النص المفهرس

صفحات 201-220

٢٠١
تتمة كتاب الصلاة/ باب صلاة السفر
(رَوَاهُ ابْنُ مَاجَه).
١٣٥١ - [وَعَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسِ كَانَ يَقْصُرُ الصَّلاَةَ فِي مِثْلِ مَا بَيْنَ
مَكَّةَ وَالطَّائِفِ، وَفِي مِثْلِ مَا بَيْنَ مَكَّةَ وَعَسْفَانَ، وَفِي مِثْلِ مَا بَيْنَ مَكَّةَ وَجَدَّةً(١). رَوَاهُ فِي
(المُوطَا))].
(وَعَنْ مَالِكٍ) ابن أنس الإمام المجتهد المجمع على جلالته وإمامته (أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ
ابْنَ عَبَّاسٍ كَانَ يَقْصُرُ الصَّلَاةَ فِي مِثْلٍ مَا بَيْنَ مَكِّةً وَالطَّائِفِ، وَفِي مِثْلٍ مَا بَيْنَ مَكَّةً
وَعَسْفَانَ، وَفِي مِثْلِ مَا بَيْنَ مَكَّةَ وَجِدَّةَ رَوَاهُ فِي (المُوظا))).
ويوافقه ما صحَّ عن ابن عباس أنه سُئل: أتقصر الصلاة إلى عرفة؟ أي: بالنسبة
لأهل مكة، فقال: لا، ولكن إلى عسفان وإلى جدة وإلى الطائف.
وما صحَّ عنه وعن ابن عمر: ((إنهما كانا يقصران ويفطران في أربعة بُرُدٍ) ومثل
ذلك لا يكون إلا بتوقيف، بل قضية قول الليث : هذا هو الذي عليه الناس أنه
إجماع قبل حدوثه قبل حدوث الخلاف فيه، والأربعة بُرُد ستة عشر فرسخًا، والفرسخ
ثلاثة أميال وهو بسير الإبل ودبيب الأقدام مسيرة يومين أو ليلتين أو ليلة ويوم
معتدلين مع المعتاد من النزول والاستراحة والأكل والصلاة ونحوها، وذلك مرحلتان،
والميل أربعة آلاف خطوة، والخطوة ذراع ونصف بذراع الآدمي، وهو شبران تقريبًا.
واشترط أبو حنيفة ثلاثة أيام لخبر الشيخين: ((لا تسافر المرأة ثلاثة أيام إلا
ومعها محرم))(٢).
وزوده بخبرهما أيضًا: ((لا تسافر يومين))(٣) بل لمسلم: (يومًا)»(٤) بل صحَّ بريدًا (٥)
(١) أخرجه مالك (٣٤٥).
(٢) أخرجه البخاري (١٠٣٦)، ومسلم (١٣٣٨)، وأبو داود (١٧٢٧)، وأحمد (٦٢٨٩)، وابن حبان
(٢٧٣٠)، والطيالسي (٢٢٣٥).
(٣) أخرجه البخاري (١١٩٧)، ومسلم (٣٣٢٥).
(٤) لم أقف على هذه الرواية.
(٥) الْبَرِيد: مَسِيرَة نِصْف يَوْم.

٢٠٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الخامس
فدلَّ على أن الكل يسمى: سفرًا.
ومن ثم قال الظاهرية: يقصر في قصيره كأن خرج لبستانه، ولخبر مسلم: ((كان
** إذا خرج ثلاثة أميال أو ثلاثة فراسخ صلى ركعتين(١) وردَّ بأنه ليس فيه أن
مقصده كان على ثلاثة، بل يفعل القصر بعد ثلاثة؛ لأن الظاهر أنه كان لا يسافر بعد
دخول وقت صلاة إلا بعد أن يصليها، فلا تدركه الصلاة الأخرى إلا وقد تباعد عن
المدينة.
ولتهافت هذا الخلاف حكى الشافعي الإجماع على أنه لا قصر فيما دون
مرحلتين، لكن محله في الأمن لما حكي عن الشافعي نفسه أن له قولاً بجواز القصر في
القصير إذا كان في الخوف، بل علق في ((الأم)) القول به في القصير على صحة حديث:
((إِنه ◌َ ﴾ قصر بذي قَرَد)(٩) وقد صح الحديث فكان مذهبه وصاية جوازه في القصر؛ أي:
مع الخوف والجواب عنه من قبل الأولين أن هذه واقعة حال، فعليه يحتمل أن مقصده
﴿ ﴿ كان أبعد من ذي قَرَد، وإن فرض رجوعه منها؛ إذ من قصد سفرًا طويلاً فقصر ثم
رجع قبل بلوغ مرحلتين لا يعيد ما قصره.
[وَعَنِ الْبَرَاءِ ﴾ قَالَ: صَحِبْتُ رَسُولَ اللهِ وَ لَ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ سَفَرًا فَمَا
١٣٥٢
رَأَيْتُهُ تَرَكَ رَكْعَتَيْنِ إِذَا زَاغَتِ الشَّمْسُ قَبْلَ الظُّهْرِ(٣). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدِ، والتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ:
هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ].
(وَعَنِ الْبَرَاءِ ﴾ قَالَ: صَحِبْتُ رَسُولَ اللهِ وَّهِ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ سَفَرًا فَمَا رَأَيْتُهُ تَرَكَ
رَكْعَتَيْنِ إِذَا زَاغَتِ الشَّمْسُ قَبْلَ الظُّهْرِ) ظرف لـ«ترك)) والظاهر أنهما سنة الظهر
القبلية، وإنكار ابن عمر لفعل الراتبة في السفر رأي له خولف فيه، فلا يكون حجة
على غيره، بل ظاهر هذا كالأحاديث السابقة ترد عليه بفرض أنه ينكر الراتبة المؤكدة
(١) أخرجه مسلم (١٦١٥)، وأبو داود (١٢٠٣)، وأحمد (١٢٦٤٧).
(٢) ذكره القاري (١٠/٥).
(٣) أخرجه أبو داود (١٢٢٤)، والترمذي (٥٥٣).

٢٠٣
تتمة كتاب الصلاة/ باب صلاة السفر
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُد والتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ) الترمذي: (هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ).
١٣٥٣ - [وَعَنْ نَافِعٍ قَالَ: إِنَّ عَبْدَ الله بْنَ عُمَرَ كَانَ يَرَى ابْنَهُ عُبَيْدَ اللهِ يَتَنَفَّلُ
فِي السَّفَرِ فَلَا يُنْكِرُ عَلَيْهِ (١). رَوَاهُ مَالِك].
(وَعَنْ نَافِعٍ قَالَ: إِنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَرَى ابْنَهُ عُبَيْدَ اللهِ يَتَنَفَّلُ فِي السَّفَرِ
فَلَا يُنْكِرُ عَلَيْهِ) وهذا يعين حمل إنكاره السابق على ما قدمته فيه (رَوَاهُ مَالِك).
(١) أخرجه مالك (٣٥٥).

(باب الجمعة)
بضم الميم - وهو أشهر - وإسكانها تخفيف منه؛ أي: اليوم المجموع فيه؛ لأن
فُعلة بالسكون للمفعول كهُزأة، وبفتحها بمعنى فاعل؛ أي: اليوم الجامع، فتاؤها
للمبالغة كهُمَزَةٍ وضُحَكَة للمكثر من ذلك، لا للتأنيث، وإلا لما وصف بها يوم.
وقيل: سميت بذلك؛ لأن خلق آدم جُمع فيها. وقيل: لاجتماعه بحواء في الأرض
في يومها. وقيل: لما جمع فيها من الخير.
وحكي كسر الميم، وكان يومها يسمى في الجاهلية يوم العروبة؛ أي: المبيَّن المعظم.
(الفصل الأول)
١٣٥٤ - [عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَلَهُ: نَحْنُ الْآخِرُونَ السَّابِقُونَ
يَوْمَ الْقِيَامَةِ بَيْدَ أَنَّهُمْ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِنَا، وَأُوْتِينَاهُ مِنْ بَعْدِهِمْ، ثُمَّ هَذَا يَوْمُهُمُ الَّذِي
فَرَضَ اللهُ عَلَيْهِمْ - يَعْنِي: الجُمعَةِ - فَاخْتَلَفُوا فِيهِ فَهَدَانَا اللهُ لَهُ، وَالنَّاسِ لَنَا فِيهِ تَبَعُّ،
الْتُهُودُ غَدًّا، وَالنَّصَارَى بَعْدَ غَدٍ (١). مُتَّفَقُ عَلَيْهِ.
وَفِي رِوَايَة لِمُسْلِمٍ قَالَ: نَحْنُ الآخِرُونَ الأَوَّلُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَنَحْنُ أَوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ
الْجَنَّةَ بَيْدَ أَنَّهُمْ .. وَذَكَرَ نَحْوهُ إِلَى آخِرِهِ، وَأُخْرَى لَهُ عَنْهُ](٩).
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: تَحْنُ الْآخِرُونَ) أي: في الزمان وفي
الدنيا؛ لأنه ◌َ﴿ خاتم النبيين (السَّابِقُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) في المنزلة والقضاء لهم قبل الخلق
وفي دخول الجنة (بَيْدَ) بفتح الموحدة وسكون التحتية وفتح الدال.
قال الراغب: بمعنى غير، وبمعنى على، وبمعنى من، أصل وكله صحيح هنا،
والأخير نقله المزني عن الشافعي عه واختار ابن مالك أنها حرف استثناء كـ(لكن))
(١) أخرجه البخاري (٨٣٦)، ومسلم (٨٥٥)، وأحمد (٧٣٠٨)، والنسائي (١٣٦٧)، والشافعي (٦٠/١)،
وابن خزيمة (١٧٢٠)، والبيهقي (٥٣٥٤).
(٢) أخرجه مسلم (٢٠١٧).
- ٢٠٤ -

٢٠٥
تتمة كتاب الصلاة/ باب الجمعة
قال: لأن معنى ((إلا)) مفهوم منها، ولا دليل على اسميتها، وقد تبدل موحدتها ميمًا، ثم
ما فيها من معنى الاستثناء هو من باب تأكيد المدح بما يشبه الذم، فالاستثناء منقطع
لا منفصل ادعاء كما في قوله:
وَلَا عَيبَ فيهِم غَيْرَ أَنَّ سُيوفَهُم بِهِنَّ فُلولٌّ مِن قِراعِ الكَتائِبِ
أي: إن كان هذا الفلول عيبًا فهو لهم، لكنه من أخص صفات الشجاعة، ومعنى
الحديث على هذا: نحن السابقون يوم القيامة بما مُنِحناه من الكمالات، غير أنهم أوتوا
الكتاب من قبلنا وأوتيناه من بعدهم، ففتح كتابنا من أخص صفات المدح والكمال؛
لأنه ناسخ لكتابهم ومعلم لفضائحهم، فهو السابق فضلاً وإن سبق وجودًا، ويأتي نظير
ذلك في قوله: ((ثم هذا يومهم ... إلخ)) (أَنَّهُمْ) أي: اليهود والنصارى، وقد تحذف ((أن))
فيبطل عملها، ويضاف ((بيد)) إلى جملة المبتدأ والخبر (أُوتُوا الْكِتَابَ) أي: التوراة
والإنجيل.
(مِنْ قَبْلِنَا وَأُوتِينَاهُ) أفرده؛ لأن تعريفه للجنس وهذا إشارة لتأخيرنا كما أن
«فهدانا)) إشارة لسبقنا (مِنْ بَعْدِهِمْ ثُمَّ) أتى بها إشعارًا بأن ما قبلها كالتوطئة
والتأسيس لما بعدها (هَذَا يَوْمُهُمُ الَّذِي فَرَضَ اللهُ عَلَيْهِمْ - يَعْنِي: الجُمعَة) أي: فرض
عليهم استخراجه بأفكاره وتعيينه باجتهادهم، وكأنه قيل لهم: فرض الله عليكم يومًا
تتفرغون فيه للكفر والعبادة فاجتهدوا في تعيينه ليظهر أتصادقون الحق أو غيره.
(فَاخْتَلَفُوا فِيهِ) وضلوا عنه، وأما نحن (فَهَدَانَا اللهُ لَّهُ) على لسان نبينا وَِّ حيث
تولى تعيينه لنا ولم يكله إلى اجتهادنا على أنه لو وكله إليه وفقنا لإصابته ببركته وَ لته
وما له بنا من مزيد العناية والإمداد، وأما قول شارح وإنا اجتهدنا فأصبناه وهم
اجتهدوا فأخطئوه، فعن صحيح إلا أن يؤيد ما ذكرته من أنا لو كلفنا اجتهاده وفقنا
لإصابته فتأمله.
ثم رأيت ما يؤيده، وهو ما رواه ابن أبي حاتم عن السدي أن الله فرض على
اليهود يوم الجمعة فأبوا وقالوا: يا موسى، اجعل لنا يوم السبت فجعله عليهم، وليس

٢٠٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الخامس
ذلك تعجيب من مخالفتهم كما في ﴿وادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾ [البقرة: ٥٨] وهم
القائلون: ﴿سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾ [البقرة:٩٣].
وقال بعضهم: قولوا: ((فهدانا الله له)) يحتمل أنه نص لنا عليه، وأنه وفقنا
لإصابته بالاجتهاد لما صح عن ابن سيرين قال: جمع أهل المدينة قبل أن يقدمها
رسول الله وسل﴿ وقبل أن تنزل الجمعة، فقال الأنصار: إن لليهود يومًا يجتمعون فيه كل
سبعة أيام، وللنصارى مثل ذلك، فهلما فلنجعل لنا يومًا نذكر الله ونصلي ونشكره،
فجعلوه يوم العروبة، واجتمعوا إلى أسعد بن زرارة فصلى بهم يومئذٍ، وأنزل الله تعالى
بعد ذلك: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ﴾ [الجمعة:٩].
وهذا وإن كان مرسلاً فله شاهد بإسناد حسن، بل صححه ابن خزيمة، هو أن
أول من صلى بنا الجمعة بالمدينة قبل الهجرة أسعد بن زرارة، فالأول يدل على أن
أولئك الصحابة اختاروا يوم الجمعة بالاجتهاد، ولا يمنع ذلك أنه أسلم علمه بالوحي،
وهو بمكة فلم يتمكن من إقامتها، ولذلك جمع بهم أول ما قدم المدينة، فإنه أقام بنا
من الإثنين إلى الجمعة، وأسس مسجدهم، ثم خرج إلى المدينة يوم الجمعة، فأدركته في
بني سالم فصلاها بمسجد الجمعة المشهور، فكانت أول جمعة صلاها بالمدينة قبل
تأسیس مسجده.
(وَالنَّاس) أي: أهل الكتابين، كنى عنهم بذلك لكثرتهم (لَّنَا فِيهِ تَبَعْ) فإنهم إنما
هدوا لما يعقبه (الْتَهُودُ) يعظمون، أو قالوا: يومنا يكون (غَدًا) ليوم الجمعة وهو
السبت؛ لأنه يوم فراغ؛ لأن الله تعالى ابتدأ بخلق العالم يوم الأحد، وفرغ منه يوم
الجمعة، واستراح السبت، فينبغي للناس أن يعرضوا عن صنائعهم، ويتفرغوا فيه
للعبادة، وهذا من تعنتهم في كفرهم، ومن ثم تولى تعالى الرد عليهم بقوله: ﴿وَمَا
مَسَّنَا مِن ◌ُّغُوبٍ﴾ [ق: ٣٨] أي: تعب ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن
فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢].
(وَالنَّصَارَى) يعظمون، أو قالوا: يومنا يكون (بَعْدَ غَدٍ) وهو الأحد؛ لأنه اليوم

٢٠٧
تتمة كتاب الصلاة/ باب الجمعة
الذي ابتدأ الله فيه خلق العالم، فوجب عليهم شكره وعبادته فيه، فعلم من قوله: (لنا
فيه تبع)) أن يوم الجمعة وإن أُخِّر في الوجود وأوتينا من بعدهم هو سابق في الفضل
والكمال؛ لأن الله تعالى خلق الإنسان للعبادة وكان خلقه بخلق أبيه آدم العقلية يومها،
فكان هو الأولى بمزيد تميز بالعبادة والشكر.
وأيضًا: فالذي خلق الله تعالى في غيره من الأيام هو ما ينتفع به الإنسان، وأما
فيه فلم يخلق إلا الإنسان وحده فكان الشكر فيه على نعمة الوجود أهم وأحرى.
وأيضا: فمبدأ معرفة الإنسان الحق وشهوده له إنما هو يوم الجمعة، فكان
التعبد فیه متبوعًا وفي الیومین بعده تابعًا.
تنبيه:
قدرت ما ذكر في غد أو بعد غد؛ ليكون ذلك بيانًا لقوله: ((فاختلفوا فيه)»
وليبقى الظرف على حاله وعلى أنه بيان لقوله: ((والناس لنا فيه تبع)) تقديره: اليهود تبع
لنا في غد، أو النصارى تبع لنا في بعد غد، أو كلا هذين أولى من جعل الظرف هو
الخبر؛ لأنه حينئذٍ يكون خبرًا عن جهته، فيحتاج إلى تقدير مضاف؛ أي: التعبد،
ويجمع اليهود غدًّا وكذا في النصارى لامتناع الإخبار به عنهما من غير تقدير (مُتَّفَقُّ
عَلَيْهِ).
(وَفِي رِوَايَة لمُسْلِمٍ قَالَ: نَحْنُ الآخِرُونَ الأَوَّلُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَنَحْنُ أَوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ
الْجَنَّةَ) لأن المعاد على طِبق المعاش، فإذا ثبت لنا أولية الشرف والتقدم والفضل ثبت
لنا أولية دخول الجنة (بَيْدَ أَنَّهُمْ ... وَذَكَرَ نَحْوهُ) أي: الذي مرَّ (إِلَى آخِرِهِ) وكما وقع (ابيد))
بعد الجملة الأولى في غاية حسن الرونق ورصانة السبك، كذلك وقع بعد الجملة
الثانية لما تقرر أنها متفرقة عليها باعتبار استقبالهم في الدنيا اقتضى سبقنا لهم في
الآخرة (وَأُخْرَى لَهُ عَنْهُ) أي: أبي هريرة.
١٣٥٥ - [وَعَنْ حُذَيْفَةَ عَ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وٍَّ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ: تَحْنُ

٢٠٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الخامس
الْآخِرُونَ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا وَالأَوَّلُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، الْمَقْتَضَى لَهُمْ قَبْلَ الْخَلَائِقِ ﴾(١).
(وَعَنْ حُذَيْفَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ لَّهِ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ: نَحْنُ الْآخِرُونَ) أي:
الذين تأخروا عنهم في حال كوننا وإياهم (مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا وَالأَوَّلُونَ) في السبق لهم (يَوْمَ
الْقِيَامَةِ، الْمَقْتَضَى لَهُمْ) بتقدمهم في الحساب، ثم يدخلون الجنة (قَبْلَ الْخَلَائِقِ) إظهارًا
لمزيد شرفهم وعلي شرفهم في ذلك المجمع العظيم.
١٣٥٦ - [وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: خَيْرُ يَوْمٍ طَلَعَتْ عَلَيْهِ
الشَّمْسُ يَوْمُ الْجُمُعَةِ؛ فِيهِ خُلِقَ آدَمُ، وَفِيهِ أُدْخِلَ الْجَنَّةَ، وَفِيهِ أُخْرِجَ مِنْهَا، وَلَا تَقُومُ
السَّاعَةُ إِلَّ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ(٢). رَوَاهُ مُسْلِمُ].
(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّه: خَيْرُ يَوْمٍ طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ)
أي: خير يوم ظهر بظهور الشمس؛ إذ اليوم لغةً: من طلوعها إلى غروبها، وهذا أولى من
قول شارح أعاد الضمير عليه باعتبار ما سكن فيه.
قال تعالى: ﴿وَلَّهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ [الأنعام:١٣]. انتهى.
ووجه الأولوية: إن هذا التقدير لا يجعل لقوله: ((طلعت عليه الشمس)) كثير
فائدة أو توهم غير المقصود؛ لأن المقصود بفضل يوم الجمعة نفسه لا باعتبار ما سكن
فيه المتوهم من هذا التقدير أن الفضل باعتباره (يَوْمُ الْجُمُعَةِ) أخذ منه بعض أصحابنا
أنه أفضل من يوم عرفة من الفضائل الجمة العامة ما لم يرد ليوم الجمعة، وحينئذٍ
فيجمع هذا الحديث والأحاديث الناصة على أفضلية عرفة بأنه أفضل أيام السنة، ويوم
الجمعة أفضل أيام الأسبوع، وهذا ليس من محل الخلاف، وإنما محله الخبرية المطلقة،
وسيأتي كذلك مزيدًا في الفصل الثالث.
وأخرج ابن راهويه والحارث بن أبي أسامة حديث: ((الجمعة حجُّ المساكين))(٣).
(١) أخرجه مسلم (٨٥٦)، والنسائي (١٣٦٨)، وابن ماجه (١٠٨٣)، وأبو عوانة (٤٤٢).
(٢) أخرجه مسلم (٨٥٤)، والترمذي (٤٨٨)، وأحمد (٩٣٩٨)، والبيهقي (٥٨٠٠).
(٣) أخرجه القضاعي (٧٨)، والديلمي (٢٦١٤).

٢٠٩
تتمة كتاب الصلاة/ باب الجمعة
قال ابن المسيب: الجمعة أحب إلى الله تعالى من حج التطوع.
(فِيهِ خُلِقَ آدَمُ) زاد بعض الحفاظ: ((وحواء)) (وَفِيهِ أَدْخِلَ الْجَنَّةَ) يحتمل أن
خلقه وإدخاله كانا في يوم واحد، ويحتمل أن خلق يوم الجمعة، ثم أمهل إلى يوم جمعة
آخر فأدخل فيه الجنة.
(وَفِيهِ) يحتمل ذينك أيضًا (أُخْرِجَ مِنْهَا) قد يستشكل عد هذا من فضائله إلا
أن يجاب بأن إخراجه منها كان فيه باعتبار ما يترتب عليه من عمارة هذا العالم، وما
اشتمل عليه من الأنبياء والشرائع والعبادة، لا سيما وجود نبينا واله وشريعته وأمته
غاية النعمة العظمى، والمنة الكبرى على آدم وعلى جميع بنيه؛ إذ لو استمر في الجنة لم
يوجدوا فضلاً أن يتحلوا بما تحلوا به من الكمالات والمعارف.
ثم رأيت شارحًا أجاب بنحو ما ذكرته حيث قال: لما كان الخروج لتكثير النسل،
وبث عباد الله تعالى في الأرضين وإظهار العبادة الذي خلق الخلق لأجلها، وما أقيمت
السماوات والأرض إلا لها، وكان لا يستتب ذلك إلا بخروجه منها، فكان أحرى بالفضل
من استمراره فيها. انتهى.
وبهذا يرد قول عياض: يريد أن هذه القضايا المعدودة ليست لذكر فضيلته؛ لأن
إخراج آدم وقيام الساعة لا تعد فضيلة، وإنما هو بيان لما وقع فيه من الأمور العظام،
وما سيقع ليتأهب العبد فيه بالأعمال الصالحة؛ لنيل رحمة الله تعالى ودفع نقمه. انتهى.
وما يصرح بالرد عليه ما يأتي في الحديث أنه ير جعل هذا الإخراج وقيام
الساعة من جملة خلال الخير التي فيه.
(وَلَا تَقُومُ السَّاعَةُ إِلَّا فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وبوجه كون هذا من فضائله
بأن قيامها فيه غاية الإراحة للمؤمنين من تلك الفتن التي يصبح المسلم فيها كافرًا،
فکان قيامها فيه خيرًا أي خیر.
فإن قلت: إن الساعة لا تقوم إلا على شرار الخلق، وإن الله تعالى قبيلها يبعث
ريحًا لينة تقبض روح كل مؤمن ومؤمنة، فكيف يُعد قيامها فيه من جملة فضائلها؟

٢١٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الخامس
قلت: ما ذكر مقدمة لقيامها فيها، وكان قيامها الذي ذلك من مقدماته خيرًا
باعتبارها فتأمله، ثم رأيت القاضي البيضاوي وجَّه ذلك بأن يوصل أرباب الكمال إلى
ما أُعد لهم من النعيم المقيم.
١٣٥٧ - [وعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَّهِ إِنَّ فِي الْجُمُعَةِ سَاعَةً لَا يُوَافِقُهَا مُسْلِمْ
يَسْأَلُ الله فِيهَا خَيْرًا إِلَّا أَعْطَاهُ إِيًّا(١). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ، وَزَادَ مُسْلِمٍ قَالَ: وَهِيَ سَاعَةٌ
خَفِيفَةٌ. وِفِي رِوَايَةٍ لَمَا قَالَ: إِنَّ فِي الْجُمُعَةِ لَسَاعَةً لَا يُوَافِقُهَا مُسْلِمْ قَائِمُ يُصَلِّ
يَسْأَلُ اللهَ خَيْرًا إِلَّا أَعْطَاهُ إِيَّهُ](٢).
(وعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ إِنَّ فِي) يوم (الْجُمُعَةِ سَاعَةً) عظيمة (لَا يُوَافِقُهَا
مُسْلِمْ يَسْأَلُ الله فِيهَا خَيْرًا) يليق السؤال فيه (إِلَّا أَعْطَاهُ إِيَّاهُ مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ، وَزَادَ مُسْلِم
قَالَ: وَهِيَ سَاعَةٌ خَفِيفَةٌ) وأخفيت في أكثر الأحاديث طلبًا لتعميم سائر ساعات يوم
الجمعة بالعبادة، ولا يقتصر على إحياء تلك الساعة وحدها، كما خفيت ليلة القدر
طلبًا لإحياء جميع ليالي العشر.
(وِفِي رِوَايَة لَمَا قَالَ: إِنَّ فِي) يوم (الْجُمُعَةِ لَسَاعَةً لَا يُوَافِقُهَا مُسْلِمُ قَائِمٌ) أي:
ملازم مواظب على حد: ﴿مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا﴾ [آل عمران: ٧٥] وفي رواية للبخاري:
((وهو قائم)(٣) وحملوه؛ أي: بناء على أن المراد به ظاهر على أنه خرج مخرج الغالب، فلا
مفهوم له (يُصَلِّ) حال لتخصيص النكرة (يَسْأَلُ اللهَ) حال أيضًا وهما متداخلان أو
مترادفان؛ إذ معنى يصلي: يدعو، كما قاله النووي (خَيْرًا) الظاهر أن المراد به ما يشمل
المباح (إِلَّا أَعْطَاهُ إِيَّاهُ).
١٣٥٨ - [وَعَنْ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ أَبِي مُوسَى - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ:
(١) أخرجه مالك (٢٤٠)، ومسلم (٨٥٢)، وأحمد (٧٧٥٦)، والنسائي (١٤٣٢)، وابن ماجه (١١٣٧).
(٢) أخرجه البخاري (٦٠٣٧)، ومسلم (٢٠٠٧)، وأحمد (١٠٤٧٠)، وابن حبان (٢٧٧٣)، وأبو يعلى
(٦٠٥٥).
(٣) أخرجه البخاري (٨٩٣).

٢١١
تتمة كتاب الصلاة/ باب الجمعة
سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَيِّ يَقُولُ فِي شَأَنِ سَاعَةِ الجُمعَة: هِيَ مَا بَيْنَ أَنْ يَجْلِسَ الْإِمَامُ إِلَى أَنْ
يَقْضِي الصَّلَاةَ(١). رَوَاهُ مُسْلِمُ].
(وَعَنْ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ أَبِي مُوسَى - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: سَمِعْتُ
رَسُولَ اللهِ وَهِ يَقُولُ فِي شَأْنِ سَاعَةِ الجُمعَةِ) أي: في بيانها (هِيَ مَا بَيْنَ أَنْ يَجْلِسَ
الْإِمَامُ) على المنبر (إِلَى أَنْ يَقْضِي الصَّلَاةَ) أي: إلى أن يسلم الإمام منها.
وعدل عن أصل قضية ((بين)) من إقرانها بظرفي الزمان؛ أي: ما بين جلوسه
وسلامه الدال على أنها ساعة مبهمة في هذا الزمن المحدود، وبالجلوس والانقضاء لا
[ .... ] إلى ما ذكر؛ ليفيد ((إلى)) الدالة على الانتهاء صريحًا والابتداء لزومًا أن جميع
الزمان المبتدأ من الجلوس إلى السلام هو تلك الساعة، وأصل ذلك قول الكشاف في
﴿وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ﴾ [فصلت: ٥] لو حذفت ((من)) لكان المعنى: إن حجابًا
حاصل وسط الجهتين، فأما معها فالمعنى: إن الحجاب ابتدأ منا وابتدأ منك، فالمسافة
المتوسطة بجهتنا وجهتك مستوعبة بالحجاب لا فراغ فيها. انتهى.
وما ذكره ظاهر نظرًا للفظ، وأما بالنظر إلى المعنى فلا؛ لأنه ◌َ لا مع قوله: ((هي ما
بين الحج)) إشارة بيده يقللها، فهذا يقتضي أنها لحظة مبهمة في ذلك الزمن المبتدأ
من الجلوس إلى السلام، ولو كان المراد أن ذلك الزمن كله ساعة الإجابة لم يكن
لتقليلها باليد معنى؛ لأن كل أحد يعرف مقدار ما بين الجلوس والسلام، فتعين ما
ذکرته.
وبه صرَّح أصحابنا فقالوا: إنها لحظة بين جلوس الإمام على المنبر وانقضاء
الصلاة، وصوَّبه النووي في موضعين من ((مجموعه)) ومن ثم قال بعض أئمتنا: ليس المراد
بما في خبر مسلم هذا أن الزمن كله ساعة إجابة؛ لأنها حقيقة إجماعًا ونصًّا كما
عرفت، وإنما المراد أنها مبهمة في هذا الوقت، وأرجأه عند قيام الصلاة كما جاء في
غير حديث، ثم [ ... ] وأرجأ [ .... ] وقت قراءة الفاتحة؛ إذ يصدق عليه حقيقة أنه قائم
(١) أخرجه مسلم (٢٠١٢)، وأبو داود (١٠٥١)، والبيهقي في ((سننه)) (٦٢١٢).

٢١٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الخامس
يصلي سأل الله شيئًا، فينطبق عليه الخبران المذكوران بخلاف وقت الخطبة؛ فإنه ليس
محل صلاة إلا بالنسبة للداخل عندنا، بل ولا محل دعاء إلا لمن لا يسمع؛ لأن غيره
مأمور بالإنصات.
واعترض بعض متأخري أئمتنا كونها لطيفة بخبر صحيح ابن حبان والحاكم:
((يوم الجمعة اثنا عشر ساعة فيها ساعة لا يوافقها عبد مسلم يسأل الله شيئًا إلا
أعطاه إياه))(١) فهذا يدل على أنها جمع الساعة. انتهى.
ويجاب أن خبر («الصحيحين)) وخبر مسلم الدالين على لطفها أصح من ذلك
الخبر على أنه يمكن رده إليهما، بأن موافقة بعضها موافقة لها ولا يمكن ردهما إليه؛
لأن الساعة التي فيها نصف سدس يوم، وهذه لا يقال فيها لطيفة ولا يقلل باليد
عرفًا.
وأيضًا: فالغالب أن الخطبة والصلاة ينقضيان في دون تلك الساعة، وقد تقرر
في خبر مسلم أن الساعة مطروقة فيما بين الجلوس والسلام، فتكون دون هذا الزمن
الذي هو دون تلك الساعة التي هي نصف سدس يوم، فتعين تأويلها بما ذكرته فتأمله
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ).
ونقل البيهقي عن مسلم أن هذا أجود حديث وأصحه في ساعة الإجابة، ومن
ثم صوب النووي القول بمقتضاه كما مرَّ، واعترض بعض المتأخرين منا تصويبه بما لا
يلاقيه كما يظهر بأدنى تأمل، لا سيما مع ملاحظة ما مرَّ في معنى ((وهو قائم يصلي))(٢).
قال: وأما خبر: ((إنها من العصر إلى الغروب))(٣) فضعيف.
وخبر: ((إنها من حين تقام الصلاة إلى الانصراف)»(٤) ضعيف.
(١) تقدم تخريجه.
(٢) تقدم تخريجه.
(٣) أخرجه ابن ماجه (١١٢٨).
(٤) أخرجه الترمذي (٤٩٢)، وابن ماجه (١١٩٢)، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (٢٨٥٠).

٢١٣
تتمة كتاب الصّلاة/ باب الجمعة
وخبر: ((إنها حين تقام)»(١) أيضًا، وإن حسَّنه الترمذي.
وأما ما صح في حديث من التماسها آخر ساعة بعد العصر، فيحتمل أن هذه
الساعة متنقلة تكون يومًا في وقت ويومًا في آخر كما هو المختار في ليلة القدر.
انتهى.
وسبقه إلى هذا الأخير الغزالي في ((الإحياء)) فقال: إنها تدور على الأوقات
المذكورة في الأحاديث وبه تجتمع، فيومًا يكون بين أن يجلس الإمام إلى أن ينصرف،
ويومًا من حين تقام الصلاة إلى السلام، ويومًا من العصر إلى الغروب، ويومًا في آخر
ساعة إلى الغروب، ويومًا في آخر ساعة من اليوم.
ورجح المحب الطبري القول بالانتقال، واعتراض بعض المتأخرين منا له بأنه
ضعيف؛ لتعيين وقتها في الأحاديث يرد بأن تعيينه فيها لا دلالة له فيه بوجه على
ضعفه، ألا ترى أن ليلة القدر عُينت في الأحاديث، ومع ذلك كان المختار فيها
الانتقال، وفائدة التعبير حينئذٍ بيان أن من النهار آخرًا، قد يقع تلك الساعة في
بعضها؛ ليكون ذلك أدعى إلى إحياء تلك الأوقات المعينة بالدعاء كما في ليلة القدر،
ولصحة الخبر بكونها آخر ساعة بعد العصر.
حُكي إجماع الصحابة عليه، وذهب إليه جماعة من بعدهم، ونقل عن نص
الشافعي # وفيها أقوال أخر تبلغ الخمسين كما في ليلة القدر، لكن قال شيخ
الإسلام والحافظ ابن حجر ماعدا القول بأنها ما بين جلوس الإمام وسلامه، والقول
بأنها آخر ساعة من يومها إما ضعيف الإسناد أو موقوف استند قائله إلى اجتهاد دون
توقيف، وطريق تحصيلها بيقين أن ينقسم جماعة يوم الجمعة، فيأخذ كل منهم حصته
منه يدعو فيها لنفسه ولأصحابه، أو بأن يلزم قلبه استحضار الدعاء من فجرها إلى
غروب شمسها.
(١) انظر السابق.

٢١٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الخامس
وقد سئل البلقيني: كيف يدعو حال الخطبة وهو مأمور بالإنصات؟ فأجاب:
ليس من شرط الدعاء التلفظ، بل استحضاره بقلبه كافٍ.
قال الشافعي: وبلغني أن الدعاء يُستجاب ليلة الجمعة أيضًا.
(الفصل الثاني)
١٣٥٩ - [عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: خَرَجْتُ إِلَى الطُّورِ فَلَقِيتُ كَعْبَ الْأَحْبَارِ،
فَجَلَسْتُ مَعَهُ فَحَدَّثَنِي عَنِ التَّوْرَاةِ، وَحَدَّثْتُهُ عَنْ رَسُولِ اللهِ فَكَانَ فِيمَا حَدَّثْتُهُ أَنْ
قُلْتُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: خَيْرُ يَوْمٍ طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ يَوْمُ الْجُمُعَةِ؛ فِيهِ خُلِقَ آدَمُ،
وَفِيهِ أُهْبِطَ، وَفِيهِ تِيبَ عَلَيْهِ وَفِيهِ مَاتَ، وَفِيهِ تَقُومُ السَّاعَةُ، وَمَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا وَهِيَ
مُصِيحَةُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ مِنْ حِينِ تُصْبِحُ حَتَّى تَظْلُعَ الشَّمْسُ شَفَقًّا مِنِ السَّاعَةِ إِلَّ الْجِنَّ
وَالْإِنْسَ، وَفِيهِ سَاعَةٌ لَا يُصَادِفُهَا عَبْدٌ مُسْلِمْ وَهُوَ يُصَلِّ يَسْأَلُ شَيْئًا إِلَّا أَعْطَاهُ، قَالَ
كَعْبُ: ذَلِكَ فِي كُلِّ سَنَةٍ يَوْمٌّ؟ فَقُلْتُ: بَلْ فِي كُلِّ جُمُعَةٍ، فَقَرَّأَ كَعْبُ الثَّوْرَاةَ، فَقَالَ: صَدَقَ
رَسُولُ اللهِ. قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: لَقِيتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ سَلَامٍ، فَحَدَّثْتُهُ بِمَجْلِسِي مَعَ كَعْبِ
الْأَحْبَارِ، وَمَا حَدَّثْتُهُ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ، فَقُلْتُ لَهُ: قَالَ كَعْبُّ: ذَلِكَ فِي كُلّ سَنَةٍ يَوْمُ. قَالَ
عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلَامٍ: كَذِبَ كَعْبُ، فَقُلْتُ: ثُمَّ قَرَأَ كَعْبُ التَّوْرَاةِ، فَقَالَ: بَلْ هِيَ فِي كُلِّ
جُمُعَةٍ، فَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلَامٍ: صَدَقَ كَعْبُ، ثُمَّ قَالَ عَبْدُ الله بْنُ سَلَامٍ: قَدْ عَلِمْتُ
أَيََّ سَاعَةٍ هِيَ، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَقُلْتَ: عَّ، فَقَالَ عَبْدُ الله بْنُ سَلَامٍ: هِيَ آخِرُ سَاعَةٍ فِي
يَوْمِ الْجُمُعَةِ، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَقُلْتُ: وَكَيْفَ تَكُونُ آخِرَ سَاعَةٍ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَقَدْ قَالَ
رَسُولُ اللهِ وَّةِ: لَا يُصَادِفُهَا عَبْدُ مُسْلِمْ وَهُوَ يُصَلِّ فِيهَا، قَالَ عَبْدُ اللّه بْنُ سَلَامٍ: أَمْ
يَقُلْ رَسُولُ اللهِ وَّةِ: مَنْ جَلَسَ مَجْلِسًا يَنْتَظِرُ الصَّلاَةَ فَهُوَ فِي صَلَاةٍ حَتَّى يُصَلِّ؟ قَالَ أَبُو
هُرَيْرَةَ: بَلَى، قَالَ: فَهُوَ ذَلِكَ (١). رَوَاهُ مَالِكْ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَأَحْمَدُ إِلَى قَوْلِهِ: صَدَقَ
(١) أخرجه مالك (٢٤١)، وأحمد (١٠٣٠٨)، وأبو داود (١٠٤٦)، والترمذي (٤٩١)، والنسائي (٦٣١)،
وابن حبان (٢٧٧٢)، والحاكم (١٠٣٠) وقال: صحيح على شرط الشيخين، والبيهقي (٥٧٩٨)،
والضياء (٣٩٥)، والشافعي في (المسند)) (٧٢/١)، والطيالسي (٢٣٦٢)، وأبو يعلى (٥٩٢٥).

٢١٥
تتمة كتاب الصلاة/ باب الجمعة
گَعْب].
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: خَرَجْتُ إِلَى الظُّورِ) محل معروف، وهو طور سيناء كما
هو المتبادر (فَلَقِيتُ كَعْبَ الْأُحْبَارِ) أي: رئيس العلماء، جمع: حبر - بفتح أوله وكسره -
وهو من حمير، أدرك زمن النبي 98َ ولم يرَه، وأسلم في زمن عمر بن الخطاب ظه
(فَجَلَسْتُ مَعَهُ فَحَدَّثَنِي عَنِ الثَّوْرَاةِ، وَحَدَّثْتُهُ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَّهِ فَكَانَ فِيمَا حَدَّثْتُهُ)
خبر مقدم (أَنْ قُلْتُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّ: خَيْرُ يَوْمٍ طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ يَوْمُ الْجُمُعَةِ؛
فِيهِ خُلِقَ آدَمُ، وَفِيهِ أَهْبِطَ) من الجنة إلى الأرض، وهو بمعنى الرواية السابقة.
وفيه أخرج من الجنة إلى السماء ثم أهبط منها إلى الأرض، يكون هذا غير
ذاك، لكنه يفيد أن كلاً من الإخراج والإهباط كان في يوم الجمعة، ثم يحتمل أنهما في
أيام واحدة، وأنهما في يومين كل منهما يوم جمعة (وَفِيهِ تِيبَ عَلَيْهِ وَفِيهِ مَاتَ) وجه
كون هذا من جملة فضائل يوم الجمعة: أن موت الأنبياء - عليهم السلام - هو
وصلتهم الكبرى بالله تعالى، فوقوعه في زمن يشرفه على غيره من الأزمنة.
ثم رأيت القاضي البيضاوي صرح بنحو ذلك حيث قال: لا شك أن خلق آدم
فيه يوجب له شرفًا ومزية، وكذا وفاته و لا فإنها سبب لوصوله إلى الجناب الأقدس
والخلاص عن النكبات.
(وَفِيهِ تَقُومُ السَّاعَةُ، وَمَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا وَهِيَ مُصِيحَةٌ) وفي رواية بالسين؛ أي:
مستمعة مصغية (يَوْمَ الْجُمُعَةِ مِنْ حِينٍ) فالبناء على الفتح لإضافته إلى الجملة، ويجوز
جره إعرابًا كما قرئ به بالرفع في: ﴿هَذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ [المائدة:١١٩].
(تُصْبِحُ) أي: ينفجر الفجر (حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ شَفَقًّا مِنْ) هول (السَّاعَةِ) لما
أن الله تعالى ألهمها قيامها فيه في ذلك الوقت، وعظمه لها حتى صار ذلك كامنًا كل يوم
جمعة في ذلك الوقت، أو أطلعها على ما يظهره الله تعالى يوم الجمعة من عظائم الأمور
وجلائل الشئون ما تكاد الأرض تميد بها فتبقى كل دابة ذاهلة دهشة كأنها مصيخة
للرعب الذي بداخلها إشفاقًا منها لقيام الساعة.

٢١٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الخامس
(إِلَّا الْحِنَّ وَالْإِنْسَ) فإنهم لا يعلمون بذلك؛ لأنهم لو كوشفوا به زال الابتلاء
والتكليف، ورجع الثقلان إلى الله قهرًا عليهم، وهذا خلاف ما اقتضته حكمة
الامتحان ليظهر المحق من المبطل (وَفِيهِ سَاعَةٌ لَا يُصَادِفُهَا عَبْدٌ مُسْلِمْ، وَهُوَ يُصَلِّ
يَسْأَلُ) بدل مما قبله على ما مرَّ أن المراد بالصلاة: الدعاء (شَيْئًا إِلَّا أَعْطَاهُ) إياه (قَالَ
كَعْبٌ: ذَلِكَ) أي: يوم الجمعة المشتمل على هذه الفضائل التي من جملتها ساعة الإجابة
المذكورة (في كُلِّ سَنَةٍ يَوْمٌ) خبر اسم الإشارة.
(فَقُلْتُ: بَلْ) ذلك اليوم المشتمل على ما ذكر كائن (في كُلِّ جُمُعَةٍ) أي: أسبوع
(فَقَرَأَ كَعْبُ الثَّوْرَاةَ، فَقَالَ: صَدَقَ رَسُولُ اللهِ وَهِ. قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: لَقِيتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ
سَلَامٍ) المنزل فيه وفي أضرابه: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ لَمَن يُؤْمِنُ بِالله وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ
وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلهِ .. ﴾ [آل عمران: ١٩٩].
(فَحَدَّقْتُهُ بِمَجْلِسِي) أي: بجلوسي (مَعَ كَعْبِ الْأَحْبَارِ، وَمَا حَدَّثْتُهُ) به (فِي يَوْمِ
الْجُمُعَةِ فَقُلْتُ لَهُ) بعد ذلك: (قَالَ كَعْبُ: ذَلِكَ فِي كُلِّ سَنَّةٍ يَوْمٌّ. قَالَ عَبْدُ الله بْنُ سَلَامٍ:
كَذِبَ كَعْبُ) ظنًّا منه أن كعبًا يخبر بذلك؛ لأنه مستفهم، وفيه تغليظ العالم على من
بلغه عنه الخطأ في الإفتاء.
(فَقُلْتُ: ثُمَّ قَرَأَ كَعْبُ التَّوْرَاةِ، فَقَالَ: بَلْ هِيَ) أي: الجمعة؛ أي: ساعة الإجابة
التي هي مشتملة عليها (في كُلِّ جُمُعَة) أي: أسبوع (فَقَالَ عَبْدُ الله بْنُ سَلَامٍ: صَدَقَ
كَعْبُ. ثُمَّ قَالَ عَبْدُ اللّه بْنُ سَلَامٍ: قَدْ عَلِمْتُ أَيَّةَ) هي هنا كهي في: ﴿لِنَعْلَمَ أَيُّ
الحِزْبَيْنِ﴾ [الكهف: ١٢].
(سَاعَةٍ هِيَ، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَقُلْتَ) لكعب (عَّ، فَقَالَ عَبْدُ الله بْنُ سَلَامٍ: هِيَ
آخِرُ سَاعَةٍ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ) قد مر أن هذا القول صح به الخبر، وحكي عن إجماع
الصحابة (قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَقُلْتُ: وَكَيْفَ تَكُونُ آَخِرَ سَاعَةٍ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَقَدْ قَالَ
رَسُولُ اللهِ وَةَ) فيها: (لَا يُصَادِفُهَا عَبْدُ مُسْلِمُ وَهُوَ يُصَلِّ فِيهَا؟) والصلاة التي لا
سبب لها محرمة عند الغروب.

٢١٧
تتمة كتاب الصّلاة/ باب الجمعة
(قَالَ عَبْدُ الله بْنُ سَلَامٍ) ليس المراد بالصلاة هنا حقيقتها، بل مجازها وهو
الدعاء كما مر أو مقدمتها كانتظارها (أَلَمْ يَقُلْ رَسُولُ اللّهِ وَِّ: مَنْ جَلَسَ مَجْلِسًا يَنْتَظِرُ
الصَّلَاةَ فَهُوَ فِي صَلَاةٍ حَتَّى يُصَلِّ؟ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: بَلَى) قالَ ذلك (قَالَ) كعب (فَهُوَ)
أي: ما قلته كذلك من تعيين وقتها فيما ذكر (ذَلِكَ) الحق الذي لا مرية فيه، وهو
الكلام على ما في هذا القول وغيره.
واعترض هذا الجواب بأنه لا ينتظم مع قوله في الخبر: ((وهو قائم يصلي)) لأنه
حينئذٍ مجازًا بعيد جدًّا على انتظار الصلاة ليس شرطًا في الإجابة (رَوَاهُ مَالِكٌ
وَالتَّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيّ وَأَحْمَدُ إِلَى قَوْلِهِ: صَدَقَ كَعْب).
١٣٦٠ - [وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: الْتَمِسُوا السَّاعَةَ الَّتِى
تُرْجَى فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ بَعْدَ الْعَصْرِ إِلَى غَيْبُوبَةِ الشَّمْسِ(١). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ].
(وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ﴾: الْتَمِسُوا السَّاعَةَ الَّتِي تُرْجَى فِي
يَوْمِ الْجُمُعَةِ بَعْدَ الْعَصْرِ إِلَى غَيْبُوبَةِ الشَّمْسِ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) وحسَّنه، ومرَّ أنه ضعيف.
١٣٦١ - [وَعَنْ أَوْسِ بْنِ أَوْسِ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ لَهُ: إِنَّ مِنْ أَفْضَلِ
أَيَّامِكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فِيهِ خُلِقَ آدَمُ وَفِيهِ قُبِضَ، وَفِيهِ النَّفْخَةُ وَفِيهِ الصَّعْقَةُ، فَأَكْثِرُوا عَّ
مِنَ الصَّلاةِ فِيهِ، فَإِنَّ صَلاَتَكُمْ مَعْرُوضَةٌ عَلَّ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، وَكَيْفَ تُعْرَضُ
عَلَيْكَ صَلاتُنَا وَقَدْ أَرَمْتَ؟ - قَالَ: يَقُولُونَ: بَلِيتَ - قَالَ: إِنَّ اللهَ حَرَّمَ عَلَى الأَرْضِ أَنْ
تَأْكُلَ أَجْسَادَ الأَنْبِيَاءِ(٤). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدٍ وَالنَّسَائِيُّ وابْنُ مَاجَه وَالدَّارِمِي وَالْبَيْهَِي فِي
((الْدَّعْوَاتِ الْكَبِير))].
(وَعَنْ أَوْسِ بْنِ أَوْسِ عَهَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِلَّهِ: إِنَّ مِنْ أَفْضَلِ أَيَّامِكُمْ يَوْمَ
(١) أخرجه الترمذي (٤٨٩) وقال: غريب، وابن عدي (١٩٦/٦).
(٢) أخرجه أحمد (١٦٢٠٧)، وابن أبي شيبة (٨٦٩٧)، وأبو داود (١٠٤٧)، والنسائي (١٣٧٤)، وابن
ماجه (١٦٣٦)، والدارمي (١٥٧٢)، وابن خزيمة (١٧٣٣)، وابن حبان (٩١٠)، والحاكم (١٠٢٩)،
والطبراني (٥٨٩)، والبيهقي (١٦٦٦).

٢١٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الخامس
الْجُمُعَةِ فِيهِ خُلِقَ آدَمُ، وَفِيهِ قُبِضَ، وَفِيهِ النَّفْخَةُ) الأولى من إسرافيل في الصور وهو
مبدأ قيام الساعة، ومقدمة النشأة الثانية (وَفِيهِ الصَّعْقَةُ) لغير من استثنى الله،
وأصلها: الصوت الهائل الذي يموت الإنسان من هوله قال تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ
فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَوَاتِ وَمَن فِي الأَرْضِ إِلَّا مَن شَاءَ اللهُ﴾ [الزمر: ٦٨].
ثم إذا تقرر ليوم الجمعة هذه الفضائل (فَأَكْثِرُوا عَلَّ مِنَ الصَّلاةِ فِيهِ، فَإِنَّ
صَلاَتَكُمْ) فيه (مَعْرُوضَةٌ عَلَيَّ) باسم المصلي المميز له من الملك الموكل فيقول: يا محمد،
فلان بن فلان يصلي عليك، ولا فائدة لعرضها عليه وَله إلا صلاته على المصلي، أو
الدعاء له، أو إمداده بما يليق بجانب كرمه ◌َ ◌ّله وذلك منه في يوم الجمعة.
ثم رأيت بعضهم جعل سبب طلب الإكثار من الصلاة عليه يوم الجمعة
وليلتها: أنه سيد الأنام، ويوم الجمعة سيد الأيام، فللصلاة عليه مزية ليست لغيره
أيضًا، فكل خير نالته أمة في الدنيا والآخرة فإنما نالته ببركته وعلى يده، ومهما يحصل
لهم يومها كبعثهم إلى منازلهم وقصورهم في الجنة، وهو يوم المزيد لهم إذا دخلوها
وعيدهم، وفيه إسعافهم بطلباتهم، فمن شكره وحمده وأداء القليل من حقه ولو أن
يكثر من الصلاة عليه فيه وفي ليلته.
(قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، وَكَيْفَ تُعْرَضُ عَلَيْكَ صَلاتُنَا وَقَدْ أَرَمْتَ؟) بفتح أوليه
وسكون ثالثه وبفتح آخره، أصله: أرممت؛ أي: صرت رميمًا، حذفت إحدى الميمين
تحقيقًا كأظلت أصله: أظللت، والرميم والرمة: العظام البالية. قاله الخطابي، وقال
غيره: الميم مشددة والباء آخره ساكنة؛ أي: رمت العظام.
قيل: ويروى بضم أوله وكسر ثانيه (قَالَ) أوس الراوي: ومن جعل هذا من
كلامه وَلّ فقد أبعد.
(يَقُولُونَ) يعنون بأرمت (بَلِيتَ) أي: إنه يقال: أرم المال والناس؛ أي: فنوا،
وأرض أرمة: لا نبت شيئًا (قَالَ: إِنَّ اللّهَ حَرَّمَ عَلَى الأَرْضِ أَنْ تَأْكُلَ أَجْسَادَ الأَنْبِيَاءِ)
وجه هذا الجواب على سكون الفاء ظاهر، وعلى فتحها أنه إشارة إلى حياتهم كحياة

٢١٩
تتمة كتاب الصّلاة/ باب الجمعة
الشهداء بل أولى، أو إلى أن الله تعالى كما أكرمهم ببقاء أجسادهم خرقًا للعادة كذلك
أكرمهم ببقاء أسماعهم ليعرض عليها صلاة المسلمين عليهم (رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ
وابْنُ مَاجَه وَالدَّارِمِي وَالْبَيْهَقِي فِي (الْدَّعْوَاتِ الْكَبِير))).
وأخرجه ابنا خزيمة وحبان والحاكم في صحاحهم، وقال: هذا حديث صحيح
على شرط البخاري، وصححه النووي في ((أذكاره)) وحسنه عبد الغني والبدري، وقال
ابن دحية : إنه صحيح بنقل العدل عن العدل.
ومن قال: إنه منكر أو غريب لعلة خفية به فقد استروح؛ لأن الدارقطني ردها
وما أفاده من ثبوت حياة الأنبياء حياة بها يتعبدون، وقد صنف البيهقي جزءًا في ذلك،
ولخصت حاصله وما قال الناس في ذلك في كتابي: «الجوهر المنظم في زيارة القبر
المکرم)).
١٣٦٢ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: الْيَوْمُ الْمَوْعُودُ يَوْمُ الْقِيَامَةِ،
وَالْيَوْمُ الْمَشْهُودُ يَوْمُ عَرَفَةَ، وَالشَّاهِدُ يَوْمُ الْجُمُعَةِ، وَمَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ وَلَا غَرَبَتْ عَلَى
يَوْمٍ أَفْضَلَ مِنْهُ، فِيهِ سَاعَةٌ لَا يُوَافِقُهَا عَبْدٌ مُؤْمِنْ يَدْعُو اللّهَ بِخَيْرٍ إِلَّ اسْتَجَابَ اللهُ لَهُ،
وَلَا يَسْتَعِيذُ مِنْ شَرِّ إِلَّا أَعَاذَهُ اللهُ مِنْهُ(١). رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ. وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ
حَسَنُّ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ مُوسَى بْنِ عُبَيْدَةَ وَهَوَ ضَعِيفٌ].
(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِّهِ: الْيَوْمُ الْمَوْعُودُ) المقسم به أولى في
أول سورة البروج (يَوْمُ الْقِيَامَةِ) لأن أهل البوادي يتواعدون لحضوره في المصر (وَالْيَوْمُ
الْمَشْهُودُ) المقسم به ثالثًا (يَوْمُ عَرَفَةَ) لأنه يشهده أهل الدنيا، ومن ثم لم يجب حضوره
بأصل الشرع في العام إلا مرة؛ ليتذكر به موقف القيامة.
(وَ) اليوم (الشَّاهِدُ) المقسم به ثانيًا (يَوْمُ الْجُمُعَةِ) ففي الإقسام به وإيقاعه بين
ذينك اليومين العظيمين؛ ليكون واسطة عقدهما غاية الفخامة والتشريف له، واردة
(١) أخرجه الترمذي (٣٣٣٩)، والبيهقي (٥٣٥٣)، والطبراني في ((الأوسط)) (١٠٨٧)، وأحمد بنحوه
(١٠٥٠٥).

٢٢٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الخامس
بتنوين التعظيم، وإثبات الشهادة له بتحصيل السعادة الكبرى للخلائق المتعبدين فيه.
(وَمَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ وَلَا غَرَبَتْ عَلَى يَوْمٍ أَفْضَلَ مِنْهُ، فِيهِ سَاعَةٌ لَا يُوَافِقُهَا
عَبْدٌ مُؤْمِنٌ يَدْعُو اللّهَ بِخَيْرٍ إِلَّا اسْتَجَابَ اللَّهُ لَهُ، وَلَا يَسْتَعِيذُ مِنْ شَرِّ إِلَّا أَعَاذَهُ اللهُ
مِنْهُ. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ. وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثٍ
مُوسَى بْنِ عُبَيْدَةَ وَهَوَ ضَعِيفٌ).
وممن فسَّرَه بأنه الشاهد: علي . كرم الله وجهه - وهذا الحديث يؤيد بأنه
المشهود، وابن عباس - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - وحديث أبي الدرداء الآتي في الفصل الثالث
مصرِّح به، ولا تنافي؛ إذ لا مانع أنه شاهد ومشهود باعتبارين، وإنما التنافي في المراد بها
في الآية.
ويسمى أيضًا: يوم المزيد، كما في خبر الشافعي وغيره من طرق: إن جبريل قال
للنبي ◌َّ: ((هو عندنا يوم المزيد)»(١) وبيَّن له ذلك بأن الله تعالى اتخذ في الفردوس واديًا
أفيح فيه على كثبان المسك يجلس فيه سائر الأنبياء، ثم الصديقين والشهداء،
فيقول الله: ((أنا ربكم، قد صدقتكم وعدي فاسألوني، فيقولون: ربنا نسألك
رضوانك، فيقول: قد رضيت عليكم، ولكم عليَّ ما تمنيتم ولديَّ مزيد، فهم يحبون
يوم الجمعة لما يعطيهم فيه ربهم من الخير))(٢).
وفي رواية للآجري: «إنهم يمكثون في جلوسهم هذا إلى منصرف الناس من
الجمعة، ثم يرجعون إلى غرفهم)) (٣).
وأخرى له: «إن أهل الجنة إذا دخلوها نزلوا بفضل أعمالهم، فيؤذن لهم في مقدار
يوم الجمعة من أيام الدنيا، فيزورون الله فيبرز لهم عرشه في روضة من رياض الجنة،
وتوضع لهم منابر من نور، ومنابر من لؤلؤ، ومنابر من ياقوت، ومنابر من ذهب،
(١) أخرجه ابن أبي شيبة (٥٥١٧)، والطبراني في ((الأوسط)) (٢٠٨٤)، وأبو يعلى (٤٢٢٨).
(٢) أخرجه الشافعي في «مسنده)) (٢٩٢/١).
(٣) أخرجه الدارقطني في ((الرؤيا)) (٥٩) بتحقيقنا.