النص المفهرس
صفحات 141-160
١٤١ تتمة كتاب الجنائز/ باب البكاء - بالمدٍّ على الأفصح - على الميت ويحرم أيضًا: إفراط رفع الصوت بالبكاء ولو بلا ندب ولا نوح. ويحرم أيضًا: ضرب الخد وشق الجيب ونشر الشعر وحلقه ونتفه، وتسويد الوجه وإلقاء نحو التراب على الرأس، والدعاء بالويل والثبور. قال إمام الحرمين وآخرون: والضابط أنه يحرم كل فعل يتضمن إظهار جزع ينافي الانقياد والتسليم لقضاء الله تعالى، قالوا: ومن ذلك تغيير الزي وليس غير ما جرت العادة لبسه؛ أي: وإن اعتيد لبسه عند المصيبة. ١٧٢٨ - [وَعَنْ أَنَسِ قَالَ: مَّ النَّبِيُّ وَّهِ بِامْرَأَةٍ تَبْكِي عِنْدَ قَبْرٍ فَقَالَ: أَنَّفِي الله وَاصْبِرِي. قَالَتْ: إِلَيْكَ عَنِّي، فَإِنَّكَ لَمْ تُصَبْ بِمُصِيبَتِي وَلَمْ تَعْرِفْهُ، فَقِيلَ لَهَا: إِنَّهُ الشَّبِيُّ وَّ فَأَتَتْ بَابَ النَّبِيِّ نَّهِ فَقَالَتْ: لَمْ أَعْرِفْكَ. فَقَالَ: إِنَّمَا الصَّبْرُ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الأُولَى. مُتَّفَق عَلَيْهِ](١). (وَعَنْ أَفَسِ قَالَ: مَرَّ النَّبِيُّ ◌َِّ بِامْرَأَةٍ تَبْكِي عِنْدَ قَبْرٍ فَقَالَ: اتَّقِي الله) توطئة لما بعده؛ أي: دومي على تقواه بترك الجزع؛ لئلا يعاجلك بانتقامه (وَاصْبِرِي) لتنالي الثواب الجزيل (قَالَتْ) جاهلة بمن يخاطبها، بل وظانة أنه من آحاد الناس الذين لا يتأهلون للأمر بمثل ذلك (إِلَيْكَ) أي: تنح وتباعد (عَنِّ) لأمرين: كوني امرأة وأنت ذكر أجنبي، وكون حالك ليس كحالي (فَإِنَّكَ لَمْ تُصَبْ بِمُصِيبَتِي وَ) قد تقرر أنها إنما قالت ذلك لكونها (لَمْ تَعْرِفْهُ) وإلا لبادرت إلى امتثال قوله، ولم تتفوه بكلمة. (فَقِيلَ لَهَا: إِنَّهُ النَّبِيُّ ◌َ فَأَتَتْ) تائبة مستغفرة معتذرة (بَابَ السَّبِيِّ ◌َّ) وكانت ظنت أن بابه كأبواب الملوك التي عليها حرس وحجاب، يمنعون من يقصدهم من الاجتماع بهم إلا بعد مزيد تعب وتوسل، فبين أن بابه ليس كذلك بل كل من قصده وجده من غير تعب، ومن ثم وجدته كذلك (فَقَالَتْ) إظهارًا لعذرها عما وقع منها من (١) أخرجه البخاري (١٢٢٣)، ومسلم (٩٢٦)، وأحمد (١٣٢٩٧)، والطيالسي (٢٠٤٠)، وعبد بن حميد (١٢٠٣)، وأبو داود (٣١٢٤) والترمذي (٩٨٨) والنسائي في الكبرى (١٠٩٠٧)، وابن ماجه (١٥٩٦)، وابن حبان (٢٨٩٥)، وابن أبي شيبة (١٢٠٩٢)، والبيهقي (٦٩١٩). ١٤٢ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس فظاظة الرد (لَمْ أَعْرِفْكَ) وإلا لم أقل ذلك. (فَقَالَ) قبلت عذرك على أن من شيمتي أني لا أغضب إلا لله، لكن حيث لا عذر لمن ارتكب ما لا ينبغي، ولكن لا تدومي على ما كنت عليه من البكاء المشعر بالجزع، بل ارجعي عنه واصبري الصبر الكامل. (إِنَّمَا الصَّبْرُ) الكامل الذي يزداد حمد عامة المتحلي به (عِنْدَ) مفاجأة قرة المصيبة المزعجة وذلك وقت (الصَّدْمَةِ الأُولَى) أي: صدمة فراق الأحبة للقلب، بحيث أنه لو كان صلبًا لفتته وأذهبته، ولذلك استعار له الصدم الذي هو ضرب الشيء الصلب بمثله، وخرج بالأولى ما بعدها، فإن النفس كلما طال عليها الزمن تسلت وصبرت، فالصبر حينئذٍ ليس فيه كبير حمد لتفاوت ثوابه بتفاوت مشقته (مُتَّفَق عَلَيْهِ). ١٧٢٩ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهُِّ: لَا يَمُوتُ لِمُسْلِمِ ثَلَاثَةُ مِن الْوَلَدِ فَيَلِجَ إِلَا تَجِلَّةَ الْقَسَمِ. مُتَّفَقَ عَلَيْهِ](١). (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌ِهِ: لَا يَمُوتُ لِمُسْلِمِ ثَلَاثَةُ مِن الْوَلَدِ فَيَلِجَ) بالنصب أخذًا بظاهر فاء السببية. فإن قلت: السببية هنا ممتنعة؛ إذ موت الأولاد وعدمه ليس سببًا لدخول النار، فتعین أنها بمعنى: واو المعية؛ أي: لا يجتمع موتهم وولوجها. قلت: ليست ممتنعة بل صحيحة، وزعم امتناعها مبني على النظر لمطلق الولوج، وهو غفلة عن أن ما بعدها ليس مطلقة بل الولوج المفيد بأنه لا يزيد على محله القسم، وذلك مسبب عن موتهم بلا شك. فاتضح الإتيان بالفاء ولم يحتج إلى تأويلها بواو المعية؛ لأنه كما علمت مرتب على ذلك التوهم، وعجيب من شارح كيف حض عليه ذلك؟. (١) أخرجه البخاري (١١٩٣)، ومسلم (٢٦٣٢)، وأحمد (٧٢٦٤)، وابن حبان (٢٩٤٢)، وابن ماجه (١٦٠٣)، وابن الجارود (٥٥٤). ١٤٣ تتمة كتاب الجنائز/ باب البكاء - بالمٍّ على الأفصح - على الميت وقول الطيبي: إن كانت الرواية بالنصب فلا محيد عن ذلك أعجب، قال: والرفع يدل على أنه لا يوجد الولوج عقب موتهم إلا مقدارًا يسيرًا ومعنى: فاء التعقيب كمعنى الماضي في ﴿ وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾ [الأعراف: ٤٤] في أن ما سيكون بمنزلة الكائن. وأن ما أخبر به الصادق عن المستقبل كالواقع (إِلَا تَجِلَّةَ الْقَسَمِ) في ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا .. ﴾ [مريم: ٧١] أي: إلا بقدر ما يبرئه هذا القسم المقدر بعد منكم. أو: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ﴾ [مريم: ٦٨] أو المراد المنزل منزلة القسم بل أبلغ، وهو ﴿كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا﴾ [مريم:٧١] فإن في النفي والاستثناء تم تقريره ((زيد سله بكان وعلى وحتمًا مقضيًا)) من الدلالة على القطع والبت ما ليس في صريح القَسم؛ لأنه يقبل الرفع والتكفير. وذلك؛ أعني: جملة القسم كناية عن أقل زمن، وأدناه؛ إذ التحلة وهي مصدر بمعنى: التحليل يقال في القليل المفرط (مُتَّفَق عَلَيْهِ). ١٧٣٠ - [وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ لِنِسْوَةٍ مِنَ الأَنْصَارِ: لَا يَمُوتُ لإِحْدَاكُنَّ ثَلَاثَةٌ مِنَ الْوَلَدِ فَتَحْتَسِبُه ◌ِلَّ دَخَلَتِ الْجَنَّةَ. فَقَالَتِ امْرَأَةٌ مِنْهُن: أَوِ اثْنَأْنِ يَا رَسُولَ الله؟ قَالَ: أَوِ اثْنَأْنِ. رَوَاهُ مُسْلِم، وِفِي رِوَايَة لهما: لم يَبْلُغُوا الْحِنْثَ] (١). (وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وََّ: لِنِسْوَةٍ مِنَ الأَنْصَارِ: لَا يَمُوتُ لِإِحْدَاكُنَّ ثَلَاثَةُ مِنَ الْوَلَدِ فَتَحْتَسِبُه) أي: هذا العدد بأن ترجوا ثوابه وتدخره عند الله، وذلك ينبئ عن مزيد الصبر والتسليم، والسببية المشعرة بها الفاء هنا ظاهرة؛ لأن الموت مع التحلي بالأخلاق الحسنة سبب للاحتساب (إِلَّا دَخَلَتِ الْجَنَّةَ) مع الناجين وذلك لا ينافي الولوج تحلة القسم. (فَقَالَتِ امْرَأَةً مِنْهُن) هل يمكن أن يقول ثلاثة؟ (أوِ اثْنَانٍ) فهو من العطف التلقيني على حد ﴿قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي﴾ [البقرة: ١٢٤]. (١) أخرجه مسلم (٢٦٣٢)، وابن حبان (٢٩٤١)، وأحمد (٨٩٠٣)، والنسائي (١٨٧٢). ١٤٤ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس قال: ﴿وَمَن يَكْفُرْ﴾ [البقرة: ١٢١]. (يَا رَسُولَ الله قَالَ: أَوِ اثْنَأْنٍ. رَوَاهُ مُسْلِم، وفي رِوَايَة لهما: لم يَبْلُغوا الحِنْثَ) أي: لم يصلوا إلى حد يكتب عليهم الإثم فيه بأن يموتوا قبل بلوغهم بالسن أو الاحتلام. ١٧٣١ - [وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ لَيهِ: يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: مَا لِعَبْدِي الْمُؤْمِنِ عِنْدِي جَزَاءُ إِذَا قَبَضْتُ صَفِيَّهُ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا ثُمَّ احْتَسَبَهُ إِلَّ الْجَنَّةِ](١). (وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: مَا لِعَبْدِي الْمُؤْمِنِ عِنْدِي جَزَاءُ، إِذَا قَبَضْتُ صَفِيَّهُ) أي: حبيبيه؛ لأنه يصافيه وده ويخلصه محبته فعيل بمعنى: فاعل أو مفعول (مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا) بيان للواقع، وأما جعله احترازًا عن صفيه من أهل الآخرة، وإن جزاء هذا الرضا الأعلى من الجنة فبعيد؛ لأن الصفي من أهل الدنيا صادق بمن محبته دنيوية أو أخروية (ثُمَّ احْتَسَبَهُ) فالمعنى السابق (إِلَّا الْجَنَّة) أي: دخولها مع الناجين كما مرَّ ويؤخذ من هذا أن الثواب المرتب على الثلاثة والاثنين مرتب على الواحد كما في رواية أخرى. (الفصل الثاني) ١٧٣٢ - [عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﴾ قَالَ: لَعَنَ رَسُولُ اللهِوَ الَّائِحَةَ وَالْمُسْتَمِعَةَ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُد](١). (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﴾ قَالَ: لَعَنَ رَسُولُ اللهِ وَ ﴿ِ النَّائِحَةَ وَالْمُسْتَمِعَةَ) أي: القاصدة سماع نياحها؛ لأن الرضا بالمعصية معصية، وكذا ما ينزل عليه كاستماعها هنا، ويؤخذ من لعن المستمعة أن الاستماع لها كبيرة كالنياحة فإنها كبيرة ومر بيانها (رَوَاهُ أَبُو دَاوُد). ١٧٣٣ - [وَعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ عَ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: عَجَبْ لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ حَمِدَ اللّهَ وَشَكّرَ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ مُصِيبَةٌ حَمِدَ اللهِ وَصَبَرَ، فَالْمُؤْمِنُ يُؤْجَرُ فِي (١) أخرجه البخاري (٦٠٦٠)، وأحمد (٩٣٨٢). (٢) أخرجه أحمد (١١٦٤٠)، وأبو داود (٣١٢٨)، والبيهقي (٦٩٠٥). ١٤٥ تتمة كتاب الجنائز / باب البكاء - بالمدٍّ على الأفصح - على الميت كُلِّ أَمْرِهِ، يُؤْجَرَ حَتَّى فِي اللُّقْمَةِ يَرْفَعُهَا إِلَى فِي امْرَأَتِهِ. رواه الْبَيْهَقِيُّ فِي ((شُعَبِ الإِيمانِ))](١). (وَعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ عَلَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّ: عَجَبُ) أصله النصب مصدر أعجب فحوَّل للرفع قصدًا لدوام التعجب من حالتيه المحمود فيهما، ومن ثم كان سلام إبراهيم في ﴿قَالُوا سَلامًا﴾ [هود: ٦٩]. ﴿قَالَ سَلامٌ﴾ [مريم:٤٧] أبلغ من سلام الملائكة (لِلْمُؤْمِنِ) الكامل الإيمان فإنه مثاب الثواب الجزيل على كل تقدير وبيان ذلك أنه (إِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ حَمِدَ اللهَ وَشَكَرَ) عطف مرادف أو أخص؛ إذ الشكر اصطلاحًا أخص من الحمد لغة واصطلاحًا، كما علم مما مر أو الكتاب. (وَإِنْ أَصَابَتْهُ مُصِيبَةٌ حَيِدَ الله) بنحو ﴿إِنَّا للهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٥٦] ثم بمزيد الثناء؛ لأنه بعدها لعظيم ثمراتها التي تفضل الله بها على المصابين الحامدين الصابرين من جملة النعم، فهي إن كانت نعمة ظاهرًا عند ذوي العقول السخيفة، هي نعمة أي نعمة باطنًا بل وظاهرًا عند ذوي العقول الكاملة الخلية من سفساف الأهوية والحظوظ. (وَصَبَرَ) وإذا تقرر حمده في كل من هاتين الحالتين المتعاودتين على الإنسان الذي لا ينفك عن أحديهما (فَالْمُؤْمِنُ يُؤْجَرُ فِي كُلِّ أَمْرِهِ يُؤْجَرَ) الذي يحمد علیه كما دل عليه السياق، أو الذي يقصد به الطاعة وإن كان في أصله مباحًا كالنوم أو الأكل أو النكاح بقصد التقوى على الطاعة أو غض البصر، كما دلت عليه الأحاديث والقواعد (حَتَّى) على ما ظاهره أنه إنما فعله لحظ نفسه كما (فِي اللَّقْمَةِ) التي (يَرْفَعُهَا إِلَى فِي امْرَأَتِهِ. رواه الْبَيْهَِيُّ فِي (شُعَبِ الْإِيمَانِ))). ١٧٣٤ - [وَعَنْ أَنَس ◌َّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: مَا مِنْ مُسْلِمٍ إِلَّا وَلَهُ بَابَانٍ مِنَ (١) أخرجه أحمد (١٤٨٧)، وعبد بن حميد (١٣٩)، والبيهقي (٦٣٤٧)، والضياء (١٠٢٨) موقوفًا. والبزار (١١٩٠). ١٤٦ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس السَّماءِ: بابُ يَصعَدُ مِنْهُ عَمَلُهُ، وبابُ ينزلُ مِنْهُ رِزْقُه، فَإِذَا مَاتَ بَكَيَا عَلَيْهِ فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ﴾ [الدخان: ٢٩]. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ](١). (وَعَنْ أَفَس ◌َ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِهِ: مَا مِنْ مُسْلِمٍ إِلَّا وَلَهُ بَابَانٍ مِنَ السَّماءِ: بابٌ يَصِعَدُ مِنْهُ عَمَلُهُ) إلى مستقر الأعمال وهو محل كتابتها في السماء بعد كتابتها في الأرض. (وبابٌ ينزلُ مِنْهُ رِزْقُه) إلى مستقر الأرزاق من الأرض (فَإِذَا مَاتَ بَكَيَا عَلَيْهِ فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ﴾. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ). وفيه عظيم التسلية بالموت والحمل على الصبر والطاعة؛ لأن من تأمل أن السماء والأرض تبكيان عليه أو على حبيبه، كيف يخاف من الموت أو يحزن على الفقد أو يتوانى في العمل؟. فإن قلت: بكاء باب العمل واضح؛ لأنه يتشرف به، ومن ثم افتخرت الأرض على مجاورتها بمرور صالح عليها، فما وجه بكاء باب الرزق؟ قلت: هو واضح أيضًا؛ لأن رزقه هو العون له على العمل الصالح وكان يتشرف به أيضًا، والمراد بالبكاء هنا التأسف والتحسر؛ لأنهما عايناه وغير بعيد أن الله تعالى يخلق في ذنيك البابين إدراك شرف ما يصعد أو يترك فتتحسران لفقده، وقد تقرر مرات أن كل ما ورد من الشارع وأمكن جريانه على ظاهره أو مجازه القرب لا يعدل عنه إلى غيره. وبهذا يندفع من فرض هذا المعنى بقوله: هذا تمثيل وتخييل مبالغة في فقد من انقطع خبره، كما أن نفيه في الآية تهكم بهم وبحالتهم المنافية لحال الأول. ١٧٣٥ - [وَعَن ابْنِ عَبَّاسِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَالْ: مِنْ كَانَ له فَرَطَانٍ مِنْ أُمَّتِي أَدْخَلَهُ اللهُ - أَي: بِهِمَا - الْجَنَّةَ. وَقَالَتْ عَائِشَةُ: مَنْ كَانَ لَهُ فَرَطًا مِنْ أُمَّتِك؟ قَالَ: وَمَنْ كَانَ لَهُ فَرَطُ يَا مُوَفَّقَةُ. فقَالَتْ: فَمَنْ لَمْ يَكُنْ له فَرٌَّ مِنْ أُمَّتِك؟ (١) أخرجه الترمذي (٣٢٥٥) وقال: غريب. - ١٤٧ تتمة كتاب الجنائز / باب البكاء - بالمدّ على الأفصح - على الميت قَالَ: فَأَنَا فَرَطُ أُمَّتِي لَمْ يُصَابُوا بِمِثْلِي. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ] (١). (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِّهِ: مِنْ كَانَ لَهُ فَرَطَانٍ مِنْ أُمَّتِي) بيان لما واصل الفرط بالتحريك فعل بمعنى: فاعل يستوي فيه الواحد والجمع من يتقدم القافلة ليهيئ لهم الماء والمنزل والنزل، ثم استعمل في طفل سبق أبويه أو أحدهما؛ لأنه يتقدم للجنة ويهيئ المصالح لأبويه فيها بشفاعته فيهما إلى ربه، فيجيبه لخبر: «لا يزال السقط محبنطئًا على باب الجنة))(٢) أي: مملوءًا غيظًا؛ لعدم دخول أبويه لها حتى يقول الله له خذ بيدي أبويك وأدخلهما الجنة. (أَدْخَلَهُ اللهُ؛ أَي: بِهِمَا) أي: بسبب فقدهما والصبر عليه (الْجَنَّةَ) مع الناجين (وَقَالَتْ عَائِشَةُ: مَنْ كَانَ لَهُ فَرَطُ مِنْ أُمَّتِك) ما حكمه أيكون له هذا الثواب أيضًا (قَالَ: وَمَنْ كَانَ لَهُ فَرَطُ) فإنه كذلك (يَا مُوَقَّقَةُ) بتوفيق الله لها إلى هذا ليعلم رسوله أن الواحد كذلك، وإن من لا فرط له أنا فرطه ونعم الفرط، فيحصل للأمة غاية البشارة والسرور. (فَقَالَتْ: فَمَنْ لَمْ يَكُنْ له فَرَطُ مِنْ أُمَّتِكِ قَالَ: فَأَنَا فَرَطُ أُمَّتِي لَمْ يُصَابُوا بِمِثْلِي) أي: بمصيبة تماثل مصيبة فقدي. ومن ثم قال بعض أئمتنا: يجب على كل أحد أن يكون حزنه على موت النبي ◌َليم أعظم من حزنه على أعز أقاربه. ومن ثم قالت فاطمة - رضي الله عنها - لما تغشاه وله الكرب قبل وفاته: واأبتاه، فقال: ((ليس على أبيك كرب بعد الموت))(٣) فلما مات قالت: يا أبتاه جنة الفردوس (١) أخرجه أحمد (٣٠٩٨)، والترمذي (١٠٦٢) وقال: حسن غريب. والبيهقي (٦٩٣٩)، وأبو يعلى (٢٧٥٢) وابن عدي (١٧٤/٤)، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (٩٧٥١)، والخطيب (٢٠٨/١٢)، والضياء (٤٤٦). (٢) أخرجه الطبراني في «الأوسط)) (٥٧٤٦). (٣) أخرجه البخاري (٤١٩٣)، والبيهقي (٦٩٧٥). ١٤٨ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس مأواه يا أبتاه إلى جبريل تبعاه ثم أنشدت: ألا يشم مدا الزمان غواليا فإذا على من شم تربة أحمد صبت عليَّ مصائب لو أنها صبت على الأيام صرت لياليا (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثُ غَرِيبٌ). ١٧٣٦ - [وَعَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِنَّهِ إِذا مَاتَ وَلَدُ الْعَبْدِ، قَالَ اللهُ لِمَلَائِكَتِهِ: قَبَضْتُمْ وَلَّدَ عَبْدِي؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ. فَيَقُولُ: قَبَضْتُمْ ثَمَرَةَ فُؤَادِهِ؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ. فَيَقُولُ: مَاذَا قَالَ عَبْدِي؟ فَيَقُولُونَ: حَمِدَكَ وَاسْتَرْجَعَ. فَيَقُولُ اللهُ: ابْنُوا لِعَبْدِي بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَسَمُّوهُ بَيْتَ الْحَمْدِ. رواه أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ](١). (وَعَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ إِذا مَاتَ وَلَدُ الْعَبْدِ، قَالَ اللهُ لِمَلَائِكَتِهِ) تنبيهًا لهم على عظيم فضل ثوابها بالصابرين وإلا فهو غني عن هذه الوسيلة؛ لأن علمه أحاط بكل شيء (قَبَضْتُمْ وَلََّ عَبْدِي) أي: فرع شجرته (فَيَقُولُونَ: نَعَمْ فَيَقُولُ) تنبيهًا لهم على عظيم صبره لعظيم مصابه (قَبَضْتُمْ ثَمَرَةَ فُؤَادِهِ) ترق من فرع الشجرة إلى ثمرة الفؤاد، المكنى بها عن الولد لكونه بمنزلة خلاصة الخلاصة؛ إذ القلب خلاصة البدن وخلاصته اللطيفة الموضوعة فيه من كمال الإدراكات والعلوم التي خلق لها وشرف بشرفها، فلشدة شغف هذه اللطيفة بالولد صار كأنه ثمرتها المقصودة منها بين بهذا الترقي. وجه عظمة هذا المصاب وعظمة الصبر عليه مع ذلك، بل ترقى عن مقام الصبر إلى مقام الحمد (فَيَقُولُونَ: نَعَمْ فَيَقُولُ: مَاذَا قَالَ عَبْدِي فَيَقُولُونَ: حَمِدَكَ وَاسْتَرْجَعَ) أي: قال ﴿إِنَّا الله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٥٦] أي: فحقيق لمن فقد مثل هذه الثمرة الخطيرة، ومع ذلك لم يعدها مصيبة من كل وجه، بل مصيبة من وجه؛ فاسترجع، ونعمة من وجه فاستحق أن يقابل بالحمد حتى في تسمية محله به (فَيَقُولُ اللهُ: ابْنُوا (١) أخرجه أحمد (١٩٧٤٠)، والترمذي (١٠٢١) وقال: حسن غريب. وابن حبان (٢٩٤٨)، وابن السني (٥٨٦)، والبيهقي (٦٩٣٨). ٩ ٤٤ تتمة كتاب الجنائز/ باب البكاء - بالمدٍّ على الأفصح - على الميت لِعَبْدِي بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَسَمُّوهُ بَيْتَ الْحَمْدِ، رواه أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ). ١٧٣٧ - [وَعَنْ عَبْدِ الله بْنِ مَسْعُودٍ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَّهِ: مَنْ عَزَّى مُصَابًا فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهُ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، لَا نَعْرِفُهُ مَرْفُوعًا إِلَّ مِنْ حَدِيثِ عَلِيِّ بْنِ عَاصِمِ الرَّاوِي. وَقَالَ: وَرَوَاهُ بَعْضُهُمْ عَنْ سُوقَةَ بِهَذَا الإِسْنَادِ مَوْقُوفًا](١). (وَعَنْ عَبْدِ اللّه بْنِ مَسْعُودٍ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَيِّ: مَنْ عَزَّى) التعزية وهي لغة: التصبير لمن أصيب بما يعز عليه، وقد يطلق على الصبر على المكروه، وشرعًا: الحمل على الصبر بوعد الأجر، والتذكير بأن الأمور كلها مرجعها إليه تعالى، وأن له أخذ ما أعطى، والتحذير من الوزر بالجزع والدعاء للميت المسلم بالمغفرة أو نحوها. ومن ثم كان الأولى في تعزية المسلم بالمسلم أعظم الله أجرك، وأحسن عزاءك بالمد؛ أي: جعل صبرك حسنًا، وغفر لميتك؛ أي: من حمل (مُصَابًا) بموت أو غيره كما يعلم مما يأتي على التصبر والتأسي بمن أصيب بمثل مصيبته فصبر (فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ) لأن الدال على خير كفاعله كما في الخبر الصحيح (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهُ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثُ غَرِيبٌ) ضعيف (لَا نَعْرِفُهُ مَرْفُوعًا إِلَّ مِنْ حَدِيثِ عَلَيِّ بْنِ عَاصِمِ الرَّاوِي، وَقَالَ: وَرَوَاهُ بَعْضُهُمْ عَنْ سُوقَةَ بِهَذَا الإِسْنَادِ مَوْقُوفًا) على ابن مسعود، ومثله لا يقال من قبل الرأي، فله حكم المرفوع فساوی موقوفه مرفوعه. ومر هذا مع خبر ابن ماجه أيضًا بسند حسن: ((ما من مسلم يعزي أخاه بمصيبة إلا كساه الله من حلل الكرامة يوم القيامة)). ومن قوله مَّل: ((قوموا إلى أخينا نعزيه)) أخذ أئمتنا: إن التعزية سنة مؤكدة لجميع أهل الميت ولو صغارًا، وكذا النساء، (١) أخرجه الترمذي (١٠٧٣) وقال: غريب لا نعرفه مرفوعًا إلا من حديث علي بن عاصم، وروى بعضهم عن محمد بن سوقة بهذا الإسناد مثله موقوفًا ولم يرفعه، ويقالك أكثر ما ابتلي به علي بن عاصم بهذا الحديث نقموا عليه. وابن ماجه (١٦٠٢)، والبيهقي (٦٨٨٠)، والشاشي (٤٤٠). ١٥٠ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس لكن لا يعزيهن إلا زوج أو محرم وللسيد بمملوكه، بل وللإنسان بكل من يحصل له عليه، وجد كالصديق بخلاف الشامت الفرح بالموت؛ لأن فائدة التعزية السابقة منتفیة هنا. ويندب البداءة بأضعفهم عن حمل المصيبة وتخصيص أفضلهم بمزيد تلطف ودعاء، وهي في هذين؛ أعني: الأفضل والأضعف أكد وتقديمها على الدفن إن أفرط حزنهم وإلا فتأخيرها عنه، ويمتد بعد الدفن أو العلم أو قدوم الغائب ثلاثة أيام تقریبا. ١٧٣٨ - [وَعَنْ أَبِي بَرْزَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: مَنْ عَزَّى ثَكْلَى كُسِيَ بُرْدًا فِي الْجَنَّةِ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ](١). (وَعَنْ أَبِي بَرْزَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَُّ: مَنْ عَزَّى) امرأة (ثَكْلَى) أي: فقدت ولدها (كُسِيَّ بُرْدًا فِي الْجَنَّةِ، رَوَاهُ التِّزْمِذُِّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبُ) ومر ندب تعزية المرأة، وأنه لا يعزيها إلا زوج أو محرم ويحرم تعزية غيرهما. قال بعض أئمتنا للشابة دون العجوز البرزة، وأقول الوجه الذي يدل عليه كلام الأئمة أن التعزية للمرأة أو منها إن قارنها محرم كنظر أو خلوة تخشى منه فتنة، حرمت تعزيتها سواء الشابة والعجوز، وإن لم يقترن بها ذلك كرهت في الشابة وانتحت في غيرها. ١٧٣٩ - [وَعَنْ عَبْدِ الله بن جَعْفَرٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - قَالَ: لَمَّا جَاءَ نَعِيُ جَعْفَرٍ قَالَ الشَّبِيُّ ◌َّه: اجْعَلُوا لِآلِ جَعْفَرٍ طَعَامًا فَقَدْ أَتَاهُمْ مَا يَشْغَلُهُم. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَه](٢). (١) أخرجه الترمذي (١٠٧٦)، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (٨٩٧٧). (٢) أخرجه أحمد (١٧٥١) وأبو داود (٣١٣٢)، والترمذي (٩٩٨) وقال: حسن صحيح. وابن ماجه (١٦١٠) والطيالسي (١٠٢٦) والطبراني (١٤٧٢) والحاكم (١٣٧٧) وقال: صحيح الإسناد. والبيهقي (٦٨٨٩)، والضياء (١٤٢) والشافعي (٣٦١/١)، وإسحاق بن راهويه (١٠)، والحميدي = ١٥١ تتمة كتاب الجنائز/ باب البكاء - بالمدٍّ على الأفصح - على الميت (وَعَنْ عَبْدِ الله بن جَعْفَرٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - قَالَ: لَمَّا جَاءَ نَعِيُ جَعْفَرٍ) أي: خبر موته بمؤتة موضع عند الكرك (قَالَ النَّبِيُّ ◌َّهِ: اجْعَلُوا لَآلِ جَعْفَرِ طَعَامًا) تتقوتون به (فَقَدْ أَتَاهُمْ) من موت جعفر (مَا) أي: حزن (يَشْغَلُهُم) لفتح أوله وضمه شاذ عن أن يصنعوا لأنفسهم طعامًا فيحصل لهم الضرر وهم لا يشعرون (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) وحسنه (وَأَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَه). ومنه أخذ أئمتنا قولهم: يسن بالاتفاق لخبر إن أهل الميت، وإن مات بغير بلدهم ومعارفهم وقرابته البعداء حمل طعام لأهله الأقربين لشبعهم يومهم وليلتهم؛ لأن الغالب أن الحزن الشاغل عن تناول الطعام لا يستمر أكثر من يوم وليلة، وبهذا يندفع القول بأنه يحمل لهم طعام ثلاثة أيام مدة التعزية، وإذا صنع لهم ما ذكر سن أن يلح عليهم في الأكل لئلا يضعفوا بتركه استحياء أو لفرط جزع ولا بأس بالقسم إن علم أنهم يبرونه، وحمل ذلك واصطناعه من بعيد أو قريب للنائحات شديد التحريم؛ لأنه إعانة على معصية، واصطناع أهل الميت له لأجل اجتماع الناس عليه بدعة مكروهة، بل صح عن جرير كنا نعده من النياحة، وهو ظاهر في التحريم، قال الغزالي: ويكره الأ کل منه. (الفصل الثالث) ١٧٤٠ [عَنِ الْمُغِيرَة بْنِ شُعْبَة: سَمِعْت رَسُول الله وَهِ يَقُولُ: مَنْ نِيحَ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ يُعَذَّبِ بِمَا نِيحَ عَلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. مُتَّفَقَ عَلَيْهِ] (١). (عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةُ: سَمِعْت رَسُول اللّهُ وَهِ يَقُولُ: مَنْ نِيحَ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ يُعَذَّبِ بِمَا نِيجَ عَلَيْه) أي: بسبب النوح عليه، ويصح أن تكون الباء للآلة، فإِن الملائكة إذا قالوا له حين يقال في النوح عليه بالهنا مثلاً أأنت كذا يكون ذلك فيه (٥٣٧)، والدار قطني (٧٨/٢)، وأبو يعلى (٦٨٠١)، والبزار (٢٢٤٥). (١) تقدم تخريجه. ١٥٢ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس غاية التعذيب له؛ أي: بالألفاظ التي يناح عليه بها (يَوْمَ الْقِيَامَة. مُتَّفَق عَلَيْهِ) وهو ظاهر في رد تأويل عائشة السابق، ومر أنه محمول على من أمر بذلك أو رضي به. ١٧٤١ - [وَعَنْ عَمْرَة بِنْت عَبْدِ الرَّحْمَنِ إنها قالت: سَمِعَتْ عَائِشَةَ وَذُكِرَ لَهَا أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ يَقُولُ: إِنَّ الْمَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبُكَاءِ الْحَيِّ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: يَغْفِرُ اللهُ لِأَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَمَا إِنَّهُ لَمْ يَكْذِبْ وَلَكِنَّهُ فَسِيَ أَوْ أَخْطَأَ، إِنَّمَا مَرَّ رَسُول الله وَلِ عَلَى يَهُودِيَّةِ يُبْكَى عَلَيْهَا. فَقَالَ: إِنَّهُمْ لَيَبْكُونَ عَلَيْهَا، وَإِنَّهَا لَتُعَذَّبُ فِي قَبْرِهَا. مُتَّفَقَ عَلَيْهِ](١). (وَعَنْ عَمْرَةٍ بِنْت عَبْدِ الرَّحْمَنِ إنها قالت: سَمِعَتْ عَائِشَةَ وَ) الحال أنه (ذُكِرَ لَهَا أَنَّ عَبْدَ الله بْنَ عُمَرَ يَقُولُ: إِنَّ الْمَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبُكَاءِ الْحَيِّ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: يَغْفِرُ اللهُ لِأَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ) هذا من الآداب الحسنة المأخوذة من قوله تعالى: ﴿عَفَا اللهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٣] أن من استغرب من غيره شيئًا ينبغي أن يوطئ ويمهد له بالدعاء له إقامة لعذره فيما وقع منه، وإن لم يتعمده. ومن ثم زادت ذلك بيانا واعتذارا بقولها (أَمَا) للاستفتاح يؤتى بها لمزيد التأكيد (إِنَّهُ لَمْ يَكْذِبْ) حاشاه الله من ذلك، كيف وهو الثقة البالغ في الصدق والعدالة الغاية القصوى (وَلَكِنَّهُ فَسِيَ) المروي بالكلية فأتى بغيره (أَوْ أَخْطَأ) منه إلى غيره، فالفرق أن الأول لا شعور فيه أصلاً وهذا فيه شعور به، وإنما انتقل النص عنه إلى غيره وهذا بحسب اجتهادها وإلا فالصواب مع ابن عمر كما مر ثم أبدت مستندها بقولها: (إِنَّمَا مَرَّ رَسُول اللّه ◌َلْ عَلَى يَهُودِيَّةٍ يُبْكَى عَلَيْهَا، فَقَالَ: إِنَّهُمْ لَيَيْكُونَ عَلَيْهَا، وَإِنَّهَا لَتُعَذَّبُ فِي قَبْرِهَا، مُتَّفَقٍ عَلَيْهِ) وإنما يتم لها هذا الاستدلال إن كان الواقع أنه لم يسمع منه ﴾ إلا هذا أما؛ إذ قد سمع منه عبد الله بن عمر وغيره تلك الروايات السابقة هنا، وفيما مر فلا يتأتى تأويلها هذا أصلاً. ١٧٤٢ - [وَعَنْ عَبْدِ الله بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ: تُوُفِّيَتٍ بِنْتُ لِعُثْمَانَ بْنِ عَقَّان بِمَكَّةَ (١) تقدم تخريجه. ١٥٣ تتمة كتاب الجنائز / باب البكاء - بالمدٍّ على الأفصح - على الميت فَجِثْنَا لِنَشْهَدَهَا، وَحَضَرَهَا ابْنُ عُمَرَ وَابْنُ عَبَّاسِ، فَإِنِيّ ◌َجَالِسَ بَيْنَهُمَا، فَقَالَ عَبْدُ الله بْنُ عُمَرَ لِعَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ وَهُوَ مُواجِهُهُ: أَلَا تَنْهَى عَنِ الْبُكَاءِ، فَإِنَّ رَسُولَ الله وَ﴿ قَالَ: ((إِنَّ الْمَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ)). فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسِ: قَدْ كَانَ عُمَرُ يَقُولُ بَعْضَ ذَلِكَ. ثُمَّ حَدَّثَ فَقَالَ: صَدَرْتُ مَعَ عُمَرَ مِنْ مَكَّةَ حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالْبَيْدَاءِ فَإِذَا هُوَ بِرَكْبٍ تَحْتَ ظِلِّ شَجَرَةٍ فَقَالَ: اذْهَبْ فَانْظُرْ مَنْ هَؤُلَاءِ الرَّكْبِ؟ فَنَظَرْتُ فَإِذَا هُوَ صُهَيْبُ، قَالَ: فَأَخْبَرْتُهُ فَقَالَ: ادْعُهُ، فَرَجَعْتُ إِلَى صُهَيْبٍ فَقُلْتُ: ارْتَحِلْ فَالْحَقْ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ. فَلَمَّا أَنْ أُصِيبَ عُمَرُ دَخَلَ صُهَيْبُ يَبْكِي يَقُولُ: وَأَخَاهُ، وَاصَاحِبَاهُ. فَقَالَ عُمَرُ: يَا صُهَيْبُ، أَتَبْكِي عَلَيَّ وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللهِوََّ: ((إِنَّ الْمَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبَعْضِ بُكَاءٍ أَهْلِهِ عَلَيْهِ). فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسِ: فَلَمَّا مَاتَ عُمَرُ ذَكَرْتُ ذَلِكَ لِعَائِشَةَ، فَقَالَتْ: يَرْحَمُ اللهُ عُمَرَ، لَا وَاللهُ مَا حَدَّثَ رَسُولُ اللهِ وَّةِ: (إِنَّ اللهَ يُعَذِّبُ الْمُؤْمِنَ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ)) وَلَكِنْ: ((إِنَّ اللهَ لَيَزِيدُ الْكَافِرَ عَذَابًا بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ)) وَقَالَتْ عَائِشَةُ: حَسْبُكُمُ حَسْبُكُمُ الْقُرْآنَ ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أَخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤] قَالَ ابْنُ عَبَّاسِ عِنْدَ ذَلِكَ: وَاللهُ أَضْحَكَ وَأَبْكَى. قَالَ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ: فَمَا قَالَ ابْنُ عُمَرَ شَيْئًا. مُتَّفَق عَلَيْهِ](١). (وَعَنْ عَبْدِ الله بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ: تُوُفِّيَتٍ بِنْتُ لِعُثْمَانَ بْنِ عَقَّن بِمَكَّةً فَجِثْنَا لِنَشْهَدَهَا، وَحَضَرَهَا ابْنُ عُمَرَ وَابْنُ عَبَّاسِ، فَإِنِّ ◌َجَالِسُ) عطف على فجئنا فقوله: وحضر، حال أو جواب لمقدر؛ أي: أردت أن يعلم ما وقع عند حضورهما فخذه مني فإني أعلم به من غيري لكوني كنت جالسًا (بَيْنَهُمَا، فَقَالَ عَبْدُ الله بْنُ عُمَرَ لِعَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ وَهُوَ مُواجِهُهُ: أَلَا تَنْهَى عَنِ الْبُكَاءِ) وكأنه إنما طلب منه النهي ولم ينه هو؛ لأنه علم أو ظن أنهم لا يجيبونه بخلاف عمر؛ ولأن الجنازة له. (فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ وَ قَالَ: ((إِنَّ الْمَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ)). فَقَالَ ابْنُ (١) أخرجه البخاري (١٢٨٦، ١٢٨٧)، ومسلم (٢١٩١، ٢١٩٢)، والبيهقي (٧٤٢٧). ١٥٤ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس عَبَّاسٍ) معترضًا على ابن عمر بأن عائشة خالفته كأبيه، وبأن البكاء قد يكون ضروريًّا وهو التكليف به (قَدْ كَانَ عُمَرُ يَقُولُ بَعْضَ ذَلِكَ) أي: يروي الحديث بلفظ بعض أهله، ولكن اعترضته عائشة مع زيادة أخرى. (ثُمَّ حَدَّثَ) عما سمعه من عمر وعما اعترضت به عائشة (فَقَالَ: صَدَرْتُ مَعَ عُمَرَ مِنْ مَكَّةَ حَتَّى إِذَا كُنَّ بِالْبَيْدَاءِ) محل قريب من ذي الحليفة (فَإِذَا هُوَ بِرَكْبٍ تَحْتَ ظِلِّ شَجَرَةٍ فَقَالَ: اذْهَبْ فَانْظُرْ مَنْ هَؤُلَاءِ الرَّكْبِ؟ فَنَظَرْتُ فَإِذَا هُوَ صُهَيْبُ، قَالَ: فَأَخْبَرْتُهُ) به (فَقَالَ: ادْعُهُ، فَرَجَعْتُ إِلَى صُهَيْبٍ فَقُلْتُ: ارْتَجِلْ فَالْحَقْ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ. فَلَمَّا أَنْ أُصِيبَ عُمَرُ) بعد دخولهم المدينة تعليل لضرب ذلك المجوسي له بخنجره ضربات متعددة، وهو يصلي بالناس الصبح فسقط وحمل إلى بيته وضرب به كثيرين، وهو يشق الصفوف حتى ألقى عليه برنس خشبية من خنجره المسلول بيده لكل من والاه. فلما أحس اللعين بذلك قتل نفسه به، وكمل عبد الرحمن بن عوف الصلاة للناس، ثم بعد ذلك دخل الناس على عمر يتعرفون الخبر (دَخَلَ صُهَيْبُ يَبْكِي يَقُولُ: وَأَخَاهُ، وَاصَاحِبَاهُ) ليس في هذا نوح نظير ما مر عن فاطمة - رضي الله عنها - من قولها: واأبتاه، لما سبق أن شرط النوح أن يقترن ببكاء برفع صوت مع نحو والهفاه، ونحوه من صنع الجاهلية (فَقَالَ عُمَرُ: يَا صُهَيْبُ، أَتَبْكِي عَلَّ وَقَدْ قَالَ رَسُولُ الله ◌َيُ: ((إِنَّ الْمَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبَعْضِ بُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ) أي: وهم الذين أوصاهم دون من لم يوصهم، وهذا لا ينافي رواية عبد الله بن عمر ببكاء أهله؛ لأنه محمول على ما إذا أوصاهم كلهم، فمآل الروايتين إلى شيء واحد، وحينئذ فلا اعتراض على ابن عمر؛ لأن كلاً منه ومن أبيه - رضي الله عنهما - نقل اللفظ الذي سمعه من النبي لها. ويؤخذ من كلام عمر هذا لصهيب مع كونه روميًّا أنه فهم من الحديث أن الأهل ليس بشرط، بل كل من بكى على الميت عذب ببكائه ولو أجنبيًا بشرطه (فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسِ: فَلَمَّا مَاتَ عُمَرُ ذَكَرْتُ ذَلِكَ لِعَائِشَةَ، فَقَالَتْ: يَرْحَمُ اللهُ عُمَرَ) هو على ١٥٥ تتمة كتاب الجنائز/ باب البكاء - بالمدٍّ على الأفصح - على الميت منوال ما مر عنها آنفًا في أبيه، وما قيل: إنها أتت به دفعًا لما يوجس من نسبته إلى الخطأ المراد منه إلى تعمده كما يعلم مما قدمته ثم (لَا وَالله مَا حَدَّثَ رَسُولُ الله ◌ِّ: إِنَّ اللهَ يُعَذِّبُ الْمُؤْمِنَ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ) فإن قلت الذي في رواية عمر نقص، فلم أسقطتها قلت لتبين أن مؤدى رواية ذكرها، وحذفها واحد كما مر. (وَلَكِنْ) الذي حدث به جملة (إِنَّ اللهَ لَيَزِيدُ الْكَافِرَ عَذَابًا بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ» وَقَالَتْ عَائِشَةُ: حَسْبُكُمُ حَسْبُكُمُ) أي: يكفيكم دليلاً على ما قلت: إن الميت المسلم لا يعذب بذنب غيره وبكائه (القُرْآنَ) الدال على ذلك وهو (﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وزْرَ أُخْرَى﴾) ومر معنى ذلك، وأن هذا لا ينافي حمله على المسلم؛ لأنه حينئذ محمول على وصيته به، وحينئذ هو لم يعذب إلا على فعل نفسه دون غيره عملاً بغير هذه الآية، وحينئذ ينحل هذا الخلاف بين عائشة وغيرها إلى أنه لفظي؛ لأن عائشة لا تنكر أنه إذا أوصى بمعصية يعذب على وصيته، وغيرها لا ينكر أن من لم يوص ولا رضي بالمعصية لا يعذب عليها، فلا خلاف في المعنى. (قَالَ ابْنُ عَبَّاسِ عِنْدَ ذَلِكَ) أي: ذكره كلام عائشة هذا مؤيدًا لها: (وَاللهُ أَضْحَكَ وَأَبْكَى) أي: فبكاء الأهل اضطراري غالبًا، والاضطراري لا عذاب عليه على فاعله فضلاً عن الميت. (قَالَ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ: فَمَا قَالَ ابْنُ عُمَرَ شَيْئًا) لأن الاعتراض لا يتوجه عليه، ولا على أبيه بوجه؛ لأن كلاً منهما حكى اللفظ الذي سمعه من النبي صَلى الله وَسَبـ فلا يبالي إن وافقته عائشة أو ابن عباس أو خالفاه. وقد علمت مما قررته أنه لا خلاف في هذه المسألة عند تحقيق مقالة كل من هؤلاء الأئمة رضوان الله عليهم (مُتَّفَق عَلَيْهِ) وفيه أن المجتهد أسير الدليل، وأن له لأجل ذلك أن يخطئ غيره، وأن يخلف على خطابه، وإن كان أجل منه وأوسع علمًا؛ إذ عمر كذلك مع عائشة، وأن من الآداب أن المستدل إذا عورض بما لا يحتاج الجواب يكله إلى أفهام الناس لا يخوض فيه لئلا ينتشر الكلام بلا فائدة. ١٧٤٣ - [وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: لَمَّا جَاءَ النَّبِيَّ نَّهِ قَتْلُ ابْنِ ١٥٦ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس حَارِثَةَ وَجَعْفَرٍ وَابْنٍ أَبِي رَوَاحَةَ جَلَسَ يُعْرَفُ فِيهِ الْحُزْنُ، وَأَنَا أَنْظُرُ مِنْ صَائِرِ الْبَابٍ - نَعْنِي شَقُّ الْبَابٍ - فَأَتَاهُ رَجُلُ وَقَالَ: إِنَّ نِسَاءَ جَعْفَرٍ فَذَكَرَ بُكَاءَهُنَّ فَأَمَرَهُ أَنْ يَنْهَاهُنَّ، فَذَهَبَ ثُمَّ أَتَاهُ الثَّانِيَةَ لَمْ يُطِعْنَهُ، فَأَتَاهُ الثَّالِثَةَ قَالَ: وَالله غَلَبْنَنَا يَا رَسُولَ اللهِ، فَزَعَمَتْ أَنَّهُ قَالَ: فَاحْتُ فِي أَفْوَاهِهِنَّ التَُّابَ. فَقُلْتُ: أَرْغَمَ اللهُ أَنْفَكَ، لَمْ تَفْعَلْ مَا أَمَرَكَ رَسُولُ اللهِ وَهُ وَلَمْ تَتْرُكْ رَسُولَ اللهِ ﴿ مِنَ الْعَنَاءِ. مُتَّفَق عَلَيْهِ](١). (وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: لَمَّا جَاءَ النَّبِيَّ وَلِ قَتْلُ) أي: خبر زيد (ابْنِ حَارِثَةَ) مولى رسول الله وحبه (وَجَعْفَرٍ) بن أبي طالب (وَ) عبد الله (ابْنِ أَبِي رَوَاحَةَ) بموته المكان السابق (جَلَسَ) حال كونه (يُعْرَفُ فِيهِ الْحُزْنُ) أي: يظهر على صفحات وجهه الشريف بمقتضى الجبلة البشرية، بحيث لا يدرك إلا بعد مزيد تأمل من شدة ما وجد عليهم. (وَأَنَا أَنْظُرُ مِنْ صَائِرِ الْبَابِ) أي: ذي صَيّر؛ أي: شق كلابن ذي لبن، ومن ثم قال (نَعْنِي) عائشة (شَقُّ الْبَابٍ فَأَتَاهُ رَجُلُ وَقَالَ: إِنَّ نِسَاءَ جَعْفَرٍ فَذَكَرَ بُكَاءَهُنَّ) أي: والحال أنه ذكر شأن بكائهن بنحو قوله: إنهن فعلن كذا وكذا من نحو بكاء ونياحة (فَأَمَرَهُ أَنْ يَنْهَاهُنَّ، فَذَهَبَ ثُمَّ أَتَاهُ) المرة (الثَّانِيَةَ) وذكر أنهن (لَمْ يُطِعْنَهُ) والأصل: فذهب إليهن ونهاهُنَّ فلم يطعنه أيضًا (فَأَتَاهُ) المرة (الثَّالِئَةَ قَالَ: وَالله غَلَبْنَنَا يَا رَسُولَ اللهِ، فَزَعَمَتْ) أي: أخبرت؛ إذ الزعم مشترك بين الصدق والكذب والمشكوك فيه لكنه يتبين المراد به من السياق والقرائن. ومن ذلك قول أم هانئ عن أخيها علي رضي الله عنهما: يا رسول الله، زعم ابن أمي أنه قاتل من أجرته (أَنَّهُ قَالَ: فَاحْتُ فِي أَفْوَاهِهِنَّ التُّرَابَ) فيه الأمر بالمعروف يكون أولاً برفق فإن تمادى فاعله غلظ عليه حتى ينزجر، وإن خبر الواحد حجة، وأن للإمام اعتماده والعمل يقتضيه حتى في العقوبات لكن ليس من حيث الحكم، (١) أخرجه البخاري (١٢٩٩)، ومسلم (٢٢٠٤)، والبيهقي (٧٣٣٦). ١٥٧ تتمة كتاب الجنائز/ باب البكاء - بالمدٍّ على الأفصح - على الميت بل من باب الأمر المعروف، قالت عائشة: لما رأت من هذا الرجل هذا التكرير (فَقُلْتُ: أَرْغَمَ اللهُ أَنْفَكَ) أي: أوصله للرغام؛ أي: التراب من الذل، وهذا ونظائره مما جرى في ألسنتهم غير مراد به حقيقته، ويحتمل ظنًّا أنها أرادت ذلك لكونه لم يمتثل ما أمره به من الحثي في أفواههن. (لَمْ تَفْعَلْ مَا أَمَرَكَ رَسُولُ اللهِ وَهِ وَلَمْ تَتْرُكْ رَسُولَ اللهِ وَهُ مِنَ الْعَنَاءِ) أي: التعب إن قلت: هو محسن بهذا الإخبار؛ لأنه متسبب إلى ترك معصية، بل وقضية قول أصحابنا من رأى منكرًا ولم يقدر على إزالته بيده، وقدر على رفع فاعليه للحاكم لزمه الرفع إليه مبادرة لإزالته ما أمكن، أن ما فعله هذا الرجل واجب عليه، فكيف دعت عليه بتقدير هذا؟ قلت: كأنها رأت أنه لما تسبب في الإخبار، وقصر في النهي المأمور به بناء على ما ظهر لها، وإلا فالظن بالصحابي أنه إنما تركه لعذر استحق ذلك من حيث المجموع لا مع النظر لكل من هذين الجزئين على حدته (مُتَّفَق عَلَيْهِ). ويؤخذ منه أن الأولى في أمرهن بترك النياحة إذا أصررن عليها بعد تكرر الأمر أن يصحبه الحثو بالتراب في وجوههن وأفواههن؛ لأن فيه من شدة النكاية والتحقیر ما هو لائق بعظیم معصیتهن. ١٧٤٤ - [وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قالت: لَمَّا مَاتَ أَبُو سَلَمَةَ، قُلْتُ: غَرِيبٌ وِفِي أَرْضِ غَرْيَبَةٍ، لَأَبْكِيَتَهُ بُكَاءً يُتَحَدَّثُ عَنْهُ، فَكُنْتُ قَدْ تَهَيَّأْت لِلْبُكَاءِ عَلَيْهِ إِذْ أَقْبَلَتِ امْرَأَةً تُرِيدُ أَنْ تُسْعِدَنِي، فَاسْتَقْبَلَهَا رَسُولُ اللهِوَلِ فَقَالَ: أَتُرِيدِينَ أَنْ تُدْخِلِي الشَّيْطَانَ بَيْئًا أَخْرَجَهُ اللهُ مِنْهُ مَرَّتَيْنِ، وَكَفَفْتُ عَنِ الْبُكَاءِ فَلَمْ أَبْكِ. رَوَاهُ مُسْلِمْ](١). (وَعَنْ أُمّ سَلَمَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قالت: لَمَّا مَاتَ أَبُو سَلَمَةَ، قُلْتُ) هو (غَرَيب وِفِي أَرْضِ غرْيَة) لأنه من المهاجرين الأولين واحد (لأَبْكِيَنَّهُ بُكَاءَ يُتَحَدَّثُ عَنْهُ) أي: عن شدته الناشئة عن عظيم الفقد لصاحبه، وأنه ممن يحق لأهله أن (١) أخرجه مسلم (٩٢٢)، وأحمد (٢٦٥١٥)، والطبراني (٦٠١)، والحميدي (٢٩١)، وابن حبان (٣١٤٤). ١٥٨ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس يزيدوا في التأسف على فقده، ولعل هذا منها كان قبل علمها بتحريم الندب والنياحة. (فَكُنْتُ قَدْ تَهَيَّأْت) عطف على قلت؛ أي: عقب قولي ذلك وقع مني تمام التهيؤ (لِلْبُكَاءِ عَلَيْهِ) على الحالة المذكورة (إِذ) ظرف لقلت أو تهيأت (أَقْبَلَتِ امْرَأَةٌ تُرِيدُ أَنْ تُسْعِدَنِي) أي: تساعدني على ذلك وتقويني عليه (فَاسْتَقْبَلَهَا رَسُولُ اللهِ وَلِّ) بعد علمه بما هي قاصدته (فَقَالَ: أَتُرِيدِينَ) بإعانتك على تلك المعصية الشديدة (أَنْ تُدْخِلِي الشَّيْطَانَ بَيْتًا) هو بيت أم سلمة. ويصح على بُعد أن يراد به قلبها؛ لأن المعصية لما كانت بتسويله وإغرائه، صح أن يقال: إنه دخل بها دار الفاعل وقلبه (أَخْرَجَهُ اللهُ مِنْهُ مَرَّتَيْنِ) أي: بالإسلام ثم الهجرة، أو بالهجرتين إلى الحبشة ثم إلى المدينة، وقد مر أنه هاجر بها الهجرتين أو المرتان للتكثير على حد ﴿ ثُمَّ ارْجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾ [الملك: ٤]. (وَكَفَّفْتُ عَنِ الْبُكَاء) عطف على محذوف هو انزجرت (فَلَمْ أَبْكِ) بسبب ذلك (رَوَاهُ مُسْلِمْ). ١٧٤٥ - [وَعَن التُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - قَالَ: أُغْمِيَ عَلَى عَبْدِ الله بْنِ رَوَاحَةَ، فَجَعَلَتْ أُخْتُهُ عَمْرَةُ تَبْكِي: وَاجَبَلَاهْ، وَإِكَذَا وَإِكَذَا تُعَدِّدُ عَلَيْهِ، فَقَالَ حِينَ أَفَاقَ: مَا قُلْتِ شَيْئًا إِلَّا قِيلَ لِي: أَنْتَ كَذَلِك. زَادَ فِي رِوَايَة: فَلَمَّا مَاتَ لَمْ تَبْكِ عَلَيْه. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ](١). (وَعَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - قَالَ: أُغْنِيَ عَلَى عَبْدِ الله بْنِ رَوَاحَةً، فَجَعَلَتْ أُخْتُهُ عَمْرَةُ تَبْكِي) قائلة (وَاجَبَلَاهْ، وَاكَذَا وَاَكَذَا تُعَدِّدُ عَلَيْهِ) مثل ذلك الوزن (فَقَالَ) لها (حِينَ أَفَاقَ مَا قُلْتِ شَيْئًا إِلَّا قِيلَ لي) توبيخًا وتهكمًا على لسان الملائكة (أَأَنْتَ كَذَلِك) أي: مثل الجبل والكهف المكنى بهما عن مزيد الإعظام في الإحسان والإعاذة من نوائب الحدثان، فإن قلت: ما وجه توبيخه بهذا مع أنه لم (١) أخرجه البخاري (٤٢٦٧)، والبيهقي (٧٣٧٣)، والحاكم (٤٣٢٣). ١٥٩ تتمة كتاب الجنائز / باب البكاء - بالمدٍّ على الأفصح - على الميت ينتسب ولا أمر، قلت: إخباره بذلك حتى ينزجر الناس عن فعل شيء من ذلك بالكلية. وما قيل: إن هذا يؤيد حديث عمر فغير صحيح؛ لأنا لم نعلم من أخذ بظاهره، وإنما هو مؤول بما قدمته، وتلك التأويلات لا يأتي منها شيء هنا فتعين ما ذكرته (زَادَ فِي رِوَايَة فَلَمَّا مَاتَ لَمْ تَبْكِ عَلَيْه) أخته خوفًا من ذلك، وهذا يؤيد ما ذكرته أنه إنما قيل له ذلك ليخبر به فينزجر الناس عنه (رَوَاهُ الْبُخَارِيّ). ١٧٤٦ - [وَعَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَ يَقُولُ: مَا مِنْ مَيِّتٍ يَمُوتُ فَيَقُومُ بَاكِيهِمْ فَيَقُولُ: وَاجَبَلَاهُ، واسَيِّدَاهُ، ونَحْوَ ذلِكَ إِلَّا وُكَّلَ الله بِهِ مَلَكِينٍ يَلْهَزَانِهِ يَقُولَانِ: أَهكَذَا كُنْتَ؟ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَسَنُّ غَرِيبٌ](١). (وَعَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَهِ يَقُولُ: مَا مِنْ مَيِّتٍ يَمُوتُ فَيَقُومُ بَاكِيهِمْ فَيَقُولُ: وَاجَبَلَاهُ واسَيِّدَاهُ، وَخْوَ ذلِكَ إِلَّا وُكِّلَ الله بِهِ مَلَكَينٍ يَلْهَزَانِهِ) أي: يضربانه، وأصل اللهز الضرب بجمع الكف في الصدر (يَقُولَانِ) له (أَهكَذَا كُنْتَ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَسَنُ غَرِيبٌ) وهو محمول على نظير ما مر أنه أوصى بذلك، وأما حمل الميت على من قارب الموت ليطابق ما قبله فليس بصحيح؛ لأنه صرف عن الحقيقة إلى المجاز من غير داع؛ إذ لا داعي لهذه المطابقة بوجه، فوجب بقاؤه على ظاهره، وحمل على ما ذكرته مع حمل ما قبله على ظاهره الذي قررته به. ١٧٤٧ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: مَاتَ مَيِّتُ مِنْ آلِ رَسُولِ اللهِّهِ فَاجْتَمَعَ النِّسَاءُ يَبْكِينَ عَلَيْهِ فَقَامَ عُمَرُ يَنْهَاهُنَّ وَيَطْرُدُهُنَّ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: دَعْهُنَّ يَا عُمَرُ، فَإِنَّ الْعَيْنَ دَامِعَةٌ وَالْقَلْبَ مُصَابُ وَالْعَهْدَ قَرِيبٌ. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيّ] (٢). (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: مَاتَ مَيِّتْ مِنْ آلِ رَسُولِ اللهِ وَلِ فَاجْتَمَعَ النِّسَاءُ يَيْكِينَ (١) أخرجه الترمذي (١٠٠٣). (٢) أخرجه أحمد (٥٨٨٩)، والنسائي في ((الكبرى)) (١٩٨٦)، والحاكم (١٤٠٦) وقال: صحيح على شرط الشيخين. وعبد بن حميد (١٤٤٠)، وابن ماجه (١٥٨٧)، وابن حبان (٣١٥٧). ١٦٠ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس عَلَيْهِ فَقَامَ عُمَرُ يَنْهَاهُنَّ وَيَظْرُدُهُنَّ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّةَ: دَعْهُنَّ يَا عُمَرُ، فَإِنَّ الْعَيْنَ دَامِعَةُ وَالْقَلْبَ مُصَابُ وَالْعَهْدَ) بهذا الميت (قَرِيبٌ) وكلما قرب العهد كان الحزن أشد لما مر في إيماء الصبر عنه الصدمة الأولى، وعكس فيه الترتيب الطبيعي؛ لأن قرب العهد يورث شدة الحزن، وهي تورث دمع العين إيثارًا لذكر ما يظهر، ويعلم على ما يخفى ويشك فيه (رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيّ) وهو محمول على أنه لم يصدر منهن إلا مجرد البكاء، فمنعهن منه عمر كأنه للتمسك بقوله و 85 *. فإذا وجعت فلا تبكين باكية فأمره 45* بالإمساك عنهن، وذكر له عذرهن الدال على أن محل الكراهة حيث لا غلبة أما مع غلبة الحزن والبكاء فلا كراهة. ١٧٤٨ - [وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ قَالَ: مَاتَتْ زَيْنَبُ بِنْتِ رَسُولِ اللهِ وَ فَبَكَتِ النِّسَاءُ، فَجَعَلَ عُمَرُ يَضْرِبُهُنَّ بِسَوْطِهِ، فَأَخَذَه رَسُولُ اللهِ وَهَ بِيَدِهِ، وَقَالَ: مَهْلاً يَا عُمَر. ثُمَّ قَالَ: إِيَّاكُنَّ وَنَعِيقَ الشَّيْطَانِ. ثُمَّ قَالَ: إِنَّهُ مَهْمَا كَانَ مِنَ الْعَيْنِ وَمِنَ الْقَلْبِ مِنَ الله وَنَ وَمِنَ الرَّحْمَةِ، وَمَا كَانَ مِنَ الْيَدِ ومن اللِّسَانِ ومِنَ الشَّيْطَان. رَوَاهُ أَحْمَدُ](١). (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ قَالَ: مَاتَتْ زَيْنَبُ بِنْتِ رَسُولِ الله وَيِّ فَبَكَتِ النِّسَاءُ، فَجَعَلَ عُمَرُ يَضْرِبُهُنَّ بِسَوْطِهِ، فَأَخَذَه رَسُولُ اللهِ وََّ) عنهن (بِيَدِهِ، وَقَالَ: مَهْلاً) بالتحريك مصدرًا، واسمه يستوي الواحد، والمذكر وضدهما من مهلته أو امتهلته سكنته وأخرته (يا عمر) لا تبادر حتى يتبين لهن الحكم. (ثُمَّ قَالَ) مبينًا له (إِيَّاكُنَّ وَنَعِيقَ الشَّيْطَانِ) وهو النياحة والندب، من نعق الراعي بغنمه دعاها لتعود إليه (ثُمَّ قَالَ) مبينًا له بيانًا أتم (إِنَّهُ) أي: الشأن (مَهْمَا) اسم شرط جازم (كَانَ مِنَ) دمع (الْعَيْنِ ومن) حزن (الْقَلْب) فهو (مِنَ اللّه ◌َ وَمِنَ) مظهر (الرَّحْمَةِ) التي يلقها الله في قلوب عباده ليرحمهم برحمته الواسعة، إنما يرحم الله من عباده الرحماء كما مرآنفًا. (١) أخرجه أحمد (٢١٢٧)، وابن سعد (٣٩٨/٣).