النص المفهرس

صفحات 141-160

١٤١
تتمة كتاب الصّلاة/ باب الصّلاة على النبي ◌َيّة وفضلها
حبان وصححه (عَنِ الْحُسَيْنِ) بالتصغير (ابْنِ عَلَيِّ رَضِيَ الله عَنْهُمَا) عن النبي
(وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: هَذَا) يعني: الحديث الأول (حَدِيثُ حَسَنُ صَحِيحٌ) ووقع في نسخة
من «جامعه» زيادة: (غَرِيب).
وفي رواية عند جمع: عن الحسين عن النبي: وَل﴾ ((بحسب امرئ من البخل
أن أذكر عنده فلم يصلِّ عليّ»(١).
وفي أخرى: عن علي بن الحسين عن أبي هريرة﴾: ((البخيل كل البخيل من
ذكرت عنده فلم يصلِّ عليّ)) (٤) وطرق هذا الحديث مستنكرة جدًّا، ومر لذلك مزيد
أواخر الفصل الثاني.
وممن روى عنه عليّ وابناه الحسن والحسين وأنس وجابر وأبو هريرة *، وجاء
أيضًا من طريق عبد الله بن علي بن الحسين عن أبيه مرفوعًا قال بعض الحفاظ:
وبالجملة فلا يقصر هذا الحديث عن درجة الحسن.
وفي رواية رجالها ثقات: ((كفى بي شحًّا أن أذكر عند رجل فلا يصلي عليّ)(٢).
(تنبيه):
أصل البخل إمساك مانعي عن مستحقه، وهو ◌َلّ يستحق من أمته وجوبًا أو
ندبًا على الخلاف السابق أن يصلُّوا عليه مطلقًا ومقيدًا بما مر، ثم فمن أمسك منهم
عن ذلك كان أشر المسكين وأشح البخلاء المحرومين فيخشى عليه المقت والبوار،
وأن يكون من أهل العار والشنار والنار، أجارنا الله من ذلك بمنه وكرمه آمين.
٩٣٤ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَة ◌َ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهَِّ: مَنْ صَلَّى عَّ عِنْدِ قَبْرِي
سَمِعْته، وَمَنْ صَلَّ عَلَيَّ نَائِيًّا بَلَغْته. رَوَاهُ البَيهَقِي فِي (شُعَب الإِيمَان))] (٤).
(١) تقدم تخريجه.
(٢) تقدم تخريجه.
(٣) تقدم تخريجه.
(٤) نقدم تخريجه.

١٤٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الرابع
(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَة ◌َ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: مَنْ صَلَّى عَّ عِنْدِ قَبْرِي سَمِعْته)
فيه أعظم حث على زيادته والإكثار منها حيث لم يؤد إلى سقوط الحرمة والأدب كما
مر، ومن الصّلاة عليه عند قبره؛ لأنه حينئذ يسمعها سمعًا حقيقيًّا لما تقدم من حياته
في قبره، ولا ريب أن الصّلاة عليه في حضرته أعظم أجرًا أو أكثر إمدادًا وفوائد منها
في غيبته وإن بلغها وَلهم .
(وَمَنْ صَلَّى عَلَّ نَائِيًّا بَلَغْته. رَوَاهُ) ابن أبي شيبة والتيمي و(البَيهَفِي فِي ((شُعَب
الإِيمَان))) وفي رواية سندها جيد لا غريب خلاف لمن زعمه: ((من صلّى عند قبري
سمعته، ومن صلى عليّ من بعيد أعلمته))(١) ومر في هذا المعنى روايات متعددة يستفاد
من مجموعها أنه يبلغه، ثم يرد بنفسه مع الملائكة على المسلم وأن الصّلاة كذلك.
٩٣٥ - [وَعَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو - رَضِيَ الله عَنْهُمَا - قَالَ: مَنْ صَلَّى عَلَى النَّبِيِّ
﴿ وَاحِدَةً صَلَّى الله عَلَيْهِ وَمَلَائِكَتُهُ سَبْعِينَ صَلَاةً. رَوَاهُ أَحْمَد](٤).
(وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عمرو - رَضِيَ الله عَنْهُمَا - قَالَ: مَنْ صَلَّى عَلَى النَّبِيّ ◌َِّ
وَاحِدَةً صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَ) صلت عليه (مَلَائِكَتُهُ سَبْعِينَ صَلَاةً. رَوَاهُ أَحْمَدَ) وسنده
صحيح ومثله لا يقال من قبل الرأي، فله حكم المرفوع إلى النبي صل* وناهيك بهذا
من مضاعفة من حيث أن الصّلاة الواحدة عليه 4* حصل للمصلي في مقابلتها
سبعون صلاة من الله تعالى، وسبعون صلاة من كل واحد من ملائكته الذي مر في
مبحث الركوع ما يعلم منه أنه لا يحيط بهم عدّ ولا يحصيهم عقل ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ
رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ [المدثر: ٣١].
فأدم من ذلك لتحظى بعلي هذه الفوائد، وتنجو من سائر المحن والآفات
والمهالك ببركة سيد المرسلين ووسيلة المقربين، فصلِّ اللَّهُمَّ عليه أفضل صلاة وعلى آله
وصحبه عدد معلوماتك أبد الآ بدين آمین.
(١) تقدم تخريجه.
(٢) أخرجه أحمد (٦٩٢٥).

١٤٣
تتمة كتاب الصّلاة/ باب الصّلاة على النبي ◌َل وفضلها
٩٣٦ - [وَعَنْ رُوَيْفِعِ ﴿ أَنَّ رَسُولَ اللهِوَ قَالَ: ((مَنْ صَلَّى عَلَى مُحَمَّدٍ وَقَالَ: اللهُمَّ
أَنْزِلْهُ الْمَفْعَدَ الْمُقَرَّبَ عِنْدَكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَجَبَتْ لَهُ شَفَاعَتِي)). رَوَاهُ أَحْمَد](١).
(وَعَنْ رُوَيْفِعِ) ابن ثابت الأنصاري (﴿ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَ قَالَ: مَنْ صَلَّى عَلَى
مُحَمَّدٍ وَقَالَ: اللهُمَّ أَنْزِلْهُ).
وفي رواية: ((من قَالَ: اللَّهُمَّ صلِّ على محمد وأنزله)(٢).
(الْمَقْعَدَ الْمُقَرَّبَ) يحتمل أن المراد به الوسيلة، التي هي أعلى درجة في الجنة لا
تكون إلا له وسلم كما مر بسط ذلك في الأذان أو المقام المحمود، وهو مقام الشفاعة
العظمى في فصل القضاء المذكور في قوله تعالى: ﴿عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا
مُحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩] أو جلوسه على العرش أو المنزل العالي والقدر الرفيع، ولا مانع
من إرادة ذلك كله.
(عِنْدَكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) وفي رواية: ((المقرب عندك في الجنة))(٣).
(وَجَبَتْ) وفي رواية: ((حلت)) وهي بمعناها؛ أي: وقعت وتحتمت بمقتضى
وعد الله الصادق وإلا فهو تعالى لا يجب عليه لأحد من خلقه شيء أو معنى ((حلت))
نزلت، واللام في (له)) بمعنى ((على)) للرواية الصحيحة السابقة ((حلت عليه)) فعلى الأول
مضارعه يحل بكسر الحاء، وعلى الثاني بضمها وليس من الحل؛ لأنها لم تجزم قبل
ذلك.
(لَهُ شَفَاعَتِي) أي: نوع من أنواع شفاعاته ◌َلّ الخاصة ببعض أمته من رفع
درجة أو نحوها.
(رَوَاهُ أَحْمَد) والبزار وابن أبي عاصم وإسماعيل القاضي والطبراني في ((معجمه
(١) أخرجه أحمد (١٧٠٣٢)، والبزار (٢٣١٥)، وابن قانع (٢١٧/١)، والطبراني في الكبير (٤٤٨٠)،
والطبراني في الأوسط (٣٢٨٥).
(٢) أخرجه الطبراني (٤٤٨٠).
(٣) لم أقف عليه.

١٤٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الرابع
الكبير والأوسط)» وابن بشكوان وابن أبي الدنيا، قال الحافظ المنذري: وبعض أسانيدهم
حسن، ووقع في عدة نسخ من ((الشفا)) هنا عن زيد بن الخباب قال: ((سمعت رسول الله
وَال* ورد عليه بعض الحفاظ بأن زيدًا هذا ليست له صحبة، بل ولا هو من التابعين بل
ولا من أتباعهم)».
وورد من طرق في سندها ضعيف: ((إِنه ◌َ﴿ قَالَ: من قَالَ: جزى الله عنا
محمدًا وَيَ بما هو أهله - أي: الله إلى محمد وَلي - أتعب سبعين ملكًا ألف
صباح))(١).
وصح عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنه كان إذا صلى على النبي وَّم قال:
«اللّهُمَّ تقبل شفاعة محمد الكبرى، وارفع درجته العليا، وأعطه سؤله في الآخرة والأولى
کما أتیت إبراهیم وموسی)».
٩٣٧ - [وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ﴾ قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللهِ وَلِّ حَتَّى دَخَلَ
نَخْلاً، فَسَجَدَ فَأَطَالَ السُّجُودَ حَتَّى خَشِيتُ أَنْ يَكُونَ اللّهِ قَدْ تَوَفَّاهُ، قَالَ: فَجِئْتُ أَنْظُرُ
فَرَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ: ((مَا لَكَ؟)) فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ، قَالَ: ((إِنَّ جِبْرِيلَ العَيْهُ: قَالَ لِي: أَلَا أُبَشِّرُكَ
إِنَّ اللّه ◌َ يَقُولُ لَكَ: مَنْ صَلَّى عَلَيْكَ صَلَّيْتُ عَلَيْهِ، وَمَنْ سَلَّمَ عَلَيْكَ سَلَّمْتُ عَلَيْهِ)).
رَوَاهُ أَحْمَدِ](٩).
(وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ﴾ قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللهِ وَيُ حَتَّى دَخَلَ نَخْلاً
فَسَجَدَ) وفي رواية: ((فتوجه نحو صدقته فاستقبل القبلة فخر ساجدًا)(٣).
(فَأَطَالَ السُّجُودَ حَتَّى خَشِيتُ أَنْ يَكُونَ اللهُ قَدْ تَوَفَّاهُ) أي: قبل إكمال الدين
وتبيين جميع ما تحتاج إليه الأمة، وذلك مصاب لا مصاب بعده.
(قَالَ: فَجِئْتُ أَنْظُرُ) وفي رواية: ((طال السجدة حتى ظننت أن الله قبض نفسه
(١) أخرجه الطبراني في مسند الشاميين (٢٠٣٩).
(٢) أخرجه أحمد (١٦٨٤).
(٣) أخرجه أحمد (١٦٨٦).

١٤٥
تتمة كتاب الصلاة/ باب الصّلاة على النبي وَيّه وفضلها
فيها فدنوت منه))(١).
(فَرَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ: مَا لَكَ) أي: شيء عرض لك حتى أظهر أمارة الفزع والحزن
عليك.
وفي رواية: ((قَالَ: من هذا؟ قلت: عبد الرحمن، قَالَ: ما شأنك؟)) (٢).
(فَذَكَرْتُ ذَلِكَ) الذي خشيته (لَهُ) وفي رواية: «قلت: يَا رَسُولَ الله، سجدت
سجدة حتى ظننت أن يكون الله قد قبض نفسك فيها))(٣).
(قَالَ: إِنَّ جِبْرِيلَ الَيْهَ قَالَ لِي: أَلَا أُبَشِّرُكَ أَنَّ اللَّهِ وَكَ يَقُولُ لَكَ: مَنْ صَلَّى عَلَيْكَ
صَلَّيْتُ عَلَيْهِ، وَمَنْ سَلَّمَ عَلَيْكَ سَلَّمْتُ عَلَيْهِ رَوَاهُ أَحْمَد) وزاد في رواية: ((فسجدت لله
شكرً))(٤) قال البيهقي: وهو حديث صحيح ولا أعلم في سجدة الشكر أصح من هذا
الحدیث. انتهى.
وفي رواية عن عبد الرحمن: ((كنت نائمًا في درجة المسجد فرأيت رسول الله وَاه
خارجًا من الباب الذي يلي المقبرة فتأخرت شيئًا ثم خرجت على أثره فوجدته قد دخل
حائظًا من الأسواف - بالفاء - موضع بالمدينة، فتوضأ ثم صلى ركعتين ثم سجد سجدة
فأطال السجود فيها ثم ذكر ما سبق)»(٥).
وفي رواية: ((سجدت شكرًا؛ لأن جبريل أخبرني أنه من صلى عليّ صلى الله عليه
وسلم)»(٦).
وفي أخرى: «أعطاني ربي فقَالَ: إنه من صلى عليك من أمتك صليت عليه
(١) انظر التخريج السابق.
(٢) تقدم تخريجه.
(٣) تقدم تخريجه.
(٤) تقدم تخريجه.
(٥) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (١٥٢٠).
(٦) لم أقف عليه.

١٤٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الرابع
عشرًا))(١).
وفي أخرى: ((فاتبعته فدخل حائطًا من حيطان الأسواف فصلى فسجد فأطال
السجود، فقلت: قبض الله روح رسول الله ولو لا أراه أبدًا، قال: ((سجدت شكرًا
لربي فيما أبلاني)»(٢) أي: أنعم عليّ على حد ﴿وَفِي ذَلِكُم بَلَاءُ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾
[البقرة: ٤٩].
على قوله: ((في أمتي من صلى عليّ صلاة من أمتي كتب الله له عشر حسنات،
ومحي عنه عشر سيئات))(٣).
وفي لفظ: ((سجدت شكرًا لربي فيما أبلاني في أمتي من صلى عليّ صلاة صلت
عليه الملائكة، فليقلّ عبد من ذلك أو ليكثر))(٤).
وفي أخرى سندها حسن عن عبد الرحمن أيضًا: ((إنه وَّ خرج عليهم يومًا وفي
وجهه البشر، فقَالَ: إن جبريل جاءني فقَالَ: ألا أبشرك يا محمد، بما أعطاك ربك من
أمتي، وبما أعطى أمتك منك من صلى عليك منهم صلاة صلى الله عليه، ومن سلّم
عليك منهم سلَّم عليه))(٥).
وفي رواية: خرج قل ولم يتبرز ولم يجد أحدًا يتبعه ففزع عمر فاتبعه بمطهرة؛
يعني: إداوة، فوجده ساجدًا في شربه فتنحى عمر فجلس وراءه حتى رفع رأسه، فقَالَ:
(«أحسنت يا عمر حين وجدتني ساجدًا فتنحيت عني، إن جبريل أتاني فقَالَ: من صلى
عليك واحدة صلى الله عليه عشرًا ورفعه عشر درجات))(٦) ولهذا الحديث طرق
كثيرة حتى قال الإمام ابن جرير: هذا خبر عندنا صحيح سنده لا علة فيه توهنه،
(١) لم أقف عليه.
(٢) أخرجه أبو يعلى (٨٢٤).
(٣) تقدم تخريجه.
(٤) تقدم تخريجه.
(٥) تقدم تخريجه.
(٦) أخرجه الطبراني في الأوسط (٦٦٠٢)، والضياء (٩٣).

١٤٧
تتمة كتاب الصّلاة/ باب الصّلاة على النبي وَيهر وفضلها
ولا سبب يضعفه واعترض بأن فيه من ضعفه الجمهور، وكثر الاختلاف عليه
فیه.
والشربة: بفتح المعجمة والراء والباء الموحدة المشددة، أرض معشبة لا شجر بها،
كذا في ((القاموس)) وفي ((النهاية)) - بفتح الراء - حوض في أصل النخلة يملأ ماء
لشربها.
٩٣٨ [وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﴾ قَالَ: ((إِنَّ الدُّعَاءَ مَوْقُوفٌ بَيْنَ السَّمَاءِ
وَالأَرْضِ، لَا يَصْعَدُ مِنْهُ شَيْءٌ حَتَّى تُصَلِّ عَلَى نَبِيِّكَ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ](١).
(وَعَنْ عُمَر بْنِ الْخَطَّابِ ﴾ قَالَ: إِنَّ الدُّعَاءَ مَوْقُوفٌ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لَا
يَصْعَدُ مِنْهُ شَيءٌ حَتَّى تُصَلِّ عَلَى نَبِيِّكَ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ) بسند فيه من لا يعرف، ورواه
إسحاق بن راهويه عنه بلفظ: ((ذكر لي أن الدعاء بين السماء والأرض ... إلى آخره) وهو
في حكم المرفوع؛ لأن مثله لا يقال من قبل الرأي، وحينئذ فيحتمل أن لفظ: النبوة
((حتى يصلي عليّ)) ويحتمل أنه حتى يصلي على نبيك، ففيه تجريد كأنه وَل جرد من
نفسه نبيًّا هو هو، وكاف الخطاب فيه ليست لمخصوص، بل لكل من يصلح له فهو عام
وأوثر لفظ النبي على غيره من الأوصاف؛ لما فيه من تمام المناسبة للمقام، لما مر أن
النبي ◌َل﴾ مأخوذ من النبوة وهي الرفعة لرفعة مرتبته على من عداه.
ومعنى وقف الدعاء عدم رفعه، فالتقدير: لا يرفع لك دعاء حتى يتقرب إلي من
دعوته بأقرب رسائله إليه، وهو من رفع رتبته على كل خلقه وسية، ومما يؤيد أن هذا في
حكم المرفوع أنه مر قبيل الفصل الثالث أحاديث صريحة فيه.
وصح عن ابن مسعود : «إذا أراد أحدكم أن يسأل الله شيئًا فليبدأ بمدحه
والثناء عليه بما هو أهله، ثم يصلي على النبي وَل﴾، ثم يسأل بعد، فإنه أجدر أن ينجح
أو یصیب)).
وفي رواية عنه: ((إذا أراد أحدكم أن يدعو فأحب أن يستجاب له)) وفي آخره:
(١) أخرجه الترمذي (٤٨٦).

١٤٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الرابع
((فإنه أجدر أن يستجاب له)».
وروى النسائي وغيره ذلك حديثًا لفظه: «الدعاء كله محجوب حتى يكون أوله
ثناء على الله وَك وصلاة على النبي ◌َّ)(١).
وفي حديث أخرجه كثيرون لكن في سنده رجل مختلف فيه، والجمهور على
تضعيفه: ((ما من دعاء إلا بينه وبين السماء حجاب حتى يصلي على محمد وعلى آل
محمد، فإذا فعل ذلك انخرق الحجاب ودخل الدعاء، وإذا لم يفعل رجع الدعاء)) وجاء
هذا موقوفًا عن عليّ وهو أصح، وبه يحصل المقصود لما مر أن مثل ذلك لا يقال من قبل
الرأي فيكون في حكم المرفوع إلى النبي ولار.
وقد أجمع العلماء على أنه ليس ابتداء الدعاء بحمد الله والثناء عليه، ثم
بالصّلاة على رسوله وَلّة، وكذا يسن ختمه بها وجعلها في وسطه أيضًا؛ لقوله {وَلآتِ ((لا
تجعلوني كقدح الراكب، قيل: وما قدح الراكب؟ قَالَ: إن المسافر إذا فرغ من حاجته
صب في قدحه ماء، فإن كان له إليه حاجة توضأ منه أو شربه وإلا إهراقه، اجعلوني في
أول الدعاء وأوسطه وآخره)»(٤) رواه كثيرون وفي سنده ضعيف، والحديث غريب، وله
طريق آخر مرسل أو معضل، ومعنى لا تؤخروني في الذكر كما يجعل الراكب قدح مائه
خلفه في آخر رحله، وهراق الماء يهريقه بفتح الهاء أصله: أراق، فهاؤه بدل من الهمزة،
ويقال: أهرقته أهريقه بالجمع بين البدل والمبدل.
(١) ذكره الصالحي في سبل الهدى والرشاد (٤٤٩/١٢)، ولم أقف عليه عند النسائي.
(٢) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (١٥٧٨)، والقضاعي (٩٤٤).

(باب الدعاء في التشهد)
أي: بعده وبعد الصّلاة على النبي ◌َّله كما عرف من الأحاديث السابقة، وذكر
المصنف في هذا الباب أحاديث السلام؛ لأنه في الحقيقة دعاء لكنه ذكر فيه أحاديث
أخر، كأحاديث الانصراف عن اليمين واليسار، وقيام النساء قبل الرجال، وما علمه
معاذ مما يقال دبر كل صلاة، والتحول من موضع الفرض، والنهي عن الانصراف قبل
الإمام، وهذه كلها بالباب الذي يلي هذا أنسب كما لا يخفى، لا سيما حديث معاذ، فإنه
من جملة ذلك فذكره هنا عجيب إلا أن يتمحل له بأن فيه طلب الإعانة على الثلاث
التي فيه، وأحق الأذكار والعبادات بطلب الإعانة عليها وإحسان الصّلاة وأذكارها،
فلما كان فيه ما يناسب دعاء الصّلاة ذكره معه.
(الفصل الأول)
٩٣٩ - [عَنْ عَائِشَةَ - رضي الله عنها - قَالَت: كَانَ رَسُولُ اللهِوَهُ يَدْعُو فِي
الصَّلاَةِ يَقُول: «اللهُمَّ إِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ، وَأَعُوذُ
بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ، اللهُمَّ إِي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْمَأْثَمِ وَمِنَ الْمَغْرَمِ)) فَقَالَ لَهُ
قَائِلُ: مَا أَكْثَرَ مَا تَسْتَعِيذُ مِنَ الْمَغْرَمِ. فَقَالَ: ((إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا غَرِمَ حَدَّثَ فَكَذَبَ وَوَعَدَ
فَأَخْلَفَ)). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ] (١).
(عَنْ عَائِشَةَ - رَضْي الله عَنْهَا - قَالَت: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَلَّهُ يَدْعُو فِي الصَّلاة)
أي: بعد التشهد الأخير وقبل السلام كما صرحت به الأحاديث التي عقب هذا
(يَقُولُ: اللهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ) فيه أبلغ الرد على المعتزلة في إنكارهم له،
ومبالغتهم في الحط على أهل السنة في إثباتهم له حتى وقع لسني أنه صلى على معتزلي،
قال في دعائه: اللَّهُمَّ أذقه عذاب القبر، فإنه كان لا يؤمن به ويبالغ في نفيه وتخطيه
(١) أخرجه البخاري (٨٣٢)، ومسلم (١٣٥٣)، وأحمد (٢٥٣١٥)، وأبو داود (٨٨٠)، والنسائي (١٣١٧).
- ١٤٩ -

١٥٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الرابع
مثبته.
(وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ) بالحاء المهملة على المعروف بل الصواب؛ أي:
الممسوح إحدى عينيه أو الماسح للأرض، فإنه يقطعها كلها في أيام معدودة إلّ مكة
والمدينة، فإن الله حماهما منه بفضله، وقد يقرأ بالخاء المعجمة، وهو بالمعنى الأول فقط.
(الدَّجَّالِ) أي: المبالغ في الكذب بادعائه الإحياء والإماتة وغيرهما، مما يقطع كل
عاقل فضلاً عن مؤمن يكذبه فيه، لكنه لما سخر له طاعة بعض الجوامد عظمت
فتنته واشتدت بليته حتى أنذر به كل نبي وحتى استعاذ ◌َ ل من فتنته لنا حقًّا لنا على
الاستعاذة منها، فإنه لا يسلم منها إلا الفذ النادر، أعاذنا الله منها بمنه وكرمه آمين.
(وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ) أي: من جميع البلايا والمحن الواقعة في
الحياة ما يضر ببدن أو دين أو دنيا للداعي ولمن له به تعلق، لا سيما مع عدم الصبر وفي
الموت قبيله عند الاحتضار من تسويل الشيطان الكفر حينئذ بطرائق جاءت في
الأخبار والآثار لو لم يكن منها إلا إبراز صور من باب من أهل المختصر في زي
اليهود والنصارى فيدعونه لأحد الدينين، ويقولون له: إنه الذي وجدوه حقًّا، ويعده من
سؤال الملكين مع الخوف والإزعاج وأهوال القبر وشدائده، ولكون فتنة الدجال أعظم
فتن المحيا، وعذاب القبر أعظم فتن الممات، خُصَّا بالذكر أولاً ثم أدرجا في فتنة المحيا
وفتنة الممات ثانيًا، فهو من عطف العام على الخاص وهو شائع سائغ، سيما إن قارنه
محسن کما ذكرته.
فإن قلت: ما حكمة تقديم عذاب القبر على فتنة الدجال مع أن هذه أفظع
وأخوف؟ قلت: لأن عذاب القبر أطول زمنًا وأبلغ نكاية، بل وأفظع موقعًا وأخوف
إهلاگًا خطره.
فإن قلت: لِم قدم مع ذكر الخاص ما يتعلق بالآخرة، وهو عذاب القبر ومع ذكر
العام ما يتعلق بالدنيا وهو فتنتها؟ قلت: لأنه يلزم من السلامة من سائر الفتن
الأخروية ولا يلزم من السلامة من فتنة الدجال السلامة من فتنة الدنيا، فكانت فتنتها

١٥١
تتمة كتاب الصلاة/ باب الدعاء في التشهد
أهم بالذكر؛ لأنه لم يسبق ما يغني عنها بخلاف فتن الآخرة؛ فإنه سبق ما يغني عنها
كما تقرر فافهمه.
(اللهُمَّ إِنَّ أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْمَأْثَّمِ) أي: الإثم أو ما يأثم الإنسان به؛ أي: جميع
المعاصي ولا بدع في سؤال غير النبي لذلك؛ لأنه وإن لم يعصم قد يحفظ، والفرق أن
العصمة يستحيل معها الإثم بخلاف الحفظ، فمن ثم كانت العصمة للأنبياء والحفظ
لبعض الأولياء.
(وَمِنَ الْمَغْرَمِ) أي: غرم المال في المعاصي، أو من الدين الذي أستدينه لمعصية أو
لطاعة مع العجز عن وفائه، قيل: أمَّا استدانته لحاجة مع القدرة على الوفاء فلا يستفاد
منها. انتهى.
ولا مانع من الإطلاق، فإنه قد يكون كذلك فيموت ولا يوفي عنه ورثته
فتصير نفسه محبوسة عن مقامها الكريم لما في الحديث الصحيح: ((نفس المؤمن
مرهونة بدينه حتى يقضى عنه دينه)) وإن قيل: محله في الاستدانة للمعصية أو فيمن له
تخلف تركه، ونذر لكون المراد الدين وأنه على العموم قوله: (فَقَالَ لَهُ قَائِلُ: مَا أَكْثَرَ مَا
تَسْتَعِيذُ مِنَ الْمَغْرَمِ، فَقَالَ: إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا غَرِمَ) أي: استدان واتخذ ذلك دأبه وعادته كما
يدل عليه السياق (حَدَّثَ) الناس عن حاله ومعاملته (فَكَذَبَ) عليهم حتى يحملهم
على إدانته وإن كان معدمًا، أو الصبر عليه؛ ليربح فيه شيئًا یبقی له قبل وفائه.
(وَوَعَدَ) بالوفاء أو غيره مطلقًا أو في وقت معلوم (فَأَخْلَفَ) طمعًا في بقاء المال
في يده أو لسوء تدبيره وتصرفه، وبما تقرر علم أن ((غرم)) شرط و((حدث)» جزاء
و((كذب)) مترتب عليه على الجزاء و((وعد)» عطف على (حدث)) لا ((غرم)) خلافًا لمن
زعمه لفساد المعنى حينئذ كما هو ظاهر و((أخلف)) مترتب عليه (مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ).
٩٤٠ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَة ◌َ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّةِ: ((إِذَا فَرَغَ أَحَدُكُمْ مِنَ
التَّشَهُّدِ الآخِرِ فَلْيَتَعَوَّذْ بِالله مِنْ أَرْبَعِ: مِنْ عَذَابٍ جَهَنَّمَ، وَمِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَمِنْ فِتْنَةِ

١٥٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الرابع
الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ، وَمِنْ شَرِّ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ](١).
(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةٍ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: إِذَا فَرَغَ أَحَدُكُمْ مِنَ التَّشَهُّدِ
الآخِرِ) صرح به الأول فلا يسن فيه دعاء، بل ولا الصّلاة على الآل كما مر بما فيه
لبنائه على التخفيف، بخلاف التشهد الآخر فإنه یسن فیه جمع ما ورد فيه مما ذكر هنا
وغيره اتباعًا له وَّهِ (فَلْيَتَعَوَّذْ) وفي نسخة: ((فليستعذ)»(٢).
(بِالله مِنْ أَرْبَعِ: مِنْ عَذَابٍ جَهَنَّمَ) قدم؛ لأنه الغاية التي لا أعظم في الهلاك
منها (وَمِن عَذَابِ الْقَبْرِ، وَمِن فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ، وَمِن شَرِّ الْمَسِيحِ الدَّجَّال) أخر
هنا؛ لأنه إنما يقع آخر الزمان قرب قيام الساعة (رَوَاهُ مُسْلِمٌ).
٩٤١ - [وَعَن ابْنِ عَبَّاسِ - رَضْي الله عَنْهُمَا - أَنَّ النَّبِيَّ ◌َ كَانَ يُعَلِّمُهُمْ هَذَا
الدُّعَاءَ كَمَا يُعَلِّمُهُمُ السُّورَةَ مِنَ الْقُرْآنِ، يَقُولُ: قُولُوا: «اللهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابٍ
جَهَنَّمَ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ)). رَوَاهُ
مُسْلِمْ](٣).
(وعَنْ ابْنِ عَبَّاسِ - رَضْي الله عَنْهُمَا - أَنَّ النَّبِيَّ وَ كَانَ يُعَلِّمُهُمْ هَذَا الدُّعَاءَ
كَمَا يُعَلِّمُهُمِ السُّورَةَ مِن الْقُرْآنِ، يَقُولُ: قُولُوا: اللّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابٍ جَهَنَّمَ
وَأَعُوذُ بِكَ) كرره في كل واحدة إظهارًا لعظيم موقعها وأنها حقيقة فأعاده مستقلة (مِنْ
عَذَابٍ الْقَبْرِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ
الدَّجَّالِ) اقتصر عليها؛ لأنها أعظم فتن الدنيا مع أنها تؤدي إلى عذاب القبر وعذاب
جهنم؛ ولذا كررها إعلامًا بعظيم شأنها حتى يكثر الناس الاستعاذة منها فاستغنى
بهذه عن بقية فتن الدنيا لسهولتها بالنسبة إليها، كما استغنى بالأولين عن بقية فتن
(١) أخرجه مسلم (٥٨٨)، وأحمد (٧٢٣٦)، وأبو داود (٩٨٣)، والنسائي (١٣١٠)، وابن حبان (١٩٦٧).
(٢) أخرجه مسلم (٥٨٨)، وابن أبي شيبة (٣٧٤٦٢)، وأحمد (١٠١٨٣)، وابن خزيمة (٧٢١)، والبيهقي
(٢٧٠٢).
(٣) أخرجه مسلم (١٣٦١)، وأحمد (٢٢٠٥)، وأبو داود (١٥٤٤)، ومالك (٥٠٥).

١٥٣
تتمة كتاب الصّلاة/ باب الدعاء في التشهد
الآخرة لسهولتها بالنسبة إليهما (رَوَاهُ مُسْلِمْ).
والأمر في ((فليتعوذ)) في الحديث السابق والتعليم كالسورة مع الأمر بقوله:
(«قولوا)) في هذا ظاهران بل صريحان في وجوب التعوذ مما ذكر الذي قال به طاوس وغيره.
أمَّا الأول: فظاهر للقاعدة الأصولية: إن الأمر للوجوب حقيقة.
وأمَّا الثاني: فلأن الشافعي استدل بنظيره في التشهد على وجوبه، ويؤخذ من هذا
أن ذلك آكد الأدعية.
قال بعض أئمتنا: وينبغي أن يختم به دعاؤه؛ لقوله وَل﴾: ((واجعلهن آخر ما
تقول»(١).
٩٤٢ - [وَعَنْ أَبِي بَكْرِ الصِّدِّيقِ ﴾ قَالَ: قلت: يا رَسُولَ اللهِ، عَلَّمْنِي دُعَاءً أَدْعُو
بِهِ فِي صَلَاتِّي، قَالَ: ((قُلِ اللهُمَّ إِنَّيّ ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا، وَلَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ،
فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ، وَارْحَمْنِ إِنَّكَ أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ)). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ](٢).
(وَعَنْ أَبِي بَكْرِ الصِّدِّيقِ ﴾ قَالَ: قلت: يا رَسُولَ اللهِ، عَلَّمْنِي دُعَاءَ أَدْعُو بِهِ فِي
صَلَاتِي) أي: في آخرها (قَالَ: قُلْ: اللّهُمَّ إِنِّ ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا) بالمثلثة في أکثر
الروايات، وفي رواية مسلم بالموحدة، قال النووي: فينبغي أن يجمع بينهما فيقال: كبيرًا
کثیرًا. انتهى.
واعترضه العزبن جماعة وتبعه الزركشي وغيره بأنه داخلي لم ينطق بهما كذلك،
وإنما يجمع بين الروايتين بأنه قال هذا مرة وهذا مرة، فالاتباع إنما يحصل بذلك لا
بالجمع. انتهى.
ويرد بأن أحدهما نطق به وَ له يقينًا أو ظنًّا، والآخر يحتمل أن الراوي رواه
(١) لم أقف عليه.
(٢) أخرجه البخاري (٧٩٩)، ومسلم (٢٧٠٥)، وأحمد (٨)، وابن أبي شيبة (٢٩٣٥٤)، والترمذي
(٣٥٣١)، والنسائي (١٣٠٢)، وابن ماجه (٣٨٣٥)، وابن خزيمة (٨٤٦)، وابن حبان (١٩٧٦)،
والبيهقي (٢٧٠٤).

١٥٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الرابع
بالمعنى وإن فرض أنه بعيد فلرعاية هذا الاحتمال ندب الجمع بينهما في كل مرة؛
ليتحقق النطق بما نطق به ويالر فظهر أن الجمع في كل مرة أولى لسلامته من ذلك
الاحتمال.
(وَلَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ) جميعها كبيرها وصغيرها المتعلقة بك أو بأحد من خلقك
(إِلَّا أَنْتَ فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً) تنوينها للتعظيم؛ أي: مغفرة عظيمة لا يحاط بكنهها، ثم
أكد هذا التعظيم بقوله: (مِنْ عِنْدِكَ) إذ ما من عنده تعالى لا يحيطه وصف واحد على
حد قوله عز قائلاً: وآتيناه ﴿ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا﴾ [الكهف: ٦٥].
والحاصل: إنه طلب مغفرة خاصة في غاية الجلالة والعظمة يرفعه إلى أعلى ما
يليق به من مقامات القرب من حضرة الحق؛ ولذا عقبه بطلب الرحمة العامة الشاملة
لكل ما يلائم النفس وينفعها، فقال: (وَارْحَمْنِي إِنَّكَ أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) يؤخذ منه أن
من أدب الدعاء أن يختم بما يناسبه من أسمائه تعالى؛ لما في ذلك من التفاؤل بحصول
المطلوب والتوسل مما يوجب تعجيل إجابته وحصول طلبته (مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ).
واستفيد من هذه الأحاديث وغيرها أنه يتأكد على كل مصلٍّ إلا الإمام حيث لم
يرضوا بتطويله نظير ما مر الدعاء سرًّا بعد الصّلاة عليه وَله وقبل السلام لنفسه.
قال بعض أئمتنا: وللمؤمنين والمؤمنات بما أحب لرواية البخاري: ((ثم ليتخير
من الدعاء أعجبه إليه فيدعو به))(١).
ولرواية مسلم: ((ثم ليتخير من الدعاء ما شاء وما أحب))(٢).
وفي رواية صحيحة: ((ثم ليدعو لنفسه بما بدا له))(٣) والمتعلق بالآخرة أولى؛ لأنه
المقصود الأعظم، وإنما يباح الدنيوي إن أبيح وإلا حرم وأبطل الصّلاة وأفضل الدعاء
(١) أخرجه البخاري (٦٩٤٦)، ومسلم (٤٠٢)، وأحمد (٤٤٢٢)، وابن أبي شيبة (٢٩٨٣)، وأبو داود
(٩٦٨)، والنسائي (١٢٧٧)، وابن ماجه (٨٩٩)، وابن حبان (١٩٤٩)، وعبد الرزاق (٣٠٦١).
(٢) أخرجه مسلم (٩٢٦)، وأحمد (٣٩٩٦).
(٣) أخرجه النسائي (١٣١٠)، وابن الجارود (٢٠٧).

١٥٥
تتمة كتاب الصلاة/ باب الدعاء في التشهد
ما نقل عنه 18 مما مر وغيره، ومنه ما مر في باب الافتتاح: «اللَّهُمَّ اغفر لي ما قدمت
وما أخرت)) وطلب حصول مغفرة ما لم يقع إذا وقع لا استحالة فيه، فلا إشكال في
قوله: ((وما أخرت وما أسررت وما أعلنت وما أسرفت وما أنت أعلم به مني أنت
المقدم)(١) أي: لمن رضيت عنه في مراتب القرب بفضلك، وأنت المؤخر لمن سخطت
عليه عن كمال الهدى بعدلك لا إله إلا أنت.
وبقيت أدعية أخرى كثيرة مأثورة ذكرت منها جملة في ((شرح العباب)) وقول
أصحابنا: يسن الجمع بين الأدعية المأثورة؛ أي: ما لم يخف وقوعه في السهو على خلاف
فيه بين أئمتنا اعترض بأن ذلك الجمع لم يرد، بل ينبغي أن يقال: هذا مرة وهذا مرة في
الصّلاة عليه و180 ما يرد ذلك، وينبغي أن يجتهد في الدعاء في صلاة الصبح؛ لقوله ولين:
(سلوا الله حوائجكم في صلاة الصبح))(٢).
٩٤٣ - [وَعَنْ عَامِرٍ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ ﴾ قَالَ: كُنْتُ أَرَى رَسُولَ اللهِ وَلِ يُسَلِّمُ
عَنْ يَمِينِهِ، وَعَنْ شِمَالِهِ حَتَّى يُرَى بَيَاضُ خذَّيْهِ](٣).
(وَعَنْ عَامِرٍ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيِهِ ﴾ قَالَ: كُنْتُ أَرَى رَسُولَ اللهِ وَّهِ يُسَلِّمُ عَنْ
يِمِينِهِ، وَعَنْ يَسَارِهِ حَتَّى أَرَى بَيَاضَ خَدِّيْهِ) وفي نسخة: ((خده) ولا تخالف بينهما؛ لأن
معنى الأولى حتى أرى بياض خده الأيمن في الأولى والأيسر في الثانية، بدليل حديث
ابن مسعود الآتي: ((كان ◌َلم يسلم عن يمينه: السلام عليكم ورحمة الله حتى يرى
بياض خده الأيمن، وعن يساره: السلام عليكم ورحمة الله حتى يرى بياض خده
الأيسر))(٤).
(١) أخرجه البخاري (٦٠٣٥)، ومسلم (٢٧١٩)، وابن أبي شيبة (٢٩٣٩٢)، والروياني (٥١١)، وابن
حبان (٩٥٧).
(٢) أخرجه الروياني (٧١٠).
(٣) أخرجه أحمد (١٥٨٤)، والطبراني في الأوسط (١١٤٤٩).
(٤) أخرجه النسائي (١٣٣٣)، والبيهقي (٣٠٩٤).

١٥٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الرابع
ومر هذا مع قوله: ((صلوا كما رأيتموني أصلي))(١).
ومن خبر مسلم: ((تحريمها التكبير وتحليلها التسليم))(٢).
أخذ الشافعي وأكثر العلماء أن السلام ركن من أركان الصّلاة لا تصح إلا به،
وأمَّا قول ابن مسعود: إنه وَ * لما علمه التشهد قال له: ((إذا قلت هذا فقد قضيت
صلاتك إن شئت أن تقوم فقم وإن شئت أن تقعد فاقعد»(٣) رواه أبو داود.
فابن مسعود هو القائل: ((إن شئت ... إلى آخره)) باتفاق الحفاظ، وإن سلم أنه من
الحديث فمعنى ((قضيت)): قاربت أو قضيت معظمها.
وأمَّا خبر: ((إذا رفع الإمام رأسه من آخر ركعة وقعد، ثم أحدث قبل أن يتكلم
فقد تمت صلاته)»(٤) فضعيف، وإن صح حمل على ما بعد التسليمة الأولى جمعًا بينه
وبين خبر مسلم السابق.
وأمَّا خبر: ((إذا أحدث وقد قعد في آخر صلاته قبل أن يسلم فقد جازت
صلاته»(٥).
وخبر: ((إذا جلس قدر التشهد ثم أحدث فقد تمت صلاته)»(٦) فهما ضعيفان
باتفاق الحفاظ وأقله على الأصح عندنا: ((السلام عليكم)) فلو أسقط حرفًا من هذه
الحروف كأن قال: سلام عليكم لم تصح صلاته للإتباع، وإنما إجزاء المنكر في
التشهد لوروده، ثم كما مرلا هنا ويكره ((عليكم السلام)) لأنه تغيير للوارد بلا
فائدة.
وروي من طرق الاقتصار على تسليمة واحدة، ومن طرق أخرى الإتيان
(١) تقدم تخريجه.
(٢) أخرجه الحاكم (٤٥٧).
(٣) أخرجه أحمد (٤٠٨٧)، وأبو داود (٩٧٢)، والدارمي (١٣٩١).
(٤) أخرجه البيهقي (٢٦٤٧) وقال: ضعيف.
(٥) لم أقف عليه.
(٦) أخرجه ابن أبي شيبة (٨٧١٢).

١٥٧
تتمة كتاب الصلاة/ باب الدعاء في التشهد
بتسليمة عن اليمين وبتسليمة عن اليسار، وحمل أئمتنا الأول على بيان الجواز والثاني
على الأكمل، ويستفاد من خبر سعد وابن مسعود أن الأولى تكون على اليمين والثانية
على اليسار، وأنه يسن الالتفات في كل منهما حتى يرى بياض خده لا خديه، وصرف
ذلك عن الوجود المستفاد من ((صلوا كما رأيتموني أصلي)) خبر عائشة فإن فيه الاقتصار
على تسليمة واحدة تلقاء وجهه، وممن صححه ابن حبان والحاكم لكن ضعفه
جماعة آخرون.
ويؤخذ من خبر ابن مسعود أيضًا زيادة ((ورحمة الله)) دون ((بركاته)) وهذا هو
الصحيح، بل الصواب عند الشافعي وأصحابه إلا طائفة منهم، فاستحبوا (وبركاته))
أيضًا ورد عليهم ابن الصلاح بأن ما قالوه شاذ نقلاً ودليلاً، لكن رد عليه جمع بأن
زيادة ((وبركاته)) تثبت في عدة طرق، قالوا: فالمختار دليلاً ندبها وكيفية سن الالتفات
السابق أنه يبدأ بكل من البسملتين في حال استقباله القبلة بصدره وجوبًا في الأولى
وبوجهه ندبًا فيهما، ثم يلتفت حتى يرى خده الذي يلي جهة التفاته لا خداه خلافًا لمن
زعم أن كلام الشافعي يفهمه، وذلك للإتباع وأن يدرج سلامه ليتم بتمامه التفاته
للخبر الصحيح: ((حذف السلام سنة))(١) وبقيت سنن أخرى تأتي، وقد يجب الاقتصار
على تسليمة واحدة كأن أحدث أو خرج وقت الجمعة أو انقضت مدة مسح الخف بعد
التسليمة الأولى.
٩٤٤ - [وَعَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ ﴾ قَالَ: كَانَ رسول اللّه وَّهِ إِذَا صَلَى صَلَاةً أَقْبَلَ
عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ. رَوَاهُ البَيهِقِي](٤).
(وَعَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ﴾ قَالَ: كَانَ رسول اللهِ وَهَ إِذَا صَلَّى صَلَاةً أَقْبَلَ عَلَيْنَا
بِوَجْهِهِ) أي: في حال التسليم؛ أي: بأحد شقي وجهه لما مر أو بعد التسليم، لما يأتي أنه
(١) أخرجه أحمد (١٠٨٩٨)، وأبو داود (١٠٠٤)، والحاكم (٨٤٢) وقال: صحيح على شرط مسلم.
والبيهقي (٢٨١٥)، والترمذي (٢٩٧)، وابن خزيمة (٧٣٤).
(٢) أخرجه البيهقي (٣١٤٩).

١٥٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الرابع
كان إذا فرغ من التسليم جعل في بعض الأوقات يمينه إليهم ويساره للقبلة (رَوَاهُ
البَیھَقِي).
٩٤٥ - [وَعَنْ أَنَسِ ﴾ قَالَ: كَانَ النَِّيُّ ◌َ يَنْصَرِفُ عَنْ يَمِينِه. رَوَاهُ مُسْلِمٌ](١).
(وَعَنْ أَفَس ◌َ﴾ قَالَ: كَانَ الشَّبِيُّ ◌َ يَنْصَرِفُ عَنْ يَمِينِهِ رَوَاهُ مُسْلِمْ).
٩٤٦ - [وَعَنْ عَبْدِ الله بن مَسْعُودٍ ﴾ قَالَ: لا يَجْعَلْ أَحَدُكُمْ لِلشَّيْطَانِ شيئًا
مِنْ صَلَاتِهِ يُرَى، أَنَّ حَقًّا أَلَّا يَنْصَرِفَ إِلَّا عَنْ يَمِينِهِ، لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ الله كَثِيرًا
يَنْصَرِفُ عَنْ يَسَارِهِ مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ](٢).
(وَعَنْ عَبْدِ الله بن مَسْعُودٍ ضَ قَالَ: لا يَجْعَلْ أَحَدُكُمْ لِلشَّيْطَانِ شيئًا مِنْ
صَلَاتِهِ يُرَى) أي: بسبب رؤيته؛ أي: اعتقاده (أَنَّ حَقًّا) أي: واجبًا عليه (ألَّا يَنْصَرِفَ
إِلَّا عَنْ يَمِينِهِ، لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ كَثِيرًا يَنْصَرِفُ عَنْ يَسَارِهِ) فيه أن من اعتقد في
سنة الوجوب فقد أعرض عن ترخيص الله الذي يجب إتيانه لما في الحديث: ((إن الله
يجب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه))(٣).
ومن أعرض عن ذلك الترخيص فقد جعل للشيطان حقًّا ودخلاً في صلاته،
فإنه الحامل على ذلك الاعتقاد المؤدي إلى الغواية والضلال، وإذا كان مجرد اعتقاد
وجوب السنة يؤدي لذلك فما بالك بارتكاب المكروهات ثم المحرمات (مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ).
ومن هذين الحديثين أخذ أئمتنا قولهم: يسن للرجل وغيره أن ينصرف صوب
حاجته إن كان له حاجة وإلا فجهة يمينه؛ لأنه ◌َ لو كان يحب التيامن في شأنه كله؛
ولأن ذلك أكثر الأمرين من فعله ◌َّ﴾، فإن انصرف في غيرها لم يكره، بل في أحاديث
ما يدل على إباحة الانصراف من أي جهة شاء، والكلام في فضاء أو مسجد له أبواب،
فلم يكن له إلا باب واحد خرج منه وقصد حاجته إن كانت وإلا فجهة یمینه.
(١) أخرجه مسلم (١٦٧٥)، وأحمد (١٣١٨٣).
(٢) أخرجه البخاري (٨٥٢)، ومسلم (١٦٧٢)، وأحمد (٣٧٠٣)، وأبو داود (١٠٤٠)، وابن ماجه (٩٨٣).
(٣) أخرجه الطبراني (١٠٠٣٠)، وفي الأوسط (٢٥٨١)، وأبو نعيم في الحلية (١٠١/٢).

١٥٩
تتمة كتاب الصّلاة/ باب الدعاء في التشهد
ويسن في كل عبادة أخذًا مما يأتي في العيد أن يذهب في طريق ويرجع في أخرى،
وأن يكون طريق الذهاب أطول؛ لأن الإياب لا ثواب فيه على ما قاله أكثر أصحابنا أو
ثوابه أقل على ما قاله أصحابنا، والأحاديث صريحة فيه، ومن لبيته طريقان للمسجد
يجعل طريق العود لليمين إن كانت أقصر أو استويا وإلا وقع التعارض، فيحتمل ترجح
العود في اليمين مطلقًا، وترجح طول طريق الذهاب مطلقًا، ولعل هذا أرجح؛ لأن
الاعتناء به أكثر لما مر أن أحاديث تدل على أن تحري اليمين مباح لا سنة، ويؤخذ
منهما أيضًا، ومن غيرهما أنه لا يكره أن يُقال: انصرفنا من الصّلاة، وإن كرهه ابن
عباس محتجًا بقوله تعالى: ﴿ثُمَّ انصَرَفُوا صَرَفَ اللهُ قُلُوبَهُم﴾ [التوبة: ١٢٧].
٩٤٧ - [وَعَنِ الْبَرَاءِ ﴾ قَالَ: كُنَّا إِذَا صَلَّيْنَا خَلْفَ النَّبِيِّ ◌َِّ أَحْبَبْنَا أَنْ نَكُونَ
عَنْ يَمِينِهِ فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: ((رَبِّ قِنِي عَذَابَكَ يَوْمَ تَبْعَثُ - أَوْ تَجْمَعُ - عِبَادَكَ)). رَوَاهُ
مُسْلِمْ)(١).
(وَعَنِ الْبَرَاءِ ﴾ قَالَ: كُنَّا إِذَا صَلَّيْنَا خَلْفَ النَّبِيِّ وَّهِ أَحْبَيْنَا أَنْ نَكُونَ عَنْ
يَمِينِهِ) أي: أول ما يسلم التسليمة الأولى؛ لأنهم حينئذ يحظون بخطابه وَلّ لهم عقب
خروجه من صلاته التي فيها قرة عينه ونيل مراده وغاية كماله، فلا ريب أن في
مواجهته أولاً لأهل اليمن من حصول الإمداد والإلطاف والإسعاف ما ليس في
مواجهته ثانيًا لأهل اليسار، وأيضًا فجهة اليمين أفضل من جهة اليسار، ولذا كره
البصاق إليها في الصّلاة وخارجها حيث كان له مندوحة، ويؤخذ من هذا أنه يسن
للمأموم أن يتحرى جهة اليمين لفضلها كما تقرر.
(قَالَ: فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ) يحتمل أنه سمع ذلك في الصّلاة، ويحتمل أنه سمعه عقب
فراغها.
(رَبِّ قِي عَذَابَكَ) تعليم لأمته أو تواضع أو إجلال لله تعالى، وإظهار لعظيم
(١) أخرجه مسلم (١٦٧٦)، وأحمد (١٩٠٥٧)، والبيهقي (٣١٢٠).

١٦٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الرابع
الخوف منه؛ لأنه لا يجب عليه لأحد من خلقه شيء، وإن قل أو المراد للعذاب في
حق كل إنسان بما يليق به ولا عذاب أشد من عذاب البعد أو العتاب أو القطيعة
عن الشهود أو الترقي إلى المنازل العلية (يَوْمَ تَبْعَثُ أَوْ) شك (تَّجْمَعُ عِبَادَك. رَوَاهُ
مُسْلِمٌ).
٩٤٨ - [وَعَنْ أُمّ سَلَمَةَ قَالَتْ: إِنَّ النِّسَاءَ فِي عَهْدِ رَسُولِ الله ◌َِّ كُنَّ إِذَا سَلَّمَ
مِنَ الْمَكْتُوبَةِ قُمْنَ، وَثَبَتَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ وَمَنْ صَلَّى مِن الرِّجَالِ مَا شَاءَ اللهُ، فَإِذَا قَامَ
رَسُولُ اللهِ﴿ قَامَ الرِّجَال. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ](١).
(وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: إِنَّ النِّسَاءَ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ وَِّ كُنَّ إِذَا سَلَّمَ
مِنَ الْمَكْتُوبَةِ قُمْنَ وَثَبَتَ رَسُولُ اللهِ وَ﴿ وَمَنْ صَلَّى مِن الرِّجَالِ مَا شَاءَ اللهُ، فَإِذَا
قَامَ رَسُولُ اللهِ وَهِ قَامَ الرِّجَال. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) ومنه أخذ أئمتنا قولهم: يسن للنساء
أن ينصرفن عقب سلام الإمام، ويسن للإمام وبقية الرجال أن يمكثوا في
مصلاهم يذكرون الله تعالى حتى لا يدرك المسارعون بالخروج فأخرهن للإتباع؛
وخشية الاختلاط، فإن تمحضوا رجالاً قام الإمام ندبًا عقب سلامه للإتباع في
ذلك.
وعلله أصحابنا بما فيه نظر ولا ينافيه قولهم: يندب الإقبال عليهم بوجهه بأن
يجعل يمينه إليهم ويساره للقبلة للإتباع أيضًا؛ لأن محل هذا إذا لم يره الأفضل من
القيام عقب السلام الذي صح عنه ﴿ فعله غالبًا، ولا يعافيه أيضًا سن الذكر الآتي
عقب الصّلاة من الإمام وغيره؛ لأنه لا يلزم من القيام عقب السلام ترك الذكر عقبه،
ولا من الذكر عقبه ترك القيام عقبه وليس مرادهم بندب القيام عقب السلام حقيقة
الفورية؛ لأنه ◌َ﴾ كما في مسلم وغيره: ((كان يجلس بعد السلام شيئًا يسيرًا في
مصلاه)»(٢) أي: بقدر ((اللَّهُمَّ أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال
(١) أخرجه البخاري (٨٨٦)، وأحمد (٢٧٤٤٥)، والنسائي (١٣٤١)، وابن حبان (٢٢٦٧).
(٢) أخرجه أبو نعيم في الحلية (١٤/٩).