم للخبر
السابق أنه * مر بالمرأة فأمرها بالصبر ولم ينهها عن الزيارة.
وخبر: ((لعن الله زوارات القبور ... ))(٤) محمول على زيارتهن لمحرم كالنوح وغيره
(١) ذكره الأصبهاني في ((أخبار أصبهان)) (٤٥٧/٣).
(٢) أخرجه البيهقي في ((شعب الإيمان)) (٧٦٦١)، والطبراني (١٩٣).
(٣) أخرجه تمام (١٣٩)، والخطيب (١٣٧/٦)، وابن عساكر (٣٨٠/١٠).
(٤) أخرجه أحمد (١٥٦٩٥)، وابن ماجه (١٥٧٤)، والطبراني (٣٥٩١)، وابن قائع (١٩٩/١)، والحاكم
(١٣٨٥)، والبيهقي (٦٩٩٧).
١٧٣
تتمة كتاب الجنائز/ باب زيارة القبور
مما اعتدنه؛ لأن وسيلة المحرم محرمة، والكلام في عجوز لا تشتهى، وفي مشتهاة أمنت
الفتنة على نفسها وإلا حرمت، ومحل الكراهة غير زيارة قبر رسول الله { 8* فزيارته
لهن حيث لا فتنة سنة مؤكدة.
قال جماعة من أئمتنا: ويلحق به قبور سائر الأنبياء والأولياء، قال بعضهم:
وكذا الشهداء، وقال غير واحد: وكذا قبور محارمها؛ لأنهم أولى بالمصلحة من
الصالحين، ورد بأن زيارة الصالحين فيها عود بركة منهم عليها في صلاح دينها بخلاف
زيارة محرم ليس كذلك، وبهذا اندفع الاستدلال لمطلق المحارم بزيارة فاطمة لقبر
عمها حمزة وعائشة قبر أخيها عبد الرحمن *؛ لأن هذين المحرمين صالحان والكلام
في محرم غير صالح.
(وَنَّهَيْتُكُمْ عَنْ) ادخار (لُومِ الأَضَاحِيِّ فَوْقَ ثَلَاثٍ) من الأيامِ، وسببه
أن قحظًا شديدًا وقع بأهل البادية فدخلوا المدينة، فحتم على أهلها ألا يمسكوا
شيئًا من لحوم أضاحيهم فوق ثلاثة أيام، وأن يتصدقوا بها على أولئك
المضطرين.
فلما زال ذلك الجهد والاضطرار نسخ ومع ذلك النهي ذاكرًا الفاء الدالة على
تسبب ما بعدهما عما قبلها المذكور أو المقدر كما هنا؛ أي: إنما نهيتكم عن ذلك
للاضطرار، فإذا زال (فَأَمْسِكُوا) لحومها الباقية بعدما يجب التصدق به منها، وهو قدر
له توقع لا تافه جدًّا (مَا بَدَا لَكُمْ).
واستمر الأمر على ذلك من جواز ادخار لحم الأضحية ما شاء المضحي، والقصد
بالذات من الأضحية، إنما هو التقرب إلى الله تعالى بإراقة دمها لما في الحديث
الصحيح، وأن الدم ليقع من الله تعالى بمكان قبل أن يقع بالأرض فطيبوا بها نفسًا؛ أي:
لأنه عبادة لم يتقرب بجنسها في ملتنا لغير الله تعالى، هي كالصوم المضاف إليه تعالى
دون غیره.
١٧٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس
في خبر: ((كل عمل ابن آدم له إلا الصوم، فإنه لي وأنا أجزي به))(١) أي: لأنه لم
يتقرب به لغير الله تعالى أصلاً، أو لأنه لا يطلع عليه غيره تعالى.
(وَنَهَيْتُكُمْ عَنِ التَّبِيذِ إِلَّا فِي سِقَاءٍ) أي: قربة، وسبب النهي أن غير السقاء من
أواني الخشب واليقطين والخزف يتخلل على ما فيه، فيسرع تخمره من غير ما يشعر
صاحبه فيقع استعمال المسكر، وهو لا يدري لا سيما، وهم حديثوا عهد بتناول
المسكرات ففطموا عنها بكل وجه، بخلاف السقا فإنه لبرودته لا یتخمر ما فيه، فلما
قوي إيمانهم وعزفت عن المسكر نفوسهم.
وخرج منها الميل إليه بكل وجه إباح لهم الانتباذ في كل الأواني بقوله:
(فَاشْرَبُوا فِي الأَسْقِيَةِ كُلُّهَا وَلَا تَشْرَبُوا مُسْكِرًا) فإنه لا يحرم عليكم غيره سواء أكان
في سقا أو غيره (رَوَاهُ مُسْلِمْ).
١٧٦٣ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: زَارَ النَّبِيُّ ◌ََّ قَبْرَ أُمَّهِ فَبَكَى وَأَبْكَى مَنْ حَوْلَهُ،
فَقَالَ: «اسْتَأْذَنْتُ رَبِي فِي أَنْ أَسْتَغْفِرَ لَهَا فَلَمْ يُؤْذَنْ ◌ِي، وَاسْتَأْذَنْتُهُ فِي أَنْ أَزُورَ قَبْرَهَا
فَأُذِنَ لِي، فَزُورُوا الْقُبُورَ فَإِنَّهَا تُذَكِّرُ الْمَوْتَ)). رَوَاهُ مُسْلِمْ](٢).
(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴿ قَالَ: زَارَ النَّبِيُّ ◌َلِ قَبْرَ أَمِّهِ) بالأبواء محل قرب من قديد،
على ما روي أنها بعد موت أبيه ومضى ست سنين من عمره خرجت به إلى أخوال أبيه
بني عدي بن النجار من أكابر الأنصار يزورهم.
ومن ثم لم ينزل وَلّر لما هاجر إلا عند أبي أيوب منهم، ثم رجعت فتوفيت
بالأبواء وقبرت، ثم فلما مر رَله وهو ذاهب إلى مكة سنة الفتح بقبرها زاره (فَبَكَى
وَأَبْكَى مَنْ حَوْلَهُ) لشدة بكائه.
(فَقَالَ) لهم مبينًا سبب شدة بكائه (اسْتَأْذَنْتُ رَبِي فِي أَنْ أَسْتَغْفِرَ لَهَا فَلَمْ يُؤْذَنْ
(١) أخرجه البخاري (٥٩٢٧)، والطبراني (١٠٠٧٨)، وابن عساكر (٣١٤/٢٧).
(٢) أخرجه مسلم (٢٣٠٤)، وأحمد (٩٩٣٩)، والنسائي (٢٠٤٦)، وابن ماجه (١٦٣٩)، والبيهقي
(٧٤٠٨).
١٧٥
تتمة كتاب الجنائز/ باب زيارة القبور
لِي، وَاسْتَأْذَنْتُهُ فِي أَنْ أَزُورَ قَبْرَهَا فَأَذِنَ لِي) لعل حكمة عدم الإذن له في الاستغفار لها
إتمام النعمة عليه بإحيائها له بعد ذلك حتى تصير من أكابر المؤمنين، أو الإمهال إلى
إحيائها لتؤمن به فتستحق الاستغفار الكامل حينئذ، وحديث إحيائها وإحياء أبيه له
حتى أمنا به ثم توفيا حديث صحيح، وممن صححه الإمام القرطبي والحافظ بن
ناصر الدين حافظ الشام.
والطعن فيه ليس في محله؛ إذ الكرامات والخصوصيات من شأنها أن تحرق
القواعد والعوائد كنفع الإيمان هذا بعد الموت لمزيد كمالهما، وليندرجا في خصوص
المؤمنين، ويخرجا عن عموم كونهما من جملة أهل الفترة المختلف في تعذيبهم اختلافًا
كثيرًا، فإن كان الأصح عند محققي أهل السنة أنهم لا يعذبون لقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا
مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ [الإسراء: ١٥].
وتأويله بأن المراد حتى يبعث أول رسول إلى أهل الأرض، وهو آدم فبعده يعذب
أهل الفترات وغيرهم بعيد متكلف لا دليل عليه، بل الدليل على خلافه ألا ترى أنه
تعالى لم يرتب إضلاله من يشاء وهدايته من يشاء إلا على إرسال كل رسول إلى قومه
بلسانهم ليبين لهم، فافهم هذا أن من لم يرسل لهم رسول بلسانهم لا إضلال فيهم،
وحيث انتفى الإضلال انتفى العذاب، وإن انتفت الهداية أيضًا؛ إذ أهل التنزه لا
يوسعون بإسلام ولا كثر، وحيث انتفى الكفر انتفى العذاب، وحيث انتفى الإيمان
أيضًا بقيت الأعراف، ومآل أهلها إلى الجنة.
ويؤيد ذلك أن الأصح عند أهل السنة أيضًا، أن أطفال الكفار في الجنة لانتفاء
كفرهم، وإن لم يحكم بإسلامهم فعلمنا أنه يلزم من انتفاء الضلال انتفاء العذاب،
ولا يلزم من انتفاء الإسلام وجود العذاب، فتأمل هذا الاستدلال فإنه ظاهر جلي
يفصح به ما ذكر عن أهل السنة وإن لم يذكروه.
(فَزُورُوا الْقُبُورَ فَإِنَّهَا تُذَكَّرُ الْمَوْتَ) والبلاء وانقطاع الإنسان في تلك الحفرة
الضيقة، وليس معه فيها إلا عمله إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشر، ومن يذكر ذلك
١٧٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس
استعد له وتهيأ، وتزود زادًا يستعين به على الخلوص من تلك المضايق والنجاة من تلك
المهالك (رَوَاهُ مُسْلِمٌ).
١٧٦٤ - [وَعَنِ بُرَيْدَةَ ﴾ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِّهِ يُعَلِّمُهُمْ إِذَا خَرَجُوا إِلَى الْقُبُورِ:
السَّلَامُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الدِّيَارِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُسْلِمِينَ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ،
فَسْأَلُ اللهَ لَنَا وَلَكُمُ الْعَافِيَةَ رَوَاهُ مُسْلِمْ](١).
(وَعَنِ بُرَيْدَةَ عَه قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَّهَ يُعَلِّمُهُمْ إِذَا خَرَجُوا إِلَى الْقُبُورِ) أن
يقولوا عند الوصول إليها (السَّلَامُ) أخذ أئمتنا من هذه الرواية أن تعريفه أفضل من
التنكير، وإن ورد في رواية لأحمد (عَلَيْكُمْ) فيه أبلغ الرد لقول بعض أئمتنا وغيرهم
الأولى عليكم السلام؛ لأنهم ليسوا أهلاً للخطاب.
ولقوله وديو لمن قال: عليك السلام أن عليك السلام تحية المؤمن، وما استدلوا
به بما ذكر لا دليل فيه؛ لأنه لا فرق من حيث الخطاب بين تقدمه وتأخره على أن
الصواب أن المتأهل للخطاب مطلقًا؛ لأن روحه، وإن كانت في أعلى عليين لها مزيد
تعلق بالقبر فيعرف من يأتي، ومن لا كما دل عليه الخبر الصحيح: ((ما من أحد مر
بقبر أخيه المؤمن يعرفه في الدنيا، فيسلم عليه إلا عرفه ورد عليه السلام))(٢) الخبر
إخبار عن عادتهم لا تعليم لهم؛ إذ المراد بالموتى كفار الجاهلية؛ أي: تحية موتى القلوب
فلا يفعلوه.
(أَهْلَ) بالنصب على الاختصاص، وهو أفصح أو النداء وبالجر بدل من ڪم،
وفي الرواية الآتية يا أهل، وبه يعلم أن الأولى هنا مع حذفها تقديرها، والنصب على
النداء، فهو لهذه القرينة أولى من الاختصاص، وإن سلمنا أنه أفصح.
(الدِّيَارِ) أي: القبور سميت ديارًا؛ لأنها للموتى من حيث اجتماعهم فيها كالديار
للأحياء (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُسْلِمِينَ) عطف مرادف لما مر أن الإيمان والإسلام، وإن
(١) أخرجه مسلم (٢٣٠٢)، وابن ماجه (١٦١٤)، والبيهقي (٧٤٦٣).
(٢) تقدم تخريجه.
١٧٧
تتمة كتاب الجنائز/ باب زيارة القبور
اختلفا مفهومًا هما متحدان ماصدقًا.
(وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللهُ) للتبرك أو امتثالاً للآية، ومن ثم قيل: استثنى الله فيما يعلم؛
أي: كما في قوله: ﴿لَتَدْخُلُنَّ المَسْجِدَ الحَرَامَ إِن شَاءَ اللهُ﴾ [الفتح: ٢٧] ليستثنى الخلق
فيما لا يعلمون أو تعليق بالنظر للحوق بهم في هذا المكان بعينه، أو للموت على
الإسلام، فإنه مشكوك فيه أو إن بمعنى إذا كما في ﴿وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [آل
عمران: ١٧٥].
(بِكُمْ لَاحِقُونَ، فَسْأَلُ اللهَ) استئناف على طريقة الأسلوب الحكيم، فإنهم لما
سلموا عليهم ودعوا وأخبروا بأنهم لاحقون بهم قال لسان حالهم: جئتمونا فلم لم
تدعوا لنا بدعاء جامع، وتشركوا أنفسكم معنا فيه كما هو السنة، فقالوا: نسأل الله
(لَنَا وَلَكُمُ الْعَافِيَةَ) وهي الأمن من كل مكروه (رَوَاهُ مُسْلِمْ).
وفي رواية أدعية أخرى يأتي بعضها ومنها: «اللَّهُمَّ لا تحرمنا أجرهم ولا تفتنا
بعدهم))(١).
ومنها: ((أنتم لنا فرط ونحن لكم تبع))(٢) والأولى أن يقول ذلك قبالة وجه الميت
قبل جلوسه کما في رواية.
(الفصل الثاني)
١٧٦٥ - [عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - قَالَ: مَرَّ النَّبِيُّ ◌َلَهُ بِقُبُورِ الْمَدِينَةِ
فَأَقْبَلَ عَلَيْهِمْ بِوَجْهِهِ، فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ يَا أَهْلَ الْقُبُورِ، يَغْفِرُ اللّهُ لَنَا وَلَكُمْ، أَنْتُمْ
سَلَقْنَا وَنَحْنُ بِالْأَثَرِ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ غَرِيبٌ](٣).
(عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - قَالَ: مَرَّ النَّبِيُّ ◌َهِ بِقُبُورِ الْمَدِينَةِ فَأَقْبَلَ
(١) أخرجه أحمد (٢٤٨٤٥)، وابن ماجه (١٥٤٦)، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (١٩١)، وابن سعد
(٢٠٣/٢)، وأبو يعلى (٤٥٩٣).
(٢) أخرجه النسائي في الكبرى (٢١٦٧).
(٣) أخرجه الترمذي (١٠٥٣)، والطبراني (١٢٦١٣)، والضياء (٥٣٢).
١٧٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس
عَلَيْهِمْ بِوَجْهِهِ) يؤخذ منه أن السنة في حال السلام على الميت أن يكون وجهه لوجه
الميت، وظاهره أنه يستمر كذلك في الدعاء أيضًا وعليه العمل كما قالوه، لكن السنة
عندنا أنه حالة الدعاء تستقبل القبلة كما علم من أحاديث أخرى في مطلق الدعاء،
وقدمت على هذا ونحوه للاحتمال الذي أشرت إليه، أنه إنما أقبل بوجهه في حال
السلام.
قال أئمتنا: ويسن أن يتأدب معه حال زيارته كما كان يفعل معه في حياته؛ أي:
ولو تقديرًا بأن أدرك زمنه (فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ يَا أَهْلَ الْقُبُورِ يَغْفِرُ اللهُ لَنَا) قدم
نفسه هنا، وفيما مرَّ إعلامًا بأن من آداب الدعاء للغير أن يبدأ بنفسه فيه وأن يقدمها
لقوله ﴿ ﴿: ((ابدأ بنفسك)(١).
(وَلَكُمْ أَنْتُمْ سَلَفُنَا) قيل: هو مجاز من سلف المال فكأنه أسلفه وجعله ثمنًا
للأجر المقابل لصبره علیه.
وقيل: حقيقة؛ لأن سلف الإنسان من مات قبله ممن يعز عليه، وبهذا سمي
الصدر الأول من الصحابة وتابعيهم وتابعي تابعيهم بالسلف الصالح، ومن حضر أمم
السلف بالتابعين فقط فقد أبعد، والذي دلَّ عليه كلامهم في مواضع ما ذكرته،
وضابطه القرون الثلاثة التي شهد وقلقه بخيريتها.
(وَنَحْنُ) ميتون بعدكم (بِالْأَثَرِ) إذ كل آت قريب (رَوَاهُ التِّرْ مِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا
حَدِيثٌ حَسَنُّ غَرِيبٌ).
(الفصل الثالث)
١٧٦٦ - [عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِوَ كُلَّمَا كَانَ
لَيْلَتُهَا مِنْ رَسُولِ اللّه يَخْرُجُ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ إِلَى الْتَقِيعِ فَيَقُولُ: ((السَّلَامُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمِ
مُؤْمِنِينَ، وَأَتَاكُمْ مَا تُوعَدُونَ غَدًا مُؤَجَّلُونَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لأَهْلِ بَقِيعِ الْغَرْقَدِ)). رَوَاهُ
(١) أخرجه مسلم (٩٩٧)، والنسائي (٢٥٤٦)، والشافعي (٣٢٧/١)، وأبو عوانة (٥٨٠٥)، والبيهقي
(٧٥٤٤).
١٧٩
تتمة كتاب الجنائز/ باب زيارة القبور
مُسْلِمٌ] (١).
(عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِلَّهِ كُلَّمَا كَانَ لَيْلَتُهَا مِنْ
رَسُولِ الله) متعلق بالليلة؛ بمعنى: النصيب أو بمحذوف؛ أي: التي يخصها منه
(يَخْرُجُ) جواب كل؛ لأنه وإن كان ظرفًا فيه معنى الشرط لعمومه كالموصول وهو العامل
فيه، وهما خبر كان، وذلك حكاية معنى كلامها لا لفظه، وكان الراوي قال عن عائشة:
كان من عادته ، # إذا كان عند عائشة أن يخرج.
(مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ إِلَى الْبَقِيعِ فَيَقُولُ: ((السَّلَامُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ، وَأَتَاكُمْ
مَا تُوعَدُونَ) من الموت وما بعده (غَدًا مُؤَجَّلُونَ) حال من الفاعل؛ أي: أتاكم الموت،
والحال أنكم مؤجلون غدًا؛ أي: مؤخرون بالنسبة إلى الحساب والنعيم الكامل إلى يوم
القيامة، ففيه حذف واو الحال، والمبتدأ وهو سائغ إذا دل عليهما السياق كما هنا، وما
قيل يجوز حمله على الإبدال من ما توعدون؛ أي: أتاكم ما تؤجلونه أنتم، والأجل:
الوقت المضروب المحدود في المستقبل؛ لأن ما هوآت بمنزلة الحاضر. انتهى.
فبعيد متكلف جدًّا، بل السياق ينبئ عنه (اللَّهُمَّ اغْفِرْ لأَهْلِ بَقِيعِ الْغَرْقَدِ) هو
شجر معروف أضيف إليه المحل المعروف المسمى بالبقيع لاتساعه لوجوده فيه، وإن
أزيل منه لما جعل مقبرة للمدينة (رَوَاهُ مُسْلِمْ).
١٧٦٧ - [وَعَنْهَا قَالَتْ: كَيْفَ أَقُولُ يَا رَسُولَ الله؛ يعني: في زِيَارَةِ الْقُبُورَ؟ قَالَ:
قُوِلِي: السَّلَامُ عَلَى أَهْلِ الدِّيَارِ مِن الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُسْلِمِينَ، ويَرْحَمُ اللهُ الْمُسُتَقدَمِينَ مِنَّا،
وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ. رَوَاهُ مُسْلِمْ] (٤).
(وَعَنْهَا قَالَتْ: كَيْفَ أَقُولُ يَا رَسُولَ الله؛ يعني: في زِيارةِ الْقُبُورَ؟) فيه أوضح الرد
على من أطلق تحريم زيارة القبور للنساء، ولا حجة له في خبر لعن الله زوارات القبور
لما يأتي فيه، ولعل هذا منها قبل نزول آية الحجاب (قَالَ: قُولِي: السَّلَامُ عَلَى أَهْلِ الدِّيَارِ
(١) أخرجه مسلم (٢٢٩٩)، والبيهقي (١٠٥٩٦).
(٢) أخرجه مسلم (٩٧٤)، والنسائي (٢٠٣٧).
١٨٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس
مِن الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُسْلِمِينَ) وكان ترك الخطاب في هذه الرواية؛ لأنها إنما سألت عن
زيارة عامة، وحينئذٍ فلا ينافي ما مر من الخطاب بالسلام مع الاستقبال بالوجه؛ لأنه في
زيارة قبر خاص، وعليه فيؤخذ من ذلك أن من قصد زيارة مطلق القبور الأولى له أن
يأتي بهذا الدعاء، ومن قصد قبرًا مخصوصًا الأولى له الإتيان بما مرَّ من السلام
عليكم ... إلخ.
ويحتمل وهو الأقرب أن ذلك لبيان أن الأمر واسع، وأن الإنسان في زيارة القبور
مخير بين الخطاب وعدمه (ويَرْحَمُ اللهُ الْمُسْتَقدمِينَ مِنَّا) معشر المسلمين، والمستأخرين
السين فيها لمجرد التأكيد (وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ).
١٧٦٨ [وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ النُّعْمَانِ بِرَفع الحَديثِ إِلَى النَّبِيِّ ◌َ قَالَ: مَنْ زَارَ قَبْرَ
أَبَوَيْهِ أَوْ أَحَدِهِمَا فِي كُلِّ جُمُعَةٍ غُفِرَ لَهُ وَكُتِبَ بَرًّا](١).
(وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ التَّعْمَانِ بِرَفْعِ الحَديثِ إِلَى الشَِّيِّ وَ قَالَ: مَنْ زَارَ قَبْرَ أَبَوَيْهِ أَوْ
أَحَدِهِمَا فِي كُلِّ جُمُعَةٍ غُفِرَ لَهُ وَكُتِبَ بَرًّا) أي: قائمًا بحقوقها أو حقوق أحدهما على ما
ينبغي، كما أفاده كتب، والعدول لبراء عن بار للدلالة على رسوخه في بر البر، وإثباته في
زمرة البارين.
١٧٦٩ - [وَعَن ابْنِ مَسْعُودٍ ﴾ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ وَ قَالَ: كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ
عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا؛ فَإِنَّهَا تُزهِّدُ فِي الدُّنيَا وَتُذَكِّرُ الآخِرَةَ. رَوَاهُ ابْنُ
مَاجَە](٤).
(وَعَن ابْنِ مَسْعُودٍ ﴾ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﴿ ﴿ قَالَ: كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ
الْقُبُورِ فَزُورُوهَا) نسخ للنهي كما مر (فَإِنَّهَا تُزهِّدُ فِي الدُّنيَا وَتُذَكَّرُ الآخِرَةَ) لكونها
تذكر الموت المستلزم ذكره للإكثار من العمل والإعراض عن الأمل، وذلك يستلزم
الزهد في الدنيا بألا يتناول من خلالها إلا ما يحتاج إليه ويترك ما زاد على ذلك، وأن
(١) تقدم تخريجه.
(٢) أخرجه ابن ماجه (١٥٧١).