النص المفهرس
صفحات 261-280
٢٦١ تتمة کتاب الصّلاة/ باب السهو كذا قيل: والأولى أن يجاب بأنهم سلموا جاهلين بأن عليهم سهواً أو تكلموا معتقدين فراغ الصّلاة، فلما عاد ◌َله إلى الصّلاة عادوا معه واغتفر لهم ما وقع منهم لعذرهم، ومن ثم قال أئمتنا: من ذكر سهوًا عقب سلامه أو بعده بيسر قبل فعل منافٍ سن له السجود له، ويصير به عما بدأ الصّلاة فلو أحدث بطلت صلاته من أصلها. وصريح كلام المصنف أن قوله: ((بعدما سلم)) رواه الشيخان وليس كذلك؛ إذ لم يروه مسلم وإنما رواه البخاري والمصنف كأصله يقع له ذلك كثيرًا، لكن عذره أنه يريد اتفاق الشيخين على أصل إخراجه وإن لم يتساويا في كل ألفاظه، فاستحضر ذلك فإنه ينفعك في مواضع كثيرة من هذا الكتاب. (وَفِي رِوَايَةٍ: قَالَ) إنه لو أحدث في الصّلاة شيئًا لنسيانكم به، ولكن (إِنَّمَا أَنَا بَشَرَّ مِثْلُكُمْ) تلحقني العوارض البشرية كما تلحقڪم، ففيه إثبات العلة قبل الحكم اهتمامًا بها ومبالغة في إيضاح الحكم وتقريبه للأذهان (أَفْسَى كَمَا تَنْسَوْنَ) وجه احتياجه لهذا الرد على من عساه يتوهم أن نسيانه ليس كنسياننا مطلقًا، والكلام في غير طرق التبليغ لما يأتي أنه وَل * اختص بعصمته عن النسيان والسهو فيها، وقيل: لا بل ینبه عليهما سريعًا. (فَإِذَا نَسِيتُ فَذَكِّرُوِي، وَإِذَا شَكَ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ فَلْيَتَحَرَّ الصَّوَابَ) أي: يجتهد في إدراكه بأن يطرح الشك والظن ويأخذ باليقين كما مر التصريح به في الحديث الذي قبل هذا (فَلْيُتِمَّ عَلَيْهِ ثُمَّ يُسَلِّمْ، ثُمَّ) هي بمعنى الواو لما مر مبسوطًا، ومنه أنه ﴿ ﴿ سجد قبل السلام مع قوله: ((فإن كن خمسًا ... إلى آخر)(١) الذي هو صورة ما هنا، فوجب تأويل هذا لإمكانه دون ذاك (يَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ) للسهو (مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ). ١٠١٧ - [وَعَنِ ابْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللّهِ وَةِ إِحْدَى صَلَاتٍَ الْعَشِيّ، قَالَ ابْنُ سِيرِينَ: سَمَّاهَا أَبُو هُرَيْرَةَ وَلَكِنْ نَسِيتُ أَنَا، قَالَ: فَصَلَّى بِنَا (١) لم أقف عليه. ٢٦٢ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الرابع رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ، فَقَامَ إِلَى خَشَبَةٍ مَعْرُوضَةٍ فِي الْمَسْجِدِ فَاتَّكَأَ عَلَيْهَا كَأَنَّهُ غَضْبَانُ، وَوَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى، وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ، وَوَضَعَ خَدَّهُ الأَيْمَنَ عَلَى ظَهْرٍ كَفِّهِ الْيُسْرَى، وَخَرَجَت سَرَعَانُ النَّاسِ مِنْ أَبْوَابِ الْمَسْاجِدِ، فَقَالُوا: قَصُرَتِ الصَّلَاةُ، وَفِي الْقَوْمِ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، فَهَابَا أَنْ يُكَلِّمَاهُ، وَفِي الْقَوْمِ رَجُلُ بَيْنَ يَدَيْهِ طُولُّ يُقَالُ لَهُ: ذُو الْيَدَيْنِ، قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَنَسِيتَ أَمْ قَصُرَتِ الصَّلاَةُ، فَقَالَ: (لَمْ أَنْسَ، وَلَمْ تَقْصُرِ الصَّلَاةُ)) فَقَالَ: (أَكَمَا يَقُولُ ذُو الْيَدَيْنِ) فَقَالُوا: نَعَمْ، فَتَقَدَّمَ فَصَلَّ مَا تَرَكَ، ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ كَبَّرَ وَسَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ أَوْ أَظْوَلَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ وَكَبَّرَ، ثُمَّ كَبَّرَ وَسَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ أَوْ أَظْوَلَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ وَكَبَّرَ، فَرُبَّمَا سَأَلُوهُ ثُمَّ سَلَّمَ فَيَقُولُ: نُبِّئْتُ أَنَّ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ قَالَ: ثُمَّ سَلَّمَ. مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ وَلَفِظُهُ للبُخَارِي، وَفِي أُخْرَى لَهُمَا: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهُ: بَدَلَ: لَمْ أَنْسَ، وَلَمْ تَقْصُرْ: كُلُّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ، وَكَانَ بَعَضُ ذَلِكَ يَا رَسُولَ الله](١). (وَعَنِ) محمد بن أبي بكر بن عمرة (ابْنِ سِيرِينَ) مولى أنس ﴾ ولد محمد لسنتين بقينا من خلافة عثمان وأدرك ثلاثين صحابيًّا وكان أمة في العلم والورع وتعيين الرؤيا، ولما رأى أن الجوزاء تقدمت الثريا أوصى وقال: يموت الحسن البصري ثم أنا؛ لأنه أشرف مني فمات قبله بمائة يوم. (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللهِ ﴿ إِحْدَى صَلَاَ الْعَشِيّ) بضم فكسر من العشاء وهو الظلمة ومنه عشاء البصر وأظلم (قَالَ ابْنُ سِيرِينَ: سَمَّاهَا أَبُو هُرَيْرَةَ وَلَكِنْ نَسِيتُ أَنَا). وفي رواية عنه: ((وأكثر ظني أنها العصر والعشاء)(٢). أمَّا: من زوال الشمس إلى الغروب ثم منه عشاء، واختاره الأزهري وغيره. وأمَّا: آخر النهار كالعشية وعليه جمع لغویون. وأمَّا: من صلاة المغرب إلى العتمة وعليه الجوهري ومثله العشية. (١) أخرجه البخاري (٤٨٢)، وأحمد (٧٤٠١)، وأبو داود (١٠١٠)، والنسائي (١٢٣٢)، والبيهقي (٤٠٢٥). (٢) أخرجه بنحوه البخاري (١٢٢٩)، وأحمد (٧٥٧٩)، والحميدي (١٠٣١). ٢٦٣ تتمة كتاب الصلاة/ باب السهو وأمَّا: من الزوال إلى آخر نصف الليل الأول ومنه إلى الزوال الصباح وعليه الراغب وغيره، وإحدى صلاتيه هنا الظهر أو العصر كما فصحت به رواية مسلم لكن في رواية أخرى له أيضًا: ((بينا أنا أصلي مع النبي ◌َّ صلاة الظهر سلم من رکیتین))(١). وفي أخرى له أيضًا: ((صلى لنا رسول الله ◌َ له صلاة العصر))(٢) ولصحة الروايتين قال النووي وغيره: إن واقعة أبي هريرة متعددة فكانت مرة في الظهر ومرة في العصر. (قَالَ: فَصَلَّى بِنَا رَكْعَتَيْنٍ ثُمَّ سَلَّمَ، فَقَامَ إِلَى خَشَبَةٍ مَعْرُوضَةٍ) أي: موضوعة بالعرض كقولهم: عرضت العود على الأنا (فِي الْمَسْجِدِ) أي: بمقدمه كما في رواية قيل: يحتمل أنها الجذع الذي كان مليار يخطب مستندًا إليه قبل اتخاذ المنبر. انتهى. ويؤيده رواية مسلم: ((جذعًا في ناحية المسجد))(٣) لكن يبعد ذلك التعبير بناحية المسجد (فَاتَّكَأَ عَلَيْهَا كَأَنَّهُ غَضْبَانُ) كان حكمة ذلك أن نور باطنه ◌َّ أُدرع وقوع شيء منه على طريق الإجمال فظهر على ظاهره ما يشعر بذلك (وَوَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى، وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ، وَوَضَعَ خَدَّهُ الأَيْمَنَ عَلَى ظَهْرٍ كَفِّهِ الْيُسْرَى). وفي رواية عن عمران بن الحصين صلى العصر فسلم في ثلاث ركعات ثم دخل منزله وسيأتي مع بيان أنها واقعة أخرى (وَخَرَجَت). في رواية للبخاري: ((وخرج))(٤). (سَرَعَانُ النَّاس) بفتح أوليه وقد تسكن الراء؛ أي: أوائلهم الذين يسرعون إلى الإقدام على الأشياء، وروي بكسر فسكون كرعيل ورعلان ورد بأنه خطأ وبضم فسكون كفقير وفقران (مِنْ أَبْوَابِ الْمَسْاجِدِ، فَقَالُوا: قَصْرَتِ الصَّلَاةُ، وَفِي الْقَوْمِ أَبُو (١) أخرجه النسائي (٥٦٢)، وأحمد (٩٤٥٨). (٢) أخرجه مسلم (١٣١٨)، والنسائي (١٢٢٥)، والبيهقي (٣٩٧٢). (٣) أخرجه مسلم (١٣١٦)، وأبو عوانة (١٥١٨). (٤) أخرجه البخاري (٦٠٥١)، ومسلم (١٣١٦)، وأحمد (١٧١٦٢)، وابن حبان (٢٧٣٠). ٢٦٤ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الرابع بَكْرٍ وَعُمَرُ، فَهَابَا) أي: خافاه وأجلاه إعظامًا لما ظهر عليه من ذلك الغضب فلا ينافي الحديث الحسن: ((كان ◌َ* يخرج على أصحابه فلا ينظر إليه سوى أبي بكر وعمر - رضي الله عنهما - كانا ينظران إليه وينظر إليهما ويبتسمان إليه ويبتسم إليهما))(١) ثم أبدل من ضميرها ((باه)) بدل اشتمال لبيان أن المقصود هيئة تكليمه لا نحو نظره. وإتباعه قوله: (أَنْ يُكَلِّمَاهُ) في تلك الحالة لما ظهر عليه من نواميس الجلال التي أوجبت له هذا الفعل الذي لم يعهد منه نظيره، وفي رواية سندها حسن عن ذي اليدين نفسه: ((إنه لما قام ◌َّ تبعه أبو بكر وعمر وخرج سرعان الناس))(٢). (وَفِي الْقَوْمِ رَجُلُ بَيْنِ يَدَيْهِ طُولُ يُقَالُ لَهُ: ذُو الْيَدَيْنِ) وفي: (يدعوه النبي ◌َِّ ذا اليدين)) أي: إمَّا لطولهما حقيقة أو مجازًا كناية عن البذل والعمل، وكذا يقال في رواية: (قسط اليدين)(٣) رجل من بني سليم كما في مسلم من أهل وادي القرى اسمه: الخرباق بمعجمة مكسورة فراء ساكنة فموحدة ثم قاف أسلم في أواخر زمن النبي وعاش حتى روى عنه متأخرو التابعين، ومن ثم قيل: إنه عمر إلى خلافة معاوية وهو غير ذي الشمالين؛ إذ هو عمر بن عبد عمرو من خزاعة حليف بني زهرة. وقيل: بني أمية قدم أبوه مكة وشهد هو بدرًا واستشهد بها اتفاقًا. ووقع لجمع منهم الزهري مع سعة حفظه وإتقانه أنه هو فصرحوا في روايتهم عن أبي هريرة يقال: ((ذو الشمالين)) زاد الزهري: إن ذا اليدين قتل ببدر وأن سهوه وَال المذكور كان قبل وقعة بدر وأنه لم يسجد للسهو فيها، واتفق العلماء على غلطه في ذلك كله وإن كان إمامًا عظيمًا في هذا الشأن، فالغلط لا يسلم منه بشر والكمال لله تعالى ثم لرسوله. ومن ثم قال مالك : ((كل أحد يؤخذ من قوله ويرد عليه إلا صاحب هذا (١) أخرجه الترمذي (٤٠٣١). (٢) أخرجه أحمد (١٧١٦٢)، والبيهقي (٤٠٩٨)، والطبراني (٤١٠٧). (٣) لم أقف عليه. ٢٦٥ تتمة كتاب الصلاة/ باب السهو القبر)) يعني النبي ولي﴾ فالصواب أنهما متغايران وإن وقعة السهو كانت بعد بدر بست سنين كما قاله ابن منده؛ لأن أبا هريرة شهدها كعمران بن حصين الآتي والأول دوسي والثاني خزاعي، وينتهيان إلى الأزد وهم إلى قحطان وإليه جماع نسب اليمن. والأصح ما في صحيح البخاري: ((إنه ابن إسماعيل القيمة وإسلامهما إنما كان بعد السنة السابعة من الهجرة أيام خيبر)) قال النووي كابن عبد البر: وقد اضطرب الزهري في حديث ذي اليدين اضطرابًا كثيرًا في الإسناد، والمتن أوجب للعلماء ترك روایته فیه بالكلية. انتهى. وما روي عن ابن عمر ((إن إسلام أبي هريرة إنما كان بعد قتل ذي اليدين) ضعيف لا يعول عليه، وعجيب من القاضي البيضاوي كالطحاوي حيث ساق كلام الزهري واعتمداه ثم أولا قول أبي هريرة: ((صلى بنا))(١). وفي رواية: (لنا))(٩). وفي أخرى: ((بينا أنا أصلي مع رسول الله وَّر)(٣) الصريح في أن هذا الأمر إنما كان بعد إسلام أبي هريرة، وفي أنه حاضر له بأنه إنما روى ذلك عمن كان حاضرها قبل بدر والإسناد إليه إنما هو من وهم الرواة أو نزل المسلمين الحاضرين، ثم منزلة نفسه فأسند إليه ما وقع منهم. انتهى. وكله في غير محله كما علمته مما مر، وأجاب بعضهم عن الزهري بأنه يحتمل أن القصة وقعت لكل من ذي الشمالين وذي اليدين وأن أبا هريرة روى القصتين لكن الأولى بطريق الإرسال، وحينئذٍ فقوله: ((صلى بنا)) وهم من الرواة أو المراد به معشر المسلمين لا نفسه لما تقرر أن هذه قبل إسلامه بسنين كثيرة، والثانية بطريق المشاهدة. واختار عياض هذا الجمع دفعًا للغلط عن مثل الزهري وفيه نظر؛ لأنه لا يدفع (١) تقدم تخريجه. (٢) تقدم تخريجه. (٣) أخرجه أحمد (٩٧٠٩)، والنسائي (٥٦٢)، والبيهقي (٤٠٧٤). ٢٦٦ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الرابع غلطه في زعمه؛ إذ لا الشمالين هو ذو اليدين وإن الواقعة واحدة قبل بدر، وبهذا يندفع قول من قال من الحنفية: إنما اغتفر كلامهم الآتي؛ لأنه قبل تحريم الكلام؛ لأن هذا قبل وقعة بدر والكلام إنما حرم بعدها. (قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَفَسِيتَ) الاستفهام فيه لطلب القصور كما يعلم مما يأتي في شرح ((قد كان بعض ذلك)) (أَمْ قَصُرَتِ) بضم فكسر منبثًا لما لم يسم فاعله وهو الأشهر، وبفتح فضم ألزم كحسن، وبفتحتين متعد كقصرتها بها والميم في: ﴿أَن تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ [النساء: ١٠١] زائدة أو صفة لمحذوف؛ أي: شيئًا من الصّلاة، ويؤيده قراءة ابن عباس بضم فكسر من ((أقصر)) وقراءة الزهري بذلك مع تشديد الصاد من ((قصر)) المضعف فهذان متعديان اتفاقًا ودخلت ((من)) في حيزها، وأصل القصر الكف وقصارك كذا وقصرك وقصارك بفتح القاف؛ أي: عاتبك كذا. (الصَّلَاة) جوز؛ لأن الزمن كان قابلاً له (فَقَالَ: لم أنسَ) أي: في اعتقادي الآن؛ لأني أتممت الصّلاة في ظني، أو المراد لم أنس بنفسي وإنما أنسيت لأسن كما سبق في الحديث الآخر، وفيه دليل على أن من قال: ((لم أفعل كذا)) وكان فعله ناسيًا كان غير كاذب، وبه يتضح مذهبنا خلافًا للأئمة الثلاثة: ((إن الناسي لا يحنث؛ لأنه لا ينسب إليه الفعل)) وعلى أن من تكلم في الصّلاة ناسيًا لم تبطل صلاته إن كان كلامه قليلاً كما هنا؛ لأنه خمس كلمات؛ إذ هو ((لم أنس)) ولم يقصر الصّلاة كما يقول ذو اليدين. وهذا قليل عندنا على أن شرط البطلان بالكثير السهو أن يكون متواليًا كما هو ظاهر، وإلا لزم أن من تكلم سهوًا مرات في ركعات من صلاته أنها تجمع حتى يكون كبيرة، وتبطل صلاته بها ولا أظن بل لا أشك أن أحدًا يسمح بذلك من أئمتنا. ومما يؤيد ذلك كلام أئمتنا في الفعل الكثير فإنه لا يبطل سهوه إلا إن كان متواليًا وقوله: ((كما ... إلى آخره)) منفصل عما قبله، فاتضح كونه قليلاً، والجاهل بالحكم المعذور كالناسي في ذلك، ومنه كلام ذي اليدين؛ لأنه لما جوز القصر والنسخ اعتقد حل الكلام وهو معذور في ذلك مع قلته فلم تبطل صلاته به. ٢٦٧ تتمة كتاب الصلاة/ باب السهو ومن زعم كالحنفية أن السهو مبطل مطلقًا، وأن هذا قبل تحريم الكلام فقد سها كما مربيانه في مبحث الكلام، وعمدتهم في ذلك ما مر عن الزهري وقد علم أنه غلط واضح وزعم أنه لو كان بعد التحريم لأنكر عليهم عدم التسبيح برده أن مشروعية التسبيح متأخرة عن إسلام أبي هريرة أيضًا؛ لأنه إنما جاء من حديثه وحديث سهل بن سعد وهو من أحداث الصحابة؛ لأن سنه يوم موته 2 98 خمس عشرة سنة على أن سبب كلامهم اعتقادهم النسخ. (وَلَمْ يَقْصُرِ الصَّلَاةُ) في الواقع أيضًا ثم لما قال ذلك استشعر أن مثل ذي اليدين لا يقدم على مثل هذا الكلام بحضرة الصحابة إلا بعد تحقق وقوع شيء، فاستثبت الأمر بسؤال الصحابة. (فَقَالَ) لهم: ثم رأيت في رواية ما يؤيد ما قلته وهي (لم تقصر ولم أنس))(١) فقال: بلى قد نسيت يا رسول الله فلما جزم بالنسيان استثبت و 95 فقال لهم: (أ) وقع مني أني تركت نصف الصّلاة (كَمَا يَقُولُ) عدل عن ((قال)» لتصوير صورة الحال الماضية حتى يستحضر ويتأمل. (ذُو الْيَدَيْنِ) فيه جواز التلقيب للتعريف لا للتشيين، وإنما لم يرجع لمجرد إخباره مع عدالته لما مر أنه لا يجوز العمل في الزيادة أو النقص المخالف لاعتقاد المصلي بخبر الغير إلا إن بلغوا عدد التواتر، فاحفظ ذلك وأعرض عما سواه، ثم رأيت بعضهم أشار لذلك وبه يندفع قول من قال: فيه دليل على أن الثقة إذا انفرد بخبر عن [ ... ] بحضرة جمع، واتحد المجلس وامتنع عادة غفلتهم عن ذلك ولم يكذبوه لم يقبل خبره. ووجه اندفاعه أن عدم قبوله ليس لعدم قبول خبره بل لعدم جواز تقليده الذي صرح به قوله في الخبر السابق: ((وليينٍ على ما استيقن))(٢) على أنه إذا وجد ذلك ولم (١) أخرجه ابن ماجه (١٢٧١)، والبيهقي (٤٠٧٤). (٢) أخرجه مسلم (٥٧١)، وأحمد (١١٧٩٩)، وأبو داود (١٠٢٤)، والنسائي (١٢٣٨)، وابن ماجه (١٢١٠)، ٢٦٨ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الرابع يكن لهم حامل على السكوت ولا جواز تواطئهم على الكذب أفاد القطع بصدقه، لكنه نظري لا صوري بخلاف المتواتر نعم، فيه دليل لمسألة وقع الخلاف فيها بين أهل السنة والشيعة، وهي إذا انفرد واحد عن جمع بخبر يتوفر دواعيهم على نقله ويستحيل خفاؤه عليهم، فعامة أهل السنة على أنه يقطع بكذبه لا حالة العادة كتمهم لمثل هذا الخبر. ومن هذا يحصل العلم القطعي بكذب من ادعى أنه وَلهو نص على أمانة إمام معين بعده بحضرة الملأ وسكتوا عنه إلا آحادًا منهم، وزعموا أن سننًا كثيرة نقلت آحادًا مع توفر الدواعي كالمعجزات، وليس كما زعموا بل كل ما الأمر فيه جلي وهو من الأمور الكبار نقله مستفيضًا أو متواترًا التواتر المعنوي لانشقاق القمر، وحنين الجذع ورفع اليدين عند تحرم الصّلاة وما في معنى ذلك. ووجه دلالة هذا الحديث لأهل السنة أن الصحابة كلهم عدول، فلما انفرد عنهم ذو اليدين بإخباره ◌َلّ بنسيانه مع توفر الدواعي على نقله لتعلقه بالصّلاة التي أعظم دعائم الإسلام توقف لعدالة الناقل حتى سألهم فوافقوه فتذكروني قيل: وفي الحديث دليل لرد الرواية الشاذة وهي أن ينفرد الثقة بحديث يخالف فيه الناس. انتهى. ويرد بنحو ما مر أنه لم يعمل بالخبر قبل موافقتهم له ولا بعدها وإنما عمل بتذكره، وبهذا يرد أيضًا على من استدل بالحديث على الترجح بالكثرة أو بالعلو في الفضل والضبط والحفظ (فَقَالُوا: نَعَمْ). وفي رواية للبخاري: ((صدق لم تصل إلا ركعتين)(١) فحينئذٍ تيقن ◌َلو أنه ترك ركعتين إمَّا لتذكره أو لكونهم عدد التواتر أو لإخبار الله له بالحال كما مر آنفًا عن ابن أبي شيبة (٤٤٠٣)، ومالك (٢١٤)، وعبد الرزاق (٣٤٦٦). (١) أخرجه مسلم (١٣١٦)، ولم أقف عليه عند البخاري. ٢٦٩ تتمة کتاب الصّلاة/ باب السهو رواية أبي داود، وقد مر ثم أن قوله: (وليينٍ على ما استيقن))(١) يمنع الأخذ بقول الغير الذي لم يبلغ التواتر قبل التذكر. ومما يصرح بذلك أنه * سأل هنا وفي حديث عمران الآتي، ولم يسأل في حديث معاوية الآتي، فدل ذلك على أنه لما لم يتذكر سأل حتى تذكر، ولما تذكر لم يسأل بل رجع للصلاة بمجرد إخبار طلحة له بالسهو مع مساواته لذي اليدين في العدالة، فالاستفهام فيه لطلب التصديق. واحتج مالك وأحمد بقولهم: ((نعم)) على أن جواز الكلام لمصلحة الصّلاة وليس كما قال لما مر أن من خصائصه . كما صرحت به الأحاديث الصحيحة: إنه يجب إجابته في الصَّلاة بالقول والفعل وإن كثر وإلا تبطل الصَّلاة به، وحينئذٍ لا يحتاج إلى ما روي عن ابن سيرين أنهم لم يقولوا: ((نعم)) بل أومؤوا بالإشارة، ثم رأيت رواية صحيحة: ((إنهم أومؤوا))(٤) أي: نعم. ولا تنافي بينهما وبين رواية: ((قالوا: نعم)»(٣) أو («صدق ... إلى آخره))(٤) لما قاله الشافعي: إن من ظن منهم النسخ بأن لم يسمع قوله لم يقصر بكلمة، ومن ظن السهو أومأ وإنما يتم هذا عند من يقول متعدد الرواية وتعدد القضية. أمَّا عند اتحاد الراوي والقصة فأبو هريرة لم يصدر منه إلا حكاية القول وحده أو الإشارة وحدها، فيكون إحداهما من تصرف الرواة ولو استدل لمالك وغيره برواية: (بلى قد نسيت يَا رَسُولَ الله))(٥) لكان أظهر؛ لأنه وَّ بعد أن بين له أنه لم ينس ولم يقصر لم يبق له عذر في الكلام إلا ظنه أن فيه تنبيهًا على سهوه حتى يكمل، وهذا من (١) تقدم تخريجه. (٢) أخرجه البيهقي (٤١٠١). (٣) تقدم تخريجه. (٤) تقدم تخريجه. (٥) أخرجه البخاري (١٢٢٩). ٢٧ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الرابع مصلحة الصّلاة فهو متعمدة لمصلحتها وأقره ميلي على صحة صلاته، وقد يجاب بأنه يحتمل أنه إنما تكلم لجهله بحرمة الكلام لمصلحتها، فلذا لم تبطل صلاته لعذره بهذا الظن، وحينئذٍ فليس فيه دليل على جواز الكلام لمصلحتها من العابد العالم الذي الكلام فيه فتأمله. ثم رأيت بعضهم أجاب عنها بأنها وقعت جوابًا له وَ له وجوابه لا يبطل الصّلاة، وهو ◌َ لم يسأل ذا اليدين بل غيره فكان متبرعًا بتحقيق قوله أولاً بعد سماعه: ((لم أنس ولم تقصر))(١) فتعين ما أجبت به واندفع ما سواه. (فَتَقَدَّمَ) يمشي إلى محل صلاته إِمَّا لقربه فلم يمش إلا خطوتين، وإِمَّا لبعده ولكنه لم يوال خطواته فهي واقعة حال فعلية محتملة فلا دليل فيها لجواز الفعل الكثير المتوالي في الصّلاة. (فَصَلَّى مَا تَرَكَ) فيه أوضح حجة على بعض أصحاب أبي حنيفة في زعمه: ((إن سلام التحلل سهوًا يبطل الصّلاة)) وما رووه عن عمر: إنه ((لم يبنٍ))(٩) منقطع على أن سببه أنه تكلم بكلام أجنبي. (ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ) بمعنى الواو، ونسخ ذلك أو وقع سهوًا أيضًا على ما مر بسطه بدلیلہ (گبر) في رواية لأبي داود: ((فكبر ثم كبر وسجد للسهو)»(٣) وبها أخذ من قال: لا بد في سجود السهو بعد السلام من تكبيرة الإحرام، والجمهور اكتفوا بتكبيرة السجود أخذًا بما في غالب الأحاديث الصحيحة وبأن تلك الرواية شاذة فلا يعمل بها. (وَسَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ) الذي في الصّلاة ومن ثم غلط أنه مثله في الواجبات والشروط والسنن من الذكر وغيره كما مر (أَوْ أَطْوَلَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ وَكَبَّرَ) فيه دليل على (١) تقدم تخريجه. (٢) تقدم تخريجه. (٣) أخرجه بنحوه البيهقي في معرفة السنن والآثار (١٢٤٨)، ولم أقف عليه عند أبي داود. ٢٧١ تتمة كتاب الصلاة/ باب السهو وجوب الجلوس بين السجدتين، وأنه مثل الجلوس بين سجدتي الصّلاة في الواجبات والشروط والسنن أيضًا. (ثُمَّ كَبَّرَ) للهوي (وَسَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ أَوْ أَطْوَلَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ وَكَبَّرَ، فَرُبَّمَا سَأَلُوهُ) أي: الناس ابن سيرين فقالوا له: هل أتى بذلك؟ (ثُمَّ سَلَّمَ) بعده سلامًا آخر. (فَيَقُولُ: نُبِّئْتُ أَنَّ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ قَالَ: ثُمَّ سَلَّمَ) لا يقال: هذا منقطع لا يحتج به؛ لأن ابن سيرين لم يدرك عمران بن حصين ولم يذكر الواسطة بينهما؛ لأن الحديث متصل كما يأتي عن مسلم لكن يخدش فيه أن الذي روى لابن سيرين ذلك ظن أن قضية عمران هي قضية أبي هريرة، فحكم على هذه بما في تلك، وقد وهم في ذلك لما يأتي أنهما واقعتان وأن الجمع بينهما متعذر. (مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ) أي: على المقصود منه فلا ينافيه خلو حديث مسلم عن ذكر وضع اليد والتشبيك وطرق حديث ذي اليدين كثيرة جدًّا حتى قال ابن عبد البر: لیس في أخبار الآحاد أکثر طرقًا منه إلا قليلاً. انتهى. فهو من قسم المستفيض المسمى بالمشهور، والمحققون من المحدثين وجماعة من أئمتنا في الأصول على أنه يفيد العلم النظري كما أن المتواتر يفيد العلم اليقيني، والمحققون من الأصوليين على أن خبر الواحد قد ينضم إليه من القرائن ما يصيره مفيدًا للعلم، واختار ابن الصلاح أن أحاديث الصحيحين تفيد العلم النظري؛ أي: إلا فيما وقع فيه من رواتهما خلاف قوي في عدالته. (وَلَفْظه للبُخَارِي) وفيه دليل على أن من سها بأشياء متعددة في صلاة واحدة (فإنه ◌َير وتكلم واستدبر القبلة ومشى ولم يزد على سجدتين أجزاء عن الكل سجدتان)) وهو مذهب عامة الفقهاء، وشذ الأوزاعي فقال: ((يلزمه لكل سهو)) لأنه ضعيف منقطع وبفرض صحته ووصله هو مؤول ومعارض بحديث ذي اليدين الذي هو أصح منه، وعلى الأول إن نوى السجود عن الكل وأطلق حصل له خبر الكل، وإن نواه غير معين خبر وفاته جبر الباقي، وعلى أن سجدتي السهو لا تشهد بعدهما فهو ٢٧٢ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الرابع بعدهما مكروه، وعلى أن التحول عن القبلة سهوًا لا يؤثر في البطلان. كذا قيل: ويحتاج قائله إلى أن يثبت أنه وال تحول عن القبلة وكونه ذهب إلى بيته لا يقتضيه؛ لأنه يمكن الذهاب إليه من محرابه دير مع عدم الالتفات عن القبلة، وعلى أن الأفعال النافية لا تمنع العود إلى الصّلاة مطلقًا خلافًا لمن خصه بمورد النص، ومحله عندنا إن لم نطل الفصل ولا كثرت الأعمال ولا حصلت عليه نجاسة. (وَفِي أُخْرَى لَهُمَا: فَقَالَ رَسُولُ اللّه ◌َ: بَدَلَ: لَمْ أَفْسَ، وَلَمْ تَقْصُرْ: كُلُّ ذَلِكَ لَمْ يكُنْ) أي: في ظني هي بمعنى تلك لإفادتها أنه لم يكن واحد من السهو والقصر لما اشتملت عليه من تأكيد المسند والمسند إليه المانع لحمل واحد منهما على البعض، ومن ثم قالوا: إذا تقدمت ((كل)) النفي كانت لنفي كل فرد لا لنفي المجموع بخلاف ما إذا تأخرت، ومن زعم أنها هنا لنفي المجموع فقد سها سهوًا بيِّنًا وغلط غلطًا فاحشًا لمخالفته ما أجمع عليه البيانيون وغيرهم، ولما يلزم عليه من بطلان قول ذي اليدين وهو من العرب العرباء المحتج بكلامهم قد كان بعض ذلك. ومن بطلان قوله ◌َله في الرواية السابقة: (لم أنس ولم تقصر)) ومن ثم امتنع أن يقال: ((كل ذلك لم يكن)) بل بعضه بخلاف ((لم يكن كل ذلك)) إذ لم يسن فيه تأكيد أصلاً، فيصح أن يقال: بل بعضه، وفيه إشارة أن ذا اليدين لم يستعمل الهمزة وأم في موضعهما في تعيين أحد المسنونين، ومن ثم كان جوابه بتعيين أحدهما، فلما عدل عنه بنفي كل منهما صار كأنه يقول له: كيف تسأل بما تقتضي وقوع أحدهما. والحال أنه لم يقع واحد منهما لكن أجاب ذو اليدين عن نفسه بقوله: (وَكَانَ بَعَضُ ذَلِكَ) أي: في الواقع (يَا رَسُولَ الله) أي: فقد استعملت أم والهمزة في موضعهما من طلب تعيين أحد المسنونين المتيقن وقوع أحدهما، وبما قررته من أن المراد فلم أنس ولم تقصر وبـ((كل ذلك لم يكن)) أي: في ظني، وبقوله: ((قد كان بعض ذلك)) أي: في الواقع، وقوله: ((بلى نسيت)) أي: لأنه إذا انتفى القصر تعين النسيان؛ إذ لا ثالث لهما لما مر أن السهو والنسيان مترادفان وأنهم ردوا على من زعم أنه لا يجوز النسيان عليه ٢٧٣ تتمة كتاب الصلاة/ باب السهو اندفع قول من قال: إنما أجاب بـ((بلى قد نسيت)) لأنه نفى الأمرین. وكان مقررًا عند الصحابة: السهو غير جائز عليه في الأمور البلاغية يجزم بوقوع النسيان لا القصر، وهو حجة لمن قال: إن السهو جائز على الأنبياء فيما طريقه الشرع، وإن نقل عياض الإجماع على عدم جواز دخول السهو في الأقوال التبليغية وخص الخلاف بالأفعال لكنهم تعقبوه، نعم اتفق من جوز ذلك على أنه لا يقر علیه بل ينبه عليه متصلاً بالفعل أو بعده كما هنا؛ لأنه قال: ((لم أنس ولم تقصر)) ثم تبين أنه نسي. انتهى. ووجه اندفاعه أن المقرر إنما هو امتناع السهو والنسيان في الأمور القولية والفعلية التي يريد أن يبلغها عن الله لا فيما تعبد به لله من الأفعال، فهذا يقع السهو والنسيان منه فيه حتى يبين للأمة حكم ذلك لو وقع منهم، وقوله: ((وهو حجة ... إلخ)) لا يلتئم مع ما قبله ومن منع السهو منه أجاب من هذا الحديث بأجوبة بعيدة لا معول عليها، کیف وقد أقره على قوله: (بلی قد نسیت)). وقال في حديث ابن مسعود السابق قريبًا: ((إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون ... إلخ))(١). وخبر: ((إني لا أنسى لأسن)»(٢) رواه مالك من بلاغاته وردوه بأنه لم يوجد موصولاً بعد الحنث الشديد وله بلاغات ثلاث كذلك قاله ابن البر، وبهذا تبين بطلان الجواب عن قوله السابق: ((لم أنس)) أي: بل أنسيت. وأيضًا لو كان هذا هو المراد لم يصح قول ذي اليدين له: ((بل قد نسيت)) وذمه * إضافة نسيان الآية إلى النفس لقوله: ((بئسما لأحدكم أن يقول: نسيت آية كذا ... إلخ)) لا يلزم منه إنكار إضافة نسيان غيرها للنفس لوضوح الفرق بينهما؛ إذ يقبح بالإنسان إضافة نسيان كلام الله إلى نفسه لإشعاره بالتهاون في استذكاره وبحفظه، (١) تقدم تخريجه. (٢) تقدم تخريجه. ٢٧٤ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الرابع وكذلك عقب 18 قوله: ((بئسما ... إلى آخره)) بقوله: ((استذكروا القرآن فوالذي نفسي بيده لهو أشد تفصيًا من صدور الرجال من النعم من عقلها)(١). وقيل: معنى ((لم أنس)) أي: السلام بل سلمت قصدًا لاعتقادي الإكمال، وهو يؤول لما مر؛ أي: لم أنس شيئًا من أعمال الصّلاة في اعتقادي، فجعل بعضهم هذا غير ذاك، وقوله: ((إن هذا جهل)) ليس في محله، ثم رأيت بعضهم حكى هذا القول على وجه آخر واستبعده وبه يتأيد ما ذكرته فقال: معناه سلمت قصدًا وسهوت عن العذر، فنفى السهو في نفس السلام لا في غيره، وهذا كلام صحيح، ويبعده أن مقتضاه أنه كان عالمًا بسهوه في العذر، ويبطله قوله: أحق بالتبليغ يقول ذو اليدين: ((فإنه سألهم: هل سها؟» وتنبيه علم مما يقرر وغيره أن ما يقع على جهة التبليغ عن الله تعالى من أقواله ول الآن لا تقبل الحلف عمدًا ولا سهوًا بإجماع الأمة، ومن جوز السهو في ذلك فقد أتى بأمر أمر. وأمَّا أقواله في الدنيا وأحوال نفسه فمعصوم فيها كذلك في حال الرضا والغضب والجد والمزح والعمد والسهو بإجماع الصحابة ومن بعدهم من السلف؛ إذ لم ينقض حلفه في شيء من ذلك مطلقًا. وأمَّا إشارته لعدم تلقيح النخل فهو أمر دنيوي لا خبر وتشريع، والكلام إنما هو فيهما وكذا حلفه على ألّا يفعل وتكفيره ثم فعله ليس من ذلك القبيل، فالصواب على سقوط المروءة وعلى ارتفاع الثقة بالقول وعلى التشكل في الصدق بالمرة الواحدة، فالصواب تنزيه منصب النبوة مطلقًا عن ذلك كله. ومر أن قوله: ((لم أنس ولم تقصر)) إنما هو باعتبار ظنه، وهذا هو الصواب الأسلم عن الاعتراض، وقد ذهب قوم إلى أن مدلول اللفظ الخبري هو الأمر والنهي، ولهذا لا يحسب الجاهل عندنا لعذره وعدم انتهاكه لحرمة الاسم. ١٠١٨ - [وَعَنْ عَبْدِ الله ابْنِ بُجَيْنَةَ ﴿ أَنَّ النَّبِيَّ ◌َّهِ صَلَّى بِهِمُ الظُّهْرَ فَقَامَ فِي (١) أخرجه البخاري (٤٧٤٤)، ومسلم (٧٩٠)، وأحمد (٣٩٦٠)، والنسائي في الكبرى (٨٠٤٠)، وابن حبان (٧٦٣)، والطيالسي (٢٦١)، وابن أبي شيبة (٢٩٩٩٤)، والبزار (١٦٥٦)، وأبو يعلى (٥١٣٦). ٢٧٥ تتمة كتاب الصلاة/ باب السهو الرَّكْعَتَيْنِ الأُولَتَيْنِ لَمْ يَجْلِسْ، فَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ حَتَّى إِذَا قَضَى الصَّلاَةَ، وَانْتَظَرَ النَّاسُ تَسْلِيمَهُ، كَبَّرَ وَهْوَ جَالِسُ، فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ ثُمَّ سَلَّمَ. مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ](١). (وَعَنْ عَبْدِ اللهِ ابْنِ بُحَيْنَةً لِ أَنَّ الَّبِيَّ ◌َ صَلَّى بِهِمُ الظُّهْرَ فَقَامَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ لَمْ يَجْلِسْ، فَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ) فيه دليل لمذهبنا أنه يجب متابعة الإمام وترك التشهد الأول، فإن لم يتابعه وتشهد عامدًا عالمًا بطلت صلاته (حَتَّى إِذَا قَضَى الصَّلَاةَ، وَانْتَظَرَ النَّاسُ تَسْلِيمَهُ، كَبَّرَ وَهْوَ جَالِسْ، فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنٍ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ ثُمَّ سَلَّمَ). وفي روايات ضعيفة: ((إنه سجد)) ولا معول عليها ولا على تأويل السجود بأنه سجود الصّلاة لا السهو، ولا بأن السلام وقع بعد السجود سهوًا بل كل ذلك باطل لا دليل عليه، بل صريح الحديث يرده وسجوده عمد بعد السلام اجتهاد منه، فزعم أنه ناسخ لهذا الحديث ليس في محله؛ إذ لا يوافق كلام الأصوليين والمحدثين. (مُتَّفَقَّ عَلَيْهِ) وفي رواية لهما أيضًا: ((وسجدهما الناس معه مكان ما نسي من الجلوس)(٢) أي: للتشهد الأول، ويؤخذ منه أن سجود السهو آخر الصّلاة وأنه لا تشهد بعده كما يأتي: ((فلو سجد للسهو قبل التشهد بطلت صلاته إن علم وتعمد وإلا أعاده بعده وقبل السلام)). وفي رواية عند ابن خزيمة: «إنه لما قام ولم يجلس للسجود سبحوا له فمضى في صلاته ولم يرجع إليهم))(٣) ومنها يستفاد إن فرض أنه علم منهم تركه للتشهد أن الإمام ومثله المنفرد إذا قام عن التشهد الأول لا يجوز له الرجوع، وإن فرض أنه لم يعلم منهم ذلك كان فيه دليل على أن الإمام يجوز له أن يرجع إلى المأمومين وإن كثروا إلا إن تذكروا وبلغوا عدد التواتر كما مر. (١) أخرجه البخاري (٨٢٩)، وأحمد (٢٣٦٣٥)، والبيهقي (٢٩١٥). (٢) أخرجه البخاري (١٢٣٠)، ومسلم (١٢٩٨)، وأحمد (٢٣٦٣٣)، والترمذي (٣٩٢)، والنسائي (١٢٦٠). (٣) أخرجه بنحوه الطبراني في الكبير (١٧٣٧٤)، ولم أقف عليه عند ابن خزيمة. ٢٧٦ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الرابع وفي الأحاديث السابقة دليل على أن المأموم يلزمه السجود مع إمامه وإن لم يحصل منه سهو، كذا قيل: فاعترض بأنهم كلهم سهو بالسلام واجب بأن المسألة إجماعية فإن تخلف عنه عامدًا عالمًا بطلت صلاته ولو ترك الإمام السهو وسلم فعله المأموم، وبه قال مالك وآخرون خلافًا لأبي حنيفة وغيره، والمسبوق عندنا تتابع الإمام ثم يسجد آخر صلاته. (الفصل الثاني) ١٠١٩ - [عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ - رَضِي الله عَنهُمَا - أَنَّ رَسُولَ اللهِوَ صَلَّى بِهِمْ فَسَهَا فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنٍ ثُمَّ تَشَهَّدَ ثُمَّ سَلَّمَ. رَوَاهُ التِّزْمِذِيّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ غَرِيبٌ](١). (عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ - رَضِي الله عَنهُمَا - أَن رَسُول اللّه وَّهِ صَلَّى بِهِمْ فَسَهَا فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ ثُمَّ تَشَهَّدَ ثُمَّ سَلَّمَ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيث حَسَنُّ غَرِيبٌ) انفرد رواته بزيادة التشهد مع مخالفته لبقية الرواة مع كثرتهم وحفظهم وإبقائهم وعدم لحوقهم بينهم، ورواه البيهقي من وجه آخر وقال: هذا غير قوي ومختلف في رفعه ووقفه فيه رواية أخرى ولا يقال: لعله باجتماعهما يرتقي لدرجة الحسن؛ لقول ابن عبد البر والنووي وغيرهما، ولا يثبت هنا من وجه صحيح إذا علمت ذلك علمت ضعف أخذ جمع من متأخري أئمتنا من ذلك الحديث أن الأصح أن التشهد بعد سجود السهو مندوب، بل ادعى الشيخ أبو حامد إمام أصحابنا الاتفاق على ذلك. قالوا: ودعوى الترمذي غرابته لا يؤثر؛ لأن غايته أنه كالضعيف وهو يعمل به في الفضائل اتفاقًا، وكل ذلك ضعيف والأصح عندنا أنه لا يسن بعده تشهد، ودعوى الشيخ المذكورة يعارضها قول القاضي من أصحابنا: لا يختلف المذهب أنه لا يتشهد بعده، وبين جماعة أن القول بالتشهد مبني على القول القديم: إن محل السجود بعد (١) أخرجه الترمذي (٣٩٧)، وأبو داود (١٠٤١)، والنسائي (١٢٨٥)، والبيهقي (٤٠٦٣). ٢٧٧ تتمة كتاب الصلاة/ باب السهو السلام. وأمَّا استدلال الأولين بالحديث فيرد بأن محل العمل بالضعيف في الفضائل ما إذا لم يعارضه حديث صحيح، وهنا قد عارضه الحديث الذي قبل الفصل وهو صريح في أن سجود السهو وقع بعد انقضاء الصّلاة وأنه لا تشهد بعده، وللعلماء في هذه المسألة خلاف طويل وتفاصيل محل بيانها كتب الخلاف، ونقل عن قول الشافعي بوجوب تشهد بعدهما غلط. ١٠٢٠ - [وَعَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ:((إِذَا قَامَ الإِمَامُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ، فَإِنْ ذَكَرَ قَبْلَ أَنْ يَسْتَوِيَ قَائِمًا فَلْيَجْلِسْ، وَإِنِ اسْتَوَى قَائِمًا فَلَا يَجْلِسْ، وَيَسْجُدُ سَجْدَتَيِ السَّهْوِ)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وابْن مَاجَه](١). (وَعَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّ: إِذَا قَامَ الإِمَامُ) ومثله المنفرد (في الرَّكْعَتَيْنِ) أي: بعدهما وترك التشهد الأول ناسيًا ومثله الجهل بمشروعيته (فَإِنْ ذَكَرَ قَبْلَ أَنْ يَسْتَوِيَ قَائِمًا فَلْيَجْلِسْ) ندبًا؛ لأنه لم يتلبس بفرض؛ ولهذا صرفنا الأمر عن حقيقته من الوجوب إلى الندب. وظاهر الحديث أن قوله الآتي: ((ويسجد سجدتي السهو)) خاص بالقسم الثاني فلا يسجد هنا للسهو وإن كان إلى القيام أقرب وهو الأصح عند جمهور أصحابنا، وصحح النووي في عدة من كتبه واستدل له بالحديث الصحيح: ((لا سهو في وثبة الصَّلاة إلا قيام عن جلوس أو جلوس عن قيام))(٢). (وَإِنِ اسْتَوَى قَائِمًا فَلَا يَجْلِسْ) لتلبسه بفرض فلا يقطعه لنفل، فإن جلس عامدًا عالمًا بطلت صلاته لزيادته ركنًا عمدًا أو ناسيًا أو جاهلاً لم تبطل صلاته (١) أخرجه عبد الرزاق (٣٤٨٣)، وأحمد (١٨٢٤٧)، وأبو داود (١٠٣٦)، وابن ماجه (١٢٠٨)، والبيهقي (٣٦٦١). (٢) أخرجه الحاكم (١٢١٢) وقال: صحيح الإسناد. والبيهقي (٣٦٦٩) وقال: هذا حديث ينفرد به أبو بكر العنسي وهو مجهول. والدارقطني (٣٧٧/١). ٢٧٨ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الرابع ويلزمه القيام عند التذكر والعلم (وَيَسْجُدُ سَجْدَتَيِ السَّهْوِ) سواء أعاد ناسيًا أو جاهلاً؛ لأنه زاد جلوسًا في غير موضعه وترك التشهد والجلوس في موضعه أم لم يعد لترکه التشهد الأول وجلوسه. وخرج بقولي: ((ناسيًا)» الدال عليه سياق الحديث ما لو قام وترك التشهد الأول عمدًا، فإن عاد عمدًا وقد صار للقيام أقرب بطلت صلاته أو قبله فلا، ويؤخذ من حديث: ((إنما جعل الإمام ليؤتم به))(١) أنه إذا تركه للإمام لم يتخلف المأموم له، فإن فعل عامدًا عالمًا بطلت صلاته ما لم ينو مفارقته، وإن عاد له الإمام فينتظره المأموم قائمًا لاحتمال أنه إنما عاد سهوًا أو جهلاً، ولو تركه المأموم وحده وانتصب، فإن كان ناسيًا لزمه العود أو عامدًا سن له، والفرق أن الناسي فعله كلا فعل مع عذره به، فكان قيامه كالعدم فلزمته المتابعة، والعامد له قصد صحيح؛ لأنه انتقل عن واجب المتابعة إلی واجب القیام فیخیر بین العود وعدمه. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وابْن مَاجَه) وله شواهد صحح الترمذي بعضها وابن حبان والحاكم وقال على شرط الشيخين باقيها، وبه يرد قول البيهقي: لا يحتج به، ومن ثم قال عقب ذلك غير أنه روي من وجهين، وبهذا تبين أن معنى قوله: لا يحتج به؛ أي: على انفراده، وإنما يحتج به مع انضمام شواهده إليه. (الفصل الثالث) ١٠٢١ - [عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ - رَضِي اللّه عَنهُمَا - أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَل﴿ِ صَلَى الْعَصْرَ وَسَلَّمَ فِي ثَلَاثِ رَكَعَاتٍ، ثُمَّ دَخَلَ مَنْزِلَهُ فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلَّ يُقَالُ لَهُ: الْخِرْبَاقُ، وَكَانَ فِي يَدَيْهِ طُولُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، فَذَكَرَ لَهُ صَنِيعَهُ فَخَرَجَ غَضْبَانَ يَجُّ رِدَاءَهُ حَتَّى انْتَهَى إِلَى النَّاسِ، فَقَالَ: (أَصَدَقَ هَذَا)). قَالُوا: نَعَمْ، فَصَلَى رَكْعَةً ثُمَّ سَلَّمَ ثُمَّ سَجَدَ (١) أخرجه البخاري (٧٠٠)، ومسلم (٤١١)، ومالك (٣٠٤)، والطيالسي (٢٠٩٠)، وأحمد (١٢٠٩٥)، وابن أبي شيبة (٧١٣٤)، وأبو داود (٦٠١)، والترمذي (٣٦١)، والنسائي (٧٩٤)، وابن ماجه (١٢٣٨)، وابن حبان (٢١٠٢). ٢٧٩ تتمة كتاب الصلاة/ باب السهو سَجْدَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ رَوَاهُ مُسْلِمْ﴾(١). (عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ - رَضِي الله عَنهُمَا - أَنَّ رَسُولَ الله ◌ِهِ صَلَّى الْعَصْرَ وَسَلَّمَ فِي ثَلَاثِ رَكَعَاتٍ، ثُمَّ دَخَلَ مَنْزِلَهُ) وفي رواية: ((حجرته»(٢) وكأنه یأتي حتی ناداه ذو اليدين بما مر فرجع ليسأل الصحابة عن ذلك. (فَقَّامَ إِلَيْهِ رَجُلُّ يُقَالُ لَهُ: الْخِرْبَاقُ، وَكَانَ فِي يَدَيْهِ طُولٌّ) وهو ذو اليدين السابق كما قاله المحققون، وليس ذا الشمالين خلافًا لمن وهم فيه هنا أيضًا كالشارح فسماه باسم ذي الشمالين، ثم رأيت العلائي صرح بما ذكرته فقال: قال ابن الجوزي في اسم ذي الیدین قولان: أحدهما: عمر بن عبد عمرو بن فضلة السلمي ذكره الأكثرون. والثاني: خرباق أبو بكر الخطيب. وقال: وقد قيل: إنه ذو الشمالين وليس بصحيح قلت: وعمير بن عبد عمرو بن فضلة هو ذو الشمالين لا ذو اليدين، وابن الجوزي وهم في هذه التسمية. انتهى. وذهب أبو حاتم بن حبان إلى أن الخرباق غير ذي اليدين وذي الشمالين. ووقف ابن عبد البر والقرطبي فقال: لا يحتمل أن يكون الخرباق ذو اليدين وأن يكون غيره. (فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله، فَذَكَرَ لَهُ صَنِیعَهُ) من تسلیمه من ركعتين وأن ذلك هل هو النسيان أو القصر للصلاة؟ (فَخَرَجَ غَضْبَانَ يَجْرُّ رِدَاءَهُ حَتَّى انْتَهَى إِلَى النَّاسِ) أي: مع عدم توالي المشي إن فرض أنه كثير وإلا فلا إشكال، والحاصل أنها واقعة حال فعله احتملت كما مر. (فَقَالَ: ((أَصَدَقَ هَذَا)). قَالُوا: نَعَمْ، فَصَلَّى رَكْعَةً) فيه أوضح الرد على من زعم أن (١) أخرجه مسلم (١٣٢١)، وأبو داود (١٠٢٠)، والنسائي (١٢٤٥)، وابن أبي شيبة (٤٤١٦)، والطبراني (٤٦٧). (٢) لم أقف عليه. ٢٨٠ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الرابع البناء إنما يجوز إذا وقع السلام سهوًا من ركعتين لا غير وعلل بما يشبه التحكم، وظاهر العطف بالفاء في الكل أنه وتليه عاد على القرب، ومن ثم ذهب جمهور العلماء إلى أن شرط البناء ألَّا يطول الفصل والاستئناف، وما وقع هنا وفي قصة ذي اليدين ومعاوية قصیر عرفًا ولا ینافي هذا من قال: إن الواقع منه أفعال کثیرة؛ لأنها قد تكثر مع قصر الزمن كما هو واضح. وفي الحديث أيضًا أوضح الرد على من زعم افتقار العود إلى تكبيرة الإحرام، وهو قول جمع من المالكية؛ إذ لم ينقل أحد أنه لو كبر للإحرام بل بين البناء وتكبيرة الإحرام تناقض كما قاله ابن عبد البر. (ثُمَّ سَلَّمَ ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وفيه المخالفة لحديث أبي هريرة من وجهين: کون السلام ثم من رکعتین وهنا من ثلاث. وكونه ثم اعتمد على خشبة في المسجد وهنا دخل منزله فتعين كما قاله جماعة من الأئمة الجامعين بين الفقه والحديث: إن هذه واقعة أخرى ولا مانع خلافًا لمن ظنه أن ذا اليدين هو المتكلم في كل منهما، وتمحل بعضهم للجمع بينهما وجعلهما واقعة واحدة بما فيه تعسف وخفاء لا حاجة إليهما. وموافقة ابن عمر لأبي هريرة # على سياقه لا يقتضي ترجيحه إلا عند من يرى اتحاد الواقعة ونحن لا نقول به، ومما يؤيد التعدد أنها تعددت مرة ثالثة، فقد صح عن معاوية بن حديج بضم الحاء المهملة فمهملة مفتوحة فتحتية فجيم الكندي التجيبي بضم الفوقية وكسر الجيم المصري وإسلامه قبل موته * بشهرين (إنه وتيقول صلى المغرب فسلم من ركعتين)) فقال طلحة بن عبيد الله: ((نسيت ركعة، فرجع فدخل المسجد فأمر بلالاً فأقام الصّلاة فصلى بهم ركعة))(١). (١) لم أقف عليه.