النص المفهرس

صفحات 141-160

١٤١
تتمة كتاب الصلاة/ باب قيام شهر رمضان
قال: وأمَّا فعلها عقب العشاء أول وقتها فمن بدع الكسالى والمترفين، وليس
من القيام المسنون؛ لأنه إنما سمي قيامًا لاستدعائه القيام من المضجع، فهو كسائر
المتطوعين ليلاً أو نهارًا. انتهى.
وما قاله من أنهم كانوا ينامون الربع، يرده رواية البخاري هذه أنهم كانوا يصلون
أوله، فمن جرى على ذلك حمل على أن وقت اختيارها هو وقت اختيار العشاء إلى بعد
ثلث الليل الأول، وبتعيين حمله على من لم يبق بالاستيقاظ أو بالجماعة ولو وثق
بالاستيقاظ والجماعة آخره، لكنها أوله أكثر فالذي يظهر أنها آخره أفضل بلزوم فوائد
التهجد لا سيما آخر الليل على أكثر الجماعة أوله.
١٣٠٢ - [وَعَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: أَمَرَ عُمَرُ أَبِيَّ بْنَ كَعْبٍ وَتَمِيمًا الدَّارِيَّ أَنْ
يَقُومَا لِلنَّاسِ فِي رَمَضَانَ بِإِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، فَكَانَ الْقَارِئِ يَقْرَأُ بِالْمِئِينَ حَتَّى
كَنَّا نَعْتَمِدُ عَلَى الْعَصَا مِنْ طُولِ الْقِيَامِ، فَمَا كُنَّا نَنْصَرِفُ إِلَّا فِي فُرُوعِ الْفَجْرِ(١). رَوَاهُ
مَالِكٌ].
(وَعَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: أَمَرَ عُمَرُ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ وَتَمِيمًا الدَّارِيَّ أَنْ يَقُومًا
لِلنَّاسِ) أي: على البدل بأن يؤم هذا بعض الصلاة وهذا بعضها (في رَمَضَانَ بِإِحْدَى
عَشْرَةَ رَكْعَةً) رد ابن عبد البر هذه الرواية بأنها وهم، والذي صح أنهم كانوا يقومون
على عهد عمر بعشرين ركعة، واعترض بأن سند تلك صحيح أيضًا، ويجاب بأنهم
لعلهم في بعض الليالي قصدوا التشبه به آل# فإنه صح عنه كما مر «إنه صلى بهم ثماني
ركعات والوتر))(٤) وإن كان الذي استقر عليه أمرهم العشرين، ورواية «ثلاث
وعشرين))(٣) حسب رأيها ثلاثة الوتر فإنه جاء أنهم كانوا يوترون بثلاث.
(فَكَانَ الْقَارِئُ) أي: الإمام (يَقْرَأْ بِالْمِئِينَ) أي: بالسور التي يزيد كل منها على
(١) أخرجه مالك (٢٥٠)، والبيهقي في «سننه» (٤٨٠٠).
(٢) تقدم تخريجه.
(٣) تقدم تخريجه.

١٤٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الخامس
مائة آية (حَقَّى كَنَّا نَعْتَمِدُ عَلَى الْعَصَا) وفي رواية: ((العصي)(١) فالأولى للجنس والثانية
تعليلية (مِنْ طُولِ الْقِيَامِ، فَمَا كَنَّا نَنْصَرِفُ إِلَّا فِي فُرُوعِ الْفَجْرِ) أي: أوائله وأعاليه إذا
فرع كل شيء أعلاه، والمراد: أوائل مقدماته، فلا ينافي ما يأتي أنه كانوا يتسحرون بعد
انصرافهم (رَوَاهُ مَالِكٌ).
والظاهر أن الحاضرين كانوا محصورين راضين بالتطويل، فلا ينافي أمره وَاه
بالتخفيف؛ لأنه محمول على خلاف ذلك لكن يعكر على أئمتنا أن المسجد مطروق،
وقالوا: حيث كان المسجد مطروقًا فالسنة التخفيف مطلقًا، وهو هنا ألَّا يزاد
في كل ليلة على جزء حيث يقسم القرآن كله على تراويح جميع الشهر، وقد يجاب بأن
ذلك من اجتهاد أبي أو تميم فلا يكون حجة على غيرها، ورضا من حضر لا يلحقه
بالإجماع السكوتي؛ لأن شروطه المذكورة في الأصول لم تتوفر في هذا التطويل،
وبتسليم توفرها هو إنما يدل على جواز التطويل، دون أفضيلته التي هي الكلام
فیھا.
١٣٠٣ - [عَنِ الأَعْرَج قَالَ: مَا أَدْرَكْتُ النَّاسَ إِلَّا وَهُمْ يَلْعَنُونَ الْكَفَرَةَ فِي
رَمَضَانَ، قَالَ: وَكَانَ الْقَارِئُ يَقْرَأْ سُورَةَ الْبَقَرَةِ فِي ثَمَانِي رَكَعَاتٍ، فَإِذَا قَامَ بِهَا فِي اثْنَتِيْ
عَشْرَةَ رَكْعَةٌ رَأَى النَّاسُ أَنَّهُ قَدْ خَفَّفَ (٩). رَوَاهُ مَالِكُ].
(عَنِ الأَعْرَجِ قَالَ: مَا أَدْرَكْتُ النَّاسَ إِلَّا وَهُمْ يَلْعَنُونَ الْكَفَرَةَ فِي رَمَضَانَ) أي:
في قنوت وتر نصفه الثاني، لما صح عن عمر على ما مر: السُّنَّة إذا انتصف رمضان
أن يُلعن الكفرة في الوتر بعد ((سمع الله لمن حمده)، ولما رَوَاهُ أَبُو دَاوُد أنه لما جمع
الناس على أبي لم يقنت بهم إلا في النصف الثاني(٣)، ولأجل ذلك استحسن أصحابنا
الإمام المحصورين بشروطهم أن يذكر في قنوت الوتر بعد ((اللّهُمَّ اهدنا فيمن هديت ...
(١) لم أقف على هذه الرواية.
(٢) أخرجه مالك (٢٥٢).
(٣) تقدم تخريجه.

١٤٣
تتمة كتاب الصّلاة / باب قيام شهر رمضان
إلخ)»(١) السابق ما كان عمر يقنت به في الصبح دون الوتر كما رواه البيهقي وغيره، وهو:
«اللَّهُمَّ إنا نستعينك ونستغفرك ونستهديك ونؤمن بك ... إلخ))(٢) وهو مشهور.
ومنه: «اللُّهُمَّ العن كفرة أهل الكتاب والمشركين الذين يصدون عن سبيلك ...
إلخ)(٣).
(قَالَ: وَكَانَ الْقَارِئُ يَقْرَأُ سُورَةَ الْبَقَرَةِ فِي ثَمَانِي رَكَعَاتٍ، فَإِذَا قَامَ بِهَا فِي الْنَتَى
عَشْرَةَ رَكْعَةً رَأَى النَّاسُ) فاعل (أَنَّهُ قَدْ خَفَّفَ) سد مسد مفعولي ((رأى)) أو الثاني
محذوف؛ أي: تخفيفه واقعًا (رَوَاهُ مَالِكٌ).
١٣٠٤ - [عَنْ عَبْدِ الله بْنٍ أَبِي بَكْرٍ قَالَ: سَمِعْتُ أُبَيَّ يَقُولُ: كُنَّا نَنْصَرِفُ فِي
رَمَضَانَ مِنَ القِيَامِ، فَنَسْتَعْجِلُ الْخَدَمَ بِالطَّعَامِ تَخَافَةَ فَوْتِ السّحُورِ، وَفِي أُخْرَى: مَخَافَةَ
الْفَجْرِ (٤). رَوَاهُ مَالِكٌ].
(عَنْ عَبْدِ الله بْنِ أَبِي بَكْرٍ قَالَ: سَمِعْتُ أُبَيَّا يَقُولُ: كُنَّا نَنْصَرِفُ فِي رَمَضَانَ
مِنَ القِيَامِ) أي: صلاة التراويح، سميت بذلك؛ لأنهم كانوا يطيلون القيام فيه لما مر
عن الحليمي أنه لكونهم يفعلونها عقب القيام من النوم؛ لأنهم كانوا يفعلونها قبله
كما مر (فَنَسْتَعْجِلُ الْخَدَمَ بِالطَّعَامِ) أي: تهيئته لنتسحر به (َخَافَةَ فَوْتِ السّحُورِ، وَفِي)
رواية (أُخْرَى: مَخَافَةَ الْفَجْرِ) والمعنى واحد (رَوَاهُ مَالِكٌ).
١٣٠٥ - [وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - عَنِ النَّبِيِّ ◌َّهِ قَالَ: هَلْ تَدْرِينَ مَا فِي
هَذِهِ اللَّيْلَةِ؟ - يَعْنِي: لَيْلَة النّصْفِ مِنْ شَعْبَان - قَالَتْ: مَا فِيهَا يَا رَسُول الله؟ قَالَ: فِيهَا
أَنْ يُكْتَبَ كُلّ مَوْلُودٍ مِنْ بَنِي آدَمَ فِي هَذِهِ السَّنِةِ، وَفِيهَا أَنْ يُكْتَبَ كُلّ هَالِك مِنْ بَنِي آدَمَ
فِي هَذِهِ السَّنةِ، وَفِيهَا تُرْفَعُ أَعْمَالُهُمْ، وَفِيهَا تَنْزِلُ أَرْزَاقُهِمْ، فَقَالَتْ: يَا رَسُول الله، مَا مِنْ
(١) تقدم تخريجه.
(٢) تقدم تخريجه.
(٣) أخرجه البيهقي (٢٩٦٢).
(٤) أخرجه مالك (٢٥٣).

١٤٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الخامس
أَحَدٍ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا بِرَحْمَة الله تَعَالَى؟ فَقَالَ: مَا مِنْ أَحَدٍ يَدْخُلُ الجَنَّةَ إِلَّ بِرَحْمَة
الله تَعَالَى ثَلَاثًا، قَالَتْ: وَلَا أَنْتَ يَا رَسُول الله؟ فَوَضَعَ يَده عَلَى هَامَتِهِ فَقَالَ: وَلا أَنَا،
إِلا أَنْ يَتَغَمَّدَنِيّ اللهُ بِرَحْمَتِهِ، يَقُولُهَا ثَلَاث مَرَّتِ(١). رَوَاهُ الْبَيْهَِيُّ فِي ((الدَّعَوَاتِ
الگبِیر))].
(وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - عَنِ النَّبِيِّ ◌َ﴿ قَالَ: هَلْ تَدْرِينَ مَا) يقع (مَا فِي
هَذِهِ اللَّيْلَة؟ - يَعْنِي: لَيْلَةِ النَّصْفِ مِنْ شَعْبَان - قَالَتْ: مَا) يقع (فِيهَا يَا رَسُول الله؟)
نبه بهذا الاستفهام التقريري على عظيم خطر هذه الليلة، وما يقع فيها لتحمل
ذلك الأمة بأبلغ وجه وآكده على إحيائها بالعبادة والدعاء والفكر والذكر (قَالَ: فِيهَا أَنْ
يُكْتَبَ كُلّ مَوْلُودٍ مِنْ بَنِي آدَمَ) خصوا بالذكر لشرفهم (فِي هَذِهِ السَّنةِ) الآتية إلى مثل
هذه الليلة.
(وَفِيهَا أَنْ يُكْتَبَ كُلّ هَالِكَ مِنْ بَنِي آدَمَ فِي هَذِهِ السَّنةِ، وَفِيهَا تُرْفَعُ أَعْمَالُهُمْ) في
هذه السنة، وحذف هذا من هذا وما بعده؛ للعلم به مما قبله إلى الملأ الأعلى، ولا ينافيه
رفعها كل يوم أعمال الليل بعد صلاة الصبح، وأعمال النهار بعد صلاة العصر، وكل
يوم إثنين ويوم خميس؛ لأن الأول رفع عام لجميع ما يقع في السَّنة، والثاني رفع خاص
لكل يوم وليلة، والثالث ما يقع في الأسبوع، وكأن حكمة تكرير هذا الرفع مزيد
تشريف الطائعين وتقبيح العاصين.
وقيد شارح الأعمال بالصالحة، وكان أخذه من قوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الكَلِمُ
الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر:١٠] وواضح أن الآية لا تدل لذلك؛ لأن المراد
بالرفع فيها القبول، وهو غير المراد في هذا الحديث.
(وَفِيهَا تَنْزِلُ أَرْزَاقُهِمْ) يحتمل أن المراد ينزل علم مقاديرها للموكلين بها أو
أسبابها كالمطر بأن ينزل إلى السماء الدنيا، أو من سماء الدنيا إلى السحاب الذي بينها
وبين الأرض، ولم أرَ في ذلك ما يوضح المراد، وقوله تعالى: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا
(١) أخرجه البيهقي في ((شعب الإيمان)) (٣٨٣٨).

٦٤٥
تتمة كتاب الصّلاة/ باب قيام شهر رمضان
تُوعَدُونَ﴾ [الذاريات: ٢٢] قد يشهد للثاني، واحتمال إرادة السحاب بالسماء خلاف
الظاهر.
قيل: هذا كله مأخوذ من قوله تعالى: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أُمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدخان: ٤].
انتهى.
وهو مبني على أن المراد في الآية هذه الليلة، وهو وإن قال به جماعة من السلف
إلا أن ظاهر القرآن بل صريحه يرده؛ لإفادته في آية أنه نزل في رمضان.
وفي أخرى: إنه نزل ليلة القدر، ولا تخالف بينهما؛ لأن ليلة القدر من جملة
رمضان، والمراد بهذا النزول: نزوله من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة في سماء الدنيا،
ثم نزل عليه وسلم متفرقًا بحسب الحاجة والوقائع، وإذا ثبت أن هذا النزول ليلة القدر
ثبت أن الذي يفرق فيها «كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدخان: ٤] في الآية هي ليلة القدر لا ليلة
النصف من شعبان، ولا نزاع أن ليلة نصف شعبان يقع فيها فرق كما صرح به
الحديث، وإنما النزاع في أنها المرادة من الآية.
والصواب: إنها ليست مرادة منها كما بينته بأبسط منها في كتابي السابق ذكره
حينئذٍ يستفاد من الحديث والآية وقوع ذلك الفرق في كلٍّ من الليلتين إعلامًا بمزيد
شرفهما، ثم لما ذكر كتاب الأعمال ورفعها وشرفها؛ فتقرير عائشة - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا -
إلى أن الأعمال الصالحة هل لها دخل في دخول الجنة حتى رفعت أو أنها مع ذلك لا
دخل لها؟ وإنما دخول الجنة بمحض رحمة الله، كما أفاده كتابتها في هذه الليلة
المتضمنة لإرادة الله تعالى وقوعها من العبد وتوفيقه لها فسألت عن صيغة ذلك.
(فَقَالَتْ:) على جهة الاستفهام التقريري الدال على مضمونه الكتابة كما تقرر (يَا
رَسُول الله، مَا مِنْ أَحَدٍ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا بِرَحْمَة اللّه تَعَالَى؟ فَقَالَ) وَلِهِ مقرر لما فعلته
ومكررًا له زيادة في التقرير والتأكيد ومبالغة في الرد على من اعتقد أو توهم أن للعمل
دخلاً في ذلك (مَا مِنْ أَحَدٍ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا بِرَحْمَة الله تَعَالَى) قال ذلك (ثَلَاثًا) ولا
يعارضه قوله تعالى ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الزخرف: ؟٧]

١٤٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الخامس
لأن العمل سبب صوري وسببه الحقيقي هو رحمة الله لا غير، على أنه من جملة الرحمة
بالعبد، فلم يدخل إلا بمحض الرحمة على كل تقدير، وقيل: الدخول بالرحمة وتفاوت
الدرجات بتفاوت الأعمال. انتهى.
وهو غير منصاع إليه مع ما قررته بل الأعمال سبب صورتي في الأمرين والرحمة
سبب حقيقي فيهما (قَالَتْ) فيه التفاوت (وَلَا أَنْتَ يَا رَسُول الله؟ فَوَضَعَ يَده عَلَى
هَامتِهِ) أي: رأسه إظهارًا لغاية الافتقار والذلة بين يدي الحق، وأنه من جملة عبيده
الذين شملتهم رحمته من فرقهم إلى قدمهم (فَقَالَ: وَلا أَنَا) فلا أدخلها إلا بمحض
رحمة الله تعالى، ولا أدخلها في زمن من الأزمنة (إِلَّا) في زمن (أَنْ يَتَغَمَّدَنِيَ اللهُ
بِرَحْمَتِهِ) أي: يلبسنيها ويسترني بها كما يستر السيف غمده؛ أي: غلافه.
(يَقُولُهَا) أي: هذه الجُمل وهي شهود التقصير وعدم القيام ((ولا أنا ... إلخ))
(ثَلَاث مَرَّات) أي: إعلامًا لنا بدوام الافتقار إلى الله تعالى، وألَّا يعدم لنا عملاً ولا أثرًا
صالحًا أبدًا، بل نداوم على شهود التقصير وعدم القيام بشيء واجب حق العبودية في
ذرة أو لحظة (رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي (الدَّعَوَاتِ الْكَبِيرِ))).
١٣٠٦ - [وَعَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ ﴾، عَنْ رَسُولِ الله ◌َِّ قَالَ: إِنَّ اللهَ تَعَالَى
◌َيَطَّلِعُ لَيْلَةَ النّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ، فَيَغْفِرُ لِجَمِيعٍ خَلْقِهِ إِلَّا لِمُشْرِكٍ أَوْ مُشَاحِنٍ(١). رَوَاهُ
ابْنُ مَاجَه].
(وَعَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ ﴾، عَنْ رَسُولِ اللهِوَ﴿ قَالَ: إِنَّ اللهَ تَعَالَى لَيَتَلِعُ لَيْلَةَ
النّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ) أي: يتجلى على خلقه بمظهر الرحمة العامة والإكرام الواسع
(فَيَغْفِرُ لِجَمِيعِ خَلْقِهِ) المكلفين (إِلَّا لِمُشْرِكِ) لاستحالة المغفرة له بنص قوله تعالى:
﴿إِنَّ اللّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ٤٨].
(أَوْ مُشَاحِنٍ) أي: معادٍ لغير عداوة محرمة بأن يكون بحظ النفس كأن يهجر
(١) أخرجه أحمد (٦٨٠١)، وابن ماجه (١٣٩٠)، وابن حبان (٥٦٦٥)، والطبراني (٢١٥)، والبيهقي في
(شعب الإيمان)) (٦٦٢٨)، وابن عساكر (٩٧/٥٤)، وابن أبي عاصم (٥١٢).

١٤٧
تتمة كتاب الصلاة/ باب قيام شهر رمضان
أخاه المسلم فوق ثلاثة أيام لغير مصلحة دينية ترجع للمهاجر أو المهجور، وعليه
يحمل بهاجر السلف المُدد المتطاولة (رَوَاهُ ابْنُ مَاجَه).
[وَرَوَاهُ أَحْمَدُ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ العَاصِ، وِفِي رِوَايَةٍ: إِلَّا لإِثْنَيْنِ مُشَاحٍِ
١٣٠٧
وَقَاتِلٍ نَفْسِ].
(وَرَوَاهُ أَحْمَدُ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ العَاصِ، وِفِي رِوَايَةٍ: إِلَّا لإِثْنَيْنِ) هما (مُشَاحٍِ
وَقَاتِلٍ نَفْسٍ) عمدًا أو شبه عمد، وبقيت مسببات في أحاديث أخر ذكرتها في الكتاب
السابق ذكره، وقول المشاحن بالمشرك تارة وبالقاتل أخرى إشارة إلى أن العداوة
الدنيوية تؤدي بصاحبها إلى القتل تارة، وهو كثير وإلى الكفر أخرى؛ إذ كثيرًا ما
يحمل استباحة دم القن وماله.
١٣٠٨ - [وَعَنْ عَلِىّ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلَ: إِذَا كَانَتْ لَيْلَةُ النَّصْفِ مِنْ
شَعْبَانَ فَقُومُوا لَيْلَهَا وَصُومُوا يَوْمَهَا، فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى يَنْزِلُ فِيهَا لِغُرُوبِ الشَّمْسِ إِلَى
السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فَيَقُولُ: أَلَا مِنْ مُسْتَغْفِرٍ فَأَغْفِرَ لَهُ؟ أَلَا مُسْتَرْزِقٌّ فَأَرْزُقَهُ؟ أَلَّا مُبْتَلَّى
فَأُعَافِيَهُ؟ أَلَا كَذَا أَلَا كَذَا حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ (١). رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهُ].
(وَعَنْ عَلِيٍّ عَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وََّ: إِذَا كَانَتْ لَيْلَةُ النّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ
فَقُومُوا لَيْلَهَا) يعني: بعضها إلى بعض الليل يطلق عليه ليل، ومنه الخبر السابق: ((كان
يصلي ليلاً طويلاً قائمًا وليلاً طويلاً قاعدًا)(٢) أو جوفها وكأنه مأخوذ من قولهم: ((ليل
الليل)) وبهذا يُستغنى عن قول الشارح: الظاهر يقتضي فقوموا فيها أو فقوموا ليلة
النصف، فأثبت الضمير اعتبارًا للنصف؛ لأنها عين تلك الليلة. انتهى.
ثم الأمر بقيامها يؤخذ منه ندب أصابها ولا كلام فيه، وإنما الكلام في الأحاديث
المعينة لصلاة كمائة ركعة بكيفيات مختلفة، فهي وإن رواها جماعة كأبي طالب المكي
(١) أخرجه ابن ماجه (١٣٨٨)، والبيهقي في (شعب الإيمان)) (٣٨٢٢)، والديلمي (١٠٠٧).
(٢) أخرجه مسلم (١٧٣٣)، وأبو داود (٩٥٦)، والترمذي (٣٧٦)، وابن ماجه (١٢٨٦)، وأحمد
(٢٥٤٠٦).

١٤٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الخامس
ووجه الإسلام أبي سالم الغزالي، وغيرهما مختلفة كذب موضوعة على النبي وقال لا يحل
لأحد روايتها ولا ذكرها إلا مع بيان حالها، وكذا ما روي من الصلاة ليلة الرغائب وهو
ليلة أول جمعة من رجب، وقد بسطت الكلام على ذلك مع بيان ما وقع بين الإمامين
الجليلين أبي محمد بن عبد السلام الملقب بسلطان العلماء وأبي عمرو عثمان بن
الصلاح من التخالف الشديد في ذلك، وأن الصواب مع ابن عبد السلام في رده عن
ابن الصلاح ميله إلى ندب تلك الصلوات المروية بعد موافقته له أولاً.
(وَصُومُوا يَوْمَهَا) لخصوصها، وأن يسن صومه من حيث كونه من البيض، ولما
كان في الأمر بقيامها وصوم نهارها غاية التشريف لها فرج عليه ما يحمل الناس على
ذلك فقال: (فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى يَنْزِلُ فِيهَا) معناه في باب قيام الليل فراجعه (لِغُرُوبِ
الشَّمْسِ) أي: عنده (إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَيَقُولُ: أَلَا مِنْ) زائد لتأكيد الاستغراق،
وحذفت مما بعد اعتناء بها عنه (مُسْتَغْفِرٍ فَأَغْفِرَ لَهُ) بالنصب على جواب العرض (أَلَا
مُسْتَرْزِقٌ فَأَرْزُقَهُ أَلَا مُبْتَلَّى) سألني العافية (فَأَعَافِيَهُ) ولا ينافي ذلك وجود كثير من
المبتلين يسألون العافية ولا يحاربون بعدم استجماعهم لشروط الدعاء.
ومن ثم قال الأكثرون: الاسم الأعظم هو الجلالة، وإنما لم يستجب لأكثر
الداعين بها لذلك (أَلَا كَذَا أَلَا كَذَا حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ. رَوَاهُ ابْنُ مَاجَه).

(باب صلاة الضحى)
أي: وقته وهو صدر النهار حتى ترتفع الشمس وتلقي شعاعها، وأضيفت له؛
لأن وقتها لا يدخل إلا بذلك على ما يأتي.
(الفصل الأول)
١٣٠٩ - [عَنْ أَمِّ هَانِئٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: إِنَّ النَّبِيَّ ◌َ دَخَلَ بَيْتَهَا يَوْمَ
فَتْحِ مَكَّةَ فَاغْتَسَلَ وَصَلَى ثَمَّانِي رَكَعَاتٍ، فَلَمْ أَرَ صَلَاةً قٌَ أَخَفَّ صَلَاةً مِنْهَا غَيْرَ أَنَّهُ
يُتِمُّ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ، وَقَالَتْ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: ذَلِك ضُحَى (١). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ].
(عَنْ أُمِّ هَانِئٍ) بهمزة بعد النون بنت أبي طالب واسمها فاختة (رَضِيَ اللهُ عَنْهَا
قَالَتْ: إِنَّ النَّبِيَّ ◌َهِ دَخَلَ بَيْتَهَا يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ فَاغْتَسَلَ وَصَلَّى ثَمَانِي رَكَعَاتٍ) هو في
الأصل منسوب إلى الثمن؛ لأن الجزء الذي صير السبعة ثمانية ثمنها، ثم فتحوا أوله؛
لأنهم يغيرون في النسب، وعوضوا إحدى ياءيه الألف، وقد يحذف ياؤه اكتفاء
بكسرة النون، وقد يفتح تخفيفًا.
(فَلَمْ أَرَ صَلَاةً قَطْ أَخَفَّ صَلَاةً مِنْهَا غَيْرَ) بنصبه على الاستثناء (أنَّهُ يُتِمُّ
الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ) احتاجت إليه؛ لئلا يتوهم مما قبله أنه ترك الطمأنينة فيهما، وكأنه
إنما لم يستثنِ الاعتدال والجلوس بين السجدتين، أيضًا لا يلزم من إتمام الركوع
والسجود إتمامها ولا يقال: تركتهما للخلاف فيهما؛ لأنها حالية لأفعاله وَل﴿ ولا يعلق
الرعاية الخلاف بذلك، على أن الأحاديث صحة بوجوب الطمأنينة فيهما فلِمَ لذلك
الخلاف احترام؟ وأيضًا وهم لم يعرف في زمن الصحابة.
قال بعض أصحابنا: ويسن السلام فيها من كل ركعتين؛ لأنه وَل﴾ صلاها فيما
(١) أخرجه البخاري (١١٧٦)، ومسلم (١٧٠٠)، والترمذي (٤٧٦)، وأحمد (٢٧٦٥٩)، والدارمي
(١٥٠٤)، والبيهقي في ((سننه)) (٥٠٩٩).
- ١٤٩ -

١٥٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الخامس
ذکر كذلك.
(وَقَالَتْ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: ذَلِك ضُحَى. مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ) ومنه أخذ المحاملي من أئمتنا
أنه يسن لمن دخل مكة وأراد أن يصلي الضحى أن يغتسل لها ويصليها أول يوم دخوله.
انتهى.
لا يقال لمن يرد: إنه اغتسل بنية الغسل لها فهو واقع حال، فاحتمل؛ لأنا نقول:
إن ذلك ظاهر قريب من الصريح، فأخذوا به مع غيره، وأخذ منه أكثر أئمتنا أيضًا أن
أكثر الضحى ثماني ركعات، واعترضه السبكي بأن الحديث ليس فيه تصريح بأن تلك
صلاة الضحى، فضلاً عن كون الثماني أكثرها، ويرد بما تقرر أن ذلك؛ أعني: كونها
صلاة الضحى ظاهر بل صح على شرط البخاري.
قالت أم هانئ: ((صلى النبي ◌َّ سُبحة الضحى ثماني ركعات يسلم في كل
ركعتين))(١) والسبحة بضم السين: الصلاة، وأما كون الثماني أكثرها فليس في الحديث
تصريح به، بل ولا ظهور له فيه، وإنما الذي يؤخذ منه أن الثماني أفضلها وإن كان
أكثرها ثنتي عشرة، وهو ما عليه كثيرون؛ لخبر أبي داود، قال ◌َّه: ((إن صليت الضحى
ركعتين لم تكتب من الغافلين، أو أربعًا كتبت من المحسنين أو ستًّا كتبت من
القانتين أو ثماني كتبت من الفائزين أو عشرًا لم يكتب عليك ذلك اليوم من ذنب،
أو ثنتي عشرة بنى الله لك بيتًا في الجنة))(٢).
ولا نظر لضعفه؛ لأن الضعف يفعل به في الفضائل، وتعجب بعضهم من كون
الثماني أفضل من الشنتي عشرة ممنوع بأن في التأسي به ول# ما يزيد على العدد الكثير،
ولم يرد عنه أنه زاد، صلى ثماني ولا بعد أن يجعل الشارع العدد القليل أفضل من
الكثير كالقصر أفضل من الإتمام، والراتبة أفضل من التراويح لمداومته 5# عليها دون
التراويح كما داوم على الثماني، بل لم يرد أنه فعل اثنتي عشرة وكما وقع الخلاف في
(١) أخرجه أحمد (١٢٩٢٥)، والبيهقي في («سننه» (٥١٠٢).
(٢) أخرجه البيهقي (٤٦٨٥)، والبزار (٣٨٩٠)، وابن أبي عاصم في ((الآحاد والمثاني)) (٩٨٧).

١٥١
تتمة كتاب الصلاة/ باب صلاة الضحى
صحة الإتمام كذلك وقع في الثنتي عشرة.
١٣١٠ - [وَعَنْ مُعَاذٍ قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ: كَمْ كَانَ رَسُولُ اللّهِ وَّهِ يُصَلِّ صَلَّةَ
الضُّحَى؟ قَالَتْ: أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، وَيَزِيدُ مَا شَاءَ الله (١). رَوَاهُ مُسْلِمٌ].
(وَعَنْ مُعَاذٍ قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ: كَمْ) ركعة وهو معمول لـ(يصلي)) (كَانَ
رَسُولُ اللهِ وَ﴿ يُصَلِّ صَلَاةَ الضُّحَى؟ قَالَتْ: أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ) يقتصر على ذلك مرة (وَيَزِيدُ)
مرة أخرى على الأربع (مَا شَاءَ الله) من الركعات (رَوَاهُ مُسْلِمُ) وقد يحتج به لقول
بعض أصحابنا أنه لا حصر لعدد ركعات الضحى كما لا حصر للوتر والتراويح.
ويجاب بأن هذا إنما يتم له فيما لم يسمِّه رسول الله وَلايه باسم خاص، فهذا هو
الذي يصلي منه الإنسان ما شاء، أما ما سُمي باسم خاص فيجب الاقتصار على ما بيَّنه
﴿﴿ كذلك الخاص بفعله أو قوله، والضحى والتراويح والوتر صلوات سماها ل* بأسماء
خاصة واقتصر فيها على عدد مخصوص، فلم يجز لنا الزيادة عليه من قِبَل أنفسنا بنية
ذلك الخصوص؛ لأنه أسلفناك على الشارع في بيانه، وهو شديد التحريم فتأمله، نعم
الزيادة على أكثرها من جاهل يقع له نقلاً مطلقًا.
١٣١١ - [وَعَنْ أَبِي ذَرّ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّةِ: يُصْبِحُ عَلَى كُلّ سُلَامَى مِنْ
أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ، فَكُلُّ تَسْبِيحَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَحْمِيدَةٍ صَدَقَةُ، وَكُلُّ تَهْلِيلَةٍ صَدَقَةُ، وَكُلُّ
تَكْبِيرَةٍ صَدَقَةٌ، وَيُجْزِئُ مِنْ ذَلِكَ رَكْعَتَانِ يَرْكَعُهُمَا مِنَ الضُّحَى (٢). رَوَاهُ مُسْلِمُ].
(وَعَنْ أَبِي ذَرّ ﴿ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: يُصْبِحُ عَلَى كُلُّ سُلَامَى) جمع سلامية،
وقيل: جمعه ومفرده واحد، وهي الأنملة أو ما بين كل مفصلين من الأصابع، أو كل
عظم صغير مجوف، وهي في الأصل: عظم يكون في فرسن(٣) البعير، وسيعلم من
(١) أخرجه مسلم (١٦٩٨)، وأحمد (٢٥٣٧٥)، وابن ماجه (١٤٤٤)، والبيهقي في («سننه» (٥٠٩٧).
(٢) أخرجه مسلم (٧٢٠)، والنسائي في ((الكبرى)) (٩٠٢٨)، وابن خزيمة (١٢٢٥)، وأحمد (٢١٥١٣).
(٣) فرسن، بكسر الفاء والمهملة بينهما راء ساكنة وآخره نون: هو عظم قليل اللحم، وهو للبعير
موضع الحافر للفرس. انظر: فتح الباري (٤٣/٨).

١٥٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الخامس
الحديث الآتي: في الإنسان ثلاثمائة مفصل، أن المراد هنا ما هو أعم من السلامى على
كل من معانيها المذكورة.
(مِنْ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ) اسم ((يصبح)) أي: على كل عظم ومفصل لابن آدم، وسيأتي
ما بها بيانها ثلاثمائة وستون مفصلاً أصبح سليمًا من الآفات باقيًا على الهيئة التي يتم
بها منافعه وأفعاله صدقة عظيمة، وشكرًا لمن صوره ووقاه عما يغيره ويؤذيه، و((على)) هنا
لتأكد ندب ذلك التصدق هو مراد بمعنى الوجوب في قوله، التقدير: تصبح الصدقة
واجبة على كله سلامى؛ إذ من الواضح أن تلك الصدقات وما ناب عنها من ركعتي
الضحى ليست واجبة حقيقة حتى يأثم تاركها.
(فَكُلُّ) الفاء لتفضيل تلك الصدقة وبه استغنى عن تعديد المفاصل (تَسْبِيحَةٍ
صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَخْمِيدَةٍ صَدَقَةُ، وَكُلُّ تَهْلِيلَةٍ صَدَقَّةٌ، وَكُلُّ تَكْبِيرَةٍ صَدَقَةٌ) لأن حكمة ترك
ذكر ((كل)) هنا الإشارة إلى ندرة وقوعها بالنسبة لما قبلهما، لا سيما من المعتزل عن
الناس، وترك ذكر الصدقة الحقيقية، وهي إخراج بعض المال لوضوحها بخلاف ما ذكر،
فإن في تسميته صدقة وإجزائه عن الصدقة الحقيقية المتبادر إرادتها من ظاهر الحديث
حقًّا، وأخذ منه أن الصدقة لها إطلاقان كما أشرت إليه.
(وَيُجْزِئُ) بضم أوله وفتحه من أجزأ وجزى؛ أي: يكفي (مِنْ) هو بمعنى عن
(ذَلِكَ) المذكور كله من التسبيح وما بعده (رَكْعَتَانِ يَرْكَعُهُمَا مِنَ الضُّحَى) فيه عظيم
فضل صلاة الضحى لمصليها هذا الثواب الجزيل والشكر العظيم، وأنه ينبغي المداومة
عليها وكذا كرَّه جماعة تركها، وإن أقلها ركعتان (رَوَاهُ مُسْلِمْ).
وكان سبب ذلك أن الركعتين مشتملتان على جميع ما ذكر حتى الأخيرين ﴿إِنَّ
الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥].
وظاهر قوله: ((من الضحى) إن ذلك لا يحصل بركعتين من غيرها وإن كان أفضل
منها كركعتي الفجر، وكأنه يرد بذلك أن النهار الحقيقي إنما يدخل بطلوع الشمس

١٥٣
تتمة كتاب الصّلاة/ باب صلاة الضحى
كما يصرح به الخبر الآتي: ((اركع لي أربع ركعات من أول النهار))(١) وما بعد الفجر
إليها إنما يُعطى حكم النهار تبعًا، وفي بعض الأحكام لا كلها، ومن ثم قال جمع: إن
صلاة الصبح ليلية لا نهارية، وأول صلاة تطلب بعد طلوع الشمس المشار إليه
بالإصباح صلاة الضحى وصلاة الإشراق.
قال جمع: إنها هي صلاة الضحى، وصح عن ابن عباس ذلك.
ومن جعلها غيرها كالغزالي كأنها عنده بمنزلة المقدمة لصلاة الضحى نظير ما
مر من مقدمة صلاة الليل، فكانت صلاة الضحى هي المقصودة بالذات فلم يحصل ذلك
بغيرها فتأمله، على أن الغزالي مع قوله بأنها غيرها يقول: ((لا يدخل وقتها إلا بارتفاع
الشمس كرمح)) وسيأتي قول شهير في الضحى: إن وقتها يدخل بالطلوع، فعليه تكون
سابقة لصلاة الإشراق فلم ترد أصلاً.
١٣١٢ - [وَعَن زَيْدِ بْن أَرْقَمَ ﴾ أَنَّهُ رَأَى قَوْمًا يُصَلُّونَ مِنَ الضُّحَى، لَقَدْ عَلِمُوا أَنَّ
الصَّلَاةَ فِي غَيْرِ هَذِهِ السَّاعَةِ أَفْضَلُ، إِنَّ رَسُولَ اللهِ وَلِ قَالَ: صَلَاةُ الأَوَّابِينَ حِينَ تَرْمَضُ
الْفِصَالُ](٢).
(وَعَن زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ﴿ أَنَّهُ رَأَى قَوْمًا يُصَلُّونَ مِنَ) ((من)) تبعيضية ودعوى
زيادتها هنا لا حاجة إليها على أنه رأى خفية، أو بيانية لمقدر؛ أي: صلاة هي الصبح، أو
ابتدائية؛ أي: صلاة مبتدأة من أول الوقت (الضُّحَى) في عز وقتها الفاضل فأنكر
عليهم برفق كما هو السنة لكل من رأى من يفعل خلاف الأفضل أو السنة، فقال:
(لَقَدْ) جواب قسم محذوف (عَلِمُوا أَنَّ الصَّلَاةَ) المذكورة التي هي صلاها الضحى (في
غَيْرِ هَذِهِ السَّاعَةِ أَفْضَلُ إِنَّ) يجوز فتحها وكسرها (رَسُولَ الله وَ قَالَ: صَلَاةُ الأَوَّابِينَ)
(١) أخرجه أحمد (٢٢٥٢٦)، والترمذي (٤٧٥) وقال: حسن غريب، وأبو داود (١٢٨٩)، والبيهقي
(٤٦٦)، والطبراني (٧٧٤٦).
(٢) أخرجه مسلم (٧٤٨)، وأحمد (١٩٢٨٩)، والطيالسي (٦٨٧)، وعبد بن حميد (٢٥٨)، والدارمي
(١٤٥٧)، وابن أبي شيبة (٧٧٨٥)، وابن خزيمة (١٢٢٧)، وابن حبان (٢٥٣٩).

١٥٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الخامس
جمع: أواب؛ أي: كثير الرجوع إلى الله تعالى بالتوبة، وقيل: المسبِّح، وقيل: المطيع، وسميت
بذلك للخبر الصحيح: ((لا يحافظ على صلاة الضحى إلا أواب)»(١) وهي صلاة الأوابين.
(حِينَ تَرْمَضُ) بفتح التاء والميم (الْفِصَالُ) جمع: فصل؛ أي: وقتها الأفضل حين
يترك الفصال من شدة حر الرمضاء بالمد؛ أي: الرمل في أخفافها، وهي عند مضي ربع
النهار؛ وذلك لأن النفوس تميل فيه إلى الدعة ويتهيأ فيه للخلوة والنوم، فأشبه جوف
الليل.
ومن ثم فسر الشفع والوتر في الآية بهذه الصلاة في هذا الوقت، والوتر في جوف
الليل، فلذا عظم فضل إحياء هذين الوقتين فطمًا للنفس عن مألوفها، وتأنسًا بالوقوف
بین یدي الحق ومناجاته.
وأخذ أئمتنا من ذلك أن هذا وقتها المختار؛ لئلا يخلو كل ربع من النهار عن
الصلاة، وأما وقت جوازها فيستمر إلى الاستواء.
(الفصل الثاني)
١٣١٣ - [عَنْ أَبِ الَّرْدَاءِ وَأَبِي ذَرِّ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - قَالَا: قَالَ رَسُولُ الله ◌َّ
عَنِ الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى إِنَّهُ قَالَ: يَا ابْنَ آدَمَ ارْكَعْ لِي أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ أَكْفِكَ
آخِرَهُ(٢). رَوَاهُ التّرْمِِيُّ].
(عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ وَأَبِي ذَرِّ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ عَنِ الله
تَبَارَكَ وَتَعَالَى إِنَّهُ قَالَ: يَا ابْنَ آدَمَ ارْكَعْ لِي) فيه إشارة إلى مزيد الاعتناء بأمر
الإخلاص وهو إفراد الله تعالى بالعبادة بألّا يفعلها إلا بمحض التقرب إليه وامتثال
أمره (أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ مِنْ أَوَّلِ التَّهَارِ أَكْفِكَ) بقضاء حوائجك وتيسير أمورك ودفع كل
مكروه عنك (آخِرَهُ) أي: من فراغ تلك الأربع آخره ﴿جَزَاءً وِفَاقًا﴾ [النبأ: ٢٦] لأنك لما
(١) أخرجه الحاكم (١١٨٢)، والطبراني في ((الأوسط)) (٣٨٦٥)، وابن خزيمة (١٢٢٤).
(٢) أخرجه أحمد (٢٢٥٢٢)، وأبو داود (١٢٨٩)، والترمذي (٤٧٥) وقال: حسن غريب، والبيهقي
(٤٦٦)، والطبراني في ((الشاميين)) (٢٩٤)، والدارمي (١٥٠٣).

١٥٥
تتمة كتاب الصلاة/ باب صلاة الضحى
فرغت بالك لي أوله باشتغالك بتلك العبادة الفاضلة فرغت بالك بعدها بإعطائك ما
ذكرت (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ).
١٣١٤ - [وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالدَّارِمِيُّ عَنْ نَعِيمِ بْنِ هَمَّارِ الْغَطَفَانِي، وَرَوَاهُ أَحْمَدُ عَنْهُم].
(وَرَوَاهُ) حذفت في نسخة، والوجه إثباتها لاختلاف الراوي (أَبُو دَاوُد وَالدَّارِمِيُّ
عَنْ نَعِيمِ بْنِ هَمَّار الْغَطَفَانِي وَرَوَاهُ أَحْمَدُ عَنْهُم) أي: الثلاثة الأولين، ونعيم وسنده
صحیح.
وقوله: ((أربع ركعات)) دليل لقول أصحابنا أن الأربع أدنى كمالها وفوقها ست
ركعات.
وقوله: ((من أول النهار)) دليل واضح على أنه يدخل وقتها بطلوع الشمس، وهو ما
نقله النووي في ((الروضة)) عن الأصحاب، لكن نوزع في هذا النقل، بل صحح في غير
((الروضة)) أنه لا يدخل إلا بارتفاع الشمس كرمح، واعتمده المتأخرون واستدل له
بعضهم بخبر عمرو بن عنبسة في ((صحيح مسلم) وغيره، وعلى الأول يسن التأخير إلى
هذا خروجًا من الخلاف، وعلى الثاني فالأول في الحدیث یستثنى.
١٣١٥ - [وَعَنْ بُرَيْدَةَ ﴾ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِوَهِ يَقُولُ: فِي الْإِنْسَانِ ثَلَاثُمِائَةٍ
وَسِتُّونَ مَفْصِلاً، فَعَلَيْهِ أَنْ يَتَصَدَّقَ عَنْ كُلِّ مَفْصِلٍ مِنْهُ بِصَدَقَةٍ، قَالُوا: وَمَنْ يُطِيقُ ذَلِكَ
يَا نَبِيَّ الله؟ قَالَ: النُّخَاعَةُ فِي الْمَسْجِدِ تَدْفِئُهَا، وَالشَّيْءُ تُنَحِّيهِ عَنِ الطَّرِيقِ، فَإِنْ لَمْ تَجِدْ
وَرَكْعَتَا الضُّحَى تُجْزِئُكَ(١). رَوَاهُ أَبُو دَاوُد].
(وَعَنْ بُرَيْدَةَ ﴿ه قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ◌َ يَقُولُ: فِي الْإِنْسَانِ ثَلَاثُمِائَةٍ وَسِتُّونَ
مَفْصِلاً) بفتح أوله وكسر ثالثه (فَعَلَيْهِ أَنْ يَتَصَدَّقَ عَنْ كُلِّ مَفْصِلٍ مِنْهُ بِصَدَقَةٍ) سبق
أن ((على)) هنا لإفادة تأكد ندب ذلك، فقول شارح: ويدل على أن تقرير الوجوب في
حديث (يصبح)) قوله هنا: ((فعليه)) إن أراد بالوجوب ما قلناه فواضح وإلا فهو في غير
(١) أخرجه أبو داود (٥٢٤٤)، وأحمد (٢٣٧٠٠).

١٥٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الخامس
محله؛ إذ لم يقل أحد بوجوب ذلك.
(قَالُوا: وَمَنْ يُطِيقُ ذَلِكَ) أي: التصدق بثلاثمائة وستين صدقة المستفاد من
قوله: ((فعليه ... إلخ)) (يَا نَبِيَّ الله) أتوا بهذا إشارة إلى أنه لا يدرك ذلك إلا بالإنباء عن
الحق؛ إذ لا مجال للعقل فيه.
(قَالَ) كلكم يطيق ذلك؛ إذ ليس المراد حقيقة الصدقة بالمال حتى يعسر، بل
هو أعم من ذلك، وقول أو فعل كل ما فيه ثواب كما أفاد ذلك كله بقوله مؤثرًا
للخطاب العام في قذفها على حدٍّ: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ﴾ [الأنعام: ٢٧] على أحد
التأويلين؛ لئلا يتوهم الاختصاص بهم لو خاطبهم (النُّخَاعَةُ) أي: النخامة التي تراها
(في الْمَسْجِدِ) من غيرك ثم (تَدْفِئُهَا) صدقة من جملة تلك الصدقات؛ لأن دفنها
حينئذٍ سنة مؤكدة كما فعله ول# وجبت عليه.
أمَّا نخامته هو فيجب عليه دفنها؛ لأنه ارتكب حرامًا بفعلها، فلزمه قطعها
بدفنها الذي جعله الشارع كفارة كذلك، وبما قررته من حذف الخبر الدال عليه
كالذي وطأت به السياق، والمتضح به تمام المطابقة بين الجواب والسؤال اندفع ما قيل:
الظاهر أن يقال في حوائجهم: من يدفن النخاعة في المسجد، فعدل عنه إلى الخطاب
العام اهتمامًا بشأن هذه الخلال، وإن كل من شأنه أنه يخاطب بخطاب ينبغي أن يهتم
بها. انتهى.
(وَالشَّيْءُ) الذي يؤذي المارة في طريقهم (تُنَحِّيهِ عَن الطَّرِيقِ) صدقة لما فيه من
النفع العام للمسلمين، ويصح نصب ((النخاعة)) و((الشيء» بالفعلين بعدهما، وحينئذٍ
فوجه العدول ما ذکر.
(فَإِنْ لَمْ تَجِدْ) نخامة ولا أذى بطريق، ولا أردت نحو تسبيح مما مر كما دل عليه
(يصبح)) (وَرَكْعَتَا الضُّحَى تُجْزِئُكَ) صلاتهما عن ذلك كله كما مرَّ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدِ).
فإن قلت: ظاهر ذلك الحديث إجزاء ركعتي الضحى لمن قدر على ذلك أيضًا،
فكيف الجمع بين الحدیثین؟

١٥٧
تتمة كتاب الصلاة/ باب صلاة الضحى
قلت: نعم يمكن بأن يجعل التقييد فـ((لم تجد)) هنا لبيان الأكمل؛ إذ لا يبعد
أن يكون الإتيان بثلاثمائة وستين صدقة مما هو أفضل من ركعتي الضحى وإن كانت
الصلاة أفضل عبادات البدن؛ لأنه بالنسبة للجنس لا باعتبار الأفراد، ومن ثم قال
الأئمة: لا تقول: ((إن صلاة ركعتين أفضل من صوم يوم)) ففي هذا الحديث بيَّن
الأفضل، وفي ذلك بيَّن مطلق الآخر، فلا ينافي.
١٣١٦ - [وَعَنْ أَنَسِ هِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: مَنْ صَلَّ صَلَاة الضُّحَى ثِنْتَيْ
عَشْرَةَ رَكْعَةً بَنَى اللهُ لَهُ قَصْرًا مِنْ ذَهَبٍ فِي الْجَنَّةِ(١). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهُ، وَقَالَ
التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ هَذَا الوَجْهِ].
(وَعَنْ أَفَس ◌َ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّةِ: مَنْ صَلَّ صَلَاة الضُّحَى ثِنْتَيْ عَشْرَةَ
رَكْعَةً بَنَى اللهُ لَهُ قَصْرًا مِنْ ذَهَبٍ فِي الْجَنَّةِ. رَوَاهُ التِّزْمِذِيُّ وابْنُ مَاجَهُ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ:
هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ) أي: إسناده (إِلَّا مِنْ هَذَا الوَجْه) الذي ذكرناه، ومرَّ الكلام
عليه مستوفي، وإنه دال على أن أكثر الضحى ثنتا عشرة ركعة، وإن أفضلها ثماني
ركعات للاتفاق على صحة حديثها وضعف حديث تلك؛ ولأنه لم يحفظ فعله وليد
لأکثر منها.
١٣١٧ - [وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ أَنَسِ الْجُهَنِيِّ ◌َ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: مَنْ قَعَدَ فِي
مُصَلَّهُ حِينَ يَنْصَرِفُ مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ وَيُسَبِّحَ رَكْعَتَي الضُّحَى، لَا يَقُولُ إِلَّا خَيْرًا غُفِرَ لَهُ
خَطَايَاهُ، وَإِنْ كَانَتْ أَكْثَرَ مِنْ زَبَدِ الْبَحْرِ(٢). رَوَاهُ أَبُو دَاوُد].
(وَعَنْ مُعَاذٍ بْنِ أَنَّسِ الْجُهَنِيِّ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَثِ: مَنْ قَعَدَ فِي مُصَلَّهُ)
الذي صلى فيه الصبح (حِينَ يَنْصَرِفُ) أي: يسلم (مِنْ صَلَاةِ الصُّبْح) يذكر الله تعالى
حتى تطلع الشمس (وَيُسَبِّحَ) أي: يصلي (رَكْعَتَ الضُّحَى لَا يَقُولُ) في مجلسه ذلك من
حين سلامه من الصبح إلى تحريمه بركعتي الضحى (إِلَّا خَيْرًا) أي: ما فيه ثواب من
(١) أخرجه الترمذي (٤٧٥)، وابن ماجه (١٤٤٣).
(٢) أخرجه أبو داود (١٢٨٧)، والطبراني (٤٤٢)، والبيهقي (٤٦٨٦)، وأحمد (١٥٦٦١).

١٥٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الخامس
قرآن أو ذكر (غُفِرَ لَهُ خَطَايَاهُ) الصغائر المتعلقة بالله تعالى كما مرَّ في نظائره (وَإِنْ
كَانَتْ أَكْثَرَ مِنْ زَبَدِ الْبَحْرِ- رَوَاهُ أَبُو دَاوُدِ).
وفي هذا من عظم الفضل ما يحمل كل من له أدنى همة إلى خير على ملازمة ذلك
وإدامته، وصحَّ في نحو ذلك أنه لـ((حجة تامة تامة))(١) وهو مقارب لما هنا؛ لأن الحج
الذي لا رفث فيه ولا فسوق يخرج صاحبه من ذنوبه كيوم ولدته أمه، وهذا موافق
لهذا الثواب فلا تخالف بينهما.
(الفصل الثالث)
١٣١٨ - [عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَظَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ﴾: مَنْ حَافَظَ عَلَى شُفْعَةٍ
الضُّحَى غُفِرَتْ لَهُ ذُنُوبُهُ وَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ(٢). رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنِ مَاجَه].
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: مَنْ حَافَظَ) أي: داوم (عَلَى شُفْعَةٍ)
بضم أوله وفتحه (الضُّحَى) أي: ركعتين منها، ويحتمل أربع أو ست أو ثماني أو عشر أو
ثنتا عشر ركعة والمتيقن إرادته من الحديث هو الأول إذا الشفع: الزوج، وتأنيثه لرعاية
الفضيلة الواحدة أو الصلاة (غُفِرَتْ لَهُ ذُنُوبُهُ) بالمعنى السابق (وَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ
الْبَحْرِ. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنِ مَاجَه) وعبرهنا بـ((مثل)) وفيما قلته بالأكثر؛ لأن ما
في ذاك أشق فكانت الزيادة به أحق.
١٣١٩ - [وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - أَنَّهَا كَانَتْ تُصَلِّ الضُّحَى ثَمَانِيَ رَكَعَات،
ثُمَّ تَقُولُ: لَوْ نُشِرَ لِي أَبَوَايَ مَا تَرَكْتُهُمَا(٣). رَوَاهُ مَالِكٌ].
(وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - أَنَّهَا كَانَتْ تُصَلِّ الضُّحَى ثَمَانِيَ رَكَعَات) تَأْسِيًّا
بفعله ◌َ﴿ للثماني المأخوذ منه كما مر أنها أكثرها أو أفضلها (ثُمَّ تَقُولُ) تحريضًا للأمنة
على المحافظة عليها أو إدامة فعلها (لَوْ نُشِرَ) أي: أحيا (لِي أَبَوَايَ مَا تَرَكْتُهُمَا) تعليق
(١) أخرجه الترمذي (٥٨٦) وقال: حسن غريب.
(٢) أخرجه أحمد (٩٧١٤)، والترمذي (٤٧٦)، وابن ماجه (١٣٨٢)، وإسحاق بن راهويه (٣٢٩).
(٣) أخرجه مالك (٣٦٢).

١٦٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الخامس
الصديق أفضل منه وأعلم أن الإنسان يطلع من حال أبيه على ما لم يطلع عليه من
أفعال غیره.
(قُلْتُ: قَالَ: النَّبِيُّ ◌َ﴿؟) كان يصليها (قَالَ: لَا إِخَالُهُ) بكسر أوله وهو الأصح
الأكثر، وفتحه وهو القياس؛ أي: لا أظنه كان يصليها (رَوَاهُ الْتُخَارِيُّ).
وأخذ بعضهم من هذا ومن قوله مرة أخرى: ((إنها بدعة))(١).
ومرة أخرى: «لا آمر بها ولا أنهى عنها)».
ومن قول عائشة: ((ما رأيت النبي (وَلّ صلاها)).
ومن قول أبي بكرة، وقد رأى ناسًا يصلونها: ((أمَّا أنتم تصلون صلاة ما صلاها
رسول الله ﴿ ﴿ ولا أصحابه)) أنه لا يسن فعلها، بل زعم بعضهم كراهتها، ورفعه
الجمهور بأن مراد عائشة الرؤية البصرية (أو الفؤادية]؛ لأنه لم يكن عندها في نوبتها،
وحملها على الرؤية العلمية، لما مرَّ في حديث مسلم عنها: ((كان يصلي الضحى أربعًا
ويزيد ما يشاء))(٩).
وقول ابن عمر المذكور إنما هو؛ لأنه لم يبلغه الأحاديث السابقة الصريحة في
فعله ﴿﴿ فقال تلك المقالات اجتهادًا منه، والجواب عن قوله: ((بدعة)) بأنه أراد أن
البدعة في إظهارها في المساجد كما كانوا يفعلون؛ لأنه يحتاج إليه، بل هو موهم
خلاف ما صرح به جمع من أئمتنا أنه يسن فعلها في المسجد إلا أن يقال: إن قوله:
((كما كانوا يفعلون)» بنفي ذلك التوهم إن أريد به أنهم كانوا يتظاهرون بها في المساجد
على هيئة غير مشروعة، وبأن المواظبة عليها بدعة؛ لأنه ولو كان يتركها أحيانًا غير
صحيح؛ لما مرأن علة الترك مخافة الافتراض أو توهمه، وقد زال ذلك بموته ولات.
(١) أخرجه البخاري (١٧٧٥)، ومسلم (٣٠٩٦)، وأحمد (٦٢٦٩)، والطبراني (١٣٣٤٢).
(٢) تقدم تخريجه.

١٥٩
تتمة كتاب الصّلاة/ باب صلاة الضحى
بالمحال للمبالغة في عدم تركها؛ أي: لو خصصت بإحياء أبواي الذي لا ألذ منه من لذات
الدنيا عند من لا ولد له وقيل لي: ((اتركي لذة فعلها في مقابلة تلك اللذة)) ما تركت ذلك؛
إيثارًا لذة الأخروية، وإن دعا الطبع الجبلي إلى تقديم تلك اللذة الدنيوية (رَوَاهُ مَالِكُ).
١٣٢٠ - [وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ◌َ﴾ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَِّ يُصَلِّ الضُّحَى حَتَّى
نَقُولَ: لا يَدَعُهَا، وَيَدَعُهَا حَتَّى نَقُولَ: لَا يُصَلِّيهَا (١). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ].
(وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﴾ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللّه وَّهِ يُصَلِّ الضُّحَى حَتَّى نَقُولَ:
لا يَدَعُهَا، وَيَدَعُهَا حَتَّى نَقُولَ: لَا يُصَلِّيِهَا. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) وحكمة ذلك: ما في الحديث
الصحيح أنه إنما كان يفعلها أحيانًا ويتركها أحيانًا مخافة أن تفرض كما في التراويح،
ولا ينافي ذلك أن الضحى كانت واجبة عليه وسلم؛ لأن المراد به أنها كانت واجبة عليه
في الجملة لا في كل يوم، وقد يشكل على هذا أن من خصائصه ولو أنه إذا عمل عملاً
داوم عليه، إلا أن يجاب بأن محل ذلك فيما لم يحسن افتراضه أو توهم افتراضه، أو بأن
المراد بالمداومة عليه أنه لا يقطعه من أصله لا أنه يفعله كل يوم.
وقد صح: («إنه * كان يصوم حتى يقال: لا يفطر، ويفطر حتى يقال: لا
يصوم))(٢) وإنه قضى سُنَّة الصبح بعد الشمس ولم يداوم عليها بخلاف سنة الظهر
البعدية، فإنه قضاها بعد العصر فداوم عليها، نعم الفرق بينهما خفي جدًّا إلا أن يقال:
المداومة في وقت الكراهة هي التي تظهر بها الخصوصية بخلافها في غيرها.
١٣٢١ - [وَعَنْ مُوَرِّقِ الْعِجْلِيِّ قَالَ: قُلْتُ لِابْنِ عُمَرَ: تُصَلِّ الضُّحَى؟ قَالَ: لَا، قُلْتُ:
فَعُمَرُ؟ قَالَ: لَا، قُلْتُ: قَالَ: النَّبِيُّ ◌َّهِ؟ قَالَ: لَا إِخَالُهُ(٣). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ].
(وَعَنْ مُؤَرِّقِ الْعِجْلِيّ قَالَ: قُلْتُ لِاِبْنِ عُمَرَ: تُصَلِّ) بحذف أداة الاستفهام
(الضُّحَى؟ قَالَ: لَا، قُلْتُ: فَعُمَرُ؟) كان يصليها (قَالَ: لَا) وكان حكمة تقديم عمر مع أن
(١) أخرجه الترمذي (٤٧٩)، وأحمد (١١٤٥٤).
(٢) أخرجه أحمد (٢٢٣٨٥)، والطبراني (٥٦٧٣).
(٣) أخرجه البخاري (١١٧٥).