النص المفهرس
صفحات 1-20
فَتْحُ الإِلَهُ
في
شَرَجُ المشكارة
تصنيف
الَّيْخُ الإِمَامِ القَلّامَةِ المُقِّوْ
ابْنُ حَجَرُ الهَيْتِيّ
المتوفي ٩٧٤ هنه
تحقيق وَتخرُّ وَتعليق
الشَّيخُ أحْمَدُ فَريد المَزَيَدِيّ
الجُزْءُ السَّادِْ
الأحاديث من ١٥٩٨-٢٠٣٥
دار الكتب العلمية®
Dar Al-Kolob Al-ilmiyan
DK
أسّسَها محمّد عَليْ بيضوت سنة 1971 بيروت- لبنان
Est. by Mohammad Ali Baydoun 1971 Beirut - Lebanon
Établie par Mohamad Ali Baydoun 1971 Beyrouth - Liban
الكتاب : فتح الإله
في شرح المشكاة
Title : FATH AL-ILÂH
FĪ ŠARH AL-MIŠKĀT
T
التصنيف : شرح حديث
Classification: Prophetic hadith explanation
المؤلف :العلامة المحقق ابن حجر الهيتمي (ت974 هـ)
Author : Ibn Hajar Al-Haytami (D 974H:)
-
-
المحقق : الشيخ أحمد فريد المزيدي
Editor : Al-Sheikh Ahmad Farid Al-Mazidi
الناشر :دار الكتب العلمية - بيروت
Publisher : Dar Al-Kotob Al-Ilmiyah - Beirut
عدد الصفحات (10 محلدات) 5728 (Pages (10 Volumes .
Šize
17x24 cm
· قياس الصفحات
"Year
2015 A D - 1436H,
سنة الطباعة
Printed in : Lebanon
بلد الطباعة : لبنان
Edition : 1ª (2 Colors)
الطبعة : الأولى (لوثان)
baydoun@al-ilmiyah.com
sales@al-ilmiyah
info@al-ilmiyah.com
http://www.al-ilmiyah.com
Exclusive rights by @ Dar Al-Kotob Al-Ilmiyah
Beirut-Lebanon No part of this publication may be
translated,reproduced, distributed in any form or by any
means, or stored in a data base or retrieval system,without
the prior written permission of the publisher.
Tous droits exclusivement réservés à @ Dar Al-Kotob Al-Ilmiyah
Beyrouth-Liban Toute représentation, édition, traduction ou reproduction
même partielle,par tous procédés, en tous pays, faite sans autorisation
préalable signée par l'éditeur est illicite et exposerait le contrevenant à
des poursuites judiciaires.
جميع حقوق الملكية الأدبية والفنية محفوظة لدار الكتب العلمية
بيروت-لبنان ويحظر طبع أو تصوير أو ترجمة أو إعادة تنضيد الكتاب
كاملاً أو مجزأ أو تسجيله على أشرطة كاسيت أو إدخاله على الكمبيوتر
أو برمجته على أسطوانات ضوئية إلا بموافقة الناشر خطياً.
Dar Al-Kotob
Al-ilmiyah
Est. by Mohamad Ali Baydoun
1971 Beirut - Lebanon
Aramoun, al-Quebbah,
Dar Al-Kotob Al-ilmiyah Bido
Tel :: +961 5 804 810/11/12
Fax
+961 5 804813
Po Box 11-9424 Berrut-Lebanon,
Riyad al-Soloh Beirut 1107 2290
عرمون القبة مسى دار الكتب العلمية
١١/١٢ / ٨:٤٨١٠ ٥ ٩٦١+
هاتف
٥٨٠٤٨١٣ ٩٦١+
فاكس
بیروت-ٹیتاں
ص ؛ ٩٤٢٤٢-١١
١١٠٧٢٢٩٠
رياض الصلح- بيروت
ISBN-13: 978-2-7451-7813-8
ISBN-10: 2-7451-7813-X
90000
9 782745 178138
بسمِاللهِالرَّمنِالرَّحِيمِ
(باب تمني الموت وذكره)
(الفصل الأول)
١٥٩٨ - [عَنْ أَبِي هُرَيْرَةِ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَ: لَا يَتَمَنَّى أَحَدُكُم المَوْت
إِمَّا مُحْسِنًا فَلَعَلَّهُ يَزْدَادِ خَيْرًا، وَإِمَّا مُسِيْئًا فَلَعَلَّهُ أَنْ يَسْتَعْتِب. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ](١).
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَة ◌َ﴾﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: لَا يَتَمَنَّى) بالرفع كما هو في كتب
الحديث، فهو خبر بمعنى الأمر ف﴿ لَا يَمَسُّهُ إِلَّ المُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٩].
﴿الَّابِي لَا يَنكِحُ إِلَّا زَانِيَةً﴾ [النور:٣] بالرفع أو بالجزم نهي على ما به، وأثبت
حرف العلة فيه على لغة شهيرة فيه، والأول أبلغ؛ لإفادته أن من شأن المؤمن انتفاء
ذلك عنه، وعدم وقوعه منه بالكلية لما يأتي، ومن ثم قيل: لو ترك على الإخبار المحض
لكان ذلك أولی. انتهى.
لكن في هذا نظر من جهة أن فيه إيهام الحلف في الخبر؛ لأنا نجد التمني واقعًا
كثيرًا؛ ولأنه حينئذٍ لا يحس استدلال الأئمة به على الكراهة الآتية.
(أحَدُكُم المَوْت) أي: لمضر نزل به كما يأتي، وإنما نهى عن تمنيه؛ لأنه (إمَّا)
أن يكون (مُحْسِنًا) أي: مطيعًا لله قائمًا بوظائف الواجبات والمندوبات أو الواجبات
فقط (فَلَعَلَّهُ) إذا طال عمره، وهو على هذا الكمال (يَزْدَاد خَيْرًا) كثيرًا فلا ينبغي له،
وهو على مدرجة التزود للآخرة، والاستكثار من حيازة ثواب الأعمال الصالحة أن يتمنى
ما يمنعه عن الترقي والسلوك لطريق الله وزيادة رضاه.
(١) أخرجه البخاري (٥٣٤٩)، وأحمد (٧٥٦٨)، والنسائي (١٨١٨).
- ٣ -
٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس
ومن ثَمَّ ورد: ((خياركم من طال عمره وحسن عمله)(١) أي: لأنه يزداد الترقي في
مقامات القرب وأحوال الكمال، فكيف يتمنى قاطع ذلك؟
(وَإِمَّا) أن يكون (مُسِيْئًا فَلَعَلَّهُ أنْ يَسْتَعْتِب) أي: يرجع إلى الله بالتوبة، ورد
المظالم وتدارك الفائت، وطلب عتبى الله؛ أي: رضاه، فالعتبى والإعتاب: الإرضاء
ولعل فيهما لمجرد الرجاء، وأكثر مجيئها له إذا صحبه تعليل نحو: ﴿وَاتَّقُوا اللّه لَعَلَّكُمْ
تُفْلِحُونَ﴾ [البقرة: ١٨٩] (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ).
١٥٩٩ . [وَعَنْهُ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَّةُ: لَا يَتَمَنَّى أَحَدُكُم الْمَوْتَ وَلَا يَدْعُ بِهِ مِنْ
قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُ إِنَّهُ إِذَا مَاتَ انْقَطَعَ أَمَلُهُ وَإِنَّهُ لَا يَزِيدُ الْمُؤْمِنَ عُمْرُهُ إِلَّا خَيْرًا. رَوَاهُ
مُسْلِمٌ](٢).
(وَعَنْهُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: لَا يَتَمَنَّى أَحَدُكُمْ الْمَوْتَ وَلَا يَدْعُ بِهِ) فيه إيماء إلى
أن الأول نهي على ما به، ويكون قد جمع بين لغتي حذف حرف العلة وإثباته (مِنْ
قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُ إِنَّهُ) يصح فتحها تعليلاً، وكسرها استئنافًا على أنه مع ذلك لا ينافي كونه
مشيرًا للتعليل (إِذَا مَاتَ انْقَطَعَ أَمَلُهُ).
وفي رواية ((عمله)) (٣) وهما متقاربان؛ إذ المراد بالأمل ما يطمع فيه من ثواب
العمل الذي يستكثر منه لو بقي، ومحل ذم الأمل أن حمل على بطر وفتور عن العمل
الصالح، وطمع في استكثار الدنيا، وأمَّا الأمل في فضل الله فهو ممدوح.
قال تعالى: ((أنا عند ظن عبدي بي، فلا يظن بي إلا خيرًا))(٤).
(وَإِنَّهُ) أي: الشأن (لَا يَزِيدُ الْمُؤْمِنَ عُمْرُهُ) أي: طوله (إِلَّا خَيْرًا) كثيرًا، وإن
(١) أخرجه أحمد (١٧٧٣٤)، وعبد بن حميد (٥٠٩)، والترمذي (٢٣٢٩) وقال: حسن غريب.
والبيهقي (٦٣١٨)، والضياء (٦٦)، وابن أبي شيبة (٣٤٤٢٠)، والطبراني في ((الأوسط» (١٤٤١)،
وابن قائع (٨١/٢)، وأبو نعيم في ((الحلية)) (٥١/٩).
(٢) أخرجه مسلم (٦٩٩٥)، وأحمد (٨٨٣٩)، والبيهقي (٦٨٠٣).
(٣) تقدم تخريجه.
(٤) ذكره القاري في المرقاة (٣١٧/٥).
تتمة كتاب الجنائز/ باب تمني الموت وذكره
صدق إيمانه يحمله على استكثار العمل الصالح لا سيما في آخر عمره (رَوَاهُ
مُسْلِمْ).
١٦٠٠ - [وَعَنْ أَنَسِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: لَا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمْ الْمَوْتَ مِنْ ضُرِّ
أَصَابَهُ فَإِنْ كَانَ لَا بُدَّ فَاعِلاً فَلْيَقُلْ: اللّهُمَّ أَحْيِنِي مَا كَانَتِ الْخَيَاةُ خَيْرًا لِي، وَتَوَفَّنِي إِذَا
كَانَتِ الْوَفَاةُ خَيْرًا لِي. مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ](١).
(وَعَنْ أَنَسِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌ِ﴾: لَا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمْ الْمَوْتَ مِنْ) أجل (ضُرّ
أَصَابَهُ) في بدنه أو دنياه، وأخذ منه أئمتنا كراهة تمنيه لذلك دون غيره؛ لأنه مع الضر
يشعر بعدم الرضا بالقضاء والتسليم لقدر (فَإِنْ كَانَ لَا بُدَّ فَاعِلاً) أي: لا غنى له عن
فعل التمني لغلبة نفسه، وهواه عليه حتى منعاه من اجتناب النهي.
(فَلْيَقُلْ: اللهُمَّ أَحْيِنِي مَا كَانَت الْحَيَاةُ) أي: مدة بقائها (خَيْرًا لِي) من الموت
الاستكثاري للأعمال الصالحة من غير فتنة ولا محنة (وَتَوَفِّنِي إِذَا كَانَتِ الْوَفَاةُ خَيْرًا لِي)
من الحياة لخوف فتنة أو تَثْبِيط عن العمل، فيسن للتمني قول ذلك؛ لأنه يتيقظ به من
سنة الغفلة الحاملة على التمني؛ ولأن الله تعالى هو العالم بحقائق الأمور وعواقبها.
وغاير بين الأسلوبين ((بما)) المصدرية ((وإذا)) الشرطية؛ لأن المراد بالحياة زمنها
الذي يبقى، وبالموت وجوده القاطع لذلك الزمن (مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ).
وأفهم قوله: ((من ضرِّ أصابه)) إنه لا يكره تمنيه لخوف فتنة دينية، بل أفتى
النووي - رحمه الله - بندبه ونقله عن الشافعي وعمر بن عبد العزيز وغيرهما.
قال جمعُ أخذًا من كلامه في ((مجموعه)): وكذا يندب تمني الشهادة في سبيل الله؛
لأنه صح عن عمر وغيره، بل صح عن معاذ أنه تمناه في طاعون عمواس، ومنه يؤخذ
ندب تمني الشهادة ولو بنحو طاعون.
(١) أخرجه البخاري (٥٩٩٠) ومسلم (٢٦٨٠) وأحمد (١١٩٩٨) والطيالسي (٢٠٠٣) وأبو داود (٣١٠٩)،
والترمذي (٩٧٠) والنسائي (١٨٢٠) وابن ماجه (٤٢٦٥) وابن حبان (٩٦٨) وعبد بن حميد
(١٣٩٨).
٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس
وفي مسلم: ((من طلب الشهادة صادقًا أعطيها ولو لم تصبه))(١) وليس في تمنيها
في المعركة تمني إعانة الكافر عليه؛ لأن لها جهتين: بذل النفس لإعلاء كلمة الله تعالى،
والفوز بما أعد له. وقيل: الكافر والمسؤول هو خصوص الأول دون الثاني، ويندب أيضًا
تمني الموت ببلد شريف لما في البخاري أن عمر قال: اللَّهُمَّ ارزقني شهادة في سبيلك،
واجعل موتي في بلد رسولك ﴿، فقالت بنته حفصة رضي الله عنهما: أنى يكون هذا؛
أي: الموت في الجهاد والخلافة تمنع من السفر إليه، فقال: يا بنيتي، به الله إذا شاء؛ أي:
وقد فعل فإن قاتله كافر مجوسي.
١٦٠١ - [وَعَنْ عُبَادَةَ بنِ الصَّامِت ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌ِّهِ: مَنْ أَحَبَّ
لِقَاءَ اللّه أَحَبَّ اللّهُ لِقَاءَهُ وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللّه كَرِهَ اللهُ لِقَاءَهُ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ أَوْ بَعْضُ
أَزْوَاجِهِ: إِنَّا لَتَكْرَهُ الْمَوْتَ، قَالَ: لَيْسَ ذَلِكَ وَلَكِنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا حَضَرَهُ الْمَوْتُ بُشِّرَ
بِرِضْوَانِ الله وَكَرَامَتِهِ فَلَيْسَ شَيْءُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا أَمَامَهُ فَأَحَبَّ لِقَاءَ الله وَأَحَبَّ اللهُ
لِقَاءَهُ، وَإِنَّ الْكَافِرَ إِذَا حُضِرَ بُشِّرَ بِعَذَابِ الله وَعُقُوبَتِهِ فَلَيْسَ شَيْءٌ أَكْرَةَ إِلَيْهِ مِمَّا أَمَامَهُ
فَكْرِهَ لِقَاءَ الله فَكَرِةَ اللهُ لِقَاءَهُ مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ](٢).
(وَعَنْ عِبَادَةِ بنِ الصَّامِت ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ الله) أي:
مصيره إلى الدار الآخرة لينال ما عند الله مما أعده لعباده المؤمنين، وذلك إنما ينشأ عن
ترك الدنيا وبغضها وتوطين النفس تصبيرها على الموت ومشاقه؛ لأنه الوسيلة إلى ذلك
(أَحَبَّ اللهُ لِقَاءَهُ) فأكرم نزله، وهيأ له من أنواع النعيم ما يليق بسعة فضله وكرمه.
(وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ الله) لمحبتة الدنيا واشتغاله بها وإيثارها على الدار الآخرة
(كَرِهَ اللهُ لِقَاءَهُ) فأبعده عن منازل المقربين وأدناه إلى دركات المعذبين.
(فَقَالَتْ عَائِشَةُ أَوْ بَعْضُ أَزْوَاجِهِ) شك من الراوي (إِنَّا) معشر بني آدم (لَتَكْرَهُ
الْمَوْتَ) أي: بالطبع والجبلة؛ لأنه عدم مع ما فيه من الألم والمشقة ما لا تطيق الجبلة
(١) أخرجه مسلم (١٩٠٨) وأبو يعلى (٣٣٧٢) وابن أبي عاصم في ((الجهاد)) (١٨٣) وأبو عوانة (٧٤٤٩).
(٢) أخرجه البخاري (٦٥٠٧)، والترمذي (١٠٨٨)، والدارمي (٢٨١٢).
٧
تتمة كتاب الجنائز/ باب تمني الموت وذكر،
البشرية حمله (قَالَ: لَيْسَ ذَلِكَ) أي: ليس الأمر كما فهمته من أن المراد باللقاء الموت
(وَلَكِنَّ) المراد ما تقرر مما يترتب على الموت؛ وذلك أن (الْمُؤْمِنَ إِذَا حَضَرَهُ الْمَوْتُ بُفِّرَ
بِرِضْوَانِ الله وَكَرَامَتِهِ).
﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ المَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا
تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ * تَحْنُ أَوْلَيَاؤُ كُمْ .... ﴾ [فصلت:٣٠ - ٣١].
(فَلَيْسَ شَيْءٌ) من الدنيا وزينتها (أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا أَمَامَهُ) من ذلك النعيم الواسع
المقيم الذي بشر به (فَأَحَبَّ) بسبب ذلك (لِقَاءَ الله) المترتب عليه هذه الكرامة التي
لا تُحد (وَأَحَبَّ اللّهُ لِقَاءَهُ) فزاد فيها ما لم يكن في خلده ولا خطر بباله (وَإِنَّ الْكَافِرَ
إِذَا حُضِرَ) أي: حضره الموت وملائكة العذاب وأنواعه، وكان حكمة البناء للمجهول
هنا زيادة التهويل بحذف الفاعل، ليتناول جميع ما ذكرته (بُشِّرَ) تميز به للمشاكلة أو
التهكم نحو: ﴿فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمِ﴾ [الانشقاق: ٢٤].
(بِعَذَابِ الله وَعُقُوبَتِهِ) إطناب بمزيد التهويل عليه أو المراد بأحدهما الغضب
وبالآخر العذاب ليكونا ضدي المحبة والكرامة في المؤمن (فَلَيْسَ شَيْءٌ) من
مكروهات الدنيا (أَكْرَهَ إِلَيْهِ مِمَّا أَمَامَهُ) من ذلك العذاب المقيم (فَكَرِة) بسبب ذلك
(لِقَاءَ اللّه فَكَرِهِ اللّهُ لِقَاءَهُ) وزاد في نكاله وعقابه (مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ).
١٦٠٢ - [وَ فِي رِوَايَة عَائْشة: وَالمَوْتُ قَبْلَ ذَلِكَ].
(وَفِي رِوَاية عَائشة: وَالموتُ قَبل ذلك) أي: قبل اللقاء، وهي صريحه في تغايرهما،
وأن الموت وسيلة إلى اللقاء.
وأخذ بعضهم منه أن المؤمن لا يرى الله في الدنيا ولا عند الموت، ومراده أن
ذلك لا يقع وهو المراد بـ: ﴿لَن تَرَانِي﴾ [الأعراف: ١٤٣] لا أنه ممتنع كما يزعمه المعتزلة
وإلا لم يسأله كليم الله وصفيه المحال عليه ألَّا يعلم ما يجب لله ويمتنع عليه، ولم ينبه
بعضهم للفرق بین المقامین، فنسب قائل ذلك للاعتزال وليس في محله.
فإن قلت: ومع ذلك لنبينا في الدنيا؛ لأن الأصح أنه رأى ربه بعين بصره ليلة
٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس
الإسراء، وإن أنكرته عائشة.
قلت: ذاك كان وهو ◌َّ قد جاوز السماوات السبع بمسافات لا يعلمها إلا الله
تعالى، وذلك ليس من الدنيا؛ إذ هو ما بين السماء والأرض.
١٦٠٣ [وَعَنْ أَبِي قَتَادَة أَنَّهُ كَانَ يُحَدِّثُ أَنَّ النبي ◌َّهِ مُرَّ عَلَيْهِ بِجَنَازَةٍ فَقَالَ:
مُسْتَرِيحُ أَو مُسْتَرَاحُ مِنْهُ. فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا الْمُسْتَرِيحُ وَالْمُسْتَرَاحُ مِنْهُ؟ قَالَ:
الْعَبْدُ الْمُؤْمِنُ يَسْتَرِيحُ مِنْ نَصَبِ الدُّنْيَا وَأَذَاهَا إِلَى رَحْمَةِ اللهِ وَالْعَبْدُ الْفَاجِرُ يَسْتَرِيحُ
مِنْهُ الْعِبَادُ وَالِْلَادُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ. مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ](١).
(وَعَنْ أَبِي قَتَادَة) ﴿ (أَنَّهُ كَانَ يُحَدِّثُ أَنَّ النبي ◌َّهُ مُرَّ عَلَيْهِ بِجَنَازَةٍ فَقَالَ:
مُسْتَرِيحُ) من أراح واستراح رجعت نفسه إليه بعد الإعياء (أو) للتنويع (مُسْتَرَاحُ
مِنْهُ) أي: لا يخلو الميت عن أن يكون من أحد هذين القسمين.
(فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا الْمُسْتَرِيحُ وَالْمُسْتَرَاحُ مِنْهُ؟ قَالَ: الْعَبْدُ الْمُؤْمِنُ
يَسْتَرِيحُ مِنْ نَصَبِ الدُّنْيَا) أي: تعبها (وَأَذَاهَا) ونسبة ذلك إليها مجاز، والمراد: تعب
وأذى ما فيها ومن فيها حال كونه ذاهبًا (إِلَى رَحْمَةِ الله) وما أعده لعباده المؤمنين في
قبورهم.
ومن ثم قال مسروق: ما غبطت شيئا بشيء كمؤمن في لحده؛ أي: قبره أمن من
عذاب الله، واستراح من الدنيا.
وقال أبو الدرداء: أُحب الموت اشتياقًا إلى ربي، وأُحبُّ المرض تكفيرًا لخطيئتي،
وأُحبُ الفقر تواضعًا.
(وَالْعَبْدُ الْفَاجِرُ يَسْتَرِيحُ مِنْهُ الْعِبَادُ وَالْبِلَادُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ) لأن الله تعالى
لفقده يدر المطر ويحي به الأرض والشجر والدواب، بعدما كان حبس عنها بشؤم
ذنوبه حتی هلکت.
(١) أخرجه البخاري (٦١٤٧) ومسلم (٩٥٠) ومالك (٥٧٣) وأحمد (٢٢٥٨٩) والنسائي (١٩٣٠) وابن
حبان (٣٠١٢) والبيهقي (٦٣٦٦).
٩
تتمة كتاب الجنائز/ باب تمني الموت وذكره
وفي الحديث: ((إن الحبارى لتموت هزلاً بذنب ابن آدم)(١) وخص؛ لأنه أبعد
الحيوان نجعة وطيرانًا؛ لأنه يُذبح فيؤخذ في جوفه الحبة الخضراء من بيت بينه وبينه
خمسة أيام؛ فإذا كان هذا بهذه القوة والسرعة للمكان المخصب ومات جوعًا بذنب ابن
آدم لعموم جدب أكثر الأرض، فما الظن بغيره مما لا يطير طيرانه (مُتَّفَقُ عَلَيْهِ).
وفيه أبلغ زاجر عن الذنوب؛ لأن من شؤمها أنها تكون سببًا لموت الحيوانات
وجوعهن حتى [الموت] ومن ثم جاء أنها تلعن المذنبين بسبب حبس النظر عنها
بذنوبهم.
١٦٠٤ - [وَعَنْ عَبَّدِ اللّه بِن عُمَر قَالَ: أَخَذَ رَسُولُ الله ◌َّهِ بِمَنْكِ فَقَالَ: كُنْ
فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبُ أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ، وَكَانَ يَقُولُ: إِذَا أَمْسَيْتَ فَلَا تَنْتَظِرِ الصَّبَاحَ، وَإِذَا
أَصْبَحْتَ فَلَا تَنْتَظِرِ الْمَسَاءَ وَخُذْ مِنْ صِحَّتِكَ لِمَرَضِكَ، وَمِنْ حَيَاتِكَ لِمَوْتِكَ. رَوَاهُ
الْبُخَارِيُّ](٩).
(وَعَنْ عَبْدِ الله بِن عُمَر) رضي الله عنهما (قَالَ: أَخَذَ رَسُولُ اللهِ وَيُّهِ بِمَنْكِبِي)
أي: ليزداد تضرع سماعه، وقلبه حتى يتم تلقيه لما يلقيه إليه (فَقَالَ: كُنْ فِي الدُّنْيَا)
بتركك جميع مألوفاتها، ومستلذاتها وعزلتك عمن لا ينفعك من أهلها.
(كَأَنَّكَ غَرِيبٌ) إذ من شأن الغريب يبعض لذاته، وانقطاعه عن الناس
ومخالطتهم وإن أقام أو سكن في بلد غربته (أَوْ) الأحسن كونها بمعنى بل (عَابِرُ
سْبِيلٍ) أي: سالك طريق لقصد بعيد في أودية ومفاوز مهلكة، ومن شأن هذا أنه لا
يقم لحظة ولا يسكن لمحة، بل هو دائم الاضطراب والانزعاج خائف مترقب ما يقع
به من القطيعة والهلاك، فكذلك السالك لطريق الآخرة ينبغي له أن يكون في هذه
الدار منقطعًا عن أهلها، وإن كان له مستقر وقرار فيها، وهي أدون المرتبتين، بل ينبغي
له أن يترقى عن هذه المرتبة إلى ما هو أعلى منها، وهو أن يضم إلى انقطاعه عن أهلها
(١) أخرجه بنحوه البيهقي في ((شعب الإيمان)) (٧٢٢١).
(٢) أخرجه البخاري (٦٤١٦)، وابن حبان (٦٩٩).
١٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس
دوام التنزه عن لذاتها، والخوف من آفاتها والانزعاج من فتنها وتهلكاتها وعدم
الاستقرار والفتور عن السير فيها إلى الله تعالى ومحابه ومرضاته.
(وَ) لما تحقق ابن عمر بهذه المرتبة العلية بواسطة ما سرى إليه من المعارف
النبوية الناشئة عن تلك اليد الكريمة (كَانَ يَقُولُ) حملاً للناس على التحلي بها (إِذَا
أَمْسَيْتَ فَلَا تَنْتَظِرِ الصَّبَاحَ، وَإِذَا أَصْبَحْتَ فَلَا تَنْتَظِرِ الْمَسَاءَ) وهذا معنى قوله في رواية
أخرى: ((وعد نفسك في أهل القبور)(١) أي: كن دائم السير إلى الله تعالى مستحضرًا
أنك ملاقيه في كل لحظة خارج عن الدنيا في أقرب لمحة غير مؤمل إذا أدركت الصباح
أن تدرك المساء أو بالعكس، ولا تفتر عما أنت بصدده من إدمان ذلك السير
واستمراره وإلا انقطعت عن مقصودك وهلكت في تلك الأودية.
ولما كان شأن كل من الغريب، وعابر السبيل أنه يستصحب ما يحفظ قوته
ويدفع حاجته ويمسك بِنْيتَه، ونبه ابن عمر سالك طريق الآخرة على أنه ينبغي له أن
يكون كذلك بقوله: (وَخُذْ مِنْ) أوقات (صِحَّتِكَ) أعمالاً تغتنمها فيها وتدخرها
(لِمَرَضِكَ) فإنك تعجز فيه عن مثلها، وعمرك لا يخلو من صحة وسقم؛ فاغتنم السير
الحثيث في أيام الصحة لجبر سيرك الضعيف أيام المرض (وَ) خذ (مِنْ) الأعمال
الصالحة الكثيرة مدة (حَيَاتِكَ) حتى في أوقات المرض ما ينفعك ذخيرة وعدة (لِمَوْتِكَ)
ولقاء ربك، وللفوز بما عنده (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ).
١٦٠٥ - [وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَ لَ قَبْلَ مَوْتِهِ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ يَقُولُ: لَا
يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ إِلَّا وَهُوَ يُحْسِنُ الظَّنَّ بِاللهِ- رَوَاهُ مُسْلِمْ](٢).
(وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ◌َ قَبْلَ مَوْتِهِ بِثَلَاثَةٍ أَيَّامٍ يَقُولُ: لَا يَمُوتَنَّ
أَحَدُكُمْ) على حالة من الأحوال (إِلَّا وَهُوَ) على حالة واحدة هي كونه (يُحْسِنُ الظَّنَّ
(١) أخرجه أحمد (٤٧٦٤)، والترمذي (٢٣٣٣)، وابن ماجه (٤١١٤)، وابن المبارك في ((الزهد)) (١٣)،
والطبراني (١٣٥٣٧)، والقضاعي (٦٤٤)، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (١٠٥٤٣).
(٢) أخرجه مسلم (٧٤١٢)، وأحمد (١٤٩٥٤)، وأبو داود (٣١١٥)، وابن ماجه (٤٣٠٦).
١١
تتمة كتاب الجنائز/ باب تمني الموت وذكره
بالله) أي: يظن أنه يغفر له ويرحمه مستحضرًا من أول مرضه إلى طلوع روحه حقارة
نفسه، وأن ربه غني عن عذابه وطاعته، وأنه لا يطلب العفو والإحسان إلا منه،
ويسن للحاضر عنده أن يطمعه في ذلك ما أمكنه بعد محاسن عمله وآيات الرجاء
وأحاديثه كما فعله ابن عباس بعمر وعائشة وابن عمرو بن العاص بأبيه ﴾.
وفي الحديث الصحيح: ((أنا عند ظن عبدي بي فلا يظن بي إلا خيرً))(١) (رَوَاهُ
مُسْلِمٌ) ومن التقييد في ذلك بالموت الملحق به مقدمته، وهو المرض جميعه كما تقرر
أخذ أئمتنا قولهم: الأصح أن الأفضل للصحيح استواء خوفه ورجائه؛ لأن الغالب
في القرآن ذكر الترغيب والترهيب معًا ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وَجُوهُ وَتَسْوَدُّ وَجُوهُ﴾
[آل عمران: ١٠٦].
﴿إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمِ * وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ [الانفطار:١٣ - ١٤].
قال النووي: وقد تتبعت الأحاديث الصحيحة في الخوف والرجاء، فوجدت
أحاديث الرجاء أضعاف أحاديث الخوف مع ظهور الرجاء فيها، وقول القاضي الصحيح
ترجیح الخوف ضعیف. انتهى.
ومحل الخلاف كما في ((الإحياء)): ألَّ يغلب عليه داء القنوط، أو داء اليأس وإلا
فالأفضل للأول الرجاء وللثاني الخوف.
(الفصل الثاني)
١٦٠٦ - [عَنْ مُعَاذٍ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِلَيهِ: إِنْ شِئْتُمْ أَنْبَأَتُكُمْ مَا أَوَّلُ مَا
يَقُولُ اللّهُ رَّكَ لِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمَا أَوَّلُ مَا يَقُولُونَ لَهُ. قُلْنَا: نَعَمْ يَا رَسُولَ الله،
قَالَ: إِنَّ اللّه يَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ: هَلْ أَحْبَبْتُمْ لِقَائِي؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ يَا رَبَّنَا. فَيَقُولُ: لِمَ؟
فَيَقُولُونَ: رَجَوْنَا عَفْوَكَ وَمَغْفِرَتَكَ. فَيَقُولُ: قَدْ وَجَبَتْ لَكُمْ مَغْفِرَتِي. رَوَاهُ فِي ((شَرْحِ
السُّنَّة)) وَأَبُو نُعَيْمِ فِي ((الحِلْيَة))](٢).
(١) تقدم تخريجه.
(٢) أخرجه أحمد (٢٢١٢٥)، ابن المبارك (٢٧٦)، والطيالسي (٥٦٤)، وابن أبي الدنيا في ((حسن الظن
=
١٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس
(عَنْ مُعَاذٍ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَهِ: إِنْ شِئْتُمْ أَنْبَأْتُكُمْ) أي: أخبرتكم
وعلقه بمشيئتهم؛ لأنه ليس مما يجب تعليمه ولحثهم على التفرغ لسماعه (مَا أَوَّلُ مَا
يَقُولُ اللّهُ وَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمَا أَوَّلُ مَا يَقُولُونَ لَهُ قُلْنَا: نَعَمْ يَا رَسُولَ الله،
قَالَ: إِنَّ اللّه يَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ: هَلْ أَحْبَبْتُمْ لِقَائِي؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ يَا رَبَّنَا) استعطاف
لمزيد عطائه ورضوانه (فَيَقُولُ لِمَ) أحببتم لقائي، وحكمة الاستفهام مع علمه تعالى
ببواطنهم إعلام السامعين بسبب محبتهم للقائه على حد: ﴿أُوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَكِن
لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِ﴾ [البقرة: ٢٦٠].
(فَيَقُولُونَ) سبب محبتنا له أننا (رَجَوْنَا عَقْوَكَ) عما اقترفناه ببواطنا (وَمَغْفِرَتَكَ)
لما جنيناه بظواهرنا (فَيَقُولُ: قَدْ وَجَبَتْ لَكُمْ) بمجرد فضلي وکرمي ووعدي الحق الذي
لا يخلف لا لكونكم تستحقون شيئًا يجب لكم علي؛ إذ لا يجب على الله شيء لأحد
من خلقه وإن جل، بل له عقاب المطيع وإثابة العاصي (مَغْفِرَتِي) الشاملة كالعفو
للتجاوز عن المعاصي الباطنة، والظاهرة فيهما، أعني: العفو والمغفرة كالفقير والمسكين
إن اجتمعا افترقا، وإن افترقا اجتمعا (رَوَاهُ) البغوي (في ((شَرْجِ السُّنَّة)) وَأَبُو نُعَيْم فِي
((الحِلْيَة))).
١٦٠٧ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِهِ: أَكْثِرُوا ذِكْرَ هَاذِمِ اللَّذَّاتِ
الْمَوْتِ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيّ وَابْنُ مَاجَه](١).
(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﴿ه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلهُ: أَكْثِرُوا ذِكْرَ هَاذِمِ اللَّذَّاتِ
الْمَوْتِ) بالحركات الثلاثة بتقدير هو أو؛ أعني: أو عطف بيان أو بدل من هاذم
بالمعجمة؛ أي: قاطعها وبالمهملة؛ أي: مزيلها من أصلها وعليه فهو استعارة تبعية أو
-
بالله)) (١٠)، والطبراني (٢٥١)، وأبو نعيم في ((الحلية)) (١٧٩/٨)، والبيهقي في ((شعب الإيمان))
(١٠٤٨)، والبغوي (٤٠/٣).
(١) أخرجه أحمد (٧٩١٢)، والترمذي (٢٣٠٧) وقال: حسن غريب. والنسائي (١٨٢٤)، وابن ماجه
(٤٢٥٨)، وابن حبان (٢٩٩٢)، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (١٠٥٥٩).
١٣
تتمة كتاب الجنائز/ باب تمني الموت وذكره
بالكناية شبه وجود اللذات، ثم زوالها بذكر الموت ماء مرتفع تهدمه صدمات هائلة
حتى لم يبق منه شيئًا (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيِّ وَابْنُ مَاجَه) وسنده صحيح على
شرطهما.
ومنه كالخبر الصحيح أيضًا: يا رسول الله من أكيس الناس وأحزم الناس؟
فقال: ((أكثرهم ذكرًا للموت واستعدادًا للموت أولئك الأكياس ذهبوا بشرف الدنيا
وكرامة الآخرة) (١).
أخذ أئمتنا قولهم: يسن لكل أحد صحيح، ومريض ذكر الموت بقلبه ولسانه، وإلا
فبقلبه، والإكثار منه حتى يكون نصب عينيه، فإن ذلك أزجر عن المعصية، وأدعى
إلى الطاعة كما يدل عليه زيادة النسائي: ((فإنه لا يذكر في كبير؛ أي: من الأمل إلا
قلله ولا يذكر في قليل؛ أي: من العمل إلا كثره)).
وزيادة ابن حبان («فإنه ما ذكره أحد في ضيق - أي: للنفس من شحها - بأمر
ديني أو دنيوي إلا وسعه)) أي: لأنه يوجب لها الخروج عن مألوفاتها لعلمه بأنه مفارق
لها ولا ذكره في سعة؛ أي: من الدنيا وغرورها إلا ضيقها؛ أي: أوجب الإعراض عنها
والتقلل منها بأدنى الكفاية.
١٦٠٨ - [وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﴾ أَنَّ نَبِيَّ الله ◌َ﴿ قَالَ: ذَاتَ يَوْمٍ لأَصْحَابِهِ: اسْتَحْيُوا
مِنَ اللهِ حَقَّ الْحَيَاءِ، قَالُوا: إِنَّا لَنَسْتَحِي مِنَ اللّه يَا نَبِيَّ الله وَالْحَمْدُ للهِ، قَالَ: لَيْسَ ذَلِكَ
وَلَكِنْ مَنِ اسْتَحَى مِنَ اللهِ حَقَّ الْحَيَاءِ، فَلْيَحْفَظِ الرَّأْسَ وَمَا وَعَى، وَالْبَطْنَ وَمَا حَوَى،
وَلْيَذْكُرِ الْمَوْتَ وَالْبِلَى، وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ تَرَكَ زِينَةَ الدُّنْيَا، فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدِ اسْتَخَى
مِنَ الله حَقَّ الْخَيَاءِ، رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّزْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيب](9).
(وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﴿ أَنَّ نَبِيَّ اللّهِ وَِّ قَالَ: ذَاتَ) صلة أو مؤكدة لذات زيد لرفع
توهم التجوز بإرادة مطلق الزمان (يَوْمٍ لأَصْحَابِهِ: اسْتَحْيُوا مِنَ اللهِ حَقَّ الْحَيَاءِ) الحياءِ
(١) أخرجه الطبراني في ((الكبير)) (٦٦٧٦).
(٢) أخرجه أحمد (٣٧٤٣)، والترمذي (٢٦٤٦)، والطبراني (١٠١٣٧)، والحاكم (٨٠٣٢).
١٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس
الحق الخالص الذي لا يشوبه شيء، والحياء هو حالة تعرض للإنسان من خوف ما
یعاب، ويذم به تحمله على أن یترکه ویعرض عنه.
(قَالُوا) ظنًّا منهم أن حق الحياء مطلق الطاعة، وإلا لم يقولوا ذلك أو أن المأمور
به مطلق الحياء بدليل اقتصارهم في الجواب عليه من غير أن يقولوا حق الحياء مع أنه
المطابق.
(إِنَّا لَنَسْتَجِي) زادوا في التأكيد إظهارًا لما هم عليه من الطاعة لله ولرسوله
(مِنَ الله) فيه أن مدح النفس لحاجة لا محذور فيه، وأنه يجوز الاعتماد في الإخبار على
الظن، وإن بان خلاف الواقع وأنه لا يعاب على المخبر حينئذ (يَا نَبيَّ الله) آثروه؛ لأن
الإنباء: الإخبار وهم مخبرون عما في قلوبهم؛ أي: يا من هو المخبر أو المخبر عن الله
بما تصدقنا فيما قلنا (وَالْحَمْدُ لله) على توقفنا لما أخبرنا به عن أنفسنا من إنا مقيمون
على الطاعة.
(قَالَ: لَيْسَ) المراد بحق الحياء (ذَلِكَ) الذي ذكرتموه من مطلق الحياء، وكان
القياس ذللتم؛ لأن الخطاب لجماعة، وكأنه نزلهم منزلة المفرد حثًّا لهم على المقاصد،
والقاصر حتی یصیروا کالرجل الواحد.
(وَلَكِنْ) المراد به حفظ ما يأتي فحينئذ (مَنِ اسْتَحَى مِنَ اللّه حَقَّ الْحَيَاءِ،
فَلْيَحْفَظِ الرَّأْسَ) عن أن يخضع به لغير الله أو يرفعه تكبرًا على أهله (وَمَا وَعَى) من
الحواس الظاهرة والباطنة كالسمع والبصر واللسان حتى لا يستعمل واحدًا منها إلا
فيما خلق لأجله من صرفه للطاعة، وكفه عن الباطل والمعصية دائمًا كسماع الحسن
والنطق به والكف عن ضده، وكالنظر في المصنوعات بفكر أو اعتبارًا إلا المنهيات.
وآكد هذه اللسان، ومن ثم قال : «وهل يكب الناس على وجوههم في النار
إلا حصائد ألسنتهم))(١) ثم البصر؛ لأنه زائد القلب الذي هو قطب البدن وسلطانه إن
(١) أخرجه أحمد (٢٢٠٦٩)، والترمذي (٢٦١٦) وقال: حسن صحيح. وابن ماجه (٣٩٧٣)،
والطيالسي (٥٦٠)، والحاكم (٣٥٤٨) وقال: صحيح على شرط الشيخين. والبيهقي في ((شعب
-
١٥
تتمة كتاب الجنائز/ باب تمني الموت وذكره
صلح صلح، وإن فسد فسد (وَالْبَطْنَ) عن أن ينزل فيه حرام.
(وَمَا حَوَى) من القلب عن أن يخطر فيه غير الله تعالى مع تحليه بالعلوم
والمعارف والفرج واليدين والرجلين عن أن يستعمل واحدًا منها في معصية أو باطل،
وإدخال هذه فيما وعاه البطن فيه تجوز ويجمع هذا كله قوله تعالى: ﴿اتَّقُوا الله حَقَّ
تُقَاتِهِ﴾ [آل عمران: ١٠٢].
فسره # بأن يذكر فلا ينسى، ويشكر فلا يكفر ويطاع فلا يعصى، ومن هذا
أخذوا قولهم: كمال الشكر صرف العبد جميع ما أنعم الله به عليه إلى ما خلق لأجله
لكن لصعوبة هذا المقام، شكا الصحابة * عدم وفائهم بكماله تنزل ترويحًا لهم
﴿فَاتَّقُوا الله مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦] على أنه فسر بما يقارب الأول حيث قيل:
المراد بالغوا في التقوى حتى لا تتركوا من المستطاع منها شيئًا، ثم بيَّن الحامل على
التحلي بالمستطاع من هذه المرتبة.
وهو الأمر بدوام ذكر الموت والبلاء، فقال: (وَلْيَذْكُرِ الْمَوْتَ وَالْبِنَى) لجميع جسده
[وترك الذنب، والندم عليه] كما صحت به السنة؛ إذ يذكر الخروج من هذه الدار
والتجرد عن جميع ما كان عليه فيها إلا عمله مع تذكر تمزق أعضائه، وبلاء جسمه
تعرض النفس الصادقة عن جميع مستلذاتها وتنقطع إلى الله باذلة جميع مقدوراتها في
موجبات رضاه، وعدم الالتفات لما سواه وكيف لا.
(وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ) أي: أن يكون فيها سالمًا من جميع المنغصات (تَرَكَ زِينَةَ
الدُّنْيَا) المشغلة الملهية عن الله تعالى كما قال: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ
وَالْبَنِينَ .. ﴾ [آل عمران:١٤] اعلموا ﴿إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبُ وَلَهْوٌ .. ﴾ [محمد: ٣٦]
[ ..... ] ما مرَّ، وفي هذا تذييل لذلك بما حاصله أن تحري رضا الله وقربه ببذل النفس
في أسبابهما، والإعراض عما سواه ودوام طاعته وشهوده هو حسن الأدب معه
-
الإيمان)» (٤٢٢٥)، والطبراني (٢٩٢).
١٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس
والاستحياء منه.
ومن ثم فرع على ذلك قوله: (فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ) جميعه بأن لم ينحل منه عضو
ظاهر ولا باطن ولا حاسة كذلك بعيب (فَقَدِ اسْتَحَى مِنَ اللهِ حَقَّ الْحَيَاءِ) فهنيئًا له أن
يديم عليه كمال رضاه وقربه، ومن لم يصل لذلك فبعيد عن الحياء منه فضلاً عن
حقه، وكيف لا والإنسان كله عيوب ونقائص متعين عليه أن يسعى في تطهيره عن
الرذائل والمعائب ما أمكنه (رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيب) أي: ومع
غرابته سنده حسن.
قال النووي نقلاً عن بعض أكابر أئمتنا المجتهدین: ويستحب الإكثار من ذكر
هذا الحديث؛ أي: لما تقرر أن دوام ذكره ينقل الإنسان من سنة الغفلة وظلمة المعصية
إلى نقطة التذكر والتفكر ونور الطاعة، وينبغي للموفق أن يستحضر أيضًا خبر ابن
ماجه بسند حسن ((أنه ﴾﴾ أبصر جماعة يحضرون قبرًا فبكى حتى بل التراب بدموعه،
وقال: إخواني لمثل هذا فأعدوا)) أي: تأهبوا وخذوا له عدة وهي ما يعد للحوادث.
١٦٠٩ - {وَعَنْ عَبْد الله بِن عُمَر قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: تُحِفَةُ الْمُؤْمِنِ الْمَوْتُ.
رَوَاهُ الْبَيْهَِي فِي ((شُعَبِ الإِيْمَانِ))](١).
(وَعَنْ عَبْد الله بِن عُمَر) رضي الله عنهما (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: تُحِفَةُ
الْمُؤْمِنِ) بسكون الحاء، وقد تفتح أصلها طرفة الفاكهة وتاؤها بدل من واو كتراث،
وأريد بها هنا ما له عند الله من النعيم المقيم (الْمَوْتُ) لأنه الوسيلة إلى هذه السعادة
الأبدية والدرجات العلية، فالنظر متوجه إلى غايته معرض عن بدايته من الفناء
والزوال والتمزق والاضمحلال (رَوَاهُ البَيْهَقِي فِي ((شُعَبِ الإِیْمَانِ))) وفيه آكد حث على
تحبيب الموت إلى النفس لتكون مطمئنة به سالمة من فتنته إذا نزل بها.
١٦١٠ - [وَعَنْ بُرَيْدَة قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: المُؤمِن يَمُوتُ بِعَرَقِ الْجَبِينِ. رَوَاهُ
(١) أخرجه ابن المبارك (٥٩٩)، والحاكم (٧٩٠٠) وقال: صحيح الإسناد. وأبو نعيم في (الحلية)) (٨/
١٨٥)، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (١٠٢٠٨)، وعبد بن حميد (٣٤٧).
١٧
تتمة كتاب الجنائز/ باب تمني الموت وذكره
التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِي وَابْن مَاجَه](١).
(وَعَنْ بُرَيْدَة) ﴾ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّ: المُؤمِن) من علامات صدقه أنه
(يَمُوتُ بِعَرَقِ الْجَبِينِ) أي: لما يلاقيه من شدة النزع التي تغلب في المؤمنين ليمحص
بقية ذنوبهم وترفع درجاتهم كما في حديث آخر، وقيل: هو كناية عن كده لنفسه في
طلب المعيشة من الحلال، وتضييقه عليها بالصوم وبقية العبادات إلى أن يلقى الله
على ذلك (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِي وَابْنِ مَاجَه).
١٦١١ - [وَعَنِ عَبْدِ الله بِن خَالِدِ ﴿ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِهِ: مَوْتُ الْفَجْأَةِ
أَخْذَةُ الأَسَف. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدٍ، وَالْبَيْهَقِي فِي ((شُعَبِ الإِيْمَانِ))، وَرَزِينُ فِي كِتَابِهِ: «أَخْذَةُ
الأَسَف لِلكَافِرِ وَرَحْمَة لِلْمُؤْمِنِ))](٢).
(وَعَنِ عَبْدِ اللّه بِن خَالِدِ ﴿هَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: مَوْتُ الْفَجْأَةِ) بضم
الفاء مع المد أو القصر وبفتحها مع القصر، وهي: البغتة (أَخْذَةُ الأَسَف) بكسر
السين؛ أي: الغضبان وفتحها؛ أي: الغضب والإضافة بمعنى من؛ لأن القرار
استعمل الأخذ في الانتقام والغضب ﴿إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾ [الأعراف:
٩٤].
﴿فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلاً﴾ [المزمل: ١٦].
﴿أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً﴾ [الأنعام:٤٤] أي: انتقامة من الانتقامات التي تحل بالكافر
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) وَرَزِينُ فِي كِتَابِهِ: أَخْذَةُ الأَسَف لِلكَافِرِ
وَرَحْمَة لِلْمُؤمِنِ) واستعمال الأخذ هنا للمشاكلة أو نظرًا لأصله اللغوي، وحكمة ذلك
أن الكافر لما لم يرج له فلاح أخذ على بغتة ولم يترك يسعد كمن مضى من القرون قبله
بخلاف المؤمن.
(١) أخرجه أحمد (٢٣٠٩٧)، والترمذي (٩٨٢) وقال: حسن. والنسائي (١٨٢٩)، وابن ماجه (١٤٥٢)،
والطيالسي (٨٠٨)، وابن حبان (٣٠١١)، والحاكم (١٣٣٣) وقال: صحيح على شرط الشيخين.
وأبو نعيم في ((الحلية)) (٢٢٣/٩)، والبيهقي في («شعب الإيمان)) (١٠٢١٣).
(٢) أخرجه أبو داود (٣١١٢)، وأحمد (١٥٨٩٥)، والبيهقي (٦٨٠٩).
١٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس
فإن قلت: عد الموت بغتة رحمة نافى ما مر آنفًا في أحاديث كحديث: ((ما أغبط
أحدًا بهون موت)»(١) واللذين بعده من مدح الموت عن الشدة دون الراحة.
قلت: لعل ذاك باعتبار الغالب يكون هذا من غير الغالب وفيه نظر، وأحسن
منه أن مدحه باعتبار ما فيه من السلامة عن الفتن التي تعرض عند النزع من مجيء
الشيطان بجنوده في صور أهل المحتضر بزي اليهود والنصارى قائلين له: نحن أقاربك
وأهلك ووجدنا اليهودية والنصرانية خير الملل، وغير ذلك من الفتن المهلكة إلا من
عصم الله حقق الله لنا تمام الحفظ والعصمة من ذلك كله بمنِّه وكرمه آمین.
١٦١٢ - [وَعَن أَنَسِ قَالَ: دَخَلَ النبيّ ◌َلَ عَلَى شَابٌّ وَهُوَ فِي الْمَوْتِ فَقَالَ: كَيْفَ
تَجِدُكَ قَالَ: أَرْجُو اللّه يَا رَسُولَ الله وَإِّ أَخَافُ ذُنُوبِ فَقَالَ رَسُولُ اللهِوَُّ: لَا يَجْتَمِعَانِ
فِي قَلْبِ عَبْدٍ فِي مِثْلِ هَذَا الْمَوْطِنِ إِلَّا أَعْطَاهُ اللهُ مَا يَرْجُو وَآمَنَهُ مِمَّا يَخَافُ. رَوَاهُ
التّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَه، وَقَالَ التِّرْمِذِي: هَذَا حَدِيْثٌ غَرِيْبُ](٢).
(وَعَن أَنَسِ قَالَ: دَخَلَ النبي ◌َّهَ عَلَى شَابٍّ وَهُوَ فِي) سياق (الْمَوْتِ فَقَالَ: كَيْفَ
تَجِدُكَ) أي: على أي حالة من حالات الرجاء أو ضده تدرك نفسك متلبسة بها، واتحاد
الفاعل والمفعول لا تدع فيه في أفعال القلوب (قَالَ) أجدني (أَرْجُو الله) أي: رحمته
وعفوه (يَا رَسُولَ الله) اعتراض توسل به إلى تحقيق رجائه، وزوال خوفه بما فيه من
وصف الرسالة المنبئ عن غاية المكانة وإجابة القول.
(وَإِّ) مع هذا الرجاء (أَخَافُ ذُنُوبِي) أي: العقاب عليها، والبعد بسببها خص
مقام الرجاء بالجملة الفعلية، وإسناده إلى الله والخوف بالجملة الاسمية المؤكدة،
وإسناده للذنب إعلامًا بأن خوفه متحقق مستمر، وأن رجاءه إنما حدث وتجدد في هذا
(١) أخرجه الترمذي (٩٩٥).
(٢) أخرجه عبد بن حميد (١٣٧٠)، والترمذي (٩٨٣) قال: حسن غريب. والنسائي في الكبرى
(١٠٩٠١)، وابن ماجه (٤٢٦١)، وأبو يعلى (٣٣٠٣)، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (١٠٠٢)، والضياء
(١٥٨٧).
١٩
تتمة كتاب الجنائز/ باب تمني الموت وذكره
المقام عملاً بما هو الأحق على المريض من ترجيح جانب خوفه امتثالاً لخبر ((لا
يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله))(١) وبأن الأولى نسبة الشريف لله
وضده للنفس ﴿ وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينٍ﴾ [الشعراء:٨٠] ﴿بِيَدِكَ الْخَيْرُ﴾ [آل عمران:
٢٦] ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ﴾ [النساء:
٧٩].
(فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّة) هاتان الخصلتان، وهما وجود الرجاء والخوف لكن
الرجاء أرجح (لَا يَجْتَمِعَانِ فِي قَلْبٍ عَبْدٍ فِي مِثْلٍ) قيل: زائدة وليس بمتعين، بل هي على
حد قوله: ((مثلك لا يبخل)) ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] على أحد الآراء فيه
(هَذَا الْمَوْطِنِ) أي: مكان الموت أو زمنه، ويصح أن يراد به هذه الحالة التي هي حالة
السياق والنزع (إِلَّا أَعْطَاهُ اللهُ مَا يَرْجُو) من رحمته (وَآمَنَهُ مِمَّا يَخَافُ) من الذنوب
بمغفرتها والعفو عنها (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابن مَاجَه، وَقَالَ التِّرْمِذِي: هَذَا حَدِيْثُ
غَرِیْبُ).
(الفصل الثالث)
١٦١٣ - [عَنْ جَابِرِ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَُّ: لَا تَمَنَّوا الْمَوْتَ فَإِنَّ هَوْلَ
الْمَطْلَعِ شَدِيدٌ وَإِنَّ مِن السَّعَادَةِ أَنْ يَطُولَ عُمْرُ الْعَبْدِ وَيَرْزُقَهُ اللهُ وَ الْإِنَابَةَ. رَوَاهُ
أحْمَد] (٢).
(عَنْ جَابِرِ ◌َ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِلهَ: لَا تَمَنَّوا) أصله: تتمنوا (الْمَوْتَ فَإِنَّ
هَوْلَ الْمَطْلَعِ) أي: ما يلقاه المريض عند النزع ويشرف عليه حينئذٍ (شَدِيدُ) وربما لا
يصبر بأن يشكل إلى كون تمنيه عبثًا؛ فيكون سببًا لفتنته ونقصه، وعبر عن ذلك
بالمطلع الذي هو مكان الاطلاع، والإشراف من موضع عال كمطلع هذا الجبل كذا؛
(١) تقدم تخريجه.
(٢) أخرجه أحمد (١٤٦٠٤)، وعبد بن حميد (١١٥٥)، والحاكم (٧٦٠٢) وقال: صحيح الإسناد.
والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (١٠٥٨٩).
٢٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس
أي: مصعده تشبيهًا لإشراف ذلك على تلك الشدائد بإشراف هذا على ما تحت ذلك
العالي.
فإن قلت: الهول: الشدة، فكيف أخبر عنه بشديد؟
قلت: أراد بهوله خطره، وهو يصح وصفه بالشدة، ثم علل النهي بعلة ثانية هي
أن طول العمر مع ختمه بالإماتة كيف يتمنى فوته بتمني تعجيل الموت، وهو من كمال
السعادة.
فقال: (وَإِنَّ مِن السَّعَادَةِ أَنْ يَطُولَ عُمْرُ الْعَبْدِ وَيَرْزُقَهُ اللهُ رَكَ الْإِنَابَةَ) أي:
الرجوع إليه بامتثال أوامره واجتناب مناهيه مع صدق التوبة وإخلاص الأوبة؛ لأن
الإنسان إنما خلق لعبادة ربه واكتساب السعادة الأبدية، فالعمر هو رأس ماله
وتضييعه المستلزم لفوات ربحه هو الخسار الأكبر (رَوَاهُ أحْمَد).
[وَعَنْ أَبِي أُمَامَة قَالَ: جَلَسْنَا إِلَى رَسُولِ اللهِوَّهِ فَذَكَّرَنَا وَرَفَّقَنَا فَبَكَى
١٦١٤
سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ فَأَكْثَرَ الْبُكَاءَ، فَقَالَ: يَا لَيْتَنِي مِتُّ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: يَا سَعْدُ،
أَعِنْدِي تَتَمَنَّى الْمَوْتَ فَرَدَّدَ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ثُمَّ قَالَ: كُنْتَ خُلِقْتَ لِلْجَنَّةِ فَمَا طَالَ مِن
عُمْرِكَ وَحَسُنَ مِنْ عَمَلِكَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ رَوَاهُ أَحَمَدُ](١).
(وَعَنْ أَبِي أُمَامة) عده (قَالَ: جَلَسْنَا) متهياً جلوسنا (إِلى) مجلس (رَسُولِ الله ◌ِّيه
فَذَكَّرَنَا) العواقب، وما مال الناس إليه من أهوال القبور والآخرة (وَرَقَّقَنَا) أي: رقق
قلوبنا بذلك التذكير فلانت للاستكثار من الطاعة، والإعراض عما سوى الله تعالى
ترهيبًا من عقاب الله، وترغيبًا فيما عنده (فَبَكَى سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ فَأَكْثَرَ الْبُكَاءَ)
تعظيم ما حصل عنده من الخوف والرقة.
(فَقَالَ: يَا لَيْتَنِي مِتُ) قبل ذلك حتى استريح مما اقترفت (فَقَالَ رَسُولُ الله ◌ِلّ:
يَا سَعْدُ، أَعِنْدِي تَتَمَنَّى الْمَوْتَ) وقد نهیت عن تمنیه لما فيه من النقص وعدم الرضا
بالقضاء (فَرَدَّدَ ذَلِكَ) التأنيب لسعد (ثَلَاثَ مَرَّاتٍ) مبالغة في زجره عن عوده لتمني
(١) أخرجه أحمد (٢٢٩٥٣).