النص المفهرس
صفحات 221-240
٢٢١
تتمة كتاب الصلاة/ باب الجمعة
ومنابر من فضة، ويجلس أدناهم وما فيهم أدنى على كثبان المسك والكافور، وما يرون
أصحاب الكراسي بأفضل منهم مجلسًا ... ))(١).
وفي أخرى له أيضًا: ((إن أهل الجنة يزورون ربهم رثك في كل يوم جمعة في رمال
الكافور، وأقربهم مني مجلسًا أسرعهم إليه يوم الجمعة، وأبكرهم غدوً))(٤) والله
سبحانه منزه عن عن المسافات والجهات، وإنما ذلك كناية عن مزيد القرب المعنوي
منه تعالی.
(الفصل الثالث)
١٣٦٣ - [عَنْ أَبِي لُبَابَةَ بْنِ الْمُنْذِرِ ﴿ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ◌َ: إِنَّ يَوْمَ الْجُمُعَةِ سَيِّدُ
الأَّيَّامِ وَأَعْظَمُهَا عِنْدَ الله مِنْ يَوْمِ الأَضْحَى وَيَوْمُ الْفِطْرِ، فِيهِ خَمْسُ خِلالٍ: خَلَقَ اللهُ فِيهِ
آدَمَ، وَأَهْبَطَ اللهُ فِيهِ آدَم إِلَى الأَرْضِ، وَفِيهِ تُوُنِّيَ آدَمُ، وَفِيهِ سَاعَةٌ لَا يَسْأَلُ اللهَ
الْعَبْدُ فِيهَا شيئًا إِلَّا أَعْطَاهُ مَا لَمْ يَشَأْ حَرَامًا، وَفِيهِ تَقُومُ السَّاعَةُ، مَا مِنْ مَلَكٍ مُقَرَّبٍ،
وَلَا سَمَاءٍ وَلَا أَرْضِ، وَلَا رِيَاجِ وَلا جِبَالٍ وَلَا بحرٍ، إِلَّ وَهُوَ يُشْفِقُ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ(٣).
رَوَاهُ ابْنُ مَاجَه].
(عَنْ أَبِي لُبَابَةَ بْنِ الْمُنْذِرِ عَ﴾ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ◌َّهِ: إِنَّ يَوْمَ الْجُمُعَةِ سَيِّدُ الأَيَّامِ
وَأَعْظَمُهَا عِنْدَ الله مِنْ يَوْمِ الأَضْحَى وَيَوْمُ الْفِطْرِ، فِيهِ خَمْسُ خِلالٍ: خَلَقَ اللهُ فِيهِ آدَمَ،
وَأَهْبَطَ اللهُ فِيهِ آدَم إِلَى الأَرْضِ، وَفِيهِ تُوُنَّ آدَمُ، وَفِيهِ سَاعَةٌ لَا يَسْأَلُ اللهَ الْعَبْدُ فِيهَا
شيئًا إِلَّا أَعْطَاهُ) الله إياه (مَا لَمْ يَشَأْ حَرَامًا) يؤخذ منها ما قدمته أن المراد بالخير ما
يشمل المباح، بل هذا يشمل المكروه أيضًا.
(وَفِيهِ تَقُومُ السَّاعَةُ، مَا مِنْ مَلَكٍ مُقَرَّبٍ، وَلَا سَمَاءٍ وَلَا أَرْضِ، وَلَا رِبَاجٍ وَلا
جِبَالٍ وَلَا بجرٍ، إِلَّا وَهُوَ يُشْفِقُ) أي: خائف لنظير ما مرَّ في الدواب (مِنْ) فجأة الساعة
(١) أخرجه الآجري في ((الشريعة)) (٢٤٨/١).
(٢) أخرجه الآجري في «الشريعة)) (٢٥٤/١).
(٣) أخرجه ابن ماجه (١١٣٧).
٢٢٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الخامس
(يَوْمِ الْجُمُعَةِ. رَوَاهُ ابْنُ مَاجَه).
١٣٦٤ - [وَرَوَى أَحْمَدُ عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ ﴾ أَنَّ رَجُلاً مِنَ الأَنْصَارِ أَنَى النَّبِيَّ
وَّهِ فَقَالٍ: أَخْبِرْنَا عَنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ مَاذَا فِيهِ مِنَ الْخَيْرِ؟ قَالَ: فِيهِ خَمْسُ خِلَالٍ .... إِلَى
آخِرِ الحَدِيثِ}(١).
(وَرَوَى أَحْمَدُ عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ ﴾، أَنَّ رَجُلاً مِنَ الأَنْصَارِ أَنَى النَّبِيَّ ◌َلِ فَقَال:
أَخْبِرْنَا عَنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ مَاذَا فِيهِ مِنَ الْخَيْرِ؟ قَالَ: فِيهِ خَمْسُ خِلَالٍ) وساق ذكرها (إِلَى
آخِرِ الْحَدِيثِ) ومر الكلام على ما فيه، لكن أخذ منه ومن غيره جماعة من الحنابلة أن
ليلة الجمعة أفضل من ليلة القدر، ويومها أفضل من يوم عرفة، واستدلوا لذلك وأطالوا
بما لا ینهض.
وإنما الذي ينهض في ذلك: الجمع بين الأحاديث يحمل قول سيد الأنام:
((وأعظمها عند الله)) الصريح في أفضليته على سائرها، لو صحَّ الحديث على أيام
الأسبوع؛ لأن الأحاديث الصحيحة التي لا تُحصى مصرحة تصريحًا لا يقبل التأويل
بأفضلية القدر على سائر الليالي، والقرآن مصرح بذلك كذلك، وبأفضلية يوم عرفة
على سائر الأيام، فوجب الجمع بما ذكرته؛ إذ الخبر الصحيح يخبر به ((يوم الجمعة))
يمكن تأويله، و((عرفة)) لا يمكن تأويلها.
وفي حديث رزين: ((أفضل الأيام يوم عرفة، فإن وافق يوم الجمعة فهو أفضل من
سبعين حجة في غير يوم عرفة في غير يوم الجمعة))(9) ويحتمل أعظمية يوم الجمعة على
يوم العيدين من حيث كونه يوم عبادة صرفاً، وهما يوما فرح وسرور، ولأجل هذا
كره صومه؛ لأنه يضعف عن العبادة، وحرم صومهما؛ لما فيه من الإعراض عن
ضيافة الله تعالى لعباده بما أباحه لهم من الزينة والسرور والتوسع في المأكل والمنكح
وغيرهما.
(١) أخرجه أحمد (٢٣١٢٠).
(٢) ذكره القاري في المرقاة (٣٥/٥).
٢٢٣
تتمة كتاب الصلاة/ باب الجمعة
١٣٦٥ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: قِيلَ لِلنَّبِيِّ ◌ََّ: لَأَيِّ شَيْءٍ سُمِّيَ يَوْمُ الْجُمُعَة؟
قَالَ: لَأَنَّ فِيهَا طُبِعَتْ طِينَةُ أَبِيِكَ آدَمَ، وَفِيهَا الصَّعْقَةُ وَالْبَعْثَةُ، وَفِيهَا الْبَطْشَةُ، وَفِي آخِرٍ
ثَلَاثِ سَاعَاتٍ فِيهَا سَاعَةٌ مَنْ دَعَا اللهَ فِيهَا اسْتُجِيبَ لَه(١) رَوَاهُ أَحْمَدُ].
(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: قِيلَ لِلنَّبِيِّ ◌َله: لاَيِّ شَيٍْ سُمّي) اليوم الذي خصصنا
به من بين سائر الأمم (يَوْمُ الْجُمُعَة؟ قَالَ: لأَنَّ فِيهَا) اجتمعت أمور عظام وقعت فيه
دون غيره، وأنثه نظرًا للمضاف إليه، منها أنه (طُبِعَتْ) فيه (طِينَةُ أَبِيكَ آدَمَ) أي:
جُعلت مُسواة على صورة مخصوصة وشكل مبدع من ((طبعت الدراهم)).
ومن ثم جاء إبليس لما كان يمر على صورته الملقاة على باب الجنة ويراها مجوفة،
وفيها منفذان من فوق وأعلى، يقف ويتأملها ويمعن النظر فيها ثم يقول: إن صورة
مجوفة لها منفذان كذلك لها شأن عجيب، فكان كما تخيل - لعنه الله - إذ ذلك
التجويف بمنفذيه المقتضي للإدخال والإخراج دائمًا الحامل لصاحبه على تحصيل ما
يدخل فيه ويخرج من أي وجه، كان هو الذي فارق به الملائكة، وعلت بسبب حفظه
له عن إدخال محرم فیه أو فعله به مرتبة علیھم.
(وَفِيهَا الصَّعْقَةُ) أي: موت الخلائق الناشئ عن النفخة الأولى (وَالْبَعْثَةُ) أي:
سببها وهو النفخة الثانية (وَفِيهَا الْبَطْشَةُ) من البطش وهو الأخذ بقوة، وهو أعم مما
قبله، وهو فسرها بـ((يوم القيامة)) كما قيل به في: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ البَْشَّةَ الكُبْرَى﴾
[الدخان: ١٦] نجعلها مؤكدة.
(وَفِي آخِرٍ ثَلَاثٍ سَاعَاتٍ فِيهَا سَاعَةٌ) قليلة جدًّا (مَنْ دَعَا اللّهَ فِيهَا اسْتُجِيبَ لَه.
رَوَاهُ أَحْمَدُ) ويجعل التنوين للتعليل، استغنى عن قول الشارح: ((في)) هنا تجريدية؛ إذ
الساعة هي نفس آخر ثلاث ساعات، وهي نحو قولك: ((في البيضة عشرون رطلاً من
حديد)) والبيضة نفس الأرطال.
(١) أخرجه أحمد (٨٣٢٣).
٢٢٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الخامس
ووجه الاستغناء عنه: أن التنوين إذا أفاد تقليلها جدًّا أفاد أن تلك الساعة
مبهمة في آخر ساعات من الثلاث التي هي ربع النهار أخذًا من الحديث السابق: ((يوم
الجمعة اثنا عشر ساعة)»(١) فكأنه في آخر ساعة من الثلاث.
قال: في آخر ربعها إلا في آخر ساعة قصيرة فالتمسوها فيه، وحينئذٍ فـ((في))
ظرفية على حقيقتها، فلا حاجة لتأويلها بما ذكره.
١٣٦٦ - [وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ نَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَةَ: أَكْثِرُوا الصَّلاَةَ عَلَيَّ يَوْمَ
الْجُمُعَةِ، فَإِنَّهُ مَشْهُودْ يَشْهَدُهُ الْمَلَائِكَةُ، وَإِنَّ أَحَدِكُمْ لَمْ يُصَلِّ عَلَّ إِلَّ عُرِضَتْ صَلَاتُهُ
حَتَّى يَفْرُغَ مِنْهَا، قَالَ: قُلْتُ: وَبَعْدَ الْمَوْتِ؟ قَالَ: إِنَّ اللّهَ حَرَّمَ عَلَى الأَرْضِ أَنْ تَأْكُلَ
أَجْسَادَ الأَنْبِيَاءِ، فَنَبِيُّ اللهِ حَيٍّ يُرْزَق(٢). رَوَاهُ ابْنُ مَاجَه].
(وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌ِ: أَكْثِرُوا الصَّلَاةَ عَلَّ يَوْمَ الْجُمُعَةِ،
فَإِنَّهُ مَشْهُودٌ يَشْهَدُهُ الْمَلَائِكَةُ) بيان لوجه كونه مشهودًا (وَإِنَّ أَحَدِكُمْ لَمْ يُصَلِّ عَلَّ
إِلَّا عُرِضَتْ صَلَاتُهُ) من أولها (حَتَّى يَفْرُغَ مِنْهَا، قَالَ: قُلْتُ: وَبَعْدَ الْمَوْتِ. قَالَ: إِنَّ اللهَ
حَرَّمَ عَلَى الأَرْضِ أَنْ تَأْكُلَ أَجْسَادَ الأَنْبِيَاءِ) ولما كان هذا يقيد حياتهم كما قدمناه آنفًا
فرع عليه قوله: (فَتَبِيُّ الله حَيٍّ) حياة حقيقة يقوى بها على العبادة بظاهره وباطنه،
ومن ثم رأى موسى التكليف قائمًا يصلي في قبره، وكذلك إبراهيم القفيها كما في حديث
مسلم، وصحَّ خبر: ((الأنبياء أحياء في قبورهم يصلون)) (٣).
قال البيهقي: وحلولهم في أوقات مختلفة في أماكن مختلفة جائز عقلاً كما ورد
به خبر الصادق.
(يُرْزَق) أصناف المعارف وأنواع الشهود، وعجائب التجليات ودوام الحضور
(١) أخرجه أبو داود (٢٥٢٩).
(٢) أخرجه ابن ماجه (١٧٠٦).
(٣) أخرجه أبو يعلى (٣٤٢٥)، وتمام (٥٨) وابن عساكر (٣٢٦/١٣)، والديلمي (٤٠٣)، وابن عدي (٢/
٣٢٧).
٢٢٥
تتمة كتاب الصلاة/ باب الجمعة
بين يدي الله تعالى والتلذذ بمناجاته، ويحتمل أن المراد به: يُرزق من طعام الجنة ما
يقوم به جسمه كروحه؛ إذ لا محذور في ذلك ولا استحالة.
(رَوَاهُ ابْنُ مَاجَه) ورجاله ثقات إلا أن فيه انقطاعًا، ويعضدها رواية الطبراني إن
ضعفت: ((ليس من عبد يصلي عليَّ إلا بلغني صوته حيث كان))(١).
((ليس أحد يصلي عليَّ يوم الجمعة إلا عرضت عليّ صلاته))(٢) صححها الحاكم
والبيهقي، وفي سندها راوٍ وثّقه البخاري وضعَّفه غيره.
وفي أخرى سندها ضعيف: ((أكثروا الصلاة عليّ في الليلة الغراء واليوم الأزهر
- أو اليوم الأغر - فإن صلاتكم تعرض عليَّ فأدعو لكم وأستغفر)) (٣) والأزهر ليلة
الجمعة، والأغر يومها.
وفي أخرى سندها حسن إلا أن فيه انقطاعًا عند الجمهور، لكن ردَّه الطبراني:
((أكثروا من الصلاة عليَّ في كل يوم جمعة، فإن صلاة أمتي تعرض عليّ في كل يوم جمعة،
فمن كان أكثرهم عليّ صلاة كان أقربهم مني منزلة)»(٤).
(تنبيه):
عُلم من هذه الأحاديث وغيرها أنه وَ# يُبلَّغ الصلاة والسلام عليه إذا صدرا
من بُعد، ويسمعها إذا كان عند قبره المكرم بلا واسطة سواء ليلة الجمعة وغيرها، ولا
يختص رده قليم بسلام المسلّم عليه بزائره، بل يرد على من يسلم عليه من أمته في جميع
الآفاق، وأنه حي على الدوام؛ إذ من الحال العادي أن يخلو الوجود كله عن واحد يسلّم
عليه في ليل أو نهار، وقد أجمعوا على أنه وليه حي يرزق، وأن جسده الشريف لا تأكله
الأرض.
(١) ذكره الصالحي في سبل الهدى والرشاد (٣٥٧/١٢).
(٢) أخرجه الحاكم (٣٥٣٦)، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (٢٨٩٥).
(٣) أخرجه البيهقي في (شعب الإيمان)) (٣٠٣٤)، والديلمي (٢١٥).
(٤) أخرجه البيهقي في ((السنن الكبرى)) (٥٧٩١) وفي (شعب الإيمان)) (٣٠٣٢)، والديلمي (٢٥٠).
٢٢٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الخامس
وفي الحديث: ((ما من أحد يسلم عليَّ إلا ردَّ الله عليَّ روحي حتى أرد عليه)(١)
والمراد بالروح فيه: النطق؛ لما بينهما من التلازم، ولا يلزم من دوام حياته دوام نطقه،
وإنما يرد عليه عند سلام كل مسلِّم عليه، وبفرض إرادة الروح المراد بردها عود
تعلقها بهذا العالم بعد أن كانت مستغرقة الشهود في حضرة الحق، وبفرض عدم
إرادتها لا محذور في تكرر عودها؛ إذ لا مشقة فيه، وبقي لذلك مزية تنبيه في كتاب
((الجوهر المنظم في زيارة القبر المكرم)).
١٣٦٧ - [وَعَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللهِ وَّهِ: مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَمُوتُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَوْ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ إِلَّا وَقَاهُ اللهُ
فِتْنَةَ الْقَبْرِ(٢). رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، وَلَيْسَ إِسْنَادُهُ
بِمُتَّصِل].
(وَعَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌ِ: مَا مِنْ
مُسْلِمٍ يَمُوتُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَوْ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ إِلَّا وَقَاهُ اللهُ فِتْنَةَ الْقَبْرِ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ
وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، وَلَيْسَ إِسْنَادُهُ بِمُتَّصِل).
وفي رواية: ((إلا وقي عذاب القبر وفتنة القبر، ولقي الله ولا حساب عليه، وجاء
يوم القيامة ومعه شهود يشهدون له))(٣).
وفي أخرى مرسلة أيضًا: ((من مات ليلة الجمعة كتب له أجر شهيد، ووُقي فتنة
(٤)
القبر»(٤) ..
١٣٦٨ - [وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - أَنَّهُ قَرَأَ: ﴿أَكْمَلْتُ لَكُمْ
دِينَكُمْ .. ﴾ [المائدة: ٣] وَعِنْدَهُ يَهُودِيٌّ، فَقَالَ: لَوْ أَنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَة عَلَيْنَا لَا تَّخَذْنَاهَا
(١) أخرجه أبو داود (٢٠٤١)، والبيهقي (١٠٠٥٠).
(٢) أخرجه أحمد (٦٥٨٢)، والترمذي (١٠٧٤).
(٣) ذكره القاري (٤٠/٥).
(٤) ذكره السخاوي في ((المقاصد الحسنة)) (٢٢٤/١).
٢٢٧
تتمة كتاب الصلاة/ باب الجمعة
عِيدًا، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسِ: إِنَّهَا نَزَلَتْ فِي يَوْمٍ عِيدَيْن: فِي يَوْمٍ ◌ُمُعَةٍ وَيَوْمٍ عَرَفَةً(١). رَوَاهُ
التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ غَرِيبٌ].
(وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - أَنَّهُ قَرَأَ: ﴿أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ .. ﴾
[المائدة: ٣]) أي: ملكتكم نواصي أعدائكم حتى لم يبقَ لكم مانع ولا منازع يقول:
كمل ملك فلان إذا كُفي منازعه ووصل إلى أغراضه، أو أكملت لكم ما تحتاجون
إليه في تكليفكم من نصوص الكتاب والسنة، وقوانين القياس وأصول الاجتهاد
(وَعِنْدَهُ يَهُودِيٌّ، فَقَالَ: لَوْ أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَة عَلَيْنَا لَا تَّخَذْنَاهَا) أي: يوم نزولها (عِيدًا)
أي: يوم عيد وفرح وسرور؛ إذ لا أسر عند النفوس الكاملة من الكمال الأخروي،
والتميز فيه على الغير، وكماله إنما هو بكمال الدين، وسمي العيد عيدًا لعوده؛ أي: عود
السرور فيه مرة بعد أخرى، وخصَّ شرعًا بيوم النحر والفطر؛ لأنهما محل السرور،
والمشار إليه بقوله وَله: (أيام شرب وأكل وبعال))(٢).
(فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسِ: إِنَّهَا نَزَلَتْ) علينا (فِي يَوْمٍ عِيدَيْن) لنا (فِي يَوْمِ جُمُعَةٍ) وهو
عيد مستقل للمؤمنين، تميزوا به على أهل الكتابين كما مرَّ (وَيَوْمٍ عَرَفَةَ) والنبيِّ
واقف بها يوم الجمعة، ويوم عرفة وإن لم يكن يوم جمعة يوم عيد مستقل أيضًا كما
أفاده بتكرير (يوم)) لما فيه من غاية الفرح والسرور للحُجاج بما خُصوا به فيه، وإذا
تقرر أنها نزلت فيه اجتمع فيه عيدان، فنحن أعظم همة وأعلى خصوصية منكم؛ إذ
لم نتخذ يوم نزولها عيدًا واحدًا، بل عيدين (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُ
غَرِيبٌ).
١٣٦٩ - [وَعَنْ أَنَسِ عَ﴾ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَّةِ: إِذَا دَخَلَ رَجَبُ قَالَ: اللهُمَّ
بَارِكْ لَنَا فِي رَجَبٍ وَشَعْبَانَ وَبَلِّغْنَا رَمَضَانَ، قَالَ: وَكَانَ يَقُولُ: لَيْلَةُ الْجُمُعَةِ لَيْلَةُ غَرَّاءُ،
(١) أخرجه الترمذي (٣٣١٨)، والبيهقي في ((الدلائل)) (٢١٧٨).
(٢) لم أقف.
٢٢٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الخامس
وَيَوْمُ الْجُمُعَةِ يَوْمُ أَزْهَرُ(١). رَوَاهُ الْبَيْهَِيُّ فِي (الدَّعَوَاتِ الْكَبِير))].
(وَعَنْ أَفَسِ ﴾ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: إِذَا دَخَلَ رَجَبُ قَالَ: اللهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي)
أعمال (رَجَبٍ وَشَعْبَانَ) لمزيد فضلهما بمزيد رجب حتى عند الجاهلية، وتعظيم
شعبان بكونه 3 18 كان يصومه تارة، وأكثره أخرى ويقول: («شعبان شهري ورمضان
شهرًا لله))(٢).
(وَبَلِّغْنَا رَمَضَانَ) لندرك فيه من المزايا التي لا توجد في غيره (قَالَ: وَكَانَ يَقُولُ:
لَيْلَةُ الْجُمُعَةِ لَيْلَةُ) أي: زمن (غَرَّاءُ) أي: نوراء من الغرة وهي البياض.
(وَيَوْمُ الْجُمُعَةِ يَوْمُ أَزْهَرُ) أي: أبيض مستنير، والزهر البياض، وهو أحسن
الألوان، وظاهر هذا أن يومها أفضل من ليلتها، وهو ظاهر حتى عند من يرى بفضل
الليل لقولهم: ((كل ليلة فيها ساعة إجابة، وليس ذلك في النهار إلا يوم الجمعة)) فاقتضى
أنهم قائلون بتفضيل يوم الجمعة على ليلتها؛ لوجود ساعة الإجابة فيه أيضًا، مع ما
امتاز به من الخصوصيات التي لا يوجد نظيرها في الليل (رَوَاهُ الْبَيْهَِيُّ فِي («الدَّعَوَاتِ
الگپِیر»).
(١) أخرجه أحمد (٢٣٧٨)، والبيهقي في ((الشعب)) (٣٦٥٤).
(٢) ذكره السخاوي في ((المقاصد الحسنة)) (١٣٥/١).
(باب وجوبها)
(الفصل الأول)
١٣٧٠ [عَنِ ابنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - أَنَّهُمَا قَالا: سَمِعْنَا
رَسُولَ اللهِ وَلَ يَقُولُ عَلَى أَعْوَادِ مِنْبَرِهِ: لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامُ عَنْ وَدْعِهِمُ الْجُمُعَاتِ، أَوْ
لَيَخْتِمَنَّ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ، ثُمَّ لَيَكُونُنَّ مِنَ الْغَافِلِينَ(١). رَوَاهُ مُسْلِمُ].
(عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَابْنٍ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا أَنَّهُمَا قَالا: سَمِعْنَا رَسُولَ الله
يَقُولُ عَلَى أَعْوَادِ مِنْبَرِهِ: لَيَنْتَهِيَنَّ) جواب قسم محذوف (أَقْوَامُ عَنْ وَدْعِهِمْ) أي:
وَسـ
تركهم فيه رد لقول النحاة: إن العرب أماتوا ماضي يدع ومصدره واستغنوا عنه
بـ((ترك)) إلا أن يريدوا أنه قليل استعمالاً صحيح قياسًا.
(الْجُمُعَاتِ أَوْ لَيَخْتِمَنَّ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ، ثُمَّ لَيَكُونُنَّ مِنَ الْغَافِلِينَ. رَوَاهُ مُسْلِمْ)
أي: إن أحد الأمرين كائن لا محالة، إمَّا الانتهاء عن ترك الجمعة أو ﴿خَتَمَ اللهُ عَلَى
قُلُوبِهِمْ﴾ [البقرة: ٧] بإطفاء نور الهداية منها؛ لما علاها من الرين عن ترك الجمعة،
والسبب في اندراجها في سلك الغافلين عن الله، وعباده المستحقين للمعالجة أو
للعقوبة.
و(ثم)) للتراخي في الرتبة؛ إذ رتبة اندراجهم في جملة الغافلين المقضي عليهم
بدوام الشقاء، واليأس من الرحمة أعلى حالها؛ لأنه الختم على القلب؛ لذا قيل: ويمكن
أن يبقي (ثُم)) على حالها؛ لأن الختم يحمل شيئًا فشيئًا، فإذا تم واستحكم أمره حصل
الاندراج المذكور، فبينه وبين ابتداء الختم زمن طويل عادة، فكانت (ثم)) على حالها،
واستفيد منه حرمة ترك الجمعة، وأنه كبيرة لما فيه من هذا الوعيد الشديد، وإن قال:
(١) أخرجه مسلم (٨٦٥)، وأحمد (٢١٣٢)، والنسائي (١٣٧٠)، وابن ماجه (٧٩٤)، وابن حبان
(٢٧٨٥)، والطيالسي (١٩٥٢)، وابن أبي شيبة (٥٥٣٤).
٢٢٩
٢٣٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الخامس
((أصلي الظهر)) بل المعتمد من مذهبنا أن من تركها وقال: ((أصلي الظهر)) تقبل لتركه
الواجب عليه وعدوله إلى غيره كالظهر هنا لا يمحق عنه أتم الواجب وعقوبته.
(الفصل الثاني)
١٣٧١ - [عَنْ أَبِيِ الْجَعْدِ الضَّمْرِيِّ ﴾ قَالَ رَسُولُ الله ◌َِّ: مَنْ تَرَكَ ثَلَاثَ جُمَع
تَهَاؤُنَّا بِهَا طُبِعَ عَلَى قَلْبِهِ(١). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدِ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَانِيُّ وابْنُ مَاجَه وَالدَّارِيُّ].
١٣٧٢ - [وَرَوَاهُ مَالِكٌ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ].
١٣٧٣ - [وَأَحْمَدُ عَنْ أَبِي قَتَادَةٍ].
(وَعَنْ أَبِي الْجَعْدِ الضَّمْرِيِّ ﴿ قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: مَنْ تَرَكَ ثَلَاثَ جُمَع) فلا
يستشكل ظاهر هذا أنه لا بد في الطبع من ثلاث جمع بما مر أن الختم الذي بمعناه لم
يشترط فيه ذلك.
قلت: لا إشكال إمَّا؛ لأن ذاك عبر فيه بالجمع وأقله ثلاث، وأن هذا مبيِّن لما في
ذلك من الإجماع.
(تَهَاؤُنًا) أي: تساهلاً وعدم اكتراث (بِهَا طُبعَ عَلَى قَلْبِه) أي: خُتم واستوثق
عليه حتى لا يبقى فيه قابلية للخير والاهتداء إليه؛ لكفره إن استحل تركها أو
استحق بها، وفسقه إن کسل عنها.
وحينئذٍ فالمراد بـ(التهاون)) بالنسبة لهذا القسم عدم العذر؛ لحصول الفسق
بالترك لغير عذر وإن لم يقصد التهاون والتفاعل هنا المراد به، إمَّا أصل الفعل وإمَّا
ظاهره على جهة التحرز والاستعارة، وأوتر ليدل على عظمة شأن هذا اليوم، وأنه يهين
من أهانه، وإهانته لا حقيقة لها والإهانة المهينة هي الحقيقة المترتب عليها ذلك الطبع
والختم والقساوة المكنى بها عن منعه تعالى له من ألطافه وقضائه عليه بالهوان
(١) أخرجه أحمد (١٥٥٣٧)، وأبو داود (١٠٥٢)، والترمذي (٥٠٠) وقال: حسن، والنسائي (١٣٦٩)
وابن ماجه (١١٢٥)، وابن أبي شيبة (٥٥٣٣)، وأبو يعلى (١٦٠٠)، والطبراني (٩١٥)، والحاكم
(١٠٣٤) وقال: صحيح على شرط مسلم، والبيهقي (٥٣٦٦).
٢٣١
تتمة كتاب الصّلاة/ باب وجوبها
والخسار.
والطبع بالتحريك: الدنس الحسي، وبالسكون: الدنس المعنوي، واستفيد من
الحديث أن الجمعة فرض عين، وشذ من قال: إنها فرض كفاية، وفي هذا الحديث أوضح
رد عليه (رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَه وَالدَّارِمِيُّ، وَرَوَاهُ مَالِكُ عَنْ
صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ وَ) رواه (أَحْمَدُ عَنْ أَبِي قَتَادَةِ) وحسنه الترمذي وصححه الحاكم.
وفي رواية للبيهقي: ((من ترك الجمعة ثلاثًا من غير عذر فقد رمى الإسلام وراء
ظھرہ))(١).
وورد خبر: ((من ترك الجمعة لغير عذر لم يكن لها كفارة دون يوم القيامة»(٢)
وكان المراد أنه لا كفارة لها حينئذٍ يلحقها بمن فعلها، وحينئذٍ فلا ينافي ذلك قول
أئمتنا: تُسن الكفارة لتركها.
١٣٧٤ - [وَعَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ ﴿ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: مَنْ تَرَكَ الْجُمُعَةَ
بِغَيْرِ عُذْرٍ فَلْيَتَصَدَّقْ بِدِينَارٍ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَبِنِصْفِ دِينَارِ(٣). رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وابْنُ
مَاجَه].
(وَعَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: مَنْ تَرَكَ الْجُمُعَةَ بِغَيْرِ عُذْرٍ
فَلْيَتَصَدَّقْ بِدِينَارٍ) أي: بوزن مثقال إسلامي من الذهب الخالص (فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَبِنِصْفٍ
دِينَار. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وابْنُ مَاجَه) وسنده صحيح.
فإن قلت: قد يعارضه حديث: ((من ترك الجمعة من غير عذر لم يكن لها
كفارة دون يوم القيامة»(٤).
(١) أخرجه البيهقي في الكبرى (٢٤٨/٣).
(٢) أخرجه عبد الرزاق (٥١٧٣).
(٣) أخرجه أحمد (٢٠٠٩٩)، وأبو داود (١٠٥٣)، والنسائي (١٣٧٢)، وابن ماجه (١١٢٨)، والروياني
(٨٥٤)، وابن حبان (٢٧٨٩)، والطبراني (٦٩٧٩)، والحاكم (١٠٣٥) وقال: صحيح الإسناد،
والبيهقي (٥٧٨٣)، وابن أبي شيبة (٥٥٣٥)، والطيالسي (٩٠١).
(٤) تقدم تخريجه.
٢٣٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الخامس
وفي رواية: ((احضروا الجمعة وادنوا من الإمام، فإن الرجل يتخلف عن الجمعة
فيتخلف عن الجنة وأنه من أهلها))(١).
قُلْتُ: لا معارضة؛ لأن الدينار أو النصف كفارة حقيقة؛ لأنه لا يرفع إثم الترك،
وإنما یرجی أن يخففه.
فإن قلت: ظاهر الأمر وجوب التصدق المذكور فلِم قلتم: إنه سنة؟
قُلْتُ: لما بين هذا الحديث أنها لعظيم حرمتها لا كفارة لها كان فيه دلالة على أن
ذلك التصدق ليس حقيقة كفارة كما تقرر، وإنما هو مقرب إلى الله، يرجى به تخفيف
وزرها.
فإن قلت: قد يعارض ذكر الدينار ونصفه ذكر الدرهم أو نصفه وصاع حنطة أو
نصفه في رواية أبي داود.
قلت: لا يعارضه؛ لأن الأول لبيان الأكمل، وهذا البيان أقل ما يحصل به سنة
التصدق.
١٣٧٥ [وَعَنْ عُمَرَ وَعَبْدِ الله بْنِ عَمْرو - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - عَنِ النَّبِيِّ ◌َلـ
قَالَ: الْجُمُعَةُ عَلَى مَنْ سَمِعَ النّدَاءَ(٢). رَوَاهُ أَبُو دَاوُد].
(وَعَنْ عُمَرَ وَعَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرو - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما. عَنِ السَّيِّ ◌َ﴿ قَالَ:
الْجُمُعَةُ عَلَى مَنْ سَمِعَ التِّدَاءَ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد) وهو ضعيف، لكن ذكر البيهقي له شاهدًا
جيدًا، ومن ثم ذكره البغوي في ((الحسان)) وهو: أخذ أئمتنا أن من لا يلزمهم الجمعة
بمحلهم؛ لكونهم أهل خيام مثلاً أو قرية، وهم دون أربعين إذا كانوا بحيث يبلغهم
نداء بلد الجمعة مع هدوء الأصوات وسكون الرياح، وتقدير ألّا مانع آخر يمنع من
السماع وأن المحلين مستويان علوًّا أو انخفاضًا، وأن المؤذن صيت يؤذن كعادته على
- -
(١) أخرجه أحمد (٢٠١٢٤)، والبيهقي (٥٧٢٤) وفي («شعب الإيمان)) (٣٠١٨)، والطبراني في ((الصغير))
(٣٤٦)، والديلمي (٣٦١).
(٢) أخرجه أبو داود (١٠٥٦)، والبيهقي (٥٣٧١)، والدار قطني (٦/٢)، والديلمي (١٦١٦).
٢٣٣
تتمة كتاب الصلاة/ باب وجوبها
الأرض من الطرف الذي يليهم لزمهم حضور الجمعة في بلدها المذكور؛ إذ لا مشقة
علیھم حينئذٍ.
فإن قلت: الحديث أطلق سماع النداء، فمن أين هذه الشروط والتدقيقات؟
قلت: لأن السماع لا ضابط له، وقد يعرضون عنه ولا يسمعونه بالفعل، فأناط
الأئمة الأمر بالعرف والعادة فيما عد العرف أهله، بحيث لو أصغوا سمعوا مع انتفاء
الموانع وتقدير الاعتدال لزمتهم الجمعة وما لا فلا.
١٣٧٦. [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: الْجُمُعَةُ عَلَى مَنْ آوَاهُ اللَّيْلُ إِلَى أَهْلِهِ(١). رَوَاهُ
التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ إِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ].
(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴿ قَالَ: الْجُمُعَةُ عَلَى مَنْ آوَاهُ) بالمد والقصر متعديًا بنفسه
وبالحرف كما مر (اللَّيْلُ) أي: ضمه (إِلَى أَهْلِهِ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثُ إِسْنَادُهُ
ضَعِيفٌ) فلم يأخذ بقضيته، وإنما أخذنا بقضية الأول؛ لاعتضاده بما صيره حسنًا.
وأخذ أبو حنيفة ه بقضية هذا فقال بوجوبها على من بين وطنه، ومحل الجمعة
مسافة يمكنه الرجوع بعد أداء الجمعة إلى وطنه قبل الليل، وزاد على ما في الحديث
شرطًا آخر هو أنه لا بد من اتحاد ديوان خراج ذلك المحل، وخراج بلد الجمعة بأن كان
ديوان غير ديوان بلد الجمعة لم يلزمه، وكأنه نظر إلى أن العرف لا يعدهما مجتمعين إلا
إن اتخذوا ديوانهما، واتفقا على أنها لا تجب إلا على من سمع النداء مالك وأحمد.
وقيل: يلزم من كان على ستة أميال.
وعن أبي حنيفة: ((إنها لا تجب على من كان خارج المصر)).
١٣٧٧ - [وَعَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ ◌َ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: الْجُمُعَةُ حَقُّ عَلَى كُلِّ
مُسْلِمٍ فِي جَمَاعَةٍ إِلَّ عَلَى أَرْبَعَةٍ: عَبْدٍ مَمْلُوكِ، أَوِ امْرَأَةٍ، أَوْ صَيٍّ، أَوْ مَرِيض(٢). رَوَاهُ أَبُو
(١) أخرجه الترمذي (٥٠٣).
(٢) أخرجه أبو داود (١٠٦٧)، والبيهقي (٥٣٦٨)، والطبراني (٨٢٠٦)، والدار قطني (٣/٢)، والضياء
(١٢١)، والحاكم (١٠٦٢).
٢٣٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الخامس
دَاوُدِ، وَفِي لَفْظِ السُّنَّةِ بِلَفْظِ «المصَابِيحِ)) عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي وَائِل].
(وَعَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌ِ: الْجُمُعَةُ حَقٌّ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ
فِي جَمَاعَةٍ) فيه أوضح الرد على من زعم أنها فرض كفاية، ومن ثم غلَّظ الأئمة من قال
ذلك أو نقله، وفيه أن الجماعة شرط في صحتها وهو إجماع، وإنما اختلفوا في العدد
الذي يحصل به.
ومذهبنا أنه لا بد من أربعين كاملين لخبر الدارقطني في «سننه» عن جابر:
(مضت السنة أن في كل أربعين فما فوق جمعة)(١).
(إِلَّا عَلَى أَرْبَعَةٍ) ((إلا)) بمعنى: غير، وما بعده مجرور صفة لـ((مسلم)) أي: على كل
مسلم؛ أي: غير عبد ... إلخ، وفيه إلغاء لـ((على)) بعد ((إلا)) فالأحسن جعله استثناء من
((واجب على كل مسلم)) والتقدير أنها لا تجب على (عَبْدٍ مَمْلُوكٍ) أي: فيه رِق، وإن قل
لنقصه، وإن وقع في نوبة المبغض الذي بينه وبين سيده مهاباة.
(أَوِ امْرَأَةٍ) وإن لم تُشتَةَ لما طبعت عليه من الحياء، ومثلها الخنثى المشكل؛
لاحتمال كونه أنثى، فلا يلزم بالشك.
(أَوْ صَبِيٍّ) ولو مراهقًا ومثله المجنون بجامع عدم تكليفهما.
(أَوْ مَرِيض) مرضًا يشق معه الحضور عادة بلا تساوي مشقة المسمى معه مشقة
المشي في المطر أو الوحل بخلاف نحو صداع ووجع ضرس حقيقين، واستفيد من
استثناء المريض أن مثله كل من له عذر، وقد مرت الأعذار في صلاة الجماعة، فهي
أعذار هنا أيضًا إن أمكن مجيئها هنا، كأكله ذي ريح كريهة لا يذهب ريحه
بالمعالجة، ما لم يقصد بأكله إسقاط الجمعة فيأثم ولم يسقط، وكخوف على نحو ماله
وإن قل، أو على عرضه، أو لم يجد لباسًا لائقًا به، أو خشي نحو حبس غريمه وهو
معسر، أو له مریض یتعهده، أو میت یجهزه.
(١) أخرجه الدارقطني (٣/٢).
٢٣٥
تتمة كتاب الصلاة/ باب وجوبها
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَ) رواه البغوي (فِي لَفْظِ السُّنَّةِ بِلَفْظِ (المصَابِيح)) عَنْ رَجُلٍ مِنْ
بَنِي وَائِل) وجاء أيضًا عن أبي موسى الأشعري بسند صحيح على شرط الشيخين باللفظ
المذكور، إلا أنه أسقط ((على)) بعد ((إلا)) فقال: ((إلا أربعة)».
(الفصل الثالث)
١٣٧٨ - [عَن ابْنِ مَسْعُودٍ ﴾ قَالَ: إِنَّ النَّبِيَّ ◌َ قَالَ لِقَوْمٍ يَتَخَلَّفُونَ عَنِ الْجُمُعَةِ:
لَقَدْ هَمَمْت أَنْ آمُرَ رَجُلاً يُصَلِّ بِالنَّاسِ، ثُمَّ أَحَرِّقَ عَلَى رِجَالٍ يَتَخَلَّفُونَ عَنِ الْجُمُعَةِ
بُيُوتَهُمْ (١). رَوَاهُ مُسْلِمُ].
(عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﴾ قَالَ: إِنَّ النَِّيَّ ◌َ﴿ قَالَ لِقَوْمٍ) أي: شأنهم أو عنهم
(يَتَخَلَّقُونَ عَنِ الْجُمُعَةِ: لَقَدْ هَمَمْت أَنْ آمُرَ رَجُلاً يُصَلِّى بِالنَّاسِ، ثُمَّ أَحَرِّقَ) بالنصب
(عَلَى رِجَالٍ يَتَخَلَّفُونَ عَنِ الْجُمُعَةِ) أي: لغير عذر (بُيُوتَهُم. رَوَاهُ مُسْلِمْ) ومرَّ الكلام
عليه في باب صلاة الجماعة، وأن الهم بالتحريق منسوخ.
١٣٧٩ - [وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - أَنَّ النَّبِيَّ ◌َ قَالَ: مَن تَرَكَ
الجُمْعَةَ مِنْ غيْرِ ضَرُورةٍ كُتِبَ مُنَافِقًّا فِي كِتَابٍ لَا يُمْحَى وَلَا يُبَدَّل. وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَات:
ثَلَاثًا(٤). رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ].
(وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - أَنَّ النَّبِيَّ وَإِ قَالَ: مَن تَرَكَ الْجُمْعَةَ مِنْ
غيْرِ ضَرُورةٍ) بخلافه لضرورة؛ أي: عذر من أعذار الجماعة السابقة بأنها التي يمكن
إتيانها؛ كأكله ذي ريح كريهة لا يذهب ريحه بالمعالجة ما لم يقصد بأكله إسقاط
الجمعة وإلّا أثم ولم يسقط، ولخوف على تلف أو نقص نحو ماله وإن قل، أو على عرضه
ممن يسبه في طريقه أو المسجد، وكأن فقد بعض لباسه اللائق به، أو يخشى معسر نحو
حبس من غريمه، أو يشتغل بتعهد مريضه أو تجهيز ميت، أو يريد سفرًا قبل فعلها،
ولو تخلف له لأضره ذلك (كُتِبَ مُنَافِقًا فِي كِتَابٍ) محفوظ عند الملائكة (لَا يُمْحَى
(١) أخرجه مسلم (٦٥٢)، وأحمد (٣٧٤٣)، وابن أبي شيبة (٥٥٣٩).
(٢) أخرجه الشافعي (٧٠/١).
٢٣٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الخامس
وَلَّا يُبَدَّل) ما لم يثبت.
قال تعالى: ﴿إِلَّا مَن تَابَ﴾ [مريم:٦٠].
ثم قال: ﴿فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ [الفرقان:٧٠].
(وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَات) من ترك الجمعة (ثَلَاثًا) وهي موافقة للرواية السابقة: ((من
ترك ثلاث جمع))(١) لكن لما شددتم في الجزاء بذكر التبليغ قيدتها، ولما خفف هنا بذكر
النفاق؛ إذ المراد به نفاق العمل لا الاعتقاد كما هو واضح حذف ذلك القيد يستفاد
من مجموعهما أن مجرد تركها من غير عذر نفاق، ومع التهاون وتكرره ثلاثًا فيه ذلك
الطبع الذي يؤول بصاحبها إلى الكفر أو الذي هو نفس الكفر على ما مرَّ فيه (رَوَاهُ
13 .33
الشّافِعِيُّ).
١٣٨٠ - [وَعَنْ جَابِرٍ﴾ أَنَّ رَسُولَ اللهِوَ ﴿ قَالَ: مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ
الآخِرِ، فَعَلَيْهِ الْجُمُعَةُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ إِلَّ مَرِيض، أَوْ مُسَافِرِ، أَوَ امْرَأَةُ، أَوْ صَبِيّ، أَوْ مَمْلُوكِ،
فَمَنِ اسْتَغْنَى بِلَهْوٍ أَوْ تِجَارَةٍ اسْتَغْنَى اللهُ عَنْهُ، وَاللهُ غِنَيَّ حَميدٍ(٢). رَوَاهُ الدَّارُقَطْنِيُّ].
(وَعَنْ جَابِرٍ﴾، أَنَّ رَسُولَ الله وَلَ قَالَ: مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ) حتى
يخشى المجازاة والمحاسبة فيه، فذكر الإيمان بذلك ليس قيد للوجوب عندنا؛ لأن
الأصح عند أصحابنا كما هو مقرر بأدلته في كتب الأصول والفروع أن الكفار
مخاطبون بفروع الشريعة مخاطبة عقاب عليها في الآخرة (فَعَلَيْهِ الْجُمُعَةُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ)
قد يؤخذ من هذا التقييد أن الإيمان إنما هو قيد لوجوب الفعل في الدنيا، وحينئذٍ فهو
قيد لإخراج الكافر؛ لما تقرر أن القائلين بتكليفه لا يقولون به إلا بالنسبة للعقاب
الأخروي، لا بالنسبة لوجوب الأداء عليه في الدنيا، فإنه إن كان ذميًّا كان أخذنا الجزية
منه على عدم تعرضنا له، وحربيًّا لم يطالب إلا بالإسلام أو الجزية، وقوله: (إِلَّا مَرِيض)
هو على حد ﴿فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلاً﴾ [البقرة: ٢٤٩] وهو إمَّا لغة، أو بتأويل: فلا يتركها
(١) تقدم تخريجه.
(٢) أخرجه الطبراني (٩٦٧)، والدارقطني (١٥٩٥).
٢٣٧
تتمة كتاب الصلاة/ باب وجوبها
إلا مريض كما في الآية، فلم يطيقوه إلا قليل.
(أَوْ مُسَافِر) سفرًا مباحًا أو عازم على السفر بشرطه كما مر (أو امْرَأَة أَوْ صَبِيّ أَوْ
مَمْلُوكَ فَمَنِ اسْتَغْنَى) عن المجيء إلى الجمعة الواجبة عليه (بِلَهْوِ أَوْ تِجَارَةٍ اسْتَغْنَى اللهُ
عَنْهُ) فربما يحرمه من خير ما عنده، فإن الله غير مفتقر لأحد، وإنما الخلق كلهم
مفتقرون إليه، فطلبه إقبالهم إليه إنما هو لينيلهم من أوسع جوده وفضله لا لاحتياجه
إليهم، كيف (وَاللّهُ غِنَيُّ) عن كل أحد (حَميدُ) أي: حامدًا لمن أطاعه بإجزال ثوابها، أو
محمود على كل حال، (رَوَاهُ الدَّارُقَطْنِيّ).
(باب التنظيف والتبكير)
(الفصل الأول)
١٣٨١ [عَنْ سَلْمَانَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: لَا يَغْتَسِلُ رَجُلْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ،
وَيَتَطَهَّرُ مَا اسْتَطَاعَ مِنْ طُهْرٍ، وَيَدَّهِنُ مِنْ دُهْنِهِ، أَوْ يَمَسُّ مِنْ طِيبٍ بَيْتِهِ ثُمَّ يَخْرُجُ، فَلَا
يُفَرِّقْ بَيْنَ اثْنَيْنِ، ثُمَّ يُصَلِّ مَا كُتِبَ لَهُ، ثُمَّ يُنْصِتِ إِذَا تَكَلَّمَ الإِمَامُ إِلَّا غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ
وَبَيْنَ الْجُمُعَةِ الأُخْرَى(١). رَوَاهُ الُْخَارِيُّ].
(عَنْ سَلْمَانَ ﴿ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَهُ: لَا يَغْتَسِلُ رَجُلُ) مثله المرأة كما أفاده
الحديث الصحيح: ((من أتى الجمعة من الرجال أو النساء فليغتسل، ومن لم يأتها
فليس عليه غسل من الرجال والنساء)(٤) ومنه أخذ أئمتنا أن استحباب هذه
المذكورات في هذا الحديث وما بعده مختص بمن يريد حضور الجمعة ولو صبيًّا، وإنما
طلب التنظيف والتزين يوم العيد لكل أحد وإن لم يحضر الجماعة؛ لأنه للزينة وإظهار
السرور فكان لليوم، وهذا للتنظيف ودفع الأذى عن الناس، فاختص بمريد الحضور.
(يَوْمَ الْجُمُعَةِ) كغسل الجنابة في الواجبات والمندوبات (وَيَتَطَهَّرُ) أي: يتنظف؛
إذ الطهارة لغة: النظافة (مَا اسْتَطَاعَ مِنْ طُهْرٍ) أي: نظافة كثيرة بالغة بأن يبالغ في
السواك وقطع الرائحة الكريهة عن بدنه وثوبه ويبالغ في تنظيفه، ويقص شاربه إلى أن
يبدو طرف الشفة، ولا يخفيه من أصله للاتباع، حسَّنه الترمذي.
ومعنى خبر: ((أحفوا الشوارب)»(٣) أي: خذوا ما مال منها على الشفة، وتأخذ شعر
الأنف ونتفه أولى والعانة، والأولى للرجل حلقها وللمرأة نتفها، وكذا شعر ما حوالي
(١) أخرجه البخاري (٨٤٣)، وأحمد (٢٣٧٦١)، وابن أبي شيبة (٥٥٢٠)، والطحاوي (٣٦٩/١)،
والطبراني (٦١٩٠).
(٢) أخرجه البيهقي (٥٨٦٩)، وابن خزيمة (١٦٥٦)، وابن حبان (١٢٤٣).
(٣) أخرجه مسلم (٢٥٩)، والترمذي (٢٧٦٣)، وأحمد (٤٦٥٤)، والنسائي (١٥)، وأبو عوانة (٤٦٦).
٢٣٨
٢٣٩
تتمة كتاب الصّلاة/ باب التنظيف والتبكير
الدبر بقصد التنظيف وسهولة الاستنجاء، ويكره تأخير إزالة هذه المذكورات عن
وقت الحاجة بأن يطهر الشعر ويحسن، ولا بأس بحلق الرأس لمن عجز عن دهنه
وترجيله، نعم إن ضره تركه ويقص أظفاره، هذا كله في غير مريد التضحية في عشر
ذي الحجة؛ لأنه يكره له إزالة شيء من ذلك حتى يضحي؛ لتشمل المغفرة جميع آثاره.
(وَيَدَّهِنُ) بالتشديد (مِنْ دُهْنِهِ) بضم الدال؛ أي: الطيب الرائحة، بل وغيره قبيل
الغسل؛ ليكون ذلك أنظف وأنقى للشعر، وسيأتي في غسل واغتسل ما يشهد لذلك
(أَوْ) هي بمعنى الواو؛ لأن المطلوب اجتماعهما (يَمَسُّ مِنْ طِيبٍ بَيْتِهِ) يفسره الرواية
الآتية: ((ومٍّ من طيب إن كان عنده)(١) وفيه إشارة إلى أن الأولى للإنسان ألَّا يخلي
بيته من طيب وأن يعتاد استعماله للجمعة وغيرها من كل اجتماع، ومن ثم قال أئمتنا:
يتأكد لمن يجتمع بالناس أن يتطيب ويتنظف ما استطاع.
(ثُمَّ يَخْرُجُ) إلى محل الجماعة (فَلَا يُفَرِّقْ) براء مشددة مكسورة (بَيْنَ اثْنَيْنِ)
كناية عن طلب التكبير ليصلِّ، والمحل حال، فلا يتخطى أحد، ويصح أن يراد به
ظاهره من طلب عدم التخطي، والنهي عن التخطي نفسه وإن لم يبكر بأن يجلس
آخر الناس ولا يتخطى أحد منهم، ثم رأيت الحديث الآتي أول الفصل وهو صريح في
هذا المعنى.
(ثُمَّ يُصَلِّ مَا كُتِبَ لَهُ) أي: فرض عليه من الجمعة، أو ما قدر له منها ومن
النوافل لمريد فضل يوم الجمعة شرعت حتى حالة الاستواء الذي هو وقت كراهة في
غيره.
(ثُمَّ يُنْصِت) بضم أوله من أنصت: سكت سكوت مستمع، وبالفتح من نصت
بمعناه، أو يقال: أنصته أسكته، فهو متعدٍّ ولازم (إِذَا تَكَلَّمَ الإِمَامُ) أي: خطب (إِلَّا
غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجُمُعَةِ الأُخْرَى) تأنيث ((الآخر)) بالفتح؛ أي: الذنوب الصغائر
(١) أخرجه أحمد (١١٧٨٥)، وأبو داود (٣٤٣)، والطحاوي (٣٦٨/١)، وابن حبان (٢٧٧٨)، والحاكم
(١٠٤٥)، والبيهقي (٥٤٧٤).
٢٤٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الخامس
المتعلقة بالله كما مرَّ في نظائره التي وقعت منه من حين إنصاته إلى زمن خطبة الجمعة
الماضية قبل هذه، أو الذي شيع منه من الآن إلى مثله من الجمعة الآتية، ولا بدع في
مغفرة المستقبل؛ لأن تركه هذا العمل يكون سببًا في أن ما وقع من عامله إلى جمعة
آتية يكون مغفورًا، وسيأتي أول الفصل الثاني: ((الجمعة التي قبلها)) وفي الفصل
الثالث: ((التي تليها)) وبها يعلم صحة كلاً من الاحتمالين.
فإن قلت: يشكل عليه أن الجمعة التي تعقب بلوغه لا شيء فيها يكفر.
قلت: القاعدة في المكفرات المرتبطة أو زمن أنها إن وجدت شيئًا ڪفرته وإلا
رفع للفاعل درجات بقدر ذلك العمل (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ).
١٣٨٢ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾، أَنَّ رَسُولَ اللهِوَّهِ قَالَ: مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ،
فَصَلَّى مَا قُدّرَ لَهُ، ثُمَّ أَنْصَتَ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْ خُطْبَتِهِ يُصَلِّ مَعَهُ غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ
الْجُمُعَةِ الأُخْرَى، وَفَضْلُ ثَلاثَةٍ أَيَّامٍ(١). رَوَاهُ مُسْلِمُ].
(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴿ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَ﴿ قَالَ: مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ) يؤخذ منه
ما قاله أثمتنا: إن وقت غسلها يدخل بفجر يومها، وإنما دخل غسل العيد من نصف
الليل يُفعل أول النهار، فقدم من نصف الليل لتسع الزمن للآتين إليه من البوادي
والقرى (فَصَلَّى مَا قُدِّرَ لَهُ، ثُمَّ أَنْصَتَ حَتَّى يَفْرُغَ) الخطيب (مِنْ خُطْبَتِهِ يُصَلِّ مَعَهُ)
الجمعة (غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجُمُعَةِ الأُخْرَى، وَفَضْلُ ثَلاثَةٍ أَيَّامٍ) لا ينافي ما قبله؛ لأنه
وَ ل﴿ كان أخبر بأن المغفور ذنوب سبعة أيام، فأخبر بهذا إعلامًا بأن الحسنة بعشر
أمثالها، ونظير هذا قوله {وَله في صلاة الجماعة مرة: ((إنها بخمس وعشرين))(٢) وأخرى
بـ«إنها بسبع وعشرين))(٣) (رَوَاهُ مُسْلِمٌ).
(١) أخرجه مسلم (٨٥٧).
(٢) أخرجه البخاري (٦١٩)، وأحمد (١١٥٣٨)، وابن ماجه (٧٨٨)، وأبو يعلى (١٣٦١).
(٣) أخرجه مالك (٢٨٨)، والبخاري (٦١٩)، ومسلم (٦٥٠)، والترمذي (٢١٥) وقال: حسن صحيح،
وأحمد (٥٣٣٢)، والنسائي (٨٣٧)، وابن ماجه (٧٨٩)، وابن حبان (٢٠٥٢).