النص المفهرس

صفحات 361-380

٣٦١
تتمة كتاب الصلاة/ باب صلاة الخسوف
معنييه الحقيقي والمجازي يدل عليه الرواية الآتية: ((فادعوا الله وكبروا وصلوا)(١).
وقيل: إنما أمر بذلك لدلالتهما على قرب الساعة وفتنتها.
(قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، رَأَيْنَاكَ تَنَاوَلْتَ شَيْئًا فِي مَقَامِكَ هَذَا) الذي وعظتنا فيه
وخوفتنا (ثم رأيناكَ تَكَعْكَعْتَ) أي: تأخرت وأحجمت (فَقَال: إِني رأيتُ الجنةَ) أي:
حقيقة؛ لأنه الأصل وبدليل (فَتَنَاوَلْتُ مَنْها عُنْقُودًا، وَلَوْ أَخذَتُهُ) أي: استمريت على
أخذه، أو المراد ((تناولت)»: أردت أن أتناول (لَأَّكَلْتُمْ مِنْهُ) معشر الأمة قرنًا بعد قرن
(مَا بَقِيَتِ الدُّنْيَا) لأن كل ما أخذ منه يخلق بدله حالاً؛ لأن ثمر الجنة كذلك على ما
روي، وسبب تركه ويثير له: أنهم رأوه؛ لزوال إيمانهم بالغيب وصار عيانًا فتوقع التكليف
وتبطل الشريعة.
قال تعالى: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي
عِبَادِهِ﴾ [غافر:٨٥].
﴿ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا﴾ [الأنعام: ١٥٨].
(وَأُرِيثُ النَّارَ) حقيقة أيضًا (فَلَمْ أَرَ كَالْيَوْمِ) أي: في الدنيا، فلا ينافي كونه رآها
ليلة المعراج (مَنْظَرًا) أي: لم أرَ منظرًا مثل المنظر الذي رأيته اليوم (قَطْ أَفْظَعَ) أي:
أشد وأبشع منه (وَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا) أي: من المسلمين؛ أي: مطلقًا (النِّسَاءَ) قد يشكل
عليه ما جاء في حديث الطبراني: ((إن أدنى أهل الجنة يُمسي على زوجتين من نساء
الدنيا)»(٤) فكيف يكن مع ذلك أكثر أهل النار وهن أكثر أهل الجنة؟.
وجوابه: إنهن أكثر أهلها ابتداء، ثم يخرجن ويدخلن الجنة فيصرن أكثر أهلها
انتهاءً، والمراد: إنهن أهلها بالقوة، ثم يعفُ الله عنهن.
(فَقَالُوا: بِمَ) أي: بأيّ سبب كن أكثر أهلها؟ (يَا رَسُولَ اللهِ، بِكُفْرِهِنَّ بِالله؟
(١) أخرجه مالك (٤٤٤)، والبخاري (٩٩٧) ومسلم (٩٠١)، وأبو داود (١١٨٠)، وأحمد (٢٥٣٥١)،
والنسائي (١٤٧٤)، وابن ماجه (١٢٦٣)، وابن خزيمة (١٣٨٧).
(٢) ذكره القاري (١٧٤/٥).

٣٦٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الخامس
قَالَ) لا، وإنما (يَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ) أي: نعمة الزوج، سمي بذلك؛ لأنه معاشر وصاحب
(وَيَكْفُرْنَ الإِحْسَانَ) الواصل اليمين منه أو من غيره مع العطف مبيِّنة للجملة الأولى
كـ((أعجبني زيد وكرمه)) والأول أولى؛ لأنه أكثر فائدة.
وبيان ذلك: إنك أيها المخاطب الذي يتأتى منه الإحسان (لَوْ أَحْسَنْتَ إِلَى
إِحْدَاهُنَّ الدَّهْرَ) أي: الزمن الطويل (ثُمَّ رَأَتْ مِنْكَ شَيْئًا) تكرهه ولو تافهًا كما أفاده
منكر شيء (قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ مِنْكَ خَيْرًا فَظُ) فتنكر لأجل الشيء التافه إحسان الدهر،
وإنكار النعمة كفرها، والاعتراف بها شكرها، وكفر نعمة الخلق دليل على كفر
نعمة الحق ((لا يشكر الله من لا يشكر الناس))(١) على رواية نصبهما (مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ).
١٤٨٣ - [وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - بنحو حديث ابن عباس قالت: ثُمَّ
سَجَدَ فَأَطَالَ السُّجُودَ، ثُمَّ انْصَرَفَ وَقَد انْجَلَتِ الشَّمْسُ فَخَطَبَ النَّاسِ، فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى
عَلَيْهِ، فَقَالَ: إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللهِ، لَا يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا
لِخِيَاتِهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ فَادْعُوا اللهَ وَكَبِّرُوا وَصَلُّوا وَتَصَدَّقُوا، ثُمَّ قَالَ: يَا أُمََّ مُحَمَّدٍ، مَا
مِنْ أَحَدٍ أَغْيَرُ مِن الله أَنْ يَزْنِيَ عَبْدُهُ أَوْ تَزْنِيَ أَمَتُهُ، يَا أُمَّةً مُحَمَّدٍ لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ
لَضَحِكْتُمْ قَلِيلاً}(٩).
(وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - بنحو حديث ابن عباس قالت: ثُمَّ سَجَدَ
فَأَطَالَ السُّجُودَ) فيه رد لقول جمع من أصحابنا: لا يُسن تطويله (ثُمَّ انْصَرَفَ وَقَد
انْجَلَتِ الشَّمْسُ فَخَطَبَ النَّاس) فيه أنه يُسن للإمام ولو بعد الانجلاء كما أفاده عطف
(خطب)) على ((انجلت)) بالفاء أن يخطب بعد صلاة الكسوف خطبتين، أركانها كأركان
(١) أخرجه البخاري في «الأدب المفرد)) (٢١٨)، وأحمد (٧٩٢٦)، والطيالسي (٢٤٩١)، وأبو داود
(٤٨١١)، وابن حبان (٣٤٠٧)، وأبو نعيم في ((الحلية)) (١٦٥/٧)، والبيهقي (١١٨١٢) وفي (شعب
الإيمان» (٩١١٧)، والقضاعي (٨٢٩).
(٢) أخرجه مالك (٤٤٤)، والبخاري (٩٩٧)، ومسلم (٩٠١)، وأحمد (٢٥٣٥١)، وأبو داود (١١٨٠)،
والنسائي (١٤٧٤)، وابن ماجه (١٢٦٣)، وابن خزيمة (١٣٨٧).

٣٦٣
تتمة كتاب الصلاة/ باب صلاة الخسوف
خطبتي الجمعة، ثم بين الخطبة بقوله: (فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، فَقَالَ: إِنَّ الشَّمْسَ
وَالْقَمَرَ آيَتَانٍ مِنْ آيَاتِ اللهِ، لَا يَخِْفَانٍ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِخِيَاتِهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ
فَادْعُوا اللهَ) أي: يعافيكم من عقابه، وأن يغمركم بواسع جوده وكرمه ورحمته.
(وَكَبِّرُوا) الله؛ أي: عظّموه كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه (وَصَلَّوا)
صلاة الكسوف؛ لتأمنوا بركة الصلاة من كل مكروه ومحذور، ويستفاد منه الأمر
بالصلاة لخسوف القمر كالشمس، والرد على من فرق بينهما (وَتَصَدَّقُوا) فإن الصدقة
تدفع البلاء.
(ثُمَّ قَالَ) لترى ذلك التخويف والتحريض على الفزع إلى الله والالتجاء إليه
بالدعاء والصلاة إرداعًا عن المعاصي كلها، لا سيما فواحشها، لا سيما الزنا (يَا أُمَّةَ
مُحَمَّدٍ) فيه ذكر الباعث لهم على الامتثال، وهو نسبتهم إليه، ومزيد محبته لهم ورأفته
بهم وخوفه عليهم (مَا مِنْ أَحَدٍ أَغْيَرُ مِن الله) أصل الغيرة: الحمية على الحُرم، والأنفة
من أن يقع بهن عار وإن دقَّ، والمراد بها في حقه تعالى على القاعدة الشهيرة، ومنعه
تعالى بما يستحيل عليه ما هو غايتها من إظهار غضبه على الزاني وحلول نَڪاله به.
ويجوز مع ملاحظة ذكر عبده أو أَمَته أن يكون من باب الاستعارة المصرحة
التبعية، شبَّه حالة ما يفعله تعالى بعبده الزاني أو أَمَته الزانية من الانتقام بحالة ما
يفعله السيد بقنّه الزاني بحُرمه من إهلاكه له فورًا على أفظع هيئة وأشنعها.
(أَنْ) معمول لـ(أغير)) وحذف الجار منه مطرد (يَزْنِيَ عَبْدُهُ أَوْ تَزْنِيَ أَمَتُهُ) آثرهما
دفعًا لما يتوهم هنا من لفظ ((الغيرة)) إذ هي غالبًا إنما تقع من قريب أو زوج (يَا أُمَّةً
مُحَمَّدٍ) كرره زيادة في حثهم على اتباعه وامتثال أمره ونهيه (لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ) من
جلال الله وكبريائه وعظيم غضبه وعقابه، وأنه لا يجب لأحد عليه شيء، وأن له أن
يفعل بمن شاء ما شاء وإن جلَّت مرتبته (لَضَحِكْتُمْ قَلِيلاً) لاستيلاء سلطان الخوف
على قلوبكم دائمًا أو غالبًا، فبالاعتبار الثاني القلة على حالها، وبالاعتبار الأول هي
بمعنى العدم.

٣٦٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الخامس
والظاهر أن الأول خلافًا لمن جزم بالثاني؛ لأنه وَل علم ذلك، ووقع منه ضحك
قليلاً، لكنه للتشريع والتنبيه على تعجب عظيم من وقوع ذلك الشيء كما في حديث
المجامع في رمضان.
والاستدلال للثاني بأنه نظير قوله: ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلاً﴾ [التوبة: ٨٢] يرد بأن
كون القلة ((ثم)) بمعنى العدم واضح؛ لأن الكلام ثَمَّ في قوم كفار مخلدين أبدًا في جهنم،
فهم لعدم تصور ضحك منهم مطلقًا بكون القلة فُهِم بمعنى العدم بخلافها فيما نحن
فيه؛ لأنه في مسلمين، والمسلم وإن علم ما قد يتجلى عليه من أنوار جمال الله وشهود
واسع إنعامه وإكرامه ما يستقر الفرح والسرور به إلى الضحك قهرًا عليه ﴿قُلْ
بِفَضْلِ الله وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ [يونس: ٥٨] فتعين أن العلة هنا على بابها
فتأمله.
١٤٨٤ [وَعَنْ أَبِي مُوسَى ﴾ قَالَ: خَسَفَتِ الشَّمْسُ فَقَامَ النَّبِيُّ ◌َ فَزِعًا يَخْشَى أَنْ
تَكُونَ السَّاعَةُ فَأَتَى الْمَسْجِدَ، فَصَلَّى بِأَطْوَلِ قِيَامٍ وَرُكُوعِ وَسُجُودٍ مَا رَأَيْتُهُ قَطْ يَفْعَلُهُ
هَذِهِ الْآيَاتِ الَّتِي يُرْسِلُ اللهُ لَا تَكُونُ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا ◌ِخِيَاتِهِ، وَلَكِنَّ ◌ُخَوِّفُ اللهُ بِهَا
عِبَادَهُ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ شَيْئًا مِنْ ذَلِك، فَافْزَعُوا إِلَى ذِكْرِهِ وَدُعَائِهِ وَاسْتِغْفَارِهِ(١). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ].
(وَعَنْ أَبِي مُوسَى عَُّ قَالَ: خَسَفَتِ الشَّمْسُ فَقَامَ النَّبِيُّ وَلِ فَزِعًا) لقوله: («أنا
أعلمكم بالله وأخوفكم منه)»(٢) مع قوله تعالى: ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾
[الإسراء: ٥٩].
(يَخْشَى أَنْ تَكُونَ السَّاعَةُ) [وإلا فكان النبي عالمًا بأن الساعة لا تقوم وهو بین
أظهرهم] (٣) ومن ثم أخبر بمغيبات كثيرة وفتن جمة تكون بعده؛ ولأن الله وعده
(١) أخرجه البخاري (١٠٥٩)، ومسلم (٩١٢)، والنسائي (١٥٠٣)، وابن حبان (٢٨٣٦)، وأبو يعلى
(٧٣٠٢)، وابن خزيمة (١٣٧١)، والطحاوي (٣٣١/١).
(٢) ذكره العجلوني في ((كشف الخفاء)» (٢٠٠/١).
(٣) في الأصل: «أي فزع من يخشى ذلك؛ لعلمه ول﴿ لا تقوم وهو بين أظهرهم)) والمثبت من ((مرقاة
-

٣٦٥
تتمة كتاب الصلاة/ باب صلاة الخسوف
إعلاء دينه على الدين كله، فزعه إنما كان خشية أن يقع بأهل الأرض عذاب يستأصل
أكثرهم كما وقع للأمم قبلهم، وتقدير المضاف الذي ذكرته في كلام أبي موسى أصوب
من قول شارح: أخطأ أبو موسى في هذا الظن الذي حكم به على النبي ◌َّ بعد فتح
خيبر، وهو لا أعلم بذلك في سورة الفتح قبل خيبر.
وقيل: يحتمل أن فزعه إنما كان لما كشف به من الأهوال ووقوع العذاب، فذهل
عما أخبر به، فخشي أن تكون الساعة كما أن الرسل يجيبون يوم القيامة بلا علم لنا
ذهولاً عن الجواب، ثم يجيبون بعدما ترجع إليهم عقولهم بالشهادة على أممهم، وأن أبا
موسى هو الذي ذهل؛ لما شاهده من عظيم فزعه وَل﴾ وخوفه.
(فَأَتَى الْمَسْجِدَ فَصَلَّى) فيه ردًّا للقول بأنه يُصلَّى فرادى في البيوت (بِأَطْوَلِ قِيَامِ
وَرُكُوعِ وَسُجُودٍ مَا رَأَيْتُهُ قَطْ يَفْعَلُهُ) أي: ورآه حذيفة يفعل أطول منه في صلاة الليل
حيث قرأ في ركعة بـ(البقرة)) و(آل عمران)) و((المائدة)) و((النساء)) بعد فراغه من صلاة
الكسوف.
(هَذِهِ الْآيَاتِ الَّتِي يُرْسِلُ) ها (الله) كالكسوفين والزلازل والصواعق (لَا تَكُونُ
لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِيَاتِهِ، وَلَكِنَّ يُخَوِّفُ اللهُ بِهَا عِبَادَهُ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ شَيْئًا مِنْ ذَلِك)
المذكور من تلك الآيات كالكسوف أو الخسوف (فَافْزَعُوا) أي: بادروا فزعين وجلين
(إِلَى ذِكْرِهِ وَدُعَائِهِ وَاسْتِغْفَارِهِ) لعله ينجيكم من غوائل ذلك التخويف وعواقبه.
(مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ) فيه جواز خروج النساء إلى المسجد لصلاة الكسوف، وهو
كذلك عندنا؛ لأنها فيه وجماعة أفضل منها خارجه وفرادى، وإطالة قراءتها وركوعها
وسجودها وهو الأفضل كما مر، وأنه يسن للخطيب أن يخوِّف الناس ويحذرهم،
ويذكرهم بآيات الله ما أمكنه، وأن يأمرهم بإكثار الذكر والدعاء والاستغفار.
وفي قوله: ﴿ يُخَوِّفُ اللهُ بِهِ عِبَادَهُ﴾ [الزمر: ١٦] إشارة إلى أنه ينبغي وقوع الخوف
=
المفاتيح)» (١٩٧/٥).

٣٦٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الخامس
عند حدوث التغييرات العلوية.
قال ابن دقيق العيد: وهذا لا ينافي ذكر الحساب أسبابًا عادية للكسوفين؛ لأن
لله تعالى أفعالاً تجري على العادات وأفعالاً خارجة عنها، وعند هذه يزداد خوف
المراقبة؛ لقوة اعتقادهم في قدرة الله تعالى وفعله لما يشاء، ومن ثم كان ◌َلقر عند
اشتداد هبوب الرياح يتغير وجهه، ويدخل ويخرج خشية أن يكون كريح عاد وإن
كان هبوبها موجودًا.
١٤٨٥ - [وَعَنْ جَابِرِ﴾ قَالَ: انْكَسَفَتِ الشَّمْسُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ وَهِ يَوْمَ
مَاتَ إِبْرَاهِيمُ ابْنُ النَّبِي ◌َّةِ، فَصَلَّ بِالنَّاسِ سِتَّ رَكَّعَاتٍ بِأَرْبَعِ سَجَدَاتٍ(١). رَوَاهُ مُسْلِمُ].
(وَعَنْ جَابِرِ ◌ّ قَالَ: انْكَسَفَتِ الشَّمْسُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ وَّهِ يَوْمَ مَاتَ
إِبْرَاهِيمُ ابْنُ السَّي ◌َ﴿) في السنة العاشرة، وكان ذلك يوم عاشوراء الشهر كما قاله بعض
الحفاظ، وفيه لقول أهل الهيئة لا يمكن كسوفها في غير يومي السابع أو الثامن أو
التاسع والعشرين إلا أن يريدوا أن ذلك باعتبار العادة وهذا خارق لها.
(فَصَلَّى بِالنَّاسِ سِتَّ رَكَعَاتٍ) أي: ركوعات (بِأَرْبَعِ سَجَدَاتٍ) أي: صلى بهم
ركعتين في كل ركعة ثلاث ركوعات وسجدات.
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) ولما ظن بعضهم أن انكسافها لموته أبطل ذلك ◌َله بقوله: ((إنهما
لا يخسفان لموت أحد»(٢) كما مرَّ.
[وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - قَالَ: صَلَّى ◌َِّ حِينَ كَسَفَتِ
١٤٨٦
الشَّمْسُ ثَمَانِي رَكَعَاتٍ فِي أَرْبَعِ سَجَدَاتٍ](٣).
(وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - قَالَ: صَلَّى وَهِ حِينَ كَسَفَتِ الشَّمْسُ
ثَمَافِي رَكَعَاتٍ فِي أَرْبَعِ سَجَدَاتٍ) أي: صلى بهم ركعتين في كل ركعة أربع ركوعات
(١) أخرجه مسلم (٢١٤٠).
(٢) تقدم تخريجه.
(٣) أخرجه مسلم (٢١٤٩).

٣٦٧
تتمة كتاب الصلاة/ باب صلاة الخسوف
وسجدتان.
١٤٨٧ - [وَعَنْ عَلِيِّ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - مِثْلُ ذَلِكَ. رَوَاهُ مُسْلِمُ].
(وَعَنْ عَلِيِّ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - مِثْلُ ذَلِكَ. رَوَاهُ مُسْلِمُ) في هذين الحديثين،
والحديث الصحيح: ((أنه وَّ جعل يصلي ركعتين ركعتين، ويسأل عنها حتى انجلت)(١)
منافاة لقول الشافعي وأكثر أصحابه ولو تمادى الكسوف لم يكرره ثلاثًا، ولم يزد فيها
ركوعين مطلقًا، كما لا ينقص عنهما إن نواهما وإن وقع الانجلاء.
وأجاب الشافعي والبخاري بأنه لا مساغ لحمل هذه الأحاديث على بيان الجواز
إلا إذا تعددت الواقعة، وهي لم تتعدد؛ لأن مرجعها كلها إلى صلاته وَله في كسوف
الشمس يوم مات ابنه إبراهيم، وحينئذٍ يجب ترجيح أخبار الركوعين فقط؛ لأنها أصح
وأشهر.
وخالف ذلك جماعة من أصحابه الجامعين بين الفقه والحديث كابن المنذر،
فذهبوا إلى تعدد الواقعة، وحملوا الروايات في الزيادة والتكرير على بيان الجواز، وقوَّاه
النووي في (شرح مسلم)) وغيره، ويؤيدهم ما مرَّ أنه صح إنه وَّ صلى لخسوف القمر
أيضًا.
وقول بعضهم: ((إنه ◌َله صلى لكسوف الشمس قبل السنة العاشرة)) ثم فيها
الجواب عن زيادة تلك الركوعات بأنه * كان يرفع رأسه لينظر هل وقع الانجلاء ثم
يعود، فعد الراوي تلك المرات ركوعات بعيد جدًّا.
١٤٨٨ - [وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ ﴾ قَالَ: كُنْتُ أَزْمِي بِأَسْهُمٍ لِي بِالْمَدِينَةِ فِي
حَيَاةِ رَسُولِ اللهِ وَّهِ إِذْ كَسَفَتِ الشَّمْسُ فَنَبَذْتُهَا، فَقُلْتُ: وَالله لأَنْظُرَنَّ إِلَى مَا حَدَثَ
لِرَسُولِ اللهِنَّهِ فِي كُسُوفِ الشَّمْسِ، قَالَ: فَأَتَيْتُهُ وَهُوَ قَائِمٌ فِي الصَّلاَةِ رَافِعَ يَدَيْهِ، فَجَعَلَ
يُسَبِّحُ وَيُهَلِّلُ وَيُكَبِّرُ وَيُحَمِّدُ، وَيَدْعُو حَتَّى حُسِرَ عَنْهَا، فَلَمَّا حُسِرَ عَنْهَا قَرَأَ سُورَتَيْنِ،
(١) تقدم تخريجه.

٣٦٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الخامس
وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ(١). رَوَاهُ مُسْلِمُ فِي ((صَحِيحِهِ) عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ، وَكَذَا فِي ((شَرْحِ
السُّنَّةِ)) عَنْهُ، وَفِي نُسَخِ ((المصَابِيحِ)) عَنْ جَابِرِ عَه].
(وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ ﴾ قَالَ: كُنْتُ أَرْمِي بِأَسْهُمِ لِي بِالْمَدِينَةِ فِي حَيَاةِ
رَسُولِ اللهِ وَ﴿) امتثالاً لقوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ﴾ [الأنفال:٦٠]
فإنه صح أن النبي وَل﴾ فسرها بالرمي وقال: ((من تعلم الرمي ثم تركه فليس منا)(٢).
(إِذْ كَسَفَتِ الشَّمْسُ فَنَبَذْتُهَا) أي: طرحت تلك السهام (فَقُلْتُ: وَالله لأَنْظُرَنَّ
إِلَى مَا حَدَثَ لِرَسُولِ اللهِ وَّهِ فِي كُسُوفِ الشَّمْسِ) الذي هو أمر مهول مزعج، أو
لأقتدي به فيه فيزول عني شر ذلك وضرره.
(قَالَ: فَأَتَيْتُهُ وَهُوَ قَائِمٌ فِي الصَّلَاةِ) التي للخسوف والقيامِ الأول (رَافِعَ يَدَيْهِ)
الإرادة الركوع الأول (فَجَعَلَ) في ذلك الركوع (يُسَبِّحُ وَيُهَلِّلُ وَيُكَبِّرُ وَيُحَمِّدُ، وَيَدْعُو
حَتَى حُسِرَ) أي: انجلى ذلك الظلام (عَنْهَا، فَلَمَّا حُسِرَ عَنْهَا قَرَأَ) بعد القيام من الركوع
الأول (سُورَتَيْنٍ) سورة في القيام الثاني من الركعة الأولى، وسورة في قيامي الركعة
الثانية، وسكت الراوي عما قرأه في القيام الأول من الركعة الأولى.
(وَ) مجموع ما أتى به أنه (صَلَّ رَكْعَتَيْنِ. رَوَاهُ مُسْلِمْ فِي ((صَحِيحِهِ)) عَنْ
عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ، وَكَذَا فِي (شَرْحِ السُّنَّة))) للبغوي (عَنْهُ، وَفِي نُسَخِ (المصَابِيح) عَنْ
جَابِر ) أي: والظاهر أنه غلط؛ لأن الذي في الأصول المعتمدة كـ((صحيح مسلم))
وكتاب الحميدي و((جامع الأصول)) و((شرح السنة)) هو الأول.
١٤٨٩ [وَعَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: لَقَدْ أَمَرَ النَّبِيُّ
وَ بِالْعَتَاقَةِ فِي كُسُوفِ الشَّمْسِ(٣). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ].
(وَعَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: لَقَدْ أَمَرَ النَّبِيُّ ◌َلِّ
(١) أخرجه مسلم (٢١٥٨).
(٢) أخرجه مسلم (١٩١٩)، وأبو عوانة (٧٤٩٤).
(٣) أخرجه البخاري (٢٥١٩).

٣٦٩
تتمة كتاب الصلاة/ باب صلاة الخسوف
بِالْعَتَاقَةِ فِي كُسُوفِ الشَّمْسِ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) أخذ منه كالأحاديث السابقة أصحابنا
بأنه يندب للخطيب أن يحثهم في كل خطبة، خلافًا لمن زعم اختصاص ذلك بالثانية
على التوبة من جميع المعاصي، وعلى العتق والصدقة والدعاء والاستغفار والذكر والإكثار
من ذلك كله، ويحذرهم الغفلة والاغترار، ويخوفهم شؤم عاقبة المعاصي اتباعًا له ◌َّ.
ويذكر في كل من هذه الأمور ما ورد فيه من الآيات والأحاديث، ويتذكر
استئذانه في الخطبة دون الصلاة ما لم يخف فتنة من استئذانه وإلا وجب، وما لم يعتد
ترك استئذانه وإلا لم يحتج إليه، والخطبتان هنا كخطبتي الجمعة ركنًا وسنة لا شرطًا
كما مر، فلا تكبير فيهما، ولا تجزئ خطبة فردة، وتقديمها على الصلاة، وهو نظير ما
مرَّ في خطبتي العيد.
(الفصل الثاني)
١٤٩٠ - [عَنْ سَمُرَةَ بن جُنْدُبٍ ﴾ قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللهِ وَِّ فِي كُسُوفٍ لا
يُسْمَعُ لَهُ صَوْتَّ(١). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدِ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهُ].
(عَنْ سَمُرَةَ بن جُنْدُبٍ ﴾ قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللهِ وَل ◌ٍ فِي كُسُوفٍ) أي:
للشمس كما مر (لا يُسْمَعُ لَهُ صَوْتُ) فيه دلالة لمذهبنا أنه يُسن الإسرار في قراءة
كسوف الشمس؛ لأنها نهارية (رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ) وصححه (وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ
مَاجَە).
١٤٩١ - [وَعَنْ عِكْرِمَةَ ﴾ قَالَ: قِيلَ لِإِبْنِ عَبَّاسِ، رَضِي اللهُ عَنْهُمَا: مَاتَتْ فُلَانَةُ
بَعْضُ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ◌َّةِ، فَخَرَّ سَاجِدًا، فَقِيلَ لَهُ: أَتَسْجُدُ فِي هَذِهِ السَّاعَةَ؟ فَقَالَ رَسُولُ الله
وَةُ: إِذَا رَأَيْتُمْ آيَةً فَاسْجُدُوا، وَأَيُّ آيَةٍ أَعْظَمُ مِنْ ذَهَابٍ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ◌ََّ؟(٩). رَوَاهُ أَبُو
دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ].
(وَعَنْ عِكْرِمَةَ ﴾ قَالَ: قِيلَ لإِبْنِ عَبَّاسِ، رَضِي اللّهُ عَنْهُمَا: مَاتَتْ فُلَانَةُ بَعْضُ)
(١) تقدم تخريجه.
(٢) أخرجه أبو داود (١١٩٩)، والترمذي (٤٢٦٥)، والبيهقي في ((سننه)) (٦٦٠٦).

٣٧٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الخامس
بدل أو بيان (أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ◌َّهَ) هي صفية، رضي الله عنها (فَخَرَّ سَاجِدًا، فَقِيلَ لَهُ:
أَتَسْجُدُ فِي هَذِهِ السَّاعَةَ) أي: من غير موجب للسجود، والسجود من غير موجب له
ممنوع عندنا.
(فَقَالَ رَسُولُ الله ◌َّهُ: إِذَا رَأَيْتُمْ آيَةً فَاسْجُدُوا، وَأَيُّ آيَةٍ أَعْظَمُ مِنْ ذَهَابٍ أَزْوَاجٍ
النَّبِيِّ وَيُؤ؟!) لأن بذهابهن يذهب ما تفردن به من العلوم بأحواله ولير الباطنة الذي
يضطر الناس إلى معرفتها منهن، ففي موتهن ذهاب تلك العلوم التي ليست عند
غيرهن.
ثم رأيت الشارح قال: قالوا: المراد بالآية المنذرة بنزول البلايا والمحن التي
يخوف الله بها عباده ووفاة أزواج النبي ◌َّي من تلك الآيات؛ لأنهن ضممن شرف
الزوجية إلى شرف الصحبة، وقد قال له: «أنا أمنة لأصحابي، فإذا ذهبت أتى أصحابي
ما يوعدون ... ))(١) فهن أحق بهذا المعنى من غيرهن، فكأن وفاتهن سالبة للأمنة، وزوال
الأمنة یوجب الخوف. انتهى.
وما ذكرته المقتضي لتخصيصهن بذلك أولى من هذا؛ لاقتضائه السجود لموت
کل صحابي، ولم يحفظ ذلك عن أحد.
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ) وهذا من اجتهاد ابن عباس، وقضية مذهبنا أن مثل
ذلك من موت عالم أو عظيم لا يقتضي سجود، بل لا يجوز السجود لأجله، ويمكن
حمل الحديث على أن المراد بالسجود: الصلاة، وبالآية ما يشبه الكسوفين في العظم،
وحينئذٍ يفيد ذلك ما قاله أئمتنا: إنه يُسن لكل أحد التضرع إلى الله تعالى بالدعاء
والذكر عند الزلازل والصواعق والريح العاصفة والخسف والمسخ ودوام المطر،
والصلاة ركعتان كسنة الصبح أو أكثر عند ذلك لكل أحد منفرد في بيته آكد.
ولفظ الشافعي #: وأمر بالصلاة منفردين كما يصلون منفردين سائر
(١) أخرجه مسلم (٢٥٣١)، وأحمد (١٩٥٨٤)، والبزار (٣١٠٢)، وابن حبان (٧٢٤٩)، والطبراني في
(الكبير)) (٨٤٦).

٣٧١
تتمة كتاب الصلاة/ باب صلاة الخسوف
الصلوات. انتهى.
عن ابن عباس وعائشة: إن الصلاة هنا كالتي في الكسوف، ولم يرتضه جمع من
أئمتنا فقالوا: لا يصلي على هيئة الخسوف قولاً واحدًا.
(الفصل الثالث)
١٤٩٢ - [عَنْ أَبِيِّ بْنِ كَعْبٍ﴾ قَالَ: انْكَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ الله وَليّ
فَصَلَّى بِهِمْ، فَقَرَأَ سُورَةٍ مِنَ الُّوَلِ، ثُمَّ رَكَعَ خَمْسَ رَكَعَاتٍ وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنٍ، ثُمَّ قَامَ إلى
الثَّانِيَةَ فَقَرَأَ سُورَةٍ مِنَ الطُّوَلِ، ثُمَّ رَكَعَ خَمْسَ رَكَعَاتٍ وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ جَلَسَ كَمَا
هُوَ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ يَدْعُو حَتَّى انْجَلَى كُسُوفُهَا (١). رَوَاهُ أَبُو دَاوُد].
(عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ﴾ قَالَ: انْكَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ وَ فَصَلَّى
بِهِمْ) صلاة الكسوف (فَقَرَأْ سُورَةٍ مِنَ الطُوَلِ) بضم أوله وكسره (ثُمَّ رَكَعَ خَمْسَ رَكَعَاتٍ
وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنٍ، ثُمَّ قَامَ إلى الثَّانِيَةَ فَقَرَأْ سُورَةٍ مِنَ الطُّوَلِ، ثُمَّ رَكَعَ خَمْسَ رَكَّعَاتٍ
وَسَجَدَّ سَجْدَتَيْنٍ، ثُمَّ جَلَسَ كَمَا هُوَ) أي: على الحالة التي هو عليها في صلاته
(مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ يَدْعُو حَتَّى انْجَلَى كُسُوفُهَا. رَوَاهُ أَبُو دَاوُد) ومرَّ أن أحاديث الاقتصار
على ركوعين في كل ركعة أصح ما في الباب، وأن جمعًا اختاروا جواز الزيادة إلى الانجلاء
بناء على تعددها الذي شهدت به الأحاديث.
١٤٩٣ - [وَعَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ ﴾ قَالَ: كُسِفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ الله
وَلَه فَجَعَلَ يُصَلِّ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ وَيَسْأَلُ عَنْهَا حَتَّى انْجَلَتِ الشَّمْسُ(٢). رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
وَفِي رِوَايَةِ النَّسَائِيّ: إِنَّ النَّبِيَّ ◌َِّ صَلَّ حِينَ انْكَسَفَتِ الشَّمْسُ مِثْلَ صَلَاتِنَا يَرْكَعُ
وَيَسْجُدُ(٣). وَلَهُ فِي أَخْرَى: إِنَّ النَّبِيَّ ◌َّهِ خَرَجَ يَوْمًا مُسْتَعْجِلاً إِلَى الْمَسْجِدِ وَقَد
انْكَسَفَتِ الشَّمْسُ فَصَلَّى، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ أَهْلَ الْجَاهِلِيَّةِ كَانُوا يَقُولُونَ: إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ
(١) أخرجه أبو داود (١١٨٢)، والحاكم (١٢٣٧)، والضياء (١١٤١).
(٢) أخرجه أبو داود (١١٩٥)، والبيهقي في ((سننه)) (٦٥٦٢).
(٣) أخرجه النسائي (١٥٠٠).

٣٧٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الخامس
لَا يَنْخَسِفَانِ إِلَّا لِمَوْتِ عَظِيمٍ مِنْ عُظَمَاءِ أَهْلِ الْأَرْضِ، وَإِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَا
يَنْخَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا ◌ِخَيَاتِهِ، وَلَكِنَّهُمَا خَلِيقَتَانِ مِنْ خَلْقِهِ يُحْدِثُ اللهُ فِي خَلْقِهِ مَا
يَشَاءُ، فَأَيُّهُمَا الْخَسَفَ فَصَلُّوا حَتَّى يَنْجَلِيَ أَوْ يُحْدِثَ اللهُ أَمْرًا](١).
(وَعَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ عَ﴾ قَالَ: كُسِفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ وَِّ
فَجَعَلَ يُصَلِّ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنٍ وَيَسْأَلُ) الناس (عَنْهَا) أي: عن انجلائها كلما سلَّم من
ركعتين، وأبعد من فسره بأنه يسأل الله في الانجلاء عنها (حَتَّى الْجَلَتِ الشَّمْسُ. رَوَاهُ
أَبُو دَاوُد) فيه تكرير الصلاة إلى الانجلاء، وفيه الكلام في الذي قبله.
(وَفِي رِوَايَة النَّسَائِيّ: إِنَّ الشَِّيَّ ◌َ صَلَّ حِينَ انْكَسَفَتِ الشَّمْسُ مِثْلَ صَلَاتِنَا
يَرْكَعُ وَيَسْجُدُ) ومن هذا والخبر الصحيح أيضًا كما مرَّ: ((صلى ◌َّ ركعتين مثل
صلاتكم هذه في كسوف الشمس والقمر))(٢).
وفي الصحيح أيضًا: ((إنما هذه الآيات يخوف الله بها، فإذا رأيتموها فصلوا
كأحدث صلاة صليتموها من المكتوبة)»(٣) أخذ أئمتنا أن أقل صلاة الكسوف ركعتين
كسنة الصبح كما مر.
(وَلَهُ فِي أَخْرَى: إِنَّ النَّبِيَّ ◌َ خَرَجَ يَوْمًا مُسْتَعْجِلاً إِلَى الْمَسْجِدِ وَقَد انْكَسَفَت
الشَّمْسُ فَصَلَّى) فيه الرد على من زعم أن صلاة الكسوف لا تكون إلا لنحو موت
عظيم (ثُمَّ قَالَ: إِنَّ أَهْلَ الْجَاهِلِيَّةِ كَانُوا يَقُولُونَ: إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَا يَنْخَسِفَانِ إِلَّ
لِمَوْتِ عَظِيمٍ مِنْ عُظَمَاءِ أَهْلِ الْأَرْضِ، وَإِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَا يَنْخَسِفَانٍ لِمَوْتِ أَحَدٍ
وَلَا ◌ِخِيَاتِهِ، وَلَكِنَّهُمَا خَلِيقَتَانِ مِنْ) جملة (خَلْقِهِ).
قال شارح: الخليقة: البهائم، والخلق: الناس، وفيه نظر، والحديث يرد قوله:
(الخلق الناس)) لأنه جعل الخليقة من جملة الخلق، فدل على أن الخلق يشمل البهائم
(١) أخرجه النسائي (١٤٩٠)، والبيهقي (٦١٣٠).
(٢) تقدم تخريجه.
(٣) تقدم تخريجه.

٣٧٣
تتمة كتاب الصلاة/ باب صلاة الخسوف
وغيرها، وتخصيصه الخليقة بالبهائم يحتاج لدليل، الظاهر قول غيره: إنهما بمعنى.
وإن قيل: المعنى الأول أنسب في هذا المقام وأنه رد لزعم من يرى تأثيرهما في
هذا العالم بالكون والفساد؛ أي: ليس كما يزعمون، بل هما مسخران كالبهائم دائبان
مقهوران تحت قدرة الله تعالى ((يخوف الله بهما عباده، فإذا رأيتم شيئًا من ذلك
فافزعوا إلى ذكره)(١) لافتقارهما في انجلائهما عما يحدث الله فيهما من الخسف
والكسف إلى دعاء بني آدم كما مرَّ في الأحاديث.
(يُحْدِثُ اللهُ فِي خَلْقِهِ) مفعول ((خلق)) المضاف إلى فاعله، فليس لواحد منهما
تأثير في الوجود بوجه، بل كل منهما عرضة لوقوع آثار القدرة الإلهية به حتى يعدم نوره
ويصيره في غاية الحقارة والذلة (مَا يَشَاءُ، فَأَيُّهُمَا الْخَسَفَ فَصَلُّوا) من ابتداء خسوفه
(حَتَّى يَنْجَلِيِ أَوْ يُحْدِثَ اللهُ أَمْرًا) غير الانجلاء من البلايا التي تقترن بالكسوف وإن لم
يكن الكسوف لأجلها، وحينئذٍ تعافون أو يخفف عنكم ببركة الصلاة، ومن ثم كان
وَلّ إذا طرقه أمر مزعج فزع إلى الصلاة.
(١) تقدم تخريجه.

(باب سجود الشكر)
وهذا الباب خالٍ عن الفصل الأول والثالث.
(الفصل الثاني)
١٤٩٤ - [عَنْ أَبِي بَكْرَةَ ﴾ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَِّهِ إِذَا جَاءَهُ أَمْرُ سُرُورٍ أَوْ بُشِّرَ
بِهِ خَرَّ سَاجِدًا شَاكِرًا لله تَعالى(١). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدٍ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُ
غَرِيبٌ].
(عَنْ أَبِي بَكْرَةَ ﴾ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَ إِذَا جَاءَهُ أَمْرُ) عظيم حال كونه
(سُرُورٍ أَوْ) للشك في اللفظ والمعنى واحد (بُشِّرَ بِهِ خَرَّ سَاجِدًا شَاكِرًا لله تَعالى. رَوَاهُ
أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثُ حَسَنٌ غَرِيبٌ) وصححه الحاكم.
١٤٩٥ - [وَعَنْ أَبِي جَعْفَرٍ أَنَّ النَِّيِّ وَ رَأَى رَجُلاً مِنَ النُّغَاشِيِّينَ فَخَرَّ سَاجِدًا(٢).
رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مُرْسَلاً، وَفِي ((شَرْحِ السُّنَّةِ) لَفْظ ((المِصَابِيحِ))].
(وَعَنْ أَبِي جَعْفٍَ) محمد الصادق، رضي الله عنهما (أَنَّ النَّبِيّ ◌َ رَأَى رَجُلاً مِنَ
التُّغَاشِيِّينَ) جمع: نغاش وهو القصير جدًّا، الضعيف الحركة، الناقص الخلق.
وقيل: المبتلى.
وقيل: المختلط العقل.
(فَخَّرَّ سَاجِدًا. رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مُرْسَلاً، وَفِي (شَرْجِ السُّنَّةِ)) لَفْظ ((المصَابِيح))) أخذ
أصحابنا من الحديث الأول والثالث الآتي أنه يُسن لمن تجددت له نعمة له ظاهرة من
حيث لا يحتسب [أن يشكر] وإن توقع وجودها لحدوث ولد أنثى أو ذكر أو مال أو جاه
(١) أخرجه أبو داود (٢٧٧٦)، والترمذي (١٦٧٣).
(٢) أخرجه الدارقطني (١٥٤٦).
- ٣٧٤ -

٣٧٥
تتمة كتاب الصلاة/ باب سجود الشكر
مباح، وإن كان له أمثاله وقدم غائب، أو نصر على عدو، أو مطر عند القحط، أو
اندفعت عنه نقمة كذلك كنجاة من نحو غرق، وكزوال مطر أو ربح خيف استئصاله
أن يسجد سجدة فردة، كسجدة التلاوة فيما مر فيها ركنًا وشرطًا، وسنة ينوي بها
الشكر لله تعالى على حصول النعمة أو اندفاع النقمة، كَانَتْ مُتَوَقَّعَة، وَفِي غَيْرِ ذَلِكَ مِن
الْأَحْوَال.
قيل: وكذا معرفة الله وستر المساوئ، ويرد بأن هذين أعظم من كثير من النعم،
فيسن لحدوث الأولى واندفاع الثانية، ومن حيث لا يحتسب سبب حصولها، أو بسبب
يقتضي العادة بالحصول عنده، فلا يسجد لأجله كالربح بعد التجارة إلا إن كثر بحيث
يعد خارقًا للعادة، بخلاف العافية بعد التداوي، والولد بعد الوطء، فإن العادة تقتضي
فيهما بأنهما محض نعمة؛ لتخلفهما عن سببهما، وأخذ من الحديث الثاني وإن كان
مرسلاً؛ لأنه اعتضد بشواهد أكدته.
منها: إنه ◌َ* سجد لرؤية زَمِن، وأنه سجد لرؤية قرد، إنه يُسن لمن رأى مبتلى في
بدنه بما يعد نقصًا في الخلقة أو في كمالها عرفًا، أو في دينه لكفره أو فسقه
المتجاهر به أن يسجد شكرًا لله تعالى على السلامة من بليته، أما الأول فواضح، وأما
الثاني؛ فلأن بلية الدين أشد من بلية الدنيا، ونظيرها له إن أمكنه لعلة فيرجو
الثبوت؛ لئلا ينكسر خاطره فيما هو معذور فيه، بخلاف مقطوع اليد مثلاً لنحو
سرقة.
١٤٩٦ - [وَعَنْ سَعْدِ بن أَبِي وَقاص ﴾ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ الله ◌َّهِ مِنْ مََّةَ
نُرِيدُ الْمَدِينَةَ، فَلَمَّا كُنَّا قَرِيبًا مِنْ عَزْوَرَ نَزَلَ، ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ فَدَعَا اللّهَ سَاعَةً، ثُمَّ خَرَّ
سَاجِدًا فَمَكَثَ طَوِيلاً، ثُمَّ قَامَ فَرَفَعَ يَدَيْهِ سَاعَةً ثُمَّ خَرَّ سَاجِدًا قَالَ: إِنِّ سَأَلْتُ رَبِّي
وَشَفَعْتُ لِأُمَِّي فَأَعْطَانِي ثُلُثَ أُمَّتِي، فَخَرَرْتُ سَاجِدًا لِرَبِّ شُكْرًا، ثُمَّ رَفَعْتُ رَأْسِي
فَسَأَلْتُ رَبِي لأُمَّتِي فَأَعْطَانِي ثُلُثَ أُمَّتِي، فَخَرَرْتُ سَاجِدًا لِرَبِّ شُكْرًّا، ثُمَّ رَفَعْتُ رَأْسِي

٣٧٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الخامس
فَسَأَلْتُ رَبِي لِأُمَّتِي فَأَعْطَانِي الثُّلُثَ الآخِرَ، فَخَرَرْتُ سَاجِدًا لِرَبِّ(١). رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو
دَاوُدِ].
(وَعَنْ سَعْدٍ بِن أَبِي وَقَاص ◌َّهَ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ وَلَّهِ مِنْ مَكَّةَ نُرِيدُ
الْمَدِينَةَ، فَلَمَّا كُنَّا قَرِيبًا مِنْ عَزْوَرَ) بفتح أوله المهمل وسكون الزاي وفتح الواو: ثنية
بالجحفة (نَزَلَ ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ فَدَعَا اللّهَ سَاعَةً، ثُمَّ خَرَّ سَاجِدًا فَمَكَثَ طَوِيلاً، ثُمَّ قَامَ
فَرَفَعَ يَدَيْهِ سَاعَةً ثُمَّ خَرَّ سَاجِدًا قَالَ: إِنِّ سَأَلْتُ رَبِي وَشَفَعْتُ لأُمَّتِي) بيان للمسؤول أو
بعضه (فَأَعْطَانِي ثُلُثَ أَمَّتِي) أي: شفَّعني في ثلثهم حتى لا يخلدون في النار (فَخَرَرْتُ
سَاجِدًا لِرَبِّي شُكْرًا) له على أن لم يجعل أمتي كبقية الأمم الذين حقَّ عليهم الخلود
واللعن.
(ثُمَّ رَفَّعْتُ رَأْسِي فَسَأَلْتُ رَبِّ لأُمَّتِي فَأَعْطَائِي تُلُثَ أُمَّتِي، فَخَرَرْتُ سَاجِدًا لِرَبِّي
شُكْرًا، ثُمَّ رَفَعْتُ رَأْسِي فَسَأَلْتُ رَبِي لِأُمَّتِي فَأَعْطَانِي الثُّلُثَ الآخِرَ، فَخَرَرْتُ سَاجِدًا
لِرَبِي) على أن قبل شفاعتي في جميع مؤمنيهم، ولم يبقَ منهم مخلدًا في النار وإن اقترف
من الكبائر ما اقترف.
(رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدٍ) وسنده حسن، وبما تقرر في شرحه عُلم أنه ليس المراد
عموم المغفرة لكل فرد من أمته بحيث لا يدخل أحد منهم النار؛ لأن اعتقاد ذلك
كفر؛ لتكذيبه النصوص الدالة على دخول جماعة من هذه الأمة النار، بل معناه:
إن الله يخصهم من بين الأمم بخصائص كأمنهم من الخلود واللعن وعموم المسخ
والخسف والاستئصال بالعذاب، وغير ذلك مما اختصوا به كرامة لنبيه المكرم وحبيبه
المقدم ◌َ﴾ وشرف وكرم.
(١) أخرجه بلفظه أبو داود (٢٧٧٥)، والبيهقي (٣٧٥٠)، وأخرجه أحمد (٢٠٢٥٥) بلفظ: قالق
رسول الله ◌َهُ:((إِنَّ سَمِعْتُ هَزِيزًا كَهَزِيزِ الرَّحَى أَوْ حَنِينًا كَحَنِينِ النَّحْلِ، وَأَتَانِي آتٍ مِنْ رَبِّي ◌َت
فَخَيَّرَنِي أَنْ يَدْخُلَ ثُلُثُ أُمَّتِي الْجِنَّةَ وَبَيْنَ شَفَاعَتِي لَهُمْ فَاخْتَرْتُ شَفَاعَتِي لَهُمْ وَعَلِمْتُ أَنَّهَا أَوْسَعُ
لَهُمْ، فَخَيَّرَبِي بِأَنْ يَدْخُلَ شَظْرُ أُمَّتِي الْجَنَّةَ وَبَيْنَ الشَّفَاعَةِ لَّهُمْ فَاخْتَرْتُ لَهُمْ شَفَاعَتِي وَعَلِمْتُ أَنَّهَا
أَوْسَعُ لَهُمْ».

٣٧٧
تتمة كتاب الصلاة/ باب سجود الشكر
(تنبيه):
أوهم كلام غير واحد من الشراح أن شفاعته لأمته إنما تؤثر في الصغائر، وفي
منع الخلود لأهل الكبائر بعد تمحيصهم بالنار، فلا ينالونها قبل الدخول، وهو غير
صحيح؛ لخبر الترمذي وأبي داود: ((شفاعتي)) أي: معظمها (لأهل الكبائر من أمتي)(١).
وفي الترمذي عن جابر: ((من لم يكن من أهل الكبائر فما له وللشفاعة))(٢)
نعم الشفاعة من أصلها موقوفة على إذن الحق كما قال عزَّ قائلاً: ﴿مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ
عِندَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة:٢٥٥] واختاره ◌َلّ بأنه لأهل الكبائر دليل على إذنه تعالى له في
ذلك قبل الدخول فلا يدخلونها، إلا بشفاعته تعجيل خروجهم منها، وبعد الخروج
فيعطون من درجات الجنة ما لم يبلغوه لولا الشفاعة.
وروى البيهقي بسند صحيح: ((إنه * سجد لما جاءه كتاب علي من اليمن
بإسلام همدان))(٣).
وصحَّ أيضًا: إنه ◌َله سجد فأطال، فقيل له في ذلك فقال: ((أخبرني جبريل أن من
صلى عليَّ مرة صلى الله عليه عشرًا، فسجدت شكرًا لله تعالى))(٤).
وخالف في ذلك أبو حنيفة ومن تبعه فقالوا: المراد بالسجود في الأحاديث
الصلاة؛ لأنه # صلى الضحى ركعتين حين بشر بالفتح أو برأس أبي جهل؛ ولأنه لو
أمر بالسجود عند كل نعمة متجددة عظيمة الموقع عند صاحبها لم يغفل عن السجود
طرفة عين؛ لأنه لا يخلو عن نعمة كذلك أدنى ساعة؛ فإن أعظم النعم نعمة الحياة،
وهي متجددة بتجديد الأنفاس، وحديث النجاشي مرسل لا حجة فيه. انتهى.
(١) أخرجه أحمد (١٣٢٤٥)، وأبو داود (٤٧٣٩)، والترمذي (٢٤٣٥) وقال: حسن صحيح غريب،
وابن أبي عاصم (٨٣١)، وأبو يعلى (٣٢٨٤)، وابن حبان (٦٤٦٨)، وابن ماجه (٤٣١٠)، والطبراني
(٧٤٩)، والحاكم (٢٢٨) وقال: صحيح على شرط الشيخين، والبيهقي في ((شعب الإيمان))
(٣١٠)، والضياء (١٥٤٩).
(٢) أخرجه الترمذي (٢٦٢٣).
(٣) أخرجه البيهقي في ((السنن الصغرى)) (٨٩١).
(٤) ذكره المتقي الهندي في ((كنز العمال)) (٧٧٢/١).

٣٧٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الخامس
ولك رد جميع ذلك بأن حمل السجود على الصلاة في الأحاديث صرف للفظ عن
مدلوله الصريح الذي لا يقبل تأويلاً، وذلك مسخ أو نسخ من غير دليل، ألا ترى إلى
قوله: (خر ساجدًا)) شكره مرتين، وقوله: ((سجد لما جاءه كتاب علي)) وقوله: ((سجد
فأطال)) فإن ذلك صريح في الاقتصار على سجدة واحدة، فكيف يسوغ حمله على
الصلاة؟ وما ذكروه من صلاة الضحى ركعتين لا شاهد فيه؛ لأن وقوعها بمكة كان
ثمانية كما مرَّ ويبدو لم يصح، وبفرض صحة ذلك فهو لا يجديهم شيئًا؛ لأن الشكر
مرة بركعتين لا يمنع كونه مرات بالسجود وحده.
وقولهم: (لو أمر ... إلخ)) يرده ما قيد به أصحابنا النعمة والنقمة مما يصير السجود
لذلك نادرًا؛ أي: نادر؛ لأن السجود منه وَل وقع عند سبب معين، فألحقنا بذلك
السبب ما في معناه مما يخرج دوام الحياة والعافية والإسلام وحدوث ما لا وقع فيه كما
مر، وكون ذلك الحديث مرسلاً لا يؤثر لما مر من اعتضاده، والمعتضد حجة اتفاقًا على
أن غيره من بقية الأحاديث بعضها حسن وبعضها صحيح كما مر، فيفرض إرسال
ذلك وعدم اعتضاده الحجة في الأحاديث والباقية التي لا نزاع في حسنها أو صحتها.
ثم رأيت الشارح أجاب عن ذلك بأن قوله: ((خر ساجدًا)) لا يقبل التأويل؛ لأنه
وقع جوابًا للشرط؛ أي: في الحديث الأول، وعدل عن ((سجد)) إلى ((خر ساجدًا)) توكيدًا
ومبالغة، وبأن المراد بالسرور ما يحصل عند هجوم نعمة يندر وقوعها دون ما استمر
وقوعها، ومن ثم قيدها في الحديث بالمجيء على سبيل الاستعارة، ونكّر ((أمر)) للتفخيم
والتعظيم.

(باب الاستسقاء)
هو لغة: طلب السقيا، وشرعًا طلب سقيا العباد من الله تعالى عند حاجتهم
إليها، وسقاه وأسقاه بمعنى، وقيل: متغايران، وهو أنواع ثلاثة ثابتة بالأخبار الصحيحة:
أدناها: بمجرد الدعاء فردي أو مع الاجتماع له، روى أبو عوانة في (صحيحه)) أن
قومًا شكوا إلى النبي تظهر قحط المطر فقال: ((اجثوا على الرُّكب ثم قولوا: يا رب، يا
رب)»(١) ففعلوا فسقوا، ويأتي أنه ول﴾ استسقى عند أحجار الزيت بالدعاء بلا صلاة.
قال الشافعي: وأحسن هذا النوع ما كان من أهل الصلاح.
وأوسطها: الدعاء عقب الصلاة ولو نوافل، وفي كل خطبة مشروعة.
وأعلاها: بالصلاة.
والأصح: الأول، ولا يحتاج فيه إلى إذن الإمام إلا إن خشي منه فتنة ولو على
بعد، ويندب تكرير الاستسقاء ولو بالصلاة والخطبة إلى أن يمن الله بالاستسقاء؛
لأنه تعالى يحب الملحين في الدعاء كما ورد وإن كان سنده ضعيفًا.
(الفصل الأول)
١٤٩٧ - [عَنْ عَبْدِ الله بْنِ زَيْدٍ ﴾ قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللّه ◌ِ بِالنَّاسِ إِلَى الْمُصَلَّى
يَسْتَسْقِي، فَصَلَّى بِهِمْ رَكْعَتَيْنِ جَهَرَ فِيهِمَا بِالْقِرَاءَةِ، وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ يَدْعُو وَرَفَعَ يَدَيْهِ،
وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ حِينَ اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ (٢). مُتَّفَقُ عَلَيْهِ].
(عَنْ عَبْدِ اللّه بْنِ زَيْدٍ ﴾ قَالَ: خَرَجَ رَسُولَ اللَّهُ وَّهِ بِالنَّاسِ إِلَى الْمُصَلَّى
يَسْتَسْقِي، فَصَلَّى بِهِمْ رَكْعَتَيْنِ) من هذا والأحاديث الآتية وغيرها وهي كثيرة كادت أن
(١) أخرجه البخاري في (التاريخ الكبير)) (٤٥٧/٦)، وأبو عوانة (٢٥٣٠)، والطبراني في ((الأوسط))
(٥٩٨١)، والعقيلى (٣٠٨/٣).
(٢) أخرجه مالك (٤٥٢)، والبخاري (١٠٢٨)، ومسلم (٢١٠٧)، وأبو داود (١١٦٩)، وأحمد (١٦٨٨٢)،
والنسائي (١٥٢٢)، والبيهقي في ((سننه)) (٦٦٤٣).
- ٣٧٩ -

٣٨٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الخامس
يتواتر معناها، أخذ أئمتنا وغيرهم أن صلاة الاستسقاء عند الحاجة بانقطاع الماء
مطرًا أو غيره كماء العيون أو النيل أو قلته بحيث احتيج.
وغيرهم: إن صلاة الاستسقاء عند الحاجة للزيادة أو ملوحة نحو الشرب سنة
مؤكدة لكل أحد کالعيد.
وخالف أبو حنيفة﴾ جماهير العلماء فجعلها بدعة، وكأنه لم يبلغه بذلك
الأحاديث مع كثرتها، ومن ثم خالف صاحباه، وأجمع الصحابة عليها، فإن عمر
استسقى بالعباس عام الرمادة ولم ينكره أحد، ويؤخذ من الحديث أنه لا يجوز الزيادة
في صلاة الاستسقاء على ركعتین کالعيد.
(جَهَرَ فِيهِمَا بِالْقِرَاءَةِ) يؤخذ أنها كالعيد، وقد صحَّ أنه وَّه صلى ركعتين كما
يصلي العيد، وبه يرد قول مالك: إنها كبقية الصلاة وليست كالعيد، ومن ثم ألحقها
أئمتنا به في التكبيرات سبعًا وخمسًا، وجاء ذلك في حديث ضعيف والذكر بينها ورفع
الأيدي فيها، والنداء لها بالصلاة جامعة، وفي أنه يقرأ في الأولى بـ(ق)) أو (سبح)) وفي
الثانية بـ(اقتربت)) أو ((الغاشية).
وقيل: الأفضل إن قرأ في الثانية: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا﴾ [نوح:١] لأنها اللائقة
بالحال.
وفي حديث ضعيف: إنه قرأ في الأولى بـ(الأعلى)) وفي الثانية بـ(الغاشية))(١).
نعم، لا يختص بوقت، لكن المختار أن يفعل فيه خروجًا من قول كثيرين: أنها
[استسنائية].
(وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ يَدْعُو) أي: في الخطبة كما بيَّنته الروايات الآتية، ومن ثم سُن
للخطيب أن يستقبل القبلة للدعاء بعد نحو ثلث الخطبة الثانية إن لم يستقبل في
الخطبة الأولى، وإلا لم يُعده في الثانية، وأن يبالغ في الدعاء مستقبلاً سرًّا وجهرًا.
(١) أخرجه الطبراني في ((الأوسط)) (٧٨٣٤)، والبيهقي في «سننه)) (٦٦٣٣)، والحاكم (١١٦٣).