النص المفهرس

صفحات 301-320

٣٠١
تتمة كتاب الصلاة/ باب سجود القرآن
والحاكم وصححه بعد وقوته: ((فتبارك الله أحسن الخالقين)(١).
١٠٣٦ - [وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِي الله عَنهُمَا - قَالَ: جَاءَّ رَجُلُّ إِلَى رَسُولِ الله
وَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، رَأَيْتُنِي اللَّيْلَةَ وَأَنَا نَائِمٌ كَأَنِّي أُصَلِّي خَلْفَ شَجَرَةٍ فَسَجَدْتُ
فَسَجَدَتِ الشَّجَرَةُ لِسُجُودِي، فَسَمِعْتُهَا تَقُولُ: اللهُمَّ اكْتُبْ لِي بِهَا عِنْدَكَ أَجْرًا، وَضَعْ
عَنِّي بِهَا وِزْرًا وَاجْعَلْهَا لِي عِنْدَكَ ذُخْرًا، وَتَقَبَّلْهَا مِنِّي كَمَا تَقَبَّلْتَهَا مِنْ عَبْدِكَ دَاوُدَ. قَالَ
ابْنُ عَبَّاسِ: فَقَرَأَ النَّبِيُّ ◌َ سَجْدَةً ثُمَّ سَجَدَ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ مِثْلَ مَا أَخْبَرَهُ الرَّجُلُ مَنْ
قَوْلِ الشَّجَرَةِ رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وابْن مَاجَه إِلَّا أَنَّهُ لَم يَذكُر: وَتَقَبَّلَهَا مِنِّي كَمَا تَقَبَّلَتَهَا مِنْ
عَبَدِكَ دَاوُد. وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ)(٩).
(وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ - رَضِي الله عَنْهُمَا - قَالَ: جَاءَ رَجُلُّ) هو أبو سعيد الخدري
(إِلَى رَسُولِ اللهِ وَِّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، رَأَيْتُنِي) رأى هنا قلبية، ومن ثم اتخذ فاعلها
ومفعولها؛ لأن ذلك من خواص أفعال القلوب (اللَّيْلَةَ وَأَنَا نَائِمْ كَأَنَّ أَصَلِّ خَلْفَ
شَجَرَةٍ فَسَجَدْتُ فَسَجَدَتِ الشَّجَرَةُ لِسُجُودِي) فيه كسماعه لما يأتي منها غاية البشرى
له ◌َيُ (فَسَمِعْتُهَا تَقُولُ: اللهُمَّ اكْتُبْ لِي بِهَا) أي: السجدة المفهومة من سجدت (عِنْدَكَ
أَجْرًا) في غاية الشرف والعظمة كما أفادتهما عند نظير ما مر في: ((فاغفر لي مغفرة من
عندك)»(٣) السابق في أدعية الصّلاة.
(وَضَعْ عَنِّ بِهَا وِزْرًا وَاجْعَلْهَا) باعتبار ثوابها (لِي عِنْدَكَ ذُخْرًا) كرره؛ إذ هو
يؤول إلى أنه يرادف لا كتب لي بها عندك أجرًا؛ لأن مقام الدعاء مقام إطناب، ويصح
أن يكون هذا غير ذاك؛ لأن فيه طلب كتابة الأجر، وهذا فيه طلب بقائه سالمًا من
محبط أو مبطل (وَتَقَبَّلْهَا مِنِّ كَمَا تَقَبَّلْتَهَا مِنْ عَبْدِكَ دَاوُدَ) لا يقال في هذا إيماء إلى
أن سجدة ((ص)) للتلاوة؛ لأنا نقول هو مسلم لو لم يعارضه ما في صريح في أنها سجدة
(١) أخرجه الحاكم (٧٦٢).
(٢) أخرجه الترمذي (٥٨٢)، وابن ماجه (١١٠٦)، والبيهقى (٣٩١٢).
(٣) تقدم تخريجه.

٣٠٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الرابع
شكر وهو قوله ◌َاله في الحديث السابق: ((ونحن نسجدها شكرًا)(١).
(قَالَ ابْنُ عَبَّاسِ: فَقَرَأَ التَِّيُّ ◌َِّ سَجْدَةً) يحتمل أن يكون قصدها ليسن
مشروعية ما سمعه أبو سعيد بالفعل الذي هو أبلغ من القول، وأن يكون قرآن وقعه
في قراءته اتفاقًا فبين مشروعية ذلك فيها، ولا يعارض الأول قول أصحابنا: لا يندب
ولا يكره قراءة آية سجدة لتسجد في الصّلاة، وحينئذٍ لا يسن له السجود؛ لأنه إنما
يسن له القراءة مطلوبة؛ لأن محل ذلك فيمن قصد القراءة لمجرد السجود، وهنا لم
يقصد ◌َ﴾ السجود بل ما ذكرته من الإتيان فيه بذلك الذكر؛ لأنه أبلغ في مشروعيته
وأدعى إلى المبادرة للتأسي به فيه.
(ثُمَّ سَجَدَ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ مِثْلَ مَا أَخْبَرَهُ الرَّجُلُ مَنْ قَوْلِ الشَّجَرَةِ) وكان حكمة
وقوع نحو هذه الرؤيا هنا ورؤية زيادة التهليل خمسًا وعشرين مع مثلها من كل من
التسبيح والتحميد والتكبير، ومشروعية الآذان تشريف من وقع له ذلك من الصحابة
بإعلان صدقه المستدعي لصدق رؤيته وشرفه بتشريع النبي ◌َّ بقضية رؤيته،
وإدخال السرور عليه 18 بأن في أمته ملهمين عارفين وارثين يصلحون لتنزل الأسرار
وللقيام بالوراثة العظمى في السر والإعلان، حيث ظهر عليهم من صور المعجزات التي
أوتيها نبيهم ومشرفهم بحضرته ما أعلمه أنهم إنما يكرمون في الظاهر ببعض
معجزاته تكريمًا له وتحقيقًا لصدقهم في محبته واتباعه.
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَابْنِ مَاجَه إِلَّا أَنَّهُ لَم يَذَكُرٍ: وَتَقَبَلْهَا مِنِّي كَمَا تَقَبَّتَهَا مِنْ
عَبَدِكَ دَاوُدٍ. وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: هَذَا حَدِيث غَرِيب) لكن صححه الحاكم وحسنه غيره
وبفرض ضعفه يعمل به هنا؛ لأنه من الفضائل، واستحسن الشافعي أيضًا ﴿سُبْحَانَ
رَبِّنَا إِن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَّمَفْعُولاً﴾ [الإسراء: ١٠٨] لأن ظاهر القرآن يقتضي هذا مدح
فكان حسنًا، ويسن الجمع بين جميع ما سبق ولو اقتصر على بعضه أو غيره من تسبيح
(١) تقدم تخريجه.

٣٠٣
تتمة كتاب الصّلاة/ باب سجود القرآن
سجود الصّلاة، أو دعاء من أدعيته حصل أصل السنة.
وفي (الإحياء): ويسن الدعاء بعد التسبيح بما يناسب الآية والدعاء هنا آكد من
التسبيح وصفته هنا كما مر في سجود الصّلاة؛ لأن كل ما وجب أو ندب أو كره
يكون هنا كذلك وكذا السلام، فتأتي فيهما هذا جميع ما يجب أو يندب أو يكره
فيهما في الصّلاة ولا يندب هنا تشهد قبل السلام.
(الفصل الثالث)
١٠٣٧ - [عَن ابْنِ مَسْعُودٍ ﴿ أَنَّ النَّبِيَّ وَِّ قَرَأَ: ((وَالنَّجْمِ)) فَسَجَدَ فِيهَا، وَسَجَد مَنْ
كَانَ مَعَهُ غَيْرَ أَنَّ شَيْخًا مِنْ قُرَيِشِ أَخَذَ كَفَّا مِنْ حَصَى أَو تُرَابٍ فَرَجَعَهُ إِلَى جَبْهَتِهِ،
وَقَالَ: يَكْفِينِي هَذَا، قَالَ عَبْدُ اللهِ: فَلَقْد رَأَيْتُهُ بَعْدُ قُتِلَ كَافِرًا. مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ. وَزَادَ
البُخَارِي فِي رِوَايَةٍ: وَهُو أُمَيَّةِ بْنِ خَلَفُ](١).
(عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﴾، أَنَّ النَّبِيَّ ◌ََّ قَرَأَ: ((وَالنَّجْمِ)) فَسَجَدَ فِيهَا، وَسَجَد مَنْ كَانَ
مَعَهُ) أي: حاضرًا قراءته من المسلمين والمشركين، الجن والإنس كما مر (غَيْرَ أَنَّ
شَيْخًا) كبير السن (مِنْ قُرَيش أَخَذَ كَفَّا مِنْ حَصى أَو تُرَابٍ فَرَجّعَهُ) أي: رفعه (إِلَى
جَبْهَتِهِ، وَقَالَ: يَكْفِينِي هَذَا، قَالَ عَبْدُ الله) ابن مسعود (فَلَقْد رَأَيْتُهُ بَعْدُ قُتِلَ) يوم
بدر (كَافِرًا. مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ. وَزَادَ البُخَارِي فِي رِوَايَةٍ: وَهُو أَمَيَّةِ بْنُ خَلَف) أخو أُبي بن
خلف الذي قتله النبي ژ﴾ بيده يوم أحد.
وظاهر قوله: ((فلقد)) بالفاء المفرعة لما بعدها على ما قبلها أن سبب قتله كافرًا
إباؤه وتكبيره عن أن يمرغ وجهه في التراب لرب الأرباب، وهو ممكن وإن كان
حديث أبي مسعود أيضًا صريحًا في أن سبب ذلك شدة إيذائه للنبي وَل﴿ حتى دعا عليه
كنظرائه؛ إذ لا مانع من أن ذلك أسبابًا متعددة.
أخرج البخاري عن ابن مسعود: كان ◌َلّر عند الكعبة وجمع من قريش في
(١) أخرجه البخاري (٣٩٧٢)، ومسلم (١٣٢٥)، وأحمد (٤٢٤٨)، وأبو داود (١٤٠٨)، والبيهقي
(٣٩٢٧).

٣٠٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الرابع
مجالسهم؛ إذ قال قائل منهم: ألا تنظرون هذا المرائي أيكم يقول أن جزور آل فلان
فيعمد إلى فرثها ودمها وسلاها فيجيء به، ثم يمهله إذا سجد وضعه بين كتفيه فثبت
ساجدًا وضحكوا حتى مال بعضهم على بعض، فبلغ فاطمة الخبر وهي جويرية قعدت
إلى أن ألقته عنه وأقبلت عليهم تسبهم، فلما فرغ قال: «اللَّهُمَّ عليك بقريش)» ثم سمى:
((اللُّهُمَّ عليك بعمرو بن هشام وعيينة بن ربيعة والوليد بن عتبة وأمية بن خلف
وعقبة بن أبي معيط وعمارة بن الوليد)) قال ابن مسعود: فلقد رأيتهم صرعى يوم بدر،
ثم سحبوا إلى القليب قليب بدر، ثم قال: وَل﴾ ((واتبع أصحاب القليب لعنة)(١).
أي: قاله: عقب الدعاء السابق فيكون فيه علم ناهز من أعلام نبوته أو عقب
طرحهم في القليب، وقوله: ((رأيتهم صرعى ... إلخ)) إنما هو باعتبار أكثرهم؛ لأن
عقبة بن معيط إنما عاصم بن ثابت يأمره وم صبرًا بعد رحيلهم من بدر إلى الصفراء،
وأمية بن خلف لم يطرح في القليب؛ لكونه كان ضخمًا وانتفخ حتى ملأ ذرعه، فألقوا
عليه من الحجارات والتراب ما غيبه، لكنه كان قريبًا من القليب، فناداه ◌َليه مع أهله
بأسمائهم قائلاً: «هل وجدتم ما وعدكم الله ورسوله حقًّا فإني وجدت ما وعدني الله
حقًّا))(٤) وعمارة ذهب إلى أرض الحبشة فتعرض لزوجة النجاشي فأمر ساحرًا فنفخ في
إحليله فتوحش وصار مع البهائم إلى أن مات في خلافة عمر .
١٠٣٨ [وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ - رَضِي اللّه عَنْهُمَا - قَالَ: إِنَّ النَّبِيَّ ◌َّسَجَدَ فِي (ص))
وَقَالَ: ((سَجَدَهَا دَاوُدُ تَوْبَةً، وَنَسْجُدُهَا شُكْرًا)). رَوَاهُ النَّسَائِيّ](٣).
(وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِي اللّه عَنْهُمَا - قَالَ: إِنَّ النَّبِيَّ ◌َهُ سَجَدَ فِي ((ص) وَقَالَ:
سْجَدَهَا دَاوُدُ تَوْبَةً) كما أفاد قوله تعالى: ﴿وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ * فَغَفَرْنَا لَهُ﴾ [ص:٢٤ -
٢٥] (وَنَسْجُدُهَا شُكْرًا) منا على قبول توبته؛ لأن الأنبياء - صلى الله عليهم وسلم -
(١) أخرجه البخاري (٥٢٠)، ومسلم (٤٧٥٠)، والبيهقي (١٨١٨٥).
(٢) أخرجه مسلم (٢٨٧٣)، وأحمد (١٨٢)، والنسائي (٢٠٧٥)، وأبو عوانة (٦٧٦٩)، وأبو يعلى (١٤٠).
(٣) تقدم تخريجه.

٣٠٥
تتمة كتاب الصلاة/ باب سجود القرآن
كرجل واحد، فالنعمة على أحدهم نعمة على الكل، ونبينا وَله لكونه سيدهم وأفضلهم
كالأب الرفيق عليهم، فكان يحصل له من تذكر النعم عليهم أعظم السرور كما يسر بما
يحصل له ولأمته، فلذلك كله سجد ليذكر قبول توبة داود، ولم يفعل نظيره في تذكر
قبول توبة آدم؛ لأن ما ارتكب كان في الحقيقة هو النعمة العظمى على نبيه؛ لأنه سبب
الخروج من الجنة المتولد عنه وجودهم لا سيما الأنبياء، فلعله كان يقارن ذلك التقرن
لتذكر هذا الشهود.
وأمَّا ما وقع على داود من العتب المومئ إليه في سورة (ص)) الموجب لشدة نحيبه
وبكائه حتى نبت العشب من دموعه، فلا نقمة في ظنه فشهد فيه، فكان في تذكر
التوبة عنه غاية السرور فاقتضى التقرب إلى الله بسجدة الشكر على ذلك، فتأمله فإني
لم أرَ من تعرض له على أني قدمت الحديث الذي قبيل الفصل كلام متعلق بما هنا
فراجعه فإنه مهم أيضًا (رَوَاهُ النَّسَائِيّ) وصححه ابن السكن بل قال ابن كثير: إن
رجاله على شرط البخاري.

(باب أوقات النهي)
(الفصل الأول)
١٠٣٩ - [عَن ابْنِ عُمَرَ - رَضِي الله عَنهُمَا - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّه ◌ِ: ((لَا
يَتَحَرَّى أَحَدُكُمْ فَيُصَلّ عِندَ طُلُوعِ الشَّمسِ فَدَعُوا الصَّلاَةَ حَتَّى تَغِيبَ، وَلَا تَحَيَّنُوا
بِصَلَاتِكُمْ طُلُوعَ الشَّمْسِ وَلَا غُرُوبَهَا، فَإِنَّهَا تَطْلُعُ بَيْنَ قَرْنَيْ شَيْطَانٍ))] (١).
(عَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِي الله عَنْهُمَا - قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌ِ﴾: (لَا يَتَحَرَّى
أَحَدُكُم) من تحرى: قصد أو طلب ما هو الأحرى والأولى؛ أي: لا يقصد الوقت
المكروه للصلاة الآتية فيه فيصلي فيه أولاً بطلب ذلك الوقت ظائًا أنه أحرى للصلاة
فيه، وأنه بذلك عمل ما هو الأحرى (فَيُصَلِّ) فيه بالنصب ياء ضمان أن؛ لأنه جواب
للنفي الذي هو بمعنى النهي ألَّا يوجد التحري لذلك الوقت المسبب عنه وقوع الصّلاة
لحرمة كل من السبب والمسبب حينئذٍ كما يأتي (عِندَ طُلُوعِ الشَّمسَ))) أي: طرف
قرصها الذي يلي مغيبها.
(فَدَعُوا الصَّلَاةَ حَتَّى تَغِيبَ) كلها (وَلَا تَحَيَّنُوا) أي: تتحينوا، من حان إذا قرب أو
من حين إذا ترقب؛ أي: لا تتقربوا ولا تنتظروا (بِصَلَاتِكُمْ) وإن كان لها سبب، وبهذا
عنى تخصيص الصّلاة ثم وتعميمها هنا يتضح مخالفة الباقين (طُلُوعَ الشَّمْسِ وَلَا
غُرُوبَهَا، فَإِنَّهَا) تعليل للنهيين والخاص والعام (تَظْلُعُ) وتغرب كما في الرواية الآتية
(بَيْنَ قَرْنَيْ شَیْطَانٍ) متفق عليه.
١٠٤٠ - [وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ﴾ قَالَ: ثَلَاثُ سَاعَاتٍ كَانَ رَسُولُ اللهِ لَّهِ يَنْهَانَا
أَنْ نُصَلِّي فِيهِنَّ، أَوْ نَقْبُرَ فِيهِنَّ مَوْتَانَا، حِينَ تَظْلُعُ الشَّمْسُ بَازِغَةً حَتَّى تَرْتَفِعَ، وَحِينَ
يَقُومُ قَائِمُ الظَّهِيرَةِ حَتَّى تَمِيلَ الشَّمْسُ، وَحِينَ تَضَيَّفُ الشَّمْسُ لِلْغُرُوبِ حَتَّى تَغْرُبَ.
(١) أخرجه بنحوه أحمد (٥٩٧٠).
- ٣٠٦

٣٠٧
تتمة كتاب الصلاة/ باب أوقات النهي
رَوَاهُ مُسْلِمْ﴾(١).
(وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ﴾ قَالَ: ثَلاثُ سَاعَاتٍ كَانَ رَسُولُ اللهِ وَِّ يَنْهَانَا أَنْ نُصَفّ
فِيهِنَّ) صلاة لا سبب لها (أَوْ نَقْهُرَ) أي: ندفن (فِيهِنَّ مَوْتَانًا) وقال ابن المبارك: المراد
بذلك: النهي عن صلاة الجنازة فيهن، وسيأتي رده، فالصواب أن المراد: ما دل عليه
ظاهر، ومن ثم قلنا: يكره الدفن في أوقات كراهة الصّلاة ما لم يتحره فيها وإلا حرم
نظير ما يأتي (حِينَ تَطْلُعُ الشَّمْسُ بَازِغَةً) من برغ: طلع، فهو مصدر مؤكد (حَتَّى
ترتفع) کرمح العین کما یأتی.
(وَحِينَ يَقُومُ قَائِمُ الظَّهِيرَةِ) هي نصف النهار وقائمها إمَّا الظل فقيامه وقوفه من
قامت به دابته: وقفت، والمراد بوقوفه: بطء حركته الناشئ عن بطء حركة الشمس
حينئذٍ باعتبار ما يظهر للناظر ببادئ الرأي، وإلا فهي سائرة على حالها، وإمّا القائم
فيها حينئذ؛ لأنه لا يميل له ظل إلى جهة المشرق ولا جهة المغرب، وذلك كله كناية عن
وقت استواء الشمس في وسط السماء.
(حَتَّى تَمِيلَ الشَّمْسُ) إلى ناحية المغرب، ومثلها هذا هو الزوال الذي يدخل به
وقت الاستواء المذكور وإن كان وقتًا ضيقًا جدًّا لا يسع صلاة، إلا أنه يسع التحرم
فيحرم تعمد التحرم فيه كما يأتي (وَحِينَ تَضَيَّفُ الشَّمْسُ لِلْغُرُوبِ) أي: تميل إليه بأن
تصفر وتغرب إلى غيبه أول جزئها الذي يلي الأرض كما سبق في الحديث (حَتَّى تَغْرُبَ.
رَوَاهُ مُسْلِمْ).
١٠٤١ - [وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌ِ﴾: (لَا صَلَاةَ بَعْدَ الصُّبْحِ
حَتَّى تَرْتَفِعَ الشَّمْسُ، وَلَّا صَلَاةَ بَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغِيبَ الشَّمْسُ)). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ}(٩).
(وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِي ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَهِ:(لَا صَلَاةَ بَعْدَ الصُّبْحِ
(١) أخرجه مسلم (١٩٦٦)، وأحمد (١٧٨٤١)، وأبو داود (٣١٩٤)، والترمذي (١٠٤٧)، والنسائي
(٥٦٥)، وابن ماجه (١٥٨٦).
(٢) أخرجه البخاري (٥٨٦)، وأحمد (١٣٢)، والبيهقي (٤٥٤٣).

٣٠٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الرابع
حَتَّى تَرْتَفِعَ الشَّمْسُ) كرمح في رأي العين وإلا فالمسافة طويلة (وَلَا صَلَاةَ بَعْدَ الْعَصْرِ
حَتَّى تَغِيبَ الشَّمْسُ)). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ) ومن هذه الأحاديث أخذ أئمتنا قولهم: تحرم كل
صلاة لا سبب لها أو لها سبب متأخر في ثلاثة أوقات عند طلوع الشمس حتى ترتفع
قدر رمح، وهو سبعة أذرع تقريبًا، وعند استوائها حتى تزول، وعند اصفرارها حتى
تغرب سواء في الوقتين الأولين صلى أداء الصبح والصبح أم لا، وأمَّا من صلى أداؤهما
ولو العصر تقديمًا في وقت الظهر فيحرم عليه التنفل المذكور بعده إلى الطلوع وإلى
الغروب.
فالأوقات خمسة، فالثلاثة الأول منها متعلقة بالزمن، والأخيران متعلقان
بالفعل وذلك للنهي عنها في الأخبار السابقة والآتية في ذلك كله إلا ذكر الرمح،
ففي رواية أبي نعيم في ((مستخرجه)) على مسلم لكن روايته فيها شك: ((إذ هي حتى
ترتفع كرمح أو رمحين))(١) واستشكل بعض أئمتنا أخذهم بالرمح بأن قياس ما يأتي
لهم في العرايا أن يأخذوا بالرمحين كما أخذوا فيها بما دون الخمسة الأوثق،
ويجاب بأن العرايا رخصة مخالفة لأصل التحريم فاحتيط فيها، وهنا الأصل حل
الصّلاة في كل زمن إلا ما علم النهي عنه وما زاد على الرمح لم يعلم فيه
ذلك.
قال أصحابنا: ويعزر من صلى في الوقت المنهي عنه ومحله إن علم بالنهي،
وبحث بعضهم أنه ينبغي ألا يعزر أول مرة كواطئ حليلته في دبرها وفيه نظر، ويفرق
بأن المدار تم على الستر ووقوع الألفة بين الزوجين ما أمكن بخلافه هنا، وقيل النهي
عن ذلك كله للتنزيه وهو وإن كان عليه كثيرون من أصحابنا لكن ظواهر هذه
الأحاديث ترده على القولين لا ينعقد الصّلاة؛ لأن النهي ولو للتنزيه متى رجع للعبادة
أو يلازمها كان مضاد لصحتها؛ لأن النهي لا يتناوله مطلق إلا والإلزام كون الشيء
مطلوب الفعل والترك من جهة واحدة وهو ممتنع كما تقرر في (الأصول)) لما يلزم عليه
(١) لم أقف عليه.

٣٠٩
تتمة كتاب الصلاة/ باب أوقات النهي
من التناقض.
وقيل: ينعقد لرجوع النهي إلى أمر خارج عنها وهو موافق عُباد الشمس كما
يأتي، وإنما قيدنا بالحرمة بغير ذات السبب المتأخر للإجماع على جواز الفائتة وصلاة
الجنازة بعد الصبح والعصر، وهي ذات مقدم أو مقارن إن نظرنا التقدم ومقابله إلى
الصّلاة، وعليه جماعة من أصحابنا وهو المعتمد.
وأمَّا ذات مقدم أو مقارن إن نظرنا إلى الوقت على ما قاله آخرون؛ لأن سببها قد
يقع قبل الوقت وقد يقع فيه، وإذا جازت صلاة الجنازة خلافًا لما يوهمه ما مر عن ابن
المبارك جاز غيرها من ذوات الأسباب المتقدمة والمقارنة قياسًا عليها، وسيأتي في
حديث الركعتين بعد العصر ما يؤيد هذا القياس، وإنما لم يلحق بها ذوات السبب
المتأخر أيضًا كسنة الإحرام والاستخارة وكالركعتين لمن أراد دخول منزله والخروج
منه، ولمسافر أراد الارتحال.
قال بعضهم: وكصلاة التسبيح والحاجة لضعفها بتأخر سببها الذي قد يقع وقد
لا، بخلاف المتقدم والمقارن لتحقق وقوعها فلم يقم القياس لعدم العلة الجامعة، ومحل
هذا كما أفاده الحديث الأول حيث لم يتحر، فإن تحرى كما لو دخل وقت النهي
مسجدًا لغرض التحية فقط، وأواخر فائتة فريضة أو نافلة ليقضيها وقت النهي أو
داوم عليها فيه، فإنه يأثم بذلك ولا يصح، وسواء ألزمه قضاء الفائتة المفروضة فورًا
بأن تركها عمدًا، أم لإطلاق خبر: ((لا يتحرى أحدكم)) وخبر: ((وَلَا تَحَيَّنُوا)) السابقين،
وإنما انعقد المراد فيه وإن أخرها إليه قصدًا كأن أخَّر العصر إلى الاصفرار لوقوعها في
وقتها الأصلي؛ لأنه مقتضى تعيينه لإيقاعها بخلاف التحية والفائتة المذكورة ووجوبها
فورًا، لا ينظر إليه مع مراغمته للشرع بالكلية بتعمد تأخرها إلى ذلك.
فعلم أن المراد بالتحري والتحين المذكورين في الحديثين: هو قصد إيقاع
الصّلاة في الوقت المكروه من حيث كونه مكروهًا؛ لأن مراغمته؛ أي: معاندته للشرع
إنما يتأتى حينئذٍ وقد استشكل هذا بتصريحهم بأن الرغبة عن السنة كفر فيما لو

٣١٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الرابع
قيل؛ لأن قص أظفاري فقال: لا أفعله رغبة عن السنة، فكيف لا يكفر بالمعاندة؟ إلا
أن يجاب بأنه ليس المراد هنا حقيقة المعاندة بل إيقاعها في وقت النهي بخصوصه؛ لظن
فضل له أو عدم صحة النهي عنه أو نحو ذلك مما يقتضي أن له نوعاً يرفع تكفيره، وإن
لم يرفع حرمته وبطلانه، فتأمله.
وعلم مما تقرر أيضًا أن تأخير الصّلاة على الجنازة إلى ذلك الوقت لزيادة مصلين
أو لرجاء صلاة صالح أو لنحو ذلك، أو قصد التأخير ولم يخطر له تعلق النهي بالوقت
لا تحرم.
١٠٤٢ - [وَعَنْ عَمْرِو بْنِ عَبَسَةَ قَالَ: قَدَمَ النَّبِيُّ ◌َ﴿ الْمَدِينَةَ فَقَدِمتُ الْمَدِينَةَ
فَدَخَلتُ عَلَيهِ فَقُلتُ: أَخْبِرْنِي عَنِ الصَّلَاةِ، فَقَالَ: ((صَلِّ صَلَاةَ الصُّبْحِ ثُمَّ أَقْصِرْ
عَنِ الصَّلَاةِ حَتَّى تَظْلُعَ الشَّمْسُ حَتَّى تَرْتَفِعَ، فَإِنَّهَا تَطْلُعُ حِينَ تَطْلُعُ بَيْنَ
قَرْنَيْ شَيْطَانٍ، وَحِينَئِذٍ يَسْجُدُ لَهَا الْكُفَّارُ، ثُمَّ صَلِّ، فَإِنَّ الصَّلَاةَ مَشْهُودَةٌ مَحْضُورَةُ حَتَّى
يَسْتَقِلَّ الظُّلُّ بِالرُّمْجِ، ثُمَّ أَقْصِرْ عَنِ الصَّلَاةِ، فَإِنَّ حِينَئِذٍ تُسْجَرِ جَهَنَّمُ، فَإِذَا أَقْبَلَ
الْفَيْءُ فَصَلٌّ، فَإِنَّ الصَّلاَةَ مَشْهُودَةٌ مَخْضُورَةٌ حَتَى تُصَلِّ الْعَصْرَ، ثُمَّ أَقْصِرْ عَنِ
الصَّلَاةِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَإِنَّهَا تَغْرُبُ بَيْنَ قَرْنَي الشَّيْطَانِ، وَحِينَئِذٍ يَسْجُدُ لَهَا
الْكُفَّارُ)).
قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، فَالْوُضُوءُ حَدِّثْنِي عَنْهُ، قَالَ: «مَا مِنْكُمْ رَجُلُّ يُقَرِّبُ
وَضُوءَهُ فَيَتَمَضْمَضُ وَيَسْتَنْشِقُ فَيَنْتَثِرُ إِلَّا خَرَّتْ خَطَايَا وَجْهِهِ وَفِيهِ وَخَيَاشِهِ، ثُمَّ إِذَا
غَسَلَ وَجْهَهُ كَمَا أَمَرَهُ اللهِ إِلَّا خَرَّتْ خَطَايَا وَجْهِهِ مِنْ أَظْرَافِ لِخِيَتِهِ مَعَ الْمَاءِ، ثُمَّ
يَغْسِلُ يَدَيْهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ إِلَّا خَرَّتْ خَطَايَا يَدَيْهِ مِنْ أَنَامِلِهِ مَعَ الْمَاءِ، ثُمَّ يَمْسَحُ رَأْسَهُ
إِلَّا خَرَتْ خَطَايَا رَأْسِهِ مِنْ أَطْرَافِ شَعْرِهِ مَعَ الْمَاءِ، ثُمَّ يَغْسِلُ قَدَمَيْهِ إِلَى الْكَعْبَيْنِ إِلَّا
خَرَّتْ خَطَايَا رِجْلَيْهِ مِنْ أَنَامِلِهِ مَعَ الْمَاءِ، فَإِنْ هُوَ قَامَ فَصَلَّى فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ
وَتَجَّدَهُ بِالَّذِي هُوَ لَهُ أَهْلُّ، وَفَرَّغَ قَلْبَهُ للهِ إِلَّ انْصَرَفَ مِنْ خَطِيئَتِهِ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ وَلَّدَتْهُ

٣١١
تتمة كتاب الصلاة/ باب أوقات النهي
أُمُّهُ)). رَوَاهُ مُسْلِمُ](١).
(وَعَنْ عَمْرِو بْنِ عَبَسَةً قَالَ) قدمت مكة فبايعت النبي ◌َّه وهو مخف إيمانه ثم
عدت إلى قومي مترقبًا ظهوره فلما (قَدِمَ النَّبِيُّ ◌َِّ الْمَدِينَةَ) أردت اللحوق به (فَقَدِمتُ
الْمَدِينَةَ فَدَخَلتُ عَلَيَهِ فَقُلتُ: أَخْبِرْفِي عَنِ الصَّلَاةِ) أي: وقتها الحائن فيه (فَقَّالَ: صَلِّ
صَلَاةَ الصُّبْحِ ثُمَّ أَقْصِرْ عَنِ الصَّلَاةِ) أي: التي لا سبب لها متأخر كما مر حين (تَظْلُعَ
الشَّمْسُ حَتَّى تَرْتَفِعَ) ظاهره اختصاص النهي حتى لمن صلى الصبح بوقت الطلوع،
وليس مرادًا لحديث الشيخين السابق التصريح في حرمة الصّلاة من حين الصبح إلى
ارتفاع الشمس (فَإِنَّهَا تَطْلُعُ حِينَ تَطْلُعُ بَيْنَ قَرْنَيَّ شَيْطَانٍ).
في الرواية السابقة: ((الشيطان))(٢) فتنكيره هنا لتحقيره، وقرناه: ناحيتا رأسه؛
لأنه يدني رأسه للشمس حال طلوعها وغروبها حتى يقع سجود [ .... ](٣) له صورة،
وقيل: قوته وغلبته وانتشار فساده (وَحِينَئِذٍ يَسْجُدُ لَهَا الْكُفَّارُ) الذين يعبدونها.
(ثُمَّ صَلِّ) ما شئت (فَإِنَّ الصَّلَاةَ) المشروعة (مَشْهُودَةٌ تَخْضُورَةُ) أي: يحضرها
ملائكة النهار لتكتبها وتشهد بها لمن صلاها، فهذه بمعنى رواية مشهورة مكتوبة
خلافًا لمن زعم أن بينهما فرقًا، وأن هذه أحسن (حَتَّى يَسْتَقِلَّ) من القلة لا من
الإقلال الذي هو الارتفاع (الظُّلُّ بِالرُّمْج) المغروس بالأرض، وهذا من باب القلب
كطينت بالقصر الطين وعرضت الناقة على الحوض؛ أي: حتى يستقل الرمح بالظل؛
أي: بلغ ظله أدنى غاية النقص.
ففيه يحسن القول من المبالغة المتولدة عنه لإفادته كون الرمح صار بمنزلة الظل
في القلة، والظل صار بمنزلة الرمح في عدم وجود شيء منه في الأرض إلا لقدر مركزه،
(١) أخرجه مسلم (٨٣٢)، وأحمد (١٧٠٦٠)، وابن سعد (٢١٧/٤)، والبيهقي (٣٨٧)، وأبو عوانة
(٦٦٨).
(٢) أخرجه أحمد (٢١٩٣٩)، والطبراني في الأوسط (٦٥٢٤)، وأبو يعلى (١٥٧٢).
(٣) الذي في الأصل: (ادعاء بدئها).

٣١٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الرابع
وذلك؛ لأن ظل الشاخص يكون أول النهار طويلاً إلى الغرب ثم لا يزال يتناقص إلى
أن يصل إلى غايته وذلك وقت الاستواء، ويزول بميل الشمس إلى ناحية المغرب وتحول
الظل إلى جهة الشرق وهذا وقت الزوال الذي به يدخل وقت الظهر، ويزول وقت
النهي والظل الموجود عند الاستواء يسمى ظل الزوال لوجوده عنده في أكثر البلاد قبل
ظهور الزيادة.
وأقول: لا يحتاج إلى هذا التكلف؛ لأن الباء للإلصاق والرمح كناية عن
الشاخص والتقدير: حتى يقل الظل الملصق بالشاخص؛ أي: ينتهي إلى غاية قلته أو
حتى يستقل؛ أي: يرتفع الظل الملصق بالشاخص عما حواليه حتى لا يبقى على الأرض
منه إلا برزلا يظهر ببادئ الرأي، وما ذكر هو ما في نسخ مسلم المعتمدة.
ورأى بعض الشارحين غيره فيه حتى يستقل الظل بالرمح فنصره وأطال في
تزييف ما سواه، وليس كما زعم لما علمت من صحته من غير تكلف، وفيه كغيره
من الأحاديث أوضح حجة على مالك * في تجويزه الصّلاة عند الاستواء مطلقًا
مستدلاً بأنه لم يزل يرى الناس يصلون حينئذٍ يوم الجمعة، وما استدل به لا ينهض له؛
لأن يوم الجمعة مستثنى كما يأتي.
(ثُمَّ أَقْصِرْ عَنِ الصَّلَاةِ، فَإِنَّ حِينَئِذٍ تُسْجَرُ) أي: تهيج بالوقود (جَهَنَّمُ) واسم إن
المصدر على حد ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ﴾ [الروم:٢٤] أو ضمير الشأن، وما قيل: إنه
لا يحذف؛ لأن القصد به التعظيم وهو يفوت بحذفه مردود بأن سبب دلالته على
التعظيم إبهامه وحذفه أدل على الإبهام، ومن حذف قوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ یَزِیغُ
قُلُوبُ فَرِيقٍ مِّنْهُمْ﴾ [التوبة: ١١٧].
(فَإِذَا أَقْبَلَ الْقَيْءُ) اسم للظل بعد الزوال؛ أي: إذا رجع إلى جهة المشرق (فَصَلِّ)
الظهر وما سنت (فَإِنَّ الصَّلَاةَ مَشْهُودَةٌ تَخْضُورَةُ حَتَّى تُصَلِّ الْعَصْرَ، ثُمَّ أَقْصِرْ عَنِ
الصَّلَاةِ) بعدِّها السابق (حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَإِنَّهَا تَغْرُبُ بَيْنَ قَرْنَي الشَّيْطَانِ) في
تنكيره ما مرَّ (وَحِينَئِذٍ يَسْجُدُ لَهَا الْكُفَّارُ) أخذ من هذا الانتصار للقول الضعيف

٣١٣
تتمة كتاب الصلاة/ باب أوقات النهي
السابق أن الصّلاة المنهي عنها في هذه الأوقات ينعقد لرجوع النهي إلى أمر خارج
عنها، وهو موافقة عُباد الشمس في سجودهم لها عند طلوعها وغروبها كما دل عليه
هذا الحديث والحديث السابق، ولك أن ترده بأن هذا حكمة النهي وليس يعقله لعدم
إطراده وإلا لنهى عن ذات السبب، وفي مكة أيضًا.
وقد قال ابن عبد السلام: التعليل بذلك لا يظهر؛ لأن تعظيم الله في وقت
يسجد فيه غيره أولاً لما فيه من إرغام أعدائه ولو صحح التعليل، فأي فرق بين ما له
سبب وغيره؟ انتهى.
والجواب: إنه حكمة كما تقرر فلا يلزمه اطرادها، ووجه اختصاصها بغير ذي
السبب وبوقتي الطلوع والغروب أن إنشاء صلاة لا سبب لها في هذا الوقت فيه نوع
تشبه بالكفار في عبادتهم للشمس حينئذٍ، وقد نهينا عن التشبه بهم بل وعما يؤدي
إلى التشبه بهم أو بوهم، ولا شك أن إيقاع ذلك حينئذٍ يستلزم كل ذلك بخلاف ذات
السبب كركعتي الإشراق على الأصح عندنا، والضحى والعيد بناء على دخول وقتهما
بالطلوع، فإن ظهور السبب الحامل عليها بنفي ذلك.
وقد ذكر ابن الأثير ما يؤيد ذلك وهو أن كلاً من هذين وقت لظهور سلطانها
وانفصالها فكره؛ لئلا يتوهم تعظيم شأنها كما هي عادة الملوك عند قدومهم وانفصالهم،
فإن قلت: إنما يتضح ذلك إذا كان السبب غير نفس الطلوع، أما إذا كان هو الطلوع
كما في المثل الثلاثة المذكورة فكيف يظهر ما ينفي ذلك؟ قلت: الظهور وعدمه إنما هو
بالنسبة لنیة المصلي فحیث نوی سببًا انتفى ذلك عند من علم بنیته وحیث لا فلا.
وبهذا يتضح الجواب عما يقال: الصّلاة عندنا للقبلة وسجود الكفار إنما هو
لجهتها لا للقبلة، فكيف يتأتى التشبيه أو إيهامه؟ وجوابه: ما قررته من أن نية الصّلاة
حينئذٍ لا لسبب يوهم أن للشمس باعتبار ظهور سلطانها أو انفصالها حينئذٍ دخلاً في
هذه الصّلاة فامتنعت لذلك.
فإن قلت: إنما يتضح ذلك إذا كان السبب غير نفس الطلوع، أما إذا كان هو

٣١٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الرابع
الطلوع كما في المثل الثلاثة.
فإن قلت: لمَ امتد التحريم من أول وقت الصبح والعصر أو من أدائهما على
الخلاف في ذلك مع انتفاء تلك الحكمة أو العلة؟ قلت: للقاعدة المشهورة عندنا أن ما
قارب الشيء أُعطي حكمه، كتحريم فرج الحائض وهو ما بين السرة والركبة، وأيضًا:
((فمن حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه)) وأيضا: فعباد الشمس ربما تهيؤوا لتعظيمها
من أول ذينك الوقتين فيرصدونها مراقبين لها إلى أن تظهر فيخروا لها سجدًا، فلو أبيح
التنفل في ذلك الوقتين لكان فيه أيضًا تشبه بهم أو إيهامه أو التسبب إليه.
(قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، فَالْوُضُوءُ حَدِّثْنِي عَنْهُ) من حيث الفضيلة بدليل
الجواب (قَالَ: مَا مِنْكُمْ رَجُلُ يُقَرِّبُ وَضُوءَهُ) أي: يحضر ما يتوضأ به وخص هذا
بالذكر؛ لأنه يترتب على من لم يزاول مشقة في تحصيل الماء وإحضاره (فَيَتَمَضْمَضُ) لا
ينافي هذا ندب غسل اليدين مقترنًا بالنية والبسملة ومسبوقًا بما مر في الوضوء؛ لأن
ذلك كله عُلم من الأحاديث السابقة، ثم وهنا ليس الغرض كل ما في الوضوء بل ما فيه
ثواب عظيم لا سيما ما اختلف في وجوبه كالمضمضة.
(وَيَسْتَنْشِقُ) الواو بمعنى ثم لما مرَّ ثم (فَيَنْتَئِرُ) أي: يجذب الماء بخياشيمه ثم
يدفعه ليزيل ما في منخريه من أذى (إِلَّا خَرَّتْ) بالخاء، وروي بالجيمِ (خَطَايَا) أي:
صغائر كما مرثم (وَجْهِهِ) يحتمل أن يراد جميعه وإن لم يظهر إلا بعضه؛ لأنه أقدر ما
فيه فخرار خطاياه الآتي كناية عن مزيد التطهير، وإن يراد بعضه لذكر كله الآتي
فعطف (وَفِيهِ وَخَيَاشِيمِهِ) بيان لذكر البعض المبهم، (ثُمَّ إِذَا غَسَلَ وَجْهَهُ كَمَا أَمَرَهُ الله)
بقوله عز قائلاً: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦].
فإن قلت: ليس في الآية إفادة شيء زائد على ما استفيد من قوله: ((غسل وجهه))
فما فائدة قوله كما مر، وأيضا فلم يذكر هذا إلا في الوجه مع أن كلاً مما أمر به الله؟
قلت: بل فيه زائد إفادة زائد هو ما قدمنا من وجوب الترتيب لتوسط ممسوح بين
مغسولين، والعرب سيما الفصحاء منهم لا توسط أجنبيًّا بين متجانسين إلا لحكمة

٣١٥
تتمة كتاب الصّلاة / باب أوقات النهي
وهي هنا وجوب الترتيب، وحكمة ذكره في الأول التنبيه على رعايته فيما بعده أيضا فلم
يحتج لتكريره.
فإن قلت: تلك الفائدة إنما تتم عند من يوجب الترتيب فما فائدته عند من لا
يوجبه؟ قلت: فائدته استحضار أن هذا مما أمر الله تعالى به، وذلك يحمل العاقل على
المبادرة إلى امتثاله والإتيان به على الوجه الأكمل.
(إِلَّا خَرَّتْ خَطَايَا وَجْهِهِ) إن قلت: الوجه لا يتصور منه مباشرة خطايا في العادة
إلا باعتبار مقارن، غفرت خطاياه فلم يبق إلا خطايا البصر.
قلت: يحتمل أن يراد به هنا بعضه الباقي وهو العينان، ويحتمل أن يراد الثلاثة،
وفائدته أن الأولين لو لم يظهرا بأن غسل وجهه أولاً كفرت خطاياهما، وإن لم
يغسلا بواسطة غسل ظاهر الوجه.
(مِنْ أَظْرَافٍ لِخِيَتِهِ) عبر بها للغالب وإلا فمن لا لحية له كالأمرد والمرأة كذلك
(مَعَ الْمَاءِ، ثُمَّ) في العطف بها دلالة لوجوب الترتيب الذي قلنا به (يَغْسِلُ يَدَيْهِ إِلَى
الْمِرْفَقَيْنِ إِلَّا خَرَّتْ خَطَايَا يَدَيْهِ مِنْ) أطراف (أَنَامِلِهِ مَعَ الْمَاءِ، ثُمَّ يَمْسَحُ رَأْسَهُ إِلَّا
خَرَّتْ خَطَايَا رَأْسِهِ مِنْ أَطْرَافِ شَعْرِهِ) ذكره للغالب أيضًا (مَعَ الْمَاءِ، ثُمَّ يَغْسِلُ قَدَمَيْهِ
إِلَى الْكَعْبَيْنِ إِلَّا خَرَّتْ خَطَايَا رِجْليهِ مِنْ أَنَامِلِهِ مَعَ الْمَاءِ) وما بعد إلا أولى مستثنى من
مقدر هو خبر ما؛ أي: ما منكم رجل متصف بذلك كائنًا على حال من الأحوال إلا
على حال خروج خطايا وجهه، و((ما)) واسمها مقدران فيما بعد ثم الأولى، ثم الأولى
وفيما بعد ثم الثانية وهكذا كما دل عليه العطف؛ أي: ثم ما منكم رجل متصف
یغسل وجهه کائنًا على حال إلا على حال خروج خطايا وجهه وهكذا.
(فَإِنْ) شرطية (هُوَ) رافعة فعل مضمر يفسره (قَامَ) ولحذفه برز ضميره
المستكن فيه (فَصَلَّى فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ) فائدته الإعلام بأن لفظ الحمد غير
متعين (وَتَجَّدَهُ) أي: عظمه وهو بمعنى ما قبله لمزيد التأكيد والإطناب (بِالَّذِي هُوَ لَهُ)
قدم لإفادة الاهتمام والاختصاص (أَهْلُّ) مما يليق بعظمة جلاله وواسع أفضاله وباهر

٣١٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الرابع
كماله (وَفَرَّغَ قَلْبَهُ) في جميع صلاته من سائر الشواغل والخواطر (لله) تعالى لا لغيره
حتى الثواب؛ لأن ربط القصد به ينافي مقام الكمال المشار إليه بقوله تعالى: ﴿فَمَن
كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾ [الكهف:١١٠]
وجواب ((إن)» فلا ينصرف خارجًا من شيء من الأشياء.
(إِلَّا انْصَرَفَ) خارجًا (مِنْ خَطِيئَتِهِ) أي: صغائره فيصير متطهرًا منها (كَهَيْئَتِهِ)
أي: كطهارته من كل خطيئة (يَوْمَ وَلَدَتْهُ أَمُّهُ) وقصرنا التشبيه على ما قررناه لقيام
الأدلة السابقة في الوضوء، وأول كتاب الصّلاة على ذلك، وكون التطهر من الذنوب
بمعنى: أزالها بعد وقوعها ومن المولود بمعنى: عدم وجودها لا ينافي التشبيه كما أشرت
إليه وقدرنا الجزاء نفيا؛ لأنه في سياق النفي بـ((ما)) و((إلا)) لا لوجوبه لجواز قرأت إلا يوم
كذا. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ).
١٠٤٣ - [وَعَنْ كُرَيْبٍ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسِ وَالْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ
الأَزْهَرِ أَرْسَلُوهُ إِلَى عَائِشَةَ فَقَالُوا: اقْرَأْ عَلَيْهَا السَّلَامَ، وَسَلْهَا عَنِ الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعَصْرِ
فَدَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ فَبَلَّغْتُهَا مَا أَرْسَلُونِي، فَقَالَتْ: سَلْ أُمَّ سَلَمَةَ، فَخَرَجْتُ إِلَيْهِمْ فَرَدُّونِي
إِلَى أُمِّ سَلَمَةَ، فَقَالَتْ أُمِّ سَلَمَةَ سَمِعتُ النَّبِيِ نَّهَ يَنَهَى عَنْهُمَا، ثُمَّ رَأَيْتُهُ يُصَلِّيهِمَا ثُمَّ
دَخَلَ فَأَرْسَلْتُ إِلَيْهِ الْجَارِيَةَ، فَقُلْتُ: قُومِي بِجَنْبِهِ قُولِي لَهُ تَقُولُ أُمُّ سَلَمَةَ: يَا رَسُولَ اللهِ،
سَمِعْتُكَ تَنْهَى عَنْ هَاتَيْنِ وَأَرَادَ تُصَلِّيهِمَا فَقَالَ: ((يَا بِنتَ أَبِي أُمَيَّةَ سَأَلْتِ عَنِ الرَّكْعَتَيْنِ
بَعْدَ الْعَصْرِ، وَإِنَّهُ أَتَانِي نَاسُ مِنْ عَبْدِ الْقَيْسِ فَشَغَلُونِي عَنِ الرَّكْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ بَعْدَ
الظُّهْرِ فَهُمَا هَاتَانٍ)). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ](١).
(وَعَنْ كُرَيْبٍ) مولى ابن عباس (أَنَّ ابْنَ عَبَّاسِ وَالْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ
وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الأَزْهَرِ) ﴾ (أَرْسَلُوهُ إِلَى عَائِشَةَ فَقَالُوا: اقْرَأْ عَلَيْهَا السَّلَامَ) فيه أنه
يسن السلام على الغائب برسول أو كتاب كما يسن على الحاضر (وَسَلْهَا عَنِ الرَّكْعَتَيْنِ)
(١) أخرجه البخاري (٤١١٢)، ومسلم (٨٣٤)، وأبو داود (١٢٧٣).

٣١٧
تتمة كتاب الصّلاة/ باب أوقات النهي
اللتين كان رسول الله وَل﴾ يصليهما وينهى عنهما (بَعْدَ الْعَصْرِ) ما الذي استقر أمره
عليه فيهما (فَدَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ فَبَلَّغْتُهَا مَا أَرْسَلُونِي) به إليها من السلام، ومن ثم قال
أئمتنا: يجب على الرسول تبليغه؛ أي: لأنه أمانة عنده فيجب أداؤها إلى أهلها.
(فَقَالَتْ: سَلْ أُمَّ سَلَمَةَ) أي: لأنها صاحبة الواقعة فهي أعلم بها من غيرها، وفي
هذا عظيم النصح والإنصاف والتواضع من عائشة؛ لأنها مع كونها أفضل وأعلم من
أم سلمة وكلت الأمر إليها لاحتمال أن يكون عندها من العلم بها ما ليس عند
عائشة، على أن السلف - رضوان الله عليهم - كانوا يتحرجون من الإفتاء إلا إذا
اضطروا إليه (فَخَرَجْتُ إِلَيْهِمْ فَرَدُونِي إِلَى أُمَّ سَلَمَةَ) فجئت إليها فسألتها (فَقَالَت أُمُّ
سَلَمَةَ سَمعتُ النَّبِي ◌ِّهِ يَنَهَى عَنْهُمَا) يحتمل أنها أرادت بطريق الخصوص وهو الظاهر،
وكان سببه أنه علم أن أحدًا تشبه به فيهما فنهى عنهما، أو بطريق العموم السابق في
الأحاديث المتقدمة.
(ثُمَّ رَأَيْتُهُ يُصَلِّيهِمَا ثُمَّ دَخَلَ) يحتمل أنها رأته صلاهما في المسجد ثم دخل
البيت، أو في صفة الدار ثم دخل البيت (فَأَرْسَلْتُ إِلَيْهِ الْجَارِيَةَ، فَقُلْتُ: قُومي بِجَنْبِهِ
قُولِي لَهُ تَقُولُ أُمُّ سَلَمَةَ: يَا رَسُولَ اللهِ، سَمِعْتُكَ تَنْهَى عَنْ هَاتَيْنٍ) الركعتين (وَأَرَاكَ
تُصَلِّيهِمَا فَقَالَ: ((يَا بِنتَ أَبِي أُمَيَّةَ سَأَلْتِ عَنِ الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعَصْرِ، وَإِنَّهُ أَتَانِي نَاسُ مِنْ
عَبْدِ الْقَيْسِ فَشَغَلُونِي عَنِ الرَّكْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ بَعْدَ الظُّهْرِ)) فيه أن تعليم الهدى والعلم
مقدم على النوافل حتى رواتب الصّلاة (فَهُمَا هَاتَانٍ) أي: وقد علمت أن من خصائصي
أني إذا عملت عملاً داومت عليه، فمن ثم فعلتهما ونهيت غيري عنهما.
ومن هذا أخذ الشافعي ﴾ أن ذات السبب لا يكره في تلك الأوقات حيث لا
يجري، ووجه الاستدلال به مع ما تقرر أن ذلك من خصائصه أن الخصوصية هي
المواظبة، وأما ابتداء قضائهما بعد العصر فلا دليل على أنه من خصوصياته للنهي
السابق بما لا سبب لها كالنافلة المطلقة، وذات السبب المتأخر بخلاف ذات المقارن
والمتقدم كما مر مبسوطًا.

٣١٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الرابع
(مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ) زاد مسلم ((يصليهما حتى فارق الدنيا))(١) وفيه أيضًا أو منح
الدلالة على أن النافلة المؤقتة إذا فاتت عن وقتها يقضي خارجه، وعجيب مع هذه
الأحاديث السابقة قول جمع من الصحابة: إن تلك الأوقات الثلاثة كغيرها، ولعلهم لم
يبلغهم شيء من ذلك أو حملوا النهي على كراهة التنزيه كما قال به كثيرون من
الشافعية، وجزم مالك فيما عدا وقت الاستواء النوافل مطلقًا، وهذا الحديث حجة
عليه وكذا على أحمد في تحريمه لها أيضا إلا ركعتي الطواف.
(الفصل الثاني)
١٠٤٤ - [عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ قَيْسِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: رَأَى النَّبِيُّ رَجُلاً يُصَلِّي
بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ رَكْعَتَيْنِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ: ((صَلَاةُ الصُّبْحِ رَكْعَتَانِ رَكْعَتَانٍ)). فَقَالَ
الرَّجُلُ: إِنِّي لَمْ أَكُنْ صَلَّيْتُ الرَّكْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ قَبْلَهُمَا فَصَلَّيْتُهُمَا الآنَ، فَسَكَتَ
رَسُولُ اللهِ وَّهِ- رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وروى التِّزْمِذِيّ ◌َحَوَه، وَقَالَ: إِسْنَادُ هَذَا الْحَدِيثِ لَيسَ
بِمُتَّصِلِ؛ لأَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ إِبْرَاهِيمَ لَم يَسمَع مِنْ قَيَسِ بْنِ عَمَرُوٍ. وَفِي («شَرْحِ السُّنَّةِ) وَنَسَخَ
(المَصَابِيح)) عَنْ قَيِسِ بْنِ قَهَدٍ تَحَوَهُ](٢).
(عَنْ مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيمَ، عَنْ قَيْسِ بن عَمْرٍو) الأنصاري الصحابي ﴾ (قَالَ:
رَأَى النَّبِي وَ رَجُلاً يُصَلِّ بَعْدَ صَلاةِ الصُّبْحِ رَكْعَتَيْنٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّه) أنصلي
(صَلاةُ الصُّبْحِ) ونصلي بعدها (رَكْعَتَانِ رَكْعَتَانٍ) وقد علمت أنه لا صلاة بعدها،
فالاستفهام المقدر للإنكار، وركعتين الثاني تأكيد لفظي؛ أي: هذه صلاة الصبح
صليتها فكيف يصلي بعدها؟ (فَقَالَ الرَّجُلُ: إِنِّي لَمْ أَكُنْ صَلَّيْتُ الرَّكْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ
قَبْلَهُمَا) أي: ركعتي الفجر (فَصَلَّيْتُهُمَا الآنَ، فَسَكَتَ رَسُولُ اللهِ وَّةِ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد
وروى التِّرْمِذِيّ تَحوَ، وَقَالَ: إِسْنَادُ هَذَا الْحَدِيثِ لَيسَ بِمُتَّصِل؛ لأَنَ مُحَمِدَ بْنَ إِبْرَاهِيمَ لَم
يَسمَعِ مِنْ قَيس بْن عَمرو. وَفِي (شَرْجِ السُّنَّةِ)) وَنَسَخَ ((المَصَابِيح)) عَنْ قَيْسِ بْنِ قَهَد)
(١) لم أقف عليه.
(٢) أخرجه أبو داود (١٢٦٩)، والبيهقي (٤٧٣١).

٣١٩
تتمة كتاب الصّلاة/ باب أوقات النهي
بالقاف (تَحَوَهُ) والصحيح قيس بن عمرو.
ويغني عن ذلك قوله تليفون: ((لا صلاة بعد الفجر إلا ركعتي الفجر))(١) فإنه صادف
بصلاتها بعد الصبح وقبلها، وأما أخذ الأئمة الثلاثة منه دخول الكراهة بأول وقت
الصبح والعصر فيعارضه خبر مسلم السابق ((عن عمرو بن عبسة)) لتصريحه فيه
بتقييد النهي بما بعد صلاة الصبح والعصر، بل فيه التصريح بأن الصّلاة قبل فعل
العصر مشهودة محضورة، ونقل الترمذي إجماع العلماء على الأول ممنوع بل سهو،
كيف والمعظم كما قاله الرافعي على التقييد بما في الحديث؟ وميل جمع من أئمتنا إلى
ترجيح الإطلاق ضعيف.
١٠٤٥ - [وَعَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ ﴿ أَنَّ النَّبِيِّ ◌َ قَالَ: ((يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ، لَا
تَمْنَعُوا أَحَدًّا طَافَ بِهَذَا الْبَيْتِ، وَصَلَى أَيََّ سَاعَةٍ شَاءَ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ
وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ](٤).
(وَعَنْ جُبَيْرٍ بن مُطْعِمٍ ﴿ أَنَّ النَّبِيَِهُ قَالَ: يَا بَنِي عَبْدٍ مَنَافٍ) خصهم؛ لأن
شوكة أهل مكة كانت فيهم؛ إذ هم رؤساؤها وهم بنو هاشم وبنو المطلب، وبنو
عبد شمس وبنو نوفل وفيهم كانت السدانة والسقاية والرفادة، وفيه علم من أعلام
النبوة لإخباره بما يقتضي مآل الخلاف فيهم، وأنهم يكونون في الإسلام هم أهل الحل
والعقد كما كانوا في الجاهلية، ويوضح ذلك ما روي: ((يا بني عبد مناف من ولي
منكم من أمر الناس شيئًا فلا يمنع أحدًا طاف)(٣) لكن اعترض ذلك المصابيح لها
(١) أخرجه بنحوه الترمذي (٤١٩) وقال: غريب. والطبراني (١٣٢٩١).
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة (١٣٢٤٣)، وأحمد (١٦٧٨٢)، وأبو داود (١٨٩٤)، والترمذي (٨٦٨) وقال:
حسن صحيح. والنسائي (٥٨٥)، وابن ماجه (١٢٥٤)، والدارمي (١٩٢٦)، وابن خزيمة (١٢٨٠)،
والطحاوي (١٨٦/٢)، وأبو يعلى (٧٤١٥)، وابن حبان (١٥٥٣)، والدارقطني (٤٢٤/١)، والطبراني
(١٦٠١)، والحاكم (١٦٤٣) وقال: صحيح على شرط مسلم. والبيهقي (٩١١٢)، والشافعي
(١٦٧/١)، والحميدي (٥٦١)، وعبد الرزاق (٩٠٠٤).
(٣) أخرجه الطبراني في الكبير (١١٣٥٩)، وفي الأوسط (٥٩٧)، وفي الصغير (٥٥)، والبيهقي (٤٥٨٨).

٣٢٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الرابع
بأنها ليست في شيء من كتب السنة.
(لا تَمْنَعُوا أَحَدًا طَافَ بِهَذَا الْبَيْتِ، وَصَلَّ) وعجيب ممن زعم حمل الصّلاة في
مثل هذا المحل على الدعاء (أَيَّةَ سَاعَةٍ شَاءً مِنْ لَيْلِ أَوْ نَهَارٍ. رَوَاهُ التَّرْمِذِيّ وَأَبُو دَاوُد
وَالنَّسَائِيّ) وسنده صحيح، ومنه أخذ الشافعي أنه لا كراهة في سائر حرم مكة، وحكمة
تنزهه عن وجود كافر فيه فانتفى إيهام التشبه عمن به؛ لهذه القرينة، ثم رأيت بعضهم
أبدى له حكمة أخرى هي شرف مكة؛ لينال الناس فضلها في سائر الأوقات.
وزعم بعضهم أن ظاهر الحديث اختصاص الجواز بالمسجد الحرام وليس في
محله:
أما أولاً: فلأن قوله: ((وصلى)) لم يقيده بشيء، فحملناه على سائر الحرم لتلك
الحكمة؛ ولئلا يعارض الأخبار السابقة المصرحة بالمنع مطلقًا.
وأما ثانيًا: فلأنه ورد في حديث استثناء مكة، لكنه ضعيف ومع ذلك فيه تقوية
لما تقرر من عموم الجواز لمن بالحرم.
ونازع الأسنوي من أئمتنا في أصل دلالة الحديث على المدعي بما ليس في محله
للمتأمل، وزعم أنه كناية عن النهي عن منع دخول المسجد الحرام؛ لأن الغالب على
من دخله أنه يطوف ممنوع، وأرى حامل على إخراج اللفظ عن حقيقته إلى هذا
المجاز، وذكر ((وصلى)) بعد ((طاف)) من أوضح الأدلة على إرادة الحقيقة.
قال بعض أصحابنا المتقدمين: وترك الصّلاة بالحرم في وقت النهي أولى خروجًا
من الخلاف، وأقره المتأخرون ووجهه أن المخالفين معذورون في تأويلهم، وصلى
بركعتي الطواف؛ لأن قرينة السياق تؤيدهم وإن كانت ضعيفة كما هو محرر في
((الأصول))، واستبعاد الإمام له بأن الطواف سبب لهما فلا حاجة إلى تخصيصهما
بالاستثناء، يجاب عنه بأن بعض الأئمة جوزه ومنعهما لكن الظاهر أن هذا المخالف
لا يراعى؛ لأنه خالف سنة صحيحة صريحة من غير تأويل؛ لأن الصّلاة عنده بحرم
مكة ممتنعة حتى سنة الطواف فینافي قوله: ((وصلى» من کل وجه.