النص المفهرس

صفحات 81-100

(باب القصد في العمل)
(الفصل الأول)
١٢٤١ - [عَنْ أَنَسِ ﴾ قَالَ: كَانَ رَسُولُ الله ◌َّهِ يُفْطِرُ مِنَ الشَّهْرِ حَتَّى نَظُنَّ أَنَّهُ لَا
يَصُومَ مِنْهُ، وَيَصُومُ مِنَ الشَّهْرِ حَتَى نَظُنَّ أَنَّهُ لَا يُفْطِرَ مِنْهُ، وَكَانَ لَا تَشَاءُ تَرَاهُ مِنَ اللَّيْلِ
مُصَلِّيًا إِلَّا رَأَيْتَهُ، وَلَا نَائِمًا إِلَّا رَأَيْتَهُ(١). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ].
(عَنْ أَنَسِ ﴾ قَالَ: كَانَ رَسُولُ الله ◌َ يُفْطِرُ مِنَ الشَّهْرِ) أيامًا كثيرة (حَتَّى نَظُنَّ
أَنَّهُ لَا يَصُومَ مِنْهُ) شيئًا (وَيَصُومُ مِنَ الشَّهْرِ) أيامًا كثيرة (حَتَّى نَظُنَّ أَنَّهُ لَا يُفْطِرَ مِنْهُ)
شيئًا (وَكَانَ لَا تَشَاءُ تَرَاهُ) أي: لست تشاء أو لم تكن تشاء أولاً من زمان تشاء رؤيته
فيه (مِنَ اللَّيْلِ مُصَلِّيًّا إِلَّا رَأَيْتَهُ) مصليًا (وَلَا) أي: ولست تشاء أو لم تكن تشاء أولاً
من زمان تشاء رؤيته فيه (نَائِمًا إِلَّا رَأَيْتَهُ) نائمًا (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) ويصح كون الاستثناء
على البدل وتقديره على الإثبات؛ أي: إن تشاء رؤيته متهجدًا رأيته متهجدًا، وإن شئت
رؤيته نائمًا رأيته نائمًا يعني: كان أمره على غاية من الاعتدال لا إسراف ولا تقصير،
ينام وقت النوم المطلوب كأول الليل، ويقوم وقت القيام المطلوب كآخره وكذا صومه.
ومن ثم لما بلغه وسلّر عن جماعة من أصحابه منهم عثمان بن مظعون وقال
أحدهم: أنا أقوم الليل أبدًا، وقال آخر: أنا أصوم الدهر أبدًا، وقال آخر: لا آكل اللحم،
وقال آخر: لا آتي النساء، اشتد إنكاره عليهم، وقال: ((أمَّا أنا فأنام وأقوم، وأصوم
وأفطر، وآكل اللحم وآتي النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني))(٢).
١٢٤٢ - [وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَلِّ: أَحَبُّ
(١) أخرجه البخاري (١٩٧٢).
(٢) أخرجه البخاري (٤٧٧٦)، ومسلم (١٤٠١)، وأحمد (١٣٥٥٨)، وعبد بن حميد (١٣١٨)، والنسائي
(٣٢١٧)، وابن حبان (١٤).
٨١ -

٨٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الخامس
الأَعْمَالِ إِلَى الله تَعَالَى أَدْوَمُهَا وَإِنْ قَلَّ(١). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ].
(وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّةِ: أَحَبُّ الأَعْمَالِ)
أي: الأوراد (إِلَى الله تَعَالَى أَدْوَمُهَا وَإِنْ قَلَّ. مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ) وذلك؛ لأن في الدائم ولو مع
القلة تعرضًا للنفحات الإلهية التي أمرنا بالتعرض لها، فهو على رجاء إصابتها، ومن
أصابها فاز من الله تعالى بما لم يكن في حسابه، وأمَّا من يعمل كثيرًا في زمان ويترك
في بقية الأزمنة فهو بعيد عن ذلك التعرض الذي به غناء الأبد، ومن ثم کره أئمتنا
كما مرَّ ترك الوتر كما كرهوا ترك قيام الليل ممن اعتاده.
١٢٤٣ - [وَعَنْهَا قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَهُ: خُذُوا مِنَ الأَعْمَالِ مَا تُطِيقُونَهُ،
فَإِنَّ اللهَ لَا يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا(٢) مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ].
(وَعَنْهَا قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ الله ◌ِ: خُذُوا مِنَ الأَعْمَالِ) المندوبة (مَا تُطِيقُونَهُ)
أي: افعلوا منها ما يسهل عليكم فعله وتجدون له قلوبكم فيه، فإن صور الأعمال
سرلا يقومها إلا روح وجود الخشوع والإخلاص فيها، وإلا فهي سفساف أي سفساف
فإياكم والأولى وإياها هي حينئذٍ، وافعلوا منها ما تطيقون إدامته، فإنه تعالى يحب
المداومة على العمل لا ما لا تطيقون ذلك فيه.
(فَإِنَّ اللّهَ لَا يَمَلُّ) أي: يقطع ثوابه إعراضًا عن مكافأتكم على أعمالكم (حَتَّى
تَمَلُّوا) فتتركوا العمل كسلاً أو تأتوا به على وجه لا ثواب فيه كما تقرر (مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ).
في إسناد الملك إلى الله تعالى مرادًا به غايته المذكورة على طريق المشاكلة، نحو:
﴿وَمَكَرُوا وَمَكّرَ اللهُ﴾ [آل عمران: ٥٤].
﴿ وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠] لأن حقيقته تعرض فتورًا للنفس من
كثرة مزاولة شيء فيوجب الكلال في الفعل والإعراض عنه، فالإعراض المقتضي للمنع
هو غايته وصفات الله تعالى المستحيلة عليه يراد بها غايتها للرحمة والغضب
(١) أخرجه البخاري (٦١٠٠)، ومسلم (٧٨٣)، وأحمد (٢٥٣٥٦)، والبيهقي (٤٣٤٢).
(٢) أخرجه البخاري (٥٨٦١)، ومسلم (٢٧٧٩)، والبيهقى في ((سننه» (٥٤٤٤).

٨٣
تتمة كتاب الصّلاة/ باب القصد في العمل
والضحك وقيل: معناه لا يمل وإن مللتم كقوله: فلان لا ينقطع حتى ينقطع خصمه؛
أي: وإن القطع وهو بعيد؛ إذ لا يناسب ما قبله المفرع عليه بالفاء.
وقيل: لا يحتاج إلى تأويله نحو: ﴿إِنَّ اللّهَ لَا يَسْتَحْبِي أَن يَضْرِبَ مَثَلاً﴾ [البقرة:
٢٦] ليس تعالى بجسم ولا عرض، فلا يلزم من نفي شيء إمكان بثبوته، ويرد بأن هذا
إنما كان يحتمل لو لم يأت بـ((حتى)) أمَّا معها فلا يكون كما ذكر لاقتضائه ثبوت الملل
إذا وجد منا.
١٢٤٤ - [وَعَنْ أَنِسِ ﴿ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَلِ: لِيُصَلِّ أَحَدُكُمْ نَشَاطَهُ، وَإِذَا
فَتَرَ فَلْيَفْعُدْ(١). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ].
(وَعَنْ أَنْسِ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّةُ: لِيُصَلِّ أَحَدُكُمْ نَشَاطَهُ) أي: حال
كونه ناشطًا أو وقت نشاطه أو الصلاة التي نشط فيها؛ لأنه حينئذٍ يكمل ذوقه ويتم
خشوعه عند مناجاة ربه لما يجد من رائحته العمل وإقبال النفس عليه بكليتها (وَإِذَا
فَتَرَ) أي: زال نشاطه وأحس بكلال وتعب (فَلْيَقْعُدْ) فإنه حينئذٍ یناجي ربه مع الملل
المانع للخشوع من أصله، فليس في بقائه في العمل مع ذلك كبير فائدة، بل ربما فتح
الشيطان عليه باب كراهته للعمل وحسن له الانتقال إلى معصيته حتى يزول ملكه
ويرجع إلى نشاطه، فيريبك عنها ويخلفه نفسه فيما وعد به من الرجوع إلى أن يتم
بواره وهلاكه (مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ).
١٢٤٥ - [وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ الله ◌ِِّ: إِذَا نَعَسَ
أَحَدُكُمْ وَهُوَ يُصَلِّ فَلْيَرْقُدْ حَتَّى يَذْهَبَ عَنْهُ النَّوْمُ، فَإِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا صَلَّ وَهُوَ نَاعِسُ
لَا يَدْرِي لَعَلَّهُ يَسْتَغْفِرُ فَيَسُبَّ نَفْسَهُ (٢). مُتَّفَقَّ عَلَيْهِ].
(١) أخرجه البخاري (١٠٩٩)، ومسلم (٧٨٤)، وأبو داود (١٣١٢)، وأحمد (١٢٠٠٥)، والنسائي (١٣٠٦)،
وابن ماجه (١٣٧١)، وابن خزيمة (١١٨٠)، وابن حبان (٢٤٩٢).
(٢) أخرجه مالك (٢٥٧)، والبخاري (٢٠٩)، ومسلم (٧٨٦)، والترمذي (٣٥٥)، وأحمد (٢٤٣٣٢)،
وابن حبان (٢٥٨٣)، وأبو داود (١٣١٠)، وابن ماجه (١٣٧٠).

٨٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الخامس
(وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَِّ: إِذَا نَعَسَ أَحَدُكُمْ
وَهُوَ يُصَلِّ فَلْيَرْقُدْ حَتَّى يَذْهَبَ عَنْهُ النَّوْمُ، فَإِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا صَلَّ وَهُوَ نَاعِسُ لَا يَدْرِي) ما
يقوله (لَعَلَّهُ) استئناف على جهة البيان لما قبله (يَسْتَغْفِرُ فَيَسُبَّ نَفْسَهُ) بالرفع عطفًا
على (يستغفر)) وبالنصب جوابًا للترجي، ورجح؛ لأن الفاء للسببية كاللام للعاقبة في
ليكون لهم عدوًّا أو حَرْبًا؛ ولأن المعنى لعله يطلب من الله تعالى الغفران لذنبه ليصير
مزكى مطهرًا فيتكلم بما يجلب له العصيان والذم فكأنه سب نفسه (مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ).
١٢٤٦ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وََّ: إِنَّ الدِّينَ يُسْرُّ، وَلَنْ
يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدُّ إِلَّا غَلَبَهُ، فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَأَبْشِرُوا، وَاسْتَعِينُوا بِالْغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ وَشَيْءٍ
مِنَ الدُّلْجَةِ(١). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ].
(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: إِنَّ الدِّينَ) وهو ما وصفه الله
تعالى لعباده من الأحكام (يُسْرَّ) أي: ميسور، فالإخبار بالمصدر للمبالغة وتنوينه
للتعظيم؛ أي: مبناه على السهولة والترخيص ما أمكن؛ إذ قل ما وجدت عزيمة إلا
وفي مقابلتها رخصة وعنها مندوحة.
قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨].
﴿يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥].
وقال ◌َله:((إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه)(٢).
(وَلَنْ يُشَادَّ) يصح أن يكون بمعنى: أصل الفعل كـ((عاقبت اللص)) وأن
يكون على سبيل الاستعارة (الدِّينَ) وضعه موضع المضمر مبالغة في تعظيمه
والإنكار على من يشاده؛ أي: لن يبالغ في تشديد الدين الميسور (أحَدُ) يستقر على
(١) أخرجه البخاري (٣٩)، والنسائي (٥٠٣٤)، وابن حبان (٣٥١)، والبيهقي (٤٥١٨)، والقضاعي
(٩٧٦).
(٢) أخرجه الطبراني (١٠٠٣٠) وفي ((الأوسط)) (٢٥٨١)، وأبو نعيم في ((الحلية)) (١٠١/٢)، وابن حبان
(٣٥٤).

٨٥
تتمة كتاب الصلاة/ باب القصد في العمل
وصف من الأوصاف (إِلَّا) على وصف كونه قد (غَلَبَهُ) ذلك الدين حيث كابره مع
يسره، وقصد أن يغلب عليه بالزيادة فيه على ما شرع له تهورًا ورهبانية ابتدعها ما
كتبت عليه، مع أن مآل أمره إلى أن يفتر ويعجز عنها ويعود ملومًا مقصر، ومن ثم
اشتد إنكاره * على قوم أرادوا هذا التشديد على نفوسهم كما مرَّ.
وكان عبد الله بن عمرو بن العاص - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - لما كبر وضعف عما
كان أوصاه به ﴿ ﴿ من أعمال ذكر له والر معتدلها فأبى إلا مشقتها: يا ليتني قبلت
رخصة رسول الله وَسٍ، وكان قياس ما تقرر: «فلا يشاد الدين .. إلى آخره)) لأن معكوسه
المشاد مفرعة على ما في الدين من اليسر والسهولة لكن لما كان ذلك غير خفي، وكل
فهمه إلى ذهن السامع إشارة إلى شدة وضوحه وظهوره.
(فَسَدِّدُوا) خبر الشرط محذوف؛ أي: إذا ظهر لكم ما في المشادة من الوهن في
العزيمة والفترة عن العمل فكونوا على جادة السداد وهو القصد المستقيم الذي لا
تفريط فيه ولا إفراط (وَقَارِبُوا) تأكيد لـ((سددوا)) من قارب فلان إذا اقتصد
(وَأَبْشِرُوا) معشر أمة محمد ◌َله بما أنعم الله عليكم في الدنيا من هذا الدين السهل
والملة الواضحة، وفي الآخرة من الخصوصيات التي امتزتم بها على سائر الأمم.
منها: إن الله تعالى رضي منكم بالعمل القليل وأثابكم عليه بالثواب الجزيل
ورفع عنكم آصار الأمم وأسبغ عليكم عظائم النعم.
(وَاسْتَعِينُوا بِالْغَدْوَةِ) بالضم وهو من الفجر إلى طلوع الشمس (وَالرَّوْحَةِ) وهي
آخر النهار؛ أي: السير فيهما (وَشَيْءٍ مِنَ الدُّلْجَةِ) بالضم والفتح من أدلج بالتشديد
صار آخر الليل وبالتخفيف للسير أوله، استعير السير في هذه الثلاثة لإحيائها
بالأعمال الصالحة على وزن: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَِ النَّهَارِ وَزُلَفَّا مِّنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ
يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود:١١٤] لأن العبادة تسهل فيها لتفرغ فيها عن الاشتغال وتحدي
أحدًا أعظم وأفضل ممن يحيي النهار بالعمل والليل بالسهر مشادة للدين وتعمقًا فيه،
فإنه لا بد أن يمل وينقطع ومن ثم لم يوجب الله على عباده بل لم يشرع لهم استغراق

٨٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الخامس
الأوقات كلها بالعبادة، بل جعل العبادة وظائف في أوقات مخصوصة لتقبل النفس
عليها بكليتها لذلك.
وجاء في الأحاديث مرسل: ((إن هذا الدين متين فأوغل برفق ولا تبغض إلى
نفسك عبادة الله))(١) فإن المنبت؛ أي: المكلف دابته فوق طاقتها لا أرضًا قطع ولا ظهراً
أبقى؛ لأن دابته تعجز فتقف فلا أبقى ظهرًا ولا قطع المسافة التي أرادها فكذا حال
من يشاد الدين (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ).
١٢٤٧ - [وَعَنْ عُمَرِ ﴿ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَِّ: مَنْ نَامَ عَنْ حِزْبِهِ أَوْ عَنْ شَيْءٍ
مِنْهُ، فَقَرَّأَهُ فِيمَا بَيْنَ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَصَلَاةِ الظُّهْرِ كُتِبَ لَهُ كَأَنَّمَا قَرَّأَهُ مِنَ اللَّيْلِ(٢). رَوَاهُ
مُسْلِمُ].
(وَعَنْ عُمَر ◌َ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: مَنْ نَامَ عَنْ حِزْبِهِ) أي: الأذكار
المشروعة التي رتبها على نفسه وأصله النوبة من ورد الماء، ثم نقل إلى كل ما يجعله
الإنسان من صلاة وقراءة وغيرهما، وذكر القراءة هنا يحتمل أنه لاختصاص الثواب
الأوفى، ويحتمل أنه على جهة المثال، فكل حزب كذلك ويؤيد هذا ما يأتي عن أئمتنا.
(أَوْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ، فَقَرَأَهُ فِيمَا بَيْنَ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَصَلَاةِ الُّهْرِ) قيل: وجه
تخصيص هذا الوقت أنه يلحق بالليل دون ما بعده في نية صوم النفل. انتهى.
وبفرض صحة ذلك فالتخصيص له لعدم طلب القضاء في غير هذا الوقت، بل
لكونه فيه أفضل كما سيعلم من كلام أئمتنا، والمعنى الذي شرع له القضاء يدل على
ذلك (كُتِبَ لَهُ) أي: أثبت أجره في صحيفة عمله (كَأَنَّمَا) أي: إتيانًا مثل إتيانه حين
(١) أخرجه أحمد (١٣٠٧٤)، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (٣٨٨٦) وفي («سننه» (٤٥٢١)، والضياء
(٢١١٥).
(٢) أخرجه مسلم (٧٤٧)، وأبو داود (١٣١٣)، والترمذي (٥٨١) وأحمد (٢٢٠)، والنسائي (١٧٩٠)،
وابن حبان (٢٦٤٣)، والدارمي (١٤٧٧)، وأبو يعلى (٢٣٥)، وعبد الرزاق (٤٧٤٨)، والبزار (٣٠٢)،
وابن ماجه (١٣٤٣)، وابن خزيمة (١١٧١)، والبيهقي (٤٣٤٠).

٨٧
تتمة كتاب الصّلاة/ باب القصد في العمل
(قَرَأَهُ مِنَ اللَّيْلِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وبه أخذ أئمتنا.
قال الغزالي: ينبغي لمن فاته ورد أن يتداركه في وقت آخر؛ لئلا تميل نفسه إلى
الدعة والرفاهية.
وقال النووي بعد هذا الحديث: فيه دلالة على استحباب المحافظة على الأوراد
وأنها إذا فاتت تقضى.
١٢٤٨ - {وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: صَلِّ قَائِمًا فَقَاعِدًا
فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ(١). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ].
(وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: صَلِّ) أي: الفرض (قَائِمًا
فَقَاعِدًا فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) زاد غيره: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا
إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] وهذا هو وجه مناسبة ذكره هذا مع كونه تقدم؛ إذ فيه من
اليسر والسهولة ما لا يخفى.
١٢٤٩ - [وَعَنْهُ أَنَّهُ سَأَلَ النَّبِيَّ وَِّ عَنْ صَلَاةِ الرَّجُلِ قَاعِدًا قَالَ: إِنْ صَلَى قَائِمًا
فَهُوَ أَفْضَلُ، وَمَنْ صَلَّى قَاعِدًا فَلَهُ نِصْفُ أَجْرِ الْقَائِمِ، وَمَنْ صَلَّ قَائِمًا فَلَهُ نِصْفُ أَجْرٍ
الْقَاعِدِ (٢). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ].
(وَعَنْهُ أَنَّهُ سَأَلَ النَّبِيَّ نَّهِ عَنْ صَلَاةِ الرَّجُلِ) النفل (قَاعِدًا قَالَ: إِنْ صَلَّى قَائِمًا
فَهُوَ أَفْضَلُ) أمَّا صلاة الفرض قاعدًا مع القدرة فباطل إجماعًا، بل من أنكر وجوب
القيام كفر؛ لأنه معلوم من الدين بالضرورة.
(وَمَنْ صَلَّى قَاعِدًا) أي: لغير عذر كما قاله سفيان الثوري وغيره لما مر في
الأحاديث الصحيحة أن العذر يلحق صاحبه التارك لأجله مع أن نيته لولا العذر
(١) أخرجه البخاري (١٠٦٦)، وأبو داود (٩٥٢)، والترمذي (٣٧٢)، وأحمد (١٩٨٣٢)، وابن ماجه
(١٢٢٣).
(٢) أخرجه البخاري (١٠٦٤)، والترمذي (٣٧١) وقال: حديث حسن صحيح، والنسائي (١٦٦٠)،
وابن ماجه (١٢٣١)، وأحمد (١٩٩٨٨)، والبيهقي (٣٤٩٥).

٨٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الخامس
لفعل بالفاعل في الثواب (فَلَهُ نِصْفُ أَجْرِ الْقَائِمِ، وَمَنْ صَلَّى قَائِمًا) لغير عذر (فَلَهُ
نِصْفُ أَجْرِ الْقَاعِدِ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) ومحله في غير نبينا وَّةِ، أمَّا هو فمن خصائصه أن
تطوعه غير قائم كهو قائمًا؛ لأن الكسل مأمون في حقه وشمل النائم من على جنب
أيمن أو أيسر ومن على قفاه، وحينئذٍ فيه أبلغ حجة على من حرم الاضطجاع في صلاة
النفل مع القدرة على القعود وفي إباحة ترك القيام في النفل رخصة عظيمة من الشارع
مناسبة لکون الدین یسرًا، فلذا ذكره هنا مع تقدمه.
(الفصل الثاني)
١٢٥٠ - [عَنْ أَبِي أُمَامَةَ ﴾ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَّهِ يَقُولُ: مَنْ آوَى إِلَى فِرَاشِهِ
طَاهِرًا، وذكرَ اللّهَ حَتَّى يُدْرِكَهُ النُّعَاسُ لَمْ يَنْقَلِبْ سَاعَةً مِن اللَّيْلِ يَسْأَلُ اللهَ فِيهَا خَيْرًا مِنْ
خَيْرَي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ إِلَّا أَعْطَاهُ إِيَّاهُ(١). ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ فِي كِتَابِ ((الأَذْكَارِ)) بِرِوَايَةِ ابْنِ
السُّنِ].
(عَنْ أَبِي أَمَامَةَ ﴾، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِوَ يَقُولُ: مَنْ آوَى إِلَى فِرَاشِهِ) بالقصر
والمد بمعنى: يتعدى بنفسه أو بالحرف كـ((أويت إلى المنزل)) و((أويت غيري)) وإنكار
بعضهم المقصور المتعدي مردود بقول الأزهري: إنه لغة فصيحة (طَاهِرًا) من الحديثين
كما هو الظاهر (وذكرَ اللهَ حَتَّى يُدْرِكَهُ النُّعَاسُ لَمْ يَنْقَلِبْ سَاعَةً مِن اللَّيْلِ يَسْأَّلُ اللهَ)
حال من فاعل ((ينقلب)) (فيهَا خَيْرًا مِنْ خَيْرَي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ إِلَّا أَعْطَاهُ إِيَّاهُ. ذَكَرَهُ
التَّوَوِيُّ فِي كِتَابِ ((الأَذْكَار)) بِرِوَايَةِ ابْنِ السُّنِّيِّ).
ووجه مناسبة ذكر هذا في هذا الباب: إن هذا فيه غاية التيسير حيث كان النوم
على طهارة والذكر متكفلاً فتقبل هذه الفائدة العظيمة بعد الاستيقاظ منه، وهي
استجابة سائر أدعيته المتعلقة بخيري الدنيا والآخرة بمجرد هذا الشيء السهل.
١٢٥١ [وَعَنْ عَبْدِ الله بن مَسْعُودٍ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: عَجِبَ رَبُّنَا مِنْ
(١) أخرجه الترمذي (٣٥٢٦) وقال: حسن غريب، والطبراني (٧٥٦٨)، وذكره النووي في ((الأذكار))
(٢٦).

٨٩
تتمة كتاب الصلاة/ باب القصد في العمل
رَجُلَيْنِ: رَجُلٍ ثَارَ عَنْ وِطَائِهِ وَلِحَافِهِ مِنْ بَيْنِ حِبِّهِ وَأَهْلِهِ إِلَى صَلاتِهِ، فَيَقُولُ اللهُ
لِمَلائِكَتِهِ: انْظُرُوا إِلَى عَبْدِي ثَارَ مِنْ فِرَاشِهِ وَوِطَائِهِ مِنْ بین حِبِّهِ وَأَهْلِهِ إِلَى صَلاتِهِ
رَغْبَةً فِيمَا عِنْدِي وَشَفَقَةً مِمَّا عِنْدِي، وَرَجُلُّ غَزَا فِي سَبِيلِ اللّهِ فَانْهَزَمَ مَعَ أَصْحَابِهِ،
فَعَلِمَ مَا عَلَيْهِ فِي الانْهِزَامِ، وَمَا لَهُ فِي الرُّجُوعِ، فَرَجَعَ حَتَّى أَهْرِيقَ دَمُهُ، فَيَقُولُ اللهُ
لِمَلائِكَتِهِ: انْظُرُوا إِلَى عَبْدِي رَجَعَ رَغْبَةً فِيمَا عِنْدِي، وَشَفَقًّا مِمَّا عِنْدِي حَتَّى أَهْرِيقَ
دَمُهُ(١). رَوَاهُ فِي (شَرْحِ السُّنَّةِ)].
(وَعَنْ عَبْدِ الله بن مَسْعُودٍ ﴿ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: عَجِبَ) أي: رضي
وأناب لاستحالة معناه الحقيقي على الله تعالى، وهو تغير يعرُض لرؤية ما خفي بسببه
وما لم يؤلف (رَبُّنَا مِنْ رَجُلَيْنِ: رَجُلٍ ثَارَ) أي: قام بهمة ونشاط (عَنْ وِطَائِهِ) أي:
فراشه الذي يوطأ ويمهد له (وَلِخَافِهِ مِنْ بَيْنِ حِبِّهِ) أي: محبوبه كزوجته (وَأَهْلِهِ إِلَى
صَلاتِهِ، فَيَقُولُ اللهُ لِمَلائِكَتِهِ) إعلامًا لهم بعظيم حسن صنيعه حتى يكثر دعاؤهم
له وتعظيمهم إياه (انْظُرُوا إِلَى عَبْدِي ثَارَ مِنْ فِرَاشِه وَوِطَائِهِ مِنْ بين حِبِّهِ وَأَهْلِهِ إِلَى
صَلاتِهِ رَغْبَةً فِيمَا عِنْدِي) من الثواب الجزيل (وَشَفَقَةً) أي: خوفًا (مِمَّا عِنْدِي) من
العذاب الأليم، فيه إشارة إلى أن العمل لله مع رجاء الثواب الذي رتبه على ذلك العمل
وطلب حصوله لا ينافي الإخلاص والكمال، وإن ما في الأكمل وهو العمل ابتغاء
وجه الله لا لغرض ألبتة.
وأمَّا قول الفخر الرازي عن المتكلمين: إن من عبد لأجل الثواب والخوف من
العقاب لم تصح عبادته، يتعين تأويله بأنه محض عمله لذلك، بحيث لو خلا عن ذلك
انتفت عبادته.
(وَرَجُلُّ غَزَا فِي سَبِيلِ اللّه فَانْهَزَمَ مَعَ أَصْحَابِهِ، فَعَلِمَ مَا عَلَيْهِ فِي الانْهِزَامِ، وَمَا
لَهُ) من الثواب العظيم (في الرُّجُوعِ) إلى قتال العدو (فَرَجَعَ) وقاتلهم (حَتَّى أُهْرِيقَ)
(١) أخرجه أحمد (٣٩٤٩)، والطبراني (١٠٣٨٣)، وابن حبان (٢٥٥٧)، والحاكم (٢٥٣١) وقال:
صحيح الإسناد، والبيهقي (١٨٣٠٥)، وأبو يعلى (٥٢٧٢)، والبغوي في ((شرح السنة)) (١٥٥/٢).

٩٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الخامس
أي: أريق (دَمُّهُ، فَيَقُولُ اللهُ لِمَلائِكَتِهِ: انْظُرُوا إِلَى عَبْدِي رَجَعَ رَغْبَةً فِيمَا عِنْدِي،
وَشَفَقًّا مِمَّا عِنْدِي حَتَّى أَهْرِيقَ دَمُه. رَوَاهُ) البغوي (في (شَرْحِ السُّنَّةِ))).
(الفصل الثالث)
١٢٥٢ - [عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرو قَالَ: حُدِّثْتُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَلَ قَالَ: صَلَاةُ
الرَّجُلِ قَاعِدًا نِصْفُ الصَّلَاةِ، قَالَ: فَأَتَيْتُهُ فَوَجَدْتُهُ جَالِسًا فَوَضَعْتُ يَدِي عَلَى رَأْسِهِ،
فَقَالَ: مَا لَكَ يَا عَبْدَ الله بْنَ عَمْرو؟ قُلْتُ: حُدِّثْتُ يَا رَسُولَ اللهِ أَنَّكَ قُلْتَ: صَلَاةُ
الرَّجُلِ قَاعِدًا عَلَى نِصْفِ الصَّلَاةِ وَأَنْتَ تُصَلِّ قَاعِدًا، قَالَ: أَجَلْ وَلَكِنِّي لَسْتُ كَأَحَدٍ
مِنْكُمْ(١). رَوَاهُ مُسْلِمٌ].
(عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرو قَالَ: حُدِّثْتُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَِّ قَالَ: صَلَاةُ الرَّجُلِ
قَاعِدًا نِصْفُ الصَّلَاةِ) أي: نصف أجر صلاة القائم كما مر التصريح به في حديث
البخاري (قَالَ: فَأَتَيْتُهُ فَوَجَدْتُهُ جَالِسًا فَوَضَعْتُ) بعد فراغه؛ إذ لا يظن به الوضع قبله
(يَدِي عَلَى رَأْسِهِ) كان ذلك كافٍ في عادتهم يفعله المستغرب الشيء، المتعجب من
وقوعه مع من استغرب منه ذلك، فلا ينافي المتعارف إلا أن ذلك خلاف الأدب،
ونظيره أن بعض العرب كان ربما مس لحيته الشريفة عند مفاوضته معه.
(فَقَالَ: مَا لَكَ) أي: أيّ شيء أقلقك وأزعجك حتى فعلت ذلك (يَا
عَبْدَ الله بْنَ عَمْرو؟) وأنت من العلم والتقدم بالمحل المعروف، ولذا جاء أنه كان
أحفظ من أبي هريرة وأفقه.
(قُلْتُ: حُدِّثْتُ) عنك (يَا رَسُولَ الله أَنَّكَ قُلْتَ: صَلَاةُ الرَّجُلِ قَاعِدًا عَلَى نِصْفٍ
الصَّلَاةِ وَأَنْتَ تُصَلِّ قَاعِدًا) ومن عادتك أنك إنما تفعل الأفضل، فما المعنى الباعث على
فعل خلافه حتى لا يُقتدى بالفعل المخالف له، فإن لنا فيك أسوة حسنة، وقد منعنا
من التأسي هنا ما حدثت به عنك أن هذا الفعل مفضول لا فاضل.
(١) أخرجه مسلم (٧٣٥)، وأبو داود (٩٥٠)، والنسائي (١٦٥٩)، وأحمد (٦٨٩٤).

٩١
تتمة كتاب الصّلاة/ باب القصد في العمل
(قَالَ: أَجَلْ) قد قلت ذلك (وَلَكِنِّي) إنما فعلت ذلك لأبيِّن لكم أني في هذا
(لَسْتُ كَأَحَدٍ مِنْكُمْ) لأن الله تعالى إنما جعل للقاعد منكم نصف القائم؛ لأنه
غالبًا يترك القيام كسلاً وترفهًا، فأمَّا أنا فالكسل مأمون في حقي، فكان تنفلي قاعدًا
كهو قائمًا، فحينئذٍ لا يشكل عليك مخالفة الفعل للقول (رَوَاهُ مُسْلِمْ).
١٢٥٣ - [وَعَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ قَالَ: قَالَ رَجُلُّ مِنْ خُزَاعَةَ: لَيْتَنِي صَلَّيْتُ
فَاسْتَرَحْتُ، فَكَأَنَّهُمْ عَابُوا ذَلِكَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَِّ يَقُولُ: أَقِمِ الصَّلَاةَ
يَا بِلَالُ، أَرِحْنَا بِهَا)(١).
(وَعَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ قَالَ: قَالَ رَجُلُ مِنْ خُزَاعَةَ: لَيْتَنِي صَلَّيْتُ فَاسْتَرَحْتُ،
فَكَأَنَّهُمْ) أي: سرعان الناس الذين ليس لهم خبرة بالنصوص نحو: ﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةً إِلَّا
عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٥].
(عَابُوا ذَلِكَ) أي: تمنيه للاستراحة في الصلاة (عَلَيْهِ) مع كونها شاقة على
النفس (فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَ يَقُولُ: أَقِمِ الصَّلَاةَ يَا بِلَالُ، أَرِحْنَا بِهَا) أي:
بأدائها عن شغل القلب بها كذا قيل، والظاهر أنه ليس مرادًا، وإنما المراد أرحنا
بالدخول فيها المترتب على إقامتك لما يتلذذ به من مناجاة الحق وتدبر آياته ومظاهر
أسمائه وصفاته، مع ما يقتضيه علينا من مجال قربه ولطائف شهوده وينفصل به من
قرة العين الدافعة لكل بين.
و((جعلت قرة عيني في الصلاة))(٢) أي: لحصول مأمولها وغاية مرغوبها ومسؤولها،
وهذه راحة لا يقاومها راحة وساحة كرم لا يشبهها ساحة، يقال: أراح واستراح إذا
رجعت إليه نفسه بعد الإعیاء.
(١) أخرجه أبو داود (٤٩٨٧).
(٢) أخرجه أحمد (١٢٣١٥)، والنسائي (٣٩٣٩)، وابن سعد (٣٩٨/١)، وأبو يعلى (٣٥٣٠)، والحاكم
(٢٦٧٦) وقال: صحيح على شرط مسلم، والبيهقي (١٣٢٣٢)، والضياء (١٦٠٨).

(باب الوتر)
(الفصل الأول)
١٢٥٤ [عَن ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: صَلَاةُ
اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى، فَإِذَا خَشِيَ أُحَدُكُم الصُّبْحَ صَلَّى رَكْعَةً وَاحِدَةً تُوتِرُ لَهُ مَا قَدْ صَلَّ(١).
مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ].
(عَنْ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ﴾: صَلَاةُ اللَّيْلِ) وفي
رواية صحيحة: «صلاة الليل والنهار)»(٢) (مَثْنَى مَثْنَى) بلا تنوين، وتكريره للتأكيد
الدال على أفضلية ذلك ومزيد الاعتناء به، وسبب منع صرفه ما فيه من العدل عن
اثنين اثنين والوصف. قاله سيبويه، واعترض أن الوصفية فيه عارضة كهي في اثنين فلا
يعتبر، وقد يجاب بأن الوصفية المفيدة للتكرر المفهوم منه أصلية لبنيته، فلا عروض
فیھا.
وقال الزمخشري: ما فيه من تكرر العدل، وهو أحد قولين حكاهما الزجاج:
أحدهما: إنه معدول عن اثنین اثنین.
والثاني: إنه عدل وقع في حال التكرر. انتهى.
ومن هذا الحديث أخذ أئمتنا أن الأفضل في النفل سواء المطلق وغيره أن يسلم
من ركعتين في ليل أو نهار، خلافًا لمن زعم أن نفل النهار يكون أربعًا أربعًا (فَإِذَا
خَشِيَ أَحَدُكُم الصُّبْحَ) أي: طلوع الفجر (صَلَّى رَكْعَةً وَاحِدَةً) مفردة عما قبلها (تُوتِرُ
(١) أخرجه مالك (٢٦٧)، والبخاري (٩٩٠)، ومسلم (٧٤٩)، وأبو داود (١٣٢٦)، والترمذي (٤٣٧)
وقال: حسن صحيح، والنسائي (١٦٩٢)، وابن ماجه (١٣١٩)، وابن حبان (٢٦٢٤)، وأحمد
(٦٠٠٨)، وابن أبي شيبة (٣٦٣٩٧).
(٢) أخرجه أحمد (٤٧٩١)، وأبو داود (١٢٩٥)، وابن ماجه (١٣٢٢)، والنسائي في (الكبرى)) (٤٧٢)،
وابن خزيمة (١٢١٠).
٩٢٠

٩٣
تتمة كتاب الصلاة/ باب الوتر
لَهُ) عن أصله، وهو يوتر بها إشارة إلى عظيم فضلها (مَا قَدْ صَلَّ) من فرض أو نفل،
فلا حجة فيه لمن منع الإيتار بركعة لم يتقدمها نفل؛ أي: يجعلها بانضمامها إليه وترًا،
و(الله تعالى وتر يحب الوتر))(١).
(مُتَّفَقَّ عَلَيْهِ) وفيه الحجة على منع الفصل في صلاة الوتر، ومن ثم قال
أصحابنا: الفصل أفضل؛ لأنه أكبر آصارًا(؟) وعملاً، ولا نظر لقول أبي حنيفة : لا
يصح الفصل في صوره الثلاث؛ لمخالفته للسنة الصحيحة، كهذا الحديث وحديث
عائشة السابق: ((يسلم من ركعتين ویوتر بواحدة)»(٣) فلا يراعى خلافه حينئذٍ.
وصحَّ عنه ◌َّ الإيتار بخمس وبسبع وبتسع موصولة، وبواحدة مفصولة بعد
عشر مفصولة، فالفصل والوصل ثابتان عنه ◌َ ل﴿ فيما زاد على الثلاث، وأمَّا الثلاث
فوردت عنه مطلقة الحديث الصحيح: ((لا توتروا بثلاث وأوتروا بخمس أو سبع، ولا
تشبهوا الوتر بصلاة المغرب)»(٤) ومن ثَمَّ كره جماعة من أئمتنا وصل الثلاث للنهي عنه،
بل أخذ منه القفال بطلان الثلاث الموصولة من المتعمد العالم، وبه أفتى القاضي
الحسين، ولضعف هذه المشبهة حدًا لصحة الثلاث عنه وَلّ الدال على أن النهي
للتنزيه.
اختلف كلام القفال مرة بالصحة، ولم ينظروا لقول أبي حنيفة: إن وصلها شرط
في صحة الصبح لوجوب الترتيب عنده، فلا بدَّ من تقدم وتر صحيح؛ لما مر من
مخالفته للسنة الصحيحة التي لا تقبل تأويلاً، وخبر: ((الوتر ثلاث كوتر النهار المغرب))
لا يصح مرفوعًا، وإنما هو من قول ابن مسعود، وكان لا يسلم في ركعتي الوتر محمول على
(١) أي: جمعًا وتقاربًا.
(٢) أخرجه الترمذي (٤٥٣) وأحمد (١٢١٣)، والنسائي في ((الكبرى)) (٤٤٠)، وابن أبي شيبة (٦٨٦٧)،
وابن ماجه (١١٧٠)، والطبراني (١٠٢٦٣)، والبيهقي (٤٢٤٤)، وأبو يعلى (٤٩٨٧)، والطيالسي
(٨٨)، والديلمي (٥٨١).
(٣) تقدم تخريجه.
(٤) أخرجه الحاكم (١١٣٧)، والبيهقي (٤٥٩٤)، وابن حبان (٢٤٢٩).

٩٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الخامس
الجواز جمعًا بين الأدلة.
١٢٥٥ - [وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَيَ: الْوِتْرُ رَكْعَةُ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ(١). رَوَاهُ
مُسْلِمُ].
(وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّه وَلِ: الْوِتْرُ) بكسر أوله وفتحه (رَكْعَةٌ) يمتد وقتها
إلى آخر جزء (مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ، رَوَاهُ مُسْلِمْ) ومنه أخذ أئمتنا أن أقل الوتر ركعة، وأن
قول أبي حنيفة والثوري: ((لا يجوز الإتيار بواحدة ولا يصح)) مخالف للسنة الصحيحة،
فلا يراعى هنا أيضًا.
وروى أبو داود والنسائي وابن ماجه: ((من أحب أن يوتر بواحدة فليفعل))(٢)
وقول بعض أصحابنا: ((يكره الإيتار بركعة)) مراده: إنه يكره الاقتصار عليها؛ لأن
فعلها لا ثواب فيه، بل ردَّ بعضهم الكراهة وقال: إنها خلاف الأولى، بل صحَّ أنه وَله
اقتصر على الإيتار بواحدة)».
وقول ابن الصلاح: لم يحفظ ذلك غفلة عن هذا، وخبر: ((نهى عن الْبُتَيْراء)(٣)
ضعيف مرسل، وما روي عن ابن مسعود من قوله: ((ما أجزأت ركعة قط)) لم يثبت، ولو
ثبت قدمت الأحاديث علیه.
١٢٥٦ - [وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَيُرِ يُصَلِّ مِن
اللَّيْلِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً، وَيُوتِرُ مِنْ ذَلِكَ بِخَمْسٍ، لَا يَجْلِسُ فِي شَيْءٍ إِلَّا فِي آخِرِهَا (٤).
مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ].
(١) أخرجه مسلم (٧٥٢)، وأبو داود (١٤٢١)، والنسائي (١٦٩١)، وأحمد (٢٨٣٧)، وابن حبان
(٢٦٢٥)، والبيهقي (٤٥٤٧)، والطيالسي (٢٧٦٤)، وابن أبي شيبة (٢٦٨٩٦)، والطبراني (١٠٩٦٣).
(٢) أخرجه أبو داود (١٤٢٤)، والنسائي (١٧٢٣)، وابن حبان (١٧١)، والبيهقي في «سننه» (٤٩٨٩)،
والدارقطني (١٦٥٩).
(٣) ذكره السخاوي في المقاصد الحسنة (٢٧٣).
(٤) أخرجه مسلم (١٧٥٤)، وأبو داود (١٣٤٠)، والترمذي (٤٦١)، وأحمد (٢٦٦٨٩)، والدارمي
(١٦٣٣).

٩٥
تتمة كتاب الصلاة/ باب الوتر
(وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَِّ يُصَلِّ مِن اللَّيْلِ
ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً) منها ركعتان خفيفتان مقدمتان الوتر كما مرَّ التصريح به عنها،
والإحدى عشرة وتر يصلي ستًّا منها مفصولة.
(وَيُوتِرُ مِنْ ذَلِكَ) العدد الذي هو الإحدى عشرة (بُخَمٍْ) موصولة، ومعنى
كونها موصولة أنه (لَا يَجْلِسُ فِي شَيْءٍ) منها (إِلَّا فِي) ركعة (آخِرِهَا. مُتَّفَقُ عَلَيْهِ) وهو
صريح في جواز وصل الخمس.
١٢٥٧ - [وَعَنْ سَعْدِ بْنِ هِشَامٍ قَالَ: انْطَلَقْتُ إِلَى عَائِشَة فَقُلْتُ: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ،
أَنْبِئِينِي عَنْ خُلُقِ رَسُولِ اللهِ وَّةِ، قَالَتْ: أَلَسْتَ تَقْرَأُ الْقُرْآنَ؟ قُلْتُ: بَلَى، قَالَتْ: فَإِنَّ
خُلُقَ نَبِيِّ الله كَانَ الْقُرْآنَ، قُلْتُ: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ، أَنْبِئِينِي عَنْ وِتْرِ رَسُولِ اللهِ وَِّ،
فَقَالَتْ: كُنَّا نُعِدُّ لَهُ سِوَاكَهُ وَطَهُورَهُ فَيَبْعَثُهُ اللهُ تَعَالَى مَا شَاءَ أَنْ يَبْعَثَهُ مِنَ اللَّيْلِ،
فَيَتَسَوَّكُ وَيَتَوَضَّأُ وَيُصَلِّ تِسْعَ رَكَعَاتٍ لَا يَجْلِسُ فِيهَا إِلَّ فِي الثَّامِنَةِ، فَيَذْكُرُ اللهَ وَيَحْمَدُهُ
وَيَدْعُوهُ، ثُمَّ يَنْهَضُ وَلَا يُسَلِّمُ فَيُصَلِّ التَّاسِعَةَ، ثُمَّ يَقْعُدُ فَيَذْكُرُ اللَّهَ وَيَحْمَدُهُ وَيَدْعُوهُ، ثُمَّ
يُسَلِّمُ تَسْلِيمًا يُسْمِعُنَا، ثُمَّ يُصَلِّ رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ مَا يُسَلِّمُ وَهُوَ قَاعِدُ، فَتِلْكَ إِحْدَى عَشْرَةَ
رَكْعَةً يَا بُنَيَّ، فَلَمَّا سَنَّ وَأَخَذَهُ اللَّحْمُ أَوْتَرَ بِسَبْعٍ [وَصَنَعَ](١) فِي الرَّكْعَتَيْنِ مِثْلَ صَنِيعِهِ فِي
المُرّة الْأُولَى، فَتِلْكَ تِسْعُ يَا بُنَيَّ، وَكَانَ نَبِيُّ اللّهِ وَّهِ إِذَا صَلَى صَلَاةً أَحَبَّ أَنْ يُدَاوِمَ عَلَيْهَا،
وَكَانَ إِذَا غَلَبَهُ نَوْمٌ أَوْ وَجَعُّ عَنْ قِيَامِ اللَّيْلِ صَلَّى مِنَ النَّهَارِ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً، قَالَتْ: وَلَا
أَعْلَمُ نَبِيَّ الله ◌َِّ قَرَأَ الْقُرْآنَ كُلَّهُ فِي لَيْلَةٍ، وَلَا صَلَّى لَيْلَةً إِلَى الصُّبْحِ وَلَا صَامَ شَهْرًا كَامِلاً
غَيْرَ رَمَضَانَ(٢). رَوَاهُ مُسْلِمْ].
(وَعَنْ سَعْدِ بْنِ هِشَامٍ قَالَ: انْطَلَقْتُ إِلَى عَائِشَة فَقُلْتُ: يَا أَمَّ الْمُؤْمِنِينَ) سميت
كبقية أزواجه * بذلك؛ لأنهن كالأم في وجوب تعظيمهن واحترامهن وتحريم
نكاحهن، وأمَّا فيما وراء ذلك فهن كالأجنبيات (أَنْبِئِينِي عَنْ خُلُقِ رَسُولِ الله ◌ِّ
(١) في الأصل: ((وترك)).
(٢) أخرجه مسلم (١٧٧٣).

٩٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الخامس
قَالَتْ: أَلَسْتَ تَقْرَأُ الْقُرْآنَ؟ قُلْتُ: بَلَى، قَالَتْ: فَإِنَّ خُلُقَ نَبِيِّ اللّه كَانَ الْقُرْآنَ) أي:
التخلق بما يمكن أن يتخلق به من أخلاق الله تعالى من مظاهر الجمال تارة والجلال
أخرى، كَنَّت بذلك عن هذا استحياء من الله تعالى، وسترًا عمن لا يهتدي للحقائق
جريًا على وفور علمها وكمال أدبها، أو المراد أنه عمل بجميع ما في القرآن مما يوجب
التحلي بمعالي الأخلاق الكريمة، والتخلي عن شوائب أضدادها، كقوله تعالى: ﴿خُذِ
العَقْوَ﴾ [الأعراف: ١٩٩].
﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ﴾ [النحل: ٩٠].
﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [المؤمنون: ٩٦].
﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ ... ﴾ [لقمان: ١٧].
ومن ثم قال تعالى: ﴿ وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤].
(قُلْتُ: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ، أَنْبِنِي عَنْ وِتْرِ رَسُولِ اللهِ وَ﴾﴾ أي: عن كيفيته
بمقدماته (فَقَالَتْ: كُنَّا نُعِدُّ لَهُ سِوَاكَهُ وَطَهُورَهُ) بفتح أوله؛ أي: نهيئهما له حتى إذا قام
من الليل يجدهما بسؤاله (فَيَبْعَثُهُ اللهُ تعالى) أي: يوقظه من نومه، وأقرَّ به لأن توقظ
ليست بغفلة، وقلبه * لا غفلة فيه عن الله تعالى قط بخلاف ((يبعث)) لأنه يستعمل
للإرسال الذي لا يسع بذلك (مَا) أي: في الوقت المقدر الذي (شَاءَ أَنْ يَبْعَثَهُ) أي: یرید
إيقاظه فيه (مِنَ) تبعيضية، وقيل: بيانية، وهو بعيد (اللَّيْلِ) وذكر مفعول ((شاء)» الذي
لا يكون في الكلام الفصيح كـ((إدراك)) إلا إن كان فيه غرابة؛ والغرابة قد أشار إليها
التعبير بالبعث المنبئ غاية الاعتناء من الله تعالى بحبيبه وقال﴾ وأنه أفاض عليه حينئذٍ
حقائق المعارف وبدائع المكاشفات.
(فَيَتَسَوَّكُ وَيَتَوَضَّأُ وَيُصَلِّ تِسْعَ رَكَعَاتٍ لَا يَجْلِسُ فِيهَا إِلَّا فِي الثَّامِنَةِ، فَيَذْكُرُ اللَّهَ
وَيَحْمَدُهُ وَيَدْعُوهُ ثُمَّ يَنْهَضُ وَلَا يُسَلِّمُ فَيُصَلِّ التَّاسِعَةَ، ثُمَّ يَقْعُدُ فَيَذْكُرُ اللهَ وَيَحْمَدُهُ
وَيَدْعُوهُ) فيه إطلاق الحمد مراد به مطلق الثناء؛ لأن المراد بذلك التشهد وليس فيه
لفظ ((حمد)).

٩٧
تتمة كتاب الصلاة/ باب الوتر
(ثُمَّ يُسَلِّمُ تَسْلِيمًا يُسْمِعُنَا) ومن هذا أخذ أئمتنا أن من وصل الثلاث فأكثر له
أن يتشهد في كل من الأخيرتين، لكن الأفضل الاقتصار على تشهد في الأخيرة لما مر
من النهي عن تشبيه الوتر بصلاة المغرب فهذا لبيان الجواز.
(ثُمَّ يُصَلِّ رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ مَا يُسَلِّمُ وَهُوَ قَاعِدٌ) هذا لبيان جواز الجلوس في النفي
والصلاة بعد الوتر؛ لأن قوله وَله: ((آخر صلاتكم من الليل وترًا))(١) تقضي منع الصلاة
بعد الوتر، وبه أخذ مالك ، فبين لم لفعله ذلك أن الأمر للندب ولهذا اتضح رد ما
زعمه عياض من رد هذه الرواية؛ إذ كيف تقدم على ردِّ ما صحَّ مع إمكان الجمع بينه
وبين غيره فما ظاهره أنه يعارضه وليس صريحًا فيه.
وأمَّا قول بعضهم: إن هاتين الركعتين ركعتا الفجر فبعيد جدًّا كما هو ظاهر،
ومن ثم استدل الترمذي بالحديث على نحو ما مر فقال: فيه دليل على جواز النفل بعد
الوتر من غير نقض له خلافًا لمن منعه قبل نقض الوتر.
قال النووي: ولا يغتر بمن يعتقد سنية هاتين الركعتين ويدعو إليه لجهالته
وعدم أنسه بالأحاديث الصحيحة. انتهى، وممن قال بسنتيهما كيف لم يثبت فيها شيء.
المحاملي من أصحابنا: نعم يستثنى من ذلك المسافر، فقد ذكر ابن حبان في
(صحيحه)) الأمر بالركعتين بعد الوتر لمسافر يخاف ألَّا يستيقظ للتهجد إن بنى على أنه
غير الوتر.
ثم رُوي عن ثوبان: كنا مع رسول الله وَله في سفر فقال: ((إن هذا السفر جهد
وثقل، فإذا أوتر أحدكم فليركع ركعتين، فإن استيقظ وإلا كانتا له))(٢).
قال الشافعي : ولو بدا له تهجد بعد الوتر فالأولى أن يؤخره عنه قليلاً (فَتِلْكَ
(١) أخرجه البخاري (٩٥٣)، ومسلم (٧٥١)، وأبو داود (١٤٣٨)، وأحمد (٥٧٩٤)، وابن أبي شيبة
(٦٧٠٢)، وابن خزيمة (١٠٨٢).
(٢) أخرجه الدارمي (١٥٩٤)، وابن خزيمة (١١٠٦)، والطحاوي (٣٤١/١)، وابن حبان (٢٥٧٧)،
والدارقطني (٣٦/٢)، والطبراني (١٤١٠)، والبيهقي (٤٦٠٤)، والروياني (٦٤٤).

٩٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الخامس
إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً يَا بُنَيَّ) كان فائدة هذا مع وضوحه بيان الاعتناء بشأن هاتين
الركعتين من الوتر كما هو ظاهر سياقها، ويؤيده قولها: ((ما زاد رسول الله وَير في
رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة))(١).
وعليه فيؤخذ منه جواز كمال الوتر وإن قدم ركعتين، فلو أوتر بثلاث ثم أراد
كمال وتره صلى ثماني ركعات؛ لأنا نقول: ظاهر قوله وله: ((اجعلوا آخر صلاتكم
بالليل وترًا))(٢) الأحاديث الكثيرة الصحيحة المصرحة بأن آخر صلاته و له بالليل كانت
وترًا أن هاتين الركعتين من غير الوتر، فمن ثم أخذوا به ولم يعولوا على ذلك الاحتمال.
(فَلَمَّا سَنَّ) أي: كان في آخر صلاته قبل موته بنحو سنة (وَأَخَذَهُ اللَّحْمُ) لما مر
أوائل صلاة الليل من أن سبب ذلك - والله أعلم - حصول قرة العين له بإعطائه جميع
مطلوبه، واستراحته من عناء أمته، وبمشاهدته لدخول الناس في دين الله أفواجًا
(أَوْتَرَ بِسَبْعِ [وَصَنَعَ] (٣) فِي الرَّكْعَتَيْنِ مِثْلَ صَنِيعِهِ فِي الْمُرَّةِ الْأُولَى) السابق بيانها اتفاقًا
من کونه صلاهما جالسًا بعد وتره (فَتِلْكَ تِسْئُ یَا بُنَيَّ) فائدة ما مرَّ.
(وَكَانَ نَبِيُّ اللّهِ وَلهَ إِذَا صَلَى صَلَاةً أَحَبَّ أَنْ يُدَاوِمَ عَلَيْهَا) إن قلت: ظاهر هذا
أنه وَ ل﴿ داوم على هاتين الركعتين، وحينئذٍ يعترض بذلك ما مرَّ عن النووي من نفي
سنيَّتهما، وأن من خصائصه وَلّ أنه إذا كان عمل عملاً يداوم عليه.
قلت: ليس ظاهره ذلك، بل بيان أنه قال# مع كبر سنه وعيالة بدنه لم يترك هذا
العدد الكثير من الوتر، والفرق بينهما وبين سنة الظهر المذكور أنه ولو لم يفعل ما هنا
إلا لبيان الجواز، وهو لا يداوم عليه لحصول الغرض منه بمرة مثلاً، بخلاف سنة
الظهر، وحينئذٍ يخص ما مرَّ أنه من الخصائص بغير ما يفعل لبيان الجواز، ويؤيده ما
(١) أخرجه مالك (٢٦٣)، والبخاري (١١٤٧)، ومسلم (١٧٥٧)، وأبو داود (١٣٤٣)، والترمذي (٤٤١)،
وأحمد (٢٥١٨٠).
(٢) تقدم تخريجه.
(٣) في الأصل: ((وترك)).

٩٩
تتمة كتاب الصلاة/ باب الوتر
ذكرته من أن غرضها بيان أنه كان لا يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة
ركعة.
(وَكَانَ إِذَا غَلَبَهُ نَوْمُ أَوْ وَجَعُ) أي: مرض (عَنْ قِيَامِ اللَّيْلِ) هي الوتر لما مر أنه
كان لا يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة (صَلَّ مِن النَّهَارِ ثِنْتَيْ
عَشْرَةَ رَكْعَةً) الظاهر أنه إنما كان يفعل ذلك جبرًا لما فاته من صلاة الليل لا قضاء لها
وإلا لكان بقدرها؛ إذ القضاء يحكي الأداء، وليس لنا صلاة ليل ثنتا عشرة ركعة، فإن
قلت: هذا يقتضي أن النوافل المؤقتة لا يشرع قضاؤها، وهو خلاف ما ذهب إليه
الشافعي * وإلا لقضى صلاة الليل التي هي الوتر كما تقرر.
(قَالَتْ) لعل القضاء لم يكن مشروعًا حينئذٍ فأحب أن يأتي بما يتخير به ذلك
الوقت الفوات، أمَّا بعد شروع القضاء والظاهر أنه كان يفعله، ودليلنا على شروعه
ليلاً ونهارًا وإن طال الزمن ((إِنه ﴿ قضى سنة الظهر المتأخرة بعد العصر))(١) مُتَّفَقَّ
عَلَيْهِ.
((وقضى ركعتي الفجر يوم الوادي بعد طلوع الشمس))(٢) كما صحَّ عنه.
وروى أبو داود بإسناد حسن خلافًا لتضعيف الترمذي له: ((من نام عن وتره أو
سنته فليصلِّ إذا ذكره)(٣).
(وَلَا أَعْلَمُ نَبِيَّ اللّهِ وَلِ قَرَّأَّ الْقُرْآنَ كُلَّهُ فِي لَيْلَةٍ) أي: لم يوجد منه ذلك وإلا
لعلمته؛ لأنه لما كانت مترقبة له * في سائر أحواله بالرؤية تارة والسؤال أخرى، فعُلم
(١) أخرجه البخاري (٤١١٢)، ومسلم (٨٣٤)، وأبو داود (١٢٧٣) بلفظ: ((يا بنت أبي أمية سألت عن
الركعتين بعد العصر، وإنه أتاني أناس من عبد القيس فشغلوني عن الركعتين اللتين بعد
الظهر فهما هاتان)). وأخرجه الترمذي (١٨٤) بلفظ: عن ابن عباس قال: إنما صلى النبي صَل*
الصلاة بعد العصر؛ لأنه أتاه مال فقسمه فشغله عن الركعتين بعد الظهر، فصلاهما بعد
العصر ثم لم يعد.
(٢) ذكره ابن رشد في البيان والتحصيل (٤٦٢/١).
(٣) تقدم تخريجه.

١٠٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الخامس
أن هذا من باب نفي الشيء بنفي لازمه، وأن ذلك لا يحسن إلا ممن أحاط علمه بذلك
الشيء، وتمكن منه تمكنًا تامًّا، ومن ثَمَّ أطرد ذلك في حقه تعالى، قال عز قائلاً: ﴿قُلْ
أَتُنَّبِّئُونَ اللهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ [يونس: ١٨] نفى تعلق العلم بتفاوت طبقات
الأمة في الخيرية، وأراد به نفي التفاوت لتعلق علم الله به.
(وَلَا صَلَّى لَيْلَةً إِلَى الصُّبْحِ وَلَا صَامَ شَهْرًا كَامِلاً) دائمًا (غَيْرَ رَمَضَانَ. رَوَاهُ
مُسْلِمْ) بينت بذلك أنه ◌َّليو كان على غاية من الرفق بأمته خوفًا عليهم، لو فعل ذلك أن
يتأسوا به فيملوا أو يتضرروا في أبدانهم أو معايشهم، وأنه كان يعتريه من العوارض
البشرية ما يعتري غيره، فلو فعل ذلك لربما تعطل عن المصالح العامة التي كان يدأب
فيها طول نهاره وكثيرًا من ليله كهداية المسترشدين وتمهيد قواعد الدين، وهذا أولى
من الرعاية والمحافظة عليها من قيام الليل والصوم والقراءة المذكورات، فلذا كان ◌َله
يأخذ من كل ذلك بالحظ الأفضل منه؛ لأن جميع أفعاله وأقواله كانت على غاية السنن
الأقوم الذي لا يمكن وصول غيره لأدنى مراتبه.
واحترزت بقولي: ((دائمًا)) عما روته عائشة: ((إنه ◌َلّ كان يصوم شعبان كله))(١)
وذلك؛ لأنه لم يكن يصومه دائمًا، بل في بعض السنين كما بينته الرواية الأخرى
عنها: ((إنه كان يصوم أكثره)(٢).
١٢٥٨ [وَعَن ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - عَنِ النَّبِيِّ نَّهِ قَالَ: اجْعَلُوا آخِرَ
صَلَاتِكُمْ بِاللَّيْلِ وِتْرًّا (٣). رَوَاهُ مُسْلِمُ].
(وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - عَنِ الشَّبِيِّ وَ قَالَ: اجْعَلُوا آَخِرَ صَلَاتِكُمْ
(١) أخرجه البخاري (١٩٧٠)، ومسلم (٢٧٧٨)، والنسائي (٢١٩١)، وابن ماجه (١٧١٨).
(٢) أخرجه مالك (٦٨٩)، والبخاري (١٩٦٩)، ومسلم (٢٧٧٧)، وأبو داود (٢٤٣٦)، والترمذي
(٧٤٢)، وأحمد (٢٤٨٤٤)، والنسائي (٢١٩١).
(٣) أخرجه البخاري (٩٥٣)، ومسلم (٧٥١)، وأبو داود (١٤٣٨)، وأحمد (٥٧٩٤)، وابن أبي شيبة
(٦٧٠٢)، وابن خزيمة (١٠٨٢).