النص المفهرس

صفحات 281-300

٢٨١
تتمة كتاب الصّلاة/ باب السهو
وفي هذه القصة أوضح الرد على الطحاوي والحنفية في قولهم: إن الكلام السهو
يبطل مطلقًا، وزعمه أن قصة ذي اليدين وهذه القصة كانتا قبل تحريم الكلام، وكيف
يتعقل ذلك مع ما في هذه من أنه لم تكلم سهوًا ولم تبطل صلاته وهي قبل موته
بشهرين؟ وحينئذ معنى أمره لبلال بالإقامة أنه أشار إليه ليعلمهم بالإتمام فأعلمهم
بالإشارة أيضًا، وإنما حملته على ذلك؛ لأن القصة بعد تحريم الكلام لما علمت فتعين
حمل ما فيها من هذا المفهم للكلام العمد على ما تقرر، ثم رأيت بعض أئمتنا أجاب
بغير ذلك وما أجبت به أحسن كما لا يخفى على من تأمل الجوابين.
ومر في مبحث الكلام خبر صحيح عن جابر فيه تحريم الكلام عند إرادته وَيليه
الغزوة بني المصطلق وكانت سنة خمس أو ست، وإذا تقرر تحريمه من حينئذٍ اتضح أن
قصد ذي اليدين وقصة الخرباق وقصة معاوية هذه كانت كلها بعد تحريم الكلام؛ لأن
الأولين بعد سنة سبع والثالثة قبل وفاته 183 بشهرين، وصح في خبر في سنده من
اختلف فيه: ((إِنه ◌َ* كلمه سهوًّا في صلاته في منى في حَجَّة الوداع))(١) وهي قبل وفاته
بثلاثة أشهر ومع ذلك بنی علیها.
ومما يؤيد التعدد أيضًا ما مر عن النووي في حديث أبي هريرة نفسه من أنهما
واقعتان لما مرَّ أنه صح: ((إنه ذكر الظهر)) وصح: ((إنه ذكر العصر))، وصح أنه قال:
((إحدى صلاتي العشي)(9) ولا يتم الجمع بين الأوليين إلا بالحمل على أنهما واقعتان أو
تغليظه رواه إحداهما وهو بعيد جدًّا لا سيما والروايتان في ((مسلم)) فتعين الجمع
بادعاء التعدد.
واعترض هذا بأن ظاهر كلام الأئمة الاتحاد وإنما التغيير من الرواة، فبعضهم
ظن الظهر وجزم به وبعضهم ظن العصر وجزم به وبعضهم لم يظن شيئًا منها فتردد
بينهما، ووجود هذا التردد يغلب على الظن أن الجازم لكل من الطرفين إنما هو باعتبار
(١) لم أقف عليه.
(٢) تقدم تخريجه.

٢٨٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الرابع
ظنه، ومثل هذا لا يستلزم التعدد وإلا لقيل بتعدد وقائع كثيرة وقع فيها نظير ذلك،
وحملت على اختلاف تصرف الرواة، فلا ضرورة إلى ادعاء التعدد؛ لأن التخالف فيها
في غير موضع الدلالة بخلاف حديث أبي هريرة مع حديث عمران ومعاوية، فإنه لا
يمكن الجمع بينهما إلا بادعاء التعدد.
ونظير ذلك اختلاف الروايات في قضية عقد عائشة ونزول آية التيمم ففي
رواية: ((صلوا بغير وضوء)) وفي رواية: ((تعين الموضع)) وفي أخرى: ((تعين غيره)) وفي رواية:
((إن العقد لعائشة)) وفي أخرى: ((إنها استعارته من أختها أسماء)) والكل صحيح وفيه
نزول آية التيمم، فيلزم على التعدد نزولها مرات وهو بعيد فتعين اتحادها؛ لأن القصد
إثبات نزولها ولم يختلفوا فيه بل في أمر تابع له فيحمل على وهم أو ظن من بعض الرواة
لغير الواقع.
ونظيره أيضًا ما وقع في نذر عمر للاعتكاف في الجاهلية ففي رواية صحيحة:
((إنه يوم)) وفي أخرى صحيحة: ((إنه ليلة)) فقال النووي: واقعتان، واعترض بأنه بعيد
جدًّا؛ إذ في كلٍّ من اللفظين أن الاستغناء عنه منه وَّه في أيام تفرقته لسبي هوازن،
ويبعد أن عمر يسأل عن كل بخصوصه ولا يعلم حكم الليلة من اليوم وعكسه،
فتعين الجمع بأن القصة واحدة والمراد بالليلة، وفي روايتها مع يومها، وباليوم في روايته
مع لیلته، وهذا مجاز شائع.
ونظيره أيضًا رواية تقديم الصوم على الحج ورواية عكسه في رواية: ((بني الإسلام
على خمس))(١) عن ابن عمر قال النووي: هما واقعتان؛ لأن ابن عمر سمعه على الوجهين
فأنكر تقديم الحج مرة؛ أي: لنسيانه روايته الأخرى وأثبته مرة لتذكرها واعترض بأنه
بعيد؛ إذ لو سمعه مرتين لم ينكر والنسيان لتعين أن بعض رواته قدم وبعضهم أخر
(١) أخرجه البخاري (٨)، ومسلم (١٦)، وأحمد (٦٠١٥)، والترمذي (٢٦٠٩) وقال: حسن صحيح.
والنسائي (٥٠٠١)، وابن حبان (١٥٨)، وأبو يعلى (٥٧٨٨)، وابن خزيمة (٣٠٩)، والطبراني
(١٣٢٠٣)، والبيهقي (٧٠١٣).

٢٨٣
تتمة كتاب الصلاة/ باب السهو
رعايته للمعنى، ولم يبلغه إنكار ابن عمر ولا فهم أن الأنسب تقديم الصوم لوجوبه
فورًا متكررًا على كل مكلف بخلاف الحج.
ولوقوع هذه الاختلافات اختار بعضهم أنه متى اتحد المخرج وهو الصحابي
وأمكن رد الألفاظ إلى قضية واحدة ولو بالحكم على بعض الرواة بسهو أو نحوه تعين،
كما في تلك المثل على خلاف كلام النووي، وكذا يتعين دعوى الاتحاد إن أمكن الجمع
بحمل عام على خاص أو مطلق على مقيد، بشرط ألا تكون الرواية المخصصة أو المقيدة
شاذة مخالفة لبقية الروايات بل يكون راويها حافظًا متقنًا يقبل تفرده وزيادته، أو بتفسير
مبهم أو تبيين محمل، وإن لم يمكن ردها لشيء واحد فهو محل النظر ومحال الترجح، فإن
أمكن أن لفظًا منها هو الذي تلفظ به ◌َ﴿ وما عداه عبر عنه قائلوه بالمعنى أو وهموا في
فهمه أو نحو ذلك تعين الاتحاد أيضًا، وإن انتفى ذلك تعين التعدد. انتهى.
وفيما قاله نظر بل الوجه أنه حيث قرب إمكان التعدد ولم يترتب عليه محظور
كان ادعاؤه أولى من توهيم بعض الرواة، أو كون بعضهم روى بالمعنى أو نحو ذلك مما
يقدح فيهم أو يسلط بعض الزنادقة على أن يتخذ ذلك سلمًا للطعن في رواياتهم ونحو
ذلك من المفاسد التي لا تحصى، وإن ترتب على دعوى التعدد محظور أو اعتماد لمجرد
التجويز العقلي أو نحو ذلك من المفاسد التي لا تحصى من الأمور المستبعدة لم يفرع
إلى الاتحاد؛ لأنه الأصل فاحفظ ذلك فإنه مهم.
ولقد كثر من النووي - رحمه الله - ادعاء التعدد عند تنافي الروايات ظاهرًا وهو
حسن بالقيود التي ذكرتها، ويتأمل ما سلكه فيها بعمل أن تلك الشروط موجودة فيه
فلا اعتراض عليه خلافًا لمن ظنه.
١٠٢٢ - [وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ﴿ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَهِ يَقُولُ: مَنْ
صَلَّى صَلَاةً يَشْكُّ فِي النُّقْصَانِ، فَلْيُصَلِّ حَتَّى يَشُكَ فِي الزّيَادَةِ رَوَاهُ أَحْمَد](١).
(١) أخرجه أحمد (١٧١١).

٢٨٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الرابع
(وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ﴿ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَهِ يَقُولُ: مَنْ صَلَّى
صَلَاةً يَشْكُّ فِي النُّقْصَانِ) كأن شك في الرباعية أصل ثلاثًا أو أربعًا؟ (فَلْيُصَلِّ حَتَّى
يَشُكَّ فِي الزِّيَادَةِ) بأن يبني على الأقل فيجعلها ثلاثًا ثم يصلي أخرى، فهو بعد فعلها
الواجب عليه شاك في زيادتها لاحتمال كونها رابعة وكونها خامسة.
ومن ثم قال في الحديث السابق: ((فإن كان صلى خمسًا شفعن صلاته وإن كان
صلى إتمامًا لأربع كانتا ترغيمًا للشيطان))(١).
(رَوَاهُ أَحْمَد) واستفيد منه مع الحديث الآخر المذكور بعضه أنه متى فعل فعلاً
وشك حال فعله في زيادته سجد للسهو وإن زال شكه بعد، وإن لم يشك في زيادته فلا
سجود، فلو شك قائمًا في الركعة التي هو فيها أهي رابعة أم خامسة؟ سجد للسهو، وإن
زال شكه قبل سلامه للتردد في الزيادة المضعف للنية أو ثالثة أو رابعة وتذكرها ثالثة
أو رابعة قبل قيامه لم يسجد؛ لأن ما فعله مع التردد واجب على كلُّ بقدر، وكذا لو شك
في تشهده أهو الأول أو الثاني؟ وزال شكه فيه، بخلاف ما إذا بان بعد قيامه أنه الأول؛
لأنه حال القيام يشك في زيادته.
(١) أخرجه ابن أبي شيبة (٤٤٠٣)، وأحمد (١١٧٩٩)، ومسلم (٥٧١)، وأبو داود (١٠٢٤)، والنسائي
(١٢٣٨)، وابن ماجه (١٢١٠)، ومالك (٢١٤)، وعبد الرزاق (٣٤٦٦).

(باب سجود القرآن)
وهي سجدة فردة لا يجزي عنها ركوع عندنا للقادر، خلافًا لأبي حنيفة ومعنى:
﴿وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾ [ص: ٢٤] أي: ساجدًا كما اتفق عليه المفسرون وغيرهم على أن
شرع من قبلنا شرعُ لنا.
وعجيب من الزمخشري حيث قال: عبر بالراكع عن الساجد؛ لأنه ينحني
وينخضع، وبه يستشهد أبو حنيفة على أن الركوع يقوم مقامها، فكيف مع ذلك التعبير
الذي قدمه يصح الاستشهاد الذي عقبه به؟ إلا أن يحمل قوله: ﴿رَبَّهُ﴾ [ص:٢٤] أي:
بظاهر الآية أن داود إنما كان يركع، لكن يرده الخبر الصحيح: ((سجدها داود توبة
ونحن نسجدها شكرًا))(١) وحينئذ لم يبقَ للحنفية متمسك في الآية بوجه ولا يجوز ضم
أخرى إليها، والأصل في مشروعيتها قبل الإجماع الأحاديث الآتية والخلاف إنما هو
في وجوبها.
(الفصل الأول)
١٠٢٣ - [عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ - رَضِي الله عَنهُمَا - قَالَ: سَجَدَ النَّبِيُّ ◌َّه بِالنَّجْمِ،
وَسَجَدَ مَعَهُ الْمُسْلِمُونَ وَالْمُشْرِكُونَ وَالْجِنُّ وَالإِنْسُ - رَوَاهُ البُخَارِي)](٢).
(عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِي الله عَنْهُمَا - قَالَ: سَجَدَ النَّبِيُّ ◌َ﴿ بِالنَّجْمِ) أي: في
آخرها عند قراءته: ﴿فَاسْجُدُوا لله وَاعْبُدُوا﴾ [النجم: ٦٢] وهذا صريح فيما ذهب إليه
الشافعي # من ندب سجود التلاوة هنا، وسيأتي ما يعارضه مع الجواب عنه، قال
الشارح: وكان سبب سجوده آخرها ما أنعم عليه في أولها.
وفيه نظر وإنما نصب سجدات التلاوة في محالها الأربعة عشر الآتية أن آياتها
(١) أخرجه النسائي (٩٥٧)، والطبراني (١٢٣٨٦)، والخطيب (٥٤/١٣)، والدار قطني (٤٠٧/١).
(٢) أخرجه البخاري (١٠٧١)، والطبراني (١١٧٠٠).
- ٢٨٥ -

٢٨٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الرابع
مسوقة أو موطأ لها بمدح الساجدين، أو بذم من أبى السجود أو بالأمر به والحث عليه
فتأملها قبل أن تجد منها شيئًا يخرج عن ذلك، ولو قارنت أيام تلك الإنعامات آية
السجدة أمكن أن يتمحل ويقال لها: دخل في السجود، وأما إذا لم يقارنها ولا قربت
منها فلا يمكن أن يكون لها دخل في ذلك، على أن السجدة للتلاوة لا للشكر، وإنما
يصح ذلك أن لو كانت للشكر فاندفع ما قاله من أصله.
(وَسَجَدَ مَعَهُ الْمُسْلِمُونَ وَالْمُشْرِكُونَ وَالْجِنُّ) كان سبب تقديمهم ما في سجودهم
من الغرابة.
أما المشركون منهم: فواضح لا سيما إن كان سبب سجودهم غير سبب سجود
مشرکي الإنس الآتي.
وأما المسلمون منهم: فلأنه لم يرسل إليهم رسول غير نبينا ◌َّ وإيمانهم بموسى
الدال عليه آخر سورة الأحقاف كان تطوعًا منهم، لا لكونه أرسل إليهم للإجماع على
أنه لم يرسل لغير القبط وبني إسرائيل (وَالإِنْسُ. رَوَاهُ البُخَارِي).
وأصل هذه القصة أن أذى أهل مكة لما اشتد بالمسلمين لقلتهم وعذبوا
ضعفاءهم بأنواع العذاب أذن لهم في هجرة الحبشة الأولى سنة خمس من النبوة كما
مر، ثم أسلم حمزة سنة ست ثم عمر بعده بثلاثة أيام لمّا قال ◌َلهُ: «اللَّهُمَّ أعز الإسلام
بأبي جهل بن هشام أو بعمر بن الخطاب))(١) وكان المسلمون؛ إذ ذاك بضعة وأربعين
رجلاً وإحدى عشرة امرأة، ثم لما رأت قريش عزته ول* بمن معه وإسلام عمر وغيره
أصحابه بالحبشة وفشى الإسلام في القبائل أجمعوا على أن يقتلوا النبي ولار فبلغ ذلك
أبا طالب، فجمع بني هاشم إلَّا أخاه أبا لهب - لعنه الله - وبني المطلب فأدخلوه
شعبهم ومنعوه حتى كفرهم حمية لقومهم، فأجمعت بقية قريش وأبو لهب وكتبوا كتابًا
على مقاطعتهم من كل وجه أبدًا حتى يسلموه لهم، وعلقوا الصحيفة في جوف الكعبة
(١) أخرجه الترمذي (٤٠٤٧)، والطبراني (١٠٣١٤)، والحاكم (٤٤٨٦).

٢٨٧
تتمة كتاب الصلاة/ باب سجود القرآن
سنة سبع من النبوة، وأقاموا محاصرين أولئك سنتين أو ثلاثا حتى جهدوا، وكان لا
يصل إليهم قوت ونحوه إلا سرًا.
ولمَّا قرأ ◌َّ: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾ [النجم: ١] حتى بلغ في تلاوته: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ
اللَّاتَ وَالْعُزَّى * وَمَنَاةَ الثَّالِئَةَ الأُخْرَى﴾ [النجم: ١٩ - ٢٠] ألقى الشيطان في أمنيته؛ أي:
تلاوته («تلك الغرانيق للعلى وإن شفاعتهم لترتجى)) فلمَّا ختم السورة سجد وسجد معه
المشركون لتوهمهم أنه مدح آلهتهم، وفشى ذلك في الناس حتى بلغ من بالحبشة أنهم
أسلموا كلهم فأقبلوا سراعًا، والغرانيق طيور الماء شبهت الأصنام المعتقدون فيها أنها
تشفع لهم بالطيور تعلو في السماء وترتفع، ولما بان للمشركين خلاف ما توهموه رجعوا
إلى أشد ما كانوا عليه، هذا حاصل القصة التي أشار إليها ابن عباس.
ولقد أطال القاضي عياض والفخر الرازي وغيرهما في توهينها وإبطالها نقلا
وعقلا بما حاصله أن ابن أبي حاتم وابن جرير الطبري وابن المنذر، وكلهم أئمة حفاظ
أخرجوها من طرق عن شعبة عن أبي بشر عن سعيد بن جبير، وزاد أنه لمّا سجد
وسجدوا نزل: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيِّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ
فِي أَمْنِّيَّتِهِ﴾ أي: تلاوته ﴿فَيَنْسَخُ اللهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللهُ آيَاتِهِ﴾ [الحج:
٥٢].
وأخرجها البزار وابن مردويه من طريق أمية بن خالد عن شعبة فقال: في إسناده
عن سعيد بن جبير عن ابن عباس فيما أحسب ثم ساق الحديث، وقال البزار: لا
يُروى متصلاً إلا بهذا الإسناد تفرد بوصله أمية بن خالد وهو ثقة مشهور قال: وإنما
يُروی هذا من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس. انتهى.
والكلبي متروك لا يعول عليه، وأخرجها أيضًا النحاس بسند آخر فيه الواقدي
وقد اختلف في توثيقه، وأخرجها ابن إسحاق في ((السيرة)) مطولة وأسندها عن
محمد بن كعب، وأخرجها أيضًا موسى بن عقبة في ((المغازي)) عن الزهري وأبو معشر
في (سيرته)) عن حمد بن كعب القرطي ومحمد بن قيس، وأورده من طريقه الطبري،

٢٨٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الرابع
وأورده ابن أبي حاتم من طريق أسباط عن السدي، وأخرجها جماعة من طرق أخرى
عن ابن عباس ومعناهم كلهم واحد.
وكل هذه الطرق سوى طريق سعيد بن جبير ضعيف أو منقطع لكن كثرتها لا
تدل على أن للقصة أصلاً، مع أن لها طريقين آخرين مرسلين رجالهما على شرط
الصحيح، وإذا كان المرسل المعتضد بحديث واحد ضعيف حجة فما بالك بهذه
الأحاديث وهذه المرسلات.
وأمَّا قول ابن العربي: ذكر الطبري في ذلك روايات كثيرة لا أصل لها فهو كما
قاله شيخ الإسلام والحافظ ابن حجر تحرى ومنه كعادته وهو إطلاق مردود عليه،
وكذا ما أطال به عياض في ذلك كله مردود عليه لا يتمشى منه شيء على القواعد؛ لأن
الطرق إذا كثرت وتباينت مخارجها دل ذلك على أن لها أصلاً، وقد ذكرنا أن ثلاثة
أسانيد منها على شرط الصحيح وهي مراسيل يحتج بمثلها من يحتج بالمرسل، وكذا من
له يحتج به لاعتضاد بعضها ببعض.
وحينئذٍ فيتعين تأويل ما وقع منها مما ينكر وهو قوله: ((ألقى الشيطان على لسانه
تلك الغرانيق .. إلى آخره)) فإنه لا يجوز حمله على ظاهره؛ لأنه يستحيل عليه وَ﴾ أن
يزيد في القرآن عمدًا ما ليس فيه وكذا سهوًا إذا كان مغايرًا لما جاء به من التوحيد
مکان عصمته، وللعلماء في ذلك مسالك:
أحدها قول قتادة: إن ذلك جرى على لسانه من غير شعوره لجريان سنة عليه،
فلما علم به أحكم الله آياته، ورده عياض بأنه لا ولاية للشيطان حتى في النوم، وقد
يجاب بأن هذا ليس من باب الولاية بل من باب الفتنة فمكنه الله من إجرائه عند
وقوع تلك السنة فتنة لقريش.
ثانيها: إن الشيطان ألجأه إلى قول ذلك بغير اختياره، ورده ابن العربي بأنه لو كان
للشيطان قوة على ذلك لما بقي لأحد قوة على طاعة ولما بقي سلطانه لقوله: ﴿وَمَا كَانَ لِيَ
عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ ... ﴾ [إبراهيم: ٢٢].

٢٨٩
تتمة كتاب الصلاة/ باب سجود القرآن
ثالثها: إنه سمع منهم مدح آلهتهم فعلق بذهنه فجرى على لسانه لما ذكرهم سهوًا
وهذا ليس بشيء كما أشار إليه عياض.
رابعها: لعله قاله توبيخًا قال عياض: وهو جائز مع قرينة تدل على المراد لا سيما
وقد كان الكلام جائزًا في الصّلاة، وإلى هذا نحا الباقلاني ويوجه بأن همزة الاستفهام
التوبيخي مقدرة؛ أي: تلك الغرانيق ... إلخ، وهذا على حد قول أبيه إبراهيم الكنيها: ﴿هَذَا
رَبِي﴾ [الأنعام: ٧٦] أي: ربي في اعتقادكم فما قاله قاب وذهب واضمحل وعدم
وليس من شأن الإله شيء من ذلك.
خامسها: إنه لمّا وصل لقوله: ﴿وَمَنَاةَ الثَّالِئَةَ الأُخْرَى﴾ [النجم: ٢٠] خشوا من
ذمه لآلهتهم على عادتهم فبادروا ومدحوا بتلك الكلمات وخلطوها بقراءته وَل و على
عادتهم في قولهم: ﴿لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا القُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ [فصلت: ٢٦]
ونسب للشيطان؛ لأنه الحامل لهم عليه.
سادسها: المراد بالغرانيق الملائكة وكانوا يعبدونها لاعتقادهم أنها بنات الله
فنسو ذكر الكل ليرد عليهم بقوله: ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الأَنْثَى ... ﴾ [النجم: ٢١] إلخ،
فحملوه على الجميع وأظهروا أن الله عظم آلهتهم فنسخ قوله: ((تلك الغرانيق ... إلخ))
وأحكم آياته التي قبله وهذا قدیر.
سابعها: إنه ◌َليه كان يرتل القرآن فارتصد الشيطان سكنة من سكناته ونطق
بتلك الكلمات محاكيا نعمة النبي وَلّر بحيث من سمعه من دنا إليه فظنها من قوله
وأشاعها، واستحسنوا هذا وأيدوه بما جاء عن ابن عباس في تفسير الآية السابقة بأن
معنی تمنى: تلى، وكذا استحسنه ابن العربي وقال: معنى أمنيته تلاوته فأخبر الله تعالى
في هذه الآية أن سنة الله في رسله إذا قالوا قولاً زاد الشيطان من قبل نفسه، وحينئذٍ
فالآية نص في أن الشيطان زاد في قول النبي ول لا أنه قاله.
وممن ارتضى هذا أيضًا وصوبه الإمام الطبري مع جلالة قدره وسعة علمه وشدة
ساعده في النظر، وما يرد عليه من أن الشيطان لو مكن من ذلك لتمكن من غيره

٢٩٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الرابع
وارتفعت الثقة بالشرع يجاب عنه بنحو ما قدمته في الأول من أنه إنما مكن منه
محنة وفتنة لهم، فلا يطرد ذلك بل لا يمكن للدلائل القطعية على العصمة منه بسائر
الوجوه، وإنما خالفنا هاهنا فقط لتلك الأدلة الحاصلة القاضية بوقوعها فقلنا به
وأولناه.
١٠٢٤ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: سَجَدْنَا مَعَ النَّبِيِّ ◌َّهِ فِي: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ﴾
[الانشقاق: ١] وَ﴿اقْرأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق: ١]. رَوَاهُ مُسْلِمٌ)(١).
(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: سَجَدْنَا مَعَ النَّبِيِّ ◌َهُ فِي: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ﴾
[الانشقاق: ١]) عقب يسجدون (وَ ﴿اقْرأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق: ١]) عقب آخرها (رَوَاهُ
مُسْلِمٌ) ومن هذا كالذي قبله أخذ الشافعي أنه يندب سجدة التلاوة في النجم
وهاتين، وخبر عمرو الآتي صريح في ذلك والخبر الآتي لم يسجد ◌ّ في شيء من
المفصل منذ تحول المدينة ضعيف وناف، وما ذكرناه صحيح ومثبت أن إسلام أبي
هريرة سنة سبع أيام خيبر، وقد ذكر أنه سجد مع النبي ◌َّ في الانشقاق واقرأ وهما من
المفصل على أن الترك إنما ينافي الوجوب لا الندب الذي الكلام فيه.
١٠٢٥ - [وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِي الله عَنهُما - قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِوَلَ يَقْرَأُ:
(السَّجْدَةَ)) وَنَحْنُ عِنْدَهُ فَيَسْجُدُ وَنَسْجُدُ مَعَهُ، فَنَزْدَحِمُ حَتَّى لَا يَجِدَ أَحَدُنَا ◌ِجَبْهَتِهِ
مَوْضِعًا يَسْجُدُ عَلَيْهِ. مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ](٢).
(وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِي الله عَنْهُما - قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَِّ يَقْرَأُ: ((السَّجْدَةَ))
وَحْنُ عِنْدَهُ فَيَسْجُدُ وَنَسْجُدُ مَعَهُ، فَنَزْدَحِمُ حَتَّى لَا يَجِدَ أَحَدُنَا لِجَبْهَتِهِ مَوْضِعًا يَسْجُدُ
عَلَيْهِ. مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ).
وفي رواية صحيحة: ((كان يقرأ علينا القرآن فإذا مر بالسجدة كبر وسجد
(١) أخرجه مسلم (٥٧٨)، وأحمد (٧٣٦٥)، وأبو داود (١٤٠٧)، والترمذي (٥٧٣)، والنسائي (٩٦٣)،
وابن ماجه (١٠٥٨)، وابن حبان (٢٧٦٧)، والبيهقي (٣٥٤٠).
(٢) أخرجه البخاري (١٠٧٦)، ومسلم (١٣٢٣)، وأحمد (٤٧٧٢)، وأبو داود (١٤١٤).

٢٩١
تتمة كتاب الصلاة/ باب سجود القرآن
وسجدنا معه))(١) ويؤخذ منهما كالذي قبلهما أنه يسن لقارئ آية السجدة السجود، وقد
مر أن مشروعيته مجمع عليها وإنما الخلاف في وجوبه، فعندنا هو سنة لا واجب لما
يأتي عن زيد أنه ول # تركه، ولخبر البخاري عن ابن عمر: «أمرنا بالسجود - يعني:
التلاوة - فمن سجد فقد أصاب ومن لم يسجد فلا إثم عليه))(٢).
وروى البخاري أيضًا عن عمره «إنه قرأ على المنبر سورة النحل فنزل وسجد
وسجد الناس معه، فلما كان في الجمعة الأخرى قرأها فتهيأ الناس للسجود فقال: على
رسلكم إن الله لم يكتبها عليها إلا أن يشاء)) وهذا منه في هذا المحل بمنزلة
الإجماع السكوتي؛ إذ لم يخالفه فيه أحد وسجوده على أسفل المنبر اقتدى فيه
برسول الله آل﴾ لكنه ژل﴾ فعله تارة وتركه أخرى.
ومن ثم اختلف أصحابنا في الخطيب على المنبر هل يسن له السجود للتلاوة؟
فقال أكثرهم: لا يسجد مطلقًا لكلفة النزول والصعود، وقال الآخرون: إن كان المنبر
غير عال نزل وسجد أو عاليًا بحيث لو نزل فات السجود سجد محله إن أمكنه وإلا ترك
وهذا هو الأصح.
ويؤخذ من الحديث أيضًا أن كلاً من سامع القارئ ومستمعه يسن له السجود
وإن كان في الطواف، بخلاف الصّلاة فلا يسجد فيها إلا لقراءة نفسه ما لم يكن
مأمومًا فلقراءة إمامه فقط، ولا فرق عندنا حيث جازت القراءة بين أن يكون
القارئ محدثًا أو صبيًّا أو مصليًا، وقرأ في محل القراءة أو غيره، ولا بين ألَّا يسجد
القارئ وإن لم يتأكد عند سجوده؛ لأن لنا قولاً يتوقف سجود غير القارئ على سجوده،
ويتأكد للمستمع أكثر لما صح عن عثمان وعمران - رضي الله عنهما - قالا: السجدة
على من استمع (٣).
(١) أخرجه أبو داود (١٤١٥)، والبيهقي (٣٩٣٥).
(٢) أخرجه البخاري (١٠٧٧)، والبيهقي (٣٩١٦)، وابن خزيمة (٥٦٧).
(٣) انظرك المرقاة (١٢٩/٤).

٢٩٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الرابع
وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - إنه قال: السجدة على من جلس لها.
وقول ابن عمر: ((ونسجد معه)) يحتمل أن يريد به أنهم كانوا يقتدون به، ويحتمل
أن يريد أنهم كانوا يسجدون لأنفسهم، لكن يقارن سجودهم سجوده وهذا هو
الظاهر؛ لأن الأصل عدم الإقتداء.
وقد اختلف أصحابنا في ذلك فقال أكثرهم: لا يقتدي السامع بالقارئ في
السجود خارج الصّلاة فله الرفع قبله، وقال جماعة منهم: معنى ذلك أنه لا يلزمه
الإقتداء به لا أنه يحرم عليه كما أوهمته العبارة، فيجوز الإقتداء به لكنه خلاف
الأصل.
١٠٢٦ - [وَعَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ﴿ قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى رَسُولِ اللهِ وََّ سُورَة ((وَالنَّجْمِ))
فَلَمْ يَسْجُدْ فِيهَا مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ](١).
(وَعَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ﴾ قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى رَسُولِ اللهِ وَهُ سُورَة (وَالنَّجْمِ)) فَلَمْ
يَسْجُدْ فِيهَا. مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ) لا يعارضه هذا ما مر من سجوده وسلّ فيها؛ لأن الترك هنا
يتعين حمله على أنه لبيان جوازه للسامع جمعًا بين الحديثين، وقول أبي داود: إنما تركه؛
لأن زيدًا كان هو الإمام؛ أي: القارئ ولم يسجد فتركه تبعا له؛ أي: بناء على توقف
سجود السامع على القارئ كما قيل به عجيب منه، فإن كون الترك لأجل ذلك لم
يثبت، ومن ثم كان الأصح عندنا أن سجود السامع والمستمع لا يتوقف على سجود
القارئ، وبتسليم ما قاله فالترك يحتمل أنه لحديث أو عارض فهي واقعة فعلية
احتملت فسقط الاستدلال، بها وبتسليم أنها لا تحتمل شيئًا فالترك مع ثبوت الفعل لا
يقتضي النسخ وإن علم تأخيره، وإنما يقتضي عدم وجوب الفعل.
وبهذا الذي قلناه من أن الترك لبيان الجواز لا لما قاله أبو داود يرد اتفاق القراء
على أن التلميذ إذا قرأ على الشيخ لا يسجد، وقال السبكي من أئمتنا: إن صح ما قالوه
(١) أخرجه البخاري (١٠٧٣)، وأحمد (٢٢٢٤٧)، والترمذي (٥٧٩)، وأبو داود (١٤٠٦)، والدارمي
(١٥٢٤).

٢٩٣
تتمة كتاب الصلاة/ باب سجود القرآن
فحديث زيد حجة لهم مشير لما ذكرته؛ لأنه أشار بقوله: إن صح إلى أنه غير صحيح،
ووجهه أن كلام أئمة الفقه الذين علمهم المدار في ذلك صريح في الرد عليهم وأن الترك
في حديث زيد إنما هو لبيان الجواز كما تقرر.
ولا نظر إلى أن سجود التلميذ إعراضًا عن الشيخ؛ لأن هذا إعراض مأمور به
فهو لأجل امتثال الأمر لا يخل بالأدب بل هو الأدب، فإن قلت: صرح النووي بأنها لا
تسن للمفسر فغاية القارئ للتعلم أن يكون كالمفسر.
قلت: هذا ممنوع، والفرق بينهما واضح جلي؛ لأن المفسر لم يقصد القراءة،
وإنما ينطق بألفاظ تبين معانيها ومدلولاتها، بخلاف القارئ للتعلم فإنه إنما يقصد
تحرير ألفاظ القرآن فحسب فلا غرض له غير إحسان القراءة وإتقانها وشتان ما
بینھما.
١٠٢٧ [وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ - رَضِي الله عَنْهُمَا - قَالَ: سَجدةُ ((ص)) لَيْسَ مِنْ
عَزَائِمِ السُّجُودِ، وَقَدْ رَأَيْتُ النَّبِيَّ ◌َِّ يَسْجُدُ فِيهَا](١).
(وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِي الله عَنْهُمَا - قَالَ: سَجَدَةُ ((ص))) بسكون أو فتح أو
كسر بتنوين أو مد وبه، وقد يكتب ثلاثة أحرف باعتبار اسمها (لَيْسَ) كذا بغير تاء
وعليه فالمراد ليس فعلها (مِنْ عَزَائِمِ السُّجُودِ) أي: من واجباته، بل هي من مندوباته
لما مر من الأدلة على عدم وجوب سجدة التلاوة، وأصل العزيمة عقد القلب وتصميمه
على الشيء، ثم استعملت في العرف العام لكل محتوم الفعل أو الترك وفي عرف الفقهاء
والأصوليين في مقابل الرخصة.
ومنه حديث: ((إن الله يحب أن تؤتى رخصه، كما يحب أن تؤتى عزائمه))(٢)
فالرخص: ما تغير إلى سهولة لعذر مع قيام السبب لتحكم الأصلي كالقصر والفطر
(١) أخرجه البخاري (١٠٦٩)، وأحمد (٣٤٤٨)، وأبو داود (١٤١١)، والدارمي (١٥١٩)، والبيهقي
(٣٨٩٧).
(٢) أخرجه الطبراني (١٠٠٣٠)، وفي الأوسط (٢٥٨١)، وأبو نعيم في الحلية (١٠١/٢)، وابن حبان (٣٥٤).

٢٩٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الرابع
وإباحة الميتة للمضطر، والعزيمة ما ليست كذلك كوجوب الصّلاة الخمس.
(وَقَدْ رَأَيْتُ النَّبِيَّ ◌َهِ يَسْجُدُ فِيهَا) سيأتي أنه يَسير قال في سجدة (ص): (يسجدها
داود توبة ونسجدها شكرًا))(١).
وصحَّ أيضًا: ((إنه وَيَ قرأ ((ص)) على المنبر فلما بلغ السجدة نزل فسجد وسجد
الناس معه، ثم قرأها في يوم آخر فلما رآهم تهيؤوا للسجود قَالَ: إنما هي توبة نبي،
ولكني رأيتكم تهيأتم للسجود فنزل وسجد وسجدوا معه)»(٢) ومن هذين الحديثين
أخذ الشافعي أنها تطلب للشكر على قبول توبة داود - صلى الله عليه وعلى نبينا
وسلم - لا للتلاوة، وإنما التلاوة سبب لتذكر قبول توبته.
واعترضه بعض أتباعه بأن سجدة الشكر تختص عنده بهجوم نعمة أو اندفاع
نقمة، وليس هنا شيء من ذلك، فكيف يكون للشكر؟ ويرد بأن هذه مستثناة لدليل
يخصها فلا يقاس عليها غيرها حتى يقال: إن سبب تذكر النعمة على الغير يقتضي
السجود، فاتضح أن تذكر قبول توبة آدم صلى الله على نبينا وعليه وسلم عند قراءة
آيتها لا سجود له وهو ظاهر؛ إذ ليست مشتملة على سجود حتى يفعل مثله.
تنبيه:
يتعين عليك أن تتيقظ إلى أن التوبة هنا لم تصدر عن ذنب لتنزه الأنبياء
- عليهم الصّلاة والسلام - وعصمتهم حتى عن الصغائر سهوًا قبل النبوة على الأصح،
بل المراد بها زيادة الكمال في مرتبته، أو المراد بالذنب خلاف الأكمل بالنسبة لمقامه
ومنه: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ﴾ [الفتح:٢] وإنما تسن خارج الصّلاة
ومحلها بعد وأناب، وتحرم فيها وتبطلها إلا من جاهل ولو غائبًا مخالطًا لنا؛ لأن هذا من
الخفيات التي لا تكلف العامة بتعلمها أو ناسي فيسجد للسهو، ولو سجدها إمام
حنفي انتظره الشافعي أو فارقه وهو معذور، وإنما لم يلزمه المفارقة؛ لأن جنس سجود
(١) تقدم تخريجه.
(٢) أخرجه أبو داود (١٤١٠)، والحاكم (١٠٥٢) وقال: صحيح على شرط الشيخين.

٢٩٥
تتمة كتاب الصلاة/ باب سجود القرآن
التلاوة مغتفر في الصّلاة بخلاف ما لو بأن إمامه الحنفي مس فرجه يلزمه مفارقته؛
لأن هذا لا يغتفر جنسه أصلاً، والعبرة عندنا بعقيدة المأموم لا الإمام.
١٠٢٨ - [وَ فِي رِوَايَةٍ: قَالَ مُجَاهِدُ: قُلْتُ لِإِبْنِ عَبَّاسِ: أَتَسْجُدُ فِي ((ص)) فَقَرَأَ ﴿وَمِن
ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ﴾ [الأنعام: ٨٤] حَتَّى أَنَى ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ فَقَالَ نَبِيُّكُمْ :
وسيلم
مِمَّنْ أُمِرَ أَنْ يَقْتَدِيَ بِهِمْ) (١).
(وَفِي رِوَايَةٍ: قَالَ مُجَاهِد: قُلْتُ لِإِبْنِ عَبَّاسِ: أَتَسْجُدُ فِي ((ص)) فَقَرَأَ ﴿وَمِن
ذُرِّيَّتِهِ﴾﴾ أي: نوح وإبراهيم (﴿دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ﴾ حَتَّى أَنَّى) على قوله تعالى:
(﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ فَقَالَ نَبِيُّكُمْ وَّهِ مِمَّنْ أُمِرَ) هذا من الأسلوب البليغ؛ لأن مجاهدًا
سأله: أيسجد في ((ص))؟ فبين له أن النبي ◌َّ أمر بما يعم السجود به اقتداء بداود، فإذا
كان ◌ُلّ مع فخامته وفضله على داود بل سائرهم أمر بذلك فأنت أولى وأحری.
قال الأئمة: وفي هذه الآية أوضح شاهد على فضله وياليوم على سائر الأنبياء
والمرسلين؛ لأنه لما تحلى بجميع معاليهم وأحوالهم وتخلق بسائر أخلاقهم ومعارفهم أمر
بأن يقتدى بجميع ما يفرق فيهم من معالي الأحوال وأوصاف الكمال، فجمع سائر
فضائلهم وأعطى نظير جميع خصائصهم، وزاد عليهم بما أوجب للكل أن صاروا
أتباعه بنص: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ
جَاءَكُمْ رَسُولُ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ﴾ [آل عمران: ٨١] بناء على أن
المخاطب بذلك الأنبياء أنفسهم وأممهم تبع لهم لا أممهم فحسب على ما هو في محله،
خلافًا لمن اعتمد الثاني وزيف الأول كابن عبد السلام.
(الفصل الثاني)
١٠٢٩ - [عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﴿ قَالَ: أَقْرَأَنِي رَسُولُ اللهِ وَلِ خْسَ عَشْرَةَ
سَجْدَةً فِي الْقُرْآنِ مِنْهَا: ثَلَاثٌ فِي الْمُفَصَّلِ، وَفِي سُورَةِ الْحَجِ سَجْدَتَیْنِ. رَوَاءُ أَبُو دَاوُد وابْن
(١) أخرجه البخاري (٣٤٢١).

٢٩٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الرابع
مَاجَە](١).
(عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﴾ قَالَ: أَقْرَأَنِي رَسُولُ الله ◌ِ﴾﴾ أي: أمرني أن أقرأ عليه
(خَمْسَ عَشْرَةَ سَجْدَةً فِي الْقُرْآنِ مِنْهَا: ثَلَاثُ فِي الْمُفَصَّلِ وَ) ذكر (وَفِي سُورَةِ الْحَجِّ
سَجْدَتَيْنِ) عقب ﴿يشاء﴾ و﴿تفلحون﴾ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وابْن مَاجَه) والحاكم بإسناد
حسن كما قاله النووي والمنذري خلافًا لابن عبد الحق وابن القطان.
وقال السبيعي من أكابر التابعين: أدركت الناس سبعين سنة يسجدونها، وفيه
أوضح رد لقول مالك ه: لا سجود في المفصل ولقول أبي حنيفة ومالك، رضي الله
عنهما: ليس في الحج إلا السجدة الأولى والعشرة الباقية في الأعراف عقب: ﴿آخرها﴾
والنحل عقب: ﴿يؤمرون﴾ وقيل: ﴿يستكبرون﴾.
ورد بأنه تعبد و«سُبْحَانَ﴾ [الإسراء:١] عقب: ﴿خشوعًا﴾ [الإسراء: ١٠٩].
ومن ثَمَّ عقب ﴿مَّكَّنَّا﴾ [الحج: ٤١]﴾.
و﴿الفُرْقَانَ﴾ [الفرقان: ١] عقب: ﴿نُفُورًا﴾ [الفرقان:٦٠].
والنمل عقب: ﴿العَظِيمِ﴾ [النمل: ٢٦] وقيل: ﴿يُعْلِنُونَ﴾ [النمل: ٧٤] ورد بأنه
باطل، وأجيب بأن عليه أكثر أهل المدينة، وأنه لا توقيف يعلم هنا.
و﴿الم﴾ السجدة عقب: ﴿يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [السجدة: ١٥].
و((فصلت)) عقب: ﴿يسمون﴾ وقيل: ﴿يعبدون﴾ وعليه كثيرون، والخامس
عشر سجدة ((ص)) السابقة.
١٠٣٠ - [وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ﴾ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله ◌َيَ فُضِّلَتْ سُورَةُ
الْحَجِّ بِأَنَّ فِيهَا سَجْدَتَيْنِ؟ قَالَ: ((نَعَمْ وَمَنْ لَمْ يَسْجُدْهُمَا فَلَا يَقْرَأْهُمَا)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُد
والتِّرْمِذِيّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيْثٌ لَيسَ إِسْنَادُهُ بِالقَوِي، وَفِي ((المَصَابِيحِ): فَلاَ يَقَرَأْهَا كَمَا
فِي (شَرْحِ السُّنَّةِ))](٩).
(١) أخرجه أبو داود (١٤٠٣)، وابن ماجه (١١١٠)، والبيهقي (٣٨٨٤).
(٢) أخرجه أبو داود (١٤٠٢)، والترمذي (٥٧٨) وقال: ليس إسناده بذاك القوي. والطبراني (٨٤٧)،
=

٢٩٧
تتمة كتاب الصلاة/ باب سجود القرآن
(وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ﴾ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ وَِّ فُضِّلَتْ) يصح أن يكون
حرف الاستفهام فيه مقدرًا، ويصح أن يكون خبرًا قصد به طلب التقدير منه وَل
(سُورَةُ الْحَجِّ ◌ِأَنَّ فِيهَا سَجْدَتَيْنِ؟ قَالَ: نَعَمْ وَمَنْ لَمْ يَسْجُدْهُمَا فَلَا يَقْرَأْهُمَا) أي: لم يقرأ
آيتيهما قراءة كاملة لتركه سنة مؤكدة من سنن القراءة (رَوَاهُ أَبُو دَاوُد والتِّرْمِذِيّ، وَقَالَ:
هَذَا حَدِيْثُ لَيسَ إِسْنَادُهُ پالقوي) ولا متمسك في ذلك لأبي حنيفة؛ لأن حديث عمرو
كافٍ في الدلالة عليه.
(وَفِي (المَصَابِيح): فَلَا يَقَرَأْهَا) أي: السورة (كَمَا فِي ((شَرْجِ السُّنَّةِ))) قيل: وهو
غلط؛ لأن الذي في كتب الحديث الأول.
١٠٣١ - [وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ◌َ سَجَدَ فِي صَلَةِ الُّهْرِ، ثُمَّ قَامَ فَرَكَعَ، فَرَأَوا
أَنَّهُ قَرَأَ: (تَنْزِيلَ﴾ السَّجْدَةِ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد](١).
(وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَِّيَّ وَّهَ سَجَدَ فِي صَلَاةِ الظُّهْرِ، ثُمَّ قَامَ فَرَكَعَ، فَرَأَوا أَنَّهُ قَرَأَ:
﴿تَنْزِيلَ﴾ السَّجْدَةِ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد) وصححه الحاكم واعترض بما لا يجدي، ومن ثم
اعترض القرطبي من أكابر المالكية بهذا الحديث، منع مالك # لسجود التلاوة في
الصّلاة مع أن الحديث ظاهر في ندبه فضلاً عما صرح به من جوازه، واختلف أئمتنا
فنقل عن أكثرهم أن ما في الحديث لبيان الجواز لا للندب؛ فلذا قالوا: لا يكره للإمام
ولا للمنفرد قراءة آية السجدة في الصّلاة سرية كانت أو غيرها، وفيه نظر بل الذي في
الحديث ندب السجود؛ لأن الأصل في أفعاله ويليه التي في الصّلاة أنها للتأسي.
ولم يرد ما يدل على منع السجود في الصّلاة حتى نحمله على بيان الجواز، ومن ثم
قال بعض المحققين: الحديث ظاهر في الاستحباب وعليه جرى النووي في ((التبيان))
فقال: ولا يكره قراءة السجدة للإمام عندنا في سرية أو جهرية ويسجد من قرأها.
والبيهقي (٣٥٤٥).
(١) أخرجه أحمد (٥٥٥٦)، وأبو داود (٨٠٧).

٢٩٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الرابع
انتهى.
ويؤخذ من قوله: ((ويسجد ... إلى آخره)) أن السجود عند قراءة الآية سنة كما
أفاده الحديث، وأمَّا قراءة آية السجدة بخصوصها فلا سنة فيه ولا كراهة، وهو الذي
يصرح به كلام الأولين أيضًا فإنهم لم يتعرضوا للسجود بشيء، وإنما بنوا الكراهة
فاقتضى أن السجود باقٍ على ندبه.
ويؤيد ذلك أيضًا قول الحاكم وهو من الشافعية عقب الحديث: هذه سنة
صحيحة غريبة أن الإمام يسجد فيما يسر فيه بالقراءة مثل سجوده فيما يعلن، فإن
قلت لما هو مقرر: إن من خالف سنة صحيحة لا يراعى خلافه، وإذا قلنا بنسبة
السجود للإمام في السرية والجهرية فمحله حيث أمن التشويش على المأمومين كما
أمنه وَلّ على أصحابه؛ لفقههم أو لقلتهم ومشاهدتهم له وإلا سن له تأخير السجود إلى
الفراغ، ولو قرأ آيات سجدة في ركعة واحدة من الصّلاة سن له السجود بعددها.
نعم إن قرأ بقصد السجود فقط في الصّلاة حرم عليه على الأصح فتبطل
صلاته؛ لأن الصّلاة منهي عن زيادة السجود فيها إلا لسبب لم يتخيره، كما أن أوقات
المكروهة منهي عن الصّلاة فيها لسبب كذلك، فالقراءة في الصّلاة بقصد السجود
فقط كتعاطي السبب باختياره في أوقات الكراهة؛ ليفعل الصّلاة ولا يعارض ذلك
ندب قراءة: ﴿الم * تنزيل﴾ السجدة في صبح الجمعة والسجود فيها؛ لأنه ليس القصد
من قراءتها السجدة بل اتباع السنة في قراءتها في الصّلاة للخصوصية.
١٠٣٢ - [وَعَنْهُ: إِنَّهُ كَانَ رَسُولُ اللهِ وَ يَقْرَأُ عَلَيْنَا الْقُرْآنَ، فَإِذَا مَرَّ بِالسَّجْدَةِ
كَبَّرَ، وَسَجَّدَ وَسَجَدْنَا مَعَهُ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد](١).
(وَعَنْهُ: إِنَّهُ كَانَ رَسُولُ اللهِ وَ يَقْرَأُ عَلَيْنَا الْقُرْآنَ، فَإِذَا مَرَّ بِالسَّجْدَةِ كَبَّرَ،
وَسَجَدَ وَسَجَدْنَا مَعَهُ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُد) ومنه يؤخذ أنه لا يسن للسجود خارج الصّلاة من
(١) تقدم تخريجه.

٢٩٩
تتمة كتاب الصّلاة/ باب سجود القرآن
الجالس القيام له؛ لأنه لم يثبت فيه شيء، بل المختار تركه وروايته عن عائشة ضعيفة
وبتسليم صحتها، وإنه لم يعرف لها مخالف لا يقتضي ذلك العمل به ولو في الفضائل إذ
عمل الصحابي غير حجة وإن اقترن به ذلك، ورواية: ((كان ◌َلّ إذا أتاه أمر يسره خرَّ
ساجدًا)) لا يدل على أنه كان يقوم إذا كان جالسًا ويسجد؛ لأن خر معناه: انحنى وخضع،
وهذا ينافي من الجالس كالقائم، فأي حجة فيه على القيام خلافًا لمن وهم فيه، وأن
السجدة خارج الصّلاة تجب النية وتكبيرة الإحرام، وهما المراد بقوله: كبر.
ويعضد ذلك خبر ابن عمر: ((كان { ل * يكبر ويسجد)»(١) وهو وإن كان في إسناده
من ضعف إلا أن ابن القطان صوب أنه حسن ولا بدَّ من تكبيرة للتحرم وتكبيرة
للهوي للسجود، فإنه اقتصر على تكبيرة التحرم بقصدها فقط صح وإلا وتحته ثلاث
صور لم تصح نظير من رأى الإمام راكعًا فكبر وركع مقتصرًا على تكبيرة واحدة،
وبسن رفع يديه مع تكبيرة التحرم دون تكبيرة الهوي.
١٠٣٣ - [وَعَنْهُ أَنَهُ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللّهِ وَهِ قَرَأَ عَامَ الْفَتْحِ سَجْدَةً فَسَجَدَ النَّاسُ
كُلُّهُمْ، مِنْهُمُ الرَّاكِبُ وَالسَّاجِدُ عَلَى الأَرْضِ حَتَّى إِنَّ الرَّاكِبَ يَسْجُدُ عَلَى يَدِهِ. رَوَاهُ أَبُو
دَاوُد](٢).
(وَعَنْهُ أَنَهُ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ الله ◌َِّ قَرَأَ عَامَ الْفَتْحِ سَجْدَةً فَسَجَدَ النَّاسُ كُلُّهُمْ،
مِنْهُمُ الرَّاكِبُ وَالسَّاجِدُ عَلَى الأَرْضِ) لما كان الراكب لا يسجد على الأرض جعل غيره
الساجد عليها قسيمًا له، ففيه إيماء إلى أن الراكب لا يلزمه النزول للسجود بالأرض،
وبهذا يظهر فائدة قوله: ((والساجد على الأرض)) دون قوله: ((وغيره الأحضر والأظهر)(٣)
وإذا اتضح أن قوله: ((والساجد على الأرض)) يقتضي أن الراكب لا يسجد عليها اتضح
جعل ما قبل ((حتى)) متصلاً بما بعدها في قوله: (حَتَّى إِنَّ الرَّاكِبَ يَسْجُدُ عَلَى يَدِهِ) فإن
(١) لم أقف علیه.
(٢) أخرجه أبو داود (١٤١٣)، والحاكم (٧٩٨)، والبيهقي (٣٩٤١)، وابن خزيمة (٥٣٧).
(٣) لم أقف عليه.

٣٠٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الرابع
قلت: هذا نص في رد قول الشافعي: لا يجوز السجود على المتصل بالمصلي المتحرك
بحركته فضلاً عن يده.
قلت: هو بعد تسليم صحته واقعة حال فعلية محتملة، لكن الراكب منهم كان
إذا انحنى للسجود كما هو الواجب عليه حتى من تحريك الدابة لرأسه، فكان يضع يده
تحت جبهته حال الانحناء الإمساك رأسه عن التحرك الشديد لا لكونه يسجد عليها؛
لأن حقيقة السجود من وضع الجبهة على نحو عرف الدابة لا يجب لمشقة ذلك على
الراكب، وإنما يتوجه الاستدلال به على جواز السجود على نحو اليد لو وضعها ساجد
على الأرض تحت جبهته (رَوَاهُ أَبُو دَاوُد).
١٠٣٤ - [وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِي الله عَنْهُمَا - أَنَّ رَسُولَ اللهِوَ لَمْ يَسْجُدْ فِي
شَيْءٍ مِنَ الْمُفَصَّلِ مُنْذُ تَحَوَّلَ لِلْمَدِينَةِ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدِ(١).
(وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ - رَضِي اللّهُ عَنْهُمَا - أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَهْ لَمْ يَسْجُدْ فِي شَيْءٍ مِنَ
الْمُفَصَّلِ مُنْذُ تَحَوَّلَ لِلْمَدِينَةِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُد) ومر أنه حديث ضعيف ونافٍ وغيره مما
فيه: ((إنه { ل ـ سجد في النجم والانشقاق واقرأ)) صحيح ومثبت، فتعين تقديمه لوجهين:
صحته، وكونه مثبتًا، وهو مقدم على النافي، وإن استويا في الصحة أو زاد الباقي عنها.
١٠٣٥ - [وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِي اللّه عَنهَا - قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ يَقُولُ: فِي
سُجُودِ الْقُرْآنِ بِاللَّيْلِ «سَجَدَ وَجْهِي لِلَّذِي خَلَقَهُ وَشَقَّ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ بِحَوْلِهِ وَقُوَّتِهِ)). رَوَاهُ
أَبُو دَاوُد والتِّرْمِذِيّ والنَّسَائِيّ، وقال التِّرْمِذِيّ: هَذَا حَدِيْثٌ حَسَنُّ صَحِيْعٌ﴾(٢).
(وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِي اللّه عَنهَا - قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ الله ◌َّهِ يَقُولُ: فِي سُجُودٍ
الْقُرْآنِ بِاللَّيْلِ) حكاية للواقع لا للتقييد به (سَجَدَ وَجْهِي لِلَّذِي خَلَقَهُ وَشَقَّ سَمْعَهُ
وَبَصَرَهُ بِحَوْلِهِ وَقُوَّتِهِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُد والتِّرْمِذِيّ والَّسَائِيّ، وقال التِّرْمِذِيّ: هَذَا حَدِيْث
حَسَن صَحِيْح) زاد البيهقي بعد خلقه: ((وصوره)) وبه يعلم وهم من قال: يرد هنا وصوره
(١) أخرجه أبو داود (١٤٠٥)، والبيهقي (٣٨٥٥)، والطيالسي (٢٨٠٣).
(٢) أخرجه أبو داود (١٤١٦)، والترمذي (٥٨٣)، والنسائي (١١٣٧)، وأحمد (٢٦٥٧٢).