النص المفهرس
صفحات 181-200
١٨١
تتمة كتاب الصّلاة/ باب صلاة التطوع
الفروض، ونفلها أفضل النوافل، وليس المراد من ذلك أن صلاة ركعتين أفضل من
صوم يوم، بل هو أفضل منهما قطعًا، وإنما المراد أن من أراد الإكثار من عبادة ويقتصر
من الأخرى على المتأكد فالصلاة أولى.
أمَّا عبادة القلب كالإيمان والمعرفة والتوكل والتفكر والضمير والرضا والخوف
والرجاء، والمحبة والتوبة والورع والزهد وتعظيم الله ومحبته ومحبة رسوله وتعليقه والتطهر
من الرذائل ونحوها، فهذه كلها أفضل من العبادات البدنية قطعًا؛ إذ لا يدخلها الرياء
ونحوه، وأفضلها الإيمان، ولا يكون إلا واجبًا، وقد يكون تطوعًا بالتحديد.
وقيل: أفضل العبادات الصوم.
وقيل: الحج.
وقيل: الطواف.
وقيل: الجهاد.
١٣٣٢ [وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهَ: مَا أَذِنَ اللهُ لِعَبْدٍ فِي شَيْء
أَفْضَلَ مِنْ رَكْعَتَيْنِ يُصَلِّيهِمَا، وَإِنَّ الْبِرَّ لَيُذَرُّ عَلَى رَأْسِ الْعَبْدِ مَا دَامَ فِي صَلَاتِهِ، وَمَا
تَقَرَّبَ الْعِبَادُ إِلَى الله بِمِثْلِ مَا خَرَجَ مِنْهُ؛ يَعْنِي: الْقُرْآنَ(١). رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ].
(وَعَنْ أَبِي أَمَامَةَ عَه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّه ◌َ: مَا أَذِنَ اللهُ لِعَبْدٍ فِي شَيْءٍ) من
أذنت الشيء أصغيت له، والمراد هنا: غاية الإصغاء، وهي الإقبال باللطف والرحمة
والرضا (أَفْضَلَ مِنْ رَكْعَتَيْنِ يُصَلِّيهِمَا) متفرقًا من الشواغل، مقبلاً على الله بكليته،
مناجيًا له بلسانه وقلبه، فحينئذٍ يقبل الله تعالى عليه إقبالاً يخص الصلاة برضاه وبره
وإحسانه حتى يغمره بفضله كما قال: (وَإِنَّ الْبِرَّ لَيُذَرُّ) بالمعجمة؛ أي: ینثر ويفرق من
ذرات الحب والدواء، ومن زعمه بالمهملة فقد صحَّفه؛ لأنه من دار؛ أي: صب، لكنه
قاصرًا لاختصاصه بالمائع، والمقام ينبو عنه؛ لأنه الأنسب بذلك بخروجه على السيئة
(١) أخرجه أحمد (٢٢٣٦٠)، والترمذي (٢٩١١) وقال: غريب، والطبراني (٧٦٥٧).
١٨٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الخامس
بملك كريم أراد الإحسان إلى عبد أحسن خدمته ورضي عنه، فالأليق به أن يكون
إحسانه إليه نثر الجواهر النفيسة على رأسه إعظامًا له وإشهارًا لمرتبته، ويؤيد هذا ذكر
الرأس في قوله: (عَلَى رَأْسِ الْعَبْدِ مَا دَامَ فِي صَلَاتِهِ) إذ هو المناسب لذر الجواهر عليه في
العادة.
(وَمَا تَقَرَّبَ الْعِبَادُ إِلَى الله) من الأذكار التي لم يخص وحدها بزمن أو مكان
معين (بِمِثْلِ مَا خَرَجَ مِنْهُ) قال أبو النصر: وحذف المصنف لهذا يوهم أن التفسير من
قول الصحابي، فيكون في حكم المرفوع وليس كذلك (يَعْنِي: الْقُرْآنَ) ضمير منه إمَّا
للعبد، ومعنى خروجه منه بروزه على لسانه محفوظًا في صدره مكتوبًا بيده، وإمّا لله
تعالى وهو الأظهر، وحينئذٍ ليس المراد الخروج الجسمي تعالى الله عنه علوًّا كبيرًا، وهو
خروج جسم من جسم؛ أي: مفارقة مكانه واستبداله مكانًا آخر، بل ظهوره عنه لخروج
لنا من كلامك بنقشٍ أو برؤية من كتابه، وهو اللوح المحفوظ، بمعنى ما أنزل الله
الإفهام عباده وتشريفهم مثل القرآن، فلم يكن التقرب بمثله؛ لأنه لا مثل له، ومن ثم
لما سمع ابن عباس رجلاً يقول: يا رب القرآن، قال: مه، أما علمت أن القرآن منه؟
أي: إنه صفته القديمة القائمة بذاته، فلا يجوز أن يوصف بالربوبية المقتضية لحدوثه
وانفصاله عن الذات.
ومعنى قول السلف: كلام الله خرج منه وإليه يعود؛ أي: به أمر ونهى، ثم
يحاسب عما وقع في ذلك المأمور والمنهي أو أنزله حجة للخلق وعليهم ﴿لِيَكُونَ
لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ١] ثم مآل تبين حقيقة وظهور صدق ما نطق به من الوعد
والوعيد إليه تعالى (رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ).
فإن قلت: قوله: (وما ... إلخ)) يفيد أنه لا أفضل من التقرب بالقرآن، فينافي ما
استفيد مما قبله أنه لا أفضل من التقرب بالصلاة.
قلت: لا ينافيه؛ لأن أفضلية القرآن إنما هو بالنظر لكونه من الأذكار كما
أمرت إليه جمعًا بين الأحاديث على أنه جزء من الصلاة، فلا يظهر مفاضلة بينهما.
(باب صلاة السفر)
(الفصل الأول)
١٣٣٣ - [عَنْ أَنَسِ عُ أَنَّ النَّبِيِّ وَيِّ صَلَّى الُهْرَ بِالْمَدِينَةِ أَرْبَعًا، وَصَلَّى الْعَصْرٌ
بِذِي الْحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ(١). مُتَّفَقَّ عَلَيْهِ].
(عَنْ أَفَسِ ﴾، أَنَّ النَّبِيِّ ◌َ صَلَّى الظُّهْرَ بِالْمَدِينَةِ أَرْبَعًا، وَصَلَّى الْعَصْرَ بِذِي
الْحُلَيْفَةِ) هي بضم ففتح المهملة على ثلاثة أميال من المدينة على الأصح من اضطراب
فيه، وتسميها العوام أبيار علي؛ لزعمهم أنه قاتل في بئرها الجان ولا أصل لذلك
(رَكْعَتَيْنِ. مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ) واحتج به الظاهرية على جواز القصر في السفر القصير، وهو
غلط منهم؛ لأنه ◌َ﴾ كان قاصدًا مكة؛ لأن الخليفة غاية سفره، ولا يتوهم منه توقف
القصر على مجاوزة نحو ذلك، بل يجوز لمجرد مجاورة نحو سور البلد إن وجد، وإلا
فبمجاوزة عمرانه وإن كان ظهره ملحقًا بالسور، أو بآخر العمران.
١٣٣٤ - [وَعَنْ حَارِثَةَ بْنِ وَهْبِ الْخُزَاعِيّ عَه قَالَ: صَلَى بِنَا رَسُولُ اللهِ وَهُ وَحْنُ
أَكْثَرُ مَا كُنَّا قٌَ، وَآمَنَهُ بِمِنَى رَكْعَتَيْنِ(٢). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ].
(وَعَنْ حَارِثَةَ بْنِ وَهْبِ الُْزَاعِيَّ ﴿ قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّه ◌ِلَهُ وَ) هي للحال
(نَحْنُ أَكْثَرُ مَا كُنَّا) مصدرًا والحال أنَّا في ذلك الوقت أكثر أكواننا عدد في غيره، أو
نافية لخبر المبتدأ و((أكثر)) خبر كان؛ أي: ونحن ما كنا قط في وقت أكثر منا في ذلك
الوقت (قَط) متعلق بمحذوف لا بالمذكور لفقد شرطه من كونه ماضيًا منفيًا (وَ) لا
(آمَنَهُ) عطف على ((أكثر)) وضميره راجع لـ((ما)) أي: والحال أنا أكثر وكوننا في سائر
(١) أخرجه البخاري (١٥٤٧)، ومسلم (١٦١٣)، وأحمد (١٣١٥٥)، وأبو داود (١٢٠٤)، والنسائي (٤٨١)،
وابن حبان (٤٥٥)، والبيهقي في ((سننه)) (٩٢٥٥).
(٢) أخرجه البخاري (١٦٥٦)، ومسلم (١٦٣٠)، والترمذي (٨٩١)، والنسائي (١٤٥٦)، وأحمد
(١٩٢٤٠)، والطبراني (٣١٦٩).
- ١٨٣ -
١٨٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الخامس
الأوقات عددًا وأكثر أكواننا في سائر الأوقات أمنًا.
أو ونحو ما كنا قط في وقت أكثر منا في ذلك الوقت ولا أأمن منا فيه، وجاز
إعمال ((ما)) تعمد فيما قبلها؛ لأنها بمعنى ((ليس)) الجائز فيها ذلك، وإسناد الأمن
للأوقات مجازًا، و((قط)) مقدرة في هذا أيضًا؛ أي: ما كنا أكثر من ذلك ولا آمنه قط،
وجوز كون ((وآمنه)) ماضيًا، وفاعله الله تعالى ومفعوله نبيه وله؛ أي: وأمن الله نبيه
حينئذٍ، وفيه تكلف (بِمِنَى) إن قصد به الموضع ذُكِّر وَصُرف وكُتب بالألف، وإن
اختير للبقعة أَنَّثَ ومنع الصرف وكتب بالياء، سمي بذلك لما يُمنى فيه من الدم؛ أي:
يُراق أو أن جبريل لما أراد مفارقة آدم قال له: تمن قال: أتمنى الجنة، أو لتقدير الله فيه
الشعائر من منى؛ أي: قدر (رَکْعَتَیْنِ) وذلك في حجة الوداع.
(مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ) ولا يعارضه تقييد القصر في الآية بالكفار؛ لأنه خرج مخرج
الغالب من أحوال المسافرين حال نزولها في الخوف من الكفار فلا مفهوم له، وفي هذا
غاية الفخامة له وسلم حيث بين أن ما وقع في الآية ليس قيدًا توسعة على الأمة، وإعلامًا
بأن فعله منسوب إلى ربه؛ لأنه خبره في خلقه.
١٣٣٥ - [وَعَنْ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ قَالَ: قُلْتُ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﴾: إِنَّمَا قَالَ اللهُ
تَعَالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحُ أَن تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ
أَن يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء: ١٠١] فَقَدْ أَمِنَ النَّاسُ. قَالَ عُمَرُ: عَجِبْتُ مِمَّا
عَجِبْتَ مِنْهُ، فَسَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ :﴿ فَقَالَ: صَدَقَةُ تَصَدَّقَ اللهُ بِهَا عَلَيْكُمْ فَاقْبَلُوا
صَدَقَتَهُ(١). رَوَاهُ مُسْلِمُ].
(وَعَنْ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ قَالَ: قُلْتُ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﴾) كيف جاز القصر الآن؟
و(إِنَّمَا قَالَ اللهُ تَعَالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ﴾﴾ أي: سافرتم (﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ
(١) أخرجه مسلم (١٦٠٥)، وأحمد (١٧٤)، وأبو داود (١١٩٩)، والنسائي (١٤٣٣)، وابن ماجه (١٠٦٥)،
وابن أبي شيبة (٨١٥٩)، وابن خزيمة (٩٤٥)، والطحاوي (٤١٥/١)، وأبو يعلى (١٨١)، وابن حبان
(٢٧٤١).
١٨٥
تتمة كتاب الصلاة/ باب صلاة السفر
جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾) والآن (فَقَدْ أَمِنَ
النَّاسُ. قَالَ عُمَرُ: عَجِبْتُ مِمَّا عَجِبْتَ مِنْهُ، فَسَأَلْتُ رَسُولَ الله ◌ِ فَقَالَ) القصر في
الأمن (صَدَقَةُ) أي: رخصة لا واجب، وإلا لم تسمَّ صدقة (تَصَدَّقَ اللهُ بِهَا عَلَيْكُمْ)
توسعة ورحمة لكم (فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ) وافعلوا القصر، فإنه أفضل من الإتمام وإن كان
الأصل، لكن إنما يترجح لمن بلغ سفره ثلاث مراحل، أو كان ممن يقتدى به، أو أحد
في نفسه كراهة إيثار الإتمام أو شك في جوازه.
(رَوَاهُ مُسْلِمُ) وأخذ منه أكثر العلماء كما تقرر أن القصر غير واجب، وقول
البغوي: أکثرهم على وجه مردود.
ومما يصرح بعدم الوجوب حديث النسائي، والدارقطني وحسَّن إسناده، والبيهقي
وصححه عن عائشة - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قالت: خرجت مع رسول الله وَّ في عمرة
رمضان فأفطر وصمت، وقصَّر وأتممت، فقلت: يا رسول الله، قصرتَ وأتممتُ وصمتُ
وأفطرتَ قال: (أحسنت يا عائشة، وما عاب عليَ)(١).
ولم يقع في رواية النسائي: ((عمرة رمضان)) قال: وهي الأولى؛ لما أن المشهور
والمعروف أنه ◌َلّ لم يعتمر إلا أربع مرات كلهن في القعدة، نعم أعمال العمرة التي مع
حجته كانت في الحجة.
وروى الدارقطني والبيهقي وغيرهما عنها: ((كان ◌َيّ يقصر في السفر ويتم ويفطر
ويصوم))(٢).
قال البيهقي: قال الدارقطني: إسناده صحيح، وأمَّا خبرها: ((فرضت الصلاة
ركعتين ركعتين، فأَقرَّت صلاة السفر، وزِيدَ في صلاة الحضر))(٣) فمعناه لمن أراد
(١) أخرجه البيهقي (٥٦٣٦)، والنسائي (١٤٥٥).
(٢) أخرجه البيهقي (٥٦٢٩)، والدار قطني (٢٣٢٢).
(٣) أخرجه مالك (٣٣٧)، والبخاري (٣٥٠)، ومسلم (١٦٠٢)، وأبو داود (١٢٠٠)، والنسائي (٤٥٩)،
والطبراني في «الأوسط)» (٥٥٦٧).
١٨٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الخامس
الاقتصار عليهما جمعًا، ويؤيد هذا التأويل أن عائشة راويته أتمت كما تقرر، وتأولت
ما تأول عثمان.
١٣٣٦ - [وَعَنْ أَنَسِ ﴾ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ لَّ مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى مَكَّةَ،
فَكَانَ يُصَلّ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ حَتَّى رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ، قيل له: أَقَّمْتُمْ بِمَّةَ شَيْئًا؟ قَالَ:
أَقَمْنَا بِهَا عَشْرًا (١) مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ].
(وَعَنْ أَفَسِ ﴾ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﴿ مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى مَّةَ) لحجة
الوداع (فَكَانَ يُصَلِّ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ) أي: يقصر الصلاة (حَتَّى رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ، قيل
له: أَقَمْتُمْ بِمَكَّةَ شَيْئًا؟ قَالَ: أَقَمْنَا بِهَا عَشْرًا) أي: من الليالي أو من الأيام، وحذفت
التاء؛ لأن المعدود إذا حذف جاز حذفها وإثباتها.
(مُتَّفَقُ عَلَيْهِ) وقوله: ((بها)) أطلقه على ما ينسب إليها؛ إذ لم يقم العشر التي
أقامها لحجة الوداع بموضع واحد؛ لأنه دخلها يوم الأحد وخرج منها صبيحة
الخميس، فأقامه بمنى والجمعة بنمرة وعرفات، ثم عاد السبت لمنى لقضاء نسكه، ثم
لمكة لطواف الإفاضة، ثم لمنى يومه، فأقام بها بقيته والأحد والإثنين والثلاثاء إلى
الزوال، ثم نفر فنزل بالمحصب وطاف في ليلته للوداع، ثم رحل قبل صلاة الصبح،
فلتفرُّق إقامته قصر في الكل، وبهذا أخذ فأباحوا للمسافر إذا دخل محلاً أن يقصر فيه
ما لم يصل وطنه أو ينوِ إقامة أربعة أيام غير يومي الدخول والخروج أو يقيمها.
واستدلوا لذلك بخبر ((الصحيحين)): ((يقيم المهاجر بعد قضاء نسكه ثلاثًا))(٢)
وكان يحرم على المهاجرين الإقامة بمكة ومساكنة الكفار كما روياه أيضًا، فالإذن في
الثلاثة يدل على بقاء حكم السفر فيها بخلاف الأربعة، ومن ثم صح عن عمره إنه
(١) أخرجه البخاري (١٠٨١)، ومسلم (١٦١٨)، وأبو داود (١٢٣٥)، والترمذي (٥٥٠)، وأحمد
(١٣٣١٦)، والنسائي (١٤٦٣)، وابن ماجه (١١٣٠)، والبيهقي في ((سننه)) (٥٥٩٥).
(٢) أخرجه مسلم (١٣٥٢)، والترمذي (٩٤٩) وقال: حسن صحيح، وأحمد (١٩٠٠٦)، والنسائي
(١٤٥٤)، والشافعي (٢٦/١)، وابن حبان (٣٩٠٧)، والطبراني (١٦٩)، والبيهقي (٥٢٣٦).
١٨٧
تتمة كتاب الصلاة/ باب صلاة السفر
منع أهل الذمة الإقامة بالحجاز، ثم أذن لتاجرهم أن يقيم ثلاثًا، وفي معناها ما فوقها
ودون الأربعة.
وأمَّا حكاية بعض أصحابنا الإجماع على انقطاع سفره بمجرد وصوله لمقصده
فمحمول على ما إذا كان ذلك المقصد هو وطنه أو نوى به إقامة طويلة، وإلا فهو
ضعیف بل لا وجه له.
قال أبو عبد السلام: لأنه وَله يرخص بمكة وعرفة، وهما مقصده وغاية سفره،
وکذا أبو بكر وعمر وعثمان صدرًا من خلافته.
١٣٣٧ - [وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - قَالَ: سَافَرَ النَّبِيُّ ◌َهِ وَأَقَامَ تِسْعَةَ
عَشَرَ يَوْمًّا يُصَلِّ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنٍ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسِ: فَنَحْنُ نُصَلِّي فِيمَا بَيْنَنَا وَبَيْنَ مَكَّةً
تِسْعَةَ عَشَرَ يَوْمًا رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ، فَإِذَا أَقَمْنَا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ صَلَّيْنَا أَرْبَعًا (١). رَوَاهُ
الْبُخَارِيُّ].
(وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - قَالَ: سَافَرَ النَّبِيُّ ◌َهَ وَأَقَامَ تِسْعَةً عَشَرَ
يَوْمًا يُصَلِّ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) استنباطًا من هذا الحديث (فَتَحْنُ نُصَلِّي
فِيمَا) يكون سفرًا طويلاً كما (بَيْتَنَا وَبَيْنَ مَكَّةَ تِسْعَةَ عَشَرَ يَوْمًا رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ)
لأنها نهاية المدة التي يجوز للمسافر فيها القصر وإن لم يكن متوقعًا للسفر فيها (فَإِذَا
أَقَمْنَا) في سفرنا (أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ صَلَّيْنَا) الرباعية (أَرْبَعًا) ومنعنا قصرها (رَوَاهُ
الْبُخَارِيُّ).
قالوا: وهذا مذهب تفرد به ابن عباس، والذي قاله الفقهاء: إنه إنما أقام التسعة
عشر لكونه كان محاصرًا للطائف أو حرب هوازن ينتظر الفتح كل ساعة، ثم يرحل فلم
يكن مقيمًا حقيقة؛ لما تقرره من توقعه الخروج متى انقضت حاجته وهي الفتح، ومنه
ومن خبر الترمذي وحسنه، وله شواهد بخبر ما في سنده من الضعف: «إنه ◌َلغ أقام
(١) أخرجه البخاري (١٠٨٩)، والترمذي (٥٥٢)، وأحمد (١٩٨٦)، وابن ماجه (١١٢٨).
١٨٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الخامس
ثمانية عشر يومًا بمكة عام الفتح لحرب هوازن يقصر الصلاة))(١) أخذ أئمتنا أن من
أقام لغرض لا يعلم بقاءه أربعة أيام كاملة يرخص بسائر الرخص نحو القصر والفطر
ثمانية عشر وليلة غير يومي الدخول والخروج.
وروي: ((خمسة عشر)) وهي ضعيفة.
و((سبعة عشر) وهي صحيحة.
و«عشرون)» لكنها شاذة.
وأصح الروايات: ((تسعة عشر)).
وجمع البيهقي ومن تبعه بأن راوي ((تسعة عشر)) عدَّ يومي الدخول والخروج
و(سبعة عشر)) لم يعدها و(ثمانية عشر)) عدها، وفيه نظر؛ لأنه إنما يصح بناء على
الضعيف أنهما محسوبان من الثمانية عشر، والأصح خلافه.
والذي يتجه لي الجمع بأن راوي العشرين حسبهما والتسعة عشر حسب
أحديهما والثمانية عشر أسقطهما، وحينئذٍ لا يبقى بعارض الاثنين: ((ثمانية عشر))
و(سبعة عشر)) فقدموا تلك؛ لأن مع راويها زيادة علم فوجب الأخذ بها، ولم ينظر إلى
أصل عدم الترخص يؤيد الثانية، بل الخروج عن الأصل عند التعارض مقتضٍ
للتقديم كما صرحوا به في تعارض النيات وغيره قالوا: ولا فرق في ذلك بين المحارب
وغيره.
ومن قال بالاختصاص يخالف القتال؛ لأن الحرب أثرًا في تغيير صفة الصلاة،
ردوا عليه بأن هذا غير مؤثر هنا؛ إذ المرخص غيرها وهو السفر، والخائف وغيره في
ذلك سواء، واستشكل التحديد بما ذكر مع ما صح أن الصحابة أقاموا بـ((رامهرمز))
يقصرون الصلاة لتسعة أشهر، ويجاب بأنها واقعة حال فعليه، وهي عندنا يسقطها
الاحتمال، كما يحتمل هنا أنهم كانوا فرقًا يتناوبون الإقامة، فلم يتحقق إقامة فرقة
(١) ذكره النور الحلبي في السيرة الشامية (٨٧/٣).
١٨٩
تتمة كتاب الصّلاة/ باب صلاة السفر
واحدة منهم أكثره، وثمانية عشر يومًا، وهم يقصرون مع اطلاع الباقين وتقريرهم.
ثم رأيت النووي نقل عن أصحابنا أنهم أجابوا بنحو ما ذكرته حيث قال عنهم:
وأجابوا عنه بأنهم لم يقيموا تسعة أشهر في مكان واحد، بل ينتقلون تلك الناحية، وما
روي عن ابن عباس أنه أقام بأذربيجان ستة أشهر يقصر الصلاة، فيرده ما مر عنه
الذي لا نزاع في صحته.
١٣٣٨ - [وَعَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ قَالَ: صَحِبْتُ ابْنَ عُمَرَ فِي طَرِيقٍ مََّةَ فَصَلَّى لَنَا
الظُّهْرَ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ جَاءَ رَحْلَهُ وَجَلَسَ فَرَّأَى نَاسًا قِيَامًا، فَقَالَ: مَا يَصْنَعُ هَؤُلَاءِ؟ قُلْتُ:
يُسَبِّحُونَ، قَالَ: لَوْكُنْتُ مُسَبِّحًا أَتْمَمْتُ صَلَاتِي صَحِبْتُ رَسُولَ اللهِ، فَكَانَ لَا يزِيد
فِي السَّفَرِ عَلَى رَكْعَتَيْنِ، وَصَحِبْتُ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ كَذَلِكَ (١). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ].
(وَعَنْ حَقْصِ بْنِ عَاصِمٍ قَالَ: صَحِبْتُ ابْنَ عُمَرَ فِي طَرِيقٍ مَكَّةً فَصَلَّى) إمامًا (لَنَا
الظُّهْرَ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ جَاءَ رَحْلَهُ وَجَلَسَ فَرَأَى نَاسًا قِيَامًا فَقَالَ: مَا يَصْنَعُ هَؤُلَاءِ؟ قُلْتُ:
يُسَبِّحُونَ) أي: يصلون (قَالَ: لَوْ كُنْتُ مُسَبِّحًا) أي: متنفلاً نفلاً راتبًا (أَتْمَمْتُ صَلَاتِي)
لأن تكميل الفرض أولى من النفل (صَحِبْتُ رَسُولَ اللهِ وَِّ فَكَانَ لَا يَزِيد ◌ِي السَّفَرِ
عَلَى رَكْعَتَيْنِ) حتى قبضه الله كما في رواية.
(وَصَحِبْتُ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ كَذَلِكَ) أي: فكانوا لا يزيدون في السفر على
ركعتين، وما ذكره عن عثمان محله في صدر من خلافته لما يأتي عنه أول الفصل
الثالث أنه أتم.
(مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ) وإنكاره إنما هو في صلاة الراتبة، فإنها التي كان يتركها لأجل
ذلك ووافقه آخرون.
وقال الشافعي والجمهور: بل هي سُنة للمسافر أيضًا وإن كانت للحاضر آكد،
وذلك للأحاديث العامة في ندبها؛ ولأنه ێ صلى الضحى يوم فتح مكة وسنة الصبح لما
(١) أخرجه البخاري (١١٠٢)، ومسلم (١٦١١)، وأبو داود (١٢٢٥)، وابن ماجه (١١٢٤)، والبيهقي في
«سننه» (٥٧١٦).
١٩٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الخامس
ناموا عنه في الوادي حتى طلعت الشمس.
وأجابوا عما احتج به ابن عمر بأنها وقائع حال، وفعليه محتملة أنه كان يصلي
الرواتب في رحله ولا يراه ابن عمر، فالنافلة في البيت أفضل، أو أنه تركها في بعض
الأوقات بيانًا لجواز تركها، وسيأتي في حديث الشيخين عن ابن عمر نفسه أنه روى
عن النبي ◌ُّ﴾ ((إنه كان يصلي على الراحلة صلاة الليل))(١).
وفي حديث الترمذي عنه: ((إنه ◌َّ﴾ كان يصلي راتبة الظهر والمغرب)).
وفي حديث ابن ماجه عنه: ((إن الوتر في السفر سنة)).
وفي حديث ((الموطأ)) عنه: ((إنه كان يرى ابنه يتنفل في السفر ولا ينكر عليه)).
ولك أن تأخذ من مجموع أحاديثه هذه جمعًا حسنًا يزول به الإشكال من كل
وجه بأن يحمل قوله: (لم يزد على ركعتين)) على أنه لم يزد على الرواتب المؤكدة، وهي غير
الوتر ركعتان في كل من محالها، فلا ينافي ما يأتي عنه في تلك الأحاديث، وحمل إنكاره
على المسبحين على أنه إنما أنكر عليهم الزيادة على المؤكد، وأجاب بعض فقهائنا بغير
ذلك مما فيه نظر.
تنبيه:
في ((شرح العباب)): أمَّا النافلة المطلقة فاتفقوا على ندبها.
١٣٣٩ - [وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - قَالَ: كَانَ رَسُولُ الله ◌َِّ يَجْمَعُ
بَيْنَ صَلَاةِ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، وَإِنْ كَانَ عَلَى ظَهْرِ سَيْرٍ، وَيَجْمَعُ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ(٢). رَوَاهُ
الْبُخَارِيُّ).
(وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللّهِ وَهِ يَجْمَعُ بَيْنَ صَلَاةِ
الظُهْرِ وَالْعَصْرِ، وَإِنْ كَانَ عَلَى ظَهْرِ سَيْرٍ) ظهر مفخم للتأكد كما في خبر: «خير الصدقة
(١) تقدم تخريجه.
(٢) أخرجه البخاري (١١٠٧).
١٩١
تتمة كتاب الصلاة/ باب صلاة السفر
ما كان عن ظهر غنى)) (١) ووجه التأكد الذي فيه: أنه يشير إلى أن سيره ولو كان مستندًا
إلى ظهر قوي من المطي والركاب.
(وَيَجْمَعُ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ) أي: إذا كان كذلك (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) فيه
جواز جمع المسافر سفرًا طويلاً يبيح القصر بين الظهرين والمغربين تقديمًا وتأخيرًا،
وبه صرحت الأحاديث الصحيحة الكثيرة المتفق على أكثرها التي لا تقبل تأويلاً
كخبر: ((كان إذا ارتحل قبل زيغ الشمس أخَّر الظهر إلى وقت العصر، ثم ينزل يجمع
بينهما فإن زاغت قبل أن يرتحل صلى الظهر والعصر ثم ركب، وكان إذا جد به
السير جمع بين المغرب والعشاء))(٢) يعني: في وقت العشاء كان إذا عجل عليه السير
وأخر الظهر إلى وقت العصر حتى يجمع بينهما وبين العشاء حتى يغيب الشفق
الأحمر.
وذكر «جدَّ)) و((عجّل)) لا يخصص؛ لأنه بعض أفراد العام ومفهوم ((إذا)) فيه غير
معمول به؛ إذ لا يعلم قائلاً به، مع أن جمعه ◌َله وهو نازل يرده «كان في غزوة تبوك إذا
ارتحل قبل المغرب أخَّر المغرب حتى يصليها مع العشاء، وإذا ارتحل بعد المغرب عجل
العشاء فصلاها مع المغرب)) (٣).
وقال أبو حنيفة : ((لا يجمع بين الظهرين إلا بعرفة ولا بين المغربين إلا
بمزدلفة)) لأن مواقيت الصلاة قد صحت فلا تترك بالآحاد، وأجاب أصحابنا بأنها
مشقة وبأن حديث عرفة ومزدلفة آحاد فلِم قلت بهما؟ بل لو لم يرد غيرهما كانا دالين
على جواز الجمع في السفر كما استدل بهما سالم بن عبد الله بن عمر﴾.
ولقد قال إمام الحرمين وغيره: إن هذا الخلاف منابذ للسنة الصحيحة الصريحة
(١) أخرجه البخاري (٥٠٤٠)، وأبو داود (١٦٧٦)، والنسائي (٢٥٤٤)، وأحمد (٩٢١٢)، وابن خزيمة
(٢٤٣٩)، وابن حبان (٣٣٦٣)، والبيهقي (١٥٤٨٨).
(٢) أخرجه مالك (٣٢٩)، والبخاري (١٠٥٥)، ومسلم (٧٠٣)، وعبد الرزاق (٤٤٠٣)، وابن أبي شيبة
(٨٢٢٦)، والنسائي (٥٩٨).
(٣) أخرجه الترمذي (٥٥٦)، وأحمد (٢٢٧٤٧)، وأبو داود (١٢٢٢)، والدارقطني (١٤٨١).
١٩٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الخامس
التي لا يقبل تأويلها، فلا یسن مراعاته.
فإن قلت: فلِم قلتم: إن الجمع لشروطه المقررة في الفقه، الأولى تركها
اتفاقًا؟
قلت: لم يقولوا ذلك رعاية لهذا الخلاف، وإن قاله الغزالي، بل لأن فيه إخلاء
أحد الوقتين عن وظيفته فأشبه الفطر في رمضان ممن لم يتضرر بالصوم، فإنه خلاف
الأولى أيضًا كذلك، وبهذا فارق فإنه بعد ثلاث مراحل أفضل، على أن خلاف أبي
حنيفة في وجوبه قوي فروعي.
فإن قلت: كثرة فعله {آل﴾ للجمع يدل على ندبیته.
قلت: هو كذلك لولا استنباط ذلك المعنى، وهو إخلاء الوقت عن وظيفته،
والقياس على فطر مسافر لم يقصر، ومع كون الأولى تركه والأفضل لمريده إن كان
نازلاً وقت الأولى جمع التقديم، أو وقت الثانية جمع التأخير.
فإن قلت: قولكم: الأفضل الجمع بعرفة ومزدلفة للإجماع، وعلى جوازه فيها
ساعة، قاله الغزالي.
قلت: يمكن أن يجاب بأن الحاج خفف عنه أشياء كثيرة لشدة ما عليه من
المتاعب والمشاق في تلك الليلة ويومها، فندب له الجمع لذلك، ولا يعارض ما تقرر قول
ابن عمر: ((ما جمع ◌َّ بين المغرب والعشاء قط)»(١) لأنه يجب تأويله بأنه ما جمع سائرًا،
بل نازلاً أورده بأنه صح عنه من طرق كثيرة أنه روي الجمع عنه كثير والمثبت مقدم،
ولا قول ابن مسعود: ((ما رأيته وَ لقوله صلى صلاة فغير ميقاتها إلا صلاتين جمع بين
المغرب والعشاء)) أي: بمزدلفة، وصلى الصبح قبل ميقاتها؛ أي: بها أيضًا؛ لأنه كناية
عن شدة تغليسه بالصبح في ذلك ليتسع لما على الحاج من الأعمال، وأيضًا فهو تقي
باعتبار علمه وما من إثبات فقدم علیه.
١٣٤٠ - [وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ◌َهِ يُصَلِّ فِي السَّفَرِ
(١) أخرجه أبو داود (١٢١١).
١٩٣
تتمة كتاب الصلاة/ باب صلاة السفر
عَلَى رَاحِلَتِهِ حَيْثُ تَوَجَّهَتْ بِهِ يُومِئُ إِيمَاءً، صَلاةَ اللَّيْلِ إِلَّا الْفَرَائِضَ، وَيُوتِرُ عَلَى
رَاحِلَتِهِ(١). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ].
(وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - قَالَ: كَانَ السَّبِيُّ ◌َهَ يُصَلِّ فِي السَّفَرِ)
الطويل والقصير بأن يكون بقدر ميل، وتخصيص مالك له بالطويل يحتاج لدليل،
والقياس على الفطر والقصر ممنوع؛ لأنه يغتفر في النفل ما لا يغتفر في الفرض.
(عَلَى رَاحِلَتِهِ حَيْثُ تَوَجَّهَتْ بِهِ) أخذ منه أئمتنا أن صوب المقصد للمسافر
المنتفل بدل عن القبلة، فلا يجوز الانحراف عنه إلا إليها، نعم لا بد من استقبالها عند
تحرم الصلاة كما يأتي في الحديث بشرطه (يُومِئُ) بالركوع والسجود (إِيمَاءً) ومن ثم لم
يجب المبالغة في الإيماء، بل يكفي أدنى ميل للرأس، لكن يشترط أن يكون الإيماء
للسجود أخفض منه للركوع كما يأتي أيضًا ليقع التمييز بينهما.
(صَلاةَ اللَّيْلِ إِلَّا الْفَرَائِضَ) عبر في رواية بالتطوع الشامل لصلاة النهار أيضًا،
ولهذا خص قوله تعالى: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة:١٤٤]
بالفرض، وقوله: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ﴾ [البقرة: ١١٥] بالتطوع.
وقاس أئمتنا الماشي على الراكب، فجوَّزوا له أن يُحرم بالصلاة للقبلة، ثم
يتحول لمقصده ويمشي، ثم ينحرف ويركع للقبلة، ثم يمشي لمقصده، ثم ينحرف
ويسجد للقبلة ثم يمشي لجهة مقصده، وهكذا حتى يتشهد ويسلم ماشيًا إلى جهة
مقصده.
(وَيُوتِرُ عَلَى رَاحِلَتِهِ مُتَّفَقُ عَلَيْهِ) وصرح بقوله: (ويوتر ... إلخ)) مع دخوله فيما
قبله نظرًا لعدم وجوبه علينا؛ لأنه كان واجبًا عليه، وإنما فعله مع ذلك عليها؛ لأنه
من خصوصيته أيضًا، والجواب بأن الممتنع عليها ما كان وجوبه على العموم ينقص
بالنذر(٤) فإنه يمتنع عليها مع أنه ليس كذلك، وبأنه إنما فعله لبيان أنه تطوع لنا
(١) أخرجه البخاري (١٠٠٠) ومسلم (١٣٠).
(٢) هكذا في الأصل.
١٩٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الخامس
[ ... ](١)؛ لأنه كيف يترك قضية وجوبه عليه من امتناعه عليها ويراعي مصلحة بيان
أنه تطوع لنا على أنه بين عدم وجوبه علينا في الأحاديث الصحيحة السابقة في باب
الوتر؟ فتعين أن فعله عليها مع وجوبه علیه من خصوصياته.
قيل: قول أبي حنيفة: ((المكتوبات فرض والوتر)) فتعين أن فعله عليها مع واجب
فرق اصطلاحي لهم، لا يقتضيه شرع ولا لغة ولو سلم لم يحصل به غرضهم. انتهى.
(الفصل الثاني)
١٣٤١ - [عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: كُلَّ ذَلِكَ قَدْ فَعَلَ رَسُولُ اللهِ وَهُ
قَصَرَ الصَّلاةَ وَأَتَمَّ(٤). رَوَاهُ فِي (شَرْحِ السُّنَّةِ))].
(عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: كُلَّ ذَلِكَ قَدْ فَعَلَ رَسُولُ اللّهِ قَصَرَ
الصَّلاةَ) في السفر تارة (وَأَتَمَّ) فيه أخرى، وهذا بيان للشارع إليه [ ...... ] للدلالة على
عظيم شأنه (رَوَاهُ) البغوي (في ((شَرْحِ السُّنَّةِ))) ومرَّ أن سنده صحيح، وهو صريح لا
يقبل تأويلاً في عدم وجوبه القصر على المسافر.
١٣٤٢ - [وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - قَالَ: خَرَجْتُ مَعَ النَّبِيِّ
◌َ﴿ وَشَهِدْتُ مَعَهُ الْفَتْحَ، فَأَقَامَ بِمَّةَ ثَمَانِي عَشْرَةَ لَيْلَةً لَا يُصَلِّ إِلَّا رَكْعَتَيْنِ يَقُولُ: يَا
أَهْلَ الْبَلَدِ صَلُّوا أَرْبَعًا، فَإِنَّا قَوْمُ سَفْرٌ (٣) رَوَاهُ أَبُو دَاوُد].
(وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - قَالَ: خَرَجْتُ مَعَ النَّبِيِّ ◌َهـ
وَشَهِدْتُ مَعَهُ الْفَتْحَ) أي: فتح مكة (فَأَقَامَ بِمَكَّةَ ثَمَاني) مر الكلام عليه في باب الضحى
(عَشْرَةَ لَيْلَةً لَا يُصَلّى إِلَّا رَكْعَتَيْنِ) سبق الكلام عليه مستوفى.
(يَقُولُ) حال من فاعل (يصلي)) (يَا أَهْلَ الْبَلَدِ) هو من أسماء مكة (صَلُّوا أَرْبَعًا
فَإِنَّا) هي الفاء الفصيحة الدالة على محذوف هو سبب إلى بعدها؛ أي: ولا يقتدوا بنا في
(١) في الأصل: (متهافت).
(٢) أخرجه البغوي في ((شرح السنة)) (٢٢٠/٢).
(٣) أخرجه أبو داود (١٢٣١).
١٩٥
تتمة كتاب الصلاة/ باب صلاة السفر
القصر فإنهم يقيمون ونحن (قَوْمُ سَفْرُ) جمع مسافر، كـ(ركب)) جمع راكب؛ لأن الظاهر
أن أهل البلد كانوا يصلون معه * يؤخذ أنه يسن لمسافر اقتدى به مؤتمون أنه إذا
سلم يقول لهم ذلك، وبه صرح أصحابنا في الإمام إذا جمع بعرفة ووراءه مؤتمون.
وأمَّا من استدل بهذا الحديث على خصوص ما ذكر في عرفة فقد وهم؛ لما تقرر
أن قوله ولو لم يكن بهؤلاء في حج، بل كان وهو بمكة زمن الفتح (رَوَاهُ أَبُو دَاوُد).
١٣٤٣ - [وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ ◌َِّ الظُّهْرِ
فِي السَّفَرِ رَكْعَتَيْنٍ وَبَعْدَهَا رَكْعَتَيْنٍ، وَفِي رِوَايَة: قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ ◌َِّ فِي الْحَضَرِ
وَالسَّفَرِ فَصَلَّيْتُ مَعَهُ فِي الْحَضَرِ الظُهْرَ أَرْبَعًا وَبَعْدَهَا رَكْعَتَيْنِ، وَصَلَّيْتُ مَعَهُ فِي السَّفَرِ
الظُّهْرَ رَكْعَتَيْنِ وَبَعْدَهَا رَكْعَتَيْنِ وَالْعَصْرَ رَكْعَتَيْنِ وَلَمْ يُصَلِّ بَعْدَهَا شَيْئًا، وَالْمَغْرِبَ فِي
الْخَضَرِ وَالسَّفَرِ سَوَاءً ثَلَاثَ رَكَعَاتٍ وَلَا يُنْقِصُ فِي حَضَرٍ وَلَا سَفَرٍ، وَهِيَ وِتْرُ النَّهَارِ
وَبَعْدَهَا رَكْعَتَيْنِ(١). رَوَاهُ النِّزْمِذِيُّ].
(وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ ◌ََّ الظّهْرِ فِي السَّفَرِ
رَكْعَتَيْنِ وَبَعْدَهَا رَكْعَتَيْنٍ، وَفِي رِوَايَةٍ: قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ ◌َ فِي الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ
فَصَلَّيْتُ مَعَهُ فِي الْحَضَرِ الظُّهْرَ أَرْبَعًا وَبَعْدَهَا رَكْعَتَيْنٍ) لا ينافي هذا وما بعده ما هو
مقرر عندنا أن قبلها أربع: ثنتان مؤكدتان، وثنتان غير مؤكدتين، وبعدها أربع كذلك،
وقبل العصر أربع، وقبل المغرب ركعتين؛ لأن ذلك ثبت من أحاديث أخر صحيحة
غير هذا.
(وَصَلَّيْتُ مَعَهُ فِي السَّفَرِ الظُّهْرَ رَكْعَتَيْنِ وَبَعْدَهَا رَكْعَتَيْنِ وَالْعَصْرَ رَكْعَتَيْنِ وَلَمْ
يُصَلِّ بَعْدَهَا شَيْئًا، وَ) صليت معه (الْمَغْرِبَ فِي الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ سَوَاءً) أي: مستويًا
عددها فيهما، ثم بيَّنه بقوله: (ثَلَاثَ رَكَعَاتٍ وَلَا يُنْقِصُ) منها شيئًا (فِي حَضَرٍ وَلَا سَفَرٍ،
وَهِيَ وِتْرُ النَّهَارِ) جملة حالية كالتعلیل لعدم جواز النقص منها، وكان معنی کونها وتر
(١) أخرجه الترمذي (٥٥٥).
١٩٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الخامس
النهار: إن مجموع فرائضه عشر ركعات فأوتر بها ثلاث المغرب لتعود عليه بركة الوتر
(إن الله وتر يحب الوتر))(١).
وقال بعضهم: معناه: إنها مشابهة للوتر في الليل، فلا ينبغي أن يسقط منها ركعة
فيكون شفعًا، ولا ركعتان فتبقى ركعة، وهي في الوتر مختلف فيها ولم يزد في النوافل
ركعة فردة فكيف بالفرض (وَبَعْدَهَا رَكْعَتَيْنِ. رَوَاهُ التِّزْمِذِيُّ) وسبق الكلام علیه قريبًا.
١٣٤٤ - [وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ﴾ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ◌َهَ فِي غَزْوَةٍ تَبُوكَ إِذَا زَاغَتِ
الشَّمْسُ قَبْلَ أَنْ يَرْتَحِلَ جَمَعَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، وَإِن ارْتَحَلَ قَبْلَ أَنْ تَزِيغَ الشَّمْسُ أَخَّرَ
الظُّهْرَ حَتَّى يَنْزِلَ لِلْعَصْرِ، وَفِي الْمَغْرِبِ مِثْلَ ذَلِكَ إِذَا غَابَتِ الشَّمْسُ قَبْلَ أَنْ يَرْتَحِلَ جَمَعَ
بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ، وَإِنِ ارْتَحَلَ قَبْلَ أَنْ تَغِيبَ الشَّمْسُ أَخَّرَ الْمَغْرِبَ حَتَّى يَنْزِلَ
لِلْعِشَاءِ ثُمَّ يجمعُ بَيْنَهُمَا (٢). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدِ وَالتِّرْمِذِيُّ].
(وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ﴿ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ◌َهُ فِي غَزْوَةٍ تَبُوكَ) موضع قريب من
الشام (إِذَا زَاغَتِ الشَّمْسُ) أي: مالت عن وسط السماء بأن زالت (قَبْلَ أَنْ يَرْتَحِلَ جَمَعَ
بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ) ويسمى هذا جمع تقديم، ويشترط عندنا نيته قبل فراغ الأولى أو
معه، وتقديم الأولى صحيحة، والموالاة بينهما بألّا يفصل بينهما ولو بركعتين وإن
قصرتا جدًّا.
(وَإِنِ ارْتَحَلَ قَبْلَ أَنْ تَزِيغَ الشَّمْسُ أَخَّرَ الظُّهْرَ حَتَّى يَنْزِلَ لِلْعَصْرِ) في وقتها
فيصليها معها فيه كما صرحت به الأحاديث السابقة، ولا يشترط هنا شيء من تلك
الشروط، نعم لا يجوز له التأخير حتى ينويه للجمع؛ ليتميز عن التأخير المحرم،
ويشترط وقوعه في وقت يسع جميع الأولى.
(وَفِي الْمَغْرِبِ مِثْلَ ذَلِكَ) وبيَّنْه بقوله: (إِذَا غَابَتِ الشَّمْسُ قَبْلَ أَنْ يَرَْحِلَ جَمَعَ
بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ) تقديمًا، وشروطه تلك الأحاديث الثلاث أيضًا.
(١) تقدم تخريجه.
(٢) أخرجه أبو داود (١٢١٠)، والترمذي (٥٥٣)، والبيهقي في ((سننه)) (٥٧٣٧).
١٩٧
تتمة كتاب الصلاة/ باب صلاة السفر
(وَإِنِ ارْتَحَلَ قَبْلَ أَنْ تَغِيبَ الشَّمْسُ أَخَّرَ الْمَغْرِبَ حَتَّى يَنْزِلَ لِلْعِشَاءِ ثُمَّ يجمعُ
بَيْنَهُمَا) جمع تأخير، وشروطه ما مرَّ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدٍ وَالتِّرْمِذِيُّ) ومرَّ أنه حديث صحيح،
وأنه من جملة الأحاديث التي هي نص لا يحمل تأويلاً في جواز جمعي التقديم والتأخير،
ومنه أخذ أئمتنا أن الأفضل للنازل وقت الأولى جمع التقديم، وللمسافر وقتها جمع
التأخير.
١٣٤٥ - [وَعَنْ أَنَسِ ﴿ قَالَ: كَان رَسُولُ اللهِ،َ ﴿ إِذَا سَافَرَ وَأَرَادَ أَنْ يَتَطَوَّعَ
اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ بِنَاقَتِهِ فَكَبَّرَ ثَمَّ صَلَى حَيْثُ وجهه رِكَابِهِ(١). رَوَاهُ أَبُو دَاوُد].
(وَعَنْ أَنَسِ ﴾ قَالَ: كَان رَسُولُ اللّهِ وَّهِ إِذَا سَافَرَ وَأَرَادَ أَنْ يَتَطَوَّعَ) على راحلته
(اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ بِنَاقَتِهِ فَكَبَّرَ) منه أخذ أئمتنا ما مر أنه يجب استقبال القبلة عند
التحريم فقط بشرط كونها سهلة وزمامها بيده (ثَمَّ صَلَّ) أي: استمر في صلاته، أو
((ثم)) للتراخي في الرتبة، ومن ثم اختص وجواب الاستقبال بشرطه بالتحريم؛ لأن النية
هي الأصل فأحتيط لها أكثر (حَيْثُ وجهه رِكَابِهِ) أي: حيث أُمَّ به ركابه جهة مقصده؟
لأنه قبلته كما مرَّ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُد).
١٣٤٦ [وَعَنْ جَابِرٍ ﴾ قَالَ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللهِ وَهِ فِي حَاجَةٍ، فَجِئْتُ وَهُوَ يُصَلِّ
عَلَى رَاحِلَتِهِ تَحْوَ الْمَشْرِقِ، وَيجعل السُّجُودُ أَخْفَضَ مِنَ الرُّكُوعِ(٢). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدِ].
(وَعَنْ جَابِرٍ عَّ قَالَ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللهِ وَّهِ فِي حَاجَّةٍ، فَجِئْتُ وَهُوَ يُصَلِّ عَلَى
رَاحِلَتِهِ تَحْوَ الْمَشْرِقِ) حال أو ظرف؛ أي: متوجهًا نحوه، أو صلى إلى جهته فيه بيان أن
جهة المشرق كانت إذ ذاك هي جهة مقصده (وَيجعل السُّجُودُ أَخْفَضَ مِنَ الرُّكُوعِ)
ومنه أخذ أئمتنا وجوب ذلك؛ ليتميز السجود عن الركوع (رَوَاهُ أَبُو دَاوُد).
(الفصل الثالث)
١٣٤٧ [عَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ وَّهُ بِمِنَّى
(١) أخرجه أبو داود (١٢٢٧).
(٢) أخرجه أبو داود (١٢٢٩)، والترمذي (٣٥٢)، وأحمد بنحوه (١٤٩٢٩).
١٩٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الخامس
رَكْعَتَيْنِ وَأَبُو بَكْرٍ بَعْدَهُ، وَعُمَرُ بَعْدَ أَبِي بَكْرٍ، وَعُثْمَانُ صَدْرًا مِنْ خِلَافَتِهِ، ثُمَّ عُثْمَانُ
صَلَى بَعْدُ أَرْبَعًا، فَكَانَ ابْنُ عُمَرَ إِذَا صَلَّى مَعَ الإِمَامِ صَلَى أَرْبَعًا، وَإِذَا صَلَّى وَحْدَهُ صَلَّى
رَكْعَتَيْنِ(١). مُتَّفَقُ عَلَيْهِ].
(عَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ ◌َهُ بِمِنَّى) في حجة
الوداع (رَكْعَتَيْنِ وَ) صلى بها ركعتين (أَبُو بَكْرٍ بَعْدَهُ) زمن خلافته (وَ) صلاهما بها
(عُمَرُ بَعْدَ أَبِي بَكْرٍ) زمن إمامته (وَ) صلاهما بها أيضًا (عُثْمَانُ صَدْرًا مِنْ خِلَافَتِهِ)
أي: نحو ست سنين من أولها (ثُمَّ عُثْمَانُ صَلَّى بَعْدُ) بمنى الرباعية (أَرْبَعًا) ليبين
للناس أن كلاً من القصر والإتمام جائز، وأنه لا حرج على من قصر ولا على من أتم.
وفي وقوع هذا من عثمان متكررًا تلك المدة مع مشاهدة الصحابة له وعدم
إنكارهم عليه أظهر دليل على أن القصر ليس بواجب، وما قبل إنما أتم؛ لأنه نوى
الإقامة بمكة بعد الحج، أو كانت له أرض بمنى، فأبطلوه بأن الإقامة بمكة كانت تحرم
على المهاجر فوق ثلاثة أيام، وبأن وجود أرض له بمنى لا يقتضي إتمامًا ولا إقامة.
(فَكَانَ ابْنُ عُمَرَ إِذَا صَلَّى مَعَ الإِمَامِ) الظاهر أن المراد به عثمان، ويحتمل أن
المراد وراء إمام يتم سواء عثمان وغيره (صَلَّى أَرْبَعًا) تبعًا له (وَإِذَا صَلَّى وَحْدَهُ صَلَّى
رَكْعَتَيْنٍ) عملاً بالأفضل (مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ).
١٣٤٨ - [وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: فُرِضَتِ الصَّلَاةُ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ
هَاجَرَ رسول الله وَّهِ فَفُرِضَتْ أَرْبَعًا، وَتُرِكَتْ صَلَاةُ السَّفَرِ عَلَى الفَرِيضَةِ الْأُولَى، قَالَ
الزُّهْرِيُّ: فَقُلْتُ لِعُرْوَةَ: مَا بَالُ عَائِشَةَ تُتِمُّ؟ قَالَ: تَأَوَّلَتْ كَمَا تَأَوَّلَ عُثْمَانُ(٩). مُتَّفَقَّ
عَلَيْهِ].
(وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: فُرِضَت الصَّلَاةُ) أي: ليلة الإسراء
(١) أخرجه البخاري (١٦٥٥)، ومسلم (١٦٢٤)، وأحمد (٦٤٠١)، والنسائي (١٤٦٢)، والبيهقي في
«سننه» (٥٥٣٣).
(٢) أخرجه البخاري (١٠٩٠)، ومسلم (١٦٠٤)، والدارمي (١٥٦١)، والبيهقي في («سننه)) (٥٦٣٩).
١٩٩
تتمة كتاب الصلاة/ باب صلاة السفر
(رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ هَاجَرَ رسول اللّهِ وََّ فَفُرِضَتْ أَرْبَعًا، وَتُرِكَتْ صَلَاةُ السَّفَرِ عَلَى الفَرِيضَةِ
الْأُولَى) وهذا يوافق قولها في رواية أخرى: «فرضت الصلاة ركعتين ركعتين، فأُقرت
صلاة السفر وزيد في صلاة الحضر))(١) ومعناه: فرضت ركعتين لمن أراد الاقتصار
عليهما، فزيد في صلاة الحضر ركعتان تحتيهما، وأقرت صلاة السفر على جواز الإتمام.
(قَالَ الزُّهْرِيُّ: فَقُلْتُ لِعُرْوَةَ) ابن الزبير ابن أخت عائشة: (مَا بَالُ عَائِشَةَ تُتِمُّ؟)
الصلاة في السفر مع أن ظاهر ما رويته يقتضي وجوب القصر الذي قال به أبو حنيفة
(قَالَ: تَأَوَّلَتْ كَمَا تَأَوَّلَ عُثْمَانُ) ومرَّ أنه تأول أن كلاً من القصر والإتمام جائز، ففرض
ذلك في السفر المراد به لمن أراده كما تقرر، ومن بطلان تأويله بغير ذلك، ومنه أنه
تأهل بمكة، وأنه عليه إمام المؤمنين، وعائشة أمهم فكأنهما كانا في منازلهما، وأن
الأعراب حضروا معه ففعل ذلك؛ لئلا يظن أحد منهم أن فرض الصلاة ركعتان حضرًا
أيضًا، ويبطل الأول أنه وَي سافر بأزواجه فقصر، والثاني أنه وهي كان أولى بكونه في
منزله، والثالث أن هذا المعنى كان موجودًا في زمنه ◌َله وأمر الصلاة في زمن عثمان كان
أشهر (مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ)
١٣٤٩ - [وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - قَالَ: فَرَضَ اللهُ الصَّلاَةَ عَلَى لِسَانِ
نَّبِّكُمْ رَّهِ فِي الْحَضَرِ أَرْبَعًا، وَفِي السَّفَرِ رَكْعَتَيْنِ، وَفِي الْخَوْفِ رَكْعَةً(٤). رَوَاهُ مُسْلِمٌ].
(وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - قَالَ: فَرَضَ اللهُ الصَّلَاةَ عَلَى لِسَانِ
نَبِيِّكُمْ وَ فِي الْحَضَرِ أَرْبَعًا وَفِي السَّفَرِ رَكْعَتَيْنِ) لا دليل فيه للحنفية؛ لما مر في الفصل
الأول أنه صح أن عائشة أتمت بحضرته إليه وأقرها عليه.
وأيضًا: هي راوية الحديث الذي قبل هذا، وقد خالفته فلا نعمل بالرواية
عندهم.
(١) تقدم تخريجه.
(٢) أخرجه مسلم (١٦٠٧)، وأبو داود (١٢٤٩)، وأحمد (٢٢١٤)، والنسائي (٤٦٠)، والبيهقي في (سننه))
(٦٢٦٨).
٢٠٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الخامس
وأيضًا: هو خبر واحد فلا يعارض عندهم ظاهر القرآن أن القصر جائز.
وأيضًا: فنص القرآن والإجماع على تسميتها مقصورة يصرف الحديث عن ظاهره
من أن الركعتين في السفر أصل لا مقصورة.
وأيضًا: الصلاة في الحديث مخصص بغير المغرب والصبح وفي حجة العام بعد
التخصيص خلاف.
وأيضًا: فرض يأتي لغير الإيجاب، كقدَّر وبيَّن نحو: ﴿قَدْ فَرَضَ اللهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ
أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم:٢] ومن أنه صح عنه وَّ إنه أتم في السفر، وحينئذٍ لا يحتاج
لشيء في هذه الأجوبة.
(وَفِي الْخَوْفِ رَكْعَةً) أخذ بظاهره ابن عباس وغيره كالحسن البصري وإسحاق
فقالوا: إنها تقصر في الخوف إلى ركعة، وأجاب عنه الجمهور على أنه يصلي في الخوف
ركعة مع الإمام، ومنفردًا بأخرى كما صحَّ ذلك في أحاديث صلاة الخوف (رَوَاهُ
مُسْلِمْ).
١٣٥٠ [وَعَنْهُ وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - قَالَا: سَنَّ رَسُولُ الله ◌ِ وَهُ
صَلَاةَ السَّفَرِ رَكْعَتَيْنٍ وَهُمَا تَمَامُ غَيْرُ قَصْرٍ، وَالْوِتْرُ فِي السَّفَرِ سُنَّةُ(١). رَوَاهُ ابْنُ مَاجَه].
(وَعَنْهُ وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا) الأولى عنهم (قَالَا: سَنَّ رَسُولُ الله
﴿ صَلَاةَ السَّفَرِ رَكْعَتَيْنِ) أي: بيَّن أنها كذلك لمن أراد القصر، وهذا يؤيد فرض تأويل
السابقتين (وَهُمَا تَمَامُ غَيْرُ قَصْرٍ) أي: بالسنة للثواب، فثواب القصر يقارب ثواب
الإتمام، ثم قد يزيد ثواب الإتمام في دون ثلاث من أصل؛ لأنه أفضل حينئذٍ، ويزيد
ثواب القصر في أكثر منها؛ لأنه أفضل حينئذٍ.
(وَالْوِتْرُ فِي السَّفَرِ سُنَّةٌ) يحتمل أنه من قول ابن عباس وعمر أنه مرفوع، وعلى
كل فرض ما يصرح بأن الوترسنة حضر أو سفر، لكن تأكده في السفر دونه في الحضر
(١) أخرجه أحمد (٢١٩٣)، وابن ماجه (١٢٥٠).