النص المفهرس

صفحات 421-440

٤٢١
تتمة كتاب الصّلاة/ باب ما على المأموم من المتابعة وحكم المسبوق
إياه كانوا كأنهم مقتدين بأبي بكر (مُتَّفَق عَلَيْهِ، وفي رواية لهما يُسْمِعُ أَبُو بَكْرٍ
التَّكْبِيرَ).
وفي رواية لمسلم: ((فكان يصلي بالناس جالسًا وأبو بكر قائمًا يقتدي أبو بكر
بصلاة رسول الله {ل# ويقتدي الناس بصلاة أبي بكر))(١).
وفي أخرى له أيضًا: ((وكان النبي ◌َّر يصلي بالناس وأبو بكر يسمعهم
التکبیر))(٢).
وهذه كلها صرائح في أن أبا بكر والناس كانوا مقتدين به وسيلة، وإنما كان أبو
بكر يسمعهم تكبيره * لضعفه عن أن يرفع صوته حتى يسمعوه، إذا تقرر ذلك
ففيه دليل على جواز القدوة في أثناء الصّلاة، وإن كان المأموم سابقًا للإمام ببعض
الصّلاة، وحينئذٍ فيتبعه المأموم في ترتيب صلاة الإمام ويترك ترتيب نفسه، وعلى جواز
الصّلاة بإمامين على التعاقب من غير تجريد نية قدوة بالثاني؛ لأن الصحابة # كانوا
مقتدين ثم صاروا مقتدين بالنبي له ولم يحفظ عنهم تجديد نية والأصل عدمه،
ووجهه أن الثاني كالخليفة عن الأول، ومن ثم لزمه ترتيب متابعة صلاته دون ترتيب
صلاة نفسه.
وبهذا الاعتبار يصح أن يقال: إن النبي وَلاير كان مقتديًا بأبي بكر؛ أي: تابعًا
لترتيب صلاة أبي بكر ممن أطلق ذلك وأراد هذا المعنى فصحيح أو حقيقة فغلط،
وعلى أن أبا بكر أفضل الصحابة وأعلمهم وأحقهم بالخلافة، ومن ثم قال الصحابة
ومنهم علي : رضيه رسول الله ﴿ لديننا، أفلا نرضاه لدنيانا، وعلى جواز الخروج من
الجماعة؛ لأن أبا بكر قطعها وتأخر فيقاس به المأموم فيجوز له مفارقة الإمام وفيه
نظر؛ لأن أبا بكر إنما قطع لعذر فلا يدل فعله على جواز المفارقة بلا عذر الذي هو
محل الخلاف.
(١) أخرجه مسلم (٩٦٨)، والنسائي (٨٤١)، والبيهقي (٣٨٠٥).
(٢) أخرجه مسلم (٩٦٩)، والبيهقي (٥٢٨٣)، وأبو عوانة (١٢٩٩).

٤٢٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الرابع
واستدل أصحابنا للجواز بأن الفرقة الأولى فارقت النبي وتعليه في صلاة ذات
الرقاع، وبما في الصحيحين أن معاذًا فظه صلى بأصحابه العشاء يطول بهم فتنحى من
خلفه رجل وصلى وحده، ثم أتى النبي وَل﴾ فأخبره بذلك فغضب وأنكر على معاذ ولم
ينكر على الرجل ولم يأمره بالإعادة، واعترض بأنه ثبت في ((مسلم)) أنه لم يبن بل قطع
واستأنف.
وجواب البيهقي بأن هذه الزيادة شاذة مردود بأن الأصح قبولها؛ لأنها لم تخالف
الثقات وهي أصح من رواية أحمد: ((إنه يجوز في صلاته)) والقول بأن الخبر يدل لنا
أيضًا؛ لأنه إذا دل على جواز إبطال أصل العبادة فعلى إبطال صفتها أولى، يرد بأنه قطع
لعذر لما في رواية الصحيحين: ((إن الرجل قال: يا رسول الله، إن معاذًا افتتح سورة
البقرة ونحن أصحاب نواضح نعمل بأيدينا فتأخرت وصليت)).
والخلاف إنما هو في المفارقة بغير عذر فليس في القطع بعذر دلالة عليهما،
نعم الذي يتجه أنهما قضيتان لشخصين فأحدهما أبطل وأحدهما فارق؛ وذلك لأنه
جاء من طرق أنها كانت في المغرب ومن أخرى أنها في العشاء، وأن معاذًا افتتح البقرة
وأنها كانت في العشاء فقد اقتربت.
قال النووي: فيجمع بين الروايات بأن يحمل على أنهما قضيتان لشخصين ولعله
كان في ليلة واحدة فإن معاذًا لا يفعله بعد النهي ويبعد أنه نسيه.
والجمع بين الأحاديث المتعارضة ما أمكن متعين، واحتمال جهل المفارق يحل
ذلك فلم ينكر ل# لذلك بعيد؛ لأنه من الأمور الظاهرة وكونه صاحب ناضح لا
يقتضي تحقق حاجته، ومن ثم قال معاذ لما قيل له عنه: إنه لمنافق يعجل عن الصّلاة
من أجل سقي نخلة؛ أي: فهو لو تأخر لفراغ الصّلاة لم يخش لحوق نقص لنخلة، ومجرد
التطويل ليس بعذر إلا إذا كان بالمأموم ضعف أو شغل، نعم المفارقة لغير عذر
مكروهة مفوتة لفضيلة الجماعة للخلاف القوي في امتناعها.
١١٤١ - [وَعَنْ أَبِيِ ﴾، هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رسولُ اللهِ وَِّ:((أَمَا يَخْشَى الَّذِي يَرْفَعُ

٤٢٣
تتمة كتاب الصّلاة/ باب ما على المأموم من المتابعة وحكم المسبوق
رَأْسَهُ قَبْلَ الإِمَامِ أَنْ يُحَوِّلَ رَأْسَهُ رَأْسَ حِمَارٍ) مُتَّفَقَّ عَلَيْهِ](١).
(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةٍ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: أَمَا يَخْشَى الَّذِي يَرْفَعُ رَأْسَهُ قَبْلَ
الإِمَامِ) الظاهر أنه وقع على جهة المثال لا القيد وأن الوعيد للآتي حاصل لكل من
سبق الإِمام ولو بالركوع أو السجود قبله مثلاً (أَنْ يُحَوّلَ رَأْسَهُ رَأْسَ حِمَارٍ. مُتَّفَقُ
عَلَيْهِ).
وفي رواية: ((أن يحول الله صورته صورة حمار)) (٢) ووجه التخصيص به مشابهة
المتقدم له في مزيد التلاوة المؤدية إلى الغفلة عن معنى إمامته المقتضية لاتباعه وعدم
سبقه، وعن أنه لا فائدة في التقدم؛ لأنه محبوس إلى سلام الإمام.
وفي قوله: ((أما يخشى)) تنبيه على أنه متعرض لهذا الوعيد الذي قد يقع وقد لا، ثم
هذا التحويل يحتمل أنه يراد به ظاهره وأن يكون مجازًا عن جميع البلادة والجهل
يفعل ما لا ينبغي ولو مع العلم بالحكم؛ إذ يقال لمن لا يعمل بعلمه؛ أي: جاهل.
قال ابن دقيق العيد: ويرجح التجوز أن التحويل الظاهر لم يقع مع كثرة رفع
المأمومين قبل الإمام. انتهى.
وقوله: ((لم يقع)) ممنوع بل حكى بعض المحدثين أنه رحل لدمشق لأخذ الحديث
عن شیخ مشهور بها فقراً علیه جماعة منه جملة مستنكرة، لكنه كان يجعل بينه وبينه
حجابًا ولم ير وجهه، فلما طالت ملازمته له ورأى حرصه على الحديث كشف الستر
الذي كان بينهما فرأى وجه حمار، فقال له: احذر يا بني أن تسبق الإمام فإني لما مربي
الحدیث استبعدت وقوعه فسبقت الإمام فصار وجهي كما ترى.
ورجح بعضهم التجوز بأن المسخ غير جائز في هذه الأمة وليس في محله؛ لأن
الممتنع المسخ العام، أمَّا المسخ الخاص كما صرحت به الأحاديث الصحيحة.
(١) أخرجه البخاري (٦٥٩)، ومسلم (٤٢٧)، وأحمد (١٠٥٥٣)، وابن أبي شيبة (٧١٤٧)، وأبو داود
(٦٢٣)، والنسائي (٨٢٨)، وابن ماجه (٩٦١)، والترمذي (٥٨٢) وقال: حسن صحيح.
(٢) انظر التخريج السابق.

٤٢٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الرابع
(الفصل الثاني)
١١٤٢ - [عَنْ عَيِّ وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ - رِضَي الله عَنْهُمَا - قَالَا: قَالَ رَسُولُ الله ◌ِّهِ:
((إِذَا أَنَى أَحَدُكُمُ الصَّلَاةَ وَالإِمَامُ عَلَى حَالٍ فَلْيَصْنَعْ كَمَا صَنَعَ الإِمَامُ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ
وَقَالَ: حَدِيْثٌ غَرِبْبُ](١).
(عَنْ عَلَيٍّ وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ - رِضَي الله عَنْهُمَا - قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَيُ: ((إِذَا
أَنَى أَحَدُكُمُ الصَّلَاةَ وَالإِمَامُ عَلَى حَالٍ فَلْيَصْنَعْ كَمَا صَنَعَ الإِمَامُ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ:
حَدِيْثٌ غَرِيْبُ) وفيه دلالة لقول أئمتنا: من أدرك الإمام في الاعتدال مثلاً لزمه
متابعته في أفعاله وإن لم تحسب للمأموم، ويسن له أن يتابعه في الأقوال كالتسبيحات
والتشهد والقنوت.
وقيل: تجب الموافقة في التشهد الأخير وغلط قائله واعترض ندب الموافقة في
التشهد الأخير بأن فيه تكرير ركن قولي وهو مبطل على قول، ويرد بمنع جريان هذا
القول في هذه الحالة وعلى تسليمه فهو شاذ حينئذٍ، فلا يراعى لهذا الخبر المقتضي
لوجوب الموافقة فيه وفي غيره فضلاً عن ندبها، ويجاب أنه يستنبط من النص معنى
تخصيصه وذلك أن المخالفة في الفعل ولو غير محسوب للإمام فيها فحش مخالفة،
فامتنعت بقيدها السابق ولا كذلك المخالفة في القول.
١١٤٣ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((إِذَا جِئْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ،
وَتَحْنُ سُجُودٌ فَاسْجُدُوا وَلَا تَعُدُّوهَا شَيْئًا، وَمَنْ أَدْرَكَ الرَّكْعَةَ فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ). رَوَاهُ
أَبُو دَاوُد](٢).
(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴿ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَِّ: ((إِذَا جِئْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ، وَتَحْنُ
(١) أخرجه الترمذي (٥٩١) وقال: غريب لا نعلم أحدًا أسنده إلا ما روي من هذا الوجه. والطبراني
(٢٦٧)، والديلمي (١٢٤٠).
(٢) أخرجه أبو داود (٨٩٣)، والحاكم (١٠١٢) وقال: صحيح. والبيهقي (٢٤٠٧)، والدارقطني
(٣٤٧/١)، والديلمي (١٠٦١).

٤٢٥
تتمة كتاب الصّلاة/ باب ما على المأموم من المتابعة وحكم المسبوق
سُجُودٌ))) عدل إليه عن ((ساجدون)) الذي هو الأصل للمبالغة كرجل عدل (فَاسْجُدُوا
وَلَا تَعُدُّوهَا شَيْئًا) فيه للتصريح بما قلناه: إنه يجب متابعة الإمام في أفعاله وإن لم تجب
للمأموم.
(وَمَنْ أَدْرَكَ الرَّكْعَةَ) أي: ركوعها مع الإمام (فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلاةَ) أي: تلك
الركعة بالنسبة للعدد وثواب تلك الصّلاة مع الجماعة لما يأتي من حصوله بإدراك جزء
منها مع الإمام، أو فقد أدرك الصّلاة بصفتها في الجمعة؛ إذ لا تدرك إلا بركعة؛ لأنه
يحتاط لها ما لا يحتاط لغيرها.
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُد) ويوضحه حديث ابن حبان وصححه: ((من أدرك ركعة من
الصَّلَاة قبل أن يقيم الإمام صلبه فقد أدركها))(١) وبه أخذ أصحابنا فقالوا: إذا أدرك
المسبوق وإن قصر على الأصح فإن لم يحرم عقب الإمام مع تمكنه ركوع الإمام ولو
صبيًّا على الأصح المحسوب له بأن يكون متطهرًا؛ أي: حالة الركوع وإن أحدث بعده
في ركعة أصلية ويكون الأول من كل من ركعتي صلاة الخسوف يقينًا قبل أن يرتفع
الإمام عن أقل الركوع أدرك الركعة حتى ثواب جميعها.
وقال جمع محدثون فقهاء من أصحابنا: لا تدرك الركعة بإدراك الركوع مطلقًا
الخبر: ((من أدرك الركوع فليركع معه وليعد الركعة)»(٢) ورد بأن هذه مقالات خارقة
للإجماع وبأن الحديث لم يصح وأجيب بما لا يصح، ومن ثم قال النووي: إن هذا
الخلاف ضعيف مزيف؛ أي: فلا تسن مراعاته ولا الخروج منه، ثم قال نقلاً عن غيره:
إن الأنصار اتفقوا على رده فلا يعتد به.
وقول البخاري: إنما أجاز إدراك الركوع من الصحابة من لم ير القراءة خلف
الإمام لا من رآها كأبي هريرة، جوابه أن من يجد الصحابة أجمعوا على الإدراك بناء على
انعقاد الإجماع على أحد قولين لمن قبلهم، فاندفع اختيار السبكي لتلك المقالة وقول
(١) أخرجه ابن خزيمة (١٥١٠)، والبيهقي (٢٦٧٨)، والدار قطني (١٣٢٩).
(٢) لم أقف عليه.

٤٢٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الرابع
غيره: إنها قوية فيندب الخروج منها بأن يؤخر إحرامه معه إلى أن يعتدل.
١١٤٤ - [وَعَنْ أَنَسِ بَ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((مَنْ صَلَّ لله أَرْبَعِينَ يَوْمًا فِي
جَمَاعَةٍ يُدْرِكُ التَّكْبِيرَةَ الأُولَى كُتِبَتْ لَهُ بَرَاءَتَانِ: بَرَاءَةٌ مِنَ النَّارِ)، وَبَرَاءَةٌ مِنَ النِّفَاقِ)).
رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ](١).
(وَعَنْ أَفَسِ بَ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: (مَنْ صَلَّى الله أَرْبَعِينَ يَوْمًا فِي جَمَاعَةٍ
يُدْرِكُ التَّكْبِيرَةَ الأُولَى كُتِبَتْ لَهُ بَرَاءَتَانِ: بَرَاءَةٌ مِنَ النَّارِ))) أي: بالنسبة المداومه] فقط
کما مرَّ.
(وَبَرَاءَةٌ مِنَ التّفَاقِ) لدلالته على محبة الخير وصلاح القلب فيأمن في الدنيا من
أن يعمل عمل المنافق ويوفق لعمل أهل الإخلاص، ويأمن في الآخرة مما يعذبه المنافق
أو يشهد له أنه غير منافق فإن المنافقين: ﴿إِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاة قَامُوا كُسَالَى﴾ [النساء:
١٤٢] وحال هذا بخلافهم (رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ) بسند منقطع ومع ذلك يعمل به؛ لأنه في
(«الفضائل)).
وروى البزار وأبو داود خبر: ((لكل شيء صفوة وصفوة الصَّلاة التكبيرة الأولى
فحافظوا عليها)(٢) ومن ثم كان إدراكها سنة مؤكدة وكان السلف إذا فاتتهم الصّلاة
عزوا أنفسهم ثلاثة أيام، وإذا فاتتهم الجماعة عزوا أنفسهم سبعة أيام، وإنما يحصل
إدراكها لمن كان حاضرًا لتحرم الإمام كما أفاده قوله في الحديث: ((يدرك التكبيرة
الأولى)) إذ من أحرم الإمام في غيبته لا يسمى مدركًا لها وإن تحرم عقب تحرم الإمام من
غير وسوسة ظاهرة.
١١٤٥ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴿ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَ﴾: «مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ وُضُوءَهُ
ثُمَّ رَاحَ فَوَجَدَ النَّاسَ قَدْ صَلَّوْا أَعَطَاهُ الله مِثْلَ أَجْرٍ مَنْ صَلَّهَا وَحَضَرَهَا وَلَا يَنْقُصُ
(١) أخرجه الترمذي (٢٤١) وقال: قد رُوي هذا الحديث عن أنس موقوفًا. والبيهقي في شعب
الإيمان (٢٨٧٥).
(٢) أخرجه أبو يعلى (٦١٤٣)، والبيهقي في شعب الإيمان (٢٩٠٨)، والديلمي (٤٩٩٤).

٤٢٧
تتمة كتاب الصّلاة/ باب ما على المأموم من المتابعة وحكم المسبوق
ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُد](١).
(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَة ◌َ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ وُضُوءَهُ) أي:
أتى بأركانه وشروطه أو ومكملاته (ثُمَّ رَاحَ) أي: ذهب؛ أي: وقت كان إلى محل الجماعة
(فَوَجَدَ النَّاسَ قَدْ صَلَّوْا أَعَطَاهُ الله مِثْلَ أَجْرٍ مَنْ صَلَّهَا وَحَضَرَهَا وَلَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ
أُجُورِهِمْ شَيْئًا. رَوَاهُ أَبُو دَاوُد والنَّسَائِي) بإسناد حسن.
قال بعض أئمتنا: ومحل ذلك فيمن اتفق له قراءتها، أمَّا من اعتاده فلا يكتب
له شيء من ثوابها.
وقال بعضهم: يؤخذ منه أن محل الخلاف في كون الجماعة تدرك بإدراك جزء
مع الإمام قبل سلامه، والأصح إدراكها بذلك، لكنه دون إدراك جميعها ما إذا أدركها
اتفاقًا، فإن قصدها كتب له أجرها قطعًا وإن وجد الإمام قد سلم لأحاديث في ذلك،
منها هذا الحديث واعترض بأن هذا لا يأتي ما عليه النووي كالجمهور في أن عذر
الجماعة إنما يقتضي نفي الكراهة أو الإثم لا حصول فضلها، وأجيب بأن هذه المقالة
فيمن لم يكن يلازم الجماعة وإلا حصل له فضلها.
ومن ثم قال جمع من أئمتنا: إن تارك الجماعة لعذر ينال أصل فضلها لا كماله
المقتضي للمضاعفة إن كان عارضًا عليها لولا العذر لخبر البخاري: ((إذا مرض
العبد كتب له ما كان يعمله صحيحًا)»(٢) واشترط بعضهم لحصول فضلها كونه ملازمًا
لها وعزمه عليها لولا العذر.
١١٤٦ - [وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِي﴾ قَالَ: جَاءَ رَجُلُ وَقَدْ صَلَّى رَسُولُ اللهِ وَّ
فَقَالَ: أَلَا رَجُلُ يَتَصَدَّقُ عَلَى هَذَا يُصَلِّ مَعَهُ؟ فَقَامَ رَجُلْ فَصَلَّى مَعَهُ رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَأَبُو
(١) أخرجه أحمد (٨٩٣٤)، وأبو داود (٥٦٤)، والنسائي (٨٥٥)، والحاكم (٧٥٤) وقال: صحيح على
شرط مسلم. والبيهقي (٤٧٨٩)، وعبد بن حميد (١٤٥٥)، والبخاري في التاريخ الكبير (٤٦/٨)،
والبيهقي في شعب الإيمان (٢٨٩٤).
(٢) أخرجه البخاري (٢٨٣٤)، وأحمد (١٩٦٩٤)، وابن حبان (٢٩٢٩).

٤٢٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الرابع
دَاوُد](١).
(وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِي ﴿ قَالَ: جَاءَ رَجُلُ وَقَدْ صَلَّى رَسُولُ الله ◌ِ﴾) صلاة
العصر (فَقَالَ: أَلا رَجُلٌ يَتَصَدَّقُ عَلَى هَذَا) سماه صدقة؛ لأنها لا تختص بالمال بل يشمل
كل نفع وأصل للغير أخروي أو دنيوي كما نطقت به الأحاديث الصحيحة، منها: ((كل
معروف صدقة))(٢) والنفع هنا أنه لو صلى منفردًا حصلت له درجة واحدة، فبصلاته
معه تحصل له ستة وعشرون درجة.
(فَيُصَلِّ) بالنصب؛ لأنه في جواب الاستفهام، ويصح الرفع عطفًا على ((يتصدق))
الواقع خبرًا لـ((لا)) التي بمعنى ليس (مَعَهُ؟ فَقَامَ رَجُلُ) هو أبو بكر﴾، كما في ((سنن))
البيهقي (فَصَلَّ مَعَهُ رَوَاهُ التِّزْمِذِيّ) وحسنه (وَأَبُو دَاوُد).
فيه دلالة على أن من صلى في جماعة أخرى إمامًا كان أو مأمومًا وإن كانت
الثانية أقل من الأولى، وأن الجماعة تحصل بإمام ومأموم، وأن المسجد المطروق لا
يكره فيه جماعة بعد جماعة، وأنه لا فرق في الإعادة بين وقت الكراهة وغيره ولا بين
أن يكون الإمام الأولى أكمل وإن لا.
ووجه مناسبة هذا الحديث لهذا الباب أن فيه بيان حكم من أحكام المسبوق،
وهو أنه يسن لمن صلى أن يعيد معه ليحصل له ثواب الجماعة، ويسن لمن له عذر في
عدم الصّلاة معه أو لم يردها أن يشفع إلى من يصلي معه.
(الفصل الثالث)
١١٤٧ [عَنْ عُبَيْدِ الله بْنِ عَبْدِ اللّه قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ فَقُلْتُ لَهَا أَلَا
تُحَدِّثِينِي عَنْ مَرَضِ رَسُولِ اللهِ وَهِ قَالَتْ: بَلَى، ثَقُلَ النَّبِيُّ ◌َ فَقَالَ: ((أَصَلَّى النَّاسُ))
قُلْت: لَا يَا رَسُولَ اللهِ، وَهُمْ يَنْتَظِرُونَكَ. قَالَ: ((ضَعُوا لِي مَاءً فِي الْمِخْضَبِ)) قَالَتْ:
(١) تقدم تخريجه.
(٢) أخرجه البخاري (٥٦٧٥)، ومسلم (١٠٠٥)، وأحمد (٢٣٤١٨)، وأبو داود (٤٩٤٧)، وابن حبان
(٣٣٧٨)، وابن أبي شيبة (٢٥٤٢٦)، والبيهقي في شعب الإيمان (٣٣٣٠).

٤٢٩
تتمة كتاب الصّلاة/ باب ما على المأموم من المتابعة وحكم المسبوق
فَفَعَلْنَا فَاغْتَسَلَ فَذَهَبَ لِيَنُوءَ فَأُغْمِيَ عَلَيْهِ، ثُمَّ أَفَاقَ فَقَالَ: (أَصَلَّى النَّاسُ)). قُلْت: لَا، هُمْ
يَنْتَظِرُونَكَ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: ((ضَعُوا مَاءً فِي الْمِخْضَبِ)) فَقَعَدَ فَاغْتَسَلَ، ثُمَّ ذَهَبَ لِيَنُوءَ
فَأُغْمِيَ عَلَيْهِ، ثُمَّ أَفَاقَ فَقَالَ: (أَصَلَى النَّاسُ)). قُلْنَا: لَا، هُمْ يَنْتَظِرُونَكَ يَا رَسُولَ الله
وَالنَّاسُ عُكُوفُ فِي الْمَسْجِدِ يَنْتَظِرُونَ النَّبِيَّ ◌َهْ لِصَلَاةِ الْعِشَاءِ الآخِرَةِ، فَأَرْسَلَ النَّبِيُّ
وَّهِ إِلَى أَبِي بَكْرٍ بِأَنْ يُصَلِّ بِالنَّاسِ، فَأَتَاهُ الرَّسُولُ فَقَالَ لَهُ: إِنَّ رَسُولَ الله ◌َِّ يَأْمُرُّكَ أَنْ
تُصَلِّيَّ بِالنَّاسِ. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ وَكَانَ رَجُلاً رَقِيقًا: يَا عُمَرُ، صَلِّ بِالنَّاسِ. فَقَالَ لَهُ عُمَرُ:
أَنْتَ أَحَقُّ بِذَلِكَ. فَصَلَّى أَبُو بَكْرٍ تِلْكَ الأَيَّامَ، ثُمَّ وَجَدَ مِنْ نَفْسِهِ خِفَّةً، وَخَرَجَ بَيْنَ
رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا الْعَبَّاسُ لِصَلَةِ الظُّهْرِ، وَأَبُو بَكْرٍ يُصَلِّ بِالنَّاسِ، فَلَمَّا رَآهُ أَبُو بَكْرٍ
ذَهَبَ لِيَتَأَخَّرَ فَأَوْمَاً إِلَيْهِ النَّبِيُّ ◌َ بِأَلَا يَتَأَخَّرَ. قَالَ: ((أَجْلِسَانِي إِلَى جَنْبِهِ». فَأَجْلَسَاهُ إِلَى
جَنْبٍ أَبِي بَكْرٍ وَالنَّبِيُّ ◌َهِ قَاعِدُ. وَقَالَ عُبَيْدُ اللهِ: فَدَخَلْتُ عَلَى عَبْدِ الله بْنِ عَبَّاسِ
فَقُلْتُ لَهُ: أَلَا أَعْرِضُ عَلَيْكَ مَا حَدَّثَتْنِي بِهِ عَائِشَةُ عَنْ مَرَضِ رَسُولِ اللهِ وَه قَالَ: هَاتِ.
فَعَرَضْتُ عَلَيْهِ حَدِيثَهَا، فَمَا أَنْكَرَ مِنْهُ شَيْئًا، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: أَسَمَّتْ لَكَ الرَّجُلَ الَّذِي كَانَ
مَعَ الْعَبَّاسِ، قُلْتُ: لَا. قَالَ: هُوَ عَلِيٍّ ﴾. مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ](١).
(عَنْ عُبَيْدِ الله بْنِ عَبْدِ الله) ابن عمرو، رضي الله عنهما (قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى
عَائِشَةَ فَقُلْتُ لَهَا أَلَا تُحَدِّثِينِي عَنْ مَرَضِ رَسُولِ اللهِوَلِ قَالَتْ: بَى، تَقُلَ النَّبِيُّ ◌َاءُ) أي:
اشتد مرضه (فَقَالَ: (أَصَلَّى النَّاسُ)) قُلْت: لَا يَا رَسُولُ الله) لم يصلوا (وَهُمْ) أي: والحال
أنهم (يَنْتَظِرُونَكَ. قَالَ: ((ضَعُوا لِي مَاءً فِي الْمِخْضَبٍ) بالكسر إجانة يغسل فيها
الثياب.
(قَالَتْ: فَفَعَلْنَا فَاغْتَسَلَ فَذَهَبَ لِيَنُوءَ) أي: لينهض (فَأَغْمِيَ عَلَيْهِ) لشدة ما
حصل له من تناهي الضعف وفتور الأعضاء عن تمام الحركة، وفيه جواز الإغماء على
الأنبياء وهو كذلك؛ لأنه من جملة المرض الجائز عليهم قطعًا بخلاف الجنون فإنه
نقص، وقيده جمع من أئمتنا بغير الطويل وليس كإغماء غيرهم؛ لأنه إنما يسر
(١) أخرجه البخاري (٦٨٧)، ومسلم (٩٦٣)، وأحمد (٥٢٥٩)، والنسائي (٨٤٢)، والدارمي (١٣٠٤).

٤٣٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الرابع
حواسهم الظاهرة دون قلوبهم؛ لأنها إذا عصمت من النوم الأخف فالإغماء أولى،
وحكمة ما يعتريهم من المرض ومصائب الدنيا تكثير أجرهم وتسلية الناس بأحوالهم؛
ولئلا يفتتنوا بهم ويعبدوهم لما ظهر على يديهم من خوارق المعجزات.
(ثُمَّ أَفَاقَ فَقَالَ: (أَصَلَّى النَّاسُ)). قُلْت: لَا، هُمْ يَنْتَظِرُونَكَ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ:
((ضَعُوا مَاءَ فِي الْمِخْضَبِ)) فَقَعَدَ فَاغْتَسَلَ، ثُمَّ ذَهَبَ لِيَنُوءَ فَأَغْمِيَ عَلَيْهِ، ثُمَّ أَفَاقَ فَقَالَ:
(أَصَلَّ النَّاسُ)». قُلْنَا: لَا، هُمْ يَنْتَظِرُونَكَ يَا رَسُولَ اللهِ وَالنَّاسُ عُكُوفٌ فِي الْمَسْجِدِ) أي:
مقيمون به (يَنْتَظِرُونَ النَّبِيِّ ◌َُّ) لنحو خروجه (لِصَلَاةِ الْعِشَاءِ الآخِرَةِ) بهم.
(فَأَرْسَلَ النَِّيُّ ◌َهَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ بِأَنْ يُصَلِّ بِالنَّاسِ، فَأَتَاهُ الرَّسُولُ فَقَالَ لَهُ: إِنَّ
رَسُولَ اللهِ ﴿ يَأْمُرُكَ أَنْ تُصَلِّ بِالنَّاسِ. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ وَكَانَ رَجُلاً رَقِيقًا) أي: هينًا لينًا
ضعيفًا.
وفي رواية: ((إنه لرجل أسيف))(١) من الأسف وهو شدة الحزن والبكاء، والمراد به
رقيق القلب، وفسره أحد رواته بأنه رقيق رحيم (يَا عُمَرُ، صَلِّ بِالنَّاسِ) كأنه علم
بالقرائن أنه ◌َ﴾ لم يعينه على جهة الإلزام له (فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: أَنْتَ أَحَقُّ بِذَلِكَ) لشيئين:
كونك أفضل الصحابة، وكون النبي وسير أذن لك دون غيرك لما يعلم من فضلك
وتقدمك عليهم في سائر الخصال الحميدة.
(فَصَلَّى أَبُو بَكْرٍ تِلْكَ الأَيَّامَ) أي: سبع عشرة صلاة كما نقله الدمياطي مدة
شدة مرضه وَ﴿ (ثُمَّ) بعد ذلك في خلال إمامة أبي بكر (وَجَدَ فِي) أو من (نَفْسِهِ
خِقَّةً) أي: قدرة على الخروج للناس فقام وجمع (وَخَرَجَ بَيْنَ رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا الْعَبَّاسُ)
وكان الخروج حينئذٍ (لِصَلَاةِ الظُّهْرِ، وَأَبُو بَكْرٍ يُصَلِّ بِالنَّاسِ، فَلَمَّا رَآهُ أَبُو بَكْرٍ ذَهَبَ
لِيَتَأَخَّرَ فَأَوْمَأَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ وَّ﴾ أي: أشار إليه (بِأَا يَتَأَخَّرَ. قَالَ: ((أَجْلِسَانِي إِلَى جَنْبِهِ)).
فَأَجْلَسَاهُ إِلَى جَنْبٍ أَبِي بَكْرٍ وَالنَّبِيُّ ◌َ﴿ قَاعِدُ. وَقَالَ عُبَيْدُ الله: فَدَخَلْتُ عَلَى
(١) أخرجه البخاري (٦٦٤)، ومسلم (٩٦٨)، وأحمد (٢٦٠٠٠)، والنسائي (٧١١٩)، والطبراني
(٦٣٦٧).

٤٣١
تتمة كتاب الصّلاة/ باب ما على المأموم من المتابعة وحكم المسبوق
عَبْدِ الله بْنِ عَبَّاسِ فَقُلْتُ لَهُ: أَلَا أَعْرِضُ عَلَيْكَ مَا حَدَّثَتْنِي بِهِ عَائِشَةُ عَنْ مَرَضِ
رَسُولِ اللهِ وَ﴿ قَالَ: هَاتِ. فَعَرَضْتُ عَلَيْهِ حَدِيثَهَا، فَمَا أَنْكَرَ مِنْهُ شَيْئًا) أي: من
الإنكار فهو مفعول مطلق.
(غَيْرَ أَنَّهُ) أي: إلا أنه أنكر عدم تسميتها لمن مع العباس حيث (قَالَ: أَسَمَّتْ
لَكَ الرَّجُلَ الَّذِي كَانَ مَعَ الْعَبَّاسِ، قُلْتُ: لَا. قَالَ: هُوَ عَلَيُّ ﴾ .. مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ) ووجه عدم
تسميتها له قبل ما كان في نفسها منه لما قال للنبي ◌َله في قضية الإفك قبل نزول
براءتها: ((النساء سواها كثير)) وفيه نظر؛ لأنها شتمته في رواية، وإنما اتهمته في هذه؛
لأنه جاء في روايات: ((إن الذي كان مع العباس ولده الفضل تارة، وأسامة أخرى، وعلي
أخری» فإيهامه؛ لأنه تعددًا لما ذكر.
١١٤٨ - {وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾، أَنَهُ كَانَ يَقُولُ: مَنْ أَدْرَكَ الرَّكْعَةَ فَقَدْ أَدْرَكَ
السَّجْدَةَ، وَمَنْ فَاتَتُهُ قِرَاءَةُ أُمِّ الْقُرْآنِ فَقَدْ فَاتَهُ خَيْرٌ كَثِيرً. رَوَاهُ مَالِكٌ](١).
(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: مَنْ أَدْرَكَ الرَّكْعَةَ) أي: الركوع (فَقَدْ أَدْرَكَ
السَّجْدَةَ) أي: الركعة وقد مر ذلك مع دليله (وَمَنْ فَاتَتَهُ قِرَاءَةُ أَمِّ الْقُرْآنِ) خلف الإمام
(فَقَدْ فَاتَهُ خَيْرٌ كَثِيرٌ) وإن تحملها الإمام عنه لكونه مسبوقًا، ففيه الحث على الأكيد
مع حضور الصّلاة من أولها حتى لا يفوته ذلك الخير الكثير.
(رَوَاهُ مَالِك) لا يقال: ظاهره أن قراءتها لا تجب في الصّلاة مطلقًا؛ لأنا نمنع
ذلك بل ظاهره ما قلناه كما دل عليه السياق، وبتسليم أن ظاهره ذلك فقد مرت
الأحاديث الصحيحة الصريحة بوجوبها في كل ركعة فلا تعويل على غيرها.
١١٤٩ - [وَعَنْهُ قَالَ: الَّذِي يَرْفَعُ رَأْسَهُ وَيَخْفِضُهُ، فَإِنَّمَا نَاصِيَتُهُ بِيَدِ شَيْطَانٍ. رَوَاهُ
مَالِكُ](٩).
(وَعَنْهُ قَالَ: الَّذِي يَرْفَعُ رَأْسَهُ وَيَخْفِضُهُ، فَإِنَّمَا نَاصِيَتُهُ بِيَدٍ شَيْطَانٍ- رَوَاهُ
(١) أخرجه مالك (١٨)، والبيهقي (٢٦٨٦).
(٢) أخرجه مالك (٢٠٨)، والحميدي (١٠٣٧).

٤٣٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الرابع
مَالِك) والظاهر أن مثل هذا لا يقال من قبيل الرأي فيكون في حكم المرفوع إلى
النبي ◌َّ، وحينئذ ففيه غاية الذم والزجر لفاعل ذلك؛ إذ من يمكن الشيطان من
ناصيته قاده من لم الذنوب إلى كبائرها ثم إلى فواحشها حتى لا يبقى للعلاج فيه
موضع.

(باب من صلى صلاة مرتين)
(الفصل الأول)
١١٥٠ - [عَنْ جَابِ﴾ قَالَ: كَانَ مُعَاذُ بْن جَبَل يُصَلِّ مَعَ النَّبِيِّ ◌َ ثُمَّ يَأْتِي قَوْمَهُ
فَيُصَلِي بِهِمْ مُتَفَقٌّ عَلَيْهِ] (١).
(عَنْ جَابِرِ ﴾ قَالَ: كَانَ مُعَاذُ بْنِ جَبَل يُصَلِّ مَعَ النَّبِيِّ ◌َ ثُمَّ يَأْتِي قَوْمَهُ فَيُصَلِّ
بِهِمْ. مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ).
لفظ مسلم: ((فصلى بهم تلك الصَّلَاة))(٢).
ولفظ البخاري: ((فيصلي بهم الصَّلَاة المكتوبة)»(٣).
١١٥١ - [وَعَنَهُ قَالَ: كَانَ مُعَاذٍ يُصَلِّ مَعَ النَّبِيِّ ◌َّهِ الْعِشَاءَ ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى قَوْمِهِ
فَيُصَلِّ بِهِمِ الْعِشَاءَ وَهِي لَهُ نَافِلة. رَوَاهُ .. ](٤).
(وَعَنَهُ قَالَ: كَانَ مُعَاذْ يُصَلِّ مَعَ الَّبِي ◌ِّهِ الْعِشَاءَ ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى قَوْمِهِ فَيُصَلِّ بِهِم
الْعِشَاءَ وَهِي لَهُ نَافلة. رَوَاهُ) بيض له المصنف ليبين راويه، وممن رواه البيهقي وهذا
لفظه والدارقطني ولفظه: (هي له تطوع ولهم مكتوبة))(٥) وصححه البيهقي وغيره وزعم
أن هذه الزيادة من كلام الشافعي، واجتهاده ليس في محله بل هي من كلام جابر،
والظاهر أنه لا يقولها إلا عن توقيف، وسيأتي في أحاديث عنه رؤية التصريح بنظرها
وهي لا سيما واقعة مسجد الخيف قبل موته # بنحو ثلاثة أشهر مبطلة لزعم
الطحاوي نسخ ما دل عليه خبر معاذ من صحة النفل خلف الفرض، وعجيب من
(١) أخرجه البخاري (٧١١)، ومسلم (١٠٧٠)، وأحمد (١٤٦١١)، وأبو داود (٥٩٩)، والبيهقي (٥٣١٠).
(٢) انظر التخريج السابق.
(٣) لم أقف عليه.
(٤) أخرجه الشافعي (٢٢٧)، والبيهقي في معرفة السنن والآثار (١٥٣٩).
(٥) أخرجه الشافعي (٢٢٥)، والبيهقي في معرفة السنن والآثار (١٥٣٨).
- ٤٣٣ ٠

٤٣٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الرابع
بعض المحققين تأييده بأنه نسخ بالاجتهاد للاحتياط؛ إذ لا قائل يعتد به بأن النسخ
يكون بذلك.
وأمَّا زعم أن الاستدلال بقصة معاذ يتوقف على علمه وَلّ بها فيرد بأن علمه
بها هو الظاهر الذي تحيل العادة خلافه؛ إذ كيف يخفى عليه إقامة جماعة متكررة من
أصحابه في بلده؟ وكيف يكون ذلك مع عدم استئذانه؟.
وأمَّا خبر أحمد: إن رجلاً قال: يا رسول الله، إن معاذ بن جبل يأتينا بعدما ننام
ونكون في أعمالنا بالنهار فينادي بالصّلاة فنخرج إليه فيطول علينا، فقال له النبي
وَالر: ((لا تكون فتانًا إِمَّا أن تصلي معي وإِمَّا أن تخفف على قومك))(١) فلا دليل فيه على
منع الإعادة والمكتوبة خلف النفل؛ لأنه إنما سبق لمنع التطويل، فالمعنى أن تصلي معي
ويصلون وحدهم حتى لا تأتيهم وتوقظهم بعد نومهم للصلاة بهم فيشق عليهم، وإمَّا
أن تصلي بهم أول الوقت فيخفف عليهم ولا يضرك لأجل تخلفك عني، فمفاده عدم
وقوع الفتنة بهم في كل من القسمين، وليس فيه تعرض ولا إيماء النهي عن صلاة
مكتوبة خلف نافلة عند من تأمل شكاية الرجل لمعاذ.
وقوله ويسله في أول الحديث: ((لا تكن فتانً)) فإن قلت: المصنف لا يخفى على
اطلاعه كون هذا الحديث ليس في ((الصحيحين)) فأذكره في فصل ((الصحاح)) قلت: قد
يقع له كـ((المصابيح)) أنه يذكر في هذا الفعل ما ليس فيهما لكونه بيانًا أو قيدًا لما فيهما
فذا کره لذلك ثم أراد أن یبین مخرجه فما يسر له.
(الفصل الثاني)
١١٥٢ - [عَنْ يَزِيدَ بْنِ الأَسْوَدِ﴾ قَالَ: شَهِدْتُ مَعَ النَّبِيِّ وَ حَجَّتَهُ فَصَلَّيْتُ مَعَهُ
صَلَاةَ الصُّبْحِ فِي مَسْجِدِ الْخَيْفِ، فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ وَانْحَرَفَ فَإِذَا هُوَ بِرَجُلَيْنِ فِي آخِرٍ
الْقَوْمِ لَمْ يُصَلِّيَا مَعَهُ قَالَ: ((عَلَّ بِهِمَا)) فَجِيءَ بِهِمَا تُرْعَدُ فَرَائِصُهُمَا فَقَالَ: «مَا مَنَعَكُمَا أَنْ
(١) أخرجه أحمد (٢٠٧١٨)، والطبراني (٦٢٧٤)، وأبو نعيم (٣٠٥٢).

٤٣٥
تتمة كتاب الصّلاة/ باب من صلى صلاة مرتين
تُصَلِّيَا مَعَنَا)). فَقَالَا: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا كُنَّا قَدْ صَلَّيْنَا فِي رِحَالِنَا. قَالَ: فَلَا تَفْعَلَا إِذَا
صَلَّيْتُمَا فِي رِحَالِكُمَا ثُمَّ أَتَيْتُمَا مَسْجِدَ جَمَاعَةٍ فَصَلِّيَا مَعَهُمْ، فَإِنَّهَا لَكُمَا نَافِلَةٌ. رَوَاهُ
التِّرْمِذِيّ وَأَبُو دَاوُد والنَّسَائِي)](١).
(عَنْ يَزِيدَ بْنِ الأَسْوَدِ ﴿ قَالَ: شَهِدْتُ مَعَ النَّبِيِّ ◌َِّ حَجَّتَهُ فَصَلَّيْتُ مَعَهُ صَلَاةَ
الصُّبْحِ فِي مَسْجِدِ الْخَيْفِ) بمنى وهو؛ أعني: الحنيف لما انحدر من غليظ الجبل وارتفع
عن السيل (فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ) أي: سلم منها (وَانْحَرَفَ) فجعله يمينه للمأمومين
ويساره للقبلة كما هو السنة (فَإِذَا هُوَ بِرَجُلَيْنِ فِي آخِرِ الْقَوْمِ لَمْ يُصَلِّيَا مَعَهُ قَالَ: عَلَّ
بِهِمَا) أي: أحضروهما إلي.
(فَجِيءَ بِهِمَا تُرْعَدُ فَرَائِصُهُمَا) وهي لحمة بين جنب الدابة وكتفها تتحرك عند
الخوف (فَقَالَ: ((مَا مَنَعَكُمَا أَنْ تُصَلَّيَا مَعَنَا)). فَقَالَا: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا كُنَّا قَدْ صَلَّيْنَا فِي
رِحَالِنَا. قَالَ: فَلَا تَفْعَلَا إِذَا صَلَّيْتُمَا فِي رِحَالِكُمَا ثُمَّ أَتَيْتُمَا مَسْجِدَ جَمَاعَةٍ فَصَلِّيَا مَعَهُمْ،
فَإِنَّهَا لَكُمَا نَافِلَةُ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَأَبُو دَاوُدِ والنَّسَائِيّ) وصححه الترمذي وغيره، وفيه
كاللذين قبله دليل إلى ما ذهب إليه الشافعي ظ أنه يسن لمن أدى مكتوبة أو نفلاً تسن
فيه الجماعة كالعيد والتراويح منفردًا أو في جماعة، ثم وجد في الوقت لا خارجه من
يصليها جماعة مشروعة أو منفردًا في مسجد لا يكره تكرر الجماعة فيه أن يعيدها
معهم أو معه.
لأنه وَس* لما ترك استفصالهما، هل صليا جماعة أو لا؟ مع إطلاق قوله: ((إذا
صليتما)) كان قوله: ((فصليا معهم)) شاملاً لمن صلى جماعة ومنفردًا، ولوقت الكراهة
وغيره كما يصرح به خبر الترمذي السابق: ((إن رجلاً جاء المسجد بعد صلاة العصر
فقَالَ: من يتصدق على هذا فيصلي معه، فصلى معه رجل))(٤) ولكون الجماعة الأولى أو
الثانية مختصة بفضل أو غير مختصة به، وبذلك يصرح حديث معاذ المذكور، فإن
(١) أخرجه أحمد (١٧٩٣٧)، والترمذي (٢١٩)، والنسائي (٨٦٦)، والبيهقي (٣٧٩١).
(٢) تقدم تخريجه.

٤٣٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الرابع
الصَّلاة معه ◌َ ﴿ لا يعادلها شيء.
وفي قوله: ((وهي له نافلة)) وقوله: ((فإنها لكم نافلة)) دليل لاستثناء هذا من
اقتداء المفترض بالمنتفل، وأن فرضه إنما هي الأولى هي لو بأن فسادها لم يجز به الثانية؛
لأنه لم ينويها حقيقة الفرض وإنما يسن إعادتها مرة فقط على المعتمد عندنا.
وأمَّا خبر: ((من صلى وحده ثم أدرك جماعة فليصلٌ))(١) إلا الفجر والعصر، فقد
أعل بالوقوف، وأمَّا قول عبد الحق الذي وصله ثقة فيجاب عنه بأن كلاً من الخبر
المصرح بندب الإعادة بعد الصبح والعصر أصح وأشهر، فقدم.
وقال أبو حنيفة : لا يعاد الصبح والعصر لهذا الخبر، وقد علم الجواب عنه
(ولا المغرب)) لأنها وتر النهار، فلو أعيدت صارت شفعًا، وجوابه منع ما ذكر مع
تصريح الأحاديث السابقة ما يشملها، وما نقل عن جمع من الصحابة والتابعين: إن
المغرب إنما تعاد بزيادة ركعة بعد صلاة الإمام شاذ بل في ((شرح المهذب)): إنه
غلط.
وقال مالك : إن صلاها في جماعة لم يعدها أو منفردًا أعادها في جماعة إلا
المغرب، وجوابه أن عموم خبر: ((مسجد الحنيف)» يرد هذا التفصيل، ويرد قول النخعي:
لا يعيد حتى كأنها فعلت الصبح والمغرب.
ووجه ندب الإعادة في الصور التي ذكرناها:
أمّا فيمن صلى منفردًا: فليحصل الجماعة في فريضة وفيه حتى كأنها فعلت
كذلك.
وأمَّا فيمن صلى في جماعة: فلاحتمال اشتمال الثانية على فضيلة لم توجد في
الأولى وإن كانت الأولى أكمل في الظاهر، فتحصل تلك الفريضة حتى كأن فرضه
اشتمل عليها مع كونه يحصل فضيلة الجماعة لقوة المصلي وحده، وإنما لم ينظر لوقت
الكراهة؛ لأن هذه صلاة لها سبب هو صلاة الجماعة أو الفضيلة كما تقرر.
(١) أخرجه بنحوه الطبراني (٩٤٧).

٤٣٧
تتمة كتاب الصلاة/ باب من صلى صلاة مرتين
(الفصل الثالث)
١١٥٣ - [عَنْ بُسْرِ بْنِ مِحْجَنٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ كَانَ فِي تَجْلِسِ مَعَ رَسُولِ اللهِ وَّ
فَأَذِّنَ بِالصَّلَاةِ فَقَامَ رَسُولُ الله ◌َ فَصَلَّى وَرَجَعَ وَيُحْجَنُ فِي مَجْلِسِهِ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ الله
وََّ: (مَا مَنَعَكَ أَنْ تُصَلَّ مَعَ النَّاسِ أَلَسْتَ بِرَجُلٍ مُسْلِمٍ)). قَالَ: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ، وَلَكِنِّي
كُنْتُ قَدْ صَلَّيْتُ فِي أَهْلِي. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((إِذَا جِئْتَ المَسَجِدَ كُنْتَ قَدْ صَلَّيْتَ
فَأُقِيمِتُ الصَّلَاةِ فَصَلِّ مَعَ النَّاسِ، وَإِنْ كُنْتَ قَدْ صَلَّيْتَ)). رَوَاهُ مالك والنَّسَائِيّ)(١).
(عَنْ بُسْرِ بْن مِحْجَنٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ كَانَ فِي مَجْلِيسٍ مَعَ رَسُولِ اللهِ وََّ فَأَذِّنَ)
بالبناء للمفعول (بِالصَّلَاةِ فَقَامَ رَسُولُ الله ◌ِ ﴿ فَصَلَّى وَرَجَعَ وَيُحْجَنُّ فِي مَجْلِسِهِ فَقَالَ لَهُ
رَسُولُ اللهِ وَِّ: (مَا مَنَعَكَ أَنْ تُصَلَّ مَعَ النَّاسِ أَلَسْتَ بِرَجُلٍ مُسْلِمٍ). قَالَ: بَلَى يَا
رَسُولَ اللهِ، وَلَكِنِّي كُنْتُ قَدْ صَلَّيْتُ فِي أَهْلِي. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ وَّ: ((إِذَا جِئْتَ
المَسْجِدَ كُنْتَ قَدْ صَلَّيْتَ فَأَقِيمِتُ الصَّلَاة فَصَلِّ مَعَ النَّاسِ، وَإِنْ كُنْتَ قَدْ صَلَّيْتَ)))
تكرير تقرر وتحسين لقوله: ((وكنت قد صليت)) ونظيره قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ مِنْ
بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [الأعراف: ١٥٣].
عقب: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ﴾ [النحل: ١١٩].
(رَوَاهُ مالك والنَّسَائِيّ) وهو دليل ظاهر فيما قدمته عن مذهبنا من ندب الإعادة
مطلقًا.
١١٥٤ - [وَعَنْ رَجُلٍ مِنْ أَسَدِ بْنِ خُزَيْمَةَ أَنَّهُ سَأَلَ أَبَا أَيُّوبَ الأَنْصَارِيَّ قَالَ: يُصَلِّ
أَحَدُنَا فِي مَنْزِلِهِ الصَّلَاةَ ثُمَّ يَأْتِي الْمَسْجِدَ وَتُقَامُ الصَّلَاةُ فَأُصَلِّ مَعَهُمْ فَأَجِدُ فِي نَفْسِي
شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ. فَقَالَ أَبُو أَيُّوبَ: سَأَلْنَا عَنْ ذَلِكَ النَّبِيَّ ◌َ﴿ فَقَالَ: ((فَذَلِكَ لَّهُ سَهْمُ جَمْعٍ)).
رَوَاهُ مالك وأَبُو دَاوُد](٢).
(١) أخرجه الطبراني (٦٩٦)، ومالك (٢٩٦)، والشافعي (٢١٤/١)، وأحمد (١٦٤٤٢)، والبخاري في
التاريخ الكبير (٤/٨)، والنسائي (٨٥٧)، والحاكم (٨٩٠) وقال: صحيح. والبيهقي (٣٤٥٤).
(٢) أخرجه مالك (٣٠١)، وأبو داود (٥٧٨)، والبيهقي (٣٤٥٧).

٤٣٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الرابع
(وَعَنْ رَجُلٍ مِنْ أَسَدِ بْنِ خُزَيْمَةَ أَنَّهُ سَأَلَ أَبَا أَيُّوبَ الأَنْصَارِيَّ قَالَ: يُصَلِّ أَحَدُنَا
فِي مَنْزِلِهِ الصَّلَاةَ ثُمَّ يَأْتِي الْمَسْجِدَ وَتُقَامُ الصَّلَاةُ فَأَصَلِّ) فيه التفات من الغيبة (مَعَهُمْ
فَأَجِدُ فِي نَفْسِي شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ) أي: من صلاتي منفردًا ثم جماعة، وذلك الشيء الذي
یجده من ذلك:
أمَّا الكراهة نظرًا إلى أن فيه اقتداء متنفل بمفترض، وأمَّا الروح والأنس
والخضوع.
(فَقَالَ أَبُو أَيُّوبَ: سَأَلْنَا عَنْ ذَلِكَ) الذي يجده أو عن ذلك الذي فعلته وهو
الإعادة (النَّبِيَّ ◌َهُ فَقَالَ: فَذَلِكَ) الذي تجدونه أو تفعلونه (لَهُ) خبر مقدم (سَهْمُ جَمْع)
هو وخبره خبر ذلك وما بعده فاعله لاعتماده؛ أي: ذلك الفعل له مقابلته؛ أي: نصيبه
من صلاة الجماعة وإن كان فيه اقتداء متنفل بمفترض أو ذلك الذي يجده من الروح
هو حظه من صلاة الجماعة؛ لأن فيها إفاضة الأرواح المقربة على غيرها من قبولها
وأنسها، ومن ثم قال وجل﴿ لبلال: «أرحنا بها))(١) أي: بلال؛ أي: أذن بالصّلاة وأقمها
لنستريح بها من شغل القلب عن الأمور الدنيوية (رَوَاهُ مالك وَأَبُو دَاوُد) وفيه دلالة
ظاهرة لمذهبنا أيضًا.
١١٥٥ - [وَعَنْ يَزِيدَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: حِثْتُ رَسُولَ اللهِ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ فَجَلَسْتُ،
وَلَمْ أَدْخُلْ مَعَهُمْ فِي الصَّلَاةِ، فَلَمَا انْصَرَفَ رَسُولُ اللهِ وَهِ جَالِسًا قَالَ: (أَلَمْ تُسْلِمْ يَا
يَزِيدُ؟)) قَلتُ: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: ((وَمَا مَنَعَكَ أَنْ تَدْخُلَ مَعَ النَّاسِ فِي صَلَاتِهِمْ؟»
قَالَ: إِنِّي كُنْتُ قَدْ صَلَّيْتُ فِي مَنْزِي، أَحْسِبُ أَنْ قَدْ صَلَّيْتُمْ. فَقَالَ: ((إِذَا جِئْتَ إِلَى الصَّلَاةِ
فَوَجَدْتَ النَّاسَ قَد صَلوا فَصَلِّ مَعَهُمْ، وَإِنْ كُنْتَ قَدْ صَلَّيْتَ تَكُنْ لَكَ نَافِلَةً، وَهَذِهِ
مَكْتُوبَةً)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدِ](٤).
(وَعَنْ يَزِيدَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: جِئْتُ رَسُولَ اللهِ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ فَجَلَسْتُ، وَلَمْ أَدْخُلْ
(١) أخرجه أحمد (٢٣١٣٧)، وأبو داود (٤٩٨٥)، والطبراني (٦٢١٤)، والخطيب (٤٤٢/١٠).
(٢) أخرجه أبو داود (٥٧٧)، والبيهقي (٣٤٦٣).

٤٣٩
تتمة كتاب الصلاة/ باب من صلى صلاة مرتين
مَعَهُمْ فِي الصَّلَاةِ، فَلَمَا انْصَرَفَ رَسُولُ اللهِ وَ﴾ [رآني)(١) جَالِسًا قَالَ: ((أَلَمْ تُسْلِمْ يَا
يَزِيدُ؟» قَلتُ: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: ((وَمَا مَنَعَكَ أَنْ تَدْخُلَ مَعَ النَّاسِ فِي صَلَاتِهِمْ؟))
قَالَ: إِنَّ كُنْتُ قَدْ صَلَّيْتُ فِي مَنْزِلِي، أَحْسِبُ أَنْ قَدْ صَلَّيْتُمْ. فَقَالَ: (إِذَا جِئْتَ إِلَى الصَّلَاةِ
فَوَجَدْتَ النَّاسَ قَدِ صَلُوا فَصَلِّ مَعَهُمْ، وَإِنْ كُنْتَ قَدْ صَلَّيْتَ تَكُنْ لَكَ))) الثانية كما مر
التصريح به في خبر: ((مسجد الخيف)) وغيره (نَافِلَةً، وَهَذِهِ) أي: الأولى (مَكْتُوبَةً. رَوَاهُ
أَبُو دَاوُد) وفيه أظهر دلالة لمذهبنا أيضًا.
١١٥٦ - [وَعَن ابْنِ عُمَرَ - رَضِي الله عَنْهُمَا - أَنَّ رَجُلاً سَأَلَهُ فَقَالَ: إِنِّي أُصَلِي فِي
بَيْتِ ثُمَّ أُدْرِكُ الصَّلَاةَ فِي المَسَجِدِ مَعَ الإِمَامِ أَفَأُصَلِّ مَعَهُ؟ قَالَ لَهُ: نَعَمْ. قَالَ الرَّجُلُ:
أَيَّتَهُمَا أَجْعَلُ صَلَاتِي؟ قَالَ ابْنُ عُمَرَ: وَذَلِكَ إِلَيْكَ؟ إِنَّمَا ذَلِكَ إِلَى اللّهِ رَمْ يَجْعَلُ أَيَّتَهُمَا
شَاءَ. رَوَاهُ مَالِك](٢).
(وَعَن ابْنِ عُمَرَ - رَضِي الله عَنْهُمَا - أنَّ رَجُلاً سَأَلَهُ فَقَالَ: إِنِّي أُصَلِّ فِي بَيْتِي ثُمَّ
أُدْرِكُ الصَّلَاةَ فِي المَسَجِدِ مَعَ الإِمَامِ أَفَأُصَلِّ مَعَهُ؟ قَالَ لَهُ: نَعَمْ. قَالَ الرَّجُلُ: أَيَّتَهُمَا
أَجْعَلُ صَلَاتِي؟ قَالَ ابْنُ عُمَرَ: وَذَلِكَ) أي: وهل ذلك (إِلَيْكَ؟) فهو خبر في معنى
الاستفهام الإنكاري (إِنَّمَا ذَلِكَ إِلَى الله ◌َ يَجْعَلُ أَيَّتَهُمَا شَاءَ. رَوَاهُ مَالِك) وفيه تأييد
لما اختاره الغزالي وأفتى به أن الفرض إحداهما لا يعينها، لكن الذي سبق في
الأحاديث من قوله ◌َليه المقدم على قول غيره إن الفرض إنما هي الأولى والثانية نافلة،
وقد صرح بذلك خبر مسلم: إنه ◌َل﴾ قال في الأئمة الذين يؤخرون الصّلاة: ((صلوا
الصَّلَاة لوقتها)» أي: لأوله ((واجعلوا صلاتكم معهم نافلة)(٣).
١١٥٧ - [وَعَنْ سُلَيْمَانَ مَوْلَى مَيْمُونَةَ قَالَ: أَتَيْنَا ابْنَ عُمَرَ عَلَى الْبَلَاطِ وَهُمْ
يُصَلُّونَ، فَقُلْتُ: أَلَا تُصَلِّ مَعَهُمْ؟ قَالَ: قَدْ صَلَّيْتُ إِّ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِوَ يَقُولُ:((لَا
(١) سقط من الأصل.
(٢) أخرجه مالك (٢٩٩)، والبيهقي (٣٧٩٧).
(٣) أخرجه مسلم (١٥٠٣)، وأحمد (٢١٥٢٨)، والطبراني في الأوسط (٨٨٤٥).

٤٤٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الرابع
تُصَلُّوا صَلَاةً فِي يَوْمٍ مَرَّتَيْنِ)). رَوَاهُ أحمد وأَبُو دَاوُدِ والنَّسَائِيّ](١).
(وَعَنْ سُلَيْمَانَ مَوْلَى مَيْمُونَةَ قَالَ: أَتَيْنَا ابْنَ عُمَرَ عَلَى الْبَلَاطِ) محل بالمدينة
مفروش بالبلاط نوع من الحجارة (وَهُمْ يُصَلُّونَ، فَقُلْتُ: أَلَا تُصَلِّ مَعَهُمْ؟ قَالَ: قَدْ
صَلَّيْتُ إِنَّ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَهِ يَقُولُ: ((لَا تُصَلُّوا صَلَاةً فِي يَوْمٍ مَرَّتَيْنِ)). رَوَاهُ أحمد
وَأَبُو دَاوُد والنَّسَائِي) ويجاب عنه بأنه بتسليم صحة سنده أو حسنه، لا يرد علينا لما مر
في الأثر الذي قبله عن ابن عمر نفسه أنه أفتى من صلى منفردًا بالإعادة مع الإمام
فتقدم إفتاؤه على ما فهمه من الحديث على أنه يمكن حمل الحديث؛ ليوافق الأحاديث
السابقة التي هي أصح منه وأشهر، على أن من أراد أن يعيد منفردًا بأن صلاته لا
تنعقد عندنا؛ لأن الأصل منع الإعادة إلا ما ورد به الدليل ولم يرد إلا في الإعادة في
جماعة، فبقيت الإعادة مع الانفراد على أصلها من الامتناع.
١١٥٨ - [وَعَنْ نَافِعٍ قَالَ: إِنَّ عَبْدَ اللّه بْنَ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ: مَنْ صَلَى الْمَغْرِبَ أَوِ
الصُّبْحَ فِي جَمَاعَةِ، ثُمَّ أَدْرَكَهُمَا مَعَ الإِمَامِ فَلَا يَعُدْ لَهُمَا. رَوَاهُ مَالِكٌّ](٢).
(وَعَنْ نَافِعٍ قَالَ: إِنَّ عَبْدَ اللّه بْنَ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ: مَنْ صَلَّى الْمَغْرِبَ أَوِ الصُّبْحَ فِي
جَمَاعَةِ، ثُمَّ أَدْرَكَهُمَا مَعَ الإِمَامِ فَلَا يَعُدْ لَهُمَا. رَوَاهُ مَالِك) ومرَّ أنه أفتى بخلاف ذلك
باعتبار ما دلَّ عليه عموم ذلك على أنه مذهب صحابي، وليس بحجة على غيره.
(١) أخرجه أحمد (٤٦٨٩)، وأبو داود (٥٧٩)، والنسائي (٨٥٩)، والبيهقي (٣٤٦٧)، وأبو نعيم في
الحلية (٣٨٥/٨)، والديلمي (٧٣٣٦).
(٢) أخرجه مالك (٣٠٢)، والشافعي (٩٦٦).