النص المفهرس

صفحات 81-100

٨١
تتمة كتاب الجنائز/ باب المشي بالجنازة والصلاة عليها
ولو صح وجب حمله على هذا جمعًا بين الروايات على أن ((له)) تأتي بمعنى ((عليه)) كقوله
تعالى: ﴿وَإِنْ أَسَأَتُمْ فَلَهَا﴾ [الإسراء: ٧] أي: عليها أو المراد فلا أجر له كامل؛ لأن
المصلي عليها في المسجد ينصرف عنها غالبًا، وفي الصحراء يحضر دفنها غالبًا.
١٦٥٧ - [وَعَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ قَالَ: صَلَّيْتُ وَرَاءَ رَسُولِ اللهِ وَ عَلَى امْرَأَةٍ
مَاتَتْ فِي نِفَاسِهَا فَقَامَ وَسَطَهَا. مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ](١).
(وَعَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ قَالَ: صَلَّيْتُ وَرَاءَ رَسُولِ اللهِ وَّهِ عَلَى امْرَأَةٍ مَاتَتْ فِي
نِفَاسِهَا فَقَامَ وَسَطَهَا) بفتح العين في الأفصح لوسط الدار وغيرها من كل متصل
الأجزاء، بخلاف مفرقها كوسط الجماعة، فإن الأفصح فيه السكون (مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ)
ومنه أخذ أئمتنا: إن السنة في الأنثى ولو طفلة أن يقف الإمام حذاء عجيزتها؛ أي:
أليتها والمعنی فیه محاولة سترها.
قال جماعة من متأخريهم: ويسن ذلك وإن كانت مستترة، ففيه بناء على الأصح
أن ما شرع لمعنى تبقى مشروعيته، وإن زال ذاك المعنى كما في [ ..... ] والعرايا؛ وبهذا
يتجه ما بحثه آخرون أنه يسن ذلك حتى في الصلاة على القبر، وإن استبعده بعضهم على
أن أصل المعنى باق في هذين، وهو إرشاد الناس إلى طلب مزيد الستر لهن، وتأكده ما
أمكن.
١٦٥٨ - [وَعَن ابْنِ عَبَّاسِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَِّ مَرَّ بِقَبْرِ دُفِنَ
لَيْلاً، فَقَالَ: ((مَتَى دُفِنَ هَذَا؟)) قَالُوا: الْبَارِحَةَ. قَالَ: (أَفَلَا آذَنْتُمُونِي)) قَالُوا: دَفَنَّاهُ فِي ظُلْمَةِ
اللَّيْلِ فَكَرِهْنَا أَنْ نُوقِظَكَ، فَقَامَ فَصَفَفْنَا خَلْفَهُ مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ] (٢).
(وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَ مَرَّ بِقَبْرِ دُفِنَ لَيْلاً،
فَقَالَ: مَتَ دُفِنَ هَذَا؟ قَالُوا: الْبَّارِحَةَ، قَالَ: أَفَلَا آذَنْتُمُونِي) فيه أنه يندب الإعلام بالموت
(١) أخرجه البخاري (١٣٣١)، ومسلم (٢٢٨١)، وأحمد (٢٠٧٥٠)، وأبو داود (٣١٩٧)، وابن ماجه
(١٥٦٠).
(٢) أخرجه البخاري (١٣٢١)، وأحمد (١٦٠٨١)، والنسائي (١٩٠٦)، والبيهقي (٧١٦٨).

٨٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس
لأجل الصلاة ونحوها، وقد مر (قَالُوا: دَفَتَّاهُ فِي ◌ُظُلْمَةِ اللَّيْلِ فَكَرِهْنَا أَنْ نُوقِظَكَ) فيه
جواز الدفن ليلاً من غير كراهة، وهو إجماع إلا ما شذ به الحسن البصري وتبعه بعض
أصحابنا.
ومما يرد عليهم ما صح أيضًا: ((إن ناسًا رأوا في المقبرة نارًا فآتوها، فإذا رسول الله
وَّ في القبر وإذا هو يقول: ((ناولوني صاحبكم))(١) فإذا هو الرجل الذي كان يرفع صوته
بالذکر.
وأمَّا خبر مسلم: ((زجر رسول الله وهل هو أن يقبر الرجل بالليل حتى يصلى عليه
إلا أن يضطر إنسان إلى ذلك))(٢) فالنهي فيه إنما هو عن دفنه قبل الصلاة عليه.
(فَقَامَ فَصَفَفْنَا خَلْفَهُ، مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ) فيه جواز الصلاة على القبر، وإن صلي عليه
قبل دفنه، ولو بعد سنين لكن إن كان المصلي على القبر مكلفًا وقت فوت ذلك الميت،
ولا نظر لبلاء الميت خلافًا لبعضهم؛ لأن عجب الذنب باق لا يبلى.
وفي رواية صحيحة: ((صلى رسول الله وَل﴾ على قبر مسكينة غير ليلة دفنها)(٣)
وفي ((مرسل الصحيح)) لسعيد بن المسيب ومرسله في ((حكم الموصول)): ((إنه وَلّ صلى
على أم سعد بعد شهر))(٤) لأنه كان غائبًا حين موتها، وظاهر سياق حديث المتن: ((إنه
وَلّ صلى هو وهم عليها بين القبور)».
وأمَّا قول النووي: تكره الصلاة عليها بين القبور، فهو معترض بأنه وقال- صلى
على القبر بين القبور، ويرد بأن هذا لبيان الجواز، واحتاج إليه؛ لأنه نهى عن الصلاة في
المقبرة كما مر، فبين بهذا أن النهي ليس للتحريم، وأمَّا دعوى استثناء هذا من كراهة
الصلاة في المقبرة لأجل فعله # هذا فقد علمت أنه لا حجة فيه؛ لأنه لبيان الجواز.
(١) أخرجه أبو داود (٣١٦٦) والحاكم (٣٣١٨) والبيهقي (٧١٦٠) وأبو نعيم في ((الحلية)) (٣٥١/٣).
(٢) أخرجه مسلم (٢٢٢٨) وأحمد (١٤٥١٠) وأبو داود (٣١٥٠) والبيهقي (٧١٦٧) والحاكم (١٣٦٤).
(٣) أخرجه الشافعي (١٠٤٩).
(٤) أخرجه البيهقي (٧٢٧١).

٨٣
تتمة كتاب الجنائز/ باب المشي بالجنازة والصلاة عليها
وفي الحديث أيضًا: إنه يسن لمن حضر وقد صلى على الميت أن يصلي عليه ولو
بعد الدفن منفردًا كان أو جماعة، وأنه يجوز على الميت تعدد الجماعات ولو مرة بعد
أخرى قبل الدفن وبعده، نعم لا يندب لمن صلى جماعة أو منفردًا إعادتها ولو مع
جماعة.
١٦٥٩ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ امْرَأَةً سَوْدَاءَ كَانَتْ تَقُمُّ الْمَسْجِدَ أَوْ شَابًّا، فَمَاتَتْ
فَفَقَدَهَا النَّبِيُّ ◌َِّ فَسَأَلَ عَنْهَا أَوْ عَنْهُ، فَقَالُوا: مَاتَتْ، فَقَالَ: أَفَلَّا كُنْتُمْ آذَنْتُمُونِي. قَالَ:
فَكَأَنَّهُمْ صَغَّرُوا أَمْرَهَا أَوْ أَمَرَهُ، فَقَالَ: دُلُّوِي عَلَى قَبْرِهَا. فَدَلُّوهُ، فَصَلَّى عَلَيْهَا، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ
هَذِهِ الْقُبُورَ مَمْلُوءَةٌ ظُلْمَةً عَلَى أَهْلِهَا، وَإِنَّ اللهَ يُنَوِّرُهَا بِصَلَاتِي عَلَيْهِم. مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ،
وَلَفْظُهُ لِمُسْلِمٍ] (١).
(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ امْرَأَةً سَوْدَاءَ كَانَتْ تَقُمُّ الْمَسْجِدَ) أي: تكنسه وتنظفه (أَوْ)
للشك (شَابًّا) يكنسه (فَمَاتَتْ فَفَقَدَهَا النَّبِيُّ ◌َ ﴿ فَسَأَلَ عَنْهَا أَو عَنْهُ فَقَالُوا: مَاتَتْ،
فَقَالَ: أَفَلَّا كُنْتُمْ آذَنْتُمُونِي، قَالَ) أبو هريرة حكاية عما وقع منهم في جواب قوله:
((أفلا ... إلخ)) (فَكَأَنَّهُمْ) أي: المخاطبين (صَغَّرُوا أَمْرَهَا أَوْ أَمْرَهُ) أي: نحو قولهم في جواب
هذا أو هذه يكفي حضور بعض المسلمين لجنازته.
(فَقَالَ) ◌َّ لما صدر منهم من ذلك التصغير (دُلَّونِي عَلَى قَبْرِهَا) أي: المذكور
(فَدَلُّوهُ) عليه (فَصَلَّى عَلَيْهَا) أي: الجنازة (ثُمَ قَالَ) وَله: بيانًا لوجه رد ما قالوهِ: (إِنَّ هَذِهِ
الْقُبُورَ مَمْلُوءَةُ ظُلْمَةً عَلَى أَهْلِهَا، وَإِنَّ اللهَ يُنَوِّرُهَا بِصَلَاتِي عَلَيْهم) أي: فلا ينظروا
لحقارة الميت ولا لرفعته؛ لأن الكل محتاجون إلى صلاتي عليهم المنورة لقبورهم؛ لأنها
شفاعة مني إلى الله تعالى أن يزيل عنهم ظلمات تقصيرهم، ومن ثم كان #4* يبالغ في
الدعاء على الجنازة بـ(اللَّهُمَّ اغفر له وارحمه وعافه ... )) إلى آخر ما مر، وبغيره مما أشرت
إليه في شرح ذلك الحديث.
(١) أخرجه البخاري (٤٥٨)، ومسلم (٢٢٥٩)، وأحمد (٨٨٦٦)، والبيهقي (٧٢٦١).

٨٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس
(مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ وَلَفْظُهُ لِمُسْلِمٍ) وفيه التأكيد بطلب الإعلام بالموت لأجل الصلاة
عليه والدعاء له ونحوهما، ويستنبط منه أيضًا أنه ينبغي ألَّا يحتقر أحد قط، فإن كل
أحد محتاج إلى فضل الله تعالى وشفاعة الشافعين له، وأنه ينبغي للكبير المتبوع أن
يتفقد أصحابه بالسؤال عن غائبهم وبوصلة المحتاجين منهم، وبرفعة قدر من لا يؤبه
منهم لخموله وفقره.
١٦٦٠ - [وَعَنْ كُرَيْبٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسِ عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَبَّاسِ ﴿ أَنَّهُ مَاتَ ابْنُّ
لَهُ بِقُدَيْدٍ أَوْ بِعُسْفَانَ، فَقَالَ: يَا كُرَيْبُ، انْظُرْ مَا اجْتَمَعَ لَهُ مِنَ النَّاسِ، قَالَ: فَخَرَجْتُ فَإِذَا
نَاسُ قَدِ اجْتَمَعُوا لَهُ فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ: يَقُولُ ابْنُ عَبَّاسِ: هُمْ أَرْبَعُونَ. قَال: نَعَمْ. قَالَ:
أَخْرِجُوهُ، فَإِنِّ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَ يَقُولُ: مَا مِنْ رَجُلٍ مُسْلِمٍ يَمُوتُ فَيَقُومُ عَلَى
جَنَازَتِهِ أَرْبَعُونَ رَجُلاً لَا يُشْرِكُونَ بِاللهِ شَيْئًا إِلَّا شَفَّعَهُمُ اللهُ فِيهِ رَوَاهُ مُسْلِمْ) (١).
(وَعَنْ كُرَيْبٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسِ عَنْ عَبْدِ اللّه بْنِ عَبَّاسِ ﴾﴿ أَنَّهُ مَاتَ ابْنُ لَهُ
بِقُدَيْدٍ) هو محل قريب من عسفان (أَوْ بِعُسْفَانَ) شك من كريب (فَقَالَ: يَا كُرَيْبُ،
انْظُرْ مَا اجْتَمَعَ لَهُ) أي: للصلاة عليه (مِنَ النَّاسِ، قَالَ: فَخَرَجْتُ فَإِذَا نَاسُ قَدِ اجْتَمَعُوا
لَهُ فَأَخْبَرْتُهُ) باجتماعهم (فَقَالَ) كريب: (يَقُولُ) لي (ابْنُ عَبَّاسِ: هُمْ أَرْبَعُونَ، قَالَ) له
كريب: (نَعَمْ، قَالَ) ابن عباس: (أَخْرِجُوهُ فَإِّ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَ يَقُولُ: مَا مِنْ
رَجُلٍ مُسْلِمٍ يَمُوتُ فَيَقُومُ) الصلاة (عَلَى جَنَازَتِهِ أَرْبَعُونَ رَجُلاً لَا يُشْرِكُونَ بِاللّه شَيْئًا
إِلَّا شَفَّعَهُمُ اللهُ فِيهِ) قيل: وحكمة خصوص هذا العدد أنه ما اجتمع أربعون قط إلا
كان فيهم ولي الله تعالى (رَوَاهُ مُسْلِمٌ).
١٦٦١ - [وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - عَنِ النَّبِيِّ ◌َهِ قَالَ: مَا مِنْ مَيِّتٍ يُصَلِّ
عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَبْلُغُونَ مِائَةً كُلُّهُمْ يَشْفَعُونَ لَهُ إِلَّا شُفِّعُوا فِيهِ رَوَاهُ مُسْلِمٌ](٤).
(وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - عَنِ النَّبِيِّ وَهِ قَالَ: مَا مِنْ) زائدة لاستغراق
(١) أخرجه مسلم (٩٤٨)، وأحمد (٢٥٠٩)، وأبو داود (٣١٧٠)، وابن حبان (٣٠٨٢).
(٢) أخرجه مسلم (٢٢٤١)، والبيهقي (٧١٥٢)، والطبراني في الأوسط (٦٢١٨).

٨٥
تتمة كتاب الجنائز/ باب المشي بالجنازة والصلاة عليها
الجنس (مَيِّتٍ) أي: مسلم كما في الرواية الأخرى (يُصَلِّ عَلَيْهِ أَمَّةٌ) كان منوطًا بالمائة،
فبفضل الله على الأمة وجعله منوطًا بأربعين، فهو من قاعدة: إنه إذا تعارض
في باب الفضائل عددان متنافيان حملا على أنه # أخبره بالمفضول أولاً فأخبر به،
ثم تفضل الله عليه وعلى أمته بالفاضل فأخبر به لا ينافي ما قبله، وإن
قلنا بما عليه جمع أصوليون: إن مفهوم العدد حجة حملاً على أن هذا الثواب
العظيم للميت (مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَبْلُغُونَ مِائَةً كُلُّهُمْ يَشْفَعُونَ لَهُ إِلَّا شُفِّعُوا فِيهِ، رَوَاهُ
مُسْلِمْ).
وفي كل من هذين الحديثين دلالة على أنه يتأكد للرجال فعل صلاة الجنازة
جماعة، وإنما صلوا عليه وَ﴾ أفرادًا الرجال حتى فرغوا، ثم الصبيان كذلك ثم النساء
كذلك ثم العبيد كذلك كما رواه البيهقي وغيره، وحكى ابن عبد البر إجماع أهل السير
على صلاتهم عليه أفرادًا، وبه يرد إنكار ابن دحية لذلك.
قال الشافعي: لعظم أمره وتنافسهم في ألّا يتولى الإمامة في الصلاة عليه أحد،
قال غيره: ولأنه لم يكن قد تعين إمام يؤم القوم، فلو تقدم واحد في الصلاة
لصار مقدمًا في كل شيء وتعين للخلافة، وقيل: صلوا عليه جماعة وأمهم أبو
بكر
وقيل: جماعات لرواية مسلم: ((إنهم صلوا عليه أفذاذًا)) بالمعجمة؛ أي: جماعات
بعد جماعات، ويرد بأن رواية غير مسلم: ((أفرادًا)) بالراء و((إرسالاً)) وكل منهما يبين
المراد من ((أفذاذًا)) بتسليم أنه بمعنى جماعات، وعلى أنه ينبغي إذا كانوا دون أربعين أن
ينتظر كمالهم أربعين إن كانوا يكملون عن قرب ولم يخش تغير الميت، وبهذا صرح
جماعة من متأخري أئمتنا، وعلى أن التأخير لكثرة الجمع أفضل، وبه أفتى ابن
عبد السلام قال تأسيًا بالسلف: ولأن مقصود الصلاة الشفاعة والدعاء وكلما كثرت
الجماعة كان أرجى لحصولهما.
وصح في الحديث أيضًا: ((ما من مسلم يموت فيصلي عليه ثلاثة صفوف من

٨٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس
المسلمين إلا أوجب)»(١) أي: غفر له كما في رواية، وسيأتي الكلام على ذلك.
١٦٦٢ - [وَعَنْ أَنَسِ ﴿ قَالَ: مَرُّوا بِجَنَازَةٍ فَأَثْنَوْا عَلَيْهَا خَيْرًا، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َّ:
وَجَبَتْ، ثُمَّ مَرُّوا بِأُخْرَى فَأَثْنَوْا عَلَيْهَا شَرًّا فَقَالَ: وَجَبَتْ، فَقَالَ عُمَرُ: مَا وَجَبَتْ؟ فَقَالَ:
هَذَا أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ خَيْرًا فَوَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ، وَهَذَا أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ شَرًّا فَوَجَبَتْ لَهُ النَّارُ، أَنْتُمْ
شُهَدَاءُ اللهِ فِي الأَرْضِ. وَفِي رِوَايَةٍ: الْمُؤْمِنُونَ شُهَدَاءُ اللهِ فِي الْأَرْضِ](٤).
(وَعَنْ أَفَسِ ﴾ قَالَ: مَرُّوا بِجَنَازَةٍ فَأَثْنَوْا) أي: المسلمون (عَلَيْهَا خَيْرًا، فَقَالَ النَِّيُّ
وَهُ: وَجَبَتْ، ثُمَّ مَرُّوا بِأَخْرَى فَأَثْنَوْا عَلَيْهَا شَرًّا) استعمال الثناء في الشر مجاز، وقيل:
وعليه بعض المحققين، بل حقيقة، وأقرهم وير على الثناء بالشر مع ما تواتر من النهي
عن سب الأموات؛ لأن النهي في غير كافر ومنافق ومتجاهر بفسقه، فالجنازة التي أثنوا
عليها شرًّا واحد من هذه الثلاثة.
(فَقَالَ: وَجَبَتْ، فَقَالَ عُمَرُ: مَا) معنى (وَجَبَتْ، فَقَالَ) معناهما ما تضمنه قولنا
(هَذَا أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ خَيْرًا فَوَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ، وَهَذَا أَفْنَيْتُمْ عَلَيْهِ شَرًّا فَوَجَبَتْ لَهُ التَّارُ، أَنْتُمْ)
أيها الصحابة، أو مطلق المؤمنين (شُهَدَاءُ الله فِي الأَرْضِ) فإذا جرى على ألسنتكم
ثناء بخير أو شر كان مطابقًا لما عند الله تعالى؛ أي: باعتبار الغالب أن الله تعالى ينطق
الألسنة في حق كل إنسان بما يعلمه من سريرته التي لا يطلع عليها غيره، وبما يظهر
عليه من الأعمال الصالحة وضدها، فكأنه * استنبط من هذا في حق هذين القطع
لهما بالجنة أو النار أو أعلمه الله أنهما في باطن الأمر عنده على طبق ثناء الناس
عليهما، فعلم أنه ليس المراد أن من خلق للجنة يصير للنار بقولهم ولا عكسه، بل قد
يقع الثناء بالخير أو الشر وفي الباطن خلافه.
وإنما المراد أن الثناء علامة مطابقة وعلة دالة على ما في الواقع غالبًا، كما أنبأ
عن ذلك ترتيبه وحث على الثناء المشعر بأن الثناء علة لذلك؛ ولهذا أشار إلى تشريف
(١) أخرجه أحمد (١٦٧٧٠)، وأبو داود (٣١٦٦)، والطبراني (٦٦٥).
(٢) أخرجه البخاري (١٣٦٧)، والبيهقي (٧٤٣٥).

٨٧
تتمة كتاب الجنائز/ باب المشي بالجنازة والصلاة عليها
المثنين بأنهم شهداء الله الصادقون في ثنائهم لكونه يجري على ألسنتهم ما يطابق ما
عنده غالبًا، ففيه غاية التزكية منه له لأمته بأن الله تعالى ما أنطقهم إلا ليصدقهم
غالبًا في ثنائهم الواقع، كالدعاء والشفاعة بوعده الحق الذي لا يخلف أو إيعاده المنزلين
منزلة الواجب الوقوع، فلذا رتب على الثناء الوجوب بالمعنى المذكور، ولا أنه تعالى يجب
عليه شيء بعمل ولا بشهادة ولا بغيرهما، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا.
ومن أبلغ التزكية لهذه الأمة في صدقهم، وأنهم الخيار العدول المقبولون في حق
بعضهم بعضًا، بل في حق جميع الأمم فيما يشهدون به عليهم قوله تعالى في مدحهم:
﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أَمَّةً وَسَطًّا﴾ [البقرة: ١٤٣] أي: عدولاً خيارًا ليس فيكم شيء
من انحرافات الأمم قبلكم عن سنن الهدى ﴿لَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة:
١٤٣] أي: بما فعلوه، وإن لم تحضروا أزمنتهم لاستنادكم إلى كتابكم الذي هو أجل
الكتب وأجمعها، السالم من كل تحريف وتغيير ﴿وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾
[البقرة: ١٤٣] بالصدق والأمانة فيما شهدتهم به على من قبلكم.
(وَفِي رِوَايَة: الْمُؤْمِنُونَ شُهَدَاءُ الله فِي الْأَرْضِ) وبها علم أن الخطاب في قوله:
((أنتم)) المحتمل كونه للصحابة أو المؤمنين كما مر عام في جميع مؤمني هذه الأمة.
١٦٦٣ - [وَعَنْ عُمَرَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: أَيُّمَا مُسْلِمٍ شَهِدَ لَهُ أَرْبَعَةُ بِخَيْرٍ
أَدْخَلَهُ اللّهُ الْجَنَّةَ. قُلْنَا: وَثَلاثَةُ؟ قَالَ: وَثَلاثَةٌ. قُلْنَا: وَاثْنَانٍ؟ قَالَ: وَاثْنَانِ. ثُمَّ لَمْ نَسْأَلْهُ
عَنِ الْوَاحِد . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ](١).
(وَعَنْ عُمَرَ ﴿ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: أَيُّمَا مُسْلِمٍ شَهِدَ لَهُ أَرْبَعَةٌ بِخَيْرٍ
أَدْخَلَهُ اللهُ الْجَنَّةَ) مع الناجين لما تقرر أنهم بشهادتهم له بذلك يكونون كالشافعين
الداعين فيتقبل الله منهم ذلك في حق المسلم، ويجعل له تأثيرًا في تعجيل دخوله الجنة.
(قُلْنَا: وَثَلاثَةُ؟ قَالَ: وَثَلاثَةُ، قُلْنَا: وَاثْنَانِ؟ قَالَ: وَاثْنَانٍ، ثُمَّ لَمْ نَسْأَلْهُ عَنِ الْوَاحِد،
(١) أخرجه البخاري (١٣٠٢)، وأحمد (١٣٩)، والنسائي في الكبرى (٢٠٦١)، وابن حبان (٣٠٢٨)، وابن
أبي شيبة (١١٩٩٦)، وأبو يعلى (١٤٥)، والبيهقي (٦٩٧٨).

٨٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) وكان سبب تخصيص المسلم بهذا سعة مظاهر الفضل والرحمة
للمؤمنين، وأن الله سبحانه يعطيهم من خير ما عنده بأوفى سبب أو دعاء أو شفاعة،
وأخذ أئمتنا من هذا وما قبله قولهم: يسن لمن مرت به جنازة أن يدعولها ويثني خيرًا
إن تأهل الميت لذلك لكن بلا إطراء.
١٦٦٤ . [وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ الله ◌َّةُ: لَا تَسُبُّوا
الأَمْوَاتَ، فَإِنَّهُمْ قَدْ أَفْضَوْا إِلَى مَا قَدَّمُوا. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ](١).
(وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّةَ: لَا تَسُبُوا الأَمْوَاتَ)
نهي تحريم كما هو الأصل في النهي (فَإِنَّهُمْ قَدْ أَفْضَوْا إِلَى مَا قَدَّمُوا) أي: حضروا إلى
جزاء أعمالهم إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشر فلا فائدة في سبهم، لا سيما وأمرهم الله
تعالى إن شاء عفا عن غير كافرهم وإن شاء عذبهم، فالخوض من سبهم جزاؤه على الله
تعالى واستباحة لما أكد حرمته من الأعراض.
(رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) ومر أنه مخصوص بغير الكافر والمنافق والفاسق المتجاهر
بفسقه، فهو لا ينبغي سبهم إظهارًا لقبح ما كانوا عليه، وتحذيرًا من الاقتداء بهم في
قول أو عمل، ففي سبهم بهذا القصد فائدة أي فائدة فلذا جاز فيه؛ لأن فيه نفع
المسلمين وتنبيه الغافلين.
وقد أخذ من هذا الحديث أئمتنا قولهم: يحرم بلا غرض شرعي ذكر شيء من
مساوئ الميت بخلافه لغرض شرعي، وهو ما يبيح غيبة الحي كتجاهره بفسقه أو
بدعته حيث كان في الذكر مصلحة.
١٦٦٥ . [وَعَنْ جَابِرٍ﴾، أَنَّ رَسُولَ الله ◌َِّ كَانَ يَجْمَعُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ مِنْ قَتْلَ أُحُدٍ
فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، ثُمَّ يَقُولُ: أَيُّهُمْ أَكْثَرُ أَخْذًا لِلْقُرْآنِ؟ فَإِذَا أُشِيرَ إِلَى أَحَدِهِمَا قَدَّمَهُ فِي
اللَّحْدِ وَقَالَ: أَنَا شَهِيدٌ عَلَى هَؤُلَاءِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَأَمَرَ بِدَفْنِهِمْ بِدِمَائِهِمْ، وَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِمْ،
(١) أخرجه البخاري (١٣٢٩)، وأحمد (٢٥٥٠٩)، والنسائي (١٩٣٦)، والدارمي (٢٥١١)، والبيهقي
(٦٩٧٩).

٨٩
تتمة كتاب الجنائز/ باب المشي بالجنازة والصلاة عليها
وَلَمْ يُغَسَّلُوا. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ](١).
(وَعَنْ جَابِرٍ ﴾ أَنَّ رَسُولَ الله ◌َِّ كَانَ يَجْمَعُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ مِنْ قَتْلَى أُحُدٍ فِي تَوْبٍ
وَاحِدٍ) قيل: المراد في قبر واحد؛ إذ لا يجوز تجريدهما بحيث تتلاقى بشرتاهما، بل المراد
أن یکون علی کل ثيابه، ولکنه یضجع بجنب الآخر في قبر واحد. انتهى.
وهذا تأويل بعيد، وإنما المراد أن ذلك الوقت كان وقت عجز لقوة الكفار
وظفرهم بالمؤمنين قتلاً وسلبًا وغيرهما، ألا ترى إلى ما مر في قضية حمزة ومصعب
- رضي الله عنهما - من أن كلاً لم يوجد له إلا بردة لا تستر جميع بدنه فكفن فيها، ولم
يقدر على تتميمها إلا بالإذخر، وحينئذ فبعض الثياب التي وجدت كان فيها سعة بحيث
يسع اثنين يدرجان فيه يفعل بهما ذلك، ولا يلزم من ذلك تماس عورتهما لإمكان أن
يحجز بينهما بإذخر أو نحوه.
ويؤيد هذا ما مر من الاستدلال به على أن الواجب في الكفن أن يكون ساترًا
للعورة فقط، مع ما للنووي وغيره في ذلك المعلوم الجواب عنه، مما قررته أن حالهم في
هذه الواقعة كان حال ضيقًا جدًّا لما حصل للمسلمين من الهزيمة والنهب التي لم يقع
لهم نظیره.
(ثُمَّ) بعد جمعهما في الثوب الواحد المستلزم لدفنهما في قبر واحد (يَقُولُ) ◌ِّ
(أَيُّهُمْ أَكْثَرُ أَخْذًا لِلْقُرْآنِ) لا بعد في خفاء ذلك عليه وَلّ لأنه كان مشغولاً بما هو أهم
من ذلك (فَإِذَا أَشِيرَ إِلَى أَحَدِهِمَا) أنه الأكثر حفظًا للقرآن (قَدَّمَهُ فِي اللَّحْدِ) إلى جهة
القبلة.
ومنه أخذ أئمتنا: إنه يجوز عند الضرورة جمع اثنین فأکثر في قبر وثوب واحد،
وحينئذ يقدم إلى جدار القبر القبلي الأفضل، فإن استويا في الفضيلة أُقرع، نعم يقدم
الأب على ابنه والأم على بنتها، وإن كان الأصل مفضولاً رعاية لحرمة الأبوة (وَقَالَ: أَنَا
(١) أخرجه البخاري (١٣٤٣)، وأبو داود (٣١٤٠)، والترمذي (١٠٥٣)، والنسائي (١٩٦٧)، وابن ماجه
(١٥٨١)، والبيهقي (٧٠٤٣).

٩٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس
شَهِيدٌ عَلَى هَؤُلَاءِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) تقدمة (شهيد)) بـ(على)) هذا نظير ما مر في: ﴿وَجِثْنَا بِكَ
عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١].
أمَّا على جعل ((على)) بمعنى اللام؛ أي: أنا شاهد لهم بأنهم بذلوا مهجهم وأموالهم
الله تعالى طلبًا لرضاه لا غير، يصح بقاؤها على حالها بتضمين (شهيد)) لمعنى رقيب؛ أي:
أنا مراقب لأحوالهم لأمدنهم بشفاعتي وإمدادي من كل مكروه في الآخرة.
ومنه: ﴿كُنتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [المائدة: ١١٧]
(وَأَمَرَ بِدَفْنِهِمْ بِدِمَائِهِمْ) سبق الكلام عليه (وَلَمْ يُصَلُّ عَلَيْهِمْ) وفي رواية للبخاري أيضًا
بفتح اللام (وَلَمْ يُغَسَّلُوا، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ).
ومنه أخذ أئمتنا: حرمة الصلاة على شهيد المعركة وغسله ولو نحو جنب
وحائض، ويوافق ذلك خبر أحمد: ((إنه ◌َّ نهى عن تغسيلهم)) وعلله بأن بكل جرح
أو كلم أو دم يفوح مسكًا يوم القيامة.
وصح عن أنس وغيره: ((إنهم لم يغسلوا ودفنوا بدمائهم ولم يصل عليهم)) وهذا
وإن كان نفيًا لكنه محصور يحيط به علم النافي، فقيل فيه اتفاقًا سيما مع تعدده،
وحكمة ذلك إبقاء أثر الشهادة عليهم، والتعظيم لهم باستغنائهم عن دعاء القوم،
وبأنهم لا يحتاجون لشفيع حثًّا على الجهاد، وبه فارقوا من لا ذنب له كالصبي والنبي،
وقيل: الإعلام بأنه حي حياة مخصوصة، ورد بأنه يختص بالنبي وَله ويجاب بأنه وَّل غني
عن أن يظهر ما اختص به بخلاف الشهيد.
وأمّا خبر: ((إنه ◌َّ بعد ثماني سنين صلى عليهم صلاته على الميت)) فتعين حمله
على أنه دعا لهم كدعائه للميت باتفاق منا وهو واضح، ومن المخالف؛ إذ لا يصلى على
القوم عنده بعد ثلاثة أيام، وصح على نزاع فيه: ((إن حنظلة منهم قتل، وهو جنب فلم
يغسله ◌َل﴾ وقال: رأيت الملائكة تغسله)) فلو وجب غسله لما سقط إلا بفعلنا، نعم
يجب غسل نجاسة أصابته لغير سبب الشهادة أو بسببها وهي غير دم، وإن أدى إلى
إزالة دمها؛ لأنها ليست من أثر العبادة، وقال أبو حنيفة: يصلى على الشهيد.

٩١
تتمة كتاب الجنائز/ باب المشي بالجنازة والصلاة عليها
١٦٦٦ [وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ ﴾ قَالَ: أَنِّيَ النَّبِيُّ ◌َّهِ بِفَرَسِ مَعْرُورٍ، فَرَكِبَهُ حِينَ
انْصَرَّفَ مِنْ جَنَازَةٍ أَبِي الدَّحْدَاجِ، وَتَحْنُ نَمِشِي حَولَهُ رَوَاهُ مُسْلِمْ](١).
(وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ عَ﴾ قَالَ: أَتِيَ النَّبِيُّ ◌َ بِفَرَسِ مَعْرُورٍ) أي: ليس عليه
سرج ولا غيره، وهو بفتح الراء منونًا كما قاله النووي، وبه يرد قول بعضهم: صحت
الرواية بكسر الراء، والقياس فتحها؛ لأنه من ((اعرورى فرسه)) بنصب السين ورفعها
إذا ركبه عريانًا، فهو لازم ومتعد، ويقال: ((فرس عر) و((خيل أعر)) أو عن بعضهم يقال:
«اعروری الفارس فرسه)) رکبه عریانًا، فالفارس معرور والفرس معروري.
(فَرَكِبَهُ حِينَ انْصَرَفَ مِنْ جَنَازَةٍ أَبِي الدَّحْدَاجِ) بمهملات وكونه ابن الدحداح
كذا هو عند أبي داود والترمذي من طرق، وعن شعبة وعند عبد بن حميد وأحمد عن
أبي الدحداح، وفي أخرى: ((أم الدحداح)) وأبو الدحداح هذا لم يعرف له اسم ولا نسب
غير أنه حليف للأنصار، ويشكل على رواته ابن الدحداح ما أخرجه أبو نعيم أنه عاش
إلى زمن معاوية، نعم ثابت بن الدحداح مات في زمن النبي صل﴾ وهو مكنى أبا
الدحداح لكن قال في ((الإصابة)»: الحق أنه غير هذا.
(وَتَحْنُ نَمْشِي حَولَهُ، رَوَاهُ مُسْلِمْ) ومنه أخذ أئمتنا أنه لا يكره الركوب في
الرجوع من الجنازة اتفاقًا لانقضاء العبادة.
(الفصل الثاني)
١٦٦٧ [عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ﴾ أَنَّ النَّبِيَّ ◌َ قَالَ: الرَّاكِبُ يَسِيرُ خَلْفَ
الْجَنَازَةِ، وَالْمَاشِي يَمْشِي خَلْفَهَا وَأَمَامَهَا وَعَنْ يَمِينِهَا وَعَنْ يَسَارِهَا قَرِيبًا مِنْهَا، وَالسِّقْطُ
يُصَلَّى عَلَيْهِ، وَيُدْعَى لِوَالِدَيْهِ بِالْمَغْفِرَةِ وَالرَّحْمَةِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدِ، وَفِي رَوَاتِهِ أَحْمَدُ وَالتِّْمِذِيُّ
وَالنَّسَائِيّ وَابْنُ مَاجَهُ، قَالَ: الرَّاكِبُ خَلْفَ الْجَنَازَةِ وَالْمَاشِي حَيْثُ شَاءَ مِنْهَا، وَالطَّفْلُ
يُصَلَّى عَلَيْهِ، وَفِي ((المصابيح): عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ زِيَادٍ](٢).
(١) أخرجه مسلم (٢٢٨٢)، وأحمد (٢١٥٦٥)، والبيهقي (١٢٤٩).
(٢) أخرجه أحمد (١٨٢٠٦) وأبو داود (٣١٨٠) والترمذي (١٠٣١) وقال: حسن صحيح. والنسائي

٩٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس
(عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ أَنَّ النَّبِيَّ وَ قَالَ: الرَّاكِبُ يَسِيرُ خَلْفَ الْجَنَازَةِ،
وَالْمَاشِي يَمْشِي خَلْفَهَا وَأَمَامَهَا وَعَنْ يَمِينِهَا وَعَنْ يَسَارِهَا) لصحة سنده، حكى الرافعي
في ((شرح المسند)) كالخطابي الإنفاق على أن الأفضل للراكب أن يسير خلف الجنازة
ولقوة دليلته قال بعض الأئمة: يتعين المصير إليه، ورده غيره بأنه لا خلاف عندنا أنه
يكون أمامها كما ذكره الرافعي نفسه في كتبه الفقهية، وسبقه إليه جماعة من
المتقدمين، وإنما الذي أوقعه في حكاية الاتفاق الخطابي وهو غلط منه.
ومن ثم نقل النووي في ((الروضة)) و((المجموع)) عن جماهير العلماء أن الأفضل
((أمامها)) وإن كان راكبًا لعذر أو غيره لما صح: ((إنه وَل﴿ كان يمشي أمام الجنازة)) ولأنه
شفيع وحق الشفيع أن يتقدم، وخبر: ((امشوا خلف الجنائز)) ضعيف وفيه نظر؛ لأن
ذلك كله لا يقوى على معارضة صحة الحديث بأن الراكب يسير خلفها.
(قَرِيبًا مِنْهَا) قال أئمتنا: بحيث يكون لو التفت رأى سريرها، واعترض ذلك
جماعة من متأخريهم بأن رؤية ذلك يحصل مع فحش البعد عنها، فالوجه ضبطه بأن
يكون بحيث يثبت أنه معها، ولك أن تقول: الكلام في مقامين أصل التشييع الذي
يحصل به أصل الثواب وكماله الذي يحصل به كمال الثواب، فضابط الأول أن يكون
بحيث يعد عرفًا كونه من جملة مشيعيها، ويختلف ذلك باختلاف كثرة مشيعيها
وقلتهم، فضابط الثاني أن يكون بحيث يعد أنه معها وبقربها، وهذا أضيق من الأول
بكثير.
(وَالسِّقْطُ) بتثليث أوله (يُصَلَّى عَلَيْهِ) وجوبًا إن علمت حياته كأن صاح أو
بكى ثم مات، وفي هذه الحالة يعطى جميع أحكام الحي من وجوب الغسل والتكفين
والدفن وغيرها، وإنما قيدنا الصلاة عليه بذلك للخبر الآتي مع ما فيه: ((إذا استهل
(١٩٥٤) وابن ماجه (١٥٤٨) والحاكم (١٣٤٤) والطبراني (١٠٤٢) والبيهقي (٦٥٧٠) والطيالسي
(٧٠١).

٩٣
تتمة كتاب الجنائز/ باب المشي بالجنازة والصلاة عليها
السقط صلى عليه وورث، أمّا إذا لم يظهر أمارة حياة، فإن بلغ مدة نفخ الروح فيه،
وهي مائة وعشرون يومًا وجب غسله وتكفينه ودفنه وحرمت الصلاة عليه)).
وقال في ((القديم)): يصلى عليه حينئذ؛ أي: لبلوغه مظنة نفخ الروح فيه، ويؤيده
عموم الخبر الأول والخبر الثاني ضعفه النووي كما يأتي، وكأن الأصحاب نظروا إلى ما
نظر إليه ابن حبان والحاكم في تصحيحهما له، فمن ثم خصصوا به الخبر الأول، وعلى
حرمتها فارقت تلك الثلاثة؛ لأنها أوسع، ولذا فعلت بالذمي دون الصلاة، وإن لم تبلغ
تلك المدة ندب لفه بخرقة ودفنه رعاية لأصل النوع.
(وَيُدْعَى لِوَالِدَيْهِ) إن كانا مسلمين فإن كان أحدهما فقط خص بالدعاء بعد
التكبيرة الثالثة من الصلاة عليه (بِالْمَغْفِرَةِ) وفي رواية بالعافية (وَالرَّحْمَةِ) واستحسن
أئمتنا في ذلك اللَّهُمَّ اجعله فرطًا لأبويه الدعاء المشهور (رَوَاهُ أَبُو دَاوُد) وسنده صحيح
(وَفِي رَوَاتِهِ أَحْمَدُ وَالتَّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيّ وَابْنُ مَاجَه، قَالَ: الرَّاكِبُ خَلْفَ الْجَنَازَةِ وَالْمَاشِي
حَيْثُ شَاءَ مِنْهَا وَالطَّفْلُ يُصَلَّى عَلَيْهِ) وهذا بمعنى تلك الرواية لكنه أخصر.
(وَفِي ((المصابيح)) عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ زِيَادٍ) واعترض عليه بأنه سهو ولعله من
ناسخ؛ إذ ليس في الصحابة ولا في التابعين من اسمه المغيرة بن زياد.
١٦٦٨ - [عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ﴾ وَأَبَا بَكْرٍ
وَعُمَرَ يَمْشُونَ أَمَامَ الْجَنَازَةِ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدِ وَالتِّزْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَه، قال
التِّرْمِذِيُّ: وَأَهْلُ الْحَدِيثِ كَأَنَّهِمْ يَرَوْنَهُ مُرْسَلاً](١).
(عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ) رضي الله عنهما (قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ الله ◌ِّ
وَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ يَمْشُونَ أَمَامَ الْجَنَازَةِ، رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدٍ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ
مَاجَه، قال التِّرْمِذِيُّ: وَأَهْلُ الْحَدِيثِ كَأَنَّهِمْ يَرَوْنَهُ مُرْسَلاً) وبتسليمه الحجة باقية فيه
من وجوه:
(١) أخرجه أحمد (٦١٨٥)، وأبو داود (٣١٨١) والترمذي (١٠٢٣) والنسائي (١٩٥٦) وابن ماجه
(١٥٤٩) والبيهقي (٧١٠٥).

٩٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس
منها: إنه إذا وصل الحديث من طريق وأرسل من طريق، فالحكم للوصل.
ومنها: إن المرسل يعمل به إذا قال به أكثر أهل العلم يكون حجة.
ومنها: إن المرسل يعمل به في الفضائل قطعًا وهذا منها، فعلم أن هذا الحديث
حجة واضحة فيما قاله الشافعي وغيره: إن الأفضل للمشيع قبل الصلاة وبعدها إلى
الدفن أن يمشي أمامها، لما مر أنه شفيع وحق الشفيع أنه يتقدم، فإن مشي خلفها
حصل له أصل سنة التشييع لا كماله.
١٦٦٩ - [وَعَنْ عَبْدِ الله بْنِ مَسْعُودٍ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَلِهِ: الْجَنَازَةُ
مَتْبُوعَةٌ وَلَا تَتْبَعُ، لَيْسَ مَعَهَا مَنْ تَقَدَّمَهَا. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدٍ وَابْنُ مَاجَه، قال
التِّرْمِذِيُّ: وَأَبُو حَامِدِ الرَّاوِي رَجُلُّ مَجَهُولٌ] (١).
(وَعَنْ عَبْدِ الله بْنِ مَسْعُودٍ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّةِ: الْجَنَازَةُ مَتْبُوعَةٌ) أي:
يتبعها مشيعوها ليزيد اعتبارهم بدوام رؤيتها (وَلَّا تَتْبَعُ) هي المشيعين بأن يمشوا،
وهذا تأكيد لما قبله، ثم زاد في تأكيده وتقريره فقال: (لَيْسَ مَعَهَا مَنْ تَقَدَّمَهَا) أي: لا
يحصل كمال ثواب تشييعها (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدْ وَابْنُ مَاجَه، قال التِّرْمِذِيُّ: وَأَبُو
حَامِد الرَّاوِي رَجُلُّ مَجَهُولٌ) وبه أخذ أبو حنيفة فقال: المشي خلفها مطلقًا أفضل،
وأخذ الشافعي الأول؛ لأنه أصح.
١٦٧٠ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ لَّهُ: مَنْ تَبِعَ جَنَازَةً وَحَمَلَهَا
ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فَقَدْ قَضَى مَا عَلَيْهِ مِنْ حَقِّهَا. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ](٢).
(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّه وَهُ: مَنْ تَبِعَ جَنَازَةً وَحَمَلَهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ
فَقَدْ قَضَى مَا عَلَيْهِ مِنْ حَقِّهَا) المتأكد الناشئ عن أخوة الإسلام ووصلته، وقد عدَّ ◌َله
فيما مر أول كتاب الجنائز أن من جملة الحقوق التي للمؤمن على المؤمن أن يشيع
(١) أخرجه أحمد (٣٨٠٧)، وأبو داود (٣١٨٤)، والترمذي (١٠١١)، وابن ماجه (١٤٨٤)، والديلمي
(٢٦٢٠).
(٢) أخرجه الترمذي (١٠٤١).

٩٥
تتمة كتاب الجنائز/ باب المشي بالجنازة والصلاة عليها
جنازته حيث لم يتخذه كالغسل أو الحفر (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ)
وبه أخذ أئمتنا وغيرهم فقالوا: حمل الجنازة بر وإكرام للميت لا دناءة فيه بوجه، فلا
يسقط به مروءة أحد، وإن حل فقد فعله الصحابة والتابعون ومن بعدهم من أهل
الفضل والعلم، بل فعله النبي ولو كما قال.
١٦٧١ - [وَقَد رَوَى فِي (شَرْحِ السُّنَّةِ): أَنَّ النَّبِيَّ ◌َ حَمَلَ جَنَازَةَ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ
بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ](١).
(وَقَدْ رَوَى) البغوي (فِي (شَرْجِ السُّنَّةِ)): أَنَّ النَّبِيَّ ◌َ حَمَلَ جَنَازَةَ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ
بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ) وسنده ضعيف، ومنه مع ما صح من حمل سعد بن أبي وقاص
عبد الرحمن بن عوف - رضي الله عنهما - بين العمودين.
أخذ أئمتنا: إن الحمل بينهما بأن يدخل واحد بين الخشبتين المتقدمتين
ويجعلهما على عاتقيه، والخشبة المعترضة بينهما على كاهله، ويحمل المؤخرتين اثنان
أفضل من التربيع الكيفية المشهورة، وأفضل من الحمل بينهما الجمع بين الكيفيتين
بأن يحمل تارة كذا، وتارة كذا.
١٦٧٢ - [وَعَنْ ثَوْبَانَ ﴾ قَالَ: خَرَجِنَا مع النَّبِيِّ نَّهِ فِي جَنَازَةٍ فَرَأَى نَاسًا رُكْبَانًا
فَقَالَ: أَلَا تَسْتَحْيُونَ أَنَّ مَلَائِكَةَ الله عَلَى أَقْدَامِهِمْ وَأَنْتُمْ عَلَى ظُهُورِ الذَّوَابِّ. رَوَاهُ
التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَه، وَرَوَى أَبُو دَاوُد نَحْوَهُ قَالَ التِّرْمِذِيُّ: وَقَدْ رُوِيَ عَنْ تَوْبَانَ
مَوْقُوقًا](٤).
(وَعَنْ ثَوْبَانَ ﴾ قَالَ: خَرَجِنَا مع النَّبِيِّ نَّهِ فِي جَنَازَةٍ فَرَأَى نَاسًا رُكْبَانًا فَقَالَ: أَلَا
تَسْتَحْيُونَ أَنَّ مَلَائِكَةَ الله عَلَى أَقْدَامِهِمْ وَأَنْتُمْ عَلَى ظُهُورِ الدَّوَابِّ، رَوَاهُ التَّرْمِذِيُّ وَابْنُ
مَاجَه، وَرَوَى أَبُو دَاوُد نحوه) وهو أنه ټ أقر بذاته وهو مع جنازة فأبى أن يركب، فلما
(١) أخرجه البيهقي في معرفة السنن والآثار (٢٢١٠)، ولم أقف عليه في ((شرح السنة)).
(٢) أخرجه الترمذي (١٠١٢)، وابن ماجه (١٥٤٧)، والحاكم (١٣١٥)، وأبو نعيم في ((الحلية))
(١١٨/٦)، والبيهقي (٦٦٤٧).

٩٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس
انصرف أتى بدابة فركب فقيل له فقال: ((إن الملائكة كانت تمشي فلم أكن لأركب
وهم يمشون، فلما ذهبوا ركبت))(١).
(قَالَ التِّرْمِذِيُّ: وَقَدْ رُوِيَ عَنْ تَوْبَانَ مَوْقُوفًا) ولا يضر؛ لأن الحكم للمرفوع
على أن هذا الموقوف في حكم المرفوع؛ لأنه لا يقال من قبل الرأي، وأخذ من هذين
الحديثين أصحابنا كراهة الركوب في الذهاب مع الجنازة لغير عذر بخلافه لعذر
كضعف، وليس منه هنا كون الشيء غير لائق لفخامة أو منصب أخذًا مما قالوه في
الركوب على القتب في الحج.
١٦٧٣ - [وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ ﴾ أَنَّ النَّبِيَّ ◌َِّ قَرَأَ عَلَى الْجَنَازَةِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ، رَوَاهُ
التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهِ](٢).
(وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ ﴿ أَنَّ النَّبِيَّ رَِ قَرَأَّ عَلَى الْجَنَازَةِ بِفَائِحَةِ الْكِتَابِ، رَوَاهُ
التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَه) وفيه تأييد لما مر عن ابن عباس وأبي أمامة: ((إن
قراءتها هنا من السنة)) وأن ذلك في حكم المرفوع إلى النبي
١٦٧٤ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴿ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَ﴿: إِذَا صَلَّيْتُمْ عَلَى الْمَيِّتِ
فَأَخْلِصُوا لَهُ الدُّعَاءَ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَه] (٣).
(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌َّ: إِذَا صَلَّيْتُمْ عَلَى الْمَيِّتِ فَأَخْلِصُوا لَهُ
الدُّعَاءَ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدْ وَابْنُ مَاجَه) وصححه ابن حبان، ومنه أخذ أئمتنا: إن الدعاء
للميت بخصوصه بأمر أخروي أو ما يؤول إليه كاقض عنه دينه بعد التكبيرة الثالثة،
ذكر؛ لأنه المقصود الأعظم من الصلاة عليه، وما قبله كالمقدمة له واستثناء بعضهم
للطفل رد بأنه باطل؛ إذ لو نظر لعدم تكليفه لم يصل عليه، كما شذ به بعض
السلف، فلما وجبت الصلاة عليه لرفع درجاته وجب الدعاء له لذلك، قيل وفي ((الموطأ))
(١) أخرجه أبو داود (٣١٧٧)، والحاكم (١٣١٤)، والبيهقي (٦٦٤٥).
(٢) أخرجه الترمذي (١٠٤٣)، وابن ماجه (١٥٦٢).
(٣) أخرجه أبو داود (٣٢٠١)، وابن ماجه (١٥٦٤)، وابن حبان (٣١٤١)، والبيهقي (٧٢١٥).

٩٧
تتمة كتاب الجنائز/ باب المشي بالجنازة والصلاة عليها
عن أبي هريرة: ((إنه ◌َّ﴾ صلى على طفل لم يعمل خطيئة قط فقال: اللَّهُمَّ قه عذاب
القبر وضيقه)) أي: لأنه يجوز أن يبتلى في قبره كما يبتلى في الدنيا.
١٦٧٥ . [وَعَنْهُ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ إِذَا صَلَى عَلَى جَنَازَةٍ قَالَ: اللّهُمَّ اغْفِرْ
لِخَيِّنَا وَمَيِّتْنَا، وَشَاهِدِنَا وَغَائِنَا، وَصَغِيرِنَا وَكَبِيرِنَا، وَذَكَرِنَا وَأَنْثَانَا، اللهُمَّ مَنْ أَحْيَيْتِهِ مِنَّا
فَأَحْيِهِ عَلَى الْإِسْلَامِ، وَمَنْ تَوَقَّيْته مِنَّا فَتَوَقَّهُ عَلَى الْإِيمَانِ، اللهُمَّ لَا تَحْرِمْنَا أَجْرَهُ، وَلَا
تَفْتِنَّا بَعْدَهُ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدِ وَالتِّزْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَه](١).
(وَعَنْهُ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ إِذَا صَلَّى عَلَى جَنَازَةٍ قَالَ: اللهُمَّ اغْفِرْ لِحِيِّنَا) أي:
المسلمين، وكذا الباقي فهو دعاء لعموم المسلمين، ومن ثم لم يكف عن الدعاء للميت
بخصوصه؛ لأنه لا يظهر فيه شفاعة تخص الميت، والمقصود بـ((الصلاة)) ما يخصه
وینفعه (وَمَيِّتنا وشاهدنا) أي: حاضرنا.
(وَغَائِبِنَا وَصَغِیرِنًا) استشكل طلب المغفرة له بأنه لا ذنب عليه، ومن ثم قال ابن
عبد السلام: لا يدعى للطفل بتكفير السيئات، بل برفع الدرجات وليس هذا الإشكال
في محله؛ لأنه مبني على مقدمة متوهمة، هي أن طلب المغفرة يستدعي سبق ذنب،
وليس كذلك فإنه تعالى قال لنبيه: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾
[الفتح: ٢] مع عصمته العملية.
وكان 0 8* يستغفر في المجلس الواحد مائة مرة، فالصواب أن طلبها لا يستدعي
ذنبًا، بل قد يكون لنيل الدرجات ومحو التقصيرات، وبما قررته يعلم أنه لا يحتاج
إليه جواب الطحاوي بأن المسؤول لهم مغفرة ذنوب قضيت، عليهم أن يصيبوها لو
بلغوا على أن في هذا من البعد والتكلف ما هو غني عن البيان.
(وَكَبِيرِنَا وَذَكَرِنَا وَأُنْقَانَا، اللهُمَّ مَنْ أَحْيَيْتِه مِنَّ فَأَحْبِهِ عَلَى الْإِسْلَامِ) أي:
الاستسلام والانقياد لأوامرك ونواهيك (وَمَنْ تَوَقَّيْته مِنَّا فَتَوَقَّهُ عَلَى الْإِيمَانِ) أي:
(١) أخرجه أحمد (٢٢٦٠٧)، وأبو داود (٣٢٠٣)، والترمذي (١٠٤٠)، وابن ماجه (١٥٦٥)، والبيهقي
(٦٧٦٣).

٩٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس
التصديق القلبي؛ إذ لا نافع حينئذ غيره.
(اللهُمَّ لَا تَحْرِمْنَا) بضم أوله وفتحه (أَجْرَهُ وَلَا تفتنَا بَعْدَهُ) بتسليط الشيطان
علينا حتى ينال منا مطلوبه (رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدٍ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَه).
١٦٧٦ - [وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ عَنْ أَبِي إِبْرَاهِيمَ الْأَشْهَلِيِّ عَنْ أَبِيهِ، وَانْتَهَتْ رِوَايَتُهُ عِندَ
قُوْلِهِ: ((وَأَنْثَانَا))، وَفِي رِوَاية أَبِي دَاوُد: فَأَحْبِهِ عَلَى الْإِيمَانِ، وَتَوَفَّهُ عَلَى الْإِسْلَامِ، وَفِي آخِرِهِ:
وَلَا تُضِلَّنَا بَعْدَهُ](١).
(وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ عَنْ أَبِي إِبْرَاهِيمَ الْأَشْهَلِّ عَنْ أَبِيهِ وَانْتَهَتْ رِوَايَتُهُ عِندَ قُوْلِهِ:
(وَأَنْثَانَا)) وَفِي رِوَاية أَبِي دَاوُد: فَأَحْبِهِ عَلَى الْإِيمَانِ وَتَوَقَّهُ عَلَى الْإِسْلَامِ) ومعناها صحيح
أيضًا، فإنهما وإن اختلفا مفهومًا اتحدا ما صدقا (وَفِي آخِرِهِ، وَلَا تُضِلَّنَا بَعْدَهُ).
١٦٧٧ - [وَعَنْ وَائِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ ﴾ قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللهِوَ لْ عَلَى رَجُلٍ مِنَ
الْمُسْلِمِينَ فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: اللهُمَّ إِنَّ فُلَانَ بْنَ فُلَاٍ فِي ذِمَّتِكَ وَحَبْلٍ جِوَارِكَ، فَقِهِ مِنْ
فِتْنَةِ الْقَبْرِ وَعَذَابِ النَّارِ، وَأَنْتَ أَهْلُ الْوَفَاءِ، اللهُمَّ اغْفِرْ لَهُ وَارْحَمْهُ، إِنَّكَ أَنْتَ الْغَفُورُ
الرَّحِيمُ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدِ وَابْنُ مَاجَه](٢).
(وَعَنْ وَائِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ ﴾ قَالَ: صَلَى بِنَا رَسُولُ اللهِوَلْ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ
فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: اللهُمَّ إِنَّ فُلَانَ بْنَ قُلَانٍ فِي ذِمَّتِكَ) أي: أمانك الواسع الذي لا يشوب
من دخل فيه شيء من متعب ولا مكدر (وَحَبْلٍ) أي: عهد وأمان (جِوَارِكَ) أي:
إجارتك ونصرتك، فهو عطف بيان، وأصله: ((وحبلك)) نحو: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ الله
جَمِيعًا﴾ [آل عمران: ١٠٣] فنسب لجواره نقل ما نسب إلى الله تعالى مبالغة في تشريفه
وكمال حمايته ونصرته، فـ((الحبل)) مستعار للعهد لما فيه من التوثقة وعقد القول
بالأيمان المؤكدة، وأصل ذلك ما كانت العرب عليه من أراد سفرًا مخوفًا يأخذ عهدًا
(١) أخرجه النسائي (١٩٨٥)، وأبو داود (٣٢٠٣).
(٢) أخرجه أحمد (١٦٠٦١)، وأبو داود (٣٢٠٢)، وابن ماجه (١٤٩٩)، وابن حبان (٣٠٧٤)، والديلمي
(٢٠٣١).

٩٩
تتمة كتاب الجنائز/ باب المشي بالجنازة والصلاة عليها
من سيد كل قبيلة فيأمن به ما دام مجاورًا لأرضه.
(فِقِهِ مِنْ فِتْنَةِ الْقَبْرِ وَعَذَابِ النَّارِ، وَأَنْتَ أَهْلُ الْوَفَاءِ) بالذمم والعهود؛ لأنك لا
تخلف الميعاد، فهو تجريد وتخييل؛ لأنه ملائم للعهد المستعار له الحبل، أنت أهل الوعد
والعطاء والكرم والجود (الْحَقِّ) الثابت الواقع الذي لا يمكن فيه خلف ولا تبديل
(اللهُمَّ اغْفِرْ لَهُ وَارْحَمْهُ، إِنَّكَ أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدٍ وَابْنُ مَاجَه) ويؤخذ منه
ندب هذا الدعاء بخصوصه، ولم نر من ذكره في أدعية صلاة الجنازة.
١٦٧٨ - [وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: اذْكُرُوا
تَحَاسِنَ مَوْنَاكُمْ وَكُفُوا عَنْ مَسَاوِئِهِمْ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدِ وَالتِّرْمِذِيُّ](١).
(وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَُّ: اذْكُرُوا تَحَاسِنَ
مَوْتَاكُمْ) أي: الصالحين ترغيبًا للناس في مثل ما كانوا عليه، وأمَّا نحو الظلمة
والمكاسين وغيرهم من المتجاهرين بفسقهم وعتوهم، فلا ينبغي أن يذكر لهم شيء من
المحاسن، وإن فرض أن لهم محاسن؛ لأن ذكر ذلك ربما أدى إلى تحسين طريقتهم
واغترار الأحياء المتلبسين بها على الاستمرار عليها.
(وَكُفُّوا عَنْ مَسَاوِئِهِمْ) إلا لمقصد صالح كالتحذير مما كانوا عليه كما مر (رَوَاهُ
أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ) وأصل هذا التفصيل قول أئمتنا: يسن لغاسل الميت إذا رأى عليه
علامة خير أن يذكرها أو علامة سوء أن يسترها إلا إذا كان من أحد أولئك، فلا يسن
أن يذكر ما رآه عليه من علامات الخير ولا أن يستر ما رآه عليه من علامات الشر لما
تقرر.
١٦٧٩ - [وَعَنْ نَافِعٍ أَّبِي غَالِبٍ قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَلَى جَنَازَةِ، فَقَامَ
حِيَالَ رَأْسِهِ، ثُمَّ جَاؤُوا بِجَنَازَةِ امْرَأَةٍ مِنْ قُرَيْشِ، فَقَالُوا: يَا أَبَا حَمْزَةَ، صَلِّ عَلَيْهَا، فَقَامَ
حِيَالَ وَسَطِ السَّرِيرِ، فَقَالَ لَهُ الْعَلَاءُ بْنُ زِيَادٍ: هَكَذَا رَأَيْتَ رَسُولَ اللهِ وَلِ قَامَ عَلَى
(١) أخرجه أبو داود (٤٩٠٠) والترمذي (١٠١٩) وقال: غريب. والحاكم (١٤٢١) وقال: صحيح
الإسناد. والبيهقي (٦٩٨١) وابن حبان (٣٠٢٠).

١٠٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس
الْجَنَازَةِ مُقَامَكَ مِنْهَا، وَمِنَ الرَّجُلِ مُقَامَكَ مِنْهُ؟ قَالَ: نَعَمْ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَه،
وَفِي رِوَايَةٍ أَبِي دَاوُدٍ تَحْوَهُ مَعَ زِيَادَةٍ، فَفِيْهِ: فَقَامَ عِنْدَ عُجَيْزَةِ المَرْأَةِ](١).
(وَعَنْ نَافِعٍ أَبِي غَالِبٍ) خص بذلك لئلا يشتبه بنحو نافع مولى ابن عمر (قَالَ:
صَلَّيْتُ مَعَ أَفَسِ بْنِ مَالِكٍ عَلَى جَنَازَةِ، فَقَامَ حِيَالَ) أي: حذاء (رَأْسِهِ ثُمَّ جَاؤُوا بِجَنَازَةِ
امْرَأَةٍ مِنْ قُرَيْشٍ، فَقَالُوا) لأنس (يَا أَبَا حَمْزَةَ، صَلِّ عَلَيْهَا، فَقَامَ حِيَالَ وَسَطِ السَّرِيرِ،
فَقَالَ لَهُ الْعَلَاءُ بْنُ زِيَادٍ: هَكَذَا رَأَيْتَ رَسُولَ الله ◌َِّ قَامَ عَلَى الْجَنَازَةِ مُقَامَكَ مِنْهَا، وَمِنَ
الرَّجُلِ مُقَامَكَ مِنْهُ؟ قَالَ: نَعَمْ، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) وحسنه (وَابْنُ مَاجَه، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدٍ
تَحْوَهُ مَعَ زِيَادَةٍ، فَفِيْهِ: فَقَامَ عِنْدَ عُجَيْزَةِ المَرْأَةِ) وهي بفتح فكسر التاء هنا، ولا يقال
لغير المرأة بخلاف العجز، فيقال لها، ومرَّ حكم الأنثى ولو طفلة، وأمَّا الذكر ولو صبيًّا؛
فالسنة للإِمام أو المنفرد بخلاف المأموم فإنه يقف حيث كان أن يقف عند رأسه، قال
النووي: وزعم أنه وقف عند صدره غلط صريح. انتهى.
واعترض بأن أحمد رواه وأجيب بأن الظاهر أنه وقف بين الصدر والرأس، فكل
من الراوبين ظن أنه أقرب إلى ما ذكره، وفي هذا الجواب نظر لاقتضائه ندب الموقوف
بينهما وليس كذلك، فالصواب أن يقال: لعله وقف منحرفًا عن الرأس قليلاً، فظن
من ذكر الصدر أنه قريب منه؛ فالتجوز في هذه دون رواية الرأس.
(الفصل الثالث)
١٦٨٠. [عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَّبِي لَيْلَى قَالَ: كَانَ سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ وَقَيْسُ بْنُ
سَعْدٍ فَاعِدَيْنِ بِالْقَادِسِيَّةِ فَمَرُّوا عَلَيْهِمَا بِنَازَةٍ فَقَامًا لها، فَقِيلَ لَهُمَا: إِنَّهُ مِنْ أَهْلِ
الأَرْضِ؛ أَيْ: مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ، فَقَالَا: إِنَّ رَسُولَ اللهِ وَ مَرَّتْ بِهِ جَنَازَةٌ فَقَامَ، فَقِيلَ لَهُ:
إِنَّهَا جَنَازَةُ يَهُودِيٌّ. فَقَالَ: أَلَيْسَتْ نَفْسًا. مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ](٤).
(١) أخرجه الترمذي (١٠٥١)، وابن ماجه (١٥٦١).
(٢) أخرجه البخاري (١٣١٢)، ومسلم (٢٢٦٩)، وأحمد (٢٤٥٧١)، والنسائي (١٩٣٢)، والبيهقي
(٧١٣٠).