النص المفهرس
صفحات 401-420
٤٠١
تتمة كتاب الصلاة/ باب الإمامة
(وعن ابن عمر - رضي الله عنهما - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّةِ: ثَلَاثَةٌ لَا يُقْبَلُ
مِنْهُمْ صَلَاتُهُم مَنْ تَقَدَّمَ) في الإمامة العظمى أو الصغرى (قَوْمًا) هو في الأصل مصدر
قوام فوصف به ثم غلب على الرجال دون (وَهُمْ لَهُ كَارِهُونَ) لما ذكر (وَرَجُلُّ أَنَى الصَّلَاةِ
دِبَارًا) هو جمع دبر، وهو آخر أوقات الشيء أو مصدر يطلق على أول الشيء وآخره، وهو
المراد هنا بدليل قوله: (وَالدِّبَارُ أَنْ يَأْتِيَهَا بَعْدَ أَنْ تَقُوتَهُ) أي: يفوته وقتها بألّا يدركها
كاملة فيه.
(وَرَجُلُ اعْتَبَدَ) رقبة (مُحَرَّرَه) أي: اتخذها عبدًا بأن يعتقها ثم يستمر مستخدمًا
لها مخفيًا للعتق أو مکرهًا لها أو يدعي رق قن ويتملكه.
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدْ وَابْنُ مَاجَه) وأخذ من ذلك أئمتنا أنه يكره إمامة من يكرهه
أكثر القوم؛ أي: أزيد من نصفهم ولو بواحد وإن ولاه الإمام الأعظم، لكن بشرط أن
يكرهوه لأمر مذموم فيه شرعًا خلقًا كان أو غيره، كوالٍ ظالم وكمتغلب على إمامة
الصّلاة ولا يستحقها، وكمن لا يحترز عن النجاسة أو بمحو هيئات الصّلاة أو بتعاطي
معيشة مذمومة أو يعاشر نحو فسقة أو شبه ذلك لعذرهم في كراهته حينئذٍ وترجح
جانبهم بالكثرة.
وقال بعض أئمتنا: يحرم إمامة من يكره لذلك وهو وجیه من حيث الدلیل، بل
في الأحاديث الصحيحة الكثيرة ما يقتضي أن ذلك كبيرة كما بينتها في كتابي ((الزواجر
عن اقتراف الكبائر)) ويكره للإمام الأعظم أن يولي على قوم رجلاً يكرهه أكثرهم
إمامًا أو قاضيًا مثلاً، وفي ((الجواهر)) لبعض أئمتنا: تكره الإمامة العظمى إذا كرهه
نصفهم ومع ذلك لا يكره الاقتداء به؛ لأن الإعراض ليس وصفًا يكره الاقتداء
بسببه كفسق أو ابتداع وإلا كره الاقتداء به مطلقًا، أمَّا إذا كرهه دون الأكثر، وإن
كانوا هم العلماء والصلحاء خلافاً لما في ((الإحياء)» أو كرهه الأكثر لا لمذموم شرعي
=
إنما يروى بإسنادين ضعيفين أحدهما: مرسل، والآخر: موصول.
٤٠٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الرابع
فلا تكره إمامته.
١١٢٤ - [وعَنْ سَلَامَةَ بِنْتِ الْحُرِّ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((إِنَّ مِنْ أَشْرَاطِ
السَّاعَةِ أَنْ يندَفِعَ أَهْلُ الْمَسْجِدِ لَا يَجِدُونَ إِمَامًا يُصَلِّي بِهِمْ)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدٍ وَابْنُ
مَاجَه](١).
(وَعَنْ سَلَامَةَ بنت الْحُرِّ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: إِنَّ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ) أي:
علاماتها المذمومة كما اقتضاه السياق (أَنْ يَنْدِفعَ أَهْلُ الْمَسْجِدِ) الإمامة؛ أي: يدرأها
كل عن نفسه لعدم تأهلهم لها، ولتركهم بعلم ما تصح به، فيعمهم الجهل حتى (لَا
يَجِدُونَ إِمَامًا يُصَلّ بِهِمْ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وابْنِ مَاجَه).
وفي (الإحياء): يكره تدافع الإمامة لما قيل: إن قومًا تدافعوا فخسف بهم، ولو
استدل بالخبر المذكور لكان أولى على أن ما حكاه بصيغة ((قيل)) رواه عبد الرزاق في
(مسنده)) حديثًا بلفظ: ((تنازع ثلاثة الإمامة فخسف بهم))(٩) وظاهر أن محل الكراهة
إن سلمت ما إذا تدافعوها لا لغرض شرعي كما يومئ إليه قوله في الحديث: ((لا يجدون
إمامًا يصلي بهم)) وإلا كان أعرض عنها غير الأفقه مثلاً رجاء تقدم الأفقه، فلا ينبغي
الكراهة حينئذٍ ولا ينافي ذلك قوله في «الإحياء» أيضًا: إن التقدم على من هو أفقه أو
أقرب منه منهي عنه لإمكان حمله على ما إذا علم منه الامتناع، أمَّا مادام يرجو تقدمه
فالامتناع أولى.
١١٢٥ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَهِ: (الْجِهَادُ وَاجِبُ عَلَيْكُمْ
مَعَ كُلِّ أَمِيرٍ بَرًّا كَانَ أَوْ فَاجِرًا وَإِنْ عَمِلَ الْكَبَائِرَ، وَالصَّلَاةُ وَاجِبَةُ عَلَيْكُمْ خَلْفَ كُلّ
مُسْلِمٍ بَرَّا كَانَ أَوْ فَاجِرًا وَإِنْ عَمِلَ الْكَبَائِرَ)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُد](٣).
(١) أخرجه أحمد (٢٧١٨٢)، وأبو داود (٥٨١)، والبيهقي (٥١٣٠)، والطبراني (٧٨٤)، وابن ماجه
(١٠٣٥).
(٢) أخرجه ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٣٠٢١)، ولم أقف عليه عند عبد الرزاق.
(٣) أخرجه أبو داود (٢٥٣٣)، والبيهقي (٥٠٨٣)، والطبراني في الشاميين (١٥١٢)، والديلمي (٢٦٣٨).
٤٠٣
تتمة كتاب الصلاة/ باب الإمامة
(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةِ عَه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: الْجِهَادُ وَاجِبٌ عَلَيْكُمْ) على
الكفاية تارة، وعلى الأعيان أخرى (مَعَ كُلِّ أَمِيرٍ) فولى عليكم (بَرَّا كَانَ أَوْ فَاجِرًا وَإِنْ
عَمِلَ الْكَبَائِرَ) فيه جواز كون الأمير فاسقًا جائرًا، وأنه لا ينعزل بالفسق والجور وأنه
تجب طاعته ما لم يأمر بمعصية، وخروج جماعة من السلف على الجورة كان قبل
الاستقرار الإجماع على حرمة الخروج على الجائر.
(وَالصَّلَاةِ وَاجِبَةٌ عَلَيْكُمْ) في الجماعة على الكفاية لا الأعيان كما مر بسط
أدلة ذلك في باب الجماعة وتجوز الجماعة (خَلْفَ كُلٌّ مُسْلِمٍ بَرَّا كَانَ أَوْ فَاجِرًا وَإِنْ عَمِلَ
الْكَبَائِرَ) لأنه لا يخرج بالكبائر عن الإسلام ولا يحيط الكبيرة العمل خلافًا للمبتدعة
فيهما.
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُد) وفيه دلالة على صحة الاقتداء بالفاسق بالجارحة والاعتقاد
كمبتدع لم يكفر ببدعته، ويوافقه خبر الدارقطني: ((اقتدوا بكل بر وفاجر)) (١) وهو
وإن كان مرسلاً لكنه اعتضد بفعل السلف الصالح، فإنهم كانوا يصلون وراء أئمة
الجور، وروى الشيخان أن ابن عمر - رضي الله عنهما - كان يصلي خلف الحجاج.
قال الشافعي : وكفى بالحجاج فاسقًا، وكذا كان أنس يصلي خلفه أيضًا
واحتمال الخوف يمنعه أن ابن عمر كان لا يخافه؛ لأن عبد الملك كان ممتثلاً بما يأمر
به ابن عمر فيه وفي غيره، ومن ثم كان يجعل أمر الحجاج له ويأمر الحجاج باتباعه
فيه، نعم يكره للفاسق الإمامة ويكره لغيره الاقتداء به ما لم يخف فتنة، وإن لم
يصلح للإمامة غيره وإن أدى منعه من الإمامة إلى ترك الجماعة؛ لأن من أعذار تركها
كون إمامها يكره الاقتداء به ومثله المبتدع بما لم يكفر به بل الكراهة فيه أشد؛
لأن اعتقاده الخبيث إذا كان سببًا لإغراء العامة ببدعته، وظنهم صحة طريقته لا
سيما إذا حافظ على الاعتقاد به جهارًا.
(١) أخرجه الدارقطني (١٧٨٨) بلفظ: ((صلوا خلف)) بدل: ((اقتدوا)).
٤٠٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الرابع
وفي خبر عند الدارقطني والحاكم: ((إن سركم أن تقبل صلاتكم فليؤمكم
خياركم فإنهم وفدكم فيما بينكم وبين ربكم)(١) ومن ثم قال أئمتنا: يسن أن يقدم
في الإمامة العدل ولو أعمى وعبدًا وغير أفقه، وأقرأ على الفاسق ولو حرًّا وأفقه وأقرأ.
(الفصل الثالث)
١١٢٦ - [عَنْ عَمْرِو بْنِ سَلِمَةَ قَالَ: كُنَّا بِمَاءٍ مَمَرٍّ للنَّاسِ يَمُرُّ بِنَا الرُّكْبَانُ
فَتَسْأَلُهُمْ، مَا لِلنَّاسِ مَا هَذَا الرَّجُلُ؟ فَيَقُولُونَ يَزْعُمُ أَنَّ اللهَ أَرْسَلَهُ أَوْحَى إِلَيْهِ، فَكُنْتُ
أَحْفَظُ ذَلِكَ الْكَلَامَ، وَكَأَنَّمَا يَغْرَى فِي صَدْرِي، وَكَانَتِ الْعَرَبُ تَلَوَّمُ بِإِسْلَامِهِمِ الْفَتْحَ،
فَيَقُولُونَ: اتْرُكُوهُ وَقَوْمَهُ فَإِنَّهُمْ إِنْ ظَهَرَ عَلَيْهِمْ فَهْوَ نَبِيِّ صَادِقٌّ، فَلَمَّا كَانَتْ وَقْعَةُ الْفَتْحِ
بِمََّةٍ بَادَرَ كُلُّ قَوْمٍ بِإِسْلَامِهِمْ، وَبَدَرَ أَبِى قَوْبِي بِإِسْلَامِهِمْ، فَلَمَّا قَدِمَ قَالَ: حِثْتُكُمْ وَاللهِ
مِنْ عِنْدِ النَّبِي حَقًّا. فَقَالَ: ((صَلِّ صَلَاةَ كَذَا فِي حِينِ كَذَا، فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَلْيُؤَذِّنْ
أَحَدُكُمْ، وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْثَرُ كُمْ قُرْآنًا، فَنَظَرُوا فَلَمْ يَكُنْ أَحَدْ أَكْثَرَ قُرْآنًا مِنِّي لِمَا كُنْتُ
أَتَلَقَّى مِنَ الرُّكْبَانِ، فَقَدَّمُوِي بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَأَنَا ابْنُ سِتِّ أَوْ سَبْعِ سِنِينَ، وَكَانَتْ عَلَّ بُرْدَةٌ
إِذَا سَجَدْتُ تَقَلَّصَتْ عَنِّي، فَقَالَتِ امْرَأَةٌ مِنَ الْحَيِّ: أَلَا تُغَطُوا عَنَّا اسْتَ قَارِئِكُمْ.
فَاشْتَرَوْا فَقَطَعُوا لِي قَمِيصًا، فَمَا فَرِحْتُ بِشَيْءٍ فَرَحِي بِذَلِكَ الْقَمِيصِ)). رَوَاهُ البُخَارِي)(٢).
(عَنْ عَمْرِو بْنِ سَلِمَةَ) بكسر اللام، رضي الله عنهما (قَالَ: كُنَّا) ساكنين
(بمَاءٍ) أي: بمحل ما (مَمَرِّ لِلنَّاسِ) صفة أو بدل؛ أي: يمرون عليه (يَمُرُّ بِنَا الرُّكْبَانُ
فَنَسْأَلُهُمْ) نقول لهم (مَا) الذي طرأ (لِلنَّاسِ) من الأمر الغريب حتى ظهر عليهم القلق
والفزع (مَا هَذَا الرَّجُلُ) الذي نسمع به نبأ عجيبًا؛ أي: ما وصفه؟.
(فَيَقُولُونَ: يَزْعُمُ) كان من عير بها؛ إذ ذاك شاكًا في صدقه على أنها قد
تستعمل بمعنى قال، مجردة عن إشعار تكذيب (أَنَّ اللهَ أَرْسَلَهُ أَوْحَى إِلَيْهِ، أَوْ
أَوْحَى اللهُ) أي: آية كذا وسورة كذا من القرآن (فَكُنْتُ أَحْفَظُ ذَلِكَ الْكَلَامَ) الذي
(١) أخرجه الحاكم (٤٩٦٩)، والطبراني (١٧١٦٥)، وأبو نعيم (٥٦٠٠)، والدارقطني (١٩٠٥).
(٢) أخرجه البخاري (٤٣٠٢)، وأحمد (٢٠٨٦٩)، والبيهقي (٥٣٤١).
٤٠٥
تتمة كتاب الصلاة/ باب الإمامة
ينقلونه عنه من قرآن أو غيره (وَكَأَنَّمَا يَغْرَى) بالفتح مضارع غري بالكسر (في
صَدْرِي) أي: يلصق فيه بالغراء بالقصر والمد وهو معروف يتخذ من أطراف الجلود
ومن السُّمك.
(وَكَانَتِ الْعَرَبُ) أي: أكثرهم (تَلَوَّمُ) بحذف إحدى تاءَيه تخفيفًا؛ أي: تنتظر
(بِإِسْلَامِهِمِ الْفَتْحَ) أي: النصرة والظفر على قومه؛ لأنه إذا قهرهم وهم أشد العرب
شكيمة وأكثرهم عدة وأقواهم شجاعة، فغيرهم أولى ثم بين ذلك التعلم بقوله:
(فَيَقُولُونَ) بعضهم لبعض (اتْرُكُوهُ وَقَوْمَهُ، فَإِنَّهُ إِنْ ظَهَرَ عَلَيْهِمْ) حتى دانوا له وأطاعوه
أو أبادهم وقهرهم (فَهْوَ نَبِيُّ صَادِقٌ) إذ لا يتصور غلبته عليهم كذلك إلا بمحض
المعجزة الخارقة للعادة القاضية بأنه لا يظفر عليهم لضعفه وقوتهم.
(فَلَمَّا كَانَتْ وَفْعَةُ الْفَتْحِ بِمَكَّةٍ) في رمضان سنة ثمان من الهجرة الذي أعز به
الإسلام وأظهره على الدين كله، وأباد به رؤساء مكة وصناديدها حتى لم يبق منهم ومن
غيرهم إلا مسلم أو مسالم كما بين ذلك تعالى بقوله عز قائلاً: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ الله
وَالْفَتْحُ .. ﴾ [النصر:١] إلى آخرها (بَادَرَ) من المبادرة؛ أي: المسابقة والمغالبة (كُلُّ قَوْم
بِإِسْلَامِهِمْ) لما شاهدوا ما بهرهم من ذلك الفتح والظفر.
(وَبَدَرَ إِلى قَوْمي بِإِسْلَامِهِمْ) أي: بادرهم فبدرهم؛ أي: غلبهم في البدار إلى
الإسلام إلى النبي وَ﴿ ﴿فَلَمَّا) من عنده (قَالَ) لهم (جِئْتُكُمْ وَالله مِنْ عِنْدِ السَّبِيِّ) أي:
الذي نبي (حَقًّا) أو حال كونه محقًّا (فَقَالَ) لي قول من جملته (صَلِّ صَلَاةَ كَذَا فِي حِینِ
كَذَا، فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةِ، فَلْيُؤَذِّنْ لكم أَحَدُكُمْ) لا ينافي الخبر الآخر: ((فليؤذن
لكم خياركم)(١) لأن هذا البيان الأفضل وذاك لبيان الأجزأ.
(وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْثَرُكُمْ قُرْآنًا) لأنه الأفقه كما مر (فَنَظَرُوا فَلَمْ يَكُنْ أَحَدُ أَكْثَرَ
قُرْآنًا مِنِّي لِمَا كُنْتُ أَتَلَقَّى مِنَ الرُّكْبَانِ) كما ذكره أولاً (فَقَدَّمُونِي بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَأَنَا ابْنُ
سِتِّ أَوْ سَبْعٍ سِنِينَ وَكَانَتْ عَلَيَّ بُرْدَةً إِذَا سَجَدْتُ تَقَلَّصَتْ عَنِّي) أي: اجتمعت وارتفعت
(١) أخرجه أبو داود (٥٩٠)، وابن ماجه (٧٢٦).
٤٠٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الرابع
إلى أعالي بدني حتى يظهر شيء من عورتي لقصرها.
(فَقَالَتِ امْرَأَةٌ مِنَ الْحَيِّ: أَلَا تُغَطُّوا عَنَّ اسْتَ) أي: دبر (قَارِئِكُمْ) أي: وإن كان
نظر العورة من أسفل البدن لا يضر؛ لأن ستر ذلك هو اللائق بتقدمه وإمامته
(فَاشْتَرَوْا) ستره (فَقَطَعُوا لِي) منها (قَمِيصًا) سابلاً عليَّ لا يتقلص إذا سجدت ولا
يظهر منه شيء من عورتي (فَمَا فَرِحْتُ بِشَيْءٍ فَرَحِي بِذَلِكَ القَمِيص) لصونه عورتي عن
أن يتطرق إليها نظر وإن لم تبطل الصّلاة به.
(رَوَاهُ الْبُخَارِيّ) وبه استدل أصحابنا على صحة إمامة الصبي لكن البالغ أولى
منه وإن اختص الصبي بفقه وقراءة وغيرهما خروجًا من خلاف من منع الاقتداء
بالصبي، ومن ثم كانت إمامته خلاف الأولى عندنا لا مكروهة، واستشكل بعضهم
رعايتهم لهذا الخلاف مع مخالفته لهذا الخبر الصحيح وجوابه أن الأشهر كما قاله
النووي في (مجموعه)»: إن عمرًا لم ير النبي ◌ٍَّ ولا سمعه، وإنما كان يتلقى من الركبان
ما سمعوه منهم 18 كما مر، وكان أحفظ قومه لذلك ليصلي بهم.
وحينئذٍ فالمانع من إمامة الصبي مطلقًا أو في الفرض لم تخالف سنة صريحة؛
لأن غاية الأمر أن تقديم قوله: اجتهاد منهم واحتمال بلوغ ذلك له وَّيه وإقراره عليه
لا يكفي في الرد على المانع.
وبهذا يعلم ما في استدلال أصحابنا عمر وهذا غاية ما يستروح به في الجواب
عنه أن الظاهر بلوغ ذلك له * مع وضوح القياس الدال على صحة إمامته، نعم
يلزمهم على الاستدلال به أن الصبي إذا زاد بالفقه ونحو، يكون أولى من البالغ ولم
يقولوا به وقد يجاب بأن الظاهر أن تقديمه إنما كان لعدم من يحسن الفاتحة من قومه
غيره، وبفرض ألَّا ظاهر فهي واقعة حال فعلية احتملت فلا دلالة فيها على الأولوية،
وزعم بعض الحنفية أن صلاة الصبي لا تنعقد مطلقًا لرفع العلم عنه غلط فاحش.
١١٢٧ - [وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِي اللهُ عَنْهُمَا - قَالَ: لَمَّا قَدِمَ الْمُهَاجِرُونَ الأَوَّلُونَ
المَدِيْنَة كَانَ يَؤُمُّهُمْ سَالِمْ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةً، وَفِيهِمْ عُمَرُ وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الأَسَدِ.
٤٠٧
تتمة كتاب الصّلاة/ باب الإمامة
رَوَاهُ البُخَارِي](١).
(وَعَنِ ابْنٍ عُمَرَ - رَضِي اللّهُ عَنْهُمَا - قَالَ: لَمَّا قَدِمَ الْمُهَاجِرُونَ الأَوَّلُونَ المَدِيْنَة
كَانَ يَؤُمُّهُمْ سَالِمُ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ) كان فارسيًّا من فضلاء الموالي ومن خيار الصحابة
ومعدودًا من القراء، ومن ثم أمر ◌َ ◌ّه بأحد القرآن من أربعة وعد منهم (وَفِيهِمْ عُمَرُ
وَأَبُو سَلَمَةَ) عبد الله (ابْنُ عَبْدِ الأَسَدِ) المخزومي زوج أم سلمة قبل النبي ◌ََّ (رَوَاهُ
الْبُخَارِيّ) فسالم وإن كان مفضولاً كان أقرأ من البقية، فلذلك تقدم عليهم.
١١٢٨ - [وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِي اللهُ عَنْهُمَا - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَلِ: « ثَلَاثَةٌ
لَا تُرْفَعُ صَلَاتُهُمْ فَوْقَ رُؤُوسِهِمْ شِبْرًّا: رَجُلُّ أَمَّ قَوْمًا وَهُمْ لَهُ كَارِهُونَ، وَامْرَأَةٌ بَاتَتْ
وَزَوْجُهَا عَلَيْهَا سَاخِطٌ، وَأَخَوَانٍ مُتَصَارِمَانٍ)). رَوَاهُ ابْنِ مَاجَه](٢).
(وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رضي الله عنهما - قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌ََّ: ثَلَاثَةٌ لَا تَرْفَع
لَهُمْ صَلَاتُهُمْ فَوْقَ رُؤُوسِهِمْ شِبْرًا: رَجُلُّ أَمَّ قَوْمًا وَهُمْ لَهُ كَارِهُونَ، وَامْرَأَةً بَاتَتْ وَزَوْجُهَا
عَلَيْهَا سَاخِطٌ) ومر على هذين في الفصل الثاني (وَأَخَوَانِ مُتَصَارِمَانٍ) من الصرم وهو
القطع؛ أي: متهاجران متقاطعان لغير غرض شرعي؛ إذ هجر المسلم للمسلم فوق
ثلاثة أيام إلا لغرض صحيح فيه صلاح دين المهاجر أو المهجور (رَوَاهُ ابْنِ مَاجَه).
(١) أخرجه البخاري (٦٩٢)، وأبو داود (٥٨٨)، والبيهقي (٥٣٢٧).
(٢) أخرجه ابن ماجه (٩٧١)، وابن حبان (٧٥٧).
(باب ما على الإمام)
(الفصل الأول)
١١٢٩ - [عَنْ أَنَسِ عَ﴾ قَالَ: مَا صَلَّيْتُ وَرَاءَ إِمَامٍ فَظُ أَخَفَّ صَلَاةً وَلَا أَتَمَّ صَلَاةً
مِنْ رَسُولِ اللهِ وَّهِ إِنْ كَانَ لَيَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ فَيُخَفِّفُ الصَّلاة ◌َخَافَةً أَنْ تُفْتَنَ أُمُّهُ.
مُتَّفَق عَلَيْهِ](١).
(عَنْ أَنَسِ ﴾ قَالَ: مَا صَلَّيْتُ وَرَاءَ إِمَامٍ قَظٌ أَخَفَّ صَلَاةً وَلَا أَتَمَّ صَلَاةً مِنْ
رَسُولِ الله {َ ل18) فخفتها عدم تطويل قراءتها وأذكارها وتمامها المحافظة على جميع
أركانها وسننها مع اعتدالها، كأن يقتصر من القراءة على قصار المفصل ومن التسبيح
على ثلاث.
(إِنْ) مخففة؛ أي: وإنه (كَانَ لَيَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ فَيُخَفِّفُ الصَّلاة) أي: بزيادة
على عادته من التخفيف بأن يقطع ما هو من القراءة ومبالغ في الإسراع على خلاف
عادته (مَخَافَةَ أَنْ تُفْتَنَ أَمُّهُ) بقطع الصّلاة أو زوال خشوعًا لمزيد شفقته وخوفها عليه
المؤديين إلى أحد ذينك الأمرين (مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ).
١١٣٠ - [وَعَنْ أَبِي قَتَادَةِ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((إِنِّ لَأَدْخُلُ فِي الصَّلَاةِ وَأَنَا
أُرِيدُ إِطَالَتَهَا، فَأَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ فَأَتَّجَوَّرُ فِي صَلَاتِي مِمَّ أَعْلَمُ مِنْ شِدَّةِ وَجْدِ أُمِّهِ مِنْ
بُكَائِهِ)). رَوَاهُ البُخَارِي)(٢).
(وَعَنْ أَبِي قَتَادَة ◌َ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((إِنِّ لَأَدْخُلُ فِي الصَّلَاةِ وَأَنَا أُرِيدُ
إِطَالَتَهَا))) أي: إطالة نسبية أو على خلاف عادتي فلا ينافي قول أنس: ((أخف صلاة))(٣).
(١) أخرجه البخاري (٧٠٨)، ومسلم (١٠٨٢)، وأحمد (١٣٧٩٣)، وابن حبان (١٩١٨).
(٢) أخرجه البخاري (٦٧٧)، ومسلم (٤٧٠)، وابن أبي شيبة (٤٦٧٧)، وأحمد (١٢٠٨٦)، وابن ماجه
(٩٨٩)، وابن خزيمة (١٦١٠)، وابن حبان (٢١٣٩).
(٣) تقدم تخريجه.
- ٤٠٨ -
٤٠٩
تتمة كتاب الصلاة/ باب ما على الإمام
(فَأَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ فَأَجَوَّزُ فِي صَلَاتِي) أي: أقصر فيها متجاوزًا عما كنت
أردت فعله لولا بكاء أمه (مِمَّا) أي: من أجل ما (أَعْلَمُ مِنْ شِدَّةِ وَجْدٍ) أي: حزن
(أُمِّهِ مِنْ بُطَائِهِ) المؤدي إلى ما مر.
(رَوَاهُ البُخَارِي) وفيه كالذي قبله دليل كما قاله الخطابي؛ لأنه إذا خفف لحاجة
إنسان في أمر دنيوي؛ فلأن يطول لحاجته في أمر أخروي أولى للمعتمد من مذهبنا أنه
يسن للإمام إذا أحس بداخل عليه يريد الاقتداء به انتظاره إن كان في الركوع ليدرك
المأموم الركعة، أو في التشهد الأخير ليدرك الجماعة بشروط أخرى مقررة في محلها.
قال القاضي أبو الطيب من أكابر أصحابنا: على كراهة الانتظار مطلقًا غلط
ولا نظر إلى أن لنا خلافًا في تحريم الانتظار مطلقًا أو البطلان به مطلقًا؛ لأنه يوهم
الشريك؛ لأن كلاً من هذين الخلافين شاذ فلا يراعى؛ لأن من تلك الشروط أن ينتظر
لله تعالى لا غير، ومن ثم قال أصحابنا: لو قصد توددًا حرم؛ ولأن أبا داود روى أنه وَله
كان ينتظر في صلاته ما دام يسمع وقع نعل لكنه ضعيف؛ ولأنه ثبت انتظاره ◌َليلةٍ في
صلاة الخوف لإدراك الجماعة وذاك موجود هنا، وللخبر الآتي الذي فيه: ((من يتصدق
على هذا فيصلي معه)(١) بأنه يدل على استحباب الصّلاة لتحصيل الجماعة للغير
بالانتظار فيها أولى؛ لأنه يحصل مصلحة بلا ضرورة فسق كرفع الإمام صوته بالتكبير
ليسمع المأموم، وبهذا كله بطل زعم أن في ذلك إيهام تشريك.
١١٣١ - [وعَن أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَيِ: ((إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ لِلنَّاسِ
فَلْيُخَفِّفْ، فَإِنَّ فِيهِمُ السَّقِيمَ وَالضَّعِيفَ وَالْكَبِيرَ، وَإِذَا صَلَى أَحَدُكُمْ لِنَفْسِهِ فَلْيُطِلْ مَا
شَاءَ)). مُتَّفَق عَلَيْهِ](٢).
(١) أخرجه أحمد (١١٦٣١)، وابن أبي شيبة (٧٠٩٧)، وأبو داود (٥٧٤)، وأبو يعلى (١٠٥٧)، وابن حبان
(٢٣٩٨)، والحاكم (٧٥٨) وقال: صحيح على شرط مسلم. والبيهقي (٤٧٨٦).
(٢) أخرجه البخاري (٦٧١)، ومسلم (٤٦٧)، ومالك (٣٠١)، وأحمد (١٠٣١١)، وأبو داود (٧٩٤)،
والنسائي (٨٢٣)، وابن حبان (٢١٣٦).
٤١٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الرابع
(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴿ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَيُّ: ((إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ لِلنَّاسِ) أي:
إمامًا لهم أو اللام بمعنى الباء ويدل له قوله الآتي قريبًا: ((فأيكم صلى بالناس))(١) أو
جعل ارتباط صلاتهم به ورعايته لهم وضمانه لصلاتهم، كما يقيد خبر الإمام ضامن
كأنه يصلي لهم وقوله الآتي: (لنفسه)) يدل على بقاء اللام على حقيقتها بهذا المعنى
(فَلْيُخَفِّفْ، فَإِنَّ فِيهِمُ السَّقِيمَ وَالضَّعِيفَ وَالْكَبِيرَ، وَإِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ لِنَفْسِهِ فَلْيُطِلْ مَا
شَاءَ) ما لم يكن التطويل مبطلاً، وهو تطويل الاعتدال والجلوس بين السجدتين على
خلاف فيهما (مُتَّفَقُ عَلَيْهِ).
١١٣٢ - [وَعَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو مَسْعُودٍ أَنَّ رَجُلاً قَالَ: يَا
رَسُولَ اللهِ، إِنِّي لَأَتَأَخَّرُ عَنْ صَلَاةِ الْغَدَاةِ مِنْ أَجْلِ فُلَانٍ مِمَّا يُطِيلُ بِنَا، فَمَا رَأَيْتُ
رَسُولَ اللهِوَّهِ فِي مَوْعِظَةٍ أَشَدَّ غَضَبًا مِنْهُ يَوْمَئِذٍ، ثُمَّ قَالَ: ((إِنَّ مِنْكُمْ مُنَفِّرِينَ، فَأَيُّكُمْ
مَا صَلَّى بِالنَّاسِ فَلْيَتَجَوَّزْ، فَإِنَّ فِيهِمُ الضعيف وَالْكَبِيرَ وَذَا الْحَاجَةِ)). مُتَّفَقَ عَلَيْهِ](٢).
(وَعَنْ قَيْسِ بْن أَبِي حَازِمٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو مَسْعُودٍ أَنَّ رَجُلاً قَالَ: يَا رَسُولَ الله،
إِنّ لأَتَأَخَّرُ عَنْ صَلَاةِ الْغَدَاةِ) أي: الفجر في الجماعة (مِنْ) ابتدائية متعلقة (أَجْلِ
فُلَانٍ مِمَّا يُطِيلُ بِنَا) يدل بإعادة الجار (فَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ وَيهِ فِي مَوْعِظَةٍ أَشَدَّ
غَضَبًا مِنْهُ يَوْمَئِذٍ) أي: وقتئذ قال له الرجل ذلك، وما ورد يقتضي أشدية غضبه في
بعض المواعظ على غضبه هذا لا يرد؛ لأن قوله: ((ما رأيت)) إنما هو نفي لرؤيته لا غير،
وخص الغضب بالموعظة؛ لأنه لو كان لا يغضب لنفسه، وإنما كان يغضب إذا
انتهكت حرمات الله، فكان حينئذٍ يعظهم ويظهر عليه من الغضب لله أمر عظيم
حتى يعلو صوته الشريف، وتنتفخ أوداجه ويظن أنه منذر جيش.
(ثُمَّ قَالَ: ((إِنَّ مِنْكُمْ مُنَفِّرِينَ) للناس بواسطة فعلهم وإن ظنوه خبرًا عن
(١) أخرجه الطبراني (١٦٨٤)، وابن خزيمة (١٥١٨)، وابن أبي شيبة (٤٦٥٧).
(٢) أخرجه البخاري (٦٧٢)، ومسلم (٤٦٦)، وابن أبي شيبة (٤٦٥٧)، وأحمد (١٧١٠٦)، وابن ماجه
(٩٨٤)، والدارمي (١٢٥٩)، وابن حبان (٢١٣٧)، وأبو عوانة (١٥٥٥).
٤١١
تتمة كتاب الصلاة / باب ما على الإمام
الخبرات وحضور الجماعات المقصود بها تعاون المؤمنين على الخير، وتعليم الجاهل
وتفقد حال المنقطع وغير ذلك مما مر.
(فَأَيُّكُمْ مَا) زائدة لتأكيد معنى الإبهام في اسم الشرط على حد أيًّا ما تدعو
(صَلَّى بِالنَّاسِ فَلْيَتَجَوَّزْ، فَإِنَّ فِيهِمُ الضعيف وَالْكَبِيرَ وَذَا الْحَاجَةٍ)). مُتَّفَقَ عَلَيْهِ) وأخذ
أئمتنا من هذه الأحاديث أنه يسن للإمام إذا صلى بغير محصورين أو بمحصورين لم
يرضوا وواحد منهم بالتطويل، أو رضوا به وهم بمسجد مطروق تخفيف قراءة الصّلاة
وأذكارها بحيث لا يقتصر على الأقل كره، ولا يستوفي الأكمل المستحب للمنفرد من
طوال المفصل وأوساطه وأكمل ذكر الركوع وما بعده، بل يقتصر على أدنى الكمال.
أمَّا إذا كانوا محصورين بمحل لا يطرأ عليه غيرهم ولم يتعلق بهم حتى للغير،
ورضوا كلهم له بالتطويل أو علم رضاهم به فيطيل ندبًا على المعتمد إلى ما يرضون به،
وعلى من هذا حالهم يحمل ما وقع له والي في بعض الأحيان.
وقول بعض أئمتنا: لا عبرة بعدم رضا واحد لكثرة حضوره مراعاة لحق
الراضين، ولا يفوت حقهم لهذا الفرد الملازم، رده جمع بأن الصواب أنه لا يطول
حينئذٍ لإنكاره وَي على معاذ التطويل لما شكاه الرجل الواحد؛ أي: فهي قضية حال
قوله فيفيد العموم، وأنه لا فرق بين كون ذلك الرجل كان ملازمًا وكونه كان غير
ملازم.
ويؤخذ من كلام بعض أئمتنا أنهم لو قالوا له: طول ما شئت فطول ما شاء ما
لم يخش الملل أو الوقوع في السهو ويلحق به في هذا المنفرد فلا يطول إن خشي
ذلك.
قال أصحابنا: ويكره اتفاقًا ثم قال الأكثرون: تنزيهًا والأقلون: تحريمًا إطالته
لتكثير الجماعة بمن يلحقه، وإن اعتادوا أن يأتوه أفواجًا بعد الإمامة أو لانتظار ذي
منصب ولو أخرويًا وإن رضوا له بالتطويل، وذلك لإضراره الحاضرين ولمخالفته
الأخبار السابقة، نعم السنة تطويل الأولى على الثانية فيطولها بقصد امتثال السنة لا
غير.
٤١٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الرابع
وصح أنه ي ليه كان يطيل الأولى من الظهر كي يدركها الناس، وقول الراوي: كي
يدركها الناس، وقول أصحابنا أخذًا منه إنما سن تطويل الأولى ليدركها قاصد
الجماعة ليس فيه أنه * كان يطيلها بقصد ذلك، بل يحتمل أنه لكون النشاط فيها
أكثر كما صرحوا به أيضًا فقصد الإمام لذلك مكروه وإن ترتبت عليه مصلحة، ومن
ثم لم يعتبر مع ذلك القصد رضا المأمومين بالتطويل كما مر، فالوجه كراهة التطويل
كما مر لوجه كراهة التطويل بهذا القصد سواء أراد به على هيئات الصّلاة ورضوا به
أم لا.
وقال أئمتنا أيضًا: ولو حضر معه بعض القوم سن له أن يعمل بهم أول الوقت
ولا ينتظر غيرهم وإن رجا مجيئهم؛ لأن الصّلاة أول الوقت بجماعة قليلة أفضل منها
آخره بجماعة كثيرة.
قال جمع منهم: ولو أقيمت الصّلاة لم يحل للإمام أن ينتظر من لم يحضر لا
يختلف المذهب في ذلك. انتهى.
وفيه كلام حررته مع ما تقرر قبله في ((شرح العباب)).
١١٣٣ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: لَّهِ ((يُصَلُّونَ لَكُمْ، فَإِنْ
أَصّابُوا فَلَكُمْ، وَإِنْ أَخْطَؤُوا فَلَكُمْ وَعَلَيْهِمْ))](١).
(وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ:(وَّهِ ((يُصَلُّونَ) أي: الأئمة (لَكُمْ) مر
أول الفصل معنى هذه اللام (فَإِنْ أَصَابُوا) بأن أتوا لجميع الأركان والشرائط والأبعاض
والهيئات (فَلَكُمْ) ثواب ذلك وكماله، وكذا لهم وإنما حذفه؛ لأنه معلوم بالأولى؛ لأن
ثواب إصابتهم إذا تجاوز لغيرهم فبالأولى أن يثبت لهم.
(وَإِنْ أَخْطَؤوا) ببعض شيء مما ذكر ولو سهوًا (فَلَكُمْ) أجر ما وقصد تموه من
الصّلاة والجماعة الكاملة (وَعَلَيْهِمْ))) وقال بعض ذلك وتفويت ثوابه هذا لم يعلم
المأموم في الصّلاة بمبطل وقع من الإمام، وإلا لزمه مفارقته حالاً بالنية، فإن تراخى
(١) أخرجه البخاري (٦٩٤)، والبيهقي (٥٥٣٦).
٤١٣
تتمة كتاب الصلاة/ باب ما على الإمام
بطلت صلاته فإن علم بعدها بمبطل وقع من الإمام فيها فإن كان من شأنه ألَّا يطلع
عليه كحدث الإمام أو جنابته أو تركه النية أو عليه نجاسة خفية لم يلزم المأموم
الإعادة وصلاته صلاة جماعة يكتب له ثوابها؛ لعدم تقصير منه ألبتة سواء تعمد
الإمام ذلك أم لا، وإن كان من شأنه أن يطلع عليه ككفر الإمام ولو نحو زندقة (١)
وجنونه وكتركه تكبيرة الإحرام لزمته الإعادة؛ لأنه ينسب إلى نوع تقصير (وهذا
الباب خالٍ عن الفصل الثاني).
(الفصل الثالث)
١١٣٤ - [عَنِ عُثْمَانَ بْنِ أَبِ الْعَاصِ ﴾ قَالَ: آخِرُ مَا عَهِدَ إِلَيَّ رَسُولُ اللهِ وَلِ﴾ ((إِذَا
أَمَمْتَ قَوْمًا فَأَخِفَّ بِهِمُ الصَّلَاةَ)(٢). رَوَاهُ مُسْلِمٍ، وَفِي رِوَايَةٍ لَّهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِوَِّ قَالَ لَهُ:
(أُمَّ قَوْمَكَ)) قَالَ: إِنِّ لَأَجِدُ فِي نَفْسِي شَيْئًا، قَالَ: ((ادْنُهُ)) فَأَجَلَسَنِي بَيْنَ يَدَيْهِ ثُمَّ وَضَعَ
كَفَّهُ فِي صَدْرِي بَيْنَ ثَدْيِيَّ ثُمَّ قَالَ: ((تَحَوَّلْ)) فَوَضَعَهَا فِي ظَهْرِي بَيْنَ كَتِفَيّ، ثُمَّ قَالَ: ((أَمّ
قَوْمَكَ فَمَنْ أَمَّ قَوْمًا فَلْيُخَفِّفْ فَإِنَّ فِيهِمُ الْكَبِيرَ وَإِنَّ فِيهِمُ الْمَرِيضَ وَإِنَّ فِيهِمُ الضَّعِيفَ
وَإِنَّ فِيهِمْ ذَا الْحَاجَةِ، فَإِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ وَحْدَهُ فَلْيُصَلِّ كَيْفَ شَاءَ)](٣).
(عَنِ عُثْمَانِ بْن أَبِي الْعَاصِ عَلَ قَالَ: آخِرُ مَا عَهِدَ إِلَّ رَسُولُ اللهِ وَّ (إِذَا أَمَمْتَ
قَوْمًا فَأَخِفَّ بِهِمُ الصَّلَاةَ)). رَوَاهُ مُسْلِمٍ، وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَلِ قَالَ لَهُ: ((أُمَّ
قَوْمَكَ)) قَالَ: إِنِّ لِأَجِدُ فِي نَفْسِي شَيْئًا) أي: من كبر أو عجب إذا تقدمت عليهم أو من
العجز عن شرائط الإمامة والقيام بحقوقها الكثيرة الخطيرة أو من الوسوسة وقلة تحمل
القرآن والفقه.
(قَالَ: ((ادْنُهُ))) أمر من الدنو؛ أي: القرب بها هاء السكت لبيان الحركة
(١) في الأصل (وأنوثته).
(٢) أخرجه مسلم (٤٦٨)، وابن ماجه (٩٨٨)، وأحمد (١٦٣٢١)، والبغوي في الجعديات (٩٣)،
والروياني (١٥١٦)، وأبو عوانة (١٥٥٩)، والطبراني (٨٣٣٧)، والبيهقي (٥٠٥٢).
(٣) أخرجه مسلم (٤٦٨)، وابن أبي شيبة (٤٦٥٩)، والبيهقي (٥٠٦١).
٤١٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الرابع
(فَأَجَلَسَنِي بَيْنَ يَدَيْهِ ثُمَّ وَضَعَ كَفَّهُ فِي صَدْرِی بَیْنَ تَدْیَيَّ) بتشدید الیاء، وفیه الرد علی
من أنكر إطلاق الثدي على حلمة الرجل.
(ثُمَّ قَالَ: ((تَحَوَّلْ)) فَوَضَعَهَا فِي ظَهْرِي بَيْنَ كَتِفَيَّ) بتشديد الياء أيضًا، أراد ◌َد.
بوضع كفه الكريمة بين ثدييه وبين كتفيه أن تسري من يداها وبركتها وإمدادها إلى
قلبه من أمامه وخلفه ما يزيل ما فيه من نقص ويملأه حكمة وإيمانًا وعلمًا وعرفًا؛
لأن الله تعالى جعل مفاتيح خزائن رحمته معرفته بيديه الكريمتين يعطي منها ما شاء
لمن يشاء.
(ثُمَّ) لما منحه ◌َ تلك المنحة العظمى وأفاض عليه ذلك العرفان الأسمى (قَالَ:
(أُمَّ قَوْمَكَ فَمَنْ أَمَّ قَوْمًا فَلْيُخَفِّفْ فَإِنَّ فِيهِمُ الْكَبِيرَ وَإِنَّ فِيهِمُ الْمَرِيضَ وَإِنَّ فِيهِمُ
الضَّعِيفَ) أي: ضعيف الحركة والبنية والنهضة وإن لم يكن مريضًا ولا كبيرًا (وَإِنَّ
فِيهِمْ ذَا الْحَاجَةِ، فَإِذَا صََّى أَحَدُكُمْ وَحْدَهُ فَلْيُصَلِّ كَيْفَ شَاءً)) من تخفيف وإطالة ما
لم يخش سهوًا أو مللاً.
١١٣٥ - [وعَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِي الله عَنْهُمَا - قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَهِ يَأْمُرُنَا
بِالتَّخْفِيفِ وَيَؤُمُّنَا بِ(الصَّافَّاتِ)). رَوَاهُ النَّسَائِي)](١).
(وعَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِي الله عَنْهُمَا - قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَلِ يَأْمُرُنَا بِالتَّخْفِيفِ
وَيَؤُمُّنَا بـ(الصَّافَّاتِ)). رَواهُ النَّسَائِي) ولا تنافي بين أمره بالتخفيف وكونه يصلي بهم
بالصافات لما مر أن أكثر أحواله وَلهو التخفيف، وأنه كان ربما طول إذا علم من
أصحابه إيثار التطويل على أنه ◌َل﴾ لا يقاس به غيره؛ لأن كلاً من بقلبه ذرة من إيمان
يود أن لو طول به ما شاء كيف بالصحابة وما أوتوا من حقائق اليقين ونهاية العرفان
والتمكين؟ فهم لا يخشون مع تطويله بشيء من النصب أصلاً بل يتمتعون به
ويرغبون فيه.
(١) أخرجه أحمد (٤٩٠٠)، والنسائي (٥٠٦٥)، وابن خزيمة (١٦٠٦)، والبيهقي (٥٨٤٤).
(باب ما على المأموم من المتابعة وحكم المسبوق)
(الفصل الأول)
١١٣٦ [عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ﴾ قَالَ: كُنَّا نُصَلِّ خَلْفَ رَسُول الله ◌َلِ فَإِذَا قَالَ:
(سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ) لَمْ يَحْنِ أَحَدَّ مِنَّا ظَهْرَهُ حَتَّى يَضَعَ النَّبِيُّ ◌َّهِ جَبْهَتَهُ عَلَى الأَرْضِ.
مُتَّفَقَ عَلَيْهِ](١).
(عَنِ الْبَرَاءِ بْن عَازِبٍ ﴾ قَالَ: كُنَّا نُصَلِّ خَلْفَ رَسُولِ اللهِ وَ فَإِذَا قَالَ:
(سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ)) لَمْ يَحْنٍ) أي: لم يثن (مِنَّا ظَهْرَهُ حَتَّى يَضَعَ النَّبِيُّ ◌َّهْ جَبْهَتَهُ عَلَى
الأَرْضِ).
وفي رواية: ((إذا رفع رأسه من الركوع قاموا قيامًا حتى يرونه قد سجد))(٤)
وإلحاق النون بعد حنى مع كونها إلى أن أداء الفعل مستقبل بالنسبة للقيام على لغة
من يهمل أن حملاً على أختها ما المصدرية ومنه القراءة الشاذة: ﴿لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ
الرَّضَاعَةَ﴾ [البقرة: ٢٣٣] بضم الميم (مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ) وبه يتأيد قول الغزالي في (الإحياء):
ينبغي ألَّا يهوي للسجود إلا إذا وصلت جبهة الإمام إلى المسجد، هكذا كان اقتداء
الصحابة به ێ﴾ ولا یھوي للرکوع حتى يستوي الإمام راکعًا. انتهى.
وبهذا يرد بحث غيره أنه ينبغي شروع المأموم عقب ابتداء الإمام بالركن الفعلي،
وكذا القولي غير التحرم لبطلان المقارنة في حرمته ولو احتمالاً، وغير التأمين بسنن
المقارنة فيه عن ابتداء فعل الإمام، ويتقدم فراغ الإمام منه على فراغ المأموم ويكره
المقارنة في غير التحرم ويفوته بها فضل الجماعة فيما وجدت المقارنة فيه.
١١٣٧ [وَعَنْ أَنَسِ ﴾ قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللهِ وَهَ ذَاتَ يَوْمٍ فَلَمَّا قَضَى الصَّلَاةَ
(١) أخرجه البخاري (٨١١)، وبنحوه مسلم (١٠٩٠)، والبيهقي (٢٧٠٠).
(٢) أخرجه البخاري (٧٤٧).
٤١٥
٤١٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الرابع
أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ فَقَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ إِنِي إِمَامُكُمْ فَلَا تَسْبِقُونِي بِالرُّكُوعِ وَلَا بِالسُّجُودِ
وَلَا بِالْقِيَامِ وَلَا بِالإِنْصِرَافِ، فَإِّي أَرَاكُمْ مِنْ خَلْفِي)). رَوَاهُ مُسْلِمٍ](١).
(وَعَنْ أَنَسِ عَلَ قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللهِ وَِّ ذَاتَ يَوْمٍ فَلَمَّا قَضَى الصَّلَاةَ أَقْبَلَ
عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ فَقَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّى إِمَامُكُمْ فَلَا تَسْبِقُونِي بِالرُّكُوعِ وَلَا بِالسُّجُودِ وَلَا
بِالْقِيَامِ وَلَا بِالإِنْصِرَافِ) يحتمل أن المراد به السلام وهو المناسب لما قبله لما يأتي أن
التقدم به حرام مبطل، وسيأتي قريبًا استعمال الانصراف فيه، وبه يتأيد حمله علیه هنا
أيضًا، ويحتمل أنه التحول من محل الصّلاة فيستفاد منه كراهة الخروج قبل الإمام ولا
أعلم أحدًا من أصحابنا صرح بذلك وبفرض اعتماده يتعين فرضه فيمن لا حاجة له.
(فَإِنِّ أَرَاكُمْ مِنْ خَلْفِي))) سبق الكلام عليه مرارًا (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) ومنه مع الخبر
الآتي: (إنما يخشى الذي يرفع رأسه قبل الإمام أن يحول الله رأسه رأس حمار))(٤) أخذ
أصحابنا أن تقدم المأموم على الإمام إن كان بركن تام فعلي لا قولي، كأن ركع واعتدل
والإمام قائم ووقف في الاعتدال ينتظره حرم عليه، ولكن لا تبطل صلاته؛ لأنه لم
تفحش مخالفته للإمام عرفًا وإن كان بركنين فعليين تامين بطلت صلاته إن علم
وتعمد لفحش المخالفة عرفًا، وإن كان ببعض ركن كأن ركع قبل إمامه فأدركه الإمام
في الرکوع کره تنزیھًا وفاتته فضيلة الجماعة فيما تقدم به.
وقال جمع من أئمتنا: إنه حرام وله وجه؛ لأن الحديث يشمله إلا أن يقال: إن
قوله: ((بالركوع)) يقتضي الركوع كله لا بعضه، أمَّا القولي فالتقدم تكبيرة الإحرام منه
أو بالسلام من غير نية مفارقة مبطل وتغيرهما مكروه، وعلم من منع التقدم بتفصيله
المذكور أن حكم التأخير كذلك في أكثر الصور دون كلها؛ لأن التقدم أفحش، فإن
(١) أخرجه مسلم (٤٢٦)، وابن أبي شيبة (٧١٥٦)، وأحمد (١٢٠١٦)، وابن خزيمة (١٧١٦)، وأبو يعلى
(٣٩٥٢)، والبيهقي (٢٤٢٣).
(٢) أخرجه البخاري (٦٥٩)، ومسلم (٤٢٧)، وأحمد (١٠٥٥٣)، وابن أبي شيبة (٧١٤٧)، وأبو داود
(٦٢٣)، والنسائي (٨٢٨)، وابن ماجه (٩٦١)، والترمذي (٥٨٢) وقال: حسن صحيح.
٤١٧
تتمة كتاب الصّلاة/ باب ما على المأموم من المتابعة وحكم المسبوق
كان التخلف بركن بلا عذر بأن ركع الإمام واعتدل والمأموم قائم لإتمام سورة غير
الفاتحة كره، وقيل: کره.
وقيل: حرم كالتقدم وقد علمت الفرق.
ومما يصرح به خبر ابن حبان وصححه: ((لا تبادروني بالركوع ولا بالسجود
فمهما أسبقكم به إذا ركعت تدركوني به إذا رفعت))(١) أو بركنين تامين فعليين وإن لم
يكونا طويلين كأن ركع الإمام واعتدل وهوى للسجود والمأموم قائم حرم وبطلت
صلاته إن علم وتعمد لفحش المخالفة بلا عذر.
١١٣٨ - [وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴿ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((لَا تُبَادِرُوا الإِمَامَ إِذَا
كَبَّرَ فَكَبِّرُوا، وَإِذَا قَالَ: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ فَقُولُوا: آمِينَ، وَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا، وَإِذَا قَالَ:
سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَقُولُوا: اللهُمَّ رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ)). مُتَّفَقَ عَلَيْهِ، إِلَّا أَنَّ البُخَارِي لَمْ
يَذْكُر وَإِذَا قَالَ: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾](٢).
(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: لَا تُبَادِرُوا الإِمَامَ) أي: لا تسابقوه
(إِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا) يشمل تكبيرة الإحرام، وتأخر جميع تكبيرة الإمام يقينًا بشرط
لصحة صلاته كما مر، وبقية التكبيرات وتأخر المأموم بها سنة، وفارقت تلك بأن
تلك بها الانعقاد فلم يمكن تقدم انعقاد صلاة الإمام الناوي الإمامة قبل انعقاد
صلاة الإمام.
(وَإِذَا قَالَ) أي: أراد أن يقول لما مر في مبحث البابين أنه يسن مقارنة تأمينه
لتأمين إمامه (وَلَا الضَّالِّينَ فَقُولُوا: آمِينَ، وَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا وَإِذَا قَالَ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ
حَمِدَهُ، فَقُولُوا) سمع الله لمن حمده كما مر بيانه في مبحثه (اللهُمَّ رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ) ومن
ثم روايات أخر (مُتَّفَق عَلَيْهِ، إِلَّا أنَّ البُخَارِي لِمْ يَذْكُر وَإِذَا قَالَ: وَلَا الضَّالِّينَ).
(١) أخرجه الطبراني (٨٦٢)، وأبو داود (٦١٩)، وابن ماجه (٩٦٣)، وابن خزيمة (١٥٩٤)، وابن
الجارود (٣٢٤)، وابن أبي شيبة (٧١٥٠).
(٢) أخرجه البخاري (٨٠٥)، ومسلم (٩٥٩)، والبيهقي (٢٦٩٧).
٤١٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الرابع
١١٣٩ - [وَعَنْ أَفَسِ عَِّ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَ رَكِبَ فَرَسًا فَصُرِعَ عَنْهُ، فَجُحِشَ شِقُهُ
الأَيْمَنُ، فَصَلَّى صَلَاةً مِنَ الصَّلَوَاتِ وَهْوَ قَاعِدُ، فَصَلَّيْنَا وَرَاءَهُ قُعُودًا، فَلَمَّ انْصَرَفَ قَالَ:
((إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا صَلَّى قَائِمًا فَصَلُّوا قِيَامًا، فَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا، وَإِذَا رَفَعَ
فَارْفَعُوا، وَإِذَا قَالَ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ فَقُولُوا: رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ، وَإِذَا صَلَّى جَالِسًا فَصَلُّوا
جُلُوسًا أَجْمَعُونَ)) قَالَ الْحُمَيْدِيُّ: ((إِذَا صَلَّى جَالِسًا فَصَلُّوا جُلُوسًا أَجْمَعُون)) هُوَ فِي مَرَضِهِ
الْقَدِيمِ، ثُمَّ صَلَى بَعْدَ ذَلِكَ النَّبِيُّ ◌َهِ جَالِسًا وَالنَّاسُ خَلْفَهُ قِيَامًا لَمْ يَأْمُرْهُمْ بِالْقُعُودِ،
وَإِنَّمَا يُؤْخَذُ بِالآخِرِ فَالآخِرِ مِنْ فِعْلِ النَّبِيّ ◌َِّ هَذَا لَفْظُ البُخَارِي، وَاتَّفَقَ مُسْلِمٍ إِلَى
أُجْمَعُونَ وَزَادَ فِي رِوَايَتِهِ فَلا تَخْتَلِفُوا عَلَيْهِ وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا](١).
(وَعَنْ أَفَسِ ﴿ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَهْ رَكِبَ فَرَسًا فَصْرِعَ عَنْهُ، فَجُحِشَ شِقُهُ
الأَيْمَنُ) أي: انخدش فتأثر تأثرًا منعه من استطاعته القيام (فَصَلَّى صَلَاةً مِنَ الصَّلَوَاتِ
وَهْوَ قَاعِدُ، فَصَلَّيْنَا وَرَاءَهُ قُعُودًا، فَلَمَّا انْصَرَفَ) أي: من سلم من صلاته (قَالَ: (إِنَّمَا
جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ)) أي: يقتدى به ويتبع ومن شأن التابع ألّا يسبق متبوعه ولا
يساويه بل ولا يتأخر عنه تأخرًا يقطع نسبته عنه بل يراقب أحواله ويتابع آثاره.
(فَإِذَا صَلَّى قَائِمًا فَصَلُّوا قِيَامًا، فَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا، وَإِذَا رَفَعَ فَارْفَعُوا، وَإِذَا قَالَ:
سُمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ فَقُولُوا: رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ) بعد تمام القيام بعد قولكم: ((سمع الله
لمن حمده)» في حال الارتفاع كما مر بيان ذلك (وَإِذَا صَلَّى جَالِسًا) لعذره منعه القدرة
على القيام (فَصَلُّوا جُلُوسًا أجْمَعُون) أخذ به أحمد والأوزاعي وإسحاق فأوجبوا على
القادر ألَّا يصلي خلف الجالس إلا جالسًا.
وقال الشافعي وأبو حنيفة وسفيان الثوري وغيرهم: لا يجوز أن يصلي للقاعد
خلف الجالس إلا قائمًا، وأجابوا عن الحديث بأنه منسوخ بصلاته ◌ّيه في مرض موته
(١) أخرجه البخاري (٧٠٠)، ومسلم (٤١١)، ومالك (٣٠٤)، والطيالسي (٢٠٩٠)، وأحمد (١٢٠٩٥)،
وابن أبي شيبة (٧١٣٤)، وأبو داود (٦٠١)، والترمذي (٣٦١)، والنسائي (٧٩٤)، وابن ماجه
(١٢٣٨)، وابن حبان (٢١٠٢).
٤١٩
تتمة كتاب الصّلاة/ باب ما على المأموم من المتابعة وحكم المسبوق
قبل موته يوم جالسًا والناس خلفه قيامًا، وزعم أن أبا بكر كان هو الإمام غلط ومن
ثم (قَالَ الْحُمَيْدِيُّ) أحد شيوخ البخاري وتلميذ الشافعي ((إِذَا صَلَّى جَالِسًا فَصَلُّوا
جُلُوسًا أجْمَعُون)) هُوَ فِي مَرَضِهِ الْقَدِیمِ) حین آلی من نسائه.
(ثُمَّ صَلَى بَعْدَ ذَلِكَ الشَّبِيُّ ◌ََّ) قبل موته بيوم (جَالِسًا وَالنَّاسُ خَلْقَهُ قِيَامًا لَمْ
يَأْمُرْهُمْ بِالْقُعُودِ، وَإِنَّمَا يُؤْخَذُ بِالْآخِرِ فَالآخِرِ مِنْ فِعْلِ النَّبِيِّ وَلِ هَذَا لَفْظُ الْبُخَارِي،
وَاتَّفَقَ مُسْلِم) معه (إِلَى) قوله: (أَجْمَعُونَ وَزَادَ فِي رِوَايَتِهِ فَلا تَخْتَلِفُوا عَلَيْهِ))) بتقديم
((علیه)) أو بتأخر ((عنه)) كما مر بيانه.
(وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا) وقيل: لا يحتاج لدعوى النسخ لإمكان الجمع بين
الحدیثین بأن معنی ((صلوا جلوسًا)» وافقوه في الجلوس للتشهد. انتهى.
وبعده جلي والصواب دعوى النسخ، واعترض بأن الثاني لا يدل على حرمة
الجلوس بل على نسخ وجوبه معه؛ لأنه إذا نسخ الوجوب بقي الجواز، ويرد بأن القاعدة
إن كان ممتنعًا إذا جاز وجب فحيث انتفى جوازه رجوعًا به إلى أصله من الامتناع،
وقولهم: إذا نسخ الوجوب بقي الجواز يحمل بقرينة كلامهم هنا على ما لم نعلم حرمته
قبل وجوبه.
وكلا الحديثين حجة على مالك في قوله: لا يجوز أن يكون القاعد إمامًا، وخبر:
((لا يؤمن أحدكم بعدي جالسًا))(١) مرسل ضعيف على أنه لو فرض قبوله وجب تأويله
بحمله على نهي التنزيل جمعًا بينه وبين ذينك الحديثين الصريحين في الجواز قاله
أصحابنا، ويسن إن عجز عن القيام الاستخلاف خروجًا من خلاف مالك، واعترض
بعدم استخلافه ول#، وجوابه بأن الصّلاة خلفه قاعدًا أفضل منها خلف غيره قائمًا
وبغير ذلك، وعندي لا يتوجه الإعراض أصلاً؛ لأنه وله لو استخلف لم يعلم نسخ
وجوب القعود خلف القاعد إلا بقوله ودلالة الفعل أقوى فكانت صلاته أولى من
(١) أخرجه عبد الرزاق (٤٠٨٧)، والبيهقي (٤٨٥٤) وقال: لم يروه غير جابر الجعفي وهو متروك،
والحديث مرسل لا تقوم به حجة. وابن حبان (٢١١٠)، والدارقطني (٣٩٨/١).
٤٢٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الرابع
استخلافه على أن في رعاية خلاف مالك هنا نظر؛ لأنه كخلاف أحمد مخالف لسنة
صحيحة صريحة.
١١٤٠ - [وعَنْ عَائِشَةَ - رَضِي الله عَنْهَا - قَالَتْ: لَمَّا ثَقُلَ رَسُولُ اللهِوَ جَاءَهُ
بِلَالُ يُؤْذِنُهُ بِالصَّلَاةِ فَقَالَ: (مُرُوا أَبَا بَكْرٍ أنْ يُصَلِّ بِالنَّاسِ)) فَصَلَى أَبُو بَكْرِ تِلْكَ الأَيَّامِ
ثُمَّ إِنَّ النَّبِيَّ ◌َ وَجَدَ فِي نَفْسِهِ فَقَامَ يُهَادَى بَيْنَ رَجُلَيْنِ وَرِجْلَاهُ يَخُطَّانِ فِي الأَرْضِ حَتَّى
دَخَلَ الْمَسْجِدَ، فَلَمَّا سَمِعَ أَبُو بَكْرٍ حِسَّهُ ذَهَبَ يَتَأَخَّرُ فَأَوْمَأَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللهِ وَ أَلا
يتأخر فَجَاءَ حَتَّى جَلَسَ عَنْ يَسَارٍ أَبِي بَكْرٍ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ يُصَلِّي فَائِمًا، وَكَانَ
رَسُولُ اللهِ وَهِ يُصَلّ قَاعِدًا، يَقْتَدِي أَبُو بَكْرٍ بِصَلَاةِ رَسُولِ اللهِ وَّهِ وَالنَّاسُ يَقْتَدُونَ
بِصَلَاةِ أَبِي بَكْرٍ)). مُتَّفَقَ عَلَيْهِ، وفي رواية لهما: يُسْمِعُ أَبُو بَكْرِ النَّاسِ التَّكْبِيرَ](١).
(وعَنْ عَائِشَةَ - رَضِي الله عَنْهَا - قَالَتْ: لَمَّا تَقُلَ رَسُولُ اللهِ وَّ) أي: اشتد
مرضه وتناهى ضعفه (جَاءَهُ بِلَالَّ يُؤْذِنُهُ) بضم الياء وسكون الهمزة؛ أي: يعلمه ويخبره
(بِالصَّلَاةِ) ليؤمهم أو يقدم من يؤمهم.
(فَقَالَ: «مُرُوا أَبَا بَكْرٍ أنْ يُصَلِّ بِالنَّاسِ فَصَلَّى أَبُو بَكْرِ تِلْكَ الأَيَّامِ ثُمَّ إِنَّ الشَّي
وَهُ وَجَدَ فِي نَفْسِهِ فَقَامَ يُهَادَى بَيْنَ رَجُلَيْنِ وَرِجْلَاهُ يَخْطَّانٍ فِي الأَرْضِ))) من شدة ما به
من المرض (حَتَّى دَخَلَ الْمَسْجِدَ، فَلَمَّا سَمِعَ أَبُو بَكْرِ حِسَّهُ) أي: حركته (ذَهَبَ
يَتَأَخَّرُ) أي: شرع في التأخر.
(فَأَوْمَأَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللهِ وَهُ أَلا يتأخرِ فَجَاءَ حَتَّى جَلَسَ عَنْ يَسَارٍ أَبِي بَكْرِ،
وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ يُصَلِّي قَائِمًّا، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ يُصَلّ قَاعِدًا، يَقْتَدِي أَبُو بَكْرٍ بِصَلَاةِ
رَسُولِ الله وَير) فيه أوضح الرد على من زعم أنه ◌َ له كان مقتديًا بأبي بكر؛ لأن التقدم
عندهم جائز (وَالنَّاسُ يَقْتَدُونَ بِصَلَاةٍ أَبِي بَكْرٍ) أي: بمنزلة المقتدين بها وإن كانوا في
الحقيقة مقتدين به وير لما لم يسمعوا تكبيره، وإنما الذي يسمعه أبو بكر ثم يسمعهم
(١) أخرجه البخاري (٦٣٣)، ومسلم (٤١٨)، ومالك (٤١٢)، والترمذي (٣٦٧٢) وقال: حسن
صحيح. وابن ماجه (١٢٣٢)، وأحمد (٢٤٦٩١).