النص المفهرس
صفحات 121-140
١٢١ تتمة كتاب الجنائز/ باب دفن الميت ولم یشرب الخمر جاهلية، وقال: لا أشرب ما یضحك بي من هو دوني، وكان من أکابر أهل الصفة. (أُخْرِجَ بِجِنَازَتِهِ فَدُفِنَ فَأَمَرَ النَّبِيُّ ◌َّهِ رَجُلاً أَنْ يَأْتِيَ بِحَجَرٍ) أي: صخرة كما في رواية (فَلَمْ يَسْتَطِعْ حَمْلَهُ، فَقَامَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللهِ وَهِ وَحَسَرَ) أي: كشف كميه (عَنْ ذِرَاعَيْهِ، قَالَ الْمُطَلِبُ: قَالَ الَّذِي يُخْيِرُفِي عَنْ رَسُولِ اللهِ وَّهِ كَأَنِّ أَنْظُرُ إِلَى بَيَاضِ ذِرَاعَيْ رَسُولِ اللهِ وَ﴿ِ حِينَ حَسَرَ عَنْهُمَا، ثُمَّ حَمَلَهَا فَوَضَعَهَا عِنْدَ رَأْسِهِ وَقَالَ: أُعَلِّمُ بِهَا قَبْرَ أَخِي) سماه أخًا مبالغة في تعظيمه (وَأَدْفِنُ إِلَيْهِ) أي: بقربه (مَنْ مَاتَ مِنْ أَهْلِ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد) وسنده جيد، وأول من دفنه عنده إبراهيم ابن النبي وَّه وقال ◌َله فيه وفي أخته زينب - رضي الله عنهما - لما توفيا: ((ألحقا بسلفنا الصالح عثمان بن مظعون). وأخذ منه أئمتنا: إنه يسن أن يعلم القبر حيث لا خوف عليه من عدو أو نحوه بوضع صخرة أو خشبة عند رأس الميت ليعرف فيقصد، قال بعض متقدمي أئمتنا: ويسن وضع أخرى عند رجليه؛ لأنه ◌ّله وضع حجرين على قبر عثمان بن مظعون. انتهى. ورد بأن المحفوظ في حديث عثمان: ((حجر واحد)) كما تقرر، وأنه يسن جمع قبور الأقارب في موضع واحد؛ لأنه أسهل على الزائر ولمزيد تآنس بعضهم ببعض. ١٧١٢ - [وَعَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ، فَقُلْت: يَا أُمَّاهُ، اكْشِفِي لِي عَنْ قَبْرِ رَسُولِ اللهِ وَ وَصَاحِبَيْهِ، فَكَشَفَتْ لِي عَنْ ثَلَاثَةِ قُبُورٍ لَا مُشْرِفَةٍ وَلَا لَاطِئَةٍ، مَبْطُوحَةٍ بِبَطْحَةِ الْعَرْصَةِ الْخَمْرَاءِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُد](١). (وَعَنِ الْقَاسِ بْنِ مُحَمَّدٍ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى) عمتي (عَائِشَةَ فَقُلْت: يَا أُمَّاهُ، اكْشِفِي لِي عَنْ قَبْرِ رَسُولِ اللهِ ﴿ وَصَاحِبَيْهِ، فَكَشَفَتْ لِي عَنْ ثَلَاثَةِ قُبُورٍ لَا مُشْرِفَةٍ) أي: عالية أكثر من شبر لما مر ويأتي (وَلَّا لَاِئَةٍ) من لطأ ولطئ بالأرض إذا لزق بها. (١) أخرجه أبو داود (٣٢٢٢)، والبيهقي (٧٠٠٦)، والحاكم (١٣١٦). ١٢٢ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس (مَبْطُوحَةٍ بِبَطْحَةِ الْعَرْصَةِ) هي الموضع الواسع الذي لا ينافيه، وأصل البطحاء مسيل واسع فيه دقاق الحصا، والمراد بها هنا نفس الحصا بقرينة إضافتها إلى ((العرصة)) و(مبطوحة)) معناه: مبسوطة مسواة من البطح وهو تسويته، المرتفع من الأرض حتى يستوي ويذهب عنها التفاوت. (الْخَمْرَاءِ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد) وسنده صحيح، وهو صريح في أن القبور الثلاثة مسطحة لا مسنمة، ومر الكلام على ذلك مستوفى في الفصل الأول، وأن ابن حبان صحح أن قبره * كان مرتفعًا شبرًا، وأن السنة تسطيح القبور لا تسنيمها وهو أن يجعل كالسنام. ١٧١٣ [وَعَنِ الْبَرَاءِ بْن عَازِب قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ وَ فِي جَنَازَةِ رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ فَانْتَهَيْنَا إِلَى الْقَبْرِ وَلَمَّا يُلْحَد بَعْد، فَجَلَسَ النَّبِيُّ ◌َِّ مُسْتَقْبِل القِبِلَة وَجَلَسْنَا مَعَهُ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدِ وَالنَّسَانِيُّ وَابْنُ مَاجَهُ، وَزاد في آخره: وَكَأَنَّ عَلَى رُؤُوسِنَا الظَّيْرِ](١). (وَعَنِ الْبَرَاءِ بْن عَازِبٍ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّه ◌َهُ فِي جَنَازَةِ رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ فَانْتَهَيْنَا إِلَى الْقَبْرِ وَلَمَّا يُلْحَد بَعْد، فَجَلَسَ النَّبيُّ ◌َ مُسْتَقْبِل القِبلَة وَجَلَسْنَا مَعَهُ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدٍ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَه، وَزاد في آخره: وَكَأَنَّ عَلَى رُؤُوسِنَا الظَّيْر) فيه أنه يندب لمن فاتته الجنازة أن يلحقها فإنه وإن فاته قيراط التشييع كما مرلا يفوت أصل الثواب، وأنه يسن للمشيع ومن لحق الجنازة أن يقرب من القبر ما أمكنه، وأنه يسن للجالس هنا ككل عبادة أن يستقبل القبلة وأن الصحابة - رضوان الله عليهم - كانوا بحضرته دليل على غاية من الأدب المفرط الفائق أدب الرعاء مع أجل الملوك. ١٧١٤ [وَعَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَلِ قَالَ: كَسْرُ عَظْمِ الْمَيِّتِ كَكَسْرِهِ حَيًّا. رَوَاهُ مَالِكْ وَأَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ] (٢). (١) أخرجه أبو داود (٣٢١٤)، وابن ماجه (١٦١٦). (٢) أخرجه مالك (٥٦٧)، وأحمد (٢٤٧٣٠)، وأبو داود (٣٢٠٧)، وابن ماجه (١٦١٦)، والبيهقي في = ١٢٣ تتمة كتاب الجنائز/ باب دفن الميت (وَعَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِهِ قَالَ: كَسْرُ عَظْمِ الْمَيِّتِ كَكَسْرِهِ حَيًّا) يعني: في الإثم كما في رواية (رَوَاهُ مَالِكٌ وَأَبُو دَاوُدِ وَابْنُ مَاجَه) وسنده حسن كما قاله ابن القطان، يستفاد منه ما قدمته أن الميت يتألم بجميع ما يتألم به الحي، ومن لازمه أنه يستلذ بما يستلذ به الحي. (الفصل الثالث) ١٧١٥ - [عَنْ أَنَسِ قَالَ: شَهِدْت بِنْتَ رَسُولِ اللهِ وََّ تُدْفَنُ وَرَسُولُ اللهِ وَه جَالِسٌ عَلَى الْقَبْرِ، فَرَأَيْتُ عَيْنَيْهِ تَدْمَعَانِ فَقَالَ: هَلْ فيكم مِنْ أَحَدٍ لَمْ يُقَارِفِ اللَّيْلَةَ؟ فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ ﴾: أَنَا. قَالَ: فَانْزِلْ فِي قَبْرِهَا. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ](١). (عَنْ أَنَسِ قَالَ: شَهِدْت) أم كلثوم (بِنْتَ رَسُولِ اللهِ و ◌َهْ تُدْفَنُ وَرَسُولُ اللهِ وَهُ جَالِسْ عَلَى الْقَبْرِ، فَرَأَيْتُ عَيْنَيْهِ تَدْمَعَانٍ) فيه عظيم رحمته ◌َّه وأبلغ الرد على قوم قست قلوبهم ففرحوا بموت البنات لما جبلوا عليه من بغضهن ظنًا منهم أنهن يلحقن العار، وقد كذبوا وافتروا، بل الذكور كذلك على أن ما يقع من الفريقين إنما نشأ عن أصلهما، وإنما ذلك تبع للأصل، فمن طاب أصله طاب بناؤه وعمله، ومن لا فالعار منك لا منهن فسلم للقدرة واجتهد في إصلاح ما بينك وبين الله تعالى، فإن من فروعك محفظون ببرکة صدقك. (فَقَالَ: هَلْ فيكم مِنْ أَحَدٍ لَمْ يُقَارِفْ) أي: يجامع (اللَّيْلَةَ، فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ عَه: أَنَا، قَالَ: فَانْزِلْ فِي قَبْرِهَا) ليلحدها (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) ومنه أخذ أئمتنا: إن الأولى، وقال بعضهم: الواجب وأطال في الانتصار له بإدخال الميت القبر ولو أنثى الرجال؟ نعم مرأنه يندب لهن أن يلين حملها من مغتسلها إلى نعشها وتسليمها إلى من في القبر وحل ثيابها فيه، ولا يشكل هذا الحديث على قولهم: إن المحارم والزوج أولى من صالح الأجانب. = («السنن الكبرى» (٦٨٧٠). (١) أخرجه البخاري (١٣٤٢)، وأحمد (١٢٦٠٩)، والبيهقي (٧٢٩٧). ١٢٤ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس قال النووي: الاحتمال أنه ﴿ وعثمان كان لهما عذر منعهما نزول القبر، نعم يؤخذ من الخبر أنه لو كان ثمة صلحاء وأحدهم بعيد العهد بالجماع قدم، ثم تفسير (يقارف)) يجامع هو الصحيح كما قاله النووي وغيره، وأصل قارف الذنب وغيره أتاه وقرفه بكذا اتهمه به. وقال ابن الأثير: المراد لم يذنب ذنبا، ويجوز أن يريد الجماع فكنى عنه بذلك؛ أي: كما أن من عادة القرآن أن يكنى عن الجماع بـ((الرفث واللمس والمباشرة)) لأن في التصريح نوع هجنة، وحكمة هذه الكناية المبالغة في تعظيم شأنها ألّا يذكر فيه الجماع ولو حلالاً ولا ما يقرب إليه، ويكنى عنه به غالبًا في القرآن والسنة كـ((اللمس والمباشرة والقربان)). وإنما يذكر ما يومئ إلى نفيه بالأولى، وآثر ابن الأثير هذه الكناية مع إمكان الصريح؛ لأنها أبلغ؛ لأنه إذا نفى المباح، بل المندوب بأولى المحظور إعظامًا لجلالتها وإظهارًا لكرامتها. وضعف النووي ما ظنه ابن الأثير فقال: والأرجح أن معنى ((لم يقارف)) لم يجامع، وقيل: لم يقارف ذنبًا، وأخرج أحمد: ((إن رقية لما ماتت قال وهي: لا يدخل القبر رجل قارف الليلة، فلم يدخل عثمان) وظاهره مع ما مر أن عثمان وقع له ذلك في كل من زوجتيه رقية وأم كلثوم، وأنه ولي اطلع على ذلك، يكنى عن منعه بقوله: ((أيكم لم يقارف؟ فسكت عثمان فصدق رول﴿ ما بلغه فأمر أبا طلحة لما نفى ذلك عن نفسه بأن يتولى إدخالها)) إنما منع من دخول القبر؛ لأنه لفرط شهوته قارف تلك الليلة، فخشي ﴿4﴾. إن نزل أن يتذكر شيئًا فيذهل عن الإتيان بكمال المندوبات التي تفعل بالميت في القبر، فعلى تقدير صحته منافٍ لأن يقع متعددًا من عثمان رضي الله عنه. ١٧١٦ - [وَعَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ لِاِبْنِهِ وَهُوَ فِي سِيَاقِ الْمَوْتِ: إِذَا أَنَا مُتُّ فَلَا تَصْحَبْنِي نَائِحَةٌ وَلَا نَارً، فَإِذَا دَفَنْتُمُوِنِي فَشُنُّوا عَلَيَّ التُّرَابَ شَنَّ، ثُمَّ أَقِيمُوا حَوْلَ قَبْرِي قَدْرَ مَا يُنْحَرُ جَزُورٌ، وَيُقْسَمُ لَخْمُهَا حَتَّى أَسْتَأْنِسَ بِكُمْ، وَأَعْلَمَ مَاذَا أَرَاجِعُ بِهِ رُسُلَ ١٢٥ تتمة كتاب الجنائز/ باب دفن الميت رَبِي. رَوَاهُ مُسْلِمْ](١). (وَعَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ) أنه (قَالَ لِإِبْنِهِ) عبد الله رضي الله عنهما (وَهُوَ فِي سِيَاقِ الْمَوْتِ) من ساق يسوق، وهو كالسوق النزع (إِذَا أَنَا مُتُّ فَلَا تَصْحَبْنِي نَائِحَةٌ) لأنها تؤذي الميت بصوتها وتكدر على مشيعي الجنازة فكرهم المصروف حينئذ إلى تذكر الموت وفناء الدنيا، والتقصير في الأعمال واقتراف الذنوب ولقاء الحق على غير تهيؤ له (وَلَّا نَارُ) لأنه من التفاؤل القبيح، وكان وَّم يكرهه، ومن ثم كره أصحابنا أن يتبع الجنازة أو يوقد عندها نار إلا لضرورة كما فعل بحضرته ول# في الدفن ليلاً كما مر. (فَإِذَا دَفَتْتُمُوِي فَشُنُّوا عَلَّ التُّرَابَ شَنَّا) أي: صفوه وصبوه برفق وسهولة، وفي هذا إشارة إلى ما مر أن الميت يحس ويتألم بما يحس ويتألم به الحي (ثُمَّ أَقِيمُوا حَوْلَ قَبْرِي قَدْرَ مَا يُنْحَرُ جَزُورٌ، وَيُقْسَمُ لَخْمُهَا حَتَّى أَسْتَأْنِسَ بِكُمْ وَأَعْلَمَ مَاذَا أُرَاجِعُ بِهِ رُسُلَ رَبِيِ، رَوَاهُ مُسْلِمْ). ومنه ومن خبر أبي داود بإسناد جيد: «كان ◌َلّ إذا فرغ من دفن الرجل يقف عليه ويقول: استغفروا الله لأخيكم واسألوا له التثبيت فإنه الآن (يسأل)) وفي رواية: ((التثبت)) وكلاهما صحيح، أخذ الشافعي عليه أنه يسن لكل من حضر أن يقفوا بعد دفنه قدر نحر جزور وقسمة لحمها، يستغفرون له ويسألون له التثبيت، وبهذا الخبر وقول عمر واعتضد حديث التلقين المشهور، فمن ثم عملوا به، وإن كان ضعيفًا على أن الحديث الضعيف يعمل به في الفضائل، وإن لم يعتضد إجماعًا كما قاله النووي. فقول ابن عبد السلام: إن التلقين بدعة ليس في محله، بل الخبر الصحيح السابق: ((لقنوا موتاكم: لا إله إلا الله)) (٢) يشهد له؛ إذ حقيقة الميت من طلعت روحه، وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِي القُبُورِ﴾ [فاطر: ٢٢] إمَّا كناية عما طبع على (١) أخرجه مسلم (٣٣٦)، والبيهقي (٧٣١٨). (٢) تقدم تخريجه. ١٢٦ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس قلوب الكفار الذين هم بموت قلوبهم منزلون منزلة موتى القبور، وإمَّا حقيقة ويكون ذلك في بعض الأوقات، كيف وقد أسمع ◌َ له أهل القليب بما وبخهم به، وقال في الميت: ((إنه يسمع قرع نعالكم)) وإنما يسن تلقين المكلف ولو شهيدًا بخلاف صبي، ومجنون قارب جنونه بلوغه؛ لأنه لم يكتب عليهما ذنب، الأفضل أن يكون بعد كمال الدفن. وخبر: ((إنه ◌َ ل﴿ لقن أبيه إبراهيم)) غريب، ومر عن أنس وأبي هريرة الدعاء للطفل بالوقاية من عذاب القبر، ولا ينافي ما هنا؛ لأن التلقين ليس لدفع عذاب القبر، بل لعدم فتنة التلجلج عند سؤال الملكين، والصبي لا يسأل وقد يبتلى بعذاب القبر كما مر، ويفرق بينه وبين الشهيد بأن عدم فتنة الصبي قطعي، وعدمها في الشهيد ظني. ١٧١٧ [وَعَنْ عَبْدِ الله بْن عُمَر - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - قَالَ: سَمِعْتِ رَسُولَ الله وَّه يَقُولُ: إِذَا مَاتَ أَحَدِكُمْ فَلَا تَخْبِسُوهُ وَأَسْرِعُوا إِلَى قَبْرهِ، وَلِيَقُلْ عِنْدَ رَأْسِهِ بِفاتِحَةِ البَقَرَةِ، وَعِنْدَ رِجْلَيْهِ بِخَاتِمَةِ الْبَقَرَةِ رَوَاهُ البَيْهَقِيُّ فِي (شُعَبِ الإِيمَانِ)) قَالَ: وَالصَّحِيحُ أَنَّه مَوقُوفٌ عَلَيهِ](١). (وَعَنْ عَبْدِ الله بْن عُمَر - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ الله وَه يَقُول: إِذَا مَاتَ أَحَدِكُمْ فَلَا تَحْبِسُوهُ وَأَسْرِعُوا إِلَى قَبْره) ومر أن الإسراع بالميت متأكد بعلته، بل قد يجب إن خشي من التواني به التغير، وقد يحرم إن خشي من الإسراع به ذلك. (وَلِيَقُلْ عِنْدَ رَأْسِهِ بِفاتِحَةِ البَقَرَةِ، وَعِنْدَ رِجْلَيْهِ بِخَاتِمَةِ البَقَرَةِ، رَوَاهُ البَيْهَفِيُّ فِي (شُعَبِ الإِيمَانِ)) قَالَ: وَالصَّحِيحُ أَنَّه مَوقُوفٌ عَلَيهِ) أي: ابن عمر، فيكون من كلامه، وبه أُخذ أصحابنا. قال النووي عن الأصحاب: ويقرأ عليه بعض القرآن، وكله أحسن، وإذا اقتصر (١) أخرجه الطبراني (١٣٦١٣)، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (٩٢٩٤)، والديلمي (١١١٥). ١٢٧ تتمة كتاب الجنائز/ باب دفن الميت على البعض، فالأولى أول البقرة وآخرها، كما في الأذكار عن ابن عمر، وكان حكمة تخصصهما عدم فصلهما وما اشتملتا عليه من مدح الإيمان وأهله، وبيان أهم ما يجب الإيمان به مع الذلة وسؤال العفو. ونقل في ((شرح مسلم)) عن محمد المروزي: سمعت أحمد بن حنبل يقول: ((إذا دخلتم المقابر فاقرؤوا بفاتحة الكتاب والمعوذتين و﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] واجعلوا ثواب ذلك لأهل المقابر، فإنه يصل إليهم)) واتفقوا على أنه يندب للزائر أن يقرأ شيئًا من القرآن، وأولاه ما مر. قال القاضي من أئمتنا: وكذا يسن، وثواب القراءة عند القبر للقارئ، والميت كالحاضر يرجى له الرحمة والبركة، وإن لم يهد ثواب ذلك إليه، فإن أهداه وصل له مثل ثواب القراءة؛ لأن الدعاء للميت مقبول إجماعًا. قال النووي في ((مجموعه)): ويندب الإكثار من قراءة القرآن والذكر، والدعاء لأهل تلك المقبرة وسائر الموتى من المسلمين. ١٧١٨ - [وَعَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ قَالَ: لمَّا تُوُلّ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ بِالْحُبْشِيِّ - وَهُوَ مَوْضِعٌ - فَحُمِلَ إِلَى مََّةً فَدُفِنَ بِهَا، فَلَمَّا قَدِمَتْ عَائِشَةُ أَتَتْ قَبْرَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، فَقَالَتْ: مِن الدَّهْرِ حَتَّى قِيلَ: لَنْ يَتَصَدَّعَا وَكُنَّا كَنَدْمَانَيْ جَذِيمَةً حِقْبَةً لِطُولِ اجْتِمَاعٍ لَمْ نَبِتْ لَيْلَةً مَعًّا فَلَمَّا تَفَرَّقْنَا كَأَنِي وَمَالِگًا ثُمَّ قَالَتْ: وَالله لَوْ حَضَرْتُكَ مَا دُفِنْتَ إِلَّا حَيْثُ مُتَّ، وَلَوْ شَهِدْتُكَ مَا زُرْتُكَ. رَوَاهُ التِّرْمِدِيُّ](١). (وَعَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةً قَالَ: لَمَّا تُوُلِّ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ بِالحُبْشِيّ) بضم المهملة وسكون الموحدة وكسر المعجمة والتشديد (وهو موضع) قريب من مكة. (١) أخرجه الترمذي (١٠٧٥). ١٢٨ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس وقال الجوهري: جبل بأسفل مكة (فَحُمِلَ إِلَى مَكَّةَ فَدُفِنَ بِهَا، فَلَمَّا قَدِمَتْ عَائِشَةُ) مكة (أَتَتْ قَبْرَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ فَقَالَتْ) مشيرة إلى أن طول الاجتماع في الدنيا بعد زواله يكون لأقصر زمن وأسرعه كما هو شأن الفاني جمیعه. (وَكُنَّا كَنَدْمَانَيْ جَذِيمَةَ) هو ملك العراق والجزيرة والعرب، وهو صاحب الزباء. قيل: ندمائه الفرقدان (حِقْبَةً) بالكسر سنة، وظاهر أنه ليس المراد هنا التحديد بها، بل مطلق الزمن الطويل (مِن الدَّهْرِ حَتَّى قِيلَ: لَنْ يَتَصَدَّعًا) أي: تتفرقا توهمًا أن طول ذلك الاجتماع يدوم. (فَلَمَّا تَفَرَّقْنَا كَأَنِّي وَمَالِكًّا لِطُولٍ) أي: عند طول (اجْتِمَاعٍ لَمْ نَبِتْ لَيْلَةً مَعًا) لما تقرر أن الفاني إذا انقطع صار كأنه لم يكن. (ثُمَّ قَالَتْ: وَالله لَوْ حَضَّرْتُكَ) أي: لو حضرت دفنك (مَا دُفِنْتَ إِلَّا حَيْثُ مُتَّ) كأنها - رضي الله عنها - ممن يرى حرمة النقل من محل الموت إلى غيره بضابطه السابق، ولو إلى مكة، وعليه كثيرون، وانتصر له غير واحد من أئمتنا متأخري (وَلَوْ شَهِدْتُكَ) ودفنت حيث أنت الآن (مَا زُرْتُكَ) لأن النبي ◌َليّ لعن زوارات القبور، كذا قیل، وإنما يتجه إن كانت عائشة لم تعلم بنسخ ذلك. وقد يقال: إنما أشارت بذلك إلى ما هو مقرر أن أمهات المؤمنين في حكم المعتدات على الأبد، فيلزمهم ملازمة مساكنهن، ولا يجوز لهن الخروج منها إلا لضرورة أو حاجة مهمة كالحج، ومجرد الزيارة ليست كذلك (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ). ١٧١٩ - [وَعَنْ أَبِي رَافِعٍ قَالَ: سَلَّ رَسُولُ اللهِ وَّهَ سَعْدًا وَرَشَّ عَلَى قَبْرِهِ مَاءً. رَوَاهُ ابْنُ مَاجَه](١). (وَعَنْ أَبِي رَافِعِ قَالَ: سَلَّ رَسُولُ الله ◌ِهِ سَعْدًا) أي: ابن معاذ سيد الأنصار الذي اهتز لموته عرش الرحمن، ومر أن السل تناول الميت وإدخاله القبر من قبل رأسه (١) أخرجه ابن ماجه (١٦١٨). ١٢٩ تتمة كتاب الجنائز / باب دفن الميت برفق (وَرَشَّ عَى قَبْرِهِ مَاءً. رَوَاهُ ابْنُ مَاجَه). ١٧٢٠ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَّهِ صَلَى عَلَى جَنَازَةٍ ثُمَّ أَتَى الْقَبْرَ فَحَثَا عَلَيْهِ مِنْ قِبَلِ رَأْسِهِ ثَلَاثًا. رَوَاهُ ابْنُ مَاجَه](١). (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَهِ صَلَّى عَلَى جَنَازَةٍ ثُمَّ أَنَى الْقَبْرَ فَحَثًا عَلَيْهِ مِنْ قِبَلِ رَأْسِهِ ثَلَاثًا. رَوَاهُ ابْنُ مَاجَه) ومر الكلام عليه كالذي قبله. ١٧٢١ - [وَعَنْ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ قَالَ: رَآنِي النَّبِيُّ ◌َِّ مُتَّكِئًا عَلَى قَبْرٍ فَقَالَ: لَا تُؤْذِ صَاحِبَ هَذَا الْقَبْرِ أَوْلَا تُؤْذِهِ رَوَاهُ أَحْمَدُ] (٤). (وَعَنْ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ قَالَ: رَآنِ السَّبِيُّ وَّهِ مُتَّكِئًا عَلَى قَبْرٍ فَقَالَ: لَا تُؤْذِ صَاحِبَ هَذَا الْقَبْرِ أَوْ) للشك (لَا تُؤْذِهِ. رَوَاهُ أَحْمَدُ) وفيه تأييد لما مر من حرمة ذلك عند من قال بها، وإعلام بأن الميت يحس بكل ما يفعل بقبره، ويؤذيه ما يتأذى منه في العادة. (١) أخرجه ابن ماجه (١٦٣٢). (٢) أخرجه أحمد (٢٨٤٢٥). (باب البكاء - بالمدِّ على الأفصح - على الميت) (الفصل الأول) ١٧٢٢ - [عَنْ أَنَسِ بَ﴾، قَالَ: دَخَلْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِوَ عَلَى أَبِي سَيْفِ الْقَيْنِ، وَكَانَ ظِتْرًا لإِبْرَاهِيمَ، فَأَخَذَ رَسُولُ اللهِ وَلِ إِبْرَاهِيمَ فَقَبَّلَهُ وَشَمَّهُ، ثُمَّ دَخَلْنَا عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ، وَإِبْرَاهِيمُ يَجُودُ بِنَفْسِهِ فَجَعَلَتْ عَيْنَا رَسُولِ اللهِ وَلِ تَذْرِفَانٍ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ: وَأَنْتَ يَا رَسُولَ اللهِ. فَقَالَ: يَا ابْنَ عَوْفٍ، إِنَّهَا رَحْمَةُ، ثُمَّ أَتْبَعَهَا بِأُخْرَى، فَقَالَ: إِنَّ الْعَيْنَ تَدْمَعُ، وَالْقَلْبَ يَحْزَنُ، وَلَا نَقُولُ إِلَّا مَا يُرْضِي رَبَّنَا، وَإِنَّا بِفِرَاقِكَ يَا إِبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ. مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ](١). (عَنْ أَنَسِ ﴾ قَالَ: دَخَلْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ وَهْ عَلَى أَبِي سَيْف الْقَيْنِ) أي: الحِدَاد (وَكَانَ ظِئْرًا لِإِبْرَاهِيمَ) أي: زوج مرضعته المسماة ((ظئرًا)) أيضًا من ((ظأر)) و(أظأر)) عطف على غير ولده (فَأَخَذَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ إِبْرَاهِيمَ فَقَبَّلَهُ وَشَمَّهُ) فيه ندب تقبيل الصغير وشمه لإنبائه عن الرحمة والشفقة. ومن ثم قال ◌َّير: ((فمن قال: لي عشرة صبيان ما قبلت واحدًا منهم لا أملك لك إن كان الله نزع الرحمة من قلبك))(٤). (ثُمَّ دَخَلْنَا عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ، وَإِبْرَاهِيمُ يَجُودُ بِنَفْسِهِ) أي: يخرجها ويدفعها كما يخرج الإنسان ماله ويدفعه، يجود به (فَجَعَلَتْ عَيْنَا رَسُولِ اللهِ وَّهِ تَذْرِفَانٍ) بالمعجمة من ((ذرف)) بفتح المعجمة والراء؛ أي: يجري دمعهما ويتقاطر من شدة رقة القلب الناشئة عن عظيم الرحمة منه لولده. (فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ) الناس يبكون على موتاهم (وَأَنْتَ) تبكي أيضًا (١) أخرجه البُخَارِي (١٣٠٣)، ومسلم (٦٠٩٤)، وأحمد (١٣٠٤٥)، وأبو داود (٣١٢٦)، وعبد بن حُميد (١٢٨٧). (٢) أخرجه بنحوه البخاري (٥٩٩٨) وأحمد (٢٥٠٢٣)، وابن حبان (٥٦٨٦) والبيهقي (١٣٦٩١). - ١٣٠ - ١٣١ تتمة كتاب الجنائز/ باب البكاء - بالمدٍّ على الأفصح - على الميت (يَا رَسُولَ الله) أي: فربما يتوهم من بكائك خلاف المراد (فَقَالَ: يَا ابْنَ عَوْفٍ) هذه الحالة التي رأيتها مني لا تدل على خلاف كمال الرضا (إِنَّهَا رَحْمَةٌ) ورقة على المقبوض، ينشأ عن تأمل ما هو فيه من الشدة التي يترتب عليها من ثواب صبر نحو الأب، أو رضاه ما يخفف عنه ما لاقاه من الوجد وحرارة الفقد والحزن بمقتضى الطبع البشري. (ثُمَّ أَتْبَعَهَا بِأُخْرَى) أي: بدمعة أخرى أو بكلمة أخرى (فَقَالَ) في بيانها عنى المعنى الثاني (إِنَّ الْعَيْنَ تَدْمَعُ) اضطرارًا ناشًا عما ذكر بمقتضى الجبلة أو إحياءً للتشريع، وبيان أنه لا ينافي كمال الرضا والشهود (وَالْقَلْبَ يَحْزَنُ) على فراق الأحبة بمقتضى الجبلة أيضًا. (وَلَا نَقُولُ) مع ذلك (إِلَّ مَا يُرْضِي رَبَّنَا) ومنه: ﴿إِنَّا لِلهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٥٦] (وَإِنَّا بِفِرَاقِكَ يَا إِبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ) بيَّن به أن هذا لا ينافي الرضا ولا الحصر قبله؛ لما تقرر أن الحزن أمر جبلي، فلا محذور فيه، وإنما المحذور فيما يترتب عليه عادة مما كان عليه الجاهلية، ومن هو على طريقتهم (مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ). وفي رواية سندها حسن: يا رسول الله، أتبكي أو لم تنه عن البكاء؟ قال: ((لا ولكن نهيت عن النوح))(١). ١٧٢٣ - [وَعَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - قَالَ: أَرْسَلَت ابْنَةُ النَّبِيِّ إِلَيْهِ إِنَّ ابْنَا لِي قُبِضَ، فَأَتِنَا فَأَرْسَلَ يُقْرِئُ السَّلَامَ وَيَقُولُ: وَلَهُ مَا أَعْطَى، وَكُلُّ عِنْدَهُ بِأَجَلٍ مُسَمَّى فَلْتَصْبِرْ وَلْتَحْتَسِبْ، فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ تُقْسِمُ عَلَيْهِ لَيَأْتِيَنَّهَا فَقَامَ وَمَعَهُ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ، وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، وَأُبِيُّ بْنُ كَعْبٍ، وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، وَرِجَالٌّ، فَرُفِعَ إِلَى رَسُولِ اللهِ وَّهِ الصَّبِيُّ وَنَفْسُهُ تَتَقَعْقَعُ، فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ، فَقَالَ سَعْدُ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا هَذَا؟ فَقَالَ: هَذِهِ رَحْمَةٌ جَعَلَهَا فِي قُلُوبِهِ عِبَادِهِ، وَإِنَّمَا يَرْحَمُ اللهُ مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءِ. مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ](٢). (١) أخرجه الترمذي (١٠٠٥)، وابن سعد (١٣٨/١)، والبيهقي (٦٩٤٣). (٢) أخرجه البخاري (١٢٨٤)، ومسلم (٢١٧٤)، والطيالسي (٦٣٦)، وأحمد (٢١٨٢٤)، وأبو داود = ١٣٢ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس (وَعَنْ أُسَامَةِ بْنُ زَيْدٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - قَالَ: أَرْسَلَت ابْنَةُ النَّبِيِّ ◌ََّ) وهي زينب كما صرح به ابن أبي شيبة، وصوبه غيره (إِلَيْهِ إِنَّ ابْنًا لِي) قيل: هو علي بن أبي العاص، ورد بأنه عاش حتى ناهز الحلم، وهذا لا يقال له: صبي، غير قابل لغة، ويجاب بأن الوضع اللغوي يكفي هنا. وقال بعض المحققين: الصواب أنها أمامة بنت أبي العاص، كما ثبت في ((مسند)) أحمد، ولا ينافيه حياتها حتى تزوجها علي - كرم الله وجهه - بعد فاطمة ومات عنها، ولا ينافيه قولها: ((قبض)) لأن معناه قارب القبض ثم شُفیتُ. انتهى. وفيه نظر واضح؛ إذ كيف يحمل لفظ ((الابن)) على («البنت)) فالذي يتجه الجمع بأنهما واقعتان: واقعة الابن على المذكور، ومات فيها. وواقعة البنت أمامة المذكورة، وعاشت بعد، واحتمال ولد غيرها بعيد مع قول الإخباريين: إنها لم تلد غيرهما. (قُبِضَ) أي: قارب أن تقبض روحه (فَأْتِنَا) أي: ليزول عنا شرف رؤية وجهك ما يخف، بل يزول به حزننا عليه (فَأَرْسَلَ يُقْرِئُ السَّلَامَ) عليها جريًا على عادته الكريمة من غاية الملاطفة للأقارب والأباعد. (وَيَقُولُ) حملاً لها على الصبر، بل الرضا، وتحذيرًا عن أن يستنزلها هجوم هذا المزعج عن كمال ذينك، ومن ثم زاد في التأكيد (إِنَّ لِله مَا أَخَذَ) مقتبس من قوله تعالى: ﴿إِنَّا لله﴾ [البقرة: ١٥٦]. (وَلَهُ مَا أَعْطَى) تأكيد مناسب للمقام (وَكُلُّ) مما أخذه وأعطاه، ومن الآجال والأرزاق التي أخذها والتي أبقاها (عِنْدَهُ) أي: كائن في علمه، مكتوب عند ملائكته، ملتبس (بِأَجَلِ مُسَمَّى) معلوم معين، لا يتقدم عليه ولا يتأخر عنه، ففیم (٣١٢٥)، والنسائي (١٨٦٨)، وابن ماجه (١٥٨٨)، وابن حبان (٤٦١). = ١٣٣ تتمة كتاب الجنائز / باب البكاء - بالمدّ على الأفصح - على الميت الجزع حينئذٍ، كيف وهو لا ينتج إلا سقوط الثواب، وزيادة المصاب؟ (فَلْتَصْبِرْ) بأن يتحمل مرارة فقده من غير أن يظهر عليها شيء من أنواع الجزع (وَلْتَحْتَسِبْ) أي: تدخر ثواب فقده، والصبر عليه عند الله تعالى حتى يجعله في حسابها ليجازى عليه، وكل منهما أمر للغائبة المؤنثة، أو الحاضرة نظير: ﴿فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ [يونس: ٥٨] فعلى هذا المبلغ هذا للفظ بعينه، وعلى الأول المبلغ معناه، ويؤخذ من هذا أنه يندب أمر ذي المصيبة بالصبر قبل وقوعها؛ ليخف قلقه عند وقوعها. (فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ تُقْسِمُ عَلَيْهِ لَيَأْتِيَّنَّهَا) ليزول ما عندها مما ألجأها إلى التأكيد عليه (فَقَامَ وَمَعَهُ) جماعة من أكابر الأنصار (سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ، وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، وَأَبِيُّ بْنُ كَعْبٍ، وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، وَرِجَالٌ) آخرون من الأنصار أيضًا، أو ومن غيرهم (فَرُفِعَ إِلَى رَسُولِ اللهِ وَّرِ الصَّبِيُّ وَنَفْسُهُ تَتَقَعْقَعُ) أي: تضطرب وتتحرك، وأصل القعقعة إنها اصطكاك بعض أنواع السلاح في بعض. (فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ، فَقَالَ سَعْدٌ) المذكور (يَا رَسُولَ الله، مَا هَذَا) الدمع الذي ظهر منك؛ أي: ما الحامل عليه، فإننا مضطرون للسؤال عن ذلك؛ ليعلم سببه وحكمته (فَقَالَ: هَذِهِ) الدمعة التي ترونها في العين (رَحْمَةٌ) أي: أثر رحمة الله التي (جَعَلَهَا فِي قُلُوبِهِ عِبَادِهِ) العارفين، فهي تخلق بخلق الله. (وَإِنَّمَا يَرْحَمُ اللهُ مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاء) أي: الذين تخلقوا بأخلاقه؛ لكونه وضع فيهم رحمته، فرقت قلوبهم، وعاملوا الخلق بغايات اللطف والرأفة والعطف (مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ). ١٧٢٤ - [وَعَنْ عَبْدِ الله بْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - قَالَ: اشْتَكَى سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ شَكْوَى لَهُ فَأَتَاهُ النَّبِيُّ ◌َ﴿ يَعُودُهُ مَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصِ، وَعَبْدِ الله بْنِ مَسْعُودٍ، فَلَمَّ دَخَلَ عَلَيْهِ وَجَدَهُ فِي غَشِيَتِهِ، فَقَالَ: قَدْ قُضِيَ. قَالُوا: لَا يَا رَسُولَ اللهِ، فَبَكَى النبيِنََّ فَلَمَّا رَأَى الْقَوْمُ بُكَاءَ النَّبِيِّ ◌َهَ بَكَوْا، فَقَالَ: أَلَا تَسْمَعُونَ؟ ١٣٤ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس إِنَّ اللهَ لَا يُعَذِّبُ بِدَمْعِ الْعَيْنِ وَلَا بِحُزْنِ الْقَلْبِ، وَإِنمْ يُعَذِّبُ بِهَذَا، وَأَشَارَ إِلَى لِسَانِهِ أَوْ يَرْحَمُ، وَإِنَّ الْمَيِّتَ لِيُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ](١). (وَعَنْ عَبْدِ الله بْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - قَالَ: اشْتَكَى سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ شَكْوَى لَهُ فَأَتَاهُ النَِّيُّ وَ يَعُودُهُ مَعَ) جماعة من أكابر المهاجرين (عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، وَعَبْدِ الله بْنِ مَسْعُودٍ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ وَجَدَهُ فِي غَشِيَتِهِ) أي: إغماء غطى حواسه من شدة ما به من المرض حتى ظن أنه موت، وأصل الغاشية الداهية التي تدهي وتذهل؛ لشدة ما اشتملت عليه من المكروه. وقيل: المراد بـ(الغاشية)) قوم حضور عنده، غشيوه للخدمة أو العيادة. (فَقَالَ) مستفهمًا عنها بحذف أداة الاستفهام (قَدْ قُضِيَ) أي: مات (قَالُوا: لَا يَا رَسُولَ اللهِ، فَبَكَى النبي ◌َّه) لئلا يتوهمن جواز البكاء مطلقًا، واحتاج إلى استنصاتهم؛ لأن التكلم شغلهم (فَلَمَّا رَأَى الْقَوْمُ بُكَاءَ النَّبِيِّ وَّ بَكَوْا، فَقَالَ: أَلَا تَسْمَعُونَ) ما أقول لكم وأعلمكم (إِنَّ اللهَ لَا يُعَذِّبُ بِدَمْعِ الْعَيْنِ وَلَا بِحُزْنِ الْقَلْبِ، وَإنماْ يُعَذِّبُ بِهَذَا، وَأَشَارَ إِلَى لِسَانِهِ أَوْ يَرْحَمُ) أي: فإن نطق بخير رحم به، أو بشر كنوح عذب به، وما أفاده من جواز البكاء ولو بعد الموت من غير نوح ولا رفع صوت، نقل جماعة فيه الإجماع، ولكن الأولى تركه للخبر الصحيح: ((فإذا وجبت فلا تبكين باكية))(٢). وفي الأذكار عن الشافعي والأصحاب: إن البكاء بعد الموت مكروه؛ لهذا الخبر. بل قال جماعة: إنه يفيد تحريمه ومحله إن انضم إليه جزع وعدم التسليم للقضاء. وروى مسلم: ((إنه زار قبر أمه فبكى وأبكى من حوله). والبخاري: ((إنه بكى على قبر بنت له)) وخرج بعد الموت ما قبله فهو مباح، (١) أخرجه البخاري (١٢٤٢)، ومسلم (٩٢٤)، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (١٠١٦٥). (٢) أخرجه أحمد (٢٣٨٠٢) والنسائي (١٨٤٦)، والطبراني (١٧٧٩) وابن حبان (٣١٨٩)، والحاكم (١٣٠٠) والبيهقي (٦٩٤٥) ومالك (٥٥٤)، والشافعي (٣٦٢/١) وأبو داود (٣١١١). ١٣٥ تتمة كتاب الجنائز/ باب البكاء - بالمدٍّ على الأفصح - على الميت فالفرق أنه بعده أسف على ما فات بخلافه قبله، ثم زاد في المبالغة من التحذير عن البكاء. فقال: (وَإِنَّ الْمَيِّتَ لِيُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ). وفي رواية: ((ببعض بكاء أهله)) (١). وفي أخرى: ((ببكاء الحي)»(٢). وفي أخرى: ((يعذب في قبره بما نيح عليه))(٣). وفي أخرى: ((ما نيح عليه)»(٤) وفي أخرى: ((من يبكى عليه يعذب)) (٥). وفي أخرى: ((الميت يعذب ببكاء الحي إذا قالت النائحة: واعضداه، واناصراه، واكاسياه جبذ الميت، وقيل له: أنت عضدها، أنت ناصرها، أنت كاسيها))(٦) وكلها صحیحة عن عمر وابنه. وأمَّا إنكار عائشة عليهما حتى نسبتهما إلى السهو، وأن صواب الحديث إنما هو في يهودية مر عليها * فقال: ((إنها تعذب وهم يبكون عليها))(٧) أي: تعذب بكفرها في حال بكائهم عليها، فالعذاب للكفر لا للبكاء، واستدلت بقوله تعالى: ﴿وَلَّا تَزِرُ﴾ أي: تحمل ﴿وَازِرَةٌ﴾ أي: نفس مكتسبة للإثم؛ أي: ﴿وِزْرَ﴾ حمل وذنب نفس ﴿أَخْرَى﴾ [الإسراء: ١٥]. فهو اجتهاد منها، كما أنكرت على ابن عمر روايته عن النبي وَالر: ((إنه اعتمر (١) أخرجه النسائي (١٨٥٧). (٢) أخرجه البخاري (١٢٢٨)، ومسلم (٩٢٧)، وأحمد (١٩٩٣٢)، والنسائي (١٨٥٤)، والطبراني (٦٨٩٦). (٣) أخرجه مسلم (٩٢٧)، وأحمد (٣٥٤)، وابن ماجه (١٥٩٣)، والبخاري (١٢٣٠). (٤) أخرجه الطبراني (١٧٣٥٢)، والبزار (١٤٦). (٥) أخرجه مسلم (٢١٨٦)، والبزار (٢٢٥). (٦) أخرجه أحمد (١٩٧٣١)، والحاكم (٣٧٥٥) وقال: صحيح الإسناد. (٧) أخرجه مسلم (١٦). ١٣٦ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس في رجب)) وكما أنكرت على ابن عباس روايته: ((إن النبي ◌َّ رأى ربه ليلة الإسراء بعین بصره)). ولم يلتفت جمهور العلماء من السلف والخلف لإنكارها؛ لأن الثقة، لا سيما عمر وابنه وابن عباس إذا روى عن رسول الله وَل﴾ شيئًا ممكنًا مشافهة، عيانًا لا مساغ للطعن فيه، نعم اختلف العلماء في المراد بتعذيبه ببكاء أهله. فالجمهور: إنه محمول على ما إذا أوصاهم بذلك على عادة العرب أنهم كانوا يوصون أهاليهم بالبكاء والنوح عليهم، وإذاعة نعيهم في أحياء نظرائهم تفاخرًا بتذكر كرمهم وشجاعتهم، فنفذت وصيته بالبكاء والنوح عليه، فهذا يعذب بالبكاء والنوح عليه؛ لأنه سببه، واستشكل التقييد بامتثالهم بأن ذنبه الأمر بذلك، فلا يختلف عذابهم بامتثالهم وعدمه. وأجابوا عنه بأن السبب يعظم بوجود المسبب لقوله وَلّ: ((من سنَّ سنة سيئة))(١) وأقول: إذا أمر فإن لم يمتثل أمره عوقب على الأمر فقط، وهذا لا دوام فيه، وإذا امتثل عوقب على شيئين الأمر، وفعل المأمور الذي تسبب فيه، وهذا يدوم عذابه عليه بدوام فعلهم، كما نطق به الخبر المذكور: ((من سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة))(٤) وعلى هذا لو لم يوص بشيء فلا إثم عليه مطلقًا. وأوجب داود ومن تبعه الوصية بترك البكاء والنوح عليه، فإن سكت أثم وعوقب لا سيما إذا علم من حالهم أن سكوته عن اتصافهم بالترك حمل لهم على الفعل؛ لأن سكوته حينئذٍ یشعر بالرضا به. وحمل بعضهم الأحاديث على تعذيبه مما يبكون به عليه من جرائمه، كالقتل (١) أخرجه مسلم (١٠١٧)، وأحمد (١٩١٧٩)، والطيالسي (٦٧٠)، والترمذي (٢٦٧٥)، والنسائي (٢٥٥٤)، وابن ماجه (٢٠٣) وابن حبان (٣٣٠٨)، وابن أبي شيبة (٩٨٠٣) والطبراني (٢٤٣٧)، والبيهقي (٧٥٣٠). (٢) تقدم تخريجه. ١٣٧ تتمة كتاب الجنائز/ باب البكاء - بالمدٍّ على الأفصح - على الميت وشن الغارات، فإنهم كانوا ينوحون على الميت بها، ويعدونها فخرًا، ويرد بأن بكاءهم لا دخل له في العذاب على هذه إلا تركه. وأجيب بأنه يجوز أن يكون الله قدر العفو عنه إن لم يبكوا عليه، فإذا بكوا وندبوا عذب بذنبه؛ لفوات الشرط، وجمع على ما إذا سمعهم ورق لهم، وآخرون أخذًا مما مر عن عائشة على الكافر وغيره من أصحاب الذنوب. واحتجوا بقول الشافعي: ما قالته أشبه أن يكون محفوظًا بدلالة الكتاب والسنة، قال تعالى: ﴿لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى﴾ [طه: ١٥] وفي المجموع عنها أنها قالت: معنى الحديث أن من عليه ذنب كفر أو غيره يعذب في حال بكائهم بذنبه لا بیکائهم. قال: والصحيح من هذه الأقوال ما قدمناه عن الجمهور، وأجمعوا كلهم أن المراد بـ((البكاء)) هنا البكاء بصوت ونیاحة لا بمجرد دموع العين. ١٧٢٥ . [وَعَنْ عَبْدِ الله بْنِ مَسْعُودٍ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: لَيْسَ مِنَّا مَنْ ضَرَبَ الْخُدُودَ وَشَقَّ الْجُيُوبَ، وَدَعَا بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ، مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ](١). (وَعَنْ عَبْدِ اللّه بْنِ مَسْعُودٍ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: لَيْسَ مِنَّا) أي: من أهل طريقتنا، وهذا وإن لم يقتضِ بوضعه الحرمة بدليل: ((ليس منا من استنجى من الريح)»(٤) إلا أنها معلومة من خارج (مَنْ ضَرَبَ الْخُدُودَ، وَشَقَّ الْجُيُوبَ، وَدَعَا بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ) كالدعاء بالويل والثبور، وكالدعاء: واجلاه، واناصراه (مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ) وفي رواية لمسلم العطف بـ((أو)» بدل الواو. ١٧٢٦ . [وَعَنْ أَبِي بُرْدَةَ قَالَ: أُغْشِيَ عَلَى أَبِي مُوسَى، فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ أُمُّ عَبْدِ الله تَصِيحُ بِرَنَّةٍ، ثُمَّ أَفَاقَ فَقَالَ: أَلَمْ تَعْلَمِي، وَكَانَ يُحَدِّثُهَا أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَِّ قَالَ: أَنَا بَرِيُّ (١) أخرجه البخاري (١٢٩٧)، ومسلم (٢٩٦)، وأحمد (٣٧٣٠)، والنسائي (١٨٧٣)، والبيهقي (٧٦٣٣). (٢) أخرجه ابن عساكر (٤٩/٥٣). ١٣٨ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس مِمَّنْ حَلَقَ وَصَلَقَ وَخَرَق. مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ، ولفظه لمُسْلِمٍ] (١). (وَعَنْ أَبِي بُرْدَةً قَالَ: أُغْشِيَ عَلَى أَبِي مُوسَى) أي: أغمي عليه من شدة الوجع (فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ أُمُّ عَبْدِ اللّه تَصِيحُ بِرََّةٍ) بفتح الراء وتشديد النون، وهي رفع الصوت بالبكاء مع الترنم به والترجيع به (ثُمَّ أَفَاقَ فَقَالَ: أَلَمْ تَعْلَبِي، وَكَانَ يُحَدِّثُهَا) عن رسول الله وَّل﴾ وهذه الجملة حالية، وعاملها ((قال)) أو اعتراضية لبيان أنه أراد تذكيرها بما سبق منه إليها من التحديث عنه ◌َ ل* بذلك وبغيره، ومفعول ((تعلمي)) (أَنَّ رَسُولَ الله وَله) ويصح أن هذا ينازعه كل من يعلم ويحدث فيكون عطفًا عليه. (قَالَ: أَنَا بَرِيءُ مِمَّنْ حَلَقَ) نحو: رأسه (وَصَلَقَ) ويقال بالسين أيضًا؛ أي: رفع صوته بالبكاء (وَخَرَق) ثوبه أو نحوه عند المصيبة، كما يفعله النساء ومن يتشبه بهن غالبًا (مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ ولفظه لمُسْلِم). ١٧٢٧ - [وَعَنْ أَبِي مَالِكِ الأَشْعَرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: أَرْبَعُّ فِي أُمَّتِي مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ لَا يَتْرُكُوهُنَّ: الْفَخْرُ فِي الأَنْسَابِ، وَالطَّعْنُ فِي الأَنْسَابِ، وَالاسْتِسْقَاءُ بِالنُّجُومِ، وَالتّيَاحَةُ، وَقَالَ: الَّائِحَةُ إِذَا لَمْ تَتُبْ قَبْلَ مَوْتِهَا تُقَامُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَيْهَا سِرْبَالُ مِنْ قَطِرَانٍ وَدِرْعُ مِنْ جَرَبٍ. رَوَاهُ مُسْلِمْ](٤). (وَعَنْ أَبِي مَالِكٍ الأَشْعَرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌ََّ) خصال (أَرْبَعُ) كائنة (في أَمَّتِي) حال كونهن (مِنْ أَمْرٍ) أي: شأن (الْجَاهِلِيَّةِ) طبع عليهن كثير من الأمة (لَا يَتْرُكُوهُنَّ) غالبًا بخلاف أمر الجاهلية (الْفَخْرُ فِي الأَنْسَابِ) بتعداد الرجل لمآثره ومآثر آبائه على جهة التكبر والخيلاء، والتشبع بما لا يجدي بالحسب يطلق عليها. ومنه قولهم: ((من فاته حسبه لم ينفعه حسب أبيه)). (١) أخرجه مسلم (١٠٤)، والنسائي (١٨٦٦)، وابن ماجه (١٥٨٦)، وأحمد (١٩٧٤٤)، والطيالسي (٥٠٧). (٢) أخرجه مسلم (٩٣٤)، وأحمد (٢٢٩٥٤)، وابن حبان (٣١٤٣)، والحاكم (١٤١٣) وقال: صحيح على شرط الشيخين. وأبو يعلى (١٥٧٧). ١٣٩ تتمة كتاب الجنائز/ باب البكاء - بالمدٍّ على الأفصح - على الميت ولا ينافي ذلك قول ابن السكيت: الحسب والكرم يكونان للرجل وإن لم يكن لآبائه شرف، والمجد والشرف لا يكونان إلا بالآباء، وإنما قيدت بـ((على جهة الكبر ... إلخ)) لأن المقام مقام ذم فاعلي ذلك، ولا يذم من ذكر حسبه إلا على ذلك الوجه، بخلاف من ذكره على جهة تعريف حاله لمن يجهله؛ ليأخذ من نحو علمه وينتفع به، أو على جهة التحدث بالنعمة أو غير ذلك من الأغراض الصالحة، فإنه لا محذور فيه ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّ حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٥٥]. ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى: ١١]. ((أنا سيد ولد آدم ولا فخر، آدم ومن دونه تحت لوائي) (١). و((كنت نبيًّا وآدم بين الماء والطين))(٢). (وَالطَّعْنُ) أي: إدخال العيب (فِي الأَنْسَابِ) بأن ينازع الناس في أنسابهم، ويدخل فيها الفجور والنقص، أو بأن يحقر نسب غيره، ويعظم نسب أبيه بما لا يقتضي ذلك شرعًا بخلافه، بنحو إسلام أو علم اشتمل عليه آباؤه دون آباء غيره، أو بأن ينتسب إلى أشراف ليس هو منهم، أو بأن يخرج من نسب هو منه، وهذان قبيحان جدًّا، ومن ثم عدهما ◌َّ كفرًا، لكن أولوه بالبخل أو كفر النعمة أو أنه يؤدي إلى الكفر. (وَالاسْتِسْقَاءُ بِالنُّجُومِ) بقولهم: نظرنا بنوء الثريا مثلاً وهذا عده وَل كفرًا أيضًا لكنه محمول على من اعتقد للنجم تأثيرًا بخلاف من ينسب كل تأثير لله تعالى، وإنما يعتقد أن الله تعالى جعل وصول النجم لبرج كذا علامة على نزول مطر مثلاً، فحسب ما جرت به عادته الإلهية فإنه لا حرج عليه في التلفظ بتلك العبارة عندنا، لكن أطال آخرون في بقاء الحرج وإن اعتقد ذلك؛ لأن إطلاق هذه العبارة وأمثالها يوهم العامة أن للنجم تأثيرًا، فليحذر الناس بأسرهم عن التفوه بذلك (وَالنِّيَاحَةُ) وهي (١) أخرجه بلفظه أحمد (٢٥٩٥)، وبنحوه الترمذي (٣٦١٥)، وابن ماجه (٤٣٠٨). (٢) ذكره السخاوي في المقاصد الحسنة (١٧٤/١). ١٤٠ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس رفع الصوت بالندب الذي هو ذكر محاسن الميت، وإن لم يكن بكلام مسجع. (وَقَالَ) وَِّ (النَّائِحَة إِذَا لَمْ تَتُبْ قَبْلَ) الغرغرة التي تقع قبيل (مَوْتِهَا تُقَامُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) للحساب بين أهل النار أو تقام من قبرها وتحشر، والأول أقرب لظاهر اللفظ (عَلَيْهَا سِرْبَالٌ) أي: قميص (مِنْ قَطِرَانٍ) بكسر الطاء وسكونها وهو دهن يجلب من شجر معروف ثم يطبخ ليسرح به؛ لأنه أشد في إشعال النار، ويطلى به الإبل الجرب فيحرق جربها وجلودها لشدة حرارته وحدته، ولذلك قد تصل لأجوافها وتؤثر فيها. (وَدِرْعُ) هو قميص قصير يختص بالنساء (مِنْ جَرَبٍ) وجمع لها بينهما؛ لأن الجرب يداوى بالقطران كما علمت لكن هذا الدواء هنا أشد من الداء لأدائه إلى غاية اللذع والحرقة، ويقطع الجلود وتناثرها من شدة حرارته وحدته وإلى مزيد اشتعال النار فيما طلى به مع ما فيه من نتن الريح وقبح اللون، وحكمة خصوص القطران مماثلته لما كانت تلبسه من السواد في المآتم ومجامع البكاء، وتمزيقها لقلوب أهل المصيبة بترقيقها وتذكيرها بالفقد وحملها على الحزن إلى أن يكاد ينفطر منه، فأذيقت مما يمزق جلدها ويفطر كبدها من ذلك الجرب لا سيما مع استعماله بالقطران. وخصت النياحة بذكر وعيدها دون ما قبلها؛ لأنها من شأن النساء وقد جبان من نقصان العقل والدين على ما لا ينزجرن معه عن قبائحهن إلا بمزيد التهويل والتشديد بذكر الوعيد، بخلاف تلك الثلاثة فإنها في الرجال أكبر وهم لكمالهن منزجرون بأدنى زاجر. (رَوَاهُ مُسْلِمْ) وأخذ أئمتنا من هذه الأحاديث وأحاديث أخرى يأتي بعضها قولهم: يحرم تحريما غليظًا الندب. وحكى النووي عن جمع، الإجماع على ذلك، والأصح أنه مر خلاف طويل فيه أنه تعديد محاسن الميت بنحو واكهفاه وأجبلاه، وما في معنى ذلك من التشييع مع رفع الصوت أو البكاء. ويحرم النوح: وهو رفع الصوت بتلك الصيغ، فهو أخص من الندب.