النص المفهرس

صفحات 41-60

٤١
تتمة كتاب الجنائز/ باب ما يقال عند من حضره الموت
(دَعُوهُ) من تعب السؤال (فَإِنَّهُ كَانَ فِي غَمِّ الدُّنْيَا) وضيقها حتى يذهب عنه
بقاياه ويستريح، فحينئذ اسألوه (فَيَقُولُ) بعدما أراحوه (قَدِ مَاتِ أَمَا أَتَاكُمْ فَيَقُولُون:
ذُهِبَ بِهِ) وبهذا التقدير الدال عليه السياق، والمستغنى به عن أن يكون في الكلام
شذوذ بتقدیر شرط محذوف.
ويدفع قول الشارح لا بد من تقدير ((فذهب به)) أي: إذا كان الأمر كما قلت:
إنه مات ولم يلحق بنا فقد ذهب به (إِلَى أَمِّهِ الْهَاوِيَةِ) أي: النار مأخوذ من قوله تعالى:
﴿فَأَمُّهُ هَاوِيَةٌ﴾ [القارعة: ٩] سميت هاوية؛ لأنها لبعد عمقها يهوى الواقع فيها يهوى
بعيدًا، وإمَّا؛ لأنها مأوى المجرم ومفزعه كما أن الأم للولد كذلك.
(وَإِنَّ الْكَافِرَ إِذَا اخْتُضِرَ أَتَتْهُ مَلائِكَةُ الْعَذَابِ پِمِسْچ) أي: ثوب شعر أسود دنس
(فَيَقُولُونَ اخْرُجِي سَاخِطَةً مَسْخُوطًا عَلَيْكٍ إِلَى عَذَابِ اللهِ وَكَ فَتَخْرُجُ) حال كونها
(کَأَنْتَنِ رِیح چِیفَةٍ حَتَی یأتُونَ په) فیه، وفي مواضع أخری یأتی الرفع بعد حتی علی حد
﴿وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ﴾ [البقرة: ٢١٤] في قراءة الرفع (بَابَ الْأَرْضِ) أي: الباب
الذي يذهب منه إلى النار وأسفلها، أو هو على حذف مضاف؛ أي: باب سماء الأرض.
(فَيَقُولُونَ) أي: الملائكة الذين عند ذلك الباب (مَا أَنْتَنَ هَذِهِ الرِّيحَ حَتَّى) غاية
لقولهم ذلك أو لسيرهم الذي عليه السياق (يَأْتُونَ بِهِ أَرْوَاحَ الْكُفَّارِ) ومحلها (رَوَاهُ أَحْمَدُ
وَالنَّسَائِيُّ).
١٦٣٠ - [وَعنِ الْبَرَاءِ بْن عَازِب ◌َ﴾ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ النبيُِّ فِي جِنَازَة رَجُل مِن
الْأَنْصَارِ فَانْتَهَيْنَا إِلَى الْقَبْرِ وَلَمَّا يُلْحَدْ، فَجَلَسَ رَسُولُ اللهِ وَهِ وَجَلَسْنَا حَوْلَهُ كَأَنَّ عَلَى
رُؤُوسِنَا الطَّيْرَ وَفِي يَدِهِ عُودُ يَنْكُتُ بِهِ فِي الأَرْضِ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ: اسْتَعِيذُوا بِالله مِنْ
عَذَابِ الْقَبْرِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا. ثم قال: إِنَّ الْعَبْدَ الْمُؤْمِنَ إِذَا كَانَ فِي انْقِطَاعٍ مِن الدُّنْيَا
وَإِقْبَالٍ مِن الْآخِرَةِ نَزَلَ إِلَيْهِ مَلَائِكَةُ مِن السَّمَاءِ بِيضُ الْوُجُوهِ، كَأَنَّ وُجُوهَهُم الشَّمْسُ،
مَعَهُمْ كَفَنْ مِنْ أَكْفَانِ الْجَنَّةِ، وَحَنُوطُ مِنْ حَنُوطِ الْجَنَّةِ حَتَّى يَجْلِسُوا مِنْهُ مَدَّ الْبَصَرِ، ثُمَّ
يَجِيءُ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّيْهِ: حَتَّى يَجْلِسَ عِنْدَ رَأْسِهِ فَيَقُولُ: أَيَّتُهَا النَّفْسُ الطَّيِّبَةُ اخْرُجِي إِلَى

٤٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس
مَغْفِرَةٍ مِن اللهِ وَرِضْوَانٍ. قَالَ: فَتَخْرُجُ تَسِيلُ كَمَا تَسِيلُ الْقَطْرَةُ مِن السِّقَاءِ فَيَأْخُذُهَا
فَإِذَا أَخَذَهَا لَمْ يَدَعُوهَا فِي يَدِهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ حَتَّى يَأْخُذُوهَا فَيَجْعَلُوهَا فِي ذَلِكَ الْكَفَنِ، وَفِي
ذَلِكَ الْحَنُوطِ، وَيَخْرُجُ مِنْهَا كَأَظْيَبِ نَفْحَةٍ مِسْكٍ وُجِدَتْ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ. قَالَ بَّ﴾
فَيَصْعَدُونَ بِهَا فَلَا يَمُرُّونَ؛ يَعْنِي: بِهَا عَلَى مَلأٍ مِن الْمَلَائِكَةِ إِلَّا قَالُوا: مَا هَذَا الرُّوحُ
الطَّيِّبُ؟ فَيَقُولُونَ: فُلَانُ بْنُ فُلانٍ بِأَحْسَنِ أَسْمَائِهِ الَّتِي كَانُوا يُسَمُّونَهُ بِهَا فِي الدُّنْيَا حَتَّى
يَنْتَهُوا بِهَا إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فَيَسْتَفْتِحُونَ لَهُ فَيُفْتَحُ لَهُ، فَيُشَيِّعُهُ مِنْ كُلِّ سَمَاءٍ مُقَرَّبُوهَا
إِلَى السَّمَاءِ الَّتِي تَلِيهَا، حَتَّى يُنْتَفَى بِهِ إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ فَيَقُولُ اللهُ ◌َتْ: اكْتُبُوا كِتَابَ
عَبْدِي فِي عِلَِّّينَ، وَأَعِيدُوهُ إِلَى فِي الأَرْضِ فَإِّ مِنْهَا خَلَقْتُهُمْ، وَفِيهَا أَعِيدُهُمْ وَمِنْهَا
أُخْرِجُهُمْ تَارَةً أُخْرَى. قَالَ بَّهِ: فَتُعَادُ رُوحُهُ فِي جَسَدِهِ فَيَأْتِيهِ مَلَكَانٍ فَيُجْلِسَانِهِ،
فَيَقُولَانَ لَهُ: مَنْ رَبُّكَ؟ فَيَقُولُ: رَبِّيَ اللهُ، فَيَقُولَانِ لَهُ: مَا دِينُكَ؟ فَيَقُولُ: دِينِ الإِسْلَامُ،
فَيَقُولَانِ لَه: مَا هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي بُعِثَ فِيكُمْ؟ فَيَقُولُ: هُوَ رَسُولُ الله. فَيَقُولَانٍ لَهُ: وَمَا
عِلْمُكَ؟ فَيَقُولُ: قَرَّأْتُ كِتَابَ اللهِ فَآمَنْتُ بِهِ وَصَدَّقْتُ، فَيُنَادِي مُنَادٍ من السَّمَاءِ أَنْ
صَدَقَ عَبْدِي فَأَفْرِشُوهُ مِنَ الْجَنَّةِ، وَأَلْبِسُوهُ مِنَ الْجَنَّةِ، وَاقْتَحُوا لَهُ بَابًا مِنَ الْجَنَّةِ. قَالَ:
فَيَأْتِيهِ مِنْ رَوْحِهَا وَطِيبِهَا، فَيُفْسَحُ لَهُ فِي قَبْرِهِ مَذَّ بَصَرِهِ. قَالَ: وَيَأْتِيهِ رَجُلُّ حَسَنُ الْوَجْهِ
حَسَنُ القِّيَّابِ طَيِّبُ الرِّيحِ، فَيَقُولُ: أَبْشِرْ بِالَّذِي بِشَرَكَ، هَذَا يَوْمُكَ الَّذِي كُنْتَ تُوعَدُ
فَيَقُولُ لَهُ: مَنْ أَنْتَ؟ فَوَجْهُكَ الْوَجْهُ يَجِيءُ بِالْخَيْرٍ. فَيَقُولُ: أَنَا عَمَلُكَ الصَّالِحُ. فَيَقُولُ:
رَبِّ، أَقِمِ السَّاعَةَ حَتَّى أَرْجِعَ إِلَى أَهْلِي وَمَالِي. قَالَ: وَإِنَّ الْعَبْدَ الْكَافِرَ إِذَا كَانَ فِي انْقِطَاعٍ
مِنَ الدُّنْيَا، وَإِقْبَالٍ مِنَ الآخِرَةِ نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَلَائِكَةُ سُودُ الْوُجُوهِ مَعَهُمُ الْمُسُوحُ،
فَيَجْلِسُونَ مِنْهُ مَدَّ الْبَصَرِ، ثُمَّ يَجِيءُ مَلَكُ الْمَوْتِ حَتَّى يَجْلِسَ عِنْدَ رَأْسِهِ، فَيَقُولُ: أَيَّتُهَا
النَّفْسُ الْخَبِيثَةُ، اخْرُجِي إِلَى سَخَطٍ مِنَ الله. قال: فَتُفَرَّقُ فِي جَسَدِهِ، فَيَنْتَزِعُهَا كَمَا
يُنْتَزَعُ السَّقُودُ مِنَ الصُّوفِ الْمَبْلُولِ فَيَأْخُذُهَا، فَإِذَا أَخَذَهَا لَمْ يَدَعُوهَا فِي يَدِهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ
حَتَّى يَجْعَلُوهَا فِي تِلْكَ الْمُسُوجِ وَيَخْرُجُ مِنْهَا كَأَنْتَنِ رِيحِ حِيفَةٍ وُجِدَتْ عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ،
فَيَصْعَدُونَ بِهَا فَلَا يَمُرُّونَ بِهَا عَلَى مَلأٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِلَّا قَالُوا: مَا هَذَا الرُّوحُ الْخَبِيثُ؟

٤٣
تتمة كتاب الجنائز/ باب ما يقال عند من حضره الموت
فَيَقُولُونَ: فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ بِأَقْبَحِ أَسْمَائِهِ الَّتِي كَانَ يُسَمَّى بِهَا فِي الدُّنْيَا حَتَّى يُنْتَهِى بِهِ إِلَى
السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَيُسْتَفْتَحُ لَهُ فَلَا يُفْتَحُ لَهُ. ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ اللهِ وَّ: ﴿لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ
السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ [الأعراف: ٤٠] فَيَقُولُ اللهُ
◌َّ: اكْتُبُوا كِتَابَهُ فِي سِجِّينٍ فِي سفْلِ الأَرْضِ السُّفْلَى فَتُطْرَحُ رُوحُهُ طَرْحًا، ثُمَّ قَرَأَ:
﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللّه فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ
سَحِيقٍ﴾ [الحج: ٣١] فَتُعَادُ رُوحُهُ فِي جَسَدِهِ وَيَأْتِيهِ مَلَكَانٍ فَيُجْلِسَانِهِ، فَيَقُولَانِ لَهُ: مَنْ
رَبُّكَ؟ فَيَقُولُ: هَاهْ هَاهْ، لَا أَدْرِي. فَيَقُولَانِ لَهُ: مَا دِينُكَ؟ فَيَقُولُ: هَاهْ هَاهْ، لَا أَدْرِي.
فَيَقُولَانِ لَهُ: مَا هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي بُعِثَ فِيكُمْ؟ فَيَقُولُ: هَاهْ هَاهْ، لَا أَدْرِي. فَيُنَادِي مُنَادٍ
مِنَ السَّمَاءِ أَنْ كَذَبَ فَافْرِشُوهِ مِنَ النَّارِ، وَاقْتَحُوا لَهُ بَابًا إِلَى النَّارِ فَيَأْتِيهِ مِنْ حَرِّهَا
وَسَمُومِهَا، أَوَيُضَيَّقُ عَلَيْهِ قَبْرُهُ حَتَّى تَخْتَلِفَ فِيهِ أَضْلَاعُهُ، وَيَأْتِيهِ رَجُلَّ قَبِيحُ الْوَجْهِ
فَبِيحُ الثّيَابِ مُنْتِنُ الرِّيحِ، فَيَقُولُ: أَبْشِرْ بِلَّذِي يَسُوؤكَ، هَذَا يَوْمُكَ الَّذِي كُنْتَ تُوعَدُ.
فَيَقُولُ: مَنْ أَنْتَ؟ فَوَجْهُكَ الْوَجْهُ يَجِيءُ بِالشَّرِّ. فَيَقُولِ: أَنَا عَمَلُكَ الْخَبِيثُ. فَيَقُولُ: رَبِّ،
لَا تُقِمِ السَّاعَةَ](١).
(وَعَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِب) ﴾ (قال: خَرَجْنَا مَعَ النبي ◌ٍَّ فِي جِنَازَة رَجُل مِن
الْأَنْصَارِ فَانْتَهَيْنَا إِلَى الْقَبْرِ وَلَمَّا يُلْحَدْ) أي: وقبل أن يلحد، ومما يفارق به لما لم أنهما،
وإن أفادا النفي في الماضي لكن لما يشعر بتوقع وقوعه في المستقبل (فَجَلَسَ رَسُولُ الله
وَّهِ وَجَلَسْنَا حَوْلَهُ كَأَنَّ عَلَى رُؤُوسِنَا الطَّيْرَ) من شدة هيبته وَله التي خضعنا لها حتى
أطرقنا الرؤوس، ولم يلتفت ولا يتكلم (وَفِي يَدِهِ عُودُ يَنْكُتُ) أي: يخطط (بِهِ فِي
الأَرْضِ) كفعل المتفكر المهموم.
(فَرَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ) ما يدلهم به على سبب تفكره وهمه من شدة خوفه على أمته
(اسْتَعِيذُوا بِالله مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ) قال ذلك (مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، ثم قال: إِنَّ الْعَبْدَ الْمُؤْمِنَ
(١) أخرجه أحمد (١٩٠٣٨)، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (٤٢٣).

٤٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس
إِذَا كَانَ فِي انْقِطَاعٍ مِن الدُّنْيَا) بأن قرب طلوع روحه؛ لأنه حينئذ خارج من الدنيا
مقبل على الآخرة (وَإِقْبَالٍ مِن الْآخِرَةِ نَزَلَ إِلَيْهِ مَلَائِكَةُ مِن السَّمَاءِ بِيضُ الْوُجُوهِ، كَأَنَّ
وُجُوهَهُم الشَّمْسُ) أخبر به عن الجمع؛ لأنه اسم جنس في الأصل.
(مَعَهُمْ كَفَنُ مِنْ أَكْفَانِ الْجَنَّةِ، وَحَنُوطُ مِنْ حَنُوطِ الْجَنَّةِ) وهو؛ أعني: الحنوط،
أنواع من طيب تجعل للميت (حَتَّى يَجْلِسُوا) قريبًا (مِنْهُ مَدَّ الْبَصَرِ) أي: على مسافة
بينهم وبينه قدر مسافة النظر (ثُمَّ يَجِيءُ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّيْهِ حَتَّى يَجْلِسَ عِنْدَ رَأْسِهِ
فَيَقُولُ) لأننا في ظاهر ما مر أن القائل غيره؛ لأنه لا مانع أنه وملائكة آخرين يقول
ذلك.
(أَيَّتُهَا النَّفْسُ الطَّيِّبَةُ اخْرُجِي إِلَى مَغْفِرَةٍ مِن الله وَرِضْوَانٍ) أي: إلى محلها، وهو
الجنة (قَالَ: فَتَخْرُجُ) بسهولة ولطف؛ لأنها تجتمع، ثم تنسرح و(قَسِيلُ) سوقًا إلى ما
رأته من النعيم (كَمَا تَسِيلُ الْقَطْرَةُ مِن السِّقَاءِ) المملوء ماء، شبه الروح بالماء في سهولة
الخروج مع اللطف والسرعة.
وبهذا يتأيد ما عليه أكثر أهل السنة ممن تكلم عليها أنها جسم سار في البدن
كسريان ماء الورد في الورد، ثم استعار لها ما هو من لوازم المشبه به وهو السيلان،
المراد به: سرعة اجتماعها وخروجها مع بقاء بعض آثارها الموجب لكون البصر يتبعها
ناظرًا، أين يذهب بها على ما مر؟ ولا ينافي ذلك ما مر أن المؤمن يشدد عليه عند
النزع دون غيره؛ لأن محله أخذًا من هذا الحديث، ونظائره فيما قبل خروج الروح،
وأما في حالة الخروج فتسهل علیه والكافر بعكس ذلك.
(فَيَأْخُذُهَا فَإِذَا أَخَذَهَا لَمْ يَدَعُوهَا) أي: لم يتركها أولئك الملائكة الذين معهم
الكفن والحنوط الجالسون على مد البصر ينتظرون خروجها (في يَدِهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ) كناية
عن مبادرتهم لأخذها منه فورًا في أسرع وقت (حَتَّى يَأْخُذُوهَا فَيَجْعَلُوهَا فِي ذَلِكَ
الْكَفَنِ، وَفِي ذَلِكَ الْحَنُوطِ) اللذين معهم من الجنة.
(وَيَخْرُجُ مِنْهَا) عند خروجها من جسدها ريح طيب (كَأَطْيَبٍ نَفْحَةٍ مِسْكٍ

٤٥
تتمة كتاب الجنائز / باب ما يقال عند من حضره الموت
وُجِدَتْ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ) منذ خلقت الدنيا إلى فنائها (قَالَ) وَ (فَيَصْعَدُونَ بِهَا فَلَا
يَمُرُّونَ؛ يَعْنِي: بِهَا عَلَى مَلأْ) أي: جمع عظيم (مِن الْمَلَائِكَةِ) الذين بين السماء والأرض
(إِلَّا قَالُوا: مَا هَذَا الرُّوحُ) أي: الريحِ (الطَّيِّبُ فَيَقُولُونَ: فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ) أي: هذا روح
روحه، وتسميه الملائكة (بِأَحْسَنِ أُسْمَائِهِ الَّتِي كَانُوا) أي: أهل الدنيا (يُسَمُّونَهُ بِهَا فِي
الدُّنْيَا) ولا يزال الملائكة يقولون ويجابون كذلك.
(حَتَّى يَنْتَهُوا بِهَا إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَيَسْتَفْتِحُونَ لَهُ) أنث باعتبار النسبة، وذكر
باعتبار الشخص (فَيُفْتَحُ لَهُ) أفرد؛ لأنه المقصود بالاستفتاح، ثم جمع إشارة إلى أنهم لا
يفارقونه، بل يستمرون معه (فَيُشَيِّعُهُ مِنْ كُلِّ سَمَاءٍ مُقَرَّبُوهَا) أي: أفاضل ملائكتها
وعظماؤهم (إِلَى السَّمَاءِ الَّتِي تَلِيهَا) وهكذا (حَتَّى يُنْتَقَى بِهِ إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ) أي:
الجنة؛ إذ هي مجاورة لها.
(فَيَقُولُ اللّهُ رَّ) للملائكة الموكلين بالكتابة (اكْتُبُوا) أي: الآن، وإن كان قد
كتب ذلك فيما مضى مبالغة في مزيد التوبة بذكره وإذاعته بين الملائكة (كِتَابَ
عَبْدِي) أي: ما في كتاب أعماله، واجعلوا هذا المكتوب الآن (فِي عِلَّيِّينَ) أي: المحال
التي هي أعلا الجنة أو العرش (وَأَعِيدُوهُ إِلَى) جسده الذي دفن (فِي الأَرْضِ فَإِنِّ مِنْهَا
خَلَقْتُهُمْ، وَفِيهَا أُعِيدُهُمْ) فهي بمنزلة الأم التي يرد الولد إليها لتأنس به.
(وَمِنْهَا أُخْرِجُهُمْ تَارَةً أُخْرَى قَالَ) بَيِّ (فَتْعَادُ رُوحُهُ فِي جَسَدِهِ) إلى نصفه
(فَيَأْتِيهِ مَلَكَانٍ) كريمان منكر ونكير في أحسن صورة وهيئة وطيب ريح (فَيُجْلِسَانِهِ
فَيَقُولَانَ لَهُ: مَنْ رَبُّكَ) أي: مربيك بجلائل النعم ودقائقها (فَيَقُولُ: رَبَِّ اللهُ، فَيَقُولَانِ
لَهُ: مَا دِينُكَ فَيَقُولُ: دِينِي الإِسْلَامُ، فَيَقُولَانِ لَه: مَا هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي بُعِثَ فِيكُمْ؟)
أي: ما صفته أهو صادق فيما جاء به عن الله (فَيَقُولُ: هُوَ رَسُولُ الله) حقًّا، ومن هو
كذلك لا يكون إلا صادقًا.
(فَيَقُولَانِ لَهُ: وَمَا عِلْمُكَ) أي: وما سبب تصديقك له أهو مجرد التقليد أم
البرهان والدليل؟ (فَيَقُولُ) بل البرهان القاطع والدليل الصحيح؛ لأني (قَرَأْتُ

٤٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس
كِتَابَ الله فَآمَنْتُ بِهِ وَصَدَّقْتُ) تأكيد (فَيُنَادِي مُنَادٍ من السَّمَاءِ) على لسان الحق (أَنْ)
تفسيرية لما في النداء من معنى القول (صَدَقَ عَبْدِي فَأَفْرِشُوهُ) أي: قبره؛ لأن الكلام فيه
أو عداه للمفعول الثاني بنفسه مضمنًا له معنى أعطوه فرشًا (مِنَ الْجَنَّةِ وَأَلْبِسُوهُ مِنَ
الْجَنَّةِ، وَافْتَحُوا لَهُ بَابًا مِنَ الْجَنَّةِ قَالَ) وَ ينفتح له إليها باب (فَيَأْتِيهِ مِنْ رَوْحِهَا
وَطِيْبِهَا) تأكيد ومع ذلك (فَيُفْسَحُ لَهُ فِي قَبْرِهِ مَدَّ بَصَرِهِ، قَالَ) وَ﴾ (وَيَأْتِيهِ رَجُلُ حَسَنُ
الْوَجْهِ حَسَنُ القِّيَابِ طَيِّبُ الرِّيحِ، فَيَقُولُ: أَبْشِرْ بِالَّذِي بِشَّركَ) ربك (هَذَا يَوْمُكَ)
المحمود (الَّذِي كُنْتَ تُوعَدُ) به.
(فَيَقُولُ لَهُ: مَنْ أَنْتَ؟) أيها الكامل حتى أجاريك بحسن الثناء والمدح، ولهذا
عقبه بما يتبين به، وهو كماله وهو قوله: (فَوَجْهُكَ) الذي هو على غاية الجمال والحسن
(الْوَجْهُ) النافع في الآخرة الحقيق بأن يصدر عنه مثل هذه البشارة، والتغاير بين المبتدأ
والخبر المتحدين لفظًا كاف كما في: ((أنا أبو النجم)).
وأشار إلى التغاير بقوله: (يَجِيءُ بِالْخَيْرِ) أي: بالبشارة الكاملة، فهو استئناف
لإفادة ذلك التغاير؛ أي: وحقيق لمثل هذا الوجه ألّا يأتي إلا بذلك الخير.
(فَيَقُولُ) له (أَنَا عَمَلُكَ الصَّالِحُ) وتجسيم المعنى غير بعيد عن القدرة الإلهية،
كوزن العمل نفسه وريح الموت بين الجنة والنار (فَيَقُولُ) لك الحمد على ما أوليتني مما
لم أكن له بأهل (رَبِّ) لك أكمل الحمد على ما أوليتني مما لم أكن له بأهل، ولما خاطب
بارئه ومربيه بالنعم التي لا حد لها، التفت إلى مخاطبته سبب رفعته ونقمته وهو عمله
الصالح فقالا له: (أَقِمِ السَّاعَةَ) عندي (حَتَّى) أتمتع برؤيتك وأزداد سرورًا
بمشاهدتك، بل وحتى (أَرْجِعَ إِلَى أَهْلِي) لأبشرهم بما أنا فيه من النعيم (وَمَالِي)
لأستكثر من الإنفاق منه في وجوه الصدقات، والقربات ليزداد ثوابي وارتفاع درجتي.
(قَالَ) ،َ﴿ ﴿وَإِنَّ الْعَبْدَ الْكَافِرَ إِذَا كَانَ فِي انْقِطَاعٍ مِنَ الدُّنْيَا، وَإِقْبَالٍ مِنَ الآخِرَةِ
نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَلَائِكَةُ سُودُ الْوُجُوهِ) ليسلكهم بما يناسب عمله (مَعَهُمُ الْمُسُوحُ)
أي: الثياب السود الدنسة من الشعر (فَيَجْلِسُونَ مِنْهُ مَدَّ الْبَصَرِ، ثُمَّ يَجِيءُ مَلَكُ الْمَوْتِ

٤٧
تتمة كتاب الجنائز/ باب ما يقال عند من حضره الموت
حَتَّى يَجْلِسَ عِنْدَ رَأْسِهِ، فَيَقُولُ: أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْخَبِيئَةُ اخْرُجِي إِلَى سَخَطٍ مِنَ الله قال)
وَ﴿ ﴿فَتُفَرَّقُ) روحه (فِي جَسَدِهِ) أي: تتفرق موادها فيه، وفي عروقه هربًا مما عانته من
العذاب.
(فَيَنْتَزِعُهَا كَمَا يُنْتَزَعُ السَّقُودُ) أي: الحديدة التي يشوى عليها اللحم حتى يصير
بها بقايا من محروقه [فيستصحب عند الجذب شيئًا] (مِنَ الصُّوفِ الْمَبْلُولِ)
وبالضرورة أنه عند نزعه منه بقوة وشدة يخرج، وعليه كثير من الصوف فكذلك روح
الكافر ينزع من أقصى عروقه بقوة وشدة بحيث يخرج معها من تلك العروق جملة
مستكثرة، كما تفيده الرواية الآتية أيضًا وينزع نفسه مع العروق، وفي ذلك غاية
الإيلام والإزعاج.
(فَيَأْخُذُهَا فَإِذَا أَخَذَهَا لَمْ يَدَعُوهَا فِي يَدِهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ) مبالغة في تأنيبها وتعذيبها
(حَتَّى يَجْعَلُوهَا فِي تِلْكَ الْمُسُوجِ وَيَخْرُجُ مِنْهَا) عند خروجها من جسدها ريح خبيث
(كَأَنْتَنِ رِيح جِيفَةٍ وُجِدَتْ عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ، فَيَصْعَدُونَ بِهَا فَلَا يَمُرُّونَ بِهَا عَلَى مَلأٍ مِنَ
الْمَلَائِكَةِ إِلَّا قَالُوا: مَا هَذَا الرُّوحُ الْخَبِيثُ؟ فَيَقُولُونَ) هذا (فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ) يذكرونه
(بِأَقْبَحِ أَسْمَائِهِ الَّتِي كَانَ يُسَتَّى بِهَا فِي الدُّنْيَا) وفي ذكر ((كان)) هنا، و(«كانوا)) ثم إشارة إلى
أنه ينبغي طي ذاكر الخبيث ولو في محله، ونشر ذاكر الحسن في محله.
(حَتَّى يُنْتَقَى بِهِ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَيُسْتَفْتَحُ لَهُ فَلَا يُفْتَحُ لَهُ، ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ الله
وَه) استشهادًا على ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا﴾
[الأعراف: ٤٠].
(﴿لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ﴾﴾ أي: شيء منها (﴿وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى
يَلِجَ﴾) يدخل (﴿الَجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾﴾ أي: خرم الإبرة، وذلك؛ أعني: دخول ذلك
الجرم العظيم مع بقائه على عظمته في ذلك الخرق الضيق جدًّا مع بقائه على ضيقه محال
عقلاً، فكذلك دخولهم الجنة محال كذلك (فَيَقُولُ اللهُ وَ: اكْتُبُوا كِتَابَهُ) وضعوه (في
سِجِّينٍ) أي: جهنم حالة كونها (في سفْل الأَرْضِ) حال لازمة أو بدل بإعادة الجار بدل

٤٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس
كل من بعض نظير ﴿يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئًا * جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ [مريم:٦٠ -
٦١].
(السُّفْلَى) أي: السابقة فيه إشارة إلى محل جهنم، وهو الأشهر من خلاف طويل
فيه لكن قال بعض المحققين الجامعين بين المعقول والمنقول: لم يصح في شيء من
ذلك فينبغي لنا الإمساك عنه (فَتُطْرَحُ رُوحُهُ طَرْحًا) أي: ترمى من فوق إلى أسفل بشدة
وعنف (ثُمَّ قَرَأَ) وَّهِ استشهادًا على ذلك (﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ﴾)
أي: سقط من العلو ميتًا.
(﴿فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾) بعید مهلك، ووجه
الاستشهاد أن أحوال الآخرة على طبق أحوال الدنيا المبينة في الآية من تشبيه المشرك
بالساقط من محل شديد العلو في أن مآله إلى الهلاك الذي لا مدفع له، وأهوائه التي
اختطفت قلبه، وعقله المشبهتين بالرمة البالية المنتنة حتى صارلا تمييز له ولا إدراك
بالكلية نظير اختطفت الميتة ومزقتها كل ممزق، وشيطانه الذي أغواه حتى أرداه إلى
الهلاك الأبدي في قعر جهنم بالريح التي تهوي بالساقط إلى المكان المهلك؛ أي: فكما
أن الكافر حصل له في الدنيا هذا الهوى المعنوي، كذلك يحصل له نظيره في الآخرة من
الهوى الحسي فضلاً عن المعنوي.
(فَتُعَادُ رُوحُهُ فِي جَسَدِهِ وَيَأْتِيهِ مَلَكَانٍ) في غاية من قَباحة الهيئة، والصورة
(فَيُجْلِسَانِهِ فَيَقُولَانِ لَهُ: مَنْ رَبُّكَ فَيَقُولُ: هَاهْ هَاه) كالولهان الحيران الذي إذا كلم لا
يقول إلا ذلك (لَا أَدْرِي) ما وصفه اللائق به (فَيَقُولَانٍ لَهُ: مَا دِينُكَ؟ فَيَقُولُ: هَاهْ هَاهْ،
لَا أَدْرِي، فَيَقُولَانِ لَهُ: مَا هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي بُعِثَ فِيَكُمْ؟ فَيَقُولُ: هَاهْ هَاهْ، لَا أَدْرِي،
فَيُنَادِي مُنَادٍ مِنَ السَّمَاءِ أَنْ كَذَبَ) عدوي في قوله: «لا أدري)» في كل ذلك، بل دراه ثم
كفر به عنادًا وجحودًا.
قال تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل: ١٤].
(فَأَفْرِشُوهِ مِنَ النَّارِ وَافْتَحُوا لَهُ بَابًا إِلَى النَّارِ فَيَأْتِيهِ) عذاب عظيم (مِنْ حَرِّهَا

٤٩
تتمة كتاب الجنائز/ باب ما يقال عند من حضره الموت
وَسَمُومِهَا) أي: هواها المحرق (وَيُضَيَّقُ عَلَيْهِ قَبْرُهُ حَتَّى تَخْتَلِفَ فِيهِ أَضْلَاعُهُ) دائمًا أو
غالبًا أو أن الجمع بين الضيق، وهذا الضم من خصائص الكافر، وحينئذ فلا يخالف هذا
الضم ضغطة القبر التي تقع حتى لأكابر الموحدين كسعد بن معاذ سيد الأنصار الذي
حمل جنازته سبعون ألف ملك واهتز لموته عرش الرحمن.
(وَيَأْتِيهِ رَجُلُ قَبِيحُ الْوَجْهِ قَبِيحُ الثَّيَابِ مُنْتِنُ الرِّيحِ فَيَقُولُ) له (أَبْشِرْ بِالَّذِي
يَسُوؤكَ هَذَا يَوْمُكَ الَّذِي كُنْتَ تُوعَدُ فَيَقُولُ: مَنْ أَنْتَ؟) اللفظ الغليظ (فَوَجْهُكَ)
البالغ أعلى غايات القبح. (الْوَجْهُ) الضارّ الحقيقي بألّا يصدر عنه إلا الإنذار
والتخويف كيف وهو (يَجِيءُ بِالشَّرِّ) لا غير (فَيَقُولِ: أَنَا عَمَلُكَ الْخَبِيثُ فَيَقُولُ: رَبِّ
لَا تُقِمِ السَّاعَةَ) عندي، بل اذهب حتى أستريح من رؤيتك وبشاعة هيبتك وقبح
بشارتك.
[وَفِي رِوَايَةٍ تَحْوَهُ، وَزَادَ فِيهِ: إِذَا خَرَجَ رُوحُهُ صَلَّى عَلَيْهِ كُلُّ مَلَكٍ بَيْنَ السَّمَاءِ
وَالأَرْضِ، وَكُلُّ مَلَكٍ فِي السَّمَاءِ، وَفُتِحَتْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ بَابٍ إِلَّا وَهُمْ
يَدْعُونَ الله أَنْ يُعْرَجَ بِرُوحِهِ مِنْ قِبَلِهِمْ، وَتُنْزَعُ نَفْسُهُ مَعَ الْعُرُوقِ فَيَلْعَنُهُ كُلُّ مَلَكٍ
بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، وَكُلُّ مَلَكٍ فِي السَّمَاءِ، وَتُغْلَقُ أَبْوَابُ السَّمَاءِ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ السَّماءِ
إِلَّا وَهُمْ يَدْعُونَ اللّهَ أَلَا تَعْرُجَ رُوحُهُ مِنْ قِبَلِهِمْ(١). رَوَاهُ أَحْمَدُ].
(وَفِي رِوَايَةٍ تَحْوَهُ وَزَادَ فِيهِ: إِذَا خَرَجَ رُوحُهُ) أي: المؤمن (صَلَّى عَلَيْهِ كُلُّ مَلَكٍ
بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، وَكُلُّ مَلَكٍ فِي السَّمَاءِ) وناهيك بهذه البشارة أن جميع الملائكة
المذكورين يصلون على المؤمن، حينئذ مع كثرة الملائكة الخارجة عن طور العقول
كما لا يخفى ذلك على تصفح كتب السنة، ويوافقه هذا هو الذي يصلي عليكم
وملائكته (وَفُتِحَتْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ بَابٍ إِلَّا وَهُمْ يَدْعُونَ اللهِ أَنْ يُعْرَجَ
بِرُوحِهِ) يصح بالبناء للفاعل والمفعول، ومعنى الأول أنه تعالى؛ أي: يأمر حامليها بأن
(١) أخرجه بنحوه أحمد (١٩١٢١).

٥٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس
يعرجوا بها (مِنْ قِبَلِهِمْ) أي: جهتهم.
(وَتُنْزَعُ نَفْسُهُ) يعني: الكافر (مَعَ الْعُرُوقِ) كناية عن عظيم الشدة (فَيَلْعَنُهُ كُلُّ
مَلَكٍ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَكُلُّ مَلَكٍ فِي السَّمَاءِ وَتُغْلَقُ أَبْوَابُ السَّمَاءِ) دون روحه
(لَيْسَ مِنْ أَهْلِ السَّماءِ إِلَّا وَهُمْ يَدْعُونَ اللهَ أَلَا تَعْرُجَ رُوحُهُ) ومرَّ في المؤمن بروحه،
والفرق واضح (مِنْ قِبَلِهِمْ. رواه أحمد).
١٦٣١ - [وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ لَمَّا حَضَرَتْ كَعْبًا الْوَفَاءُ أَتَتْهُ
أُمُّ بِشْرٍ بِنْتُ الْبَرَاءِ بْنِ مَعْرُورٍ، فَقَالَتْ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ إِنْ لَقِيتَ فُلَانًا فَاقْرَأْ عَلَيْهِ
مِنِّي السَّلَامَ. قَالَ: غَفَرَ اللهُ لَكِ يَا أُمَّ بِشْرٍ، نَحْنُ أَشْغَلُ مِنْ ذَلِكِ. قَالَتْ: يَا أَبَا
عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَمَا سَمِعْتَ رَسُولَ اللهِ وَ يَقُولُ: ((إِنَّ أَزْوَاحَ الْمُؤْمِنِينَ فِي طَيْرٍ خُضْرٍ
تَعْلُقُ بِشَجَرِ الْجَنَّةِ)) قَالَ: بَلَى. قَالَتْ: فَهُوَ ذَاكَ. رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهُ وَالْبَيْهَِيُّ فِي كِتَابِ
((الْبَعْثِ وَالنُّشُورِ))](١).
(وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبٍ) بن عمر المازني الأنصاري البدري (عَنْ أَبِيهِ قَالَ
لَمَّا حَضَرَتْ كَعْبًا الْوَفَاةُ أَتَتْهُ أُمُ بِشْرِ بِنْتُ الْبَرَاءِ بْنِ مَعْرُورٍ﴾ بالعين المهملة (فَقَالَتْ: يَا
أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ إِنْ لَقِيتَ) بعد موتك (فُلَانًا) أي: روحه (فَاقْرَأْ عَلَيْهِ مِنِّي السَّلَامَ. قَالَ:
غَفَرَ اللهُ لَكِ يَا أَمَّ بِشْرٍ) كيف تقولين ذلك و(نَحْنُ أَشْغَلُ) بأعمالنا وجزائها، وهذا من
باب الهضم للنفس كما هو دأب الكُمل (مِنْ ذَلِكِ) أي: من أن يقرأ السلام على
أحد.
(قَالَت) جوابًا لما اعتذر لها به من أنه في شغل بذنوبه عن إبلاغ سلامها (: يَا
أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَمَا سَمِعْتَ رَسُولَ اللهِ وَ يَقُولُ: إِنَّ أَرْوَاحَ الْمُؤْمِنِينَ فِي) حواصل
(طَيْرٍ خُضْرٍ تَعْلُقُ) بضم اللام (بِشَجَرِ الْجَنَّةِ) أي: تتعلق به وتتناوله بأفواهها لنأكل
من ثماره.
فإن قلت: هذا وصف للطير فأي منفعة تعود منه على الروح؟
(١) أخرجه ابن ماجه (١٥١٦)، والطبراني (١٥٤٧١)، والبيهقي في (البعث والنشور)) (١٩٤).

٥١
تتمة كتاب الجنائز/ باب ما يقال عند من حضره الموت
قلت: الظاهر أن ذلك الطير، إنما هو بمنزلة الطرف لها؛ ليقيها للطافتها من كل
مؤذٍ، فهو وإن علق بها الشجر هي التي تأكل وتتنعم بذلك الشمر (قَالَ: بَلَى، قَالَتْ: فَهُوَ)
أي: الذي وصيتك به أو الحديث الذي ذكرته لك (ذَاكَ) أي: الحق الذي يخفض عليك
خوفك، فإنك بحمد الله من كمل المؤمنين الذين في غاية النعيم والسرور؛ لأن الله عفو
لهم ورضي عنهم، ومن هم كذلك يتفكهون بالحديث عن أهل الدنيا وغيره (رَوَاهُ ابْنُ
مَاجَه وَالْبَيْهَِيُّ فِي كِتَابِ ((الْبَعْثِ وَالنُّشُورِ)).
١٦٣٢ - [وَعَنْهُ عَنْ أَبِيهِ إِنَّه كَان يُحدِّث أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَ قَالَ: إِنَّمَا نَسَمَةُ
الْمُؤْمِنِ طَيْرٌ يَعْلُقُ فِي شَجَرِ الْجَنَّةِ حَتَّى يَرْجِعَهُ اللهُ فِي جَسَدِهِ يَوْمَ يَبْعَثُه. رَوَاهُ مَالِكٌ
وَالنَّسَائِّيّ، وَالْبَيْهَقِيّ فِي كِتَابِ (الْبَعْثِ وَالنُّشُورِ)](١).
(وَعَنْهُ عَنْ أَبِيهِ إِنَّه كَان يُحدِّث أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَ قَالَ: إِنَّمَا فَسَمَةُ الْمُؤْمِنِ) أي:
روحه، وقد تطلق التسمية على البدن مع الروح (طَيْرُ يَعْلُقُ فِي شَجَرِ الْجَنَّةِ حَتَّى
يَرْجِعَهُ اللهُ) أي: يدخله (فِي جَسَدِهِ يَوْمَ يَبْعَثُه) من قبره (رَوَاهُ مَالِكٌ وَالنَّسَائِيّ،
وَالْبَيْهَقِيُّ فِي كِتَابِ ((الْبَعْثِ وَالنُّشُورِ)).
وفيه كالذي قبله، أوضح دليل على ما عليه أهل السنة أن الجنة مخلوقة اليوم،
وأن الأرواح باقية لا تفنى فيتنعم المحسن، ويعذب المسيء ولا تنافي بين ما فيها من
أن الروح طير حضر، وأنها طير وما في غيرهما أنها كطير حضر، وأنها بحواصل طير،
وأنها في صورة طير بيض، وأنها تأوى إلى قناديل تحت العرش، وأن المؤمن يعرض عليه
مقعده بالغداة والعشي.
ووجه عدم المنافاة أن مراتب المؤمنين مختلفة، فكل تشكل روحه على الوصف
المناسب لكماله.
فمنها: ما هو في صورة الطير.
(١) أخرجه مالك (٥٦٨)، وأحمد (١٥٨٢٥)، والنسائي (٢٠٧٣)، وابن ماجه (٤٢٧١)، والحكيم
(٢٧٢/١)، وابن حبان (٤٦٥٧)، والطبراني (١٢١)، وأبو نعيم في الحلية (١٥٦/٩).

٥٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس
ومنها: ما هو في جوفه.
ومنها: ما هو في قناديل وغير ذلك، وتشكل الروح كذلك غير مستبعد على
القدرة الإلهية ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن تَّقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل: ٤٠]
واستبعد ذلك من فر إلى إخراج الأحاديث عن ظاهرها، وتأويلها بأن المنعم والمعذب
جزء من البدن تبقى فيه الروح وتتشكل بما ذكر.
وخصص بعضهم تسمية المؤمن في الحديث الثاني بتسمية الشهيد، قال: لأنه
الحي عند ربه يرزق كما في الآية، ويرد بأن هذا لا يقتضي التخصيص؛ إذ الحياة
والرزق عامان في المؤمنين، وإنما الذي اختص به الشهداء مزيد حياة ورزق ليس
لغیرهم، وبعضهم بمؤمن لم يعذب.
وفيه نظر لما قدمته آنفًا أن ظواهر الآية والحديث أن ما سبق في حديث البراء
الطويل وغيره، من نعيم المؤمن يشمل سائر المؤمنين على أي وصف كانوا ولا ما يعم من
تنعيم الروح في البرزخ، وتعديها يوم القيامة تطهيرًا لها لتستحق النعيم الأبدي.
١٦٣٣ - [وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى جَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله وَهُوَ
يَمُوتُ فَقُلْتُ: اقْرَأْ عَلَى رَسُولِ اللهِوَهِ السَّلَامَ رَوَاهُ ابْنُ مَاجَه](١).
(وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرٍ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى جَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله وَهُوَ يَمُوتُ) أي:
في سياق الموت ونزعه (فَقُلْتُ: اقْرَأْ عَلَى رَسُولِ اللهِ وَِّ السَّلَامَ، رَوَاهُ ابْنُ مَاجَه).
ويؤخذ منه كحديث أم بشر أنه لا بأس أن يقال لمن حضره الموت وهو حاضر
الذهن ثابت الجأش غير متأثر من نزول الموت به: أقرأ مني السلام على رسول الله وَله
أو على أبي أو أخي فلان مثلاً.
(١) أخرجه ابن ماجه (١٥١٧)، وأحمد (١١٩٧٨).

(باب غسل الميت وتكفينه)
(الفصل الأول)
١٦٣٤ - [عَنْ أَمِّ عَطِيَّةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيْنَا النبي ◌َ وَتَحْنُ
نُغَسِّلُ ابْنَتَهُ فَقَالَ: اغْسِلْنَهَا ثَلاثًا أَوْ خَمْسًا، أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِك، إِنْ رَأَيْتُنَّ ذَلِك بِمَاءٍ
وَسِدْرٍ، وَاجْعَلْنَ فِي الآخِرَةِ كَافُورًا أَوْ شَيْئًا مِنْ كَافُورٍ، فَإِذَا فَرَغْتُنَّ فَائْذَنَّنِي، فَلَمَّا فَرَغْنَا
آذَنَّاهُ، فَأَلْقَى إِلَيْنَا حَقْوَهُ فَقَالَ: أَشْعِرْنَهَا إِيَّاهُ. وِفِي رِوايَةٍ: اغْسِلْنَهَا وِتْرًا ثَلَاثًا أَوْ خَمْسًا أَوْ
سَبْعًا وَابْدَأْنَ بِمَيَامِنِهَا وَمَوَاضِعِ الْوُضُوءِ مِنْهَا. وَقَالَتْ: فَضَفَّرْنَا شَعْرَهَا ثَلَاثَةَ قُرُونٍ
فَأَلْقَيْنَاهَا خَلْفَهَا. مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ](١).
(عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيْنَا النبي ◌َِّ وَتَحْنُ نُغَسِّلُ
ابْنَتَهُ) أي: زينب، وقيل: أم كلثوم رضي الله عنهما (فَقَالَ: اغْسِلْنَهَا ثَلاثًا) لا ينافي قول
أئمتنا وغيرهم: أقل الغسل تعميم بدنه بالماء بلا حائل مرة واحدة؛ لأن الثلاث لبيان
الكمال لا الواجب قياسًا على غسل الحي المعلوم فيه من أحواله واله إجزاء المرة فيه، أو
أنه فيما إذا لم يحصل الاتقاء من نحو خبث به إلا بالثلاث (أَوْ خَمْسًا) أي: إن لم
يحصل الاتقاء بثلاث.
وفي رواية تأتي: أو سبعًا (أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، إِنْ رَأَيْتُنَّ ذَلِك) بكسر الكاف فيهما
خطابًا لأم عطية منهن؛ أي: إن احتجن للسبع؛ أي: أو أكثر فافعلنه للحاجة إلا
للسرف والعبث، فالحاصل: إن الاتقاء واجب وإن لم يحصل إلا ثمرات كثيرة، وأن
الأولى ثلاث أنقت وإلا زيد بقدر الحاجة، ثم إن أنقى بشفع سن الإيتار أو يوتر لم تسن
الزيادة عليه، وقول شارح: يكره سهو لتصريحهم بعدم الكراهة هنا، وفرقوا بينه وبين
ظهر الحق بأن القصد ثم التعبد، وهنا التنظيف وإزالة الشعث (بِمَاءٍ) بيان للواجب.
(١) أخرجه البخاري (١٢٥٤)، ومسلم (٢٢١١)، وأحمد (٢١٣٣٥)، والنسائي (١٩٠١).
- ٥٣ -

٥٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس
(وَسِدْرٍ) بيان للمندوب؛ لأنه أمسك للبدن وأبلغ في النظافة، ومن ثم كان
أفضل من الخطمي، وظاهر الحديث أن استعمال السدر لا يختص بالأولى وما أفهمه
كلام ((الروضة) وغيرها من اختصاصه بها مؤول بأنه، إنما خص بها لحصول النقاء بها
غالبًا فإن لم يحصل كرره مع تكرير الغسلات إلى أن يحصل النقاء على وفق الخبر،
والمعنى يقتضيه فإذا حصل النقاء وجب غسله بالماء الخالص، ويسن ثانية وثالثة كما
في غسل الحي.
(وَاجْعَلْنَ فِي الآخِرَةِ كَافُورًا أَوْ) للشك (شَيْئًا مِنْ كَافُورٍ) وخصت؛ لأنها آكد
وإلا فالمعنى من كثرة نفعه للميت تقويته لبدنه، ودفعه للهوام عنه يقتضي ما قاله
أئمتنا من ندب جعله في كل غسلة، لكن بشرط أن يكون بحيث يغير الماء كثيرًا، إن
كان من النوع المخالط منه، أما إذا كان من النوع المجاور منه فلا يضر التغير به، وإن
کثر ویڪره تركه.
(فَإِذَا فَرَغْتُنَّ، فَائْذَنَّنِي) أي: أعلمنني (فَلَمَّا فَرَغْنَا، آذَنَّاهُ، فَأَلْقَى إِلَيْنَا حَقْوَهُ) أي:
إزاره، وهو من مجار المجاورة؛ لأن حقيقة الحقو خيط في الوسط يعقد فيه الإزار.
(فَقَالَ: أَشْعِرْنَهَا إِيَّاهُ) أي: اجعلن أيها النساء لها، هذا الحقو تحت أكفانها
ليلاصق بشرتها فتعود عليها بركته الباهرة، والشعار الثوب الذي يلي الجسد؛ لأنه يلي
شعره.
(وِفِي رِوايَةٍ: اغْسِلْتَهَا وِتْرًا ثَلَاثًا أَوْ خَمْسًا أَوْ سَبْعًا) أو تسعًا، وهكذا واقتصر على
السبع؛ لأن الغالب النقاء بها، بل بدونها، وفيه دليل لما مر أنه إذا حصل الإنقاء بشفع
سن وتر، وسره قوله وّلهم: ((إن الله وتر يحب الوتر)(١).
(وَابْدَأْنَ) أي: ندبًا كما في غسل الحي (بِمَيَامِنِهَا وَمَوَاضِعِ الْوُضُوءِ مِنْهَا) وبه
أخذ أئمتنا فقالوا: الأولى أن يوضئه كوضوء الحي، ثم يغسل بماء وسدر الرأس، ثم
(١) أخرجه مسلم (٦٩٨٥)، وأحمد (٧٩٧)، وأبو داود (١٤١٨)، والترمذي (٤٥٥)، والنسائي (١٦٨٦)،
وابن ماجه (١٢٢٤).

٥٥
تتمة كتاب الجنائز/ باب غسل الميت وتكفينه
الوجه والعنق، ثم بما أقبل من شقه الأيمن من عنقه إلى قدمه، ثم بالمقبل من شقه
الأيسر، كذلك ثم يجرفه لجنبه الأيسر، فيغسل ما أدبر من شقه الأيمن من كتفه إلى
قدمه، ثم يجرفه للأيمن فيغسل الأيسر كذلك.
(وَقَالَتْ) في جملة حديثها: (فَضَفَرْنَا) بالتخفيف (شَعْرَهَا) من الصفة؛ أي:
التسبح، وهو في الشعر إدخال بعضه في بعض (ثَلَاثَةَ قُرُونٍ) أي: ضفائر القرنين،
والناصية (فَأَلْقَيْنَاهَا خَلْفَهَا. مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ).
وفي رواية: ((فضفرنا ناصيتها وقرنيها ثلاثة قرون، وألقيناها خلفها)(١).
وفي أخرى: ((فمشطناها)) أي: بالتخفيف أيضًا: ثلاثة قرون.
١٦٣٥ - [وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: إِنَّ رَسُولَ اللهِوَ كُفِّنَ فِي
ثَلاثَةِ أَتْوَابٍ يمانية سُحُولِيَّةٍ مِنْ كُرْسُفْ لَيْسَ فِيهَا قَمِيصٌّ وَلا عِمَامَةٌ. مُتَّفَقٍ عَلَيْهِ](٢).
(وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: إِنَّ رَسُولَ الله ◌َِّ كُفِّنَ فِي ثَلاثَةٍ أَثْوَابٍ
يمانية سُحُولِيَّةٍ) بفتح أوله نسبة للسحول، وهو القصار؛ لأنه يسحلها؛ أي: يغسلها أو
إلى سحولي قرية باليمن، وبضمه نسبة لسحولي المذكورة؛ لأن أولها مضموم في لغة أو
جمع سحل، وهو الثوب الأبيض النقي لكن في هذا شذوذ النسبة للجمع، هذا حاصل
ما قاله شارح.
والذي قاله النووي وغيره: إن الفتح عليه الأكثر.
وأن الأنهري قال: هي بالفتح مدينة باليمن، وبالضم الثياب البيض.
وقال غيره: هي بالفتح نسبة لقرية باليمن، وبالضم: ثياب القطن، ثم هي لا
تكون إلا من قطن، فقولها: (مِنْ كُرْسُف) تأكید.
واختلف أصحابنا هل هو الأفضل أو يشاركه الكتان؟ والذي دل عليه هذا
الحديث الأول، فهو المعتمد (لَيْسَ فِيهَا قَمِيصٌ وَلا عِمَامَةٌ) فيه التصريح، بما قاله
(١) أخرجه البيهقي (٧٠١٥)، والشافعي (١٦٢٧).
(٢) أخرجه البخاري (١٢٦٤)، ومسلم (٢٢٢٢)، وأحمد (٢٦٠٦٥)، والنسائي (١٩٠٩).

٥٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس
الشافعي: من عدم ندبهما، وقول أبي حنيفة ومالك - رضي الله عنهما - بندبهما وأن
((ليس)) بمعنى: سوى؛ أي: هما زائدان على الثلاثة ينافيه ظاهر اللفظ مع أنه لم يثبت
في حديث أنه سير كفن فيهما حتى يخرج لأجله هذا الحديث عن ظاهره، وظاهر
الحديث أيضًا أن الثوب الذي غسل فيه وَل نزع عند تكفينه، وحكمته: أنه لو بقي
أفسد الأكفان لرطوبته، ومر ندب الثلاثة للذكر ولو طفلاً ومحرمًا وخمسة لغير المذكر،
وتكره الزيادة على الخمسة مطلقًا، وقال جماعة: يحرم واختير؛ لأنه ترف بلا فائدة
(مُتَّفَق عَلَيْهِ).
١٦٣٦ - [وَعَنْهَا قَالَت: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَيَّةِ: إِذَا كَفَّنَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ فَلْيُحَسِّنْ
كَفَنَهُ. رَوَاهُ مُسْلِمْ] (١).
(وَعَنْهَا قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِهِ: إِذَا كَفَّنَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ فَلْيُحَسِّنْ كَفَنَهُ) قال
أئمتنا وغيرهم: بأن يتحرى الأبيض النظيف السابغ الكثيف كما يأتي (رَوَاهُ
مُسْلِمْ).
وروى ابن عدي: ((أحسنوا أكفان موتاكم، فإنهم يتزاورون في قبورهم" وليس
من إحسانه المغالاة فيه، بل هي مكروهة لما يأتي.
١٦٣٧ - [وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - أَنَّ رَجُلاً كَانَ مَع النَّبِيِّ ◌َُّ
فَوَقَصَتْهُ نَاقَتُهُ وَهُوَ مُحْرِمُ فَمَاتَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهُ وَّ: اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَكَفِّنُوهُ فِي
تَوْبَيْهِ، وَلَا تَمَسُّوهُ بِطِيبٍ، وَلَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ، فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا. مُتَّفَقَ عَلَيْهِ،
وَسَنَذْكُرُ حَدِيثَ خَبَابٍ: ((قُتِلَ مُصْعَبُ بن عُمَّيْرٍ) فِي بِبٍ جَامِعِ المنَاقِبِ إِنْ شَاءَ اللهُ
تَعَالَی](٢).
(١) أخرجه مسلم (٩٤٣)، وأحمد (١٤١٧٨)، وأبو داود (٣١٤٨)، والحاكم (١٣٦٤) وقال: صحيح
على شرط مسلم.
(٢) أخرجه البخاري (١٧٥٢)، ومسلم (١٢٠٦)، وأحمد (٣٠٧٦)، وأبو داود (٣٢٤١)، والترمذي (٩٥١)
وقال: حسن صحيح. والطيالسي (٢٦٢٣)، وابن ماجه (٣٠٨٤)، والنسائي (٢٧١٤)، والدارمي
(١٨٥٢)، وابن حبان (٣٩٥٩)، والبيهقي (٨٨٦٣).

٥٧
تتمة كتاب الجنائز/ باب غسل الميت وتكفينه
(وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - أَنَّ رَجُلاً كَانَ مَعَ النَّبِيِّ ◌َ فَوَقَصَتْهُ
نَاقَتُهُ وَهُوَ مُحْرِمُ فَمَاتَ، فَقَالَ رَسُولُ اللّهُ وَّ: اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدٍْ) فيه أن السدر
منظف، وليس بطيب (وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْهِ) إزاره وردائه، ولا ينافيه أن الأفضل كما مر
ثلاثة أثواب للذكر.
قال النووي: لأنه لم يكن له مال غيرهما، واعترضه غيره بأن الظاهر أن الناقة
المضافة إليه ملكه، ويرد بأنهم كانوا؛ إذ ذاك في غاية الشغل بوقوف عرفة والرحيل
منها، فالمنفق، إنما هو مال يتيسر منه تحصيل ثوب ثالث لا مطلق المال.
(وَلَا تَمَسُّوهُ بِطِيبٍ) ككافور حي أو ميت (وَلَا تُخُمِّرُوا) أي: تغطوا (رَأْسَهُ) أو
شيئًا منه (فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا) أي: عليه شعار الإحرام، وخص منها التلبية؛
لأنها من أظهر شعاره، وأخذ من هذا أئمتنا أن من مات وهو محرم بحج أو عمرة، أو
قيل: أربعين ما أحرم به حرم أن يفعل به شيء مما حرم عليه في الحياة، فعله من نحو
إزالة شعر أو ظفر أو تطييب حتى في ماء غسله، وإلباس مخيطٍ لذكرٍ، وَسَتْرِ رَأْسٍ.
ووجه المرأة أو كفها بقفازاتها لأثر الإحرام؛ لأنه لا يبطل بموته، خلافًا لمالك
وأبي حنيفة، وإن كان هو قياس الصلاة، والصوم تقديمًا للنص على القياس؛ ولأن
الإحرام ابتداء من الولي عن المجنون، وغير المميز فليس كالصلاة والصوم حتى يقاس
عليهما، ولا بأس بالتخمير عند غسله، وإن كره له حياء الجلوس عند عطار
للاحتياج إليه هنا بدفع الرائحة الكريهة.
واختلف أئمتنا فيمن مات بعد التحلل الأول وبقي عليه الحلق، هل يندب أن
يفعل به، والأصح لا؛ لأن حكم الإحرام باقٍ، وهو لا يقبل بمال الغير كما لو مات،
وعليه سعي لا يسعى أحد عنه، وفي أنه لو فعل به محرم هل تجب الفدية على الفاعل
والأصح لا، كما لا ضمان بقطع عضو الميت (مُتَّفَق عَلَيْهِ، وَسَنَذْكُرُ حَدِيثَ خَبَاب:
((قُتِلَ مُصْعَبُ بن عُمَيْرٍ) فِي بِبٍ جَامِعِ المنَاقِبِ إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى).

٥٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس
(الفصل الثاني)
١٦٣٨ - [عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَهِ: الْبَسُوا مِنْ ثِيَابِكُمْ الْبَيَاضَ،
فَإِنَّهَا مِنْ خَيْرِ ثِيَابِكُمْ، وَكَفِّنُوا فِيهَا مَوْنَاكُمْ، وَإِنَّ خَيْرَ أَكْحَالِكُمُ الْإِثْمِدُ، فَإِنَّهُ يُنْبِتُ
الشَّعْرَ، وَيَجْلُو الْبَصَرِ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدٍ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَرَوَى ابْنُ مَاجَه إِلَى: ((مَوْنَاكُمْ)](١).
(عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَ: الْبَسُوا) أي: ندبًا (مِنْ ثِيَابِكُمْ
الْبَيَاضَ) أي: ذا البياض، وفي رواية: ((البيض)) ولا يجوز فيها (فَإِنَّهَا مِنْ خَيْرِ ثِيَابِكُمْ)
الأحسن في ((من)) أنها زائدة؛ لأن اللون الأبيض أفضل الألوان، ومن ثم كان هو
الأفضل في الجمعة، بل والجماعات وكل محل اجتمع فيه الناس وعند دخول المسجد
وغيره، وإنما كان الأفضل يوم العيد إلا رفع ميمه، وإن لم يكن أبيض؛ لأنه يوم زينة
ولبس # غير الأبيض كثيرًا لبيان جوازه أو لعدم تيسيره.
(وَكَفِّنُوا فِيهَا مَوْتَاكُمْ) أي: ندبًا أيضًا، ومن ثم كفن ◌َّ فيه، ويكره المصبوغ
كما يأتي (وَإِنَّ خَيْرَ أَكْحَالِكُمُ) التي هي من خير دأبكم وعادتكم (الْإِثْمِدُ) عطف
على جملة ((البسوا)) وغاير مع أن كلاًّ مأمور به اهتمامًا بشأن الأول، من حيث أنه لا
حظ فيه للمأمور بخلاف الأخير، ووجه الجمع ما في كل من الزينة المطلوبة، ومن ثم مر
في حديث جبريل: ((شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر)) ووسط ذكر الكفن؛ لأنه
من توابع الأول (فَإِنَّهُ) تعليل لخيرية «الإِثمد)) وإشارة لما فيه من الزينة (يُنْبِتُ الشَّعْرَ)
أي: شعر الأهداب.
(وَيَجْلُو الْبَصَر) لمنعه الرطوبات المضعفة له، ومن ثم سن الاكتحال به، والأفضل
كونه عند النوم اتباعًا له ◌َّه؛ ولأنه أشد تأثيرًا، وأقوى سريانًا حينئذ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدٍ
وَالتِّرْمِذِيُّ، وَرَوَى ابْنُ مَاجَه إِلَى: (مَوْنَاكُمْ)).
(١) أخرجه أحمد (٢٢١٩)، وأبو داود (٣٨٧٨)، والترمذي (٩٩٤) قال: حسن صحيح. وابن ماجه
(٣٦٩٥) وابن حبان (٥٤٢٣) والبيهقي (٥٧٦٣) وعبد الرزاق (٦٢٠٠) والطبراني (١٢٤٨٥)
والضياء (٢٠٦).

٥٩
تتمة كتاب الجنائز/ باب غسل الميت وتكفينه
١٦٣٩ - [وَعَنْ عَلِّ - كَرَّمَ اللّهُ وَجْهَهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّةَ: لَا تُغَالُوا فِي
الْكَفَنِ؛ فَإِنَّهُ يُسْلَبُ سَلْبًا سَرِيعًا. رَوَاهُ أَبُو دَاوُد](١).
(وَعَنْ عَلِيّ- كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌ِ: لَا تُغَالُوا) أي: تغالوا (في
الْكَفَنِ) أي: في إكثار ثمنه، وارتفاعه من الغلاء، وهو الارتفاع ومجاوزة الحد (فَإِنَّهُ)
تعليل للنهي مما يفيد أن المغالاة إسراف لغير فائدة.
ومن ثم استعار لسرعة بلاء الثوب، السلب مبالغة في تلك السرعة، فقال:
(يُسْلَبُ سَلْبًا سَرِيعًا، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد) وسنده حسن، ومنه أخذ أئمتنا قولهم: تكره
المغالاة في الكفن، قال بعضهم: بل تحرم من تركة ميت عليه دين إلا أن يبرئ الميت،
ولا يكفى رضاه من غير إبراء أو في ورثته محجور عليه أو غائب، ومحل كراهة المغالاة
حيث لم يلق به ذلك، وإلا فلا كراهة بل يتعين اللائق به عند اختلاف الورثة.
ومن ثم قال أئمتنا: يراعى في نفاسة الكفن المباح وخسته وتوسطه حال الميت
غناء وتوسطًا وفقرًا، ولا عبرة بما كان يلبسه حيًّا إسرافًا أو شخًّا، والأفضل فيه أن
تكون لفافته عريضة لا تلف فيها، وأن يكون نظيفًا صفيقًا سابغًا، ولا ينافي النهي
عن المغالاة خبر مسلم السابق؛ لأن المراد بـ((إحسانه)) بياضه ونظافته وسبوغه وكثافته
كما مرَّ، ومن ثم قال بعض أئمتنا: السنة أن يحسن منظر الكفن ولا يكون ثمينًا.
١٦٤٠ - [وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﴿ أَنَّهُ لَمَّا حَضَرَهُ الْمَوْتُ دَمَا بِثِيَابٍ جُدُدٍ
فَلَبِسَهَا، ثُمَّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَ يَقُولُ: ((الْمَيِّتُ يُبْعَثُ فِي ثِيَابِهِ الَّتِي يَمُوتُ
فِيهَا)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُد](٩).
(وَعَنْ أَبِي سَعِيدِ الْخُدْرِيِّ ◌َ﴿ أَنَّهُ لَمَّا حَضَرَهُ الْمَوْتُ دَعَا بِثِيَابٍ جُدُدٍ فَلَبِسَهَا، ثُمَّ
(١) أخرجه أبو داود (٣١٥٤)، والبيهقي (٦٤٨٧)، والضياء (٥٤٨) وقال: كذا رواه أبو داود وإسناده
منقطع. والديلمي (٧٤٦٨).
(٢) أخرجه أبو داود (٣١١٤)، وابن حبان (٧٣١٦)، والحاكم (١٢٦٠) وقال: صحيح على شرط
الشيخين. والبيهقي (٦٣٩٥).

٦٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس
قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَ﴿ يَقُولُ: ((الْمَيِّتُ يُبْعَثُ فِي ثِيَابِهِ الَّتِي يَمُوتُ فِيهَا)). رَوَاهُ أَبُو
دَاوُد) اختلف العلماء هل الأولى في الكفن الجديد أو الملبوس.
فقال كثيرون من أئمتنا وغيرهم: الأولى الجديد، وانتصر لهم غير واحد من
المتأخرين أخذًا بظاهر هذا الحديث، فإن فهم الراوي من الحديث مقدم على فهم غيره
منه، لا سيما إذا كان فقيهًا وأبو سعيد كذلك، ولم يبالوا بقول الهروي: حمل الثياب في
الحديث على الأكفان ليس بشيء؛ لأن الإنسان إنما يكفن بعد الموت، قال: وفي
الصحابة من يقصر فهمه في بعض الأحايين عن المعنى المراد كما فهم عدي بن حاتم
من: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ﴾ [البقرة: ١٨٧] أنهما على
حقيقتهما، فعمد إلى عقالين أسود وأبيض فوضعهما تحت وسادته. انتهى.
وفيه من البعد والخفاء لأبي سعيد ما هو ظاهر، ولا يقاس مثل أبي سعيد بمثل
عدي وقوله: ((الإنسان إنما يكفن بعد الموت)) لا يرد على أبي سعيد؛ لأنه فهم أن ثَمَّ
مقدرًا، والتقدير: «في ثيابه التي يموت فيها، ويكفن فيها)).
فإن قلت: أي قرينة على هذا التقدير؟
قلت: يحتمل أن القرينة هنا خارجية فهمها أبو سعيد منه ل﴾ فيحمل الحديث
عليها، وهذا هو السبب في قول الأصوليين والفقهاء بتقديم تفسير الرازي على غيره؛
لأنه قد يدرك قرائن خارجية مضطرة إلى حمل الحديث عليها وغيره ليس كذلك، وإنما
الحامل له محض الاجتهاد، والمجتهد لا يقلد مجتهدًا فظهر فرقان ما بين الصحابي
وغيره، ورد خفاء الهروي لأبي سعيد بما ذكر.
والحاصل أن ما فهمه أبو سعيد لا يرد بمثل استرواح الهروي هذا، وإن تبعه
عليه بعض الشراح، وما أحسن قول الخطابي: استعمل أبو سعيد الحديث على ظاهره ما
مر مع رعاية التقدير الذي ذكرته، وإلا فليس ظاهر الحديث مع قطع النظر لذلك
التقدير، ما قاله أبو سعيد، ثم رأيت البيضاوي انتصر لأبي سعيد فقال: الفعل لا ينافي
حمل الحديث على ظاهره حسبما فهم منه الراوي؛ إذ لا يبعد إعادة ثيابه الثالثة كما لا