النص المفهرس
صفحات 261-280
٢٦١ تتمة كتاب الصلاة/ باب التنظيف والتبكير للخبر الصحيح: ((من أتى الجمعة من الرجال والنساء فليغتسل، ومن لم يأتها فليس عليه غسل من الرجال والنساء)(١) ولا يبطله طروء حدث إجماعًا ولا جنابة خلافًا الأوزاعي ومن ثم سنت إعادته خروجًا من خلافه، ومن عجز عنه لفقد الماء حِسًّا أو شرعًا، ثم بينه بطهر الجمعة، ونال فضيلة الغسل. (وَلْيَمَسَّ أَحَدُهُمْ مِنْ طِيبٍ أَهْلِهِ) أي: حلیلته، الله ملكه أو علم رضاها، وهو ممن يعتبر رضاها كما علم ذلك من قوله وَلين: ((لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس))(٢). (فَإِنْ لَمْ يَجِدْ) أي: طيبًا؛ أي: لم يتيسر له تخليصه (فَالْمَاءُ لَهُ طِيبٌ) أي: قائم مقام الطيب في حصول أصل النظافة ودفع الكريهة، فاکتفى منه به في حصول أصل فضلها لعذره، ومن ثم روي: ((الماء طيب الفقراء)(٣) (رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ). (١) تقدم تخريجه. (٢) أخرجه أحمد (٢١٢٣٧)، والدارقطني (٢٩٢٤)، والبيهقي في ((سننه)» (١١٨٧٧). (٣) ذكره القاري (٧٨/٥). (باب الخطبة والصلاة) (الفصل الأول) ١٤٠١ - [عَنْ أَنَسِ ﴿ قَالَ: إِنَّ النَّبِيَّ ◌َ كَانَ يُصَلِّ الْجُمُعَةَ حِينَ تَمِيلُ الشَّمْسُ(١). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ]. (عَنْ أَفَسِ ﴾ قَالَ: إِنَّ النَّبِيَّ ◌َِّ كَانَ يُصَلِّ الْجُمُعَةَ حِينَ تَمِيلُ الشَّمْسُ) عن وسط السماء المسمى بلوغها إليه بـ((الاستواء)) وميلها عنه بـ((الزوال)) الذي يدخل به وقتها، فيؤخذ منه أنه كان يبادر بها عقب دخول الوقت، وأن وقتها لا يدخل بالزوال خلافًا لأحمد، فإنه أجازها مع طلوع الشمس. قيل: لم يوافقه أحد على هذا، ومما يرد عليه أنها لم تفعل في زمنه إلا في وقت الظهر وجرى عليه السلف والخلف قاطبة، وأخذه بظاهر التبكير في الحديث يرده أنه يشمل ما قبل طلوع الشمس، وهو لا يقول به في ((الصحاح)) كل من بادر لشيء فقد بكر إليه أي وقت كان، يقال: ((بكَّروا بصلاة المغرب)». وفي البخاري عن بريدة: ((بكّروا بصلاة العصر))(٢) وما روي ((إن أبا بكر وعمر - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - كانا يفعلانها قبل نصف الوقت)) ضعيف اتفاقًا، ولا يعارض ذلك خبر ((الصحيحين)) أيضًا: ((كنا نصلي مع النبي ◌َلر يوم الجمعة ثم ينصرف، وليس للحيطان ظل يُمشى فيه))(٣) لأنه لم ينف أصل الظل بل الظاهر الذي يستظل به بدليل الرواية الأخرى: ((يتبع الفيء)) وعلى التنزل فهو محمول على شدة التعجل جمعًا بين الأخبار، فلا يجوز أن يفعل شيء منها ولا من خطبتها قبل الزوال وإلا لقدم وليه الخطبة لتقع الصلاة أول الوقت (رَوَاهُ الُْخَارِيُّ). (١) أخرجه البخاري (٩٠٤)، والترمذي (٥٠٥)، وأحمد (١٢٦٣٣). (٢) أخرجه البخاري (٥٥٣)، والبيهقي في ((سننه)) (٢١٧٧)، وابن حبان (٣٣٢). (٣) أخرجه البخاري (٤١٦٨)، ومسلم (٢٠٣٠). - ٢٦٢ - ٢٦٣ تتمة كتاب الصلاة/ باب الخطبة والصلاة ١٤٠٢ - [وَعَنْ سَهْلِ بنِ سَعْدٍ ﴾ قَالَ: مَا كُنَّا نَقِيلُ، وَلَا نَتَغَدَّى إِلَّ بَعْدَ الْجُمُعَةِ(١). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ]. (وَعَنْ سَهْلٍ بِنِ سَعْدٍ ﴾ قَالَ: مَا كُنَّا نَقِيلُ) من القيلولة. قال الأزهري: وهي كـ((المقيل)) عند العرب: الاستراحة نصف النهار وإن لم يكن نوم بدليل قوله تعالى: ﴿وَأَحْسَنُ مَقِيلاً﴾ [الفرقان: ٢٤] والجنة لا نوم فيها. (وَلَّا نَتَغَدَّى) من الغداء بالمهملة هو ما يؤكل قبل الزوال (إِلَّا بَعْدَ) فعل (الْجُمُعَةِ) ونفيها الإثبات لازمة من التبكير إلى الجمعة وعدم الاشتغال بشيء سواه. ومرت أحاديث التبكير الدالة على عظيم فضله (مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ) وفيه رد لما مر عن أحمد؛ لأنه ذكر هنا ((الغداء)) وهو لا يكون بعد الزوال، فإن المراد قائلهم وغداؤهم عوض عما فاتهم، فالغداء عما فات من أول النهار، والقيلولة عما فات وقت الجمعة عقب الزوال. ١٤٠٣ - [وَعَنْ أَنَسِ هِ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ◌َهِ إِذَا اشْتَدَّ الْبَرْدُ بَكَّرَ بِالصَّلَاةِ، وَإِذَا اشْتَدَّ الْخَرُّ نُودِيَ بِالصَّلَاةِ؛ يَعْنِي: الْجُمُعَةَ(٢). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ]. (وَعَنْ أَفَسِ عَهَ قَالَ: كَانَ الشَّبِيُّ ◌َّهِ إِذَا اشْتَدَّ الْبَرْدُ بَكَّرَ بِالصَّلَاةِ) أي: عجّل بها عقب الزوال اغتنامًا لفضيلة أول الوقت من غير مشقة (وَإِذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ نُودِيَ بِالصَّلَاةِ؛ يَعْنِي: الْجُمُعَةَ) أي: أخرها عن أول الوقت إلى أن يوجد للحيطان ظل يمشي فیه قاصدوها. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) وظاهره أنه يسن الإبراد بالجمعة في شدة الحر كالظهر. وقال أصحابنا: لا يسن الإبراد بها للأمر بالتبكير إليها قبل الحر؛ ولأنه وله (١) أخرجه البخاري (٩٣٩)، ومسلم (٢٠٢٨)، وأبو داود (١٠٨٨)، وابن ماجه (١١٥٣)، وأحمد (٢٣٥٤٤)، والدارقطني (١٦٤٤)، والبيهقي في («سننه» (١٣٩١٩). (٢) أخرجه البخاري (٩٠٦)، والبيهقي في (سننه)) (٥٨٨٦). ٢٦٤ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الخامس علل الأمر بالإبراد بالظهر بـ((إن شدة الحر من فيح جهنم))(١) أي: غليانها وانتشار لهبها، وهذا مأمون يوم الجمعة؛ لأنها لا يُشعر يومها تعظيمًا له؛ ولأن تأخيرها ربما كان عُرضة لفواتها؛ لأن الجماعة شرط لصحتها بخلاف الظهر. وحملوا هذا الخبر على أنه لبيان الجواز جميعًا بينه وبين الأخبار الدالة على فعله وَله عقب الزوال في شدة الحر، وهو يتبعهم للفيء عقب الإنصراف منها؛ ليسلموا به من شدة الحر. ١٤٠٤ - [ وَعَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ ﴿ه قَالَ: كَانَ النِّدَاءُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَوَّلُهُ إِذَا جَلَسَ الإِمَامُ عَلَى الْمِنْبَرِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ وَّهِ وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، فَلَمَّا كَانَ عُثْمَانُ وَكَثُرَ النَّاسُ زَادَ النّدَاءُ الثَّالِثُ عَلَى الزَّوْرَاءِ(٩). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ]. (وَعَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ ﴾ قَالَ: كَانَ التِّدَاءُ) أي: الإعلام (يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَوَّلُهُ) وهو الأذان (إِذَا جَلَسَ الإِمَامُ عَلَى الْمِنْبَرِ) قبل أن يخطب وثانيه وهو الإقامة إذا فرغ الخطبة ونزل (عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللّه ◌َ﴾ وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، فَلَمَّا كَانَ) هي تامة (عُثْمَانُ) أي: زمن ولايته، ويصح كونها ناقصة والخبر محذوف؛ أي: خليفة. (وَكَثُرَ النَّاسُ) أي: المسلمون وانتشروا، وصار ذلك الأذان الذي بين يدي الخطيب لا يسمعه جميع أهل المدينة (زَادَ) للمصلحة العامة (التّدَاءُ الثَّالِثُ) عند دخول الوقت قبل أن يصعد الإمام، يسمى ثالثًا باعتبار الأذان والإقامة الموجودين قبل زمن عثمان كما تقرر، وعليه حملوا رواية: «كان الأذان على عهد رسول الله وَلهم وأبي بكر وعمر أذانين يوم الجمعة)»(٣) أي: أذان وإقامة كما بينته رواية النسائي، وإنما زاده ليبلغ نواحي المدينة فيجتمعوا قبل خروج الإمام، ولئلا يفوتهم سماع أول الخطبة، (١) أخرجه البخاري (٥١١)، ومسلم (٦١٦)، وأبو داود (٤٠١)، وأحمد (٢١٥٧٣)، وابن خزيمة (٣٢٨)، وابن حبان (١٥٠٩)، والبيهقي (١٩٠٣). (٢) أخرجه البخاري (٩١٢)، والترمذي (٥١٨)، وابن ماجه (١١٨٩). (٣) أخرجه ابن خزيمة في صحيحه (١٦٧٧). ٢٦٥ تتمة كتاب الصلاة/ باب الخطبة والصلاة وأمر أن يكون هذا الثالث الذي هو الأول في الوجود، وسمي في رواية بـ((الثاني)) باعتبار الأحداث، وفي أخرى بـ(الأول)) باعتبار الوجود كما تقرر. (عَلَى) سطح الدار (الزَّوْرَاء) التي في السوق، وهي بفتح الزاي وسكون الواو فالراء والمد، سميت بذلك لازورائها؛ أي: ميلها عن عمارة البلد، وقيل: هو جدار. وقيل: حجر. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) ثم نقل هشام هذا الأذان إلى المسجد، وبما كان في زمنه وَسَـ أخذ الشافعي # حيث قال في (الأم)): وأحب أن يؤذن واحد إذا كان الإمام على المنبر أو أذن أذان بعد أذان کرهت ذلك. انتهى. ووجهه أصحابنا بأن ذلك محدث: أُمَّا الأول: فواضح، لكن محل كراهته إن لم يحتج للجماعة لكبر المسجد أو البلد. وأمَّا الثاني: فلأنه محدث إمَّا بفعل عثمان كما ذكر، وإمَّا بفعل معاوية، رضي الله عنهما. قال الشافعي : وأيهما كان فالأمر الذي على عهد رسول الله وليه أحب إلي، ويؤخذ من كلام الشافعي في ((البويطي)» أن الأذان المشروع عند جلوس الخطيب يكون فوق المنارة، وقيَّده بعض أصحابنا بما إذا كانت المنارة في المسجد أو قريب منه، بحيث يشرع الخطيب عقب فراغ الأذان، وإلا لم يحصل سنة الأذان. قال بعض المتأخرين: ولا ينبغي أن يفعل الأذان فوقها؛ لئلا يظن الناس أنه الأول فتفوتهم الجمعة. فإن قلت: قد يحتاج الناس إلى الأذان الأول؛ لكثرتهم، وليتأهبوا بعده إلى الحضور، ومن ثم فعله عثمان، وأقروه عليه، فلِم قال الشافعي: إن تركه أحب إليه؟ قلت: يمكن تحصيل ذلك الإعلام بغير صورة الأذان، فلا حاجة إليه بخصوصه، فكذا أحب الشافعي مراعاة الاتباع في تركه، ولم يمنع من تحصيل الإعلام ٢٦٦ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الخامس المحتاج إليه بغيره، ويؤيد ما أحبه أن ابن عمر كان يسميه بدعة، وإن قيل: إنه نظر إلى أن البدعة ما أحدث بعده ول﴾ ولو كان حسنًا، وإلا فما أحدثه عثمان أجمعوا عليه إجماعًا سكوتیًا. انتهى. فإن قلت: قد يعارض ما تقرر أنه يكون فوق المنارة قول كثيرين: إنه كان بين يديه ◌َلي: ((لم يكن بين يديه، بل على المنارة)). ونقل ابن عبد البر عن مالك ﴾ أن الأذان بين يدي الإمام ليس من الأمر القديم، لكن نازع في ذلك جماعة من المالكية بأن الأذان إنما كان بين يديه ولا﴾. كما اقتضته رواية البخاري هذه، وصرَّحت به رواية إسحاق، ورد بأن في سياق محمد بن إسحاق عند الطبراني وغيره في هذا الحديث: ((إن بلالاً كان يؤذن على باب المسجد)(١) وبتسليم أن الأذان كان بين يديه 8* حقيقة، فيجاب عما قاله الشافعي: إن الأولى كونه على المنارة؛ أي: أو نحوها بأن الحاجة حينئذٍ لم تدعُ إلى غير ذلك، وأما بعد فقد دعت الحاجة إلى فعله على المنارة أو سطح المسجد فلم يكن به بأس. فإن قلت: فلِم يراعَى الاتباع هنا؟ قلت: للحاجة الماسة إلى إسماع الناس له، وأمَّا الأذان الأول فيمكن الاكتفاء عنه بالإعلام بغيره كما تقرر، ولا يعارض أن عثمان هو المحدث لذلك ما روي: ((إن عمر هو الآمر بالأذان الأول خارج المسجد؛ ليسمع الناس، ثم بالأذان بين يديه، ثم قال: ابتدعنا ذلك لكثرة المسلمين)) لأنه منقطع ولا يثبت. وأنكر عطاء أن عثمان أحدث أذانًا، وإنما كان يأمر بالإعلام بالأذان، رد بأنه لم يدركه، فرواية من أثبت إحداثه للأذان مقدمة. قيل: ويمكن الجمع بأن ما كان في زمن عمر من مجرد الإعلام استمر في زمن عثمان، ثم رأى أن يجعله أذانًا على عالٍ ففعل، وأخذ الناس بفعله في جميع البلاد إذ (١) أخرجه الطبراني (٦٥٠٤). ٢٦٧ تتمة كتاب الصلاة/ باب الخطبة والصلاة ذاك؛ لكونه خلیفة مطاعًا. وقيل: أول من أحدثه بمكة: الحجاج، وبالبصرة: زياد. ١٤٠٥ - [وَعَنْ جَابِرِ بْنَ سَمُرَةَ ﴾ قَالَ: كَانَ لِرَسُولِ اللهِوَهِ خُطْبَتَانِ يَجْلِسُ بَيْنَهُمَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَيُذَكِّرُ النَّاسَ، فَكَانَتْ صَلَاتُهُ قَصْدًا وَخُطْبَتُهُ قَصْدًا (١). رَوَاهُ مُسْلِمُ]. (وَعَنْ جَابِرِ بْنَ سَمُرَةَ ﴾، قَالَ: كَانَ لِرَسُولِ اللهِ وَِّ خُطْبَتَانِ يَجْلِسُ بَيْنَهُمَا) أي: وقبلهما كما علم مما مرَّ من السائب، وفي رواية لأبي داود: ((كان ◌َلّ يخطب خطبتين، كان يجلس إذا صعد المنبر حتى يفرغ المؤذن، ثم يقوم فيخطب، ثم يجلس فلا يتكلم، ثم يقوم فيخطب)»(٢). ومن هذين ومواظبته وي على الخطبتين والقيام فيهما والجلوس بينهما أخذ الشافعي # أن ذلك كله؛ أعني: بعد الخطبة والقيام فيهما للقادر، والجلوس بينهما بطمأنينة كطمأنينة الصلاة واجب وشرط لصحة الجمعة. ونقل ابن المنذر الإجماع عن علماء الأمصار، ويدل على ذلك الجلوس بينهما؛ إذ لو جاز الجلوس فيهما لم يحتج للفصل بينهما بجلوس، ومن ثم خطب غير قائم لعذره، فصل لسلنته وجوبًا. وعن أبي حنيفة: ((إن القيام سُنة، وكذا الجلوس بينهما)). وعن مالك: ((إنه واجب فيأثم بتركه، لكن تصح خطبته)) وجلوس معاوية تقلّته إنما هو لعذره لما كثر شحم بطنه كما رواه ابن أبي شيبة. وعن الأئمة الثلاثة كأكثر العلماء: ((إن الفصل غير واجب)) بل قال الطحاوي وابن عبد البر: لم يقل به غير الشافعي، وليس كما قالا، فعن مالك رواية به كما قاله عياض. قال ابن المنذر: ولم أجد له دليلاً، والفعل وإن اقتضى الوجوب عند الشافعي لا (١) أخرجه مسلم (٢٠٤٠)، وأحمد (٢١٤٥٠). (٢) أخرجه أبو داود (١٠٩٤). ٢٦٨ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الخامس يدل على بطلان الجمعة بتركه، وإن فرق بين قبلهما وبينهما مع أن كلًّا منهما ثابت ◌َةُ اللهِ عنه وسام قال جمع منا، وهو كما قال: والعجب إيجاب هذا دون الاستقبال. انتهى. ولك أن تقول: قد تقرر أن الفعل إذا تردد بين الوجوب والندب حمل على الوجوب عند الشافعي؛ لأنه الأحوط، ثم الظاهر أنه لا يتأتى التردد إلا إذا لم يوجد مرجح آخر للندب بالنص أو الاستنباط، وبهذا يظهر اتجاه وجوب الجلوس بينهما، ويفرق بينه وبين الجلوس بين المتماثلين واجب فصلاً بينهما، وتمييزًا لأحدهما عن الآخر، ولا يرد جلوس الاستراحة؛ لأنه ليس بین متماثلین. ولا شك أن الجلوس بين الخطبتين وجد فيه المعنى الذي في الجلوس بين السجدتين فكان واجبًا مثله، وعضد الدليل الفعلي فيه هذا المعنى المستنبط الدال عليه ما تقرر في الجلوس الأول، فلم يوجد فيه معنى يعضد الدليل الفعلي فيه، بل وجد فيه ما يصرفه عن الوجوب، ولذا لم يذهب أحد إلى وجوبه. وأمَّا الاستقبال فالدليل الفعلي وإن اقتضى وجوبه إلا أنه وجد له صارف عن ذلك، وهو أن القصد من الخطبة وعظ الحاضرين، وهذا المقصود حاصل سواء استقبلهم بوجهه أو بقفاه (يَقْرَأُ) فيهما (الْقُرْآنَ) منه أخذ أئمتنا أنه لا بد من قراءة آية في إحدى الخطبتين. (وَيُذَكِّرُ النَّاسَ) بالعواقب، ومنه أخذوا أيضًا أنه لا بد من الوصية بتقوى الله؛ لأنها معظم المقصود من الخطبة ويكفي فيها، ينطلق عليه بالاسم كـ﴿أَطِيعُوا اللّهَ﴾ [آل عمران: ٣٢] ولا يكفي الاقتصار على التحذير من غرور الدنيا وزخارفها؛ لأن ذلك يعرفه كل أحد حتى منكرو المعاد، ولا على ذكر الموت إلا إن ذكر معه التأهب والاستعداد له (فَكَانَتْ صَلَاتُهُ قَصْدًا وَخُطْبَتُهُ قَصْدًا) أي: متوسطة، وأصل القصد استقامة الطريق ثم استعير للتوسط في الأمور والتباعد عن الأطراف ثم للتوسط بين الإيجاز والإطناب. ٢٦٩ تتمة كتاب الصلاة/ باب الخطبة والصلاة (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) ومنه أخذ أئمتنا أنه يسن في الخطبة أن تكون متوسطة لا طويلة مملة ولا قصيرة مخلة، وأفرد كلاً باقتصاد؛ لأنه في الصلاة مراد به غيره في الخطبة، كما يأتي أن الصلاة مع اقتصارها تكون أطول من الخطبة مع اقتصاده أيضًا. ١٤٠٦ - [وَعَنْ عَمَّارٍ ﴾ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَهِ يَقُولُ: إِنَّ طُولَ صَلَاةِ الرَّجُلِ وَقِصَرَ خُطْبَتِهِ مَئِنَّةُ مِنْ فِقْهِهِ، فَأَطِيلُوا الصَّلَاةَ وَأَقْصِرُوا الْخُطْبَةَ، وَإِنَّ مِن الْبَيَانِ سِحْرًا(١). رَوَاهُ مُسْلِمْ]. (وَعَنْ عَمَّارٍ ﴾ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهَ يَقُولُ: إِنَّ طُولَ صَلَاةِ الرَّجُلِ وَقِصَرَ خُطْبَتِهِ مَئِنَّةُ) بفتح الميم وكسر الهمزة، وحكي فتحها وتشديد النون (مِنْ فِقْهِهِ) أي: ناشئة منه أو علامة يستدل بها عليه، وهي مفعلة من معنى التي للتحقيق والتأكيد لا من لفظها؛ لأن الحرف لا يشتق منه إلا إن جعل اسمًا. وقيل: همزتها بدل من ظاء المظنة، ووجه كون ذلك علامة على الفقه أن من قواعده إيثار الأصل المقصود بالذات كالصلاة هنا وغيره الوسيلة المقصودة بالبيع كالخطبة. (فَأَطِيلُوا الصَّلَاةَ وَأَقْصِرُوا الْخُطْبَةَ) لا ينافي ما قبله؛ لأن القصر والطول من الأمور النسبية، فالمراد إقصار الخطبة وأجاب بعض أئمتنا بأن ذلك يختلف بالعوارض، فقد يهجم جيش أو يعم فساد فيقتضي الحال دون الحث على الجهاد أو الزجر عن تلك المعاصي بإيراد الكثير من الترغيبات أو الترهيبات. قال بعض أئمتنا: وهذا في خطبة الجمعة، أمَّا خطبة غيرها فيطيل فيها ما شاء لخبر مسلم: ((إنه ◌َلّ صلى الفجر وصعد المنبر فخطب إلى الظهر فنزل وصلى ثم صعد وخطب إلى العصر ثم نزل وصلى ثم صعد وخطب إلى المغرب فأخبر بما كان وما هو (١) أخرجه مسلم (٨٦٩)، وأحمد (١٨٣٤٣)، وابن حبان (٢٧٩١)، والدارمي (١٥٥٦)، والبيهقي (٥٥٥٣)، والبزار (١٣٩٨)، والحاكم (٥٦٨٣). - ٢٧ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الخامس کائن)»(١). (وَإِنَّ مِن الْبَيَان) لمعاني الكلام الدقيقة وكيفية إيراده وتحري جوامعه (سِحْرًا) أي: أمرًا عجيبًا يسحر العقول ويميلها؛ إذ أصل السحر الصرف والبيان بصرف القلوب ويميلها إلى ما يدعو إليه لما يجد عند سماع ذلك من الأريحية والطرب، فشد به لذلك، والجملة حال من فاعل ((أقصروا)) دفعًا لتوهم أن يراد بالاقتصار مجرد الإتيان بألفاظ يسيرة وبغير نظر للمعاني؛ أي: أقصروا الخطبة في حال كونكم آتين فيها بمعاني جمة في ألفاظ يسيرة، وهذا من أعلى أنواع البيان، ولذلك يمدح به وَله فقال: ((أوتيت جوامع الكلم)(٢). وأمر الله على الناس بتعليمهم البيان فقال: ﴿الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ القُرْآنَ * خَلَقَ الإِنسَانَ * عَلَّمَهُ البَيَانَ﴾ [الرحمن:١-٤]. ومن ثم قال أصحابنا: يسن في الخطبة أن تكون فصيحة بليغة لا مبتذلة ركيكة؛ لأنها لا تؤثر في القلوب بمفهومه، لا غريبة وحشية؛ إذ لا ينتفع بها أكثر الناس، مبينة من غير تمطيط ولا تفريط. قال بعض أئمتنا: وتكره الكلمات المشتركة والبعيدة عن الأفهام وما ينكره عقول الحاضرين. انتهى. وأمَّا ما ذهب إليه مالك ه في تأويل الحديث من أنه ذم لإمالة القلوب وصرفها بمقاطع الكلام حيث يكسب من الإثم به ما يكسب من السحر، ومن ثم دخَّله في باب ما يكره من الكلام، فبعيد جدًّا كما يشهد بذلك السياق والذوق السليم (رَوَاهُ مُسْلِمٌ). ١٤٠٧ - [وَعَنْ جَابِرٍ ﴾ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ نَّهِ إِذَا خَطَبَ احْمَرَّتْ عَيْنَاهُ، وَعَلَا صَوْتُهُ، وَاشْتَدَّ غَضَبُهُ حَتَّى كَأَنَّهُ مُنْذِرُ جَيْشٍ بِقَوْلِهِ: صَبَّحَكُمْ وَمَسَّاكُمْ، وَيَقُولُ: (١) أخرجه مسلم (٧٤٤٩)، وأحمد (٢٣٥٩١). (٢) أخرجه أحمد (٧٦٠٨)، والبيهقي في ((الشعب)) (١٤١٧). ٢٧١ تتمة كتاب الصلاة/ باب الخطبة والصلاة بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةَ كَهَاتَيْنٍ، وَيُفَرِّقُ بَيْنَ إِصْبَعَيْهِ السَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى(١). رَوَاهُ مُسْلِمْ]. (وَعَنْ جَابِرِ عَّ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ إِذَا خَطَبَ احْمَرَّتْ عَيْنَاهُ، وَعَلَا صَوْتُهُ، وَاشْتَدَّ غَضَبُهُ) لما يتجلى عليه من بوارق أنوار الجلال، ولوامع أضواء الإنذار، وشهود أحوال أمته، وتقصير أكثرهم في امتثال ما يصدر عنه، ومن ثم مثل جابر حاله وَله في إنذاره لمجيء القيامة وقرب وقوعها وتهالك الناس فيما يؤذيهم بحال من ينذر قومه عند غفلتهم بجيش قريب منه، فقصد الإحاطة بهم بغتة من كل جانب، بحيث لا يفوته منهم أحد فقال (حَتَّى كَأَنَّهُ مُنْذِرُ جَیْشِ بِقَوْلِهِ) في إنذاره لهم، فهو صفة لـ «نذر» (صَبَّحَكُمْ) العدو مغيرًا عليكم. (وَمَسَّاكُمْ) كذلك، فاختلفوا فيه، فكما أن هذا لشدة ما عنده من الرأفة بقومه والخوف عليهم يرفع صوته وتحمر عيناه ويشتد غضبه من تغافلهم عما يستأصلهم ويهلكهم، كذلك حال رسول الله وَل﴿ لشدة حرصه على أمته، وعظم رأفته ورحمته بهم وخوفه عليهم من الساعة وأهوالها. ومن ثم عقب ذلك جابر بقوله عطفًا على أنه (وَيَقُولُ: بُعِثْتُ أَنَا) أكذبه ليصح العطف (وَالسَّاعَةَ كَهَاتَيْنٍ وَيُفَرِّقُ بَيْنَ إِصْبَعَيْهِ السَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى. رَوَاهُ مُسْلِمٌ) ونظير هذا أنه لما نزل: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] صعد ◌َلّ الصفا فجعل ينادي بطون قريش وأعمامه وعماته وأولاده ويقول: ((لا أغني عنكم من الله شيئًا))(٤)، (أنا النذير العريان))(٣). ويجوز في ((يقول)) الأول أن يكون حالاً من اسم (كان) والعامل معنى التشبيه، فالقائل إذن سول الله وَل﴾ و(يقول)) الثاني عطف عليه. ١٤٠٨ - [وَعَنْ يَعْلَى بِنِ أَمَيَّةَ ﴾ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَيَهِ يَقْرَأُ عَلَى الْمِنْبَرِ: (١) أخرجه مسلم (٢٠٤٢)، وأحمد (١٤٨٠٥)، وابن ماجه (٤٧). (٢) أخرجه البخاري (٢٦٠٢)، ومسلم (٢٠٦)، والنسائي (٣٦٤٦)، والدارمي (٢٧٣٢). (٣) أخرجه البخاري (٦٨٥٤)، ومسلم (٢٢٨٣). ٢٧٢ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الخامس ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [الزخرف: ٧٧](١). رَوَاهُ مُسْلِمُ]. (وَعَنْ يَعْلَى بِنِ أُمَيَّةَ عَ﴾ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَّهِ يَقْرَأُ عَلَى الْمِنْبَرِ: ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾﴾ أي: سلْ ربك ليميتنا فنستريح مما نحن فيه من شديد العذاب، فأُجيبوا استهزاءً بهم وقطعًا لطمعهم بأنكم ماكثون خالدون أبدًا، لا تموتون ولا تخرجون. (رَوَاهُ مُسْلِمْ) وفيه كالذي قبله دلالة على أن الناس إلى الإنذار والتخويف أحوج منهم إلى التبشير لتماديهم في الغفلة وانهماكهم في الشهوات، ومن ثمَّ كثرت آيات الإنذار، نحو: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنذِرُ﴾ [النازعات: ٤٥]. ﴿إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ﴾ [فاطر: ٢٣]. ﴿لِتُنذِرَ قَوْمًا مَّا أُنذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ﴾ [يس:٦]. ﴿ لِيُنذِرَ مَن كَانَ حَيًّا﴾ [يس:٧٠]. ﴿ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان:١]. ١٤٠٩ - [وَعَنْ أَمِّ هِشَامٍ بِنْتِ حَارِثَةَ بْنِ التَّعْمَانِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: مَا أَخَذْتُ: ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ [ق:١] إِلَّا عَنْ لِسَانِ رَسُولِ اللهِ وَهِ يَقْرَؤُهَا كُلَّ جُمُعَةٍ عَلَى الْمِنْبَرِ إِذَا خَطَبَ النَّاسَ(٢). رَوَاهُ مُسْلِمُ]. (وَعَنْ أُمِّ هِشَامٍ بِنْتِ حَارِثَةَ بْنِ الثَّعْمَانِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: مَا أَخَذْتُ: ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾﴾ أي: حفظت هذه السورة (إلَّا عَنْ لِسَانٍ رَسُولِ اللهِ وَّ يَقْرَؤُهَا كُلَّ جُمُعَةٍ عَلَى الْمِنْبَرِ) من النبر، وهو الارتفاع (إِذَا خَطَبَ النَّاسَ- رَوَاهُ مُسْلِمْ) وقول شارح: أراد بذلك أول السورة لا جميعها؛ لأن جميعها لم يُقرأ في الخطبة، صرفًا للنص عن ظاهره بمجرد الجلوس. (١) أخرجه البخاري (٣٢٣٠)، ومسلم (٢٠٤٨)، وأبو داود (٣٩٩٤)، والترمذي (٥١٠)، وأحمد (١٨٤٤٦). (٢) أخرجه مسلم (٢٠٥٢). ٢٧٣ تتمة كتاب الصّلاة/ باب الخطبة والصلاة وفي رواية: ((كان يقرأ (ق) في خطبته كل جمعة))(١). ومن هذا أخذ أئمتنا قولهم: يسن في الخطبة الأولى قراءة سورة (ق)) للاتباع، ولاشتمالها على أبلغ المواعظ وأبدع القواعد، واتباع البعث ودلائله، والحساب والجنة والنار، وغايات الترغيب والترهيب، والتذكير بالنشأة الأولى، وبخلف هذا العالم وبعظائم النعم، والتحذير من أحوال من مضى بالصبر على المكروهات وبدوام الذكر والفكر، وغير ذلك، فإن اقتصر على قراءة بعضها حصل أصل السنة، وأمَّا بعض المتأخرين ردَّ استحباب المواظبة على قراءتها بأنه وسلم إنما قرأها أحيانًا لاقتضاء الحال ذلك أو لعلمه برضا الحاضرين ولعدم إشغالهم، فليس بصحيح. ومن ثم رد عليه بعض تلامذته بما ذكر عن مسلم: «إنه كان يقرؤها في خطبته كل جمعة))(٢) وبأن اشتراط رضا الحاضرين لا وجه له، كما لم يشترطوه في قراءة الجمعة والمنافقين في صلاة الجمعة، وإن كانت السُّنة التخفيف، بل روى ابن ماجه: ((إنه وَيهل خطب بـ((براءة)). ١٤١٠ - [وَعَنْ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ ﴾ أَنَّ النَّبِيَّ ◌َلِ خَطَبَ وَعَلَيْهِ عِمَامَةٌ سَوْدَاءُ قَدْ أَرْخَى طَرَفَيْهَا بَيْنَ كَتِفَيْهِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ(٣). رَوَاهُ مُسْلِمُ]. (وَعَنْ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ ﴾ أَنَّ النَّبِيَّ ◌َ﴿َ خَطَبَ وَعَلَيْهِ عِمَامَةٌ سَوْدَاءُ قَدْ أَرْخَى) أي: أرسل (طَرَفَيْهَا بَيْنَ كَتِفَيْهِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ) قال شارح فيه: إن لبس الزينة يوم الجمعة والعمامة السوداء وإرسال طرفيها بين الكتفين سنة. انتهى. وما ذكره في الزينة والعمامة صحيح، فقد قال أئمتنا: يسن للإمام أن يزيد في الزينة وحسن الهيئة والعمم والارتداء للاتباع؛ ولأنه منظور إليه. قال الغزالي: فإن أكربه الحر فلا بأس بنزع العمامة قبل الصلاة وبعدها، ولا (١) أخرجه مسلم (٢٠٤٩)، وأبو داود (١١٠٢)، وأحمد (٢٨٢١٨)، والبيهقي في (سننه)) (٥٩٨٩). (٢) تقدم تخريجه. (٣) أخرجه مسلم (٣٣٧٨)، وأبو داود (٤٠٧٩)، وابن ماجه (٢٩٢٨). ٢٧٤ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الخامس ينزعها في السعي إلى الصلاة ولا في الخطبة. قال غيره: ويكره ترك التعمم لأكثر الناس في هذه الأعمار إلا بناحية يعتادون ذلك، وفي خبر ضعيف: ((صلاة بعمامة خير من سبعين صلاة بغير عمامة))(١). وما ذكره في السواد أخذه من قول الماوردي في «الأحكام السلطانية»: ينبغي للإمام أن يلبس السواد لخبر مسلم هذا، لكن ضعفه النووي بأن الذي واظب عليه النبي ◌َلي والخلفاء الراشدون إنما هو لبس البياض. ثم قال: الصحيح أنه يلبس البياض دون السواد، إلا أن يغلب على ظنه ترتب مفسدة عليه على ذلك من جهة السلطان أو غيره. وفي ((الإحياء)) في موضع تبعًا لـ((قوت) أبي طالب المكي: يُكره لبس السواد. وأفتى ابن عبد السلام بأن المواظبة على لبس السواد بدعة، وأول من أحدث لبسه في الجمع والأعياد بنو العباس في خلافتهم محتجين بأن الراية التي عقدت لجدهم العباس يوم الفتح وحنين كانت سوداء. قال ابن هبيرة: ولأنه أبعد الألوان من الزينة، وأقربها إلى الزهد في الدنيا، وكذلك يلبسه العباد والنساك. ١٤١١ - [وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ وَهُوَ يَخْطُبُ: إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالإِمَامُ يَخْطُبُ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ وَلْيَتَجَوَّزْ فِيهِمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ](٩). (وَعَنْ جَابِرِ عَ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّةٍ وَهُوَ يَخْطُبُ: إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالإِمَامُ يَخْطُبُ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنٍ وَلْيَتَجَوَّزْ فِيهِمَا) أي: يخففهما (رَوَاهُ مُسْلِمٌ). وفي رواية: إن سليكًا الغطفاني جاء يوم الجمعة والنبي ◌َّ يخطب، فجلس فقال له: ((يا سليك، قم فاركع ركعتين وتجوَّز فيهما. ثم قال: ((إذا جاء أحدكم ... إلخ)»(٣). (١) ذكره الفتني في ((تذكرة الموضوعات)) (١٥٦/١). (٢) أخرجه مسلم (٢٠٦١). (٣) أخرجه مسلم (٨٧٥)، وابن حبان (٢٥٠٢). ٢٧٥ تتمة كتاب الصلاة/ باب الخطبة والصلاة وفي رواية للشيخين: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّه وهو يخطب: ((إذا جاء أحدكم والإمام يخطب - أو قد خرج - فليصلِّ ركعتين)(١). ولكون كل من هذين نصًّا لا يقبل تأويلاً كما قاله جمع من الشافعية والمالكية، وقد قال النووي: لا أظن عالمًا يبلغه هذا اللفظ ويعتقده صحيحًا فيخالفه. أخذ منه أئمتنا قولهم: يسن للداخل للمسجد والخطيب على المنبر التحية إن لم يخف فوت تكبيرة الإحرام، وإلا وقف قائمًا حتى يدخل في الصلاة، لا يقال: خاص بسُليك أو محتمل أنه إنما أمره بذلك لتصدق عليه كما جاء في رواية؛ لأنا نقول: الأصل عدم الخصوصية، والقائلون بالمنع لا يخبرون ذلك لعلة التصدق كما صرحوا به، فلم ينفع ذلك الاحتمال، على أنه لو فرضت صحته لم يؤثر؛ لأنا لم نأخذ ما لا يقبل التأويل وهو: ((إذا جاء أحدكم ... إلخ)). وأخرج أحمد وابن حبان: «إنه ◌َلّم كرر أمره له بالصلاة ثلاث مرات في ثلاث جمع)) فدل على أن قصد التَّصدُّق عليه في الجمعة الأولى جزء علة لا علة كاملة. وجاء من طرق: ((إنه حصل له في الجمعة الأولى ثوبين فدخل بهما في الثانية، فتصدَّق بأحدهما فنهاه وَ يّ وأمره بالصلاة قبل أن يجلس)). وخبر: ((إذا خطب الإمام فلا صلاة ولا كلام))(٤) ضعيف غريب، وبفرض صحته يحمل على غير الداخل، وعلى ما إذا زاد على الركعتين جمعًا بين الأحاديث، واختلفوا في الأمر بتجویزهما. فقال جماعة متأخرون: إنه للوجوب، قال بعضهم: والمراد بالتخفيف فيما ذكر الاقتصار على الواجبات لا الإسراع لقولهم: ((إذا ضاق الوقت وأراد الوضوء اقتصر على الواجبات)) وكأنهم لم يروا كلام النووي في (شرح مسلم)) فإنه قال بعد ذكره هذا الخبر (١) أخرجه البخاري (١١٦٦)، ومسلم (٢٠٦١)، وأبو داود (١١١٩)، وأحمد (١٤٥٣٩)، والبيهقي (٥٩٠٢)، والدارمي (١٦٠٣)، والدارقطني (١٦٣١). (٢) ذكره المتقي الهندي في ((كنز العمال)) (٢١٢١٢) وعزاه للطبراني. ٢٧٦ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الخامس بطرقه: هذه الأحاديث كلها صريحة في الدلالة لمذهب الشافعي وأحمد وإسحاق وفقهاء المحدثين: ((إنه إذا دخل الجامع يوم الجمعة والإمام يخطب استحب له)) أي: خلافًا لمالك وأبي حنيفة أن يصلي ركعتين تحية المسجد ويكره الجلوس قبل أن يصلها، وأنه یستحب أن يتجوز فيهما ليستمع بعدهما الخطبة. انتهى. وكأنه أخذ الاستحباب من أن الأمر في ((ليركع)) للندب اتفاقًا فكذا ما في خبره، وظاهر عبارته في ((مجموعه)» يوافق ذلك، والأولى لمن لم يكن صلى الراتبة أن ينويها مع التحية لينال فضلهما، ولا يزيد على الركعتين بكل حال، وفي الحديث جواز الكلام في الخطبة والأمر بالمعروف والإرشاد للمصالح، وأن تحية المسجد ركعتان وأنها لا تفوت بالجلوس بالنسبة للجاهل بحكمها. ١٤١٢ - [وَعَنْ أَبِي هَرَيْرَةَ ﴾ قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلَاةِ مَعَ الإِمَامِ فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ](١). (وَعَنْ أَبِي هَرَيْرَةَ ﴾ قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلْ: مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلَاةِ مَعَ الإِمَامِ فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ) أي: لم يفته، ومن لم يفته الجمعة صلاها ركعتين (مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ) والمراد بـ((الصلاة)) فيه الجمعة للخبرين الصحيحين على نزاع فيه: ((من أدرك من صلاة الجمعة ركعة فقد أدرك الصلاة))(٤). ((من أدرك من الجمعة ركعة فليصل)»(٣) أي: بفتح فضم فتشديد إليها أخرى، ويحصل إدراك الركعة بلا إدراك ركوعها المحسوب له والسجدتين والتشهد والسلام، فإن فارقه قبل السلام فاتته الجمعة على نزاع فيه. (الفصل الثاني) ١٤١٣ - [عَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ◌َّهِ يَخْطُبُ خُطْبَتَيْنِ (١) أخرجه مسلم (١٤٠٢)، والبيهقي (٥٩٤٣). (٢) تقدم تخريجه. (٣) أخرجه ابن ماجه (١١٧٥)، والبيهقي (٥٩٤٦)، والحاكم (١٠٢٩). ٢٧٧ تتمة كتاب الصّلاة/ باب الخطبة والصلاة كَانَ يَجْلِسُ إِذَا صَعِدَ الْمِنْبَرَ حَتَّى يَفْرُغَ أُرَاهُ الْمُؤَذِّنُ ثُمَّ يَقُومُ فَيَخْطُبُ، ثُمَّ يَجْلِسُ وَلَا يَتَكَلَّمُ، ثُمَّ يَقُومُ فَيَخْطُبُ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُد](١). (عَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ◌َ﴿ يَخْطُبُ خُطْبَتَيْنِ) علم منه أنه لا بد من خطبتين كما مر (كَانَ يَجْلِسُ إِذَا صَعِدَ الْمِنْبَرَ حَتَّى يَفْرُغَ) قال الراوي (أُرَاهُ) أي: أظن ابن عمر عني لضمير ((يفرغ)) (الْمُؤَذِّنُ) من أذانه، ومنه كالأحاديث السابقة أخذ أئمتنا أنه يسن أن تكون الخطبة على منبر، قال بعضهم: إلا بمكة، فإن الخطابة على منبرها بدعة، وإنما السنَّة أن يخطب على باب الكعبة كما فعل وَيّ يوم فتح مكة، وتبعه على ذلك الخلفاء الراشدون وهم الذين يقتدى بهم، وإنما أحدث ذلك بمكة معاوية ابن أبي سفيان، رضي الله عنهما. انتهى. ويرد بأن تلك وقائع فعلية محتملة أن إتيان الباب لعدم مرتفع ثم غيره، فسقط الإدلال بها وبقي فعل معاوية الذي أقره عليه السلف مع اعتراضهم عليه في وقائع أخرى، وهو غير محتمل فكانت الحجة فيه لعدم استثناء أصحابنا لمكة، فإن لم يكن منبر سُنَّ مرتفع، فإن فعل سُنَّ أن يخطب في محل المنبر وهو يمين المحراب؛ أي: المصلى فيه مستندًا إلى نحو خشبة للاتباع في ذلك كله، [ ... ] وأن يكون جلوسه بجانب المنبر الأيمن إن وسع، وأن يستمر جالسًا حتى يفرغ المؤذن. (ثُمَّ يَقُومُ فَيَخْطُبُ ثُمَّ يَجْلِسُ) في الأولى أن يكون جلوسه بقدر سورة ((الإخلاص)) (وَلَا يَتَكَلَّمُ) حال جلوسه بغير الذكر أو الدعاء أو القراءة سرًّا، والأولى القراءة لرواية ابن حبان: ((كان رسول اللّه ◌ُ ل﴾ يقرأ في جلوسه كتاب الله)) (٢) قيل: وأولى القراءة سورة ((الإخلاص)) (ثُمَّ يَقُومُ فَيَخْطُبُ) الخطبة الثانية، فعلم وجوبها كالأولى ووجوب القيام فيهما والجلوس بينهما كما مر (رَوَاهُ أَبُو دَاوُد). ١٤١٤ - [وَعَنْ عَبْدِ الله بْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ◌َلَهَ إِذَا (١) أخرجه أبو داود (١٠٩٤). (٢) أخرجه ابن حبان (٢٨٦٠)، والطبراني (١٩٧١). ٢٧٨ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الخامس اسْتَوَى عَلَى الْمِنْبَرِ اسْتَقْبَلْنَاهُ بِوَجْهِنَا. رَوَاهُ التِّْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ الْفَضْلِ وَهُوَ ضَعِيفٌ ذَاهِبُ الْحَدِيث](١). (وَعَنْ عَبْدِ الله بْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ◌َّهِ إِذَا اسْتَوَى عَلَى الْمِنْبَرِ) جالسًا أو قائمًا (اسْتَقْبَلْنَاهُ بِوَجْهِنَا) وإن كان [الحديث] ضعيفًا؛ إذ هو حجة في القضاء، بل أخذ أئمتنا أنه يسن أن يقبل الناس بوجوههم على الخطيب مستمعین له، ويسن له هو أيضًا أن يقبل عليهم بوجهه في خطبته للاتباع أيضًا، رواه الضياء المقدسي. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثُ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّ مِنْ حَدِيثٍ مُحَمَّدِ بْنِ الْفَضْلِ وَهُوَ ضَعِيفٌ) وبيان ضعفه أنه (ذَاهِبَ الْحَدِيث) أي: سيئ الحفظ، وحكمة ذلك أنهم إذا استقبلوه واستقبلهم تفرغوا لسماع وعظه وتدبر كلامه، فمن ثم لم يستقبل القبلة على أنه يلزم عليه استدبار من يخاطبهم، وهو قبيح في عرف التخاطب ووقوفه في آخر باب المسجد ليستقبل يلزم استدبارهم إمَّا للقبلة أو له وكلاهما قبيح. (الفصل الثالث) ١٤١٥ - [وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ ﴾ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَ يَخْطُبُ قَائِمًا ثُمَّ يَجْلِسُ، ثُمَّ يَقُومُ فَيَخْطُبُ قَائِمًا، فَمَنْ نَبََّكَ أَنَّهُ كَانَ يَخْطُبُ جَالِسًا فَقَدْ كَذَبَ، فَقَدْ صَلَّيْثُ مَعَهُ أَكْثَرَ مِنْ أَلْفَيْ صَلَاةٍ رَوَاهُ مُسْلِمْ] (٤). (وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ ﴾ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللّهِ وَِّ يَخْطُبُ قَائِمًا ثُمَّ يَجْلِسُ، ثُمَّ يَقُومُ فَيَخْطُبُ قَائِمًّا، فَمَنْ) جواب شرط محذوف (نَبََّكَ أَنَّهُ كَانَ يَخْطُبُ جَالِسًا فَقَدْ) جواب (من)) (كَذَبَ، فَقَدْ) بیان لسبب الكذب وظهوره (وَالله) قسم معترض بین (قد)) والفعل الدال على جواب القسم وهو (صَلَّيْتُ مَعَهُ أَكْثَرَ مِنْ أَلْفَيْ صَلَاةٍ) للمبالغة؛ لأنه وليه لم يصل ألفي جمعة بل نحو خمسمائة لما مر أن أول جمعة صلاها وَعليه الجمعة التي (١) أخرجه الترمذي (٥١١). (٢) أخرجه مسلم (٢٠٣٣)، وأحمد (٢١٥٣٩)، والبيهقي (٥٩١٦). ٢٧٩ تتمة كتاب الصّلاة/ باب الخطبة والصلاة تلي يوم الجمعة يوم قدومه المدينة، وهو ◌َّ لم يقم بالمدينة إلا عشر سنين (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وهو صريح في وجوب القيام في الخطبتين ومرَّ الكلام فيه. ١٤١٦ - [وَعَنْ كَعْبٍ بْنِ عُجْرَةَ ﴾ أَنَّهُ دَخَلَ الْمَسْجِدَ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ ابْنُ أُم الْحَكَمِ يَخْطُبُ قَاعِدًا، قَالَ: انْظُرُوا إِلَى هَذَا الْخَبِيثِ يَخْطُبُ قَاعِدًا وَقَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوَا انْفَضُوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ [الجمعة: ١١]. رَوَاهُ مُسْلِمٌ](١). (وَعَنْ كَعْبٍ بْنِ عُجْرَةَ ﴾ أَنَّهُ دَخَلَ الْمَسْجِدَ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ ابْنُ أَم الْحَكَمِ) من بني أمية أو أتباعهم (يَخْطُبُ قَاعِدًا، قَالَ: انْظُرُوا إِلَى هَذَا الْخَبِيثِ) فيه جواز التغليظ على من ارتكب حرامًا عند من قال بوجوب القيام أو مكروهًا عند من قال بعدم وجوبه؛ لأن إظهار خلاف ما داوم عليه وسل# على رؤوس الأشهاد ينبئ عن خبث أي خبث (يَخْطُبُ قَاعِدًا وَ) النبي ◌َّ إنما كان يخطب قائمًا كما علم ذلك من القرآن الذي هو دليل قطعي فقد (قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوَا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾. رَوَاهُ مُسْلِمْ). فهذا دليل على أنه ﴿﴿ كان يخطب قائمًا، وقد صح أن سبب نزولها أن أهل المدينة أصابهم غلاء شديد فسمعوا بقافلة من الشام فانفضوا إليها إلا نحو اثني عشر نفسًا وهو ﴾ قائم يخطب. ١٤١٧ - [وَعَنْ عُمَارَةَ بْنِ رُوَيْبَةَ ﴿ أَنَّه رَأَى بِشْرَ بْنَ مَرْوَانَ عَلى المنْبرِ رَافِعًا يَدَيْهِ، فَقَالَ: قَبَّحَ اللهُ هَاتَيْنِ الْيَدَيْنِ لَقَدَ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ وَهِ مَا يَزِيدُ عَلَى أَنْ يَقُولَ بِيَدِهِ هَكَذَا، وَأَشَارَ بِإِصْبِعِهِ الْمُسَبِّحَةِ(٢). رَوَاهُ مُسْلِمُ]. (وَعَنْ عُمَارَةَ) بالتخفيف (بْنِ رُوَيْيَةَ ﴾ أَنَّه رَأَى بِشْرَ بْنَ مَرْوَانَ عَلى المنْبِرِ رَافِعًا يَدَيْهِ) عند التكلم، كما هو دأب جهلة الوعاظ والخطباء (فَقَالَ: قَبَّحَ اللهُ هَاتَيْنِ الْيَدَيْنِ لَقَدَ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ وَ مَا يَزِيدُ عَلَى أَنْ يَقُولَ) أي: يسير عند التكلم في (١) أخرجه مسلم (٢٠٣٨)، والبيهقي (٥٩١٤). (٢) أخرجه مسلم (٢٠٥٣)، وأبو داود (١١٠٦)، وأحمد (١٧٦٨٧)، والبيهقي في ((سننه)) (٥٩٨٤). ٢٨٠ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الخامس الخطبة (بِيَدِهِ هَكَذَا وَأَشَارَ بِإِصْبعِهِ الْمُسَبِّحَةِ) كأنه يخاطب الناس وينبههم على الاستماع له والتأمل فيما يذكره. (رَوَاهُ مُسْلِمْ) وهو مشكل على قول أصحابنا: يكره للخطيب الإشارة باليد أو غيرها إلا أن يحمل كلامهم على ما عدا المسبحة لصحة الخبر بالإشارة بها كما تقرر من غير معارض، ولا يقال: يحمل على أنه لبيان الجواز؛ لأن ذلك بعيد من سياق الراوي لإنكاره على الإشارة باليدين الشاهدين لقول أصحابنا بكراهته، ولك أن تقول: إشارته * إنما كانت لحاجة كما تقرر فيها، والإشارة لحاجة لا تكره، بل هي سنة كما صرح به أصحابنا، فحينئذٍ لا تخالف بين ما قالوه والحديث. ١٤١٨ . [وَعَنْ جَابِرٍ﴾ قَالَ: لَمَّا اسْتَوَى رَسُولُ اللهِلَّهِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ عَلَى الْمِنْبَرِ قَالَ: اجْلِسُوا، فَسَمِعَ عَبْدُ الله بْنُ مَسْعُودٍ فَجَلَسَ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ، فَرَآهُ رَسُولُ الله وَّ فَقَالَ: تَعَالَ يَا عَبْدَ اللّه بْنَ مَسْعُودٍ(١). رَوَاهُ أَبُو دَاوُد]. (وَعَنْ جَابِرِ ◌َ﴾ قَالَ: لَمَّا اسْتَوَى رَسُولُ اللهِ وَّهِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ عَلَى الْمِنْبَرِ قَالَ: اجْلِسُوا) الظاهر أنه رأى أحدًا من الحاضرين قام ليصلِّ فأمره بالجلوس لحرمة الصلاة بجلوس الإمام على المنبر على الجالس إجماعًا، كما مر مع أمره للداخل بالتحية ولو بعد جلوسه جهلاً بها، فتعین حمل هذا على ما ذكرته. (فَسَمِعَ عَبْدُ الله بْنُ مَسْعُودٍ فَجَلَسَ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ) فيه بيان ما كان عليه من عظيم الامتثال والمبادرة إليه، ومن ثم حباه ◌َير بخصوصيات لم يجعلها لغيره، ويكفيه قوله ◌َ﴾ في حقه: ((رضيت لأمتي ما رضي لها ابن أم عبد عظ)(٢). (فَرَآهُ رَسُولُ اللهِ وَ ﴿ فَقَالَ: تَعَالَ) أي: هلم إلى المسجد، قيل: وأصله الدعاء للمكان المرتفع، ثم جعل للدعاء لمطلق المكان (يَا عَبْدَ الله بْنَ مَسْعُودٍ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُد) (١) أخرجه أبو داود (١٠٩٣)، والبيهقي في ((سننه)) (٦٠٣٣). (٢) أخرجه الحاكم (٥٣٨٧) وقال: صحيح على شرط الشيخين، وابن أبي شيبة (٣٢٢٣١)، والطبراني (٨٤٥٨).