النص المفهرس
صفحات 381-400
٣٨١
تتمة كتاب الصلاة/ باب تسوية الصف
(وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِي الله عَنْهُمَا - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّةِ: أَقِيمُوا الصُّفُوفَ)
أي: أقيموها حتى لا يبقى فيها عوج ولا نقص بأن تكون على كمالها المطلوب شرعًا
كما علم مما مر، ويخفى ذلك عطف عليه بعض أفراده ليبينه فقال: (وَحَاذُوا بين
الْمَنَاكِبِ) بألّا يتقدم بعضها على بعض كما مر (وَسُدُّوا الْخَللَ) أي: الفرج التي في
الصفوف؛ لأنها محل دخول الشيطان فيها ليدخل الفساد أو النقص على صلاة أهلها
لتقصيرهم بترك سدها كما مر.
(وَلِيْنُوا بِأَيْدِي إِخْوَانِكُمْ) إذا أخذوا بها ليقدموكم أو يؤخروكم حتى يستوي
الصف؛ لتنالوا فضل المعاونة على البر والتقوى، ويصح أن يكون المراد أيضًا: «لينوا
بيد من يجركم من الصف» أي: وافقوه وتأخروا معه لتزيلوا عنه وصمة الانفراد التي
أبطل بها بعض الأئمة، ومن ثم قال أئمتنا: يسن لمن جاء ولم يجد فرجة ولا سعة في
الصف أنه بعد إحرامه منفردًا لا قبله يجر شخصًا من الصف إن كان أكثر من اثنين
إليه ليصطف معه، ويسن للمجرور موافقته؛ لينال فضل المعاونة على البر والتقوى
وذلك يعادل فضيلة ما فات عليه من الصف.
وجاء في مرسل عن أبي داود: ((إن جاء فلم يجد خللاً أو أحدًا فليختلج إليه
رجلاً من الصف فليقم معه فما أعظم المختلج)) (١) وليس هذا من الإيثار بالقرب كما
توهمه بعضهم بل هو تحصيل فضيلة للغير مع بقاء فضيلته لوجود خلف عنها كما مر،
وإنما الإيثار بالقربة مثل أن يخرج من الصف قبل الصّلاة ليدخل غير موضعه، ونحو
ذلك من كل ما فيه تفويت فضيلة على النفس لا إلى بدل، نعم يستثنى من ذلك تقديم
من هو أحق منه بتلك القربة كتقديم الأقرأ الأفقه في الإمامة على أن في ذلك من
امتثال أمر الشارع ما يجبر فضيلة تقدمه.
(١) أخرجه أبو داود في المراسيل (٨٠)، والبيهقي (٤٩٩٣).
٣٨٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الرابع
(وَلَا تَذَرُوا فُرُجَاتٍ لِلشَّيْطَانِ) أضيفت إليهم؛ لأنها محل ترددهم للإغواء
والإفساد (وَمَنْ وَصَلَ صَفَّا وَصَلَهُ اللهُ) بإدرار أخلاف رحمته وإنزال هوامع نعمته.
(وَمَنْ قَطَعَه قَطَعَهُ اللهُ) عن مواسم الخيرات وحقائق المسرات، فيه أبلغ حث
على وصل الصفوف بسد فرجها وتكميلها بألّا يشرع في صف حتى يكمل الذي
قبله، وأعظم زجر عن قطعها بأن يقف في صف وبين يديه آخر ناقص أو فيه فرجة.
ومن تأمل بركة دعائه ويليه للواصل وحضر دعاءه المقبول الذي لا يرد على
القاطع، وكان عنده أدنى ذرة من إيمان، بادر إلى الوصل وفر عن القطع ما أمكنه (رَوَاهُ
أَبُو دَاوُدٍ، وَرَوَى النَّسَائِي مِنْهُ قَوْله: ((وَمَنْ وَصَلَ صَفًّا .. إِلَى آخِرِهِ)).
١١٠٣ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: «تَوَسَّطُوا الْإِمَامَ وَسُدُّوا
الْخَلَلَ)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُد](١).
(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةٍ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِهِ: تَوَسَّطُوا الْإِمَامَ) أي: اجعلوه
متوسطًا بينكم بأن تقفوا في الصفوف خلفه عن يمينه وشماله (وَسُدُّوا الْخَلَلَ. رَوَاهُ أَبُو
دَاوُد) ومنه أخذ أئمتنا أنه یسن للمأمومین أن يكشفوا الإمام من جانبیه حتى يصير
كالتوسط بينهم؛ لأن ذلك أدعى لإظهار عظمته وأوفق لمرتبة إتباعه وتقدمه.
١١٠٤ - [وعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ الله عَنْهَا - قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ الله ◌ِ: ((لَا يَزَالُ
قَوْمُ يَتَأَخَّرُونَ عَنِ الصَّفّ الأَوَّلِ حَتَّى يُؤَخِّرَهُمُ اللهُ)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُد](٢).
(وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: لَا يَزَالُ قَوْمُ
يَتَأَخَّرُونَ عَنِ الصَّفِّ الأَوَّلِ حَتَّى يُؤَخِّرَهُمُ اللهُ) عن الخيرات ويدخلهم في النار، رواه
(أَبُو دَاوُد) وفيه أعظم حث على تحري الصف الأول وملازمته، وأبلغ زجر عن التأخر
عنه تهاونًا أو كسلاً، وأوضح تنبيه على أن من تساهل بشيء من مؤكدات السنن أو
تكاسل عنها جره تكاسله ذلك إلى التكاسل وذلك إلى التساهل أو التكاسل عن
(١) أخرجه البيهقي (٤٩٨٤).
(٢) أخرجه أبو داود (٦٧٩)، والبيهقي (٤٩٧٩).
٣٨٣
تتمة كتاب الصلاة/ باب تسوية الصف
غيرها حتى الفروض، فيدخله الله النار ويقطعه عن مراتب المصطفين الأخيار.
١١٠٥ - [وعَنْ وَابِصَةَ بنِ مَعْبَدٍ ﴾ قَالَ: رَأَّى رسول اللّهِ وَ رَجُلاً يُصَلِّ خَلْف
الصَّقِّ وَحْدَهُ فَأَمَرَهُ أَنْ يُعِيدَ الصَّلاَةَ. رَوَاهُ أَحْمَد وَالتِّرْمِذِي وَأَبُو دَاوُدٍ، وَقَالَ التِّرْمِذِي:
هَذَا حَدِيْثُ حَسَنَّ](١).
(وعَنْ وَابِصَةَ بنِ مَعْبَدٍ عَ﴾ قَالَ: رَأَى رسول الله ◌َّهِ رَجُلاً يُصَلِّ خَلْفِ الصَّفّ
وَحْدَهُ فَأَمَرَهُ أَنْ يُعِيدَ الصَّلَاةَ. رَوَاهُ أَحْمَدٍ وَالتِّرْمِذِي وَأَبُو دَاوُدٍ، وَقَالَ التِّرْمِذِي: هَذَا
حَدِيْثُ حَسَنُ) وصححه ابن حبان والحاكم، ويوافقه الخبر الصحيح أيضًا: ((لا صلاة
للذي خلف الصَّلاة)»(؟).
ومنهما أخذ أحمد وغيره بطلان صلاة المنفرد عن الصف مع إمكان الدخول
فيه، وأمره به بأن يكون أهل للصف من جنسه بخلاف امرأة ورجال مثلاً، وحملهما
أئمتنا الأول على الندب والثاني على نفي الكمال؛ ليوافقا خبر البخاري الآتي عن أبي
بكرة أنه دخل والنبي وله راكع فركع قبل أن يصل إلى الصف، فذكر للنبي وَله فقال:
((زادك الله حرصًا ولا تعد))(٣).
وفي رواية لأبي داود وصححها ابن حبان: ((فركع دون الصف ثم مشى))(٤) إذ
ظاهره عدم لزوم الإعادة لعدم أمره بها، وأيضًا فهو وَ ل﴿ تركه حتى فرغ ولو كانت باطلة
لما أقره على المضي فيها.
واعترض جماعة من المتأخرين بأن قوله ﴿ ل﴾: ((لا تعد)) موافق لمذهب أحمد ولعله
قبل مشروعية هذا الحكم، أو أنه عذره لجهله وبأن ما قالوه أجزأه، ورد عليهم في
(١) أخرجه عبد الرزاق (٢٤٨٢)، وابن أبي شيبة (٥٨٨٧)، وأبو داود (٦٨٢)، والترمذي (٢٣٠)، ولم
أقف علیه عند أحمد.
(٢) أخرجه ابن ماجه (١٠٥٦) بلفظ: ((الصف)) بدل: ((الصلاة)).
(٣) أخرجه البخاري (٧٥٠)، وعبد الرزاق (٣٣٧٧)، وأحمد (٢٠٤٧٦)، وأبو داود (٦٨٣)، والنسائي
في الكبرى (٩٤٣)، وابن حبان (٢١٩٥)، والبزار (٣٦٥١)، وابن الجارود (٣١٨).
(٤) أخرجه أحمد (٢٠٩٩٧)، وأبو داود (٦٨٤)، والبيهقي (٥٤٢٠).
٣٨٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الرابع
حديث المسيء صلاته بلا فرق، ويجاب عما قالوه بأن خبر الأمر بالإعادة وإن صححه
وحسنه من ذكر أعله ابن عبد البر بأنه مضطرب وضعفه البيهقي، وكذا الشافعي في
((الجديد)) وإن كان قال قبل ذلك في ((القديم)): لو ثبت قلت به وقولهم: ((ألا تعد)) موافق
لمن ذكر يرد بأنهم اختلفوا في معنى: ((لا تعد)) فقيل: معناه لا تعد إلى الإحرام خارج
الصف.
وقيل: لا تعد إلى التأخر عن الصّلاة إلى هذا الوقت.
وقيل: لا تعد إلى إتيان الصّلاة مسرعًا، ويرجى كونه قبل مشروعية هذا الحكم
لا يفيد، وقولهم: إنه عذره لجهله يرد بأنه يحتاج إلى إثبات كون المأمور بالإعادة عالمًا
دون غير المأمور بها، ولم يثبت ذلك بل الظاهر أنهما كانا جاهلين، وحينئذٍ فالأمر
بالإعادة مندوب حتى عند المخالف؛ لأن شرط البطلان عنده العلم بالنهي كما قاله
بعض الأئمة.
وإيراد المسيء صلاته يرد بأنه ول﴿ إنما أمره؛ لأنه جوز عليه النسيان ثم بين له
أثر كل مرة أنه لم يصل بخلافه هنا فإنه أقره ولم يبين له بعد فراغ صلاته بطلانها
فافترقا، فدل تقريره ول# هنا مع عدم بيانه بطلان الصّلاة على صحتها، فتعين الأمر
بالإعادة في الحديث الآخر بفرض صحته على الندب جمعًا بين الأدلة، فتأمل ذلك فإنه
مهم وبه يظهر لك وضوح ما ذهب إليه الشافعي وموافقوه، وأن مخالفة جماعة له من
أكابر تابعيه كالحميدي وابن المنذر وابن خزيمة ضعيفة جدًّا.
(باب الموقف)
(الفصل الأول)
١١٠٦ - [عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَبَّاسِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - قَالَ: بِتُّ فِي بَيْت خَالَتِي
مَيْمُونَةَ، فَقَامَ رَسُولُ اللهِ وَ يُصَلِّ فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ، فَأَخَذَ بِيَدِيٍ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِي
فَيُعَدِّلُنِي كَذَلِكَ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِهِ إِلَى شِقِّه الأَيْمَنِ. مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ](١).
(عَنْ عَبْدِ الله بْنٍ عَبَّاسِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - قَالَ: بِثُّ فِي بَيْتِ خَالَتِي
مَيْمُونَةَ، فَقَامَ رَسُولُ الله ◌َ يُصَلِّ فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ، فَأَخَذَ بِيَدِيٍ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِي
فَيُعَدِّلُنِي) بالتخفيف (كَذَلِكَ) أي: عدولاً مثل هذه الحالة التي صورتها لكم بيدي
(مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِهٍ إِلَى شِقِّه الأَيْمَنِ. مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ).
وفي رواية: ((فقمت عن يساره فأقامني عن يمينه))(٢) وذكر الرأس واليد لاحتمال
أنه أخذ بأحدهما ثم بالآخر وفيه فوائد، منها: جواز الجماعة في النافلة، والعمل اليسير
في الصّلاة، وعدم جواز تقديم المأموم على الإمام؛ لأنه م أداره من خلفه مع كونه
أشق، فالإيثار للأشق يقتضي منع الأسهل كذا قيل، وفيه نظر ويكفي أن الداعي لهذا
الأشق كونه لا يمر بين يديه لما مر أن المرور بين يدي المصلي بشرطه حرام، والظاهر
الغالب من أحواله وسلم أنه كان لا يصلي إلا لسترة.
فإن قلت: الحق للمصلي فتسقط الحرمة بإمراره آخر بين يديه قلت: ممنوع بل
الحق لله تعالى فلا يجوز المرور بين يدي المصلي ولو بإمراره كما اقتضاه إطلاقهم،
وجلوس الإقتداء بمن لم يبق للإمامة؛ لأنه وَلهم شرع في صلاته منفردًا وإن السنة
للذكر ولو صبيًّا إذا لم يحضر غيره أن يقف عن عين الإمام، وأن يتأخر عنه قليلاً؛ لأنه
(١) أخرجه بنحوه البخاري (٦٩٩)، ومسلم (١٨٢٧)، وعبد الرزاق (٣٨٦١).
(٢) أخرجه النسائي (٨٤١)، وابن حبان (٢٢٣٠).
- ٣٨٥ -
٣٨٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الرابع
الأدب ومخالفة شيء مما ذكر وغيره من كل ما يتعلق بالصف أو الموقف مكروه مانع
لثواب الجماعة على الأصح عندنا.
١١٠٧ - [وَعَنْ جَابِرِ﴾ قَالَ: قام رَسُولُ اللهِ وَّهِ يصلي فَجِثْتُ عَنْ يَسَارِهِ فَأَخَذَ
بِيَدِي، فَأَدَارَفِي حَتَّى أَقَامَنِي، ثُمَّ جَاءَ جَبَّارُ بْنُ صَخْرٍ فَقَامَ عَنْ يَسَارِ رَسُولِ الله ◌َِ
فَأَخَذَ بِأَيْدِينَا جَمِيعًا، فَدَفَعَنَا حَتَّى أَقَامَنَا خَلْفَهُ رَوَاهُ مُسْلِمْ﴾(١).
(وَعَنْ جَابِر ◌ََّ قَالَ: قَامِ رَسُولُ اللهِ وَل﴿ يصلي فَجِئْتُ عَنْ يَسَارِهِ فَأَخَذَ بِيَدِي،
فَأَدَارَفِي حَتَّى أَقَامَنِي، ثُمَّ جَاءَ جَبَّارُ بْنُ صَخْرٍ فَقَامَ عَنْ يَسَارٍ رَسُولِ اللهِ وَهُ فَأَخَذَ
بِأَيْدِينَا جَمِيعًا، فَدَفَعَنَا حَتَّى أَقَامَنَا خَلْفَهُ. رَوَاهُ مُسْلِمْ) ومنه كالذي قبله أخذ الأئمة أنه
يسن لمن وقف عن يسار الإمام وحده أن يتحول ولو في الصّلاة ما لم يكثر الفعل إلى
يمين الإمام، فإن ترك ذلك بجهل أو غيره حوله الإمام بفعل قليل، وأن السنة لمن جاء
ووجد آخر عن يمين الإمام أن یقف عن يساره.
وقول السبكي: لا دليل لهذا من السنة يرد بأن تقريره وَّ لجبار حين وقف عن
يساره دون ابن عباس وجابر - رضي الله عنهما - صريح في أن الوقوف عن اليسار
حينئذٍ سنة، وهذا لا غبار عليه بل يكره الوقوف خلفه، وأن السنة بعد إحرام الثاني
عن اليسار لا قبله أن يتقدم الإمام أو يتأخر إن لحقاه، وهو في القيام وإن تأخرهما
أفضل وأنه يسره للإمام إذا فعل أحد من المأمومين خلاف السنة جاهلاً أو عالمًا ووثق
منه بالامتثال أن يرشده إلى السنة بيده أو غيرها.
١١٠٨ - [وَعَنْ أَنَسِ ﴾ قَالَ: صَلَّيْتُ أَنَا وَيَتِيمُ فِي بَيْتِنَا خَلْفَ النَّبِيِّ ◌َهُ وَأُمُّ سُلَيْمِ
خَلْفَنَا. رَوَاهُ مُسْلِمْ)(٤).
(وَعَنْ أَنَسِ ﴾ قَالَ: صَلَّيْتُ أَنَا وَيَتِيمُ فِي بَيْتِنَا خَلْفَ النَِّيِّ ◌َّهِ وَأَمُّ سُلَيْمٍ خَلْفَنَا.
رَوَاهُ مُسْلِمٌ) ومنه أخذ أئمتنا أنه يسن لاثنين ذكرين بالغين أو بالغ وصبي إذا حضرا
(١) أخرجه مسلم (٧٧٠٥)، وأبو داود (٦٣٤)، والبيهقي (٥٣٥٨).
(٢) أخرجه البخاري (٨٧١)، والبيهقي (٥٤٢٥)، ولم أقف عليه عند مسلم.
٣٨٧
تتمة كتاب الصلاة/ باب الموقف
قبل إحرامه أو معه أو بعده أن يصطفا خلفه، قال بعضهم: ويكون البالغ عن يمينه
والصبي عن يساره وأن يتأخرا عنه بنحو ثلاثة أذرع كما مر، فإن خالفا شيئًا من ذلك
كره وفاتهما فضيلة الجماعة وأنه إذا حضرت معهما امرأة قامت وراءهما وتأخرت
عنهما کثیرًا.
١١٠٩ - [وَعَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ ◌َ صَلَى بِهِ وَبِأُمِّهِ أَوْ خَالَتِهِ، قَالَ: فَأَقَامَنِي عَنْ يَمِينِهِ
وَأَقَامَ الْمَرْأَةَ خَلْفَنَا. رَوَاهُ مُسْلِمْ](١).
(وَعَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ ◌َّهِ صَلَى بِهِ وَبِأُمَّهِ أَوْ خَالَتِهِ، قَالَ: فَأَقَامَنِي عَنْ يَمِينِهِ وَأَقَامَ الْمَرَأَةَ
خَلْفَنَا. رَوَاهُ مُسْلِمٌ) ومنه أخذ أئمتنا أنه يسن إذا حضر ذكر ولو صبيًّا وامرأة أن يقف
الذكر عن يمين الذكر والمرأة وراء الذكر، وأنه لا فرق في ذلك بين المحارم وغيرهن.
١١١٠ - [وَعَنْ أَبِي بَكْرَةَ أَنَّهُ انْتَهَى إِلَى النَّبِيِّ ◌َهُ وَهُوَ رَاكِعُ، فَرَكَعَ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ
إِلَى الصَّفِّ ثُمَّ مَشَي إِلَى الصَّف، فَذَكَرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ نَّهِ فَقَالَ: زَادَكَ اللّهُ حِرْصًا وَلَا تَعُدْ.
رَوَاهُ الْخَارِيّ](٢).
(وَعَنْ أَبِي بَكْرَةَ أَنَّهُ انْتَقَى إِلَى النَّبِيِّ ◌َهُ وَهْوَ رَاكِعُ، فَرَكَعَ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إِلَى
الصَّفِّ ثُمَّ مَشَي إِلَى الصَّف، فَذَكَرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ وَ﴿ فَقَالَ: زَادَكَ اللّهُ حِرْصًا وَلَا تَعُدْ.
رَوَاهُ الْبُخَارِيّ) ومر الكلام عليه مستوفى آنفًا.
(الفصل الثاني)
١١١١ - [عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ ﴾ قَالَ: أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ وَهَ إِذَا كُنَّا ثَلَاثَةً
يَتَقَدَّمُنَا أَحَدُنَا. رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ](٣).
(عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ ﴾ قَالَ: أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ وَّهِ إِذَا كُنَّا ثَلَاثَةً) معمول
يتقدمنا وقدم على ((أن)) المصدرية لا يتوسع في الطرف ما لا يتوسع في غيره (يَتَقَدَّمُنَا
(١) أخرجه مسلم (١٥٣٤).
(٢) تقدم تخريجه.
(٣) أخرجه الترمذي (٢٣٣)، والروياني (٧٧٥).
٣٨٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الرابع
أَحَدُنَا. رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ).
ومر حديث: ((إن الجماعة تحصل بإمام ومأموم))(١) فمفهوم العدد هنا غير مراد
وحديث: ((إن الإمامة للأكبر فهو الأفضل))(٢) وذكر الأحد هنا لبيان الجواز.
١١١٢ - [وَعَنْ عَمَّار﴿ أَنّهُ أَمَّ النَّاسِ بِالْمَدَائِن فَقَامَ عَلَيَّ وَكَان يُصَلِّ وَالنَّاسُ
أَسْفَلَ مِنْهُ، فَتَقَدَّمَ حُذَيْفَةُ فَأَخَذَ عَلَى يَدَيْهِ فَاتَّبَعَهُ عَمَّارَ حَتَّى أَنْزَلَهُ حُذَيْفَةُ، فَلَمَّا فَرَغَ
عَمَّارٌ مِنْ صَلَاتِهِ قَالَ لَهُ حُذَيْفَةُ: أَلَمْ تَسْمَعْ رَسُولَ اللهِوَ يَقُولُ: إِذَا أَمَّ الرَّجُلُ الْقَوْمَ
فَلاَ يَقُمْ فِي مَقَامٍ أَرْفَعَ مِنْ مَقَامِهِمْ أَوْ نَخْوَ ذَلِكَ، فَقَالَ لَهُ عَمَّارٌ: لِذَلِكَ اتَّبَعْتُكَ حِينَ
أَخَذْتَ عَلَى يَدَيَّ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُد](٣).
(وَعَنْ عَمَّار ◌َ أَنْهُ أَمَّ النَّاسِ بِالْمَدَائِن) مدينة قديمة على دجلة قريبة من
بغداد (فَقَامَ عَلَّ وَكَان يُصَلِّ وَالنَّاسُ أَسْفَلَ مِنْهُ، فَتَقَدَّمَ حُذَيْفَةُ فَأَخَذَ عَلَى يَدَيْهِ) أي:
أمسكهما وجره إلى أسفل فيستوي مع المأمومين (فَاتَّبَعَهُ) أي: طاوعه (عَمَّارٌ حَتَّى
أَنْزَلَهُ حُذَيْفَةُ فَلَمَّا فَرَغَ عَمَّارُ مِنْ صَلَاتِهِ قَالَ لَّهُ: حُذَيْفَةُ، أَلَمْ تَسْمَعْ رَسُولَ اللهِ وَهُ
يَقُولُ: إِذَا أَمَّ الرَّجُلُ الْقَوْمَ فَلَا يَقُمْ فِي مَقَامٍ أَرْفَعَ مِنْ مَقَامِهِمْ أَوْ نَحُوَ ذَلِكَ، فَقَالَ لَهُ
عَمَّارَ: لِذَلِكَ اتَّبَعْتُكَ حِينَ أَخَذْتَ عَلَى يَدَيَّ . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد).
وفي رواية أيضًا قال الحاكم: إنها على شرط الشيخين أن حذيفة هو الإمام وأن
ابن مسعود هو الذي أخذ بقميصه فجذبه، فلما فرغ من صلاته قال: ألم تعلم أنهم
كانوا ينهون عن ذلك؟ قال: بلى قد ذكرت حين عدلني ولا تخالف؛ لأنهما قضيتان ولا
بعد أن حذيفة وقع له قبل واقعته مع عمار أو بعده؛ لأن النسيان غالب على الإنسان.
ومنه أخذ أئمتنا: إنه يكره للإمام أن يكون أرفع من المأمومين، قالوا: ويقاس
بذلك عكسه بل أولى؛ لأن ارتفاع المأموم أفحش ولا فرق في كراهة ارتفاع أحدهما
(١) لم أقف عليه.
(٢) لم أقف عليه.
(٣) أخرجه أبو داود (٥٩٨)، والبيهقي (٥٠١٧)، والديلمي (١١٥٦).
٣٨٩
تتمة كتاب الصلاة/ باب الموقف
بين أن يكونا في المسجد أو خارج، ولا بين أن يكونا بمحلٌّ واحد بحيث يظهر من
استعلى أحدهما التكبير، وفي صريح الحديث خلاف لمن قال: لا كراهة للمسجد
مطلقًا، وقد بينته في (شرح العباب)) ما يرد ذلك من كلام أئمتنا أيضًا.
١١١٣ - [وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدِ السَّاعِدِي أَنَّهُ سَأَلَ: مِنْ أَِّ شَيْءٍ الْمِنْبَرُ؟ فَقَالَ:
هُوَ مِنْ أَثْلِ الْغَابَةِ، عَمِلَهُ فُلَانُ مَوْلَى فُلَانَة لِرَسُولِ اللّه ◌َ فَقَامَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ وَ
حِينَ عُمِلَ وَوُضِعَ، فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ وَكَبَّرَ وَقَامَ النَّاسُ خَلْفَهُ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ ثُمَّ رَجَعَ
الْقَهْقَرَى، فَسَجَدَ عَلَى الأَرْضِ، ثُمَّ عَادَ إِلَى الْمِنْبَرِ، ثُمَّ قَرَأَ ثُمَّ رَكَعَ ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ ثُمَّ رَجَعَ
الْقَهْقَرَى حَتَّى سَجَدَ بِالأَرْضِ، هَذَا اللَّفْظُ لِلْبُخَارِي، وَفِي الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ تَحْوَهُ، وَقَالَ فِي
آخِرِهِ: فَلَمَّا فَرِغَ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسِ إِنَّمَا صَنَعْتُ هَذَا لِتَأْتَمُّوا بِي وَلِتَعْلَّمُوا
صَلاتِي](١).
(وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدِ السَّاعِدِي ﴾ أَنَّهُ سَأَلَ: مِنْ أَيِّ شَيْءٍ الْمِنْبَرُ؟ فَقَالَ: هُوَ مِنْ
أثْلٍ) شجر يشبه الطرف لكنه أعظم منه (الْغَابَة) غيطة ذات شجر كثير على تسعة
أميال من المدينة، ثم ذكر زيادة على الجواب إشارة إلى أنه ألحق بالسؤال عنه لقرابته
وكثرة فوائده، وإلى أن عنده إحاطة تامة بهذه المسألة ومتعلقاتها فقال: (عَمِلَهُ فُلَانٌ)
اسمه يا قوم الرومي مولى (قُلَانَة) هي أنصارية قيل: اسمها عائشة.
(لِرَسُولِ الله وَ﴿ فَقَامَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّه ◌َ حِينَ عُمِلَ وَوُضِع) بالمسجد وكان
ثلاث درجات (فِي مُسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ وَكَبَّر وَقَامَ النَّاسُ خَلْفَهم ثم رَفَعَ رَأْسَهُ، ثُمَّ رَجَع)
الرجوع (الْقَهْقَرَى) مصدر وهو الرجوع إلى خلف؛ أي: الرجوع المعروف بهذا الاسم.
(فَسَجَدَ عَلَى الْأَرْضِ ثُمَّ عَادَ إِلَى الْمِنْبَرِ، ثُمَّ رَكَعَ ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ، ثُمَّ رَجَعَ الْقَهْقَرَى
حَقَّى سَجَدَ بِالْأَرْضِ. هَذَا لفظ الْبُخَارِيّ وَفِي المُتَّفَقُّ عَلَيْهِ وَقَالَ فِي آخِرِهِ: فَلَمَّا فَرِغَ
أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسِ إِنَّمَا صَنَعْتُ هَذَا لِتَأْتَمُّوا بِي وَلِتَعْلَمُوا صَلاتِي) ذكر
(١) أخرجه البخاري (٣٧٧)، وابن ماجه (١٤٨١)، والحميدي (٩٢٧)، والبيهقي (٥٤٣٤).
٣٩٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الرابع
المصنف مذهبنا مع أنه الأفضل الأول؛ ليبين به أنه مقيد لما قبله.
ومن ثم قال أئمتنا: إن محل الكراهة ارتفاع الإمام على المأموم، وعكسه إذا كان
لغير حاجة، بخلافه لحاجة [ ...... ] أو لتعليم المأمومين كيفية الصّلاة فلا يكره بل
يسن، وفيه دلالة أيضًا على أن العمل القليل في الصّلاة لا يبطلها بل يكون سنة إن
كان يتوصل به إلى فعل سنة كما هنا، ووجه قلته ما يقدر أن المنبر ثلاث درجات
متقاربة، فالنزول منه يبدأ بخطوة أو خطوتين.
١١١٤ - [وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِي الله عَنْهَا - قَالَتْ: صَلَّى رَسُولُ اللهِ وَّهِ فِي حُجْرَتِهِ
وَالنَّاسُ يَأْتَمُّونَ بِهِ مِنْ وَرَاءِ الْحُجْرَةِ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد](١).
(وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: صَلَى رَسُولُ اللّهِ وَّهِ فِي حُجْرَتِهِ وَالنَّاسُ
يَأْتَمُّونَ بِهِ مِنْ وَرَاءِ الْحُجْرَةِ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد) ليس فيه دليل لما قاله ابن عطاء الله وغيره
أن الشرط في صحة القدوة بشخص علمه بانتقالاته لا غيره.
أمّا أولاً: فلأنه لو اكتفى بذلك لبطل السعي المأمور به والدعاء إلى الجماعة، وكان
كل أحد يصلي في بيته وسوقه بصلاة الإمام في المسجد، وهو خلاف الكتاب والسنة
فاشترط اتحاد موقف الإمام والمأموم على ما فضل في الفروع؛ لأن مقاصد الاقتداء
اجتماع في مكان واحد عرفًا كما عهد عليه الجماعات في العصر الحالية، وتبنى
العبادات على رعاية الاتباع.
وأمَّا ثانيًا: فلأن المراد بالحجرة كما قالوا: المحل الذي اتخذه ◌َّ في المسجد من
حصير حين أراد الاعتكاف، ويؤيده الخبر الصحيح أنه واليه اتخذ حجرة من حصير ول
ويؤيده أيضًا قولها: ((حجرة دون حجرتي)) إذ المعروف منها عند إرادة حجرتها أن يقول
الثاني دون الأول، قيل: ويؤيده أيضًا قولها: ((حجرة دون حجرتي)) وما ثبت أن بابها كان
عند حذاء القبلة، وحينئذٍ لا يتصور اقتداء من بالمسجد به 180 وأنه لو كان كذلك لم
(١) أخرجه أبو داود (١١٢٨)، والبيهقي (٥٤٤٦).
٣٩١
تتمة كتاب الصلاة / باب الموقف
يتكلف 85* في مرضه الذي توفي فيه أن يتهادى بين رجلين ورجلاه يخطان في الأرض.
انتهى.
وفي الأول نظر بل يتصور كما هو ظاهر، وكذا في الثاني لاحتمال أن خروجه كان
لحكمة أخرى لو لم يكن منها إلا إدخال السرور على المسلمين بخروجه إليهم.
(الفصل الثالث)
١١١٥ - [عَن أَبِي مَالِكٍ الأَشْعَرِيِّ ﴾ قَالَ: أَلَا أُحَدِّثُكُمْ بِصَلَاةِ رسول الله ◌َد.
قَالَ: أَقَامَ الصَّلَاةَ وَصَفَّ الرِّجَالَ وَصَفَّ خَلْفَهُمُ الْغِلْمَانَ، ثُمَّ صَلَّى بِهِمْ فَذَكَرَ صَلَاتَهُ، ثُمَّ
قَالَ: هَكَذَا صَلَاةُ، قَالَ عَبْدُ الأَعْلَ: لَا أَحْسَبُهُ إِلَّا قَالَ: ((صَلَاةُ أُمَّتِي)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُد](١).
(عَنْ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْعَرِيِّ ﴾ قَالَ: أَلَا أُحَدِّثُكُمْ بِصَلَاةِ رَسُولِ اللهِ وََّ) قالوا: نعم
(قَالَ: أَقَامَ الصَّلَاةِ وَصَفَّ) هو (الرِّجَالَ) أي: جعلهم صفًّا أو صفوفًا (وَصَفَّ خَلْفَهُم
الْغِلْمَانَ) أي: الصبيان فيه دليل لما مر أن الصبيان حيث ضاق عنهم صف الرجال
يتأخرون ويكونون صفًّا أو صفوفًا وإن تميزوا عن الرجال بفقه وغيره على ما مر.
(ثُمَّ صَلَّ بِهِمْ فَذَكَرَ) أي: وصف أبو مالك (صَلَاتَهُ) أي: النبي ◌َّ أي: كيفيتها
وقال أبو مالك: قال رسول الله ويوليو كذا وكذا وحذف وحذف هذا اتكالاً على فهم
السامع (ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا صَلَاةُ، قَالَ عَبْدُ الْأَعْلَى) رواية عن أبي مالك (لَا أَحْسَبُهُ) أي:
أبا مالك (إِلَّا قَالَ) عن النبيِ وَِّ هكذا (صَلَاةُ أُمَّتِي. رَوَاهُ أَبُو دَاوُد) وفيه حث أكيد
على رعاية الموقف والصفوف، وأن ذلك من شأن أمة الإجابة الذين يقتدون بأتباعه وله
ولا يستدعون شيئًا من تلقاء نفوسهم، وأن من خالف ذلك لا يكون من أولئك الأمة
المتبعين بل يكون من المبتدعين.
١١١٦ - [وَعَنْ قَيْسِ بنِ عُبَادٍ قَالَ: بَيْنَا أَنَا فِي الْمَسْجِدِ فِي الصَّفِّ الْمُقَدَّمِ،
فَجَبَذَنِي رَجُلُّ مِنْ خَلْفِي جَبْذَةً فَتَحَّانِي وَقَامَ مَقَامِي، فَوَاللهِ مَا عَقَلْتُ صَلَاتِي، فَلَمَّا
(١) أخرجه أبو داود (٦٧٧).
٣٩٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الرابع
انْصَرَفَ ذَلِكَ إِذَا هُوَ أَبِيُّ بْنُ كَعْبٍ ﴾ فَقَالَ: يَا فَتَى لَا يَسُؤْكَ اللهُ إِنَّ هَذَا عَهْدُّ مِن النَّبِيِّ
﴿ إِلَيْنَا أَنْ نَلِيَهُ، ثُمَّ اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ فَقَالَ: هَلَكَ أَهْلُ الْعُقَدِ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ ثَلَاثًّا، ثُمَّ
قَالَ: وَاللهِ مَا عَلَيْهِمْ آسَى وَلَكِنْ آَسَى عَلَى مَنْ أَضَلُّوا. قُلْتُ: يَا أَبَا يَعْقُوبَ، مَا يَعْنِي
بِأَهْلِ الْعُقَدِ؟ قَالَ: الْأُمَرَاءُ](١).
(وَعَنْ قَيْسِ بنِ عُبَادٍ) بضم المهملة وتخفيف الموحدة (قَالَ: بَيْنَا أَنَا فِي الْمَسْجِدِ
فِي الصَّفِّ الْمُقَدَّمِ فَجَبَذَنِي) مقلوب جذبني (رَجُلُّ مِنْ خَلْفِي جَبْدَةً فَنَحَّانِي وَقَامَ مَقَّامِي،
فَوَالله مَا عَقَلْتُ صَلَاتِي) أي: ما دريت كيف أصلي وكم أصلي لما حصل عندي بسبب
تأخري عن المكان الفاصل مع سعبي إليه واستحقاقي له، فانتفاء العقل سبب عما قبله
والقسم معترض (فَلَمَّ انْصَرَفَ ذلك) الذي جبذني (إِذَا هُوَ أَبِيّ بْنُ كَعْبٍ ﴾ فَقَالَ) لي؛
إذ فهم مني التغير بسبب ما فعله معي تطييبًا لخاطري (يَا فَتَى، لَا يَسُؤْكَ اللهُ) بما فعلته
معك، أسنده إلى الله عدولاً عن القياس وهو لا يسؤك ما فعلت، بل مبالغة في التسلية
لكونه من أمر الله وأمر رسوله كله.
(إِنَّ هَذَا) الذي فعلته معك لم أفعله احتقارًا لك وإنما فعلته امتثالاً للأمر؛ إذ
هو (عَهْدُ) أي: وصية أو أمر (مِن النَّبِيِّ نَّهِ عَلَيْنَا أَنْ ذَلِيَهُ) بقوله: وَّ (ليلني منكم
أولو الأحلام والنهى)»(٢) وما دل عليه لفظه من أنه منهم دون قيس من باب الإخبار
بالحق لمن خفي عليه، فليس فيه تزكية للنفس بوجه: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنّي
حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٥٥].
وفي هذا دليل لما في ((الإحياء)) عن الغزالي من أن من رأى في الصف الأول صبيًّا
فله أن يؤخره ويدخل مكانه؛ لأنه ليس بمقامه الشرعي، ولما في ((الخادم)) للزركشي من
أن الصبي لو كان خلف الإمام وحضر من هو أهل للاستخلاف قدم عليه، وقياسهما
أن للعالم أن يؤخر الجاهل عن الصف الأول ويدخل مكانه، بل ومن هو دونه في العلم
(١) أخرجه النسائي (٨٠٧)، والحاكم (٧٧٨).
(٢) تقدم تخريجه.
٣٩٣
تتمة كتاب الصلاة/ باب الموقف
كما يصرح به فعل أبي هذا، لكن قضية قواعدنا في الأصول أن هذا لا حجة فيه؛
لأنه فعل صحابي نشأ عن اجتهاده فلا يكون حجة.
فإن قلت: هذا فعل نشأ عن فهمه الخبر وتنزيله عليه وفهم الصحابي مقدم على
غيره؛ لأنه قد يقوم عنده من القرائن الحسية ونحوها ما يعين أحد المحتملات فوجب
الرجوع إليه، قلت: محل ذلك فيما لم يكن للاجتهاد فيه مدخل وهذا ليس كذلك،
فكان تنزيله الخبر على ما فعله من اجتهاده فلم يكن فعله حجة على غيره، وكان هذا
هو سبب إطلاق أئمتنا أن الصبيان إذا سبقوا الرجال إلى الصف الأول لا يؤخرون وإذا
لم يؤخروا فالبالغون المفضولون أولى ألَّا يؤخروا للفاضلين.
وقول الدارمي من أصحابنا: إذا تميز الصبيان بنحو علم أو صلاح قدموا على
البالغين، ضعفه غير واحد لكنه وجيه من المعنى إذ إطلاق ((ليلني)) الصادق بذلك
یشهد له.
(ثُمَّ اسْتَقْبَلَ) أبي الكعبة (فَقَالَ: هَلَكَ أَهْلُ الْعُقَدِ) وكان حكمة مناسبة هذا لما
قبله على أن للولاة رعاية أمور الناس حقيرها وجليلها حتى رعاية صفوفهم في
صلاتهم، والأمر بتقديم أولي الأحلام والنهى وأعلام الناس بذلك حتى يتأخر
المفضول للفاضل بمجرد إحساسه به، ولا يكلمه إلى أن يؤخره فتحصل له منه إساءة
وتغير وكأنه يقول: ما أوجب لي إساءتك بما فعلت معك إلا تقصير الولاة فلذلك
(وَرَبِّ الْكَعْبَةِ ثَلَاثًا) يحتمل أنه كرر القسم وحده أو مع ما قبله.
(ثُمَّ قَالَ) أبي (وَالله مَا عَلَيْهِمْ آسَى) من الإساء مقصورًا مفتوحًا؛ أي: لا أحزن
على هؤلاء الجورة الضلال (وَلَكِنْ آَسَى عَلَى مَنْ أَضَلُّوا) من أتباعهم لتقصير في
أمورهم حتى ارتكبوا ما لا يليق.
وفي ذكره ذلك بعد الصّلاة للقبلة غاية التحسر عليهم (قُلْتُ: يَا أَبَا يَعْقُوبَ، مَا
يَعْنِي بِأَهْلِ الْعُقَدِ؟ قَالَ: الْأُمَرَاء) على الناس لا سيما أهل الأمصار، سموا لجريان العادة
بعقد الألوية لهم عند التولية.
(باب الإمامة)
(الفصل الأول)
١١١٧ - [َعَنْ أَبِي مَسْعُودٍ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَ﴾: ((يَؤُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ
لِكِتَابِ اللهِ، فَإِنْ كَانُوا فِي الْقِرَاءَةِ سَوَاءً فَأَعْلَمُهُمْ بِالسُّنَّةِ، فَإِنْ كَانُوا فِي السُّنَّةِ سَوَاءً
فَأَقْدَمُهُمْ هِجْرَةً، وَإِنْ كَانُوا فِي الْهِجْرَةِ سَوَاءً فَأَقْدَمُهُمْ سِنَّ، وَلَا يَؤُمَّنَّ الرَّجُلُ فِي سُلْطَانِهِ،
وَلَا يَقْعُدْ فِي بَيْتِهِ عَلَى مَكْرِمَتِهِ إِلَّا بِإِذْنِهِ)). رَوَاهُ مُسْلِمِ، وفي رواية: ((وَلَا يَؤُمَّنَّ الرَّجُلُ
الرَّجُلَ فِي أهله))](١).
(وَعَنْ أَبِي مَسْعُود) الْبَدْرِيِّ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله: {َ﴿ يَؤُمُّ الْقَوْمَ) خبر بمعنى
الأمر؛ أي: ليؤمهم (أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللّه، فَإِنْ كَانُوا فِي الْقِرَاءَةِ [سَوَاءً) (٩) فَأَعْلَمُهُمْ
بِالسُّنَّةِ) أي: الفروع الفقهية المتعلقة بالصّلاة وتوابعها، واعلم أنهم لم يختلفوا أن
الفقه والقراءة مقدمان على سائر الصفات، وإنما اختلفوا في المقدم من هذين، فقال
الحنفية وبعض أصحابنا: يقدم الأقرأ كما دل عليه الحديث.
وقال مالك والشافعي وغيرهما: يقدم الأفقه؛ لأن افتقار الصّلاة للفقه لا
ينحصر بخلاف القرآن؛ ولتقديمه وَله أبا بكر في الصّلاة على غيره مع أنه { ل* نص
على أن غيره أقرأ منه، بل لم يجمع القرآن في حياته ول# إلا أربعة من الأنصار: أبي
ومعاذ وزيد بن ثابت وأبو زيد، رواه البخاري وأجاب الشافعي ضه عن الخبر بأن
الصدر الأول كانوا يتفقهون مع القراءة فلا يوجد قارئ إلا وهو فقيه.
قال النووي: لكن في قوله: ((فإن كانوا في القرآن سواء فأعلمهم بالسنة)) دليل
(١) أخرجه مسلم (٦٧٣)، وابن أبي شيبة (٣٤٥١)، وأحمد (١٧١٠٤)، وعبد الرزاق (٣٨٠٩)، وأبو داود
(٥٨٢)، والترمذي (٢٣٥) وقال: حسن صحيح. والنسائي (٧٨٠)، وابن ماجه (٩٨٠)، والبيهقي
(٤٩١١)، والحميدي (٤٥٧)، وابن الجارود (٣٠٨)، وأبو عوانة (١٣٦٣)، وابن حبان (٢١٢٧).
(٢) سقط من الأصل.
٣٩٤
٣٩٥
تتمة كتاب الصلاة/ باب الإمامة
على تقديم الأقرأ مطلقًا. انتهى.
وأجاب عنه غير واحد بأنه قد علم أن المراد بـ(«الأقرأ)) في الخبر ((الأفقه» في
القرآن فإذا استووا في القرآن فقد استووا في فقهه، فإذا زاد أحدهم بفقه السنة فهو
أحق، فلا دلالة في الخبر على تقديم الأقرأ مطلقًا بل على تقديم الأقرأ الأفقه في القراءة
علی من دونه ولا نزاع فیه.
وقضية كلام الشافعي وجرى عليه جمع من أصحابه أن المراد بالأقرأ: الأكثر
حفظًا لا قرآنًا واعترض بأن في رواية لمسلم: ((أقرؤهم لكتاب الله وأكثرهم قراءة)(١)
فقوله: ((وأكثر قراءة)) يؤيد القول الثاني أن المراد به الأكثر قرآنًا.
وفي خبر البخاري: ((وليؤمكم أكثركم قرآنًا))(٢) ولا نظر لقراءة اشتملت على
الحرة وإن لم يعبر لكراهة الاقتداء باللاحن مطلقًا والمجيد للقراءة من حيث تصحيح
أدائها ومخارج حروفها أولى من الأحفظ.
(فَإِنْ كَانُوا فِي السُّنَّةِ) والقراءة (سَوَاءً فَأَقْدَمُهُمْ) بالنسبة إلى أحد آبائهم (هِجْرَةً)
إلى النبي ◌َلله ثم بعده لأسبق هجرة من أراد الحرب إلى دار الإسلام؛ لشرفه بالسبق إلى
ذلك قوله وقال: ((لا هجرة بعد الفتح)) (٣) أي: مكة؛ لأنها صارت دار إسلام، أو المراد أن
الهجرة الفاضلة المتميز بها أهلها امتيازًا ظاهرًا إنما كانت قبل الفتح لشدة شوكة
الكفار حينئذٍ، أمَّا مطلق الهجرة فهي باقية إلى يوم القيامة كما يدل له أيضًا خبر: (لا
تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة))(٤).
(وَإِنْ كَانُوا فِي الْهِجْرَةِ) والقراءة والفقه (سَوَاءً أَقْدَمُهُمْ سِنّا) فيقدم الأسن على
(١) لم أقف عليه.
(٢) أخرجه البخاري (٤٣٠٢)، وأحمد (١٥٩٤٣).
(٣) أخرجه البخاري (٢٦٣١)، ومسلم (١٨٦٤)، وأحمد (١٩٩١)، وابن أبي شيبة (٣٦٩٣٠)، والترمذي
(١٥٩٠) وقال: حسن صحيح. والنسائي (٤١٧٠)، وأبو داود (٢٤٨٠).
(٤) أخرجه أحمد (١٦٩٥٢)، وأبو داود (٢٤٧٩)، والطبراني (٩٠٧)، والبيهقي (١٧٥٥٦)، والدارمي
(٢٥١٣)، والنسائي (٨٧١١)، وأبو يعلى (٧٣٧١).
٣٩٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الرابع
النسيب كما يصرح به الخبر، ويؤيده أيضًا خبر الصحيحين عن مالك بن الحويرث:
(ليؤمكم أكبركم)(١) ولأن فضيلة الأسن في ذاته والنسيب في آبائه وفضيلة الذات
أولى.
وفي رواية لمسلم: ((فأقدمهم سلمًا)(٢) ومنه أخذ أئمتنا أن المراد بالأسن الأسبق
إسلامًا، فيقدم شاب أسلم أمس على شيخ أسلم اليوم، فإن استويا إسلامًا قدم الأكبر
سنًّا ثم إن استويا في جميع ما مر قدم النسيب على غيره، فيقدم الهاشمي والمطلبي ثم
سائر قريش لخبر مسلم: ((الناس تبع لقريش في هذا الشأن»(٣) أي: الإمامة الكبرى،
وقسنا عليها الصغرى وعلى قريش كل من في نسبه شرف ثم العربي.
ويقدم ابن عالم أو صالح على ضده، ولا ينافي خبر مالك المذكور ما صرح به
الخبر الذي نحن فيه من تقديم الهجرة على السن والنسب وهو المعتمد عندنا؛ لأنه وقع
خطابًا له ولرفقته، وكانوا متساوين نسبًا وهجرة وإسلامًا، وظاهره أنهم كانوا متساوين
أيضًا في الفقه والقراءة؛ لأنهم هاجروا إلى النبي ◌َّ فأقاموا عنده عشرين ليلة،
فالظاهر تساويهم في جميع الخصال إلا السن؛ فلهذا قدمه ويؤيده ما في مسلم: ((وكانوا
في الفقه متساوین»(٤) وما في أبي داود: ((كنا يومئذ متقاربين)».
(وَلَا يُؤْمِنَّ الرَّجُلُ فِي سُلْطَانِهِ) أي: في محل سلطانه وتمكنه إلا بإذنه وهو محل
ولايته ومحل تملك منفعته كما أفادته رواية: ((في أهله)»(٥).
ورواية أبي داود: ((في بيته ولا سلطانه)»(٦) ومنه أخذ أئمتنا أن ساكن محل
(١) أخرجه البخاري (٦٠٠٨)، ومسلم (١٥٦٧)،.
(٢) أخرجه مسلم (٢٩٠).
(٣) أخرجه البخاري (٣٣٠٥)، ومسلم (١٨١٨)، والحميدي (١٠٤٤)، وأحمد (٧٣٠٤)، وأبو عوانة
(٦٩٦٩).
(٤) لم أقف عليه.
(٥) أخرجه أحمد (١٧٥٥٧).
(٦) أخرجه أبو داود (٥٨٢)، والبيهقي (٥٥٢٤).
٣٩٧
تتمة كتاب الصلاة/ باب الإمامة
يقدم على مالك رقبته، وأن الوالي في محل ولايته أولى من غيره بالإمامة وإن اختص
غيره بسائر الصفات الفاضلة السابقة وغيرها، أو كان غيره إمامًا راتبًا وإن شرط له
الواقف الإمامة أو مالكًا للرقبة والمنفعة.
وحكمة ذلك أن تقديم غيره بحضرته بغير إذنه لا يليق ببذل الطاعة، ومن ثم
كان ابن عمر - رضي الله عنهما - يصلي خلف الحجاج وكفى به فاسقًا، فتخصيص ابن
المنذر وغيره الخبر بـ((الجمعة والأعياد)) لا سيما مع ظهور الحديث في خلافه يحتاج
الدليل، ويقدم من ولاة اجتمعوا الأعلى فالأعلى، وشمل الخبر أيضًا الإمام الراتب بمحل
الجماعة فيقدم على غيره وإن اختص غيره بسائر الصفات أيضًا، ومن ثم صح عن ابن
عمره أن إمام المسجد مقدم على غير السلطان.
قال بعض أئمتنا: ومحل تقديم الوالي على الراتب في غير من ولاه الإمام الأعظم
أو نائبه، أمَّا من ولاه أحدهما في مسجد فهو أولى من والي البلد وقاضيه بلا شك،
وفيمن تضمنت ولايته الإمامة عرفًا أو نصًّا بخلاف ولاة الحرب والجهاد والشرطة
ونحوها من الأمور الخاصة، فالراتب والمالك ونحوهما مقدمون عليهم.
(وَلَا يَقْعُدْ فِي بَيْتِهِ عَلَى تَكْرِمَتِهِ) هو في الأصل كرم تكريمًا أطلق مجازًا على ما
يعد للرجل إكرامًا له في منزله في نحو فراش وسجادة، وقيل: تكرمته مائدته ورد بأنه
لا سند له ولا مأخذ يعتد به (إلَّا بِإِذْنِهِ) راجع لـ«لا يؤمن)» أيضًا كما مر (رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وِفِي رِوَايَة: ولا يَؤْمَّنَّ الرُّجُلُ الرَّجُلَ في أهله).
١١١٨ - [وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ:(وَ إِذَا كَانُوا ثَلَاثَةً فَلْيَؤُمَّهُمْ
أَحَدُهُمْ، وَأَحَقُّهُمْ بِالإِمَامَةِ أَفْرَؤُهُمْ)). رَوَاهُ مُسْلِمٍ](١).
(وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﴾ قَالَ رَسُولُ اللهِ وَهِ: إِذَا كَانُوا ثَلَاثَةً) أي: واثنين كما أفاده
(١) أخرجه مسلم (٦٧٢)، والطيالسي (٢١٥٢)، وابن أبي شيبة (٣٤٥٢)، وأحمد (١١٢٠٦)، وعبد بن
حميد (٨٧٨)، والدارمي (١٢٥٤)، والنسائي (٧٨٢)، وابن خزيمة (١٥٠٨)، والدارقطني (٢٧٣/١)،
والبيهقي (٤٩٠٥).
٣٩٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الرابع
الخبر السابق أن الجماعة تحصل بهما (فَلْيَؤُمَّهُمْ أَحَدُهُمْ وَأَحَقُّهُمْ بِالإِمَامَةِ أَقْرَؤُهُمْ. رَوَاهُ
مُسْلِمُ) مر في خبر أبي مسعود ما يعلم منه أن الغالب على أهل الصدر الأول أن الأقرأ
يكون أفقه، فلا ينافي مذهبنا أن الأفقه مقدم على الأقرأ (ذَكَرَ) في (المصابيح))
(حديث مالك بن الحويرث في باب بعد باب فضل الأذان) فراجعه.
(الفصل الثاني)
١١١٩ - [عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ - رَضِي اللهُ عَنْهُمَا - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((لِيُؤَذِّنْ
لَكُمْ خِيَارُكُمْ وَلْيَؤُمَّكُمْ قُرَّاؤُكُمْ)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدِ](١).
(عَن ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِي اللّهُ عَنْهُمَا - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهُ: لِيُؤَذِّنْ لَكُمْ
خِيَارُكُمْ) أي: عمدة لكم؛ لأن المؤذنين يطلعون على العورات الناس ومفوض إليهم
حفظ أوقات الصّلاة والفطر والصوم، فيسن كون المؤذن عدلاً أمينًا ليأمن الناس
اطلاعه على عوراتهم وإيقاعه إياهم فيما يفسد عباداتهم (وَلْيَؤُمَّنَّ قُرَّاؤُكُمْ. رَوَاهُ أَبُو
دَاوُد) وهو محمول على ما مرآنفًا.
١١٢٠ - [وَعَنْ أَبِي عَطِيَّةَ العُقْلِي قَالَ: كَانَ مَالِكُ بْنُ حُوَيْرِثٍ يَأْتِينَا إِلَى مُصَلَّانَا
يَتَحَدَّث فَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ يَوْمًا قَالَ أَبُو عَطِيَّةِ: فَقُلْنَا لَهُ: تَقَدَّمْ فَصَلَّهْ، فَقَالَ لَنَا: قَدِّمُوا
رَجُلاً مِنْكُمْ يُصَلِّ وَسَأُحَدِّثُكُمْ لِمَ لَا أُصَلِّ بِكُمْ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَهِ يَقُولُ: «مَنْ
زَارَ قَوْمًا فَلَا يَؤُمَّهُمْ وَلْيَؤُمَّهُمْ رَجُلُّ مِنْهُمْ)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيِ، إِلَّا أَنَّهُ
اقْتَصَرَ عَلَى لَفْظِ النَّبِي ◌َ(٩).
(وَعَنْ أَبِي عَطِيَّةَ العُقَيْلِي) بضم ففتح منسوب لعقل بن كعب (قَالَ: كَانَ
مَالِكُ بْنُ حُوَيْرِثٍ يَأْتِينَا إِلَى مُصَلَّانَا يَتَحَدَّثْ فَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ يَوْمًا قَالَ: أَبُو عَطِيَّة،
فَقُلْنَا لَهُ: تَقَدَّمْ فَصَلّهْ) بـ((هاء السكت)).
(١) أخرجه أبو داود (٥٩٠)، وابن ماجه (٧٢٦).
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة (٦١١٩)، وأحمد (٢٠٥٥١)، وأبو داود (٥٩٦)، والترمذي (٣٥٦) وقال: حسن
صحيح. والطبراني (٦٣٢)، والبيهقي (٥١٠٧)، وابن قانع (٤٥/٣)، والرافعي (٤١٢/٢).
٣٩٩
تتمة كتاب الصلاة/ باب الإمامة
(فَقَالَ لَنَا: قَدِّمُوا رَجُلاً مِنْكُمْ يُصَلِّى وَسَأُحَدِّثُكُمْ لِمَ لَا أُصَلِّ بِكُمْ، سَمِعْتُ
رَسُولَ اللهِ وَ﴿ يَقُولُ: ((مَنْ زَارَ قَوْمًا فَلَا يَؤُمَّهُمْ وَلْيَؤُمَّهُمْ رَجُلُّ مِنْهُمْ)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُد
وَالتِّرْمِذِيّ) وحسنه (وَالنَّسَائِي، إِلَّا أَنَّهُ اقْتَصَرَ عَلَى لَفْظِ النَّبِي ◌ََّ) وهو ((من زار ... إلى
آخره)» ويتعين حمل النهي فيه على أن من أمهم بغير إذنهم وإذن إمامهم الراتب للخبر
السابق: ((لا يؤمن الرجل الرجل في سلطانه إلا بإذنه))(١).
فإن قلت: سياق مالك يقتضي أنه فهم من الخبر العموم؛ لأنه ساقه لهم بعد
طلبهم من أن يؤمهم، قلت: قد يجاب بأنه فهم اجتهادًا منه أن علة النهي التأدب
معهم، فلذا امتنع من التقدم عليهم وساق الخبر المحتمل لذلك، لكن حمله على ما
ذكرته أولى لما علمت من الخبر الآخر.
١١٢١ - [وَعَنْ أَسِ ﴾ قَالَ: اسْتَخْلَفَ رَسُولُ اللهِنَّهِ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ يَؤُمُّ النَّاسَ
وَهُوَ أَعْمَى. رَوَاهُ أَبُو دَاوُد](٢).
(وعَنْ أَنَسٍ ﴾ قَالَ: اسْتَخْلَفَ رَسُولُ اللهِ وَ﴾ِ ابْنَ أَمِّ مَكْثُومٍ) استخلافًا عامًّا
على المدينة مرتين على ما روي، وخاصًّا بكونه (يَؤُمُّ النَّاسَ وَهُوَ أَعْمَى) قيل: ثلاثة
عشرة مرة منها غزوة تبوك مع أن عليًّا هو الخليفة؛ لأنه وَّ خشي أنه لو فوض إليه
الإمامة اشتغل بها عن تمام حفظ عورة أهله والمسلمين فينالهم عدو بكيد وإن رق،
ويمكن أن يوجه بأنه إنما يفوض له الإمامة ليستوفي دلالة استخلاف الصديق في
الأمة على أنه الخليفة بعده ول؛ إذ لو استخلف عليًّا في ذلك لوجد الطاعن في خلافته
حينئذٍ سبيلاً وإن ضعف (رَوَاهُ أَبُو دَاوُد) وفيه جواز إمامة الأعمى، ولا نزاع فيه إنما
النزاع في البصير أو عكسه، قال جمع: أولى ويوجه بأن الخشوع هو روح الصّلاة
وسرها المقصود منها، وهو لا ينظر ما يشغله فيكون أخشع.
وقال آخرون: البصير أولى واختاره جمع متأخرون ومتقدمون وأطالوا في
(١) أخرجه مسلم (١٥٦٤)، وابن حبان (٢١٦٧)، والبيهقي (٥٥٢٣).
(٢) أخرجه أبو داود (٥٩٥)، والبيهقي (٥٣٢٠)، وعبد الرزاق (٣٨٢٨).
٤٠٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الرابع
الانتصار له نقلاً وتوجيهًا، ومنه أنه يرى النجاسة فيجتنبها بخلاف الأعمى واجتنابها
مانع من الصحة باتفاق أئمتنا بخلاف فوات الخشوع من أصله، فإن أكثرهم على أنه
غير مانع من الصحة، والمعتمد من مذهبنا أنها سواء لتعارض فضيلتهما ومحله إن
استويا في نظافة الشوب والبدن وسائر الصفات السابقة من الفقه وغيره، كالحرية
والأقدم الأنطق والأفقه أو الحر مثلاً، والسميع والأصم يستويان أيضًا كما قاله بعض
أئمتنا، وكذا الفحل مع الخصي أو المجبوب والأب مع ولده.
١١٢٢ - [وَعَن أَبِي أَمَامَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: (ثَلَاثَةٌ لَا تُجَاوِزُ صَلَاتُهُمْ
آذَانَهُمُ: الْعَبْدُ الآبِقُ حَتَّى يَرْجِعَ، وَامْرَأَةً بَاتَتْ وَزَوْجُهَا عَلَيْهَا سَاخِظُ، وَإِمَامُ قَوْمٍ وَهُمْ لَهُ
كَارِهُونَ)). رَوَاهُ التِّزْمِذِيّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيْثُ حَسَنَّ غَرِيْبٌ](١).
(وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ثَلاثَةٌ لا تُجَاوِزُ صَلاتُهُمْ آذَانَهُمْ)
يحتمل أنه كناية عن عدم قبولها بالكلية، وخص الآذان بالذكر إعلامًا بأن غاية حظهم
منها سماعهم لذكرها لا غير- وأن المراد أنها لا ترفع إلى الله تعالى رفع العمل الصالح
بل أدنى رفع، لكن الرواية الآتية تعين الاحتمال الأول، ووجهه أن هؤلاء لما استوصوا
بالمحافظة على ما يلزمهم من القيام بحق السيد والزوج والصّلاة، فتركوا جوزوا برد
صلاتهم عليهم مبالغة في زجرهم وتنكيلهم (الْعَبْدُ الْآبِقُ حَتَّى يَرْجِعَ) إلى سيده
(وَامْرَأَةٌ بَاتَتْ وَزَوْجُهَا عَلَيْهَا سَاخِطُ) لسوء خلقها أو منعها حقًّا له عليها.
(وَإِمَامُ قَوْمٍ) الإمامة العظمى، أو إمامة الصّلاة (وَهُمْ لَهُ) وفي نسخة: (لها)) أي:
لإمامته (كَارِهُونَ) لمذموم شرعي فيه (رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثُ حَسَنٌ غَرِيبٌ).
١١٢٣ - [وعَن ابنِ عَمْرٍو - رَضِي اللهُ عَنْهُمَا - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ يَّةٍ:
(ثَلَاثَةُ لَا يُقْبَلُ مِنْهُمْ صَلَاتُهُمْ: مَنْ تَقَدَّمَ قَوْمًا وَهُمْ لَهُ كَارِهُونَ، وَرَجُلُّ أَنَى الصَّلَاةَ دِبَارًا
- وَالدِّبَارُ أَنْ يَأْتِيَهَا بَعْدَ أَنْ تَفُوتَهُ - وَرَجُلُّ اعْتَبَدَ مُحَرَّرَهُ)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهِ](٢).
(١) أخرجه ابن أبي شيبة (٤١١٣)، والترمذي (٣٦٠)، والطبراني (٨٠٩٠).
(٢) أخرجه أبو داود (٥٩٣)، وابن ماجه (٩٧٠)، والبيهقي (٥١٢٢) وقال: وهذا الحديث بهذا المعنى