النص المفهرس

صفحات 81-100

٨١
تتمة كتاب الصلاة/ باب الصّلاة على النبي ◌َّ وفضلها
التشهد؛ لأنه كان يعلمهم إياه كما يعلمهم السور من القرآن كما مر ((فكيف نصلي
عليك إذا نحن صلينا عليك في صلاتنا صلى الله عليك؟ فقَالَ: قولوا اللَّهُمَّ صل على
محمد ... )(١) ورواه أصحاب ((السنن)) وصححه الترمذي وابن خزيمة وابن حبان
والحاكم والدارقطني والبيهقي، ولا يضر أن ابن إسحاق فيه؛ لأنه صرح بالتحديث
في روايته فصار حديثه مقبولاً صحيحًا على شرط مسلم كما ذكره الحاكم.
ومنها: خبر أبي داود والنسائي والترمذي وصححه ابن خزيمة وابن حبان
والحاكم، وقال: إنه شرط مسلم عن فضالة بن عبيد # سمع النبي وآله رجلاً يدعو
في صلاته لم يحمد الله، ولم يصل على النبي وَلّ فقال: عجل هذا ثم دعاه فقال: ((إذا
صلى أحدكم فليبدأ بالحمد لله والصَّلاة عليه، ثم ليصلِّ على النبي ◌َّ ثم ليدع بما
شاء)(؟).
ومما تعين أن هذا في تشهد الصّلاة ذات الأركان الروايات الصحيحة الآتية
أواخر الفصل الثاني عن فضالة نفسه؛ إذ فيها سمع رجلاً يدعو في صلاته، وهذا لا
يصح حمله على غير ذات الأركان؛ إذ يدعو في دعائه ركيك بعيد فلا يحمل عليه
الحديث.
وفيها أيضًا: ((عجلت أيها المصلي، إذا صليت فقعدت فاحمد الله بما هو أهله،
ثم صلِّ علي ثم ادعه))(٣) ففي قوله: ((فقعدت)) بعد (صليت)) أوضح دلالة على أن المراد
قعود التشهد الأخير، وقوله: ((عجلت)) الإشارة إلى فوات الحقيقة، وإلا لما وقع اللوم
والتعلم بصيغة الأمر الظاهرة في الوجوب.
(١) تقدم تخريجه.
(٢) أخرجه أبو داود (١٤٨١)، والترمذي (٣٤٧٧) وقال: حسن صحيح. وابن حبان (١٩٦٠)،
والطبراني (٧٩١)، والحاكم (٨٤٠) وقال: صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي. والبيهقي
(٢٦٧٦)، وابن خزيمة (٦٨٧).
(٣) أخرجه الترمذي (٣٤٧٦) وقال: حسن. والنسائي (١٢٨٤)، والطبراني (٧٩٢).

٨٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الرابع
وقوله: ((أيها المصلي)) لا ينافي أصلنا، وهو أن الفاسدة لا تسمى صلاة؛ لأن مراده:
إنها لا تسماها حقيقة، وهي هنا مجازية قرينتها التعبير بالعجل مع الأمر المقتضي
الوجوب، وباقتضائه للوجوب الدال على فساد العبادة مع ما استقر عندهم أن الواجب
إذا فسد تجب إعادته، استغنى* عن الأمر بالإعادة على أنها قد تكون نافلة وهي
عندنا لا يجب إعادتها.
ومعنى الواجب في صلاة النفل: ما يتوقف صحته عليه لا ما يأثم بتركه من
حيث هو نفل، وأمَّا من حيث كونه تلبسًّا بعبادة فاسدة فيأثم في عدم أمره له بالإعادة
دليل على عدم الوجوب بوجه، لا يقال قوله: ((فقعدت)) يحتمل العطف على مقدر؛ أي:
إذا صليت وفرغت فقعدت للدعاء فاحمد الله؛ لأنا نقول: أي داع لهذا التقدير المخرج
للفظ عن ظاهر؟ وكيف ساغ لقائله الجسارة عليه مع عدم ما يدل عليه؟ وبفرض أنه
محتمل كيف يترك الظاهر المجرد احتمال؟.
ولو فتح هذا الباب لما انتظم شمل دليل فقهي لاستلزامه ظنية أدلته، والظني لا
ينفك عن الاحتمال، لكن لما لم يكن كل احتمال معتبرًا لم يلتفت الأئمة إلى
الاحتمالات البعيدة، بل ولا القريبة المخالفة لظاهر اللفظ المتبادر منه، وروى
الحاكم وصححه، لكن تعقب عن ابن مسعود مرفوعًا: ((إذا تشهد أحدكم في
الصَّلَاة فليقل: اللَّهُمَّ صلِّ على محمد وعلى آل محمد.))(١) وهذا من أوضح الأدلة
وأصرحها كما لا يخفى.
والطبراني: إنه ◌َ﴿ قال: ((لا صلاة لمن لم يصلِّ على نبيه))(٢) وكذا رواية ابن ماجه
والدارقطني.
وأخرج أيضًا: ((من صلى صلاة لم يصلِّ فيها علي وعلى أهل بيتي لم يقبل منه)(٣).
(١) أخرجه الحاكم (٩٩١)، والبيهقي (٣٧٨١).
(٢) أخرجه الطبراني (١٥١٨٦)، والدارقطني (١٣٥٨).
(٣) أخرجه الدارقطني (١٣٥٥).

٨٣
تتمة كتاب الصلاة/ باب الصّلاة على النبي ◌َالله وفضلها
وروى أبو عوانة أنه # فعلها في تشهده الأخير، وهو أولى للحال بها؛ لكونه
خاتمة الأمر، وقد مر خبر: ((صلوا كما رأيتموني أصلي)»(١) ولم يخرجها شيء عن
الوجوب؛ إذ لم يثبت أنه تركها في التشهد الأخير بخلاف الأول، فإنه جبر تركها فيه
بسجود السهو والواجب يتدارك ولا يجبر كما مر، وعدم ذكرها في خبر المسيء صلاته.
قيل: لأنها كانت معلومة له، وأظهر منه أن فرضها متأخر عنه؛ لأن الآية الآمرة
بها إنما نزلت بشعبان في السنة الثانية، وقضية المسيء صلاته كانت قبل ذلك كما
علم مما مر أول كتاب صفة الصّلاة، وأمَّا زعم تفرده بذلك وما يتعلق به فهو قصور من
قائليه وإن كثروا، كيف فقد نقل أصحابنا الحفاظ والفقهاء القول بالوجوب عن
جماعة من الصحابة.
منهم ابن مسعود كما يأتي عنه ما ينقطع به كل مشنع ومغير، وابن مسعود
البدري وجابر بن عبد الله وعمرو بن عبد الله، وجماعة من التابعين كالشعبي وأبي
جعفر الباقر وابنه وابنه وناهيك بهم ومحمد بن كعب القرطي ومقاتل بن حبان.
وظاهر كلام الشعبي - وهو من كبار التابعين -: إن ذلك إجماع أو قريب منه
حيث قال كما رواه البيهقي عنه بسند قوي: كنا نعلم التشهد فإذا قال: ((وأشهد أن
محمدًا عبده ورسوله)) يحمد ربه ويثني عليه، ثم يصلي على النبي ◌َّ﴾ ثم يسأل حاجته،
بل قال خاتمة الحفاظ، شيخ الإسلام ابن حجر: لم أر عن أحد من الصحابة والتابعين
التصريح بعدم الوجوب إلا ما نقل عن إبراهيم النخعي، ومع ذلك فلفظ المنقول عنه
یشعر بأن غیرہ کان قائلاً بالوجوب. انتهى.
وحينئذ فكيف يدعي أن الإجماع أو عمل السلف الصالح على خلاف قول
الشافعي، ومن وافقه من فقهاء الأمة أحمد في إحدى الروايتين عنه، بل هي التي عمل
بها آخرًا فتبطل الصّلاة بتركها عمدًا أو سهوًا، وعليه أكثر أصحابه، بل عنى بعضهم
(١) أخرجه أحمد (١٥٦٣٦)، والبخاري (٧٨٥)، ومسلم (٦٧٤)، والنسائي (٦٣٥)، وابن حبان
(١٦٥٨).

٨٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الرابع
الكيفية الآتية التي علَّمها النبي ◌َّ لهم لما سألوه، وكذا إسحاق بن راهويه، لكنه قيد
الإبطال بتعمد الترك بل لمالك نفسه قول بوجوبها، كما ذكره أصحابه وصححه منهم
ابن الموان والقاضي عبد الوهاب وابن العربي.
ويلزم الجمع الذين قالوا من الحنفية بوجوبها كلما ذكر أن يقولوا بوجوبها بعد
التشهد لذكره في: ((وأن محمدًا رسول الله)) لكن لا يلزم من هذا الوجوب بطلان
الصّلاة بتركه، ولم يخالف الشافعي من أصحابه إلا من شذ واستروح كالخطابي وابن
المنذر وابن جرير، بل ذهب جمع منهم إلى وجوب الصّلاة على الآل، وهو محكي قولاً
ووجهه ظاهر؛ لأن الحديث صريح فيه، وهو قوله عطفًا على المأمور به: (وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ)
لكن أجاب كثيرون بأن هذا مخالف للإجماع.
قيل: قائله على أنها لا تجب على الآل.
وجواب ثان: إنهم سقطوا في رواية للبخاري في حديث أبي سعيد، لكنه أثبتها في
البركة مع أنهم لم يسألوه عن البركة ولا أمر بها في الآية، وأيضًا فحديث أبي حميد
المتفق عليه الآتي ليس فيه الصّلاة على الآل، ولا فيه ذكر البركة عليهم أيضًا والذرية
التي هي أخص مطلقًا من الآل.
وجواب ثالث: هو أن المعتمد في الوجوب الأمر في الآية، فذكر الآل في جواب
طلبهم؛ لبيان ذلك المأمور من باب إجابة السائل بأكثر مما سأل لمصلحة هي هنا التنبيه
على الأكمل، وما يلزم عليه من استعمال الأمر، وهو: ((قولوا)) في حقيقته ومجازلا يرد
علينا، فإننا قائلون بجوازه كما حقق في الأصول.
وقول الخطابي: لا أعلم له فيها قدرة فيه نوع عذر له؛ لأنه إنما نفى علمه الدال
على غفلته مع كونه إمام السنة في وقته عما ذكرناه من الأحاديث الصريحة فيه، وسبق
القول بها عمن مر من الصحابة وغيرهم، وقول عياض عمل السلف الصالح أو
إجماعهم على خلافه زلة منه بعد معرفة ما تقرر، فإن أراد بالعمل الاعتقاد فزلة
أعظم؛ لأنه يتوقف على نقل صحيح صريح عنهم أنها ليست بواجب، ولكن تجد

٨٥
تتمة كتاب الصلاة/ باب الصّلاة على النبي ية وفضلها
ذلك مع ما قدمناه أن ذلك لم يحفظ عن صحابي ولا تابعي إلا النخعي.
ومن ثم قال بعض الحفاظ: إن استدللتم بعمل الناس في صلاتهم فهو من أقوى
حججنا، فإنه لم يزل عملهم مستمرًّا قرنًا بعد قرن عليها أخر صلاتهم إمامهم
ومأمومهم، مفترضهم ومتنفلهم، وهذا مما لا يمكن إنكاره، وإن استدللتم بالإجماع
فباطل، وساق نحو ما مر وزعمه؛ أعني: عياضًا أن الناس شنعوا عليه حتى إنه لم يشنع
عليه إلا من غفل أو سها عما قدمناه، ومثل ذلك لا يعول عليه ولا يلتفت إليه.
وأي شناعة في إثبات حكم دل عليه الكتاب؛ إذ فيه: (صَلُّوا عَلَيْهِ﴾
[الأحزاب: ٥٦] وهي لا تجب في غير الصّلاة إجماعًا على ما مر أن القائلين بوجوبها
خارجها فرقوا الإجماع من قبلهم، والسنة لما مر من الأحاديث المصرحة بوجوبها في
الصّلاة، بل بعد التشهد، والقياس الجلي والمصلحة الراجحة؛ لأن السلام إذا وجب
فيها على نفس المصلي وعباد الله الصالحين فأولى أن تجب الصّلاة التي اختص بها
الأنبياء وصارت شعارًا لتعظيمهم على سيد الأنبياء والمرسلين والملائكة المقربين
وخير خلق الله أجمعين، ولكونها صارت الشعار الأعظم في حقهم لم يكف عنها
وجوب السلام علیه.
قال الأئمة: ولا ريب أن القائل بجواز ترك هذا الشعار الأعظم على أعظم
خلق الله، وأفضلهم في أعظم عبادات البدن وأفضلها، وهي الصّلاة المقصود منها
مزيد الخضوع، واستحضار شارعها والثناء عليه هو الأولى بالتشنيع والأحق بالتفريط
والتضييع، ومن ثم قال حفاظ الحنابلة في رد الاعتراض على الشافعي: وأمَّا التشنيع
عليه فقل للمشنع: أَمَا تستحي من شناعتك؟ وهل إيجابها إلا من محاسن مذهبه؟ وهل
خالف نصًّا أو إجماعًا أو قياسًا أو مصلحة راجحة؟ فمن أي وجه يشنع عليه والشناعة
بك أليق وألصق؟. انتهى.
قيل: وكان الأنسب بغرض شفائه من مزيد إظهار شرفه له وتعظيمه اختيار
وجوبها لو فرض صحة ما زعمه رعاية لذلك الغرض كما خالف جمهور العلماء في

٨٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الرابع
اختياره طهارة فضلاته و 10 رعاية لذلك قد وقع له من غير أن يشعر ما يقضي بأنه
معترف في حديث الترمذي وغيره السابق بيان صراحته في وجوبها في الصّلاة بما
يوافق ذلك، فإنه ذكره لمشروعية الصّلاة بعد التشهد وقبل الدعاء، فحمل الحديث على
أنه وارد في الصّلاة بل بعد التشهد؛ لأنه عقد الفصل لبيان مواطن استحباب الصّلاة.
ثم قال: ومن ذلك تشهد الصّلاة، فاعترافه بأن هذا محلها في الحديث أعظم
حجة عليه، وزعمه أن الأمر للندب لا يفيده؛ لأنه خلاف الأصح من مذهبه ومذهبنا
في الأصول، وليس ذلك - أعني توليه بنفسه بالرد على نفسه - بعجيب من كرامات
إمام الأئمة الذي ملأ طباق الأرض بنص الحديث علومًا وحكمة.
وأمَّا قولهم: ((لو وجبت .. إلى آخره)) فجوابه: إن ذلك التلازم لا يقال إلا إن ادعى
الخصم أن الصّلاة فرضت مع التشهد، أمَّا إذا لم يتحقق ذلك التلازم لاحتمال تأخر
فرضها عن فرضه على أن الذي في حديث الصحيح ثم ليتخير، وثم وضعها للتراخي يدل
على أنه كان يسن التشهد والدعاء شيء، وأمَّا زعم عياض اختيار الشافعي تشهد ابن
مسعود فغلط منه وهو قبيح، لا سيما في محل الاستدلال والإلزام، والذي مر عنه
قولان:
الجدید: اختياره تشهد ابن عباس.
والقديم: اختيار تشهد عمر.
وقوله: وليس فيه ذكرها يرده ما أخرجه الحاكم بسند قوي عن ابن مسعود أنه
قال: يتشهد الرجل، ثم يصلي على النبي ◌َله ثم يدعو لنفسه، فتأمل هذا التصريح من
هذا الخبر بعين ما قاله الشافعي، وأنه ذكر فيما مر أن النبي وسير علمهم التشهد في
الصّلاة، وأنه قال: ثم ليتخير من الدعاء ما شاء.
فلما ثبت عن ابن مسعود الأمر بالصّلاة عليه بعد التشهد، وقبل الدعاء دل
على أنه اطلع على زيادة ذلك بين التشهد والدعاء، واندفع حجة من تمسك بحديث ابن
مسعود إذا قلت هذا؛ أي: تشهده، فقد قضيت صلاتك مردود بأن هذه زيادة مدرجة

٨٧
تتمة كتاب الصّلاة/ باب الصّلاة على النبي ◌َّ وفضلها
فلا دليل فيها، فعلم ما وقع فيه المعترضون من الغلط والإفراط والتفريط والشطط،
غفر الله لنا وإياهم ومن فضله على مقصدهم الجميل، أجزل مسعاهم وأكرم مثواهم،
آمین.
ويحصل واجب الصّلاة بـ: ((اللَّهُمَّ صل على محمد)) أو ((صلى الله على محمد)) لأنه
دعاء بلفظ الخبر، فيكون أولى؛ لأنه آكد، وفارق الصّلاة على محمد بأنه ليس فيه إسناد
الصّلاة على الله، فلم يكن في معنى الوارد، ومن ثم اتفقوا على عدم إجزائه، والحمل به
صليت على محمد - وهو واضح - أو على رسوله، أو على نبيه، أو النبي، ولا يكفي على
أحمد ولا محمد، وفارق أحمد محمدًا بأن الأول لم يغلب استعماله، والنبي الرسول بأنه
يطلق شائعًا على غير رسول الله بخلاف النبي، ولهذا كره الشافعي أن يقال: قال الرسول،
ونحن ذلك بخلاف قال النبي، ولا يكفي إبدال لفظ الصّلاة بالسلام، أو بالرحمة؛
لأنهما لا يؤديان معناها كما عرف مما مرآنفًا في تعريفها.
(كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمٌ، وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ) أي: حامد لأحبائك
بإجزال مثوباتهم، أو محمود بألسنة خلقك وأفعالهم وصفاتهم (مَجِيدٌ) أي: ماجد، وهو
من كمل شرفًا وكرمًا.
وحكمة الختم بهما: ما فيهما من المناسبة للمطلوب؛ إذ هما كالتعليل أو التذييل
له؛ أي: إنك فاعل ما يستوجب به الحمد من نعمك التي لا تتناهى كثير الإحسان على
أوليائك فأدم منها على نبيك وآله ما يليق بكماله.
(اللهُمَّ بَارِكْ) من معنى البركة في التشهد (عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ) هم مؤمنو
بني هاشم والمطلب عند الشافعي وجمهور العلماء؛ للخبر الصحيح وهو قوله {وَلايه
الحسن بن علي رضي الله عنهما: ((إِنَّا آل محمد لا تحل لنا الصدقة»(١) وقيل: أولاد
فاطمة ونسلهم، وقيل: أزواجهم وذريتهم؛ لأنهم ذكروا محله في رواية، ورد بأنه ثبت
(١) أخرجه أحمد (١٧٢٥)، والطيالسي (١١٧٧)، وابن خزيمة (٢٣٤٧)، وابن حبان (٧٢٢)، والبغوي
(٣٩٧)، والطبراني (٢٧١٠).

٨٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الرابع
الجمع بين الثلاثة في حديث واحد، نعم ورد إطلاق الآل على الزوجات في حديث: ((ما
شبع آل محمد من خبز مأدوم ثلاثً)(١).
وقيل: كل مسلم، ومال إليه مالك، واختاره الأزهري وآخرون، وهو قول سفيان
الثوري وغيره، ورجحه النووي في ((شرح مسلم)) وقيده القاضي حسين بالأتقياء، وحمل
غيره عليه كلام المطلقين، ويؤيده ما صح أنه وَ ل# لما لف على فاطمة وعلي وولديهما (ث
كساءه، وقرأ: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ البَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَظْهِيرًا﴾
[الأحزاب: ٣٣].
ثم قال: ((اللَّهُمَّ هؤلاء أهلي)) فقال له وائلة: وأنا من أهلك يا رسول الله، قال:
((وأنت من أهلي)»(٢) لكن سنده ضعيف.
وورد: ((سلمان منا آل البيت)»(٣) وروى تمام في ((فوائده)) والديلمي عن أنس قال:
سئل رسول الله وَله: من آل محمد؟ فقال: ((كل تقي من آل محمد))(٤).
زاد الديلمي: ثم قرأ: ﴿إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا المُتَّقُونَ﴾ [الأنفال: ٣٤] وإسنادهما ضعيف
بل واوٍ جدًّا، ولولا ذلك لتعين الجمع بأن الأول في مقام الدعاة المتقون من الأمة، وفي
منع نحو الزكاة مؤمنو بني هاشم والمطلب، وأصل آل: أهل، قلبت الهاء همزة ثم سهلت.
ومن ثم قالوا: أهیل.
وقيل: أصله أول من آل يؤول إذا رجع، سمي به من يؤول إلى معظم بقرابة أو
نحوها، ومن ثم لا يضاف إلا إلى الأشراف بخلاف أهل ولا يضاف أيضًا لغير عاقل ولا
المضمر عند الأكثر، لكن الأصح جوازه.
(١) أخرجه البخاري (٥٤٣٨)، وأحمد (٢٥٧٠٤)، والنسائي (٤٤٤٩).
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة (٣٢١٠٣)، والبيهقي (٢٩٤٨).
(٣) أخرجه ابن سعد (٨٢/٤)، والطبراني (٦٠٤٠)، والحاكم (٦٥٤١)، وابن عساكر (٤٠٨/٢١).
(٤) أخرجه تمام (١٤٥٢)، والطبراني في الأوسط (٣٣٣)، والعقيلي (٢٨٦/٤)، والبيهقي (٢٦٩٣)، وابن
عدي (٤٠/٧)، والديلمي (١٦٩٢).

٨٩
تتمة كتاب الصلاة/ باب الصلاة على النبي ◌َليّة وفضلها
وإذا قيل: فعل آل فلان كذا، لم يخرج فلان إلا بقرينة.
(كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمٌ) أي: اللَّهُمَّ أدم ذكره ودعوته وشريعته
وعترته وآله، وأعطه في كل ذلك ما تقر به عينه وينشرح له صدره، ولم يصرح أحد
بوجوب «وبارك ... إلى آخره)» إلا أيها ما وقع في بعض عباراته، والظاهر أنه غير مراد
لقائليها، وصح عند مسلم وغيره زيادة: ((في العالمين)» هنا و((ثم)» وهي متعلقة بمحذوف
دل عليه السياق؛ أي: أظهر الصّلاة والبركة على محمد، وآله في العالمين كما أظهرتها
على إبراهيم وآله في العالمين، وهم ما سوى الله على الأصح.
(إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ. مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ إِلَا أَنَّ مُسلمًا لَم يَذْكُرْ: عَلَى إِبْرَاهِيمَ فِي
الموضعينِ) فهي من زيادات البخاري هنا، وسيأتي أنهما اتفقا عليها عن غير كعب،
وإلا أنهما لم يذكرا كيف الصّلاة عليكم أهل البيت، وإنما ذكرها الحاكم في
((المستدرك)) كما ذكره بعض الحفاظ فعجيب إدراج المؤلف، وأصله لها في روايتيهما،
وليس في العمل بهذا الحديث ونحوه في الصّلاة إفراد الصّلاة عن السلام الذي نقل
النووي كراهته كعكسه عن العلماء أخذًا من الجمع بينهما في الآية؛ لأن السلام تقدم
قريبًا في التشهد.
قال الأسنوي: واشتهر زيادة ((سيدنا)) قبل ((محمد)) وفي كونه أفضل نظر، وفي
حفظي أن الشيخ عز الدين بن عبد السلام بناه على أن الأفضل سلوك الأدب أو
امتثال الأمر، فعلى الأول یستحب دون الثاني. انتهى.
ويتأمل تأخر الصديق - عه وكرم وجهه - لما ائتم به النبي ◌َليم مع كونه مكانك
وإقراره على ذلك، وكذلك امتناع علي ضه في وقعة الحديبية من محوه لاسمه وَلقر مع أمره
له بمحوه فقال: والله لا أمحوه، يعلم أن الأولى سلوك الأدب، وهو متجه، وإن قال
بعضهم: الأشبه الاتباع ولا يعرف إسناد ذلك إلى أحد من السلف. انتهى.
وإنكاره * على من خالفه بذلك إنما هو لكونه ضم إليه ألفاظًا من ألفاظ
الجاهلية، وتحياتهم كما نعرف ذلك بمراجعة الحديث الذي في ذلك.

٩٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الرابع
ومن ثم قال ◌َية في الإنكار: ((ولا يستهوينكم الشيطان))(١).
وقد صح قوله: ((أنا سيد ولد آدم))(٢).
وقوله للأنصار: ((قوموا لسيدكم))(٣).
وقوله للحسن: ((إن ابني هذا سيد)»(٤).
وورد عند النسائي قول سهل بن حنيف له { #: «يا سيدي)»(٥).
وجاء عن ابن مسعود مرفوعًا وموقوفًا وهو أصح: «أحسنوا الصَّلاة على
نبيكم))(٦) وذكر كيفيته، منها: «اللُّهُمَّ صلِّ على سيد المرسلين».
وقول بعضهم: إذا كان الأولى الاقتصار التسبيح، وحذف ((وبحمده)) على المشهور
مع ورود الحديث به، لكن ترك لضعفه، وحذف ((وبركاته)) في سلام الصّلاة مع ورودها
في حديث مشهور ضعيف بها، فما ظنك بهذا ليس في محله؛ لأن المشهور زيادة
((وبحمده)) وأمَّا ((وبركاته)) فالظاهر أن الشافعي ﴾ لم يطلع على حديثها، ومن ثم اختار
جماعة من أصحابه زيادتها عملاً بالحديث.
ثم رأيت بعض محققي المتأخرين من أئمتنا قال: الأدب من ذكر مطلوب بذكر
السيد، واستدل بـ((قوموا لسيدكم)) أي: سعد بن معاذ، وسيادته بالعلم والدين، قال:
وقول المصلي: ((اللَّهُمَّ صلِّ على سيدنا)) فله الإتيان بما أمرنا به وزيادة الإخبار بالواقع
الذي هو أدب، فهو أفضل من تركه فيما يظهر من الحديث السابق، وإن تردد في
(١) أخرجه أحمد (١٢٥٧٣)، وعبد بن حميد (١٣٣٧)، والبيهقي في شعب الإيمان (٤٨٧١)، والضياء
(١٦٢٨)، والنسائي في الكبرى (١٠٠٧٨).
(٢) أخرجه مسلم (٢٢٧٨)، وأحمد (١٠٩٨٥)، وابن أبي شيبة (٣١٧٢٨)، وأبو داود (٤٦٧٣).
(٣) لم أقف عليه.
(٤) أخرجه البخاري (٢٥٥٧)، وأحمد (٢٠٥١٧)، وأبو داود (٤٦٦٢)، والنسائي (١٤١٠)، والطبراني
(٢٥٨٨)، والحاكم (٤٨٠٩)، والبيهقي (١٦٤٨٦).
(٥) أخرجه أحمد (١٦٠٢١)، والنسائي (١٠٠٨٦)، والطبراني (٥٦١٥).
(٦) أخرجه عبد الرزاق (٣١١٢).

٩١
تتمة كتاب الصّلاة/ باب الصلاة على النبي يا وفضلها
أفضليته الشيخ الأسنوي. انتهى.
هو صريح فيما ذكرته، وبه يرد ما وقع لصاحب ((القاموس)) ميلاً إلى ما أطال به
ابن تيمية وغيره في ذلك، وخبر: «لا تسيدوني في الصَّلَاة)»(١) ضعيف، بل لا أصل له كما
قاله بعض الحفاظ المتأخرين، وقول بعض الشافعية: إن ذلك مبطل غلط منه، فلا
يقال: ينبغي مراعاته.
تنبيه:
استشكل الاكتفاء بـ((اللَّهُمَّ صلِّ على محمد)) دون بقية ما ذكر مما صحت به
الأحاديث، وأجبت بأن عمدة الجمهور في ذلك أن الوجوب ثبت بنص الآية السابقة،
فلما سأل الصحابة عن الكيفية وعلمها لهم وَله واختلف نقل مالك للألفاظ اقتصر
على ما اتفقت عليه الروايات، وترك الزائد كما في ألفاظ التشهد؛ إذ لو كان المتروك
واجبًا لما سكت عنه، ونوزع فيه بأن أقل ما وقع الاقتصار عليه: «اللَّهُمَّ صلِّ على محمد
کما صلیت على إبراهیم".
ومن ثم قال بعض أصحابنا: يجب ذكر ((إبراهيم)) والأحاديث التي فيها الأمر
بمطلق الصّلاة ليس فيها ما يشير إلى ما يجب من ذلك في الصّلاة، ورد بأن إبراهيم
حذف في رواية للنسائي سندها قوي ولفظها: ((صلوا عليَّ وقولوا: اللَّهُمَّ صلِّ على محمد
وعلى آل محمد)(٢) وزعم أنه من اقتصار بعض الرواة، فإن النسائي أخرجه تامًّا بعيد.
٩٢٠ - [وَعَنْ أَبِي حُمَيْدِ السَّاعِدِيِّ ﴾ قَالَ: قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، كَيْفَ نُصَلِّ
عَلَيْكَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهُ: ((قُولُوا: اللّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَأَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ كَمَا صَلَّيْتَ
عَلَى إِبْرَاهِيمَ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَأَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ
مَجِيدٌ)). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ](٣).
(١) ذكره السخاوي في المقاصد الحسنة (٢٤٠/١) وقال: لا أصل له.
(٢) أخرجه ابن قانع (٤١٥).
(٣) أخرجه البخاري (٣٣٦٩)، ومالك (٤٠٠)، وأحمد (٢٤٣١٧)، وأبو داود (٩٨١)، والنسائي (١٣٠٢)،

٩٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الرابع
(وَعَنْ أَبِي حُمَيْدِ السَّاعِدِيِّ ﴾ قَالَ: قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ نُصَلِّ عَلَيْكَ؟)
كان سبب طلبهم للكيفية مع اشتهار الصّلاة في لسانهم أنهم أحاطوا من كماله وَ ل# ما
استصغروه في جنبه أن يتسور عليه عقولهم، ففوضوا تعينه إليه كل﴾؛ لأنه المحيط بما
يليق به على أنه بتعليمه لهم بتلك الكيفية رمز إليهم بقصور مرتبتهم عن حقيقة
الصّلاة عليه، وأن المصلي عليه في الحقيقة إنما هو ربه، وأن نسبتها إليهم بطريق
السؤال لإيجادها من الله عليه وله.
ثم رأيت ما يؤيد ذلك، وهو أنه قبل سؤاله عن معنى الصّلاة المأمور بها وبأي
لفظ يؤدي؛ لأنها تحتمل الترحم والدعاء والتعظيم، ورد بأن كيف ظاهر في السؤال عن
الصفة، وأمَّا الجنس فيسأل عنه بلفظ ما، فيكونون عرفوا المراد بالصّلاة، وإنما سألوا
عن الصفة التي تليق به ليستعملوها.
قيل: والحامل لهم على ذلك أن السلام لما تقدم بلفظ مخصوص فهموا منه أن
الصّلاة تكون بلفظ مخصوص، وأحجموا عن القياس؛ لأنه لا يدخل الأذكار غالبًا،
فوقع الأمر كما فهموه، فإنه لم يقل لهم هي كالسلام، بل علمهم كيفية أخرى.
(فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهَ: قُولُوا: اللهُمَّ) هي بمعنى: يا الله، فالميم عوض من ياء،
ومن ثم شذ الجمع بينهما، وقيل: الميم مقتطعة من جملة أخرى؛ أي: هم منا بخير،
وقيل: زائدة للتفخيم، وقيل: دالة على الجمع كالواو؛ أي: يا من اجتمعت له الأسماء
الحسنى، ويؤيده قول الحسن البصري: اللَّهُمَّ مجتمع الدعاء، وقول النضر بن شميل: من
قال: اللَّهُمَّ، فقد سأل الله بجميع أسمائه.
وقول أبي رجاء: الميم هنا فيها تسعة وتسعون اسمًا له تعالى.
(صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ) هو علم منقول من اسم مفعول المضعف، سمي به بإلهام
من الله لجده عبد المطلب؛ ليحمده أهل السماوات والأرض، وقد حقق الله رجاؤه،
-
وابن ماجه (٩٥٨).

٩٣
تتمة كتاب الصلاة/ باب الصّلاة على النبي لة وفضلها
ومن ثم كان يقول كما أخرجه البخاري في تاريخه:
فذو العرش محمود وهذا محمد فشق له من اسمه ليجله
وهو أشهر أسمائه؛ لأن الله جمع له من المحامد وصفات الحمد ما لم يجمعه
لمخلوق غيره، ومن ثم كان بيده لواء الحمد، وكان صاحب المقام المحمود الذي يحمده
فيه الأولون والآخرون، وألهم من مجامع الحمد حين يسجد بين يدي ربه الشفاعة
العظمى في فصل القضاء التي هي المقام المحمود ما لم يفتح عليه به قبل ذلك.
وسميت أمته: الحمادون؛ لحمدهم على السراء والضراء، وتوفر فيه من صفات
الكمال ونهایات الجلال والجمال ما اقتضى حمده عند ربه وسائر خلقه حتى أعدائه لو
تركوا فطرهم وعقولهم من الاعتقاد.
ومن مزايا اختصاصه بهذا المقام حماية الله حرمته عن أن يتسور حماها أحد
حتى بالتسمي باسمه الصوري، أمَّا ((أحمد)) فلم يسم به غيره قط، وأمَّا ((محمد)) فكذلك
قبل أوان ظهوره وبعده بدا ناس أعناقهم إلى رحابها غفلة عن الله.
اعلم حيث يجعل رسالاته فسموا أبناءهم: محمد، حتى بلغوا خمسة عشر نفسًا.
قيل نقلاً عن العلماء: وأفضل الأذكار مطلقًا الحمد؛ لأنه ينفي مقامات النقص
كالتسبيح، ويثبت صفات الكمال كالتوحيد والتكبير.
(وَأَزْوَاجِهِ) هل يدخل فيهن من لم يدخل بها؟ الظاهر نعم؛ لأنها محرمة على
غيره لكن في رواية التفقد بأمهات الأولاد فعليها يخرج من لم يدخل بها؛ لأنها
ليست من أمهات المؤمنين وعدتهن ثنتا عشرة: خديجة، فسودة، فعائشة، فحفصة،
فزينب الهلالية - وتكنى: أم المساكين - فأم سلمة، فزينب بنت جحش، فجويرة
المصطلقية، فريحانة النضيرية، فأم حبيبة الأموية، فصفية الإسرائيلية، فميمونة
الهلالية، وعقد على سبع ولم يدخل بهن.
(وَذُرِّيَّتِهِ) بضم المعجمة ويجوز كسرها: من الذرأ؛ أي: الخلق، وسقطت الهمزة
تخفيفًا؛ أي: من ذراي فرق أو من الذر، وهي: النمل الصغير لخلقتهم أولاً على صورته،

٩٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الرابع
فعليهما لا همز فيه، وهي نسل الإنسان من ذكر أو أنثى، وعند أبي حنيفة وغيره: لا
يدخل فيها أولاد البنات إلا أولاد بناته ◌َل﴾؛ لأنهم ينسبون إليه في الكفاءة وغيرها،
فهم هنا أولاد فاطمة - رضي الله عنها - وكذا غيرها من بناته - رضي الله عنهن -
لكن بعضهن لم يعقب وبعضهن انقطع عقبه (كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ) وفي نسخة:
((آل إبراهيم)».
(وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَأَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ) وفي نسخة
صحيحة: ((آل إبراهيم)).
والذي في رواية أحمد ذكر إبراهيم في الصّلاة وآله في البركة، وفيها مناسبة لقوله
تعالى: ﴿رَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَانُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ البَيْتِ﴾ [هود:٧٣].
(إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ. مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ) وآل إبراهيم: إسماعيل وإسحاق وأولادهما،
وخص بالذكر؛ لأنه الذي سأل في بعث محمد وله عليهما لهذه الأمة، ولسؤاله أن يجعل
له لسان صدق؛ أي: ثناء حسن في الآخرين، وقيل: ولأنه رأى في النوم اسم محمد
مكتوبًا على أشجار الجنة فسأل الله أن يجري ذكره على ألسنتهم، ولأن الرحمة والبركة
لم تجتمعا لنبي غيره.
قال تعالى: ﴿رَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ البَيْتِ﴾ [هود: ٧٣].
فالتشبيه به في هذا الحديث وما قبله لذلك، أو ليطلب له ولآله - وليسوا
أنبياء - منازل إبراهيم وآله الأنبياء، أو التشبيه عائد لقوله: ((وآل محمد)) ولما نقل
الشيخ أبو حامد هذا عن الشافعي ﴾ قال: إنه مخالف لقاعدته الأصولية في رجوع
المتعلقات لجميع الحمل، ومما ينظر فيه مجيء التشبيه مع حذف الآل في رواية، بل في
رواية البخاري التي أشار إليها المصنف بقوله: ((إلا أن مسلمًا ... إلى آخره) وجود
التشبيه مع حذف الآل في رواية، بل في رواية البخاري التي أشار إليها لمحمد: ((آل
إبراهيم»(١).
(١) انظر التخريج السابق.

٩٥
تتمة كتاب الصلاة/ باب الصّلاة على النبي وَليه وفضلها
وأولت بأن ((آل)) فيها معجمة كخبر: «لقد أوتي هذا مزمارًا من مزامير آل
داود)»(١) لم يكن حسن الصوت إلا داود نفسه.
وأقول: لا يحتاج لذلك؛ لأن المضاف إليه ((آل)) يدخل فيه ولا يخرج عنه إلا
بقرينة كما مرآنفًا، وبهذا يندفع ما للشارح فتأمله، وزعم أنه ركيك بعيد من كلام
العرب ليس في محله، وأي مانع من تعلق الجار والمجرور المعطوف فقط لداع إليه، وهو
هنا خوف محذور توهم أفضلية إبراهيم عملاً بقاعدة: إن المشبه به أعظم من المشبه
غالبًا، وبهذا يجاب عن اعتراض الشيخ أبي حامد المذكور، فيقال: محل رجوع المتعلق
للكل حيث لم يمنع منه مانع كما هنا وهو ما ذكرته، فما قاله الشافعي ظاهر لا غبار
علیه.
فإن قلت: سلمنا ذلك، لكن كيف يمكن أن يسأل لغير الأنبياء ما هو
للأنبياء وما لهم يستحيل على غيرهم؟
قلت: لما تبعوا نبينا وَليم لم يبعد أن يسأل لهم الرحمة المقرونة بالتعظيم التي هي
نظير ما للأنبياء، والاستحالة المذكورة إن سلمت إنما هي في غير من لم يكن
تبعًا، وقصد المماثلة في الصفات التي هي أسباب للثواب لا الثواب فحسب، ومما
يصرح بهذا: إن الصّلاة خاصة بالأنبياء ومع ذلك يستعمل في تابعيهم تشريفًا لهم،
أو يقال: التشبيه لأصل الصّلاة بأصل الصّلاة دون رتبتها ومقدارها كما قالوا في:
﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٣]: إنه تشبيه في أصل الصوم دون
قدره.
وكما في: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوجِ﴾ [النساء: ١٦٣].
﴿وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللهُ إِلَيْكَ﴾ [القصص: ٧٧].
وهذا منسوب للشافعي أيضًا، أو التشبيه لنبينا إبراهيم ولا محذور فيه، والتوهم
السابق مندفع بالأدلة الخارجية المصرحة بأفضلية نبينا على إبراهيم وغيره بالإجماع على
(١) أخرجه أحمد (٨٦٣١)، وابن أبي شيبة (٢٩٩٣٧)، والنسائي (١٠١٩)، وابن ماجه (١٣٤١).

٩٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الرابع
ذلك، أو للأداء إذا سبق منك صلاة على إبراهيم وآله، فنسألها منك على محمد وآله
بالأولى؛ إذ ما ثبت للفاضل يثبت للأفضل بطريق الأولى، والتشبيه ليس من باب
إلحاق كامل بأكمل كما هو شأنه، بل من باب التهيج ونحوه، أو من باب إلحاق ما لم
يشتهر بما اشتهر، وإن کان أدون کما في: ﴿مَثَلُ نُورِه گمِشْگاةٍ﴾ [النور:٣٥] مع بون ما
بين النورين، لكن لما كان المراد من المشبه به أن يكون سببًا ظاهرًا واضحًا للسامع
حسن تشبيه النور بها.
وكذا هنا لما كان تعظيم أمرهم وآله بالصّلاة عليهم مشهورًا واضحًا عند جميع
الطوائف حسن أن يطلب لمحمد وآله بالصّلاة عليهم ما حصل لإبراهيم وآله، ويؤيد
ذلك ختم الطلب المذكور بقوله: ((في العالمين)) في خبر مسلم وغيره؛ أي: كما أظهرت
الصّلاة على إبراهيم وآله في العالمين، ولهذا لم يقع في العالمين إلا في ذكر إبراهيم وآله
دون محمد وآله، وبقيت أجوبة أخرى لا تخلو عن تكلف كأكثر هذه المذكورات.
وعندي: إن ذلك إنما هو للتواضع منه و # بإظهار قدر أبيه إبراهيم لأمته رعاية
لخلته وسابق أبوته، وذلك التوهم مدفوع بما مر وبقوله وَل: ((آدم فمن دونه تحت
لوائي)»(١).
وبحديث البخاري: ((أنا سيد الناس يوم القيامة))(٢) وبحديث الشافعة العظمى،
وبغير ذلك، فهذه من بيان الحق وما نحن فيه من التواضع، ولعل هذا أحسن الأجوبة
وأبعدها عن التكلف، فاعرفه.
ثم رأيت هذا الجواب منقول عن بعض العلماء، ولا يبعد أن منه أيضًا خبر
مسلم: ((إن رجلاً قال له: يا خير البرية، قَالَ: ذلك إبراهيم))(٣).
(١) أخرجه أحمد (٢٥٩٥).
(٢) أخرجه البخاري (٤٤٣٥)، ومسلم (١٩٤)، وأحمد (٩٦٢١)، والترمذي (٢٤٣٤)، والنسائي في
الكبرى (١١٢٨٦)، وابن أبي شيبة (٣١٦٧٤).
(٣) أخرجه مسلم (٦٢٨٧)، وأحمد (١٣١٦٣)، والترمذي (٣٦٧٥)، وأبو داود (٤٦٧٤).

٩٧
تتمة كتاب الصّلاة/ باب الصّلاة على النبي وَل وفضلها
وخبر: ((لا تفضلوني على يونس بن متى))(١) وإن ذكرت له حكمة أخرى، وقيل في
الأول: إنه قبل علمه بأفضليته على أن هذا مردود بأنه لو كان كذلك لغير وَلة بعد
علمه بأفضلية نفسه ذلك.
ولعلك إن تأملت هذا وجدته أحسن من قول النووي: أحسن الأجوبة ما مرت
نسبته للشافعي: إن التشبيه للأصل بالأصل أو للمجموع بالمجموع، ومن قول غيره:
أحسن منهما أن يقال: هو سليم من آل إبراهيم كما صح عن ابن عباس - رضي الله
عنهما - فكأنه أمرنا أن نصلي على محمد وآله خصوصًا بقدر ما صلينا عليه مع
إبراهيم وآله عمومًا فيحصل لآله ما يليق بهم ويبقى الباقي كله له.
وذلك القدر أزيد مما لغيره من آل إبراهيم، ويظهر حينئذ فائدة التشبيه، وأن
المطلوب له بهذا اللفظ أفضل من المطلوب بلفظ غيره، وقال الحليمي: سبب التشبيه
أن الملائكة دعوا لأهل بيت إبراهيم بالرحمة والبركة ومحمد وآله منهم، فكان المطلوب
استجابة دعائهم في محمد وآله، كما استجيب عندما قالوه في آل إبراهيم الموجودين
حينئذ، وكذا ختم هذا بـ((حميد مجيد)) كما ختمت بهما الآية.
(تنبيهان)
(أحدهما): نقل الرافعي عن الصيدلاني - كلاهما من أئمتنا -: إن من الناس من
يزيد: ((وارحم محمدًا وآل محمد أو آل محمد كما رحمت آل إبراهيم)) وربما يقولون:
((ترحمت)) بالتاء، ثم اعترضه بأنه لم يردوا بأنه غير صحيح؛ إذ لا يقال: رحمت عليه، بل
رحمته، وبأن الترحم فيه معنى التكلف والتصنع فلا يحسن إطلاقه على الله تعالى.
قال الأسنوي: أي: لا يقال ذلك على اللغة الفصحى وإلا فقد نقله الطبري عن
الصاغني. انتهى.
واعترضه صاحب ((القاموس)) بأنه تصحيف ووهم، وتقول على الصاغني ما لم
(١) لم أقف عليه.

٩٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الرابع
يقله والذي قاله إنما هو: ((رحمت)) بالتشديد، وأمَّا ((رحمت عليه)) بكسر أوله المخفف
فلم يقله أحد من أئمة اللغة المشاهير، فما علمناه وإن صح به نقل فهو في غاية الشذوذ
والضعف. انتهى.
والذي حكاه الصاغني عن بعض أئمة اللغة المتقدمين أنه قال: قول الناس:
(ترحمت عليه)) لحن وخطأ، وإنما الصواب: ((ترحمت عليه)) بتشديد الحاء ترجيحًا.
انتهى.
نعم نقل ابن يونس عن الجوهري أن ذلك يقال: رد القول الصيدلاني أنه لا
يقال.
فإن قلت: ما المانع من أن الرحمة ضمنت معنى الصّلاة فعديت بما تعدى به،
وأن المنافي ((ترحمت)) للتكلف، بل للتفرد والتخصيص كما في ((تكبر)) أو زائدة محضة
كما في ((قر واستقر)؟
قلت: دعوى التضمين وأن الباء لما ذكر إنما يصار لتكلفها أن ورد عمن يعتد به،
فحينئذ يحتاج لتأويله لما ذكر، وأمَّا في نحو الألفاظ المبتدعة فلا ينبغي أن يتكلف
لصحتها بمثل هذا التعنيف، وممن صرح بأن ذلك بدعة: النووي، فقال: هي بدعة لا
أصل لها، فلا يذكرها، وإن كان معناها الدعاء والرحمة، وقد بالغ ابن العربي المالكي في
إنكاره وتخطئة ابن أبي زید فیه. انتهى.
ووافقه بعض الحنفية، بل نقل ابن دحية: إنه لا يجوز حيث قال: قالوا: ينبغي لمن
ذكره وَلي﴿ أن يصلي عليه ولا يجوز أن يترحم عليه الآية: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ
بَيْنَكُمْ﴾ [النور: ٦٣] وإن كانت الصّلاة بمعنى الرحمة، فكأنه خص بهذا اللفظ تعظيمًا
له. انتهى.
ووجهه بعض الحنفية بأن الرحمة إنما تكون غالبًا عن فعل ما يلام عليه، ونحن
أمرنا بتعظيمه، ومقتضى قول الولي أبي زرعة بن الحافظ العراقي في ((فتاويه)) بعد أن
ذكر كلام من منع، وكلام ابن أبي زيد: ولعل المنع أرجح لضعف الأحاديث التي استند

٩٩
تتمة كتاب الصّلاة/ باب الصّلاة على النبي ◌َّ وفضلها
إليها المجوز. انتهى.
حرمته مطلقًا فيوافق ما قبله، ومقتضى كلام بعض من تأخر عنه الحرمة أن
ذكرها استقلالاً كـ ((قال النبي رحمه الله)) لا تبعًا حيث قال: والجواب عن الأحاديث
المشار إليها مع شدة ضعفها؛ أي: وإن صحح الحاكم إسناد بعضها أن الرحمة وقعت
فيها على سبيل التبعية للصلاة والبركة، ولم يرد ما يدل على وقوعها مقررة ألبتة، ورب
شيء يجوز تبعًا لا استقلالاً ألبتة. انتهى.
وليس كما زعم وإن سبقه لذلك ابن عبد البر وعياض وغيرهما، أو نقلوه عن
جمهور المالكية ووافقهم الغزالي، فقد روى البخاري في ((صحيحه): إن أعرابيًّا
قال: اللَّهُمَّ ارحمني وارحم محمدًا ولا ترحم معنا أحدًا، فقال له وَّ: ((لقد حجَّرت
واسعًا))(١) ولم ينكر عليه إطلاق الرحمة.
وسبق في التشهد: ((ورحمة الله وبركاته)(٢) وليس في الآية ما يمنع ذلك؛ لأنه قليلة
لما صح عنه أدعية كثيرة الدعاء لنفسه بالرحمة علمنا أن الدعاء له بالرحمة مما يليق به،
وزعم أنها لا تكون غالبًا إلا على ما يلام عليه ممنوع، وأي دليل لذلك، بل الأدلة
قاضية برده، منها: ما مر، ومنها: ﴿أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَئِكَ هُمُ
المُهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ١٥٧] ثوابًا لاسترجاعهم عند المصيبة.
ولا ينافي الدعاء له بالرحمة أنه عينها بنص: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾
[الأنبياء: ١٠٧] لأن كونه كذلك من جملة رحمة الله له وتفضله عليه؛ إذ هي في حقه
تعالى بمعنى إرادة الخير للعبد، أراد إدراره عليه وهو رقملم أجزل الخلق حظًا من تلك
الإرادة، وذلك الإدرار وحصول ذلك له لا يمنع طلب الزيادة له منه؛ لأن فضل الله لا
يتناهى، فهو نظير ما مر في الصّلاة عليه ل﴾.
(١) أخرجه البخاري (٦٠١٠)، وأحمد (٧٧٨٩)، وأبو داود (٨٨٢)، والنَّسائي (٥٥٩)، وابن خزيمة
(٨٦٤)، وابن حبان (٩٨٧).
(٢) تقدم تخريجه.

١٠٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الرابع
وفي رواية: ((وترحم على محمد وعلى آل محمد كما ترحمت على إبراهيم وعلى آل
إبراهيم إنك حميد مجيد، اللَّهُمَّ وتحنن على محمد وعلى آل محمد كما تحننت على إبراهيم
وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد))(١).
وسنده ذاهب، ففيه وضاع ومجهولات وكل ما جاء في التحنن من الروايات
ساقط بالمرة فلا تغتر بشيء منه، وكذا الترحم، نعم رواية من قال: «اللَّهُمَّ صلِّ على محمد
وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد
كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، وترحم على محمد وعلى آل محمد كما ترحمت
على إبراهيم وآل إبراهيم))(٢) شهدت له يوم القيامة بالشهادة وشفعت له، شذها رجاله
رجال الصحيح إلا واحدًا فلم يعرف فيه جرح ولا تعديل، وقد ذكره ابن حبان في
«الثقات)) على ذا عدته، ومن ثم قال غيره: إنه حديث حسن.
(ثانيهما): استدل العلماء بتعليمه 18 لأصحابه هذه الكيفية بعد سؤالهم عنها
بأنها أفضل كيفيات الصّلاة عليه في الصّلاة وخارجها؛ لأنه لا يختار لنبيه إلا الأميز
والأفضل، ومن ثم كان المعتمد عندنا أنه لو حلف ليصلين عليه وسلم أفضل الصّلاة لم
يبرأ إلا سلك خلافًا لمن قال: يبرأ بـ «اللَّهُمَّ صلِّ على محمد وآله كلما ذكره الذاكرون
وسها عن ذكره الغافلون».
ومن قال يبرأ بـ ((اللُّهُمَّ صلِّ على محمد كما هو أهله ويستحقه)).
قال بعض أئمتنا: ولو قال أنه يعمد إلى ذلك كله مع جمع ما تفرق في الروايات
الثابتة فيستخلصه ويستعمله لكان حسنًا. انتهى.
وقد عمد بعض حفاظ المتأخرين إلى ذكر كما ذكرته في كتابي في الصّلاة عليه
45* مع زيادات عليه صار بها مشتملاً على ما لم يشتمل عليه غيره، فصار هو الأفضل
على الإطلاق، وزعم بعض متأخري الشافعية والحنابلة أن التلفيف يستلزم إحداث
(١) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (١٥٨٨) وقال: إسناده ضعيف. والرافعي (١٥٦/٣).
(٢) انظر التخريج السابق.