النص المفهرس

صفحات 101-120

١٠١
تتمة كتاب الصلاة/ باب الوتر
بِاللَّيْلِ وِتْرًا. رَوَاهُ مُسْلِمٌ) فيسن جعل الوتر الأقل منه والأكمل بعد صلاة الليل التي
يريد فعلها، سواء الراتبة والتراويح والتهجد والنفل المطلق، وكأن حكمة ذلك أن الوتر
أفضل من هذه الصلوات الليلية، فندب وقوعه عقبها ليختم عمله بالأفضل، فيعود
علیه بركته ويجبر نقصه.
ويستفاد من الحديث: أنه يسن ألَّا يتعمد صلاته بعد الوتر، فإن زاد صلاة قال
الشافعي: أحببت له أن يفضلها عنه، ومن اتفق أن صلاته وَله بعده إنما هي لبيان
الجواز لا يقال: يؤخذ من هذا الحديث أن الوتر غير التهجد؛ لأنا نقول في ذلك خلاف
لأصحابنا، والصحيح أنه غيره باعتبار؛ إذ بينهما عموم وخصوص وجهين كما مر أوائل
صلاة الليل، فالوتر بعد النوم تهجد يخرج به عن عهده الأمر بالتهجد خلافًا لبعضهم
.... ](١).
ومن قال: ((إنه تهجد)) قال الطبري: معناه: لا أنه يحصل له أجر التهجد؛ أي:
أصله لا كماله كما هو ظاهر وإن لم يسمَّ متهجدًا اصطلاحًا، بل ولا لغة على الأشهر،
يقال: هجد إذا نام، وتهجد إذا زال النوم بتكلف، أو إذا نام فهو من الأضداد.
١٢٥٩ [وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ◌َ﴿ قَالَ: بَادِرُوا الصُّبْحَ بِالْوِتْرِ(٢). رَوَاهُ مُسْلِمٌ].
(وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ وَ قَالَ: بَادِرُوا الصُّبْحَ بِالْوِتْرِ- رَوَاهُ مُسْلِمٌ) أي: سارعوا بإيقاع
الوتر قبل الفجر؛ ليقع في وقته الفاضل لا لفوات فعله به خلافًا لمالك وأحمد وغيرهما،
لما مرَّ آنفًا من الأحاديث المصرحة بأن النوافل تُقضى إذا فات وقت أدائها.
لا يقال: قضية هذا الحديث أن الأولى تأخير الوتر إلى آخر الليل مطلقًا؛ لأنا
نقول: ليس قضيته ذلك، وإنما قضيته ندب المبادرة به قبل الصبح لمن أراد تأخيره،
وأمَّا كون تأخيره أفضل أو مفضولاً فلا تعرض فيه لذلك على أن التفضيل المقرر في
(١) في الأصل: ((وقلبه نزلاً تهجد)).
(٢) أخرجه مسلم (٧٥٠)، والترمذي (٤٦٧) وقال: حسن صحيح، وابن حبان (٢٤٤٥)، وأحمد
(٤٩٥٢)، وأبو داود (١٤٣٦)، وابن خزيمة (١٠٨٨)، والحاكم (١١٢٤).

١٠٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الخامس
ذلك عندنا يصرح به الحديث الذي ذكره بقوله.
١٢٦٠ - [وَعَنْ جَابِرِ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وََّ: مَنْ خَافَ أَلا يَقُومَ مِنْ آخِرِ
اللَّيْلِ فَلْيُوتِرْ أَوَّلَهُ، وَمَنْ طَمِعَ أَنْ يَقُومَ آَخِرَهُ فَلْيُوتِرْ آخِرَ اللَّيْلِ، فَإِنَّ صَلَاةَ آخِرِ اللَّيْلِ
مَشْهُودَةٌ، وَذَلِكَ أَفْضَلُ(١).
(وَعَنْ جَابِرٍ فَ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَهُ: مَنْ خَافَ أَلا يَقُومَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ
فَلْيُوتِرْ أَوَّلَهُ) بعد سنة العشاء وغيرها مما يريده من غير الوتر كما علم من الحديث
السابق.
(وَمَنْ طَمِعَ أَنْ يَقُومَ آخِرَهُ) أي: غلب على ظنه ذلك بنفسه أو بغيره (فَلْيُوتِرْ آخِرَ
اللَّيْلِ) كان وجه العدول عن ((آخره)) الذي هو القياس ما فيه من التكرير المؤدي إلى
النفل (فَإِنَّ صَلَاةَ آخِرِ اللَّيْلِ مَشْهُودَةٌ) بملائكة الليل، فإنهم يصعدون بعد صلاة
الصبح ولملائكة النهار، فإنهم ينزلون قبل صلاة الصبح أو للملائكة الطائفين على
المتعبدين للسلام والبركة والاستغفار.
(وَذَلِكَ) أي: فعل الصلاة آخر الليل خلافًا لمن زعم رجوعه إلى فعلها أوله
صحيحًا بأن ((ذلك)) إنما يشار بها للبعيد؛ لأنه يشار بها للقريب أيضًا إشارة إلى بُعد
منزلته كما في: ﴿ذَلِكَ الكِتَابُ لَّا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة:٢].
(أَفْضَلُ) لما ذكر من شهادة الملائكة لها؛ ولأنها تقع في وقت التجلي الأعظم
المتكفل بكل مطلوب ومسئول.
١٢٦١ - [وَعَنْ عَائِشَة - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: مِنْ كُلِّ اللَّيْلِ أَوْتَرَ رَسُولُ الله
مِنْ أَوَّلِ اللَّيْلِ وَأَوْسَطِهِ وَآخِرِهِ، وانْتَهَى وِتْرُهُ إِلَى السَّحَرِ(٢). مُتَّفَقَّ عَلَيْهِ].
وست
(١) أخرجه مسلم (٧٥٥)، والترمذي (٤٥٥) وقال: حسن غريب، وأحمد (١٤٤٢١)، وابن ماجه
(١١٨٧)، والبيهقي (٤٦١٥)، وابن خزيمة (١٠٨٦)، وعبد الرزاق (٤٦٢٣)، وابن أبي شيبة
(٦٧٠٧)، وأبو يعلى (٢١٠٦)، وأبو عوانة (٢٩١/٢)، وابن حبان (٢٥٦٥).
(٢) أخرجه البخاري (٩٩٦)، ومسلم (١٧٧١)، والترمذي (٤٥٩)، وأحمد (٢٦٤٤١)، والنسائي
L

١٠٣
تتمة كتاب الصلاة/ باب الوتر
(وَعَنْ عَائِشَة - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: ((مِنْ))) هي بيان بمعنى تبعيضية أو
ابتدائية (كُلِّ اللَّيْلِ) أي: أجزائه (أَوْتَرَ رَسُولُ اللهِ وَ مِنْ أَوَّلِ اللَّيْلِ وَأَوْسَطِهِ وَآخِرِهِ)
بدل مما قبله بإعادة الجار ولا ينافيه التغيير بالأول والوسط والآخر؛ لأن المراد أجزاء
كل من هذه الثلاثة الأقسام المستغرقة لليل فساوت ما قبلها، ويصح كونها بيانية لمعنى
البعضية أو لكل بناء على أنها ابتداء (وانْتَهَى وِتْرُهُ إِلَى السَّحَرِ) أي: كان غالب فعله
حينئذٍ كما يدل عليه أيضًا روايات أُخر، وإنما حملته على هذا ليفيد فائدة لا تُعلم من
سابقه وهو قوله: ((وآخره)» (مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ).
١٢٦٢ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: أَوْصَانِي خَلِيلِي بِثَلَاثٍ: صِيَامٍ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ
شَهْرٍ، وَرَكْعَتَي الضُّحَى، وَأَنْ أوترَ قَبْلَ أَنْ أَنَامَ (١). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ].
(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: أَوْصَانِي خَلِيلِي) فعيل بمعنى مفعول؛ أي: وافقته في
جلاله وسايرته في طريقه، ومن الخل وهو الطريق في الرمل، أو سددت خلله كما سد
خللي، أو انقطعت إليه، ولا ينافي ذلك قوله وَله: ((لو كنت [متخذًا](٢) خليلاً غير ربي
لاتخذت أبا بكر خليلاً، ولكن أخوة الإسلام)»(٣) أي: لو كنت منقطعًا إلى غير الله
تعالى لا نقطعت إلى أبي [بكر](*) ولو اتسع قلبي لغير الله لا تسع؛ أي: نحو ذلك؛ أي: لم
يبقَ فيه موضعًا لغير الله تعالى؛ لأن معنى الخلة المشار إليه بما ذكرناه الموافق بعضه
لقول القائل:
د
(١٦٩٢)، وابن ماجه (١٢٤٢)، والدارمي (١٦٣٩).
(١) أخرجه البخاري (١٩٨١)، ومسلم (١٧٠٥)، والترمذي (٤٥٧)، وأحمد (٧٦٦٧)، والدارمي
(١٥٠٦).
(٢) سقطت من الأصل.
(٣) أخرجه البخاري (٤٥٤)، ومسلم (٢٣٨٢)، وأحمد (١١١٥٠)، والترمذي (٣٦٦٠) وابن حبان
(٦٨٦١).
(٤) سقطت من الأصل.

١٠٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الخامس
قد تخللت مسلك الروح مني وبهذا سُمي الخليل خليلاً
قد يكون من كل من الجانبين وقد يكون من جانب واحد، فالخلة المثبتة هنا
إنما هي من جانب أبي هريرة للنبي ◌َّ فلا تقع منه ◌َّه لغير ربه تعالى (بِثَلَاثٍ: صِيَام
ثَلَاثَةٍ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ) وأفضلها البيض كما يأتي في الصوم.
(وَرَكْعَتَ الضُّحَى) وسيأتي أنهما أقلها (وَأَنْ أوترَ) غير الأسلوب اهتمامًا بشأن
الوتر وتحذيرًا من خوف ضياعه بالنوم (قَبْلَ أَنْ أَنَامَ) قيل: سببه أنه ﴾، كان يشتغل
أول ليله باستحضاره لمحفوظاته من الأحاديث الكثيرة التي لم تساوه في حفظ مثلها
أكثر الصحابة، فكان يمضي عليه جزء كثير من الليل فلم يطمع في استيقاظه آخره،
فأمره ◌َله بتقديم الوتر كذلك لاشتغاله بما هو أهم وأولى؛ إذ الاشتغال أفضل من صلاة
النافلة كما قاله الشافعي ، وبفرض عدم ثبوت هذا بخصوصه يتعيُّن حمل الحديث
ليوافق حديث جابر على أنه لم يكن يطمع في الاستيقاظ آخر الليل كذلك السبب أو
لسببٍ غيره (مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ).
(الفصل الثاني)
١٢٦٣ [عَنْ غُضَيْفِ بْنِ الْحَارِثِ ﴿ قَالَ: قُلْتُ لِعَائِشَةَ رَضِي اللهُ عَنْهَا: أَرَأَيْتِ
رَسُولَ اللهِوَلَ كَانَ يَغْتَسِلُ مِنَ الْجَنَابَةِ فِي أَوَّلِ اللَّيْلِ أَمْ فِي آخِرِهِ؟ قَالَتْ: رُبَّمَا اغْتَسَلَ
فِي آخِرِهِ، قُلْتُ: اللهُ أَكْبَرُ، الْحَمْدُ للهِ الَّذِي جَعَلَ فِي الأَمْرِ سَعَةً، قُلْتُ: أَرََّيْتِ رَسُولَ الله
وَ﴿ كَانَ يُوتِرُ أَوَّلَ اللَّيْلِ أَمْ فِي آخِرِهِ؟ قَالَتْ: رُبَّمَا أَوْتَرَ فِي أَوَّلِ اللَّيْلِ وَرُبَّمَا أَوْتَرَ فِي آخِرِهِ،
قُلْتُ: اللّهُ أَكْبَرُ الْحَمْدُ للهِ الَّذِي جَعَلَ فِي الأَمْرِ سَعَةً، قُلْتُ: أَرَأَيْتِ رَسُولَ اللهِوَ كَانَ
يَجْهَرُ بِالْقِرَاءَةِ أَمْ يَخْفِتُ؟ قَالَتْ: رُبَّمَا جَهَرَ بِهِ وَرُبَّمَا خَفَتَ، قُلْتُ: اللّهُ أَكْبَرُ الْحَمْدُ لله
الَّذِي جَعَلَ فِي الأَمْرِ سَعَةً(١). رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَرَوَى ابْنُ مَاجَه الفَضْلَ الأَخِير].
(عَنْ غُضَيْفِ بْنِ الْحَارِثِ ﴿ قَالَ: قُلْتُ لِعَائِشَةَ رَضِي اللهُ عَنْهَا: أَرَّأَيْتِ) أي:
(١) أخرجه أبو داود (٢٢٦)، وأحمد (٢٤٩٣٤)، والبيهقي في ((سنته)) (٩٩٩).

١٠٥
تتمة كتاب الصلاة/ باب الوتر
علمت (رَسُولَ اللهِ وَ﴿ كَانَ يَغْتَسِلُ مِنَ الْجَنَابَةِ فِي أَوَّلِ اللَّيْلِ أَمْ فِي آخِرِهِ؟ قَالَتْ:
رُبَّمَا) جامع أوله و(في آخِرِهِ، قُلْتُ: اللهُ أَكْبَرُ) تعجب من هذه النعمة الجليلة
والرخصة الواسعة، ومن ثم حمد عليها وبين عظمها وخطرها بقوله: (الْحَمْدُ لله الَّذِي
جَعَلَ فِي الأَمْرِ سَعَةً) حيث وسع على الأمة في هذا التكليف بجواز إيقاعه في سائر
أجزاء الليل وخصه بالذكر؛ لأنه الذي يخفى حكمه وإلا فالنهار كذلك (قُلْتُ: أَرَأَيْتِ
رَسُولَ اللهِ وَالْ كَانَ يُوتِرُ أَوَّلَ اللَّيْلِ أَمْ فِي آخِرِهِ؟ قَالَتْ: رُبَّمَا أَوْتَرَ فِي أَوَّلِ اللَّيْلِ وَرُبَّمَا
أَوْتَرَ فِي آخِرِهٍ، قُلْتُ: اللهُ أَكْبَرُ الْحَمْدُ للهِ الَّذِي جَعَلَ فِي الأَمْرِ سَعَةً) فيه ما في الذي
قبله.
فإن قلت: ما معنى ((ربما)» هنا؟
قلت: الذي دلت عليه الأحاديث أنها في الأول من القسمين للتكثير، وفي الثاني
منهما للتقليل، فأكثر أحواله وسلم أنه كان إذا جامع الأول قدم الغسل، وقد يقع له
تأخره إلى آخر الليل.
(قُلْتُ: أَرَأَيْتِ رَسُولَ الله ◌َ﴿ كَانَ يَجْهَرُ بِالْقِرَاءَةِ) يحتمل أن المراد: القراءة في
الوتر، ويحتمل أن المراد: مطلق القراءة لا يقيد كونها في صلاة ولا في غيرها، فإن أريد
الأول فربما عكس ما مر؛ لأن السنة عندنا الإسرار في قراءة الوتر لا في رمضان،
وبفرض ورد خلافه هو لعارض كبيان الجواز أو التعليم، وإن أريد الثاني فالظاهر أن
(رُب)) فيهما للتكثير؛ إذ كل من الإسرار والجهر لا يقيد صلاة ولا غيرها كثير من
أحواله ◌َل﴾ ولا دليل يعرفه على أکثرهما.
(أَمْ يَخْفِتُ؟ قَالَتْ: رُبَّمَا جَهَرَ بِهِ) أي: القرآن المفهوم من القراءة (وَرُبَّمَا خَفَتَ،
قُلْتُ: اللّهُ أَكْبَرُ، الْحَمْدُ للهِ الَّذِي جَعَلَ فِي الأَمْرِ سَعَةً. رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَرَوَى ابْنُ مَاجَه
الفَضْلَ الأَخِير) وهو ما يتعلق بالقراءة.
١٢٦٤ - [وَعَنْ عَبْدِ الله بْنِ أَبِي قَيْسِ قَالَ: سَأُلْتُ عَائِشَةَ رَضِي اللهُ عَنْهَا: بِكَمْ
كَانَ رَسُولُ اللهِ وَِّ يُوتِرُ؟ قَالَتْ: كَانَ يُوتِرُ بِأَرْبَعٍ وَثَلَاثٍ، وَسِتٍّ وَثَلَاثٍ، وَثَمَانِي وَثَلَاثٍ،

١٠٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الخامس
وَعَشْرٍ وَثَلَاثٍ، وَلَمْ يَكُنْ يُوتِرُ بِأَنْقَصَ مِنْ سَبْعٍ، وَلَا بِأَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَ عَشْرَةٍ(١). رَوَاهُ
أَبُو دَاوُد].
(وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي قَيْسٍ قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ رَضِي اللهُ عَنْهَا: بِكَمْ كَانَ
رَسُولُ اللهِ وَ﴿ يُوتِرُ؟ قَالَتْ: كَانَ يُوتِرُ بِأَرْبَعِ وَثَلَاثٍ) ظاهره أنه كان يوصل الأربع ثم
يسلم منها ثم يوتر بثلاث موصولة أيضًا، ويحتمل أنه كان يفصل الأربع بل والثلاث
أيضًا لكن يلزم على فرض فصل الثلاث كالأربع أنه لا حكمة حينئذٍ في عدولها عن
سبع إلى ثلاث وأربع، بخلاف ما إذا جعلنا الأربع مفصولة أو موصولة أو بالعكس،
فإن الحكمة حينئذٍ ظاهرة وعلى كل ففي جعلها الأربع من الوتر على ثلاث خلافًا لمن
أُوجبه.
(وَسِتِّ وَثَلَاثٍ) أي: تسع، وعدلت عنه لنظير ما في الذي قبله (وَثَمَانِي وَثَلَاثٍ)
أي: إحدى عشرة، وعدلت عنه لذلك (وَعَشْرٍ وَثَلَاثٍ) أي: ثلاث عشرة وعدلت عنه
لذلك أيضًا، وهذا الاختلاف بحسب اختلاف العوارض له وي ليه لما مر أن أكثر أحواله
أنه كان يوتر بإحدى عشرة إلا إذا ضاق الوقت أو بالغ في تطويل القراءة كما في
حديث حذيفة، أو نام، أو مرض، أو كبر سنه.
وفي قولها: ((وعشر وثلاث)) دليل لما مرَّ أن أكثر الوتر ثلاث عشرة إلا أن
يكون حسبت منها ركعتي افتتاح الوتر السابقتان في الحديث.
(وَلَمْ يَكُنْ يُوتِرُ بِأَنْقَصَ مِنْ سَبْعِ) هذا باعتبار علمهما، وإلا فقد صح عنه ◌َّ
الإيتار بواحدة فردة وبثلاث وبخمس، والحاصل أنه صح عنه ◌َير الإيتار بخمس
وبسبع وبتسع موصولة، وبواحدة مسبوقة بعشر مفصولة، فالفصل والوصل بإيتار عنه
* فيما زاد على الثلاث، وأمَّا الثلاث فوردت عنه مطلقة وظاهره أنها موصولة وإن
كان اللفظ محتملاً للفصل.
(١) أخرجه أبو داود (١٣٦٤)، والبيهقي في «سننه» (٤٩٩٩).

١٠٧
تتمة كتاب الصلاة/ باب الوتر
وصحَّ حديث: «لا توتروا بثلاث وأوتروا بخمس أو سبع، ولا تشبهوا الوتر بصلاة
المغرب))(١) وأخذ منه كثيرون من أئمتنا كراهة وصل الثلاث، ولم ينظروا الإيجاب أبي
حنيفة له فيها لضعفه بمخالفته لصريح السنة، كما لم ينظروا لمنعه الزيادة على الثلاث
كذلك، وفي أخذهم منه كراهة الثلاث مطلقًا، فالأولى تقييد الثلاث الموصولة بتشهد
كما هو ظاهر كلام النووي وغيره، بل قيل: إنها أفضل من المقصود للاتفاق على
صحتها؛ ولأنها شرط في صحة الصبح عند أبي حنيفة؛ لوجوب الترتيب عنده، فلا بد
من تقدم وتر صحیح، والفصل مبطله عنده. انتهى.
ويرد بأن القفال من أئمتنا يقول ببطلان الموصولة، وبما مر أن إيجاب أبي
حنيفة لذلك مخالف لصريح السنة فلا يراعى.
قال النووي كالإمام: والخلاف في التفصيل بين الفصل والوصل وإنما هو في
الثلاث، أمَّا ما زاد عليها فالفصل فيه أفضل قطعًا، وإن نقص عدده عن
الموصول فيكون الأول أفضل من حيث زيادة الفصل، والثاني أفضل من حيث زيادة
العدد.
(وَلَّا بِأَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَ عَشْرَةَ) فمن ثم لم تجز الزيادة عليها بنية الوتر بناء على
أنها أكثر الوتر، أمَّا على الأصح أن أكثره إحدى عشرة فلا يجوز الزيادة عليها بنية كما
مرَّ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُد).
١٢٦٥ - [وَعَنْ أَبِي أَيُّوبَ ﴿ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: الْوِتْرُ حَقٌّ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ،
فَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُوتِرَ بِخَمْسٍ فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُوتِرَ بِثَلَاثٍ فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ
يُوتِرَ بِوَاحِدَةٍ فَلْيَفْعَلْ(٩). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدِ وَالنسَانِيُّ وَابْنُ مَاجَه].
(وَعَنْ أَبِي أَيُّوبَ عَ﴿ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِهِ: الْوِتْرُ حَقٌّ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ) أُخذ منه
(١) تقدم تخريجه.
(٢) أخرجه أبو داود (١٤٢٤)، والنسائي (١٧٢٣)، وابن ماجه (١١٩٠)، وابن حبان (١٧١) والبيهقي في
((سننه)» (٤٩٧٠).

١٠٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الخامس
ومن الخبر الصحيح أيضًا: ((أوتروا فإن الله وتر يحب الوتر)(١) أبو حنيفة ظله وجوب
الوتر واعترضه ابن المنذر وغيره بأنه لم يوفقه على وجوبه أحد حتى صاحباه؛ ولأنه لا
يقول ببقية الحديث الآتية؛ لأنه يوجب الثلاثة الموصولة ولا يجيز غيرها، وبأن الحق
مشترك بين النائب والواجب فلا بد من دليل لخصوص الوجوب؛ أي: على أنه استعمل
في غير الواجب في قوله {وَله: «حقًّا على المسلمين أن يغتسلوا يوم الجمعة))(٢) وبأن الأدلة
مصرحة بعدم الوجوب؛ لقوله تعالى: ﴿وَالصَّلاةِ الوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨] إذ مع وجوبه لا
وسطى.
وكقوله ول* لمعاذ لما بعثه قبيل وفاته لليمن: فأعلمهم أن الله افترض عليهم
خمس صلوات في كل يوم وليلة(٣).
ولمن قال: هل عليَّ غيرها؟ أي: الخمس: «لا، إلا أن تطوع)) ولمن قال: لا أزيد
- أي: على الخمس - ولا أنقص: ((أفلح إن صدق)) (٤).
وكخبر: ((كان يصلي على راحلته الوتر دون المكتوبة»(٥) رواها كلها الشيخان،
وبأن الحق في الخبر بمعنی المتأکد ندبه، بدلیل: (فمن أحب ... )).
وأمَّا خبر: ((إن الله زادكم صلاة فحافظوا عليها وهي الوتر)(٦) فضعيفٌ،
وتسليمه يجب تأويله جمعًا بينه وبين تلك الأحاديث.
(١) تقدم تخريجه.
(٢) أخرجه الترمذي (٥٢٨).
(٣) أخرجه البخاري (١٣٩٥)، ومسلم (١٣٠)، وأبو داود (١٥٨٦)، والترمذي (٦٢٧)، وأحمد
(٢١٠٣)، والنسائي (٢٥٣٤)، وابن ماجه (١٨٥٥)، والبيهقي في ((سننه)) (١٣٥١٤) والدارقطني
(٢٠٨١).
(٤) أخرجه مالك (٤٢٩)، والبخاري (٣٦٧٨)، ومسلم (١٠٩)، وأبو داود (٣٩١)، والنسائي (٤٦٢)،
وابن حبان (٥٤).
(٥) أخرجه البخاري (٩٥٥)، ومسلم (١١٤٥).
(٦) أخرجه أحمد (٢٣٩٠٢)، والطبراني (٢١٦٧)، والحاكم (٦٥١٤).

١٠٩
تتمة كتاب الصلاة/ باب الوتر
(فَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُوتِرَ بِخَمْسٍ فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُوتِرَ بِثَلَاثٍ فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ
أَحَبَّ أَنْ يُوتِرَ بِوَاحِدَةٍ فَلْيَفْعَلْ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدٍ وَالنِّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَه) وسند أبي داود
صحيح، وصححه ابن حبان والحاكم، وأقرهما النووي في ((مجموعه)) فقول الذهبي:
((إلا ستة)) إنه موقوف فيه نظر، وقد رجح ابن القطان الرفع وقال: لأنه حفظ ما لم
يحفظه من وقفه، واستفيد مما ذكر في الركعة جوازها مفردة بنية الوتر، ويوافقه خبر
الشيخين: ((فإذا خفت الصبح فأوتر بواحدة))(١).
وخبر مسلم وغيره: ((من أحب أن يوتر بواحدة فليفعل))(٤).
وما في ((جامع)) الترمذي و((صحيح)) ابن حبان من «أنه ◌َّ اقتصر على الإيتار
بواحدة))(٣) وبهذا رد قول ابن الصلاح: لم يحفظ ذلك.
وأمَّا قول أبي حنيفة والنووي: ((لا يجوز الإيتار بواحدة)) فردوه بأنه لم يقل به
أحد غيرهما وغير من تابعهما؛ ولأن خبر ((النهي عن البتيراء)»(٤) ضعيف مرسل،
و((جعل الوتر ثلاث كوتر النهار)(٥).
١٢٦٦ [وَعَنْ عَلَىِّ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((إِنَّ اللّهَ وِتْرٌ يُحِبُّ الْوِتْرَ، فَأَوْتِرُوا
يَا أَهْلَ الْقُرْآنِ)) (٦). رَوَاهُ التِّزْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدِ وَالنَّسَائِيّ].
١٢٦٧ [وَعَنْ خَارِجَةَ بْنِ حُذَافَةَ ﴾ قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ وَهُ وَقَالَ:
(إِنَّ اللّهَ أَمَدَّكُمْ بِصَلَاةٍ هِيَ خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ، الْوِتْرُ جَعَلَهُ اللهُ لَكُمْ فِيمَا بَيْنَ
(١) أخرجه البخاري (١٠٨٦)، ومسلم (٧٤٩).
(٢) أخرجه أبو داود (١٤٢٤)، والنسائي (١٧٢٣)، وابن حبان (١٧١)، والطبراني (٣٨٦٥)، ولم أقف
عليه عند مسلم بلفظه.
(٣) أخرجه الترمذي (٤٦١)، وابن حبان (٢٤٦٧).
(٤) تقدم تخريجه.
(٥) تقدم تخريجه.
(٦) أخرجه أبو داود (١٤١٦)، والنسائي في ((السنن الكبرى)) (٤٤٠)، وابن ماجه (١١٦٩)، والحاكم
(١١١٨)، وأحمد (١٢٦١)، والترمذي (٤٥٣) وقال: حسن، والضياء (٥٠٨).

١١٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الخامس
صَلَاةِ الْعِشَاءِ إِلَى أَنْ يَطْلُعَ الْفَجْرُ)(١). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُد].
١٢٦٨ - [وَعَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((مَنْ نَامَ عَنْ وِتْرِهِ
فَلْيُصَلِّ إِذَا أَصْبَحَ))(٩) رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مُرْسَلاً].
١٢٦٩ - [وَعَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: سَأَلْنَا عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - بِأَيِّ
شَيْءٍ كَانَ يُوتِرُ رَسُولُ اللهِ وََّ؟ قَالَتْ: كَانَ يَقْرَأُ فِي الأُولَى بِ﴿سَبِّجِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾
وَفِي الثَّانِيَةِ بِـ ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ وَفِي الثَّالِئَةِ بِـ ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ وَالْمُعَوِّذَتَيْنِ (٣).
رَوَاهُ التِّرْمِِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ.
١٢٧٠ - [وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى](٤).
١٢٧١ - [وَرَوَاهُ أَحْمَد عَنْ أُبِيِّ بْنِ كَعْبٍ](٥).
١٢٧٢ - [ وَالدَّارِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ(٦) وَلَمْ يَذْكُرُوا: ((وَالْمُعَوِّذَتَيْنِ))].
١٢٧٣ - [وَعَنِ الْحَسَنِ بن عَلِيٍّ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - قَالَ: عَلَّمَنِي رَسُولُ الله ◌َِه
كَلِمَاتٍ أَقُولُهُنَّ فِي قُنُوتِ الوِتْرِ: اللهُمَّ اهْدِنِي فِيمَنْ هَدَيْتَ، وَعَافِي فِيمَنْ عَافَيْتَ، وَتَوَلَّنِي
فِيمَنْ تَوَلَّيْتَ، وَبَارِكْ لِي فِيمَا أَعْطَيْتَ، وَقِنِي شَرَّ مَا قَضَيْتَ فَإِنَّكَ تَقْضِي وَلَا يُقْضَى
عَلَيْكَ، إِنَّهُ لَا يَذِلُّ مَنْ وَالَيْتَ، وَلا يَعِزُّ مَنْ عَادَيْتَ، تَبَارَكْتَ رَبَّنَا وَتَعَالَيْتَ(٧). رَوَاهُ
التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدِ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهُ وَالدَّارِمُّ].
(١) أخرجه أبو داود (١٤١٨)، والترمذي (٤٥٢) وقال: غريب، وابن ماجه (١١٦٨)، والدارمي
(١٥٧٦)، وابن سعد (١٨٨/٤)، والدارقطني (٣٠/٢)، والحاكم (١١٤٨) وقال: صحيح الإسناد،
والبيهقي (٤٢٩١)، والطبراني (٤١٣٦).
(٢) أخرجه الترمذي (٤٦٦) وقال: هذا أصح.
(٣) أخرجه الترمذي (٤٦٥)، وأبو داود (١٤٢٦).
(٤) أخرجه النسائي (١٦٩٨).
(٥) أخرجه أحمد (٢٦٦٥٧).
(٦) أخرجه الدارمي (١٦٤١).
(٧) وقع هنا سقط في الأصل مقدار صفحة تقريبًا.

١١١
تتمة كتاب الصلاة/ باب الوتر
[ ..... ](١) (وَعَافِني) من كل نقص ظاهر أو باطن في الدنيا والآخرة، واجعلني
مندرجًا ومعدودًا (فِيمَنْ عَافَيْتَ) هم من ذلك، وهم المذكورون (وَتَوَلَّنِي فِيمَنْ تَوَلَّيْتَ)
هم كذلك وهم أولئك أيضًا (وَبَارِكْ لِي فِيمًا) هي هنا للظرفية متعلقة بالفعل المذكور؛
أي: أوقع ببركتك العظمى لي في كل ما (أَعْطَيْتَ) ني من خير الدارين (وَقِنِي شَرَّ مَا)
أي: الفعل الذي (قَضَيْتَ) به علي، وسره هو ما يقترن به مما يسوله الشيطان والهوى
والنفس للإنسان حتَّى يمنع ثوابه إن كان ابتلاءً، أو يحمل على الاستمرار فيه إن كان
معصية، أو يُمنع كماله إن كان طاعة، وإذا تأملت هذا التقرير فإذا علمت أنه لا
يحتاج لقول الشارح.
فإن قلت: سبق أن القضاء من الله أخص من القدر؛ لأن القدر هو التقدير
والقضاء هو التفصيل، والقطع فيما قطع، فكيف يتوقى منه.
قلت: معناه: قني ما حكمت في تقديرك بقضائه كما قيل: أفر من قضاء الله إلى
قدره. انتهى.
على أن ما ذكره لم يدفع الإشكال؛ إذ ما حكم بقضائه كيف يتوقى منه؟
وليس متفقًا عليه كما مر في باب القدر أن جمعًا قالوا بترادف القضاء والقدر، وجمعًا
فرقوا بينهما بغير ما ذكر، فالوجه ما ذكر به كما هو واضح للمتأمل (فَإِنَّكَ) وقع
كالتعليل لسؤال ما قبله؛ إذ لا يعطى تلك الأموال المهلمة إلا من كملت فيه حقائق
القدرة، ولم يؤخذ منها شيء في غيره (تَقْضِي) بكل ما أردته (وَلَا يُقْضَى عَلَيْكَ)
بشيء.
(إِنَّهُ) أي: الشأن (لَا يَذِلُّ) بفتح فكسر، وكذا ((يعز)) الآتية (مَنْ وَالَيْتَ) من
عبادك؛ أي: لا يتطرق إليه هوان ولا ذلة في الآخرة أو مطلقًا، فإن ابتلي به وسلط عليه
من أهانه وأذله باعتبار الظاهر؛ لأن ذلك غاية الرفعة والعزة عند الله تعالى وعند
أوليائه والعبرة إلا بهم، ومن ثم وقع للأنبياء - صلى الله عليهم - من الامتحانات
(١) غير واضح بالأصل.

١١٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الخامس
العجيبة ما هو مشهور كـ((قطع رأس زكريا وشرب الخمر عليها رضا لفاسقة تمنت
ذلك على ملك أحبها)) وكـ((ذبح ولده يحبى، صلى الله على نبينا وعليهما وسلم)).
زاد البيهقي وكذا الطبراني من عدة طرق (وَلا يَعِزُّ) أي: في الآخرة؛ أي: مطلقًا
وإن أُعطي من نعيم الدنيا وملكها ما أُعطي (مَنْ عَادَيْتَ) أي: لكونه لم يمتثل
أوامرك، ولم يتجنب مناهيك.
وقول بعض أصحابنا في: ((لا يعز من عاديت)) أنه غير مستحسن، إنما هو لكونه
لم يطّلع هو ومن انتصر له على وروده على أن الأصحاب ردوا عليه بقوله تعالى: ﴿لَا
تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الممتحنة: ١].
وورد عند أبي عاصم بعد ذلك: ((نستغفرك ونتوب إليك)(١).
(تَبَارَكْتَ) تعاظمت (رَبَّنَا وَتَعَالَيْتَ) تباعدت وتنزهت عن كل نقص ووصف
لا يليق بكمال ذاتك وباهر جلالك وعزة كبريائك وعلية عظمتك.
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُد وَالنِّسَائِيّ) وهو حديث صحيح، لكن صحَّ أيضًا زيادة
واو قبل ((أنه)) ومن ثم غلط جماعة من الفقهاء حذفوا هذه الواو والفاء قبل ((إنك ربنا))
بأنه مخالف لما صحَّ، لكن صحَّ أيضًا زيادة واو قبل ((إِنك)) من إثبات الثلاثة، ویسن
ختمه بالصلاة عليه و * لما في رواية: ((وصلى الله على النبي)(٢) ويسن زيادة الأول.
قلت: والأصحاب لقولهم: حيث سُنت الصلاة على الأول سنته على الأصحاب
بالأولى، ويسن أيضًا زيادة السلام لكراهة إفراد الصلاة عنه.
وروى البيهقي من طرق عن ابن عباس، رضي الله عنهما: إنه وَليو كان يعلمهم
هذا الدعاء ليدعوا به في قنوت الصبح.
وفي رواية: إنه ◌َليو كان يقنت في صلاة الصبح ووتر الليل بهؤلاء الكلمات.
قال البيهقي: فدل ذلك على أن تعليم هذا الدعاء وقع لقنوت الوتر والصبح.
(١) أخرجه الطبراني في الصغير (٩٦٧).
(٢) أخرجه النسائي (١٧٤٥).

١١٣
تتمة كتاب الصلاة/ باب الوتر
وقال في موضع آخر: صح أن تعليم هذا الدعاء وقع لقنوت صلاة الصبح
ولقنوت الوتر. انتهى.
واعلم أن قنوت الوتر مختص عندنا بنصف رمضان الثاني لما صح، كما قاله
الحافظ المنذري عن عمر: ((السنة إذا انتصف رمضان أن يلعن الكفرة في الوتر
بعدما يقول: ((سمع الله لمن حمده) ومن ثم لما جمع الناس على أبي لم يقنت بهم إلا في
النصف الثاني - رَوَاهُ أَبُو دَاوُد - والاعتراض على المنذري بأن ما صححه غريب مردود
بأنه جاء من طرق أخرى إسنادها حسن.
١٢٧٤ - [وَعَنْ أَبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ﴾ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِلَّهِ: إِذَا سَلَّمَ فِي الْوِتْرِ قَالَ:
سُبْحَانَ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ(١). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدٍ وَالنَسَائِيُّ، وَزَادَ: ثَلَاثَ مَرَّاتٍ يُطِيلُ].
(وَعَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ﴾ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: إِذَا سَلَّمَ فِي الْوِتْرِ) آخر الوتر أو
المراد بالوتر هنا الركعة الأخيرة منه (قَالَ: سُبْحَانَ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ) أي: البالغ أقصى
غايات الطهارة والنزاهة عن كل نقص بل وعن كل وصف ليس فيه غاية الكمال
المطلق (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدٍ وَالنّسَائِيُّ وَزَادَ) النسائي في روايته: إنه كان يقول ذلك (ثَلَاثَ
مَرَّاتٍ يُطِيلُ) أي: يرفع صوته بالثالثة كما أفاده بقوله.
١٢٧٥ [وِفِي رِوَايَة للنَّسَائِيّ: عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى عَنْ أَبِيهِ - رَضِيَ اللهُ
عَنْهُما - كَانَ يَقُولُ إِذَا سَلَّمَ: سُبْحَانَ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ ثَلَاثًا، وَرَفَعَ مِنَ اللهِ صَوْتَهُ
بِالثَّالِئَةِ](٢).
(وِفِي رِوَايَة للنَّسَائِيّ: عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى عَنْ أَبِيهِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما -
كَانَ يَقُولُ إِذَا سَلَّمَ) أي: من الوتر: (سُبْحَانَ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ ثَلَاثًا وَرَفَعَ مِنَ اللهِ صَوْتَهُ
بِالثَّالِئَةِ).
١٢٧٦ [وَعَنْ عَلِيِّ ﴾ قَالَ: إِنَّ النَّبِيَّ ◌َ كَانَ يَقُولُ فِي آخِرٍ وِتْرِهِ: اللهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ
(١) أخرجه أبو داود (١٤٣٠)، والنسائي (١٦٩٨).
(٢) أخرجه النسائي (١٧٣١).

١١٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الخامس
بِضَاكَ مِنْ سُخْطِكَ وَأَعُوذُ بِمُعَافَاتِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْكَ، لَا أُحْصِي
ثَنَاءً عَلَيْكَ أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ (١). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدِ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ
مَاجَه].
(وَعَنْ عَلِيَّ ﴾ه قَالَ: إِنَّ النَّبِيَّ ◌َ ﴿ كَانَ يَقُولُ فِي آخِرٍ وِتْرِهِ: اللهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِرِضَاكَ
مِنْ سُخْطِكَ وَأَعُوذُ بِمُعَافَاتِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْكَ، لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ
أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدٍ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَه) ومرَّ شرحه
في باب السجود فراجعه فإنه مهم.
ومن هذين الحديثين أخذ أصحابنا أنه يسن ذكر ما فيهما عقب الوتر في
رمضان وغيره ورفع صوته بالثالثة كما رواه أحمد والدارقطني أيضًا، وزاد بعضهم بعد
(قدوس)): ((والملائكة والروح)) وقبل: ((لا أحصي ثناء عليك)): ((سبحانك))(٢) ولم أرَ
لهما أصلاً في الحديث.
وأخذ من رفع الصوت هنا بما ذكر جواز الذكر برفعه بل استحبابه حيث لا
رياء إظهارًا للدين وتعظيمًا للسامعين وإيقاظًا لهم من قدرة الغفلة، وإيصالاً لبركة
الذكر إلى مقدار ما يبلغ الصوت إليه من الحيوان والحجر والمدر، وطلبًا لاقتداء الغير
به، ولیشهد له يوم القيامة کل رطب ويابس سمع صوته.
قيل: وبعض المشايخ يختار إخفاء الذكر؛ لأنه أبعد من الرياء وهذا يتعلق بالنية.
انتهى.
والأصح عندنا أن الإسرار أفضل ما لم يكن في الجهر مصلحة كتعليم، ولم
يتأذَّ به الغير، وأمن الرياء ومحل الخلاف حيث لم يرد الجهر وإلا كما في التلبية فهو
أفضل قطعًا.
(١) أخرجه أحمد (٧٥١)، وأبو داود (١٤٢٧)، والترمذي (٣٥٦٦)، والنسائي (١٧٤٧)، وابن ماجه
(١١٧٩)، وأبو يعلى (٢٧٥)، والحاكم (١١٥٠)، والبيهقي (٤٦٥٠)، والضياء (٦٢٧).
(٢) لم أقف على هذه الرواية.

١١٥
تتمة كتاب الصلاة/ باب الوتر
(الفصل الثالث)
١٢٧٧ - [عن ابْن عَبَّاسِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - قيل له: هَلْ لَكَ فِي أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ
مُعَاوِيَةَ مَا أَوْتَرَ بِوَاحِدَةٍ؟ قَالَ: أَصَابَ، إِنَّهُ فَقِيهُ (١) وَفِي رِوَايَةٍ: قَالَ ابْنِ مُلَيْكَةَ: أَوْتَرَ
مُعَاوِيَةُ بَعْدَ الْعِشَاءِ بِرَكْعَةٍ وَعِنْدَهُ مَوْلَى لِابْنِ عَبَّاسِ فَأَنَى ابْنَ عَبَّاسِ فَأَخْبَرَهِ، فَقَالَ:
دَعْهُ فَإِنَّهُ صَحِبَ النَّبِيّ ◌َِّ(٤) . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ].
(عن ابْنِ عَبَّاسِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - قيل له: هَلْ لَكَ) إفتاء (في) فعل (أَمِيرٍ
الْمُؤْمِنِينَ مُعَاوِيَةً مَا أَوْتَرَ بِوَاحِدَةٍ) ويصح أن يكون الاستفهام للإنكار؛ أي: هل لك
رغبة ومحبة فيه مع إتيانه لهذا الفعل الغير المرض؟.
(قَالَ: أَصَابَ) في فعله ذلك واجتهاده في جوازه، فلا ينافي قول بعض أصحابنا:
يكره الإيتار بركعة على أن غيره أوله بأن مراده أن الاقتصار عليها خلاف الأولى؛
لأن فعلها لا ثواب فيه، فالكراهة التي هي بمعنى خلاف الأولى راجعة إلى الاقتصار لا
إلى الذات (إِنَّهُ فَقِيهُ) ومن ثم كان يرقى منبر المدينة إذا سمع عن فقهائها شيئًا يخالف
السنة، ويقول: يا أهل المدينة، أين علمائكم سمعت رسول الله له يقول كذا ويفعل
کذا.
(وَفِي رِوَايَة: قَالَ ابْنِ مُلَيْكَةَ: أَوْتَرَ مُعَاوِيَةُ بَعْدَ الْعِشَاءِ بِرَكْعَةٍ وَعِنْدَهُ مَوْلَى لِاِبْنِ
عَبَّاسِ فَأَى ابْنَ عَبَّاسِ فَأَخَرَهِ، فَقَالَ: دَعْهُ فَإِنَّهُ صَحِبَ النَّبِيَّ ◌َاء) أي: والصحابة لا
يفعلون شيئًا إلا وقد علموا فيه سنة من النبي ◌َّة، وفي هذا وما قبله شهادة من خير
الأمة معاوية ﴾ه بفضله وفقهه واجتهاده وصحته.
ومن ثم سئل ابن المبارك: أيما أفضل معاوية أو عمر بن عبد العزيز؟ فقال:
والله، للغبار الذي دخل أنف فرس معاوية مع رسول الله ﴿ خير من كذا وكذا مثل
عمر بن عبد العزيز (رَوَهُ الْبُخَارِيُّ) ومرَّ أنه صحَّ عنه ◌َِّ ((أنه اقتصر على ركعتي
(١) أخرجه البخاري (٣٧٦٥)، والبيهقي في «سننه» (٤٩٩٣)، والدارقطني (١٦٩٣).
(٢) أخرجه البخاري (٣٧٦٤)، والبيهقي في ((سننه)) (٤٩٩٢).

١١٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الخامس
الوتر))(١).
١٢٧٨ [وَعَنْ بُرَيْدَةَ ﴾ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِلَّهِ يَقُولُ: الْوِتْرُ حَقٌّ، فَمَنْ لَمْ
يُوتِرْ فَلَيْسَ مِنَّا الْوِتْرُ حَقٌّ فَمَنْ لَمْ يُوتِرْ فَلَيْسَ مِنَّا(٢). رَوَاهُ أَبُو دَاوُد].
(وَعَنْ بُرَيْدَةَ ﴿ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ◌ِ﴿ يَقُولُ: الْوِتْرُ حَقٌّ) مُسبق معناه،
وأنه صحيح (فَمَنْ لَمْ يُوتِرْ فَلَيْسَ مِنَّا الْوِتْرُ حَقّ، فَمَنْ لَمْ يُوتِرْ فَلَيْسَ مِنَّا. رَوَاهُ أَبُو
دَاوُد) وضعفه الأئمة وردوا على الحاكم تصحيحه له، وبفرض صحته يجب تأويله
جمعًا بين الأحاديث على أن ((ليس منا)) لا تدل على الوجوب، بل يقال في غير الواجب
كقوله ويتر: (ليس منا من استنجى من الريح)) (٣) فلا دلالة في الخبر أصلاً، ويؤيده أن
معنى ((ليس منا)) ليس من أهل هدينا وطريقتنا؛ لأنه ترك سنة مؤكدة شرعًا، وقد جاء
في تارك النكاح مع القدرة مع أنه سنة لا واجب إجماعًا: ((فمن رغب عن سنتي فليس
مني»(٤).
١٢٧٩ - [وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﴿ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِلَّهِ: مَنْ نَامَ عَنِ الْوِتْرِ أَوْ نَسِيَهُ
فَلْيُصَلِّ إِذَا ذَكَرَ، وَإِذَا اسْتَيْقَظَ(٥). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدٍ وَابْنُ مَاجَه].
(وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وََّ: مَنْ نَامَ عَنِ الْوِتْرِ أَوْ نَسِيَهُ فَلْيُصَلِّ
إِذَا ذَكَرَ) راجع للنسيان على طريقة اللف والنشر المشوش (وَإِذَا اسْتَيْقَظَ) من نومه
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدْ وَابْنُ مَاجَه) وهو صريح في ندب قضاء الوتر إذا فات ونزل؛
إذ له آخر.
(١) تقدم تخريجه.
(٢) أخرجه أحمد (٢٣٠٦٩)، وأبو داود (١٤١٩)، والحاكم (١١٤٦)، وابن أبي شيبة (٦٨٦٣)، والبيهقي
(٤٢٥١).
(٣) أخرجه ابن عساكر (١١١٥٥).
(٤) أخرجه البخاري (٤٧٧٦)، ومسلم (١٤٠١)، وأحمد (١٣٥٥٨)، والنسائي (٣٢١٧)، وابن حبان
(١٤)، والبيهقي (١٣٢٢٦)، وعبد بن حميد (١٣١٨).
(٥) أخرجه الترمذي (٤٦٧)، وابن ماجه (١٢٤٤) ولم أقف عليه عند أبي داود بهذا اللفظ.

١١٧
تتمة كتاب الصلاة/ باب الوتر
١٢٨٠ - [وَعَنْ مَالِك بَلَغَهُ أَنَّ رَجُلاً سَأَلَ ابْنَ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - عَنِ الْوِتْرِ:
أَوَاجِبُ هُوَ؟ فَقَالَ عَبْدُ الله: قَدْ أَوْتَرَ رَسُولُ اللهِهِ وَأَوْتَرَ الْمُسْلِمُونَ، فَجَعَلَ الرَّجُلُ يُرَدِّدُ
عَلَيْهِ وَعَبْدُ اللهِ: أَوْتَرَ رَسُولُ اللهِوَلِهِ وَأَوْتَرَ الْمُسْلِمُونَ(١). رَوَاهُ فِي (الْمُوَظَّأ)].
(وَعَنْ مَالِكِ بَلَغَهُ أَنَّ رَجُلاً سَأَلَ ابْنَ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - عَنِ الْوِتْرِ: أَوَاحِبُ
هُوَ؟ فَقَالَ عَبْدُ الله: قَدْ أَوْتَرَ رَسُولُ اللهِ وَِّهِ وَأَوْتَرَ الْمُسْلِمُونَ، فَجَعَلَ الرَّجُلُ يُرَدِّدُ عَلَيْهِ
وَعَبْدُ اللّهِ: أَوْتَرَ رَسُولُ الله ◌ِ وَأَوْتَرَ الْمُسْلِمُونَ. رَوَاهُ فِي ((الْمُوَطّ))) وليس فيه تصريح
بالوجوب ولا بعدمه، فكأنه لم يتضح له أحدهما حتى يخبره به، وإنما أخبره بفعله وَ النه
له هو والمسلمون، وهذا يحتمل الوجوب ويحتمل الندب إلا عند جمع من أهل الأصول،
وأنه للوجوب بناء على أن الأصل فيما فعله وليه وداوم عليه الوجوب، ومحله حيث لم
يرد ما يصرفه إلى الندب، وهنا صحح ذلك كما مرَّ مستوفى على أنه سيأتي عن ابن
عمر: ((إنه أوتر بواحدة))(٢) وأبو حنيفة لا يقول بذلك.
١٢٨١ - [وَعَنْ عَلِيِّ ﴾ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَهُ يُوتِرُ بِثَلَاثٍ يَقْرَأْ فِيهِنَّ بِتِسْعِ
سُوَرٍ مِن الْمُفَصَّلِ، يَقْرَأْ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ بِثَلَاثَ سُوَرٍ آخِرُهُنَّ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾](٣).
(وَعَنْ عَلِيِّ ◌َ﴾ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَهُ يُوتِرُ بِثَلَاثٍ يَقْرَأْ فِيهِنَّ بِتِسْعِ سُوَرٍ مِن
الْمُفَصَّلِ) وسبق أن أوله الحجرات على الأصح من عشرة أقوال (يَقْرَأُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ
بِثَلَاثِ سُوَرٍ آخِرُهُنَّ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ)) واستفيد منه ندب جمع أكثر من سورة في
ركعة، ويؤيده ما مرَّ آخر الفصل الأول من باب صلاة الليل: ((إنه ◌َ * كان يفرق بين
سورتين من عشرين سورة من المفصل في كل ركعة))(٤).
وقد نقل البيهقي عن الربيع أنه قال: قلت للشافعي: أتستحب الجمع بين السور؟
(١) أخرجه مالك (٢٧١)، وأحمد (٤٩٣٩).
(٢) تقدم تخريجه.
(٣) أخرجه أحمد (٦٨٩)، والترمذي (٤٦٢)، والطبراني (٢٧٧/٨).
(٤) تقدم تخريجه.

١١٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الخامس
فقال: نعم وأفعله، واستدل له بالحديث المذكور وقوله: ((آخرهن: ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾))(١)
يحتمل أنه كان في كل من الثلاث يقرأ سورتين، ويختم بـ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ ويحتمل
أنه لم يفعل ذلك إلا في الأخيرة، وعلى الاحتمال الأول يستفاد منه أنه لا بأس بتكرير
السور في ركعتين، ويوافقا ما صحَّ ((إِنه ◌َّهَ قرأ في الصبح: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ﴾ في الركعتين
کلتیھما»(٢).
وأمَّا قول ابن عبد السلام: «ليس تكرير سورة الإخلاص في التراويح مسنونًا»
فلا ينافي ذلك؛ لأن مراده أن تكرير سورة ((الإخلاص)) بخصوصها غير مسنون،
ويوافقه قول ابن الصلاح فيمن صلاها بالقرآن كله في جميع الشهر: ومن قرأ في كل
ركعة الإخلاص ثلاثًا الأول أفضل؛ لأنه أشبه بالسنة.
١٢٨٢ - [وَعَنْ نَافِعٍ قَالَ: كُنْتُ مَعَ ابْنِ عُمَرَ بِمَكَّةَ وَالسَّمَاءُ مُغِيمَةٌ، فَخَشِيَ
الصُّبْحَ فَأَوْتَرَ بِوَاحِدَةٍ، ثُمَّ انْكَشَفَ الْغَيْمُ فَرَأَى أَنَّ عَلَيْهِ لَيْلاً فَتشَفَّعَ بِوَاحِدَةٍ، ثُمَّ صَلَّى
رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ، فَلَمَّا خَشِيَ الصُّبْحَ أَوْتَرَ بِوَاحِدَةٍ (٣). رَوَاهُ مَالِكِ].
(وَعَنْ نَافِعٍ قَالَ: كُنْتُ مَعَ ابْنِ عُمَرَ بِمَكَّةَ وَالسَّمَاءُ مُغِيمَةٌ) أي: مغطاة بالغيم
من أغمى الهلال وغمي فهو مغمي ومغمى إذا ستره غيم (فَخَشِيَ الصُّبْحَ فَأَوْتَرَ بِوَاحِدَةٍ،
ثُمَّ انْكَشَفَ الْغَيْمُ) المفهوم من مغيمه (فَرَأَى أَنَّ عَلَيْهِ) إن بقي منه بقية تسع كمال
الوتر (لَيْلاً فَتشَفَّعَ بِوَاحِدَةٍ، ثُمَّ صَلَّ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ، فَلَمَّا خَشِيَ الصُّبْحَ أَوْتَرَ بِوَاحِدَةٍ.
رَوَاهُ مَالِك) وأخذ جماعة منا ومن غيرنا من ((شفعه بركعة)) أن السنة لمن يريد تهجدًا
بعد الوتر أن ينقصه بأن يصلي أول تهجده ركعة ليصير وتره شفعًا ثم يوتر آخر صلاته.
واحتجوا بخبر: ((لا وتران في ليلة))(٤) حسَّنه الترمذي مع خبر مسلم: ((اجعلوا آخر
(١) تقدم تخريجه.
(٢) أخرجه أبو داود (٨١٦).
(٣) أخرجه مالك (٢٧٣).
(٤) أخرجه الطيالسي (١٠٩٥)، وأحمد (١٦٣٣٩)، وأبو داود (١٤٣٩)، والترمذي (٤٧٠) وقال: حسن
=

١١٩
تتمة كتاب الصلاة/ باب الوتر
صلاتكم بالليل وترًا)»(١) وإلى أكثر أصحابنا ذلك وعملوا بكل من الحديثين فقالوا:
يسن ألَّا يعيد الوتر عملاً بالحديث الأول وألّا يتنفل بعد وتره عملاً بالحديث الثاني .....
١٢٨٣ - [وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - أَنَّ رَسُولَ اللهِ وََّ كَانَ يُصَلِّ جَالِسًا
فَيَقْرَأُ وَهُوَ جَالِسُ، فَإِذَا بَقِيَ مِنْ قِرَاءَتِهِ قَدْرُ مَا يَكُونُ ثَلاثِينَ أَوْ أَرْبَعِينَ آيَةً قَامَ وَقَرَأَ
وَهُوَ قَائِمٌ، ثُمَّ رَكَعَ ثُمَّ سَجَدَ، ثُمَّ يَفْعَلُ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ مِثْلَ ذَلِكَ(٩). رَوَاهُ مُسْلِمُ].
١٢٨٤ - [وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - أَنَّ رَسُولَ الله ﴿ كَانَ يُصَلِّ بَعْدَ
الْوِثْرِ رَكْعَتَيْنِ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَزَادَ ابْنُ مَاجَه: ((خَفِيفَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسُّ))](٣).
١٢٨٥ - [وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَهُ يُوتِرُ
بِوَاحِدَةٍ، ثُمَّ يَرْكَعُ رَكْعَتَيْنِ يَقْرَأْ فِيهِمَا وَهُوَ جَالِسُ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ قَامَ فَرَكَعَ(٤) . رَوَاهُ
ابْنُ مَاجَه].
١٢٨٦ - [وَعَنْ تَوْبَانَ عَنِ النَّبِّ ◌َ﴿ قَالَ: إِنَّ هَذَا السَّهَرَ جَهْدُّ وَثِقَلَّ، فَإِذَا أَوْتَرَ
أَحَدُكُمْ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنٍ، فَإِنْ قَامَ مِنَ اللَّيْلِ وَإِلَّا كَانَتَا لَهُ(٥). رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ].
١٢٨٧ - [وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ◌َ كَانَ يُصَلِّيهِمَا بَعْدَ الْوِتْرِ وَهُوَ جَالِسُ، يَقْرَأُ
فِيهِمَا: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الأَرْضُ﴾ [الزلزلة:١] وَ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون: ١](٦).
رَوَاهُ أَحْمَدُ].
=
غريب، والنسائي (١٦٧٩)، وابن خزيمة (١١٠١)، والطبراني (٨٢٤٧)، والبيهقي (٤٦٢٢)، وابن
حبان (٢٤٤٩)، والطحاوي (٣٤٢/١).
(١) تقدم تخريجه.
(٢) أخرجه مالك (٣١٣)، ومسلم (١٧٣٩)، وأبو داود (٩٥٥)، والترمذي (٣٧٥)، والنسائي (١٦٥٩).
(٣) أخرجه الترمذي (٤٧٣)، وابن ماجه (١٢٥١)، والدارقطني (١٧٢١).
(٤) أخرجه ابن ماجه في ((سننه)) (١٢٥٢).
(٥) أخرجه الدارمي في «سننه» (١٦٤٧).
(٦) أخرجه أحمد في «مسنده» (٢٢٩٠٥).

باب القنوت
الفصل الأول
١٢٨٨ - [عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ هِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَ كَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَدْعُوَ عَلَى أَحَدٍ أَوْ
يَدْعُوَ لِأَحَدٍ قَنَتَ بَعْدَ الرُّكُوعِ، فَرُبَّمَا قَالَ إِذَا قَالَ: ((سَمِعَ اللّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ رَبَّنَا لَكَ
الْخَمْدُ، اللهُمَّ أَنْجِ الْوَلِيدَ بْنَ الْوَلِيدِ وَسَلَمَةَ بْنَ هِشَامٍ وَعَيَّشَ بْنَ أَبِى رَبِيعَةَ، اللهُمَّ
اشْدُدْ وَظْأَتَكَ عَلَى مُضَرَ، وَاجْعَلْهَا سِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ)) يَجْهَرُ بِذَلِكَ، وَكَانَ يَقُولُ فِي
بَعْضِ صَلَاتِهِ: («اللهُمَّ الْعَنْ فُلَانًا وَفُلَانًا)) لأَحْيَاءٍ مِنَ الْعَرَبِ، حَتَّى أَنْزَلَ اللهُ: ﴿لَيْسَ لَكَ
مِنَ الأَمْرِ شَيْءٍ .. ﴾ [آل عمران: ١٢٨](١). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ].
[(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾﴿ أَنَّ رَسُولَ الله ◌ِ﴿ كَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَدْعُوَ عَلَى أَحَدٍ) أي:
لضرورة (أَوْ يَدْعُوَ لأَحَدٍ) أي: لنفعه (قَنَتَ) وهو يحتمل التخصيص بالصبح أو تعميم
الصلوات وهو الأظهر.
قال ابن حجر: أخذ منه الشافعي أنه يسن القنوت في أخيرة سائر المكتوبات
للنازلة التي تنزل بالمسلمين عامة كوباء وقحط وطاعون، وخاصة ببعضهم كأسر
العالم أو الشجاع ممن تعدى نفعه، وقول الطحاوي لم يقل به فيها غير الشافعي غلط
منه، بل قنت عليه في المغرب بصفين. ونسبة هذا القول إلى الطحاوي على هذا
المنوال غلط؛ إذ طبق علماؤنا على جواز القنوت عند النازلة.
(بَعْدَ الرُّكُوعِ) قال البيهقي: صحَّ أَنه ◌َّ قنت قبل الركوع لكن رواة القنوت
بعده أكثر وأحفظ، فهو أولى، وعليه درج الفقهاء الراشدون في أشهر الروايات عنهم
وأکثرها.
(١) أخرجه البخاري (٤٥٦٠)، ومسلم (١٥٧٢)، وأحمد (٧٦٧٣)، والنسائي (١٠٨٢)، والدارمي
(١٦٨٤)، والبيهقي (٣٢٠٩).
١٢٠٠