النص المفهرس
صفحات 61-80
٦١ تتمة كتاب الصلاة/ باب التشهد التَّحِيَّاتُ الْمُبَارَكَاتُ) أي: الناميات، وظاهر أن المراد: نموها بنماء ثوابها المسبب عن كمال قائلها ومزيد حضوره وإخلاصه. (الصَّلَوَاتُ الطَّيِّبَاتُ الله) قال النووي في ((مجموعه)): قالوا تقديره: والمباركات والصلوات والطيبات، وحذف واو العطف جائز. انتهى. ولا يتعين ذلك، بل المعنى صحيح مع عدم تقديرها كما هو ظاهر، وقول الرافعي: إن حرف العطف مقدر قبل الطيبات فقط، فيه نظر لما يلزمه من نوع تحكم، بل تقديره قبل الصّلاة أولى وأظهر، ثم رأيت المتولي - من أكابر أئمتنا المتقدمين - صرح بما ذكرته من عدم تعين تقدير الواو في الكل، فقال: إن الألفاظ الثلاثة نعت للتحيات؛ أي: سواء أردنا بالصّلاة العبادات وهو ظاهر أم غيرها مما مر، لكن يلزم عليه قصر التحيات على بعض أنواعها، وهو خلاف المقصود، وإن جوزنا بدل البعض من الكل، ثم رأيت ابن الرفعة إمام أصحابنا المتأخرين رد على المتولي بأن التحيات كيف ما فسرت لا يجوز أن تفسر بالصّلاة کیف ما فسرت. انتهى. وقد علمت رده من قولي: ((أي سواء أردنا ... إلى آخره)) ورأيت الحنفية وجهوا ما ذهبوا إليه من ترجيح تشهد ابن مسعود، بأن واو العطف تقتضي المغايرة فتكون كل جملة ثناء مستقلاً بخلاف ما إذا سقطت، فإن ما عدا اللفظ الأول يكون صفة له فيكون جملة واحدة في الثناء، والأول أبلغ. انتهى. وبه يعلم أن النووي إنما قدر الواو جوابًا عن احتجاجهم لا لتعين تقديرها، وأبدى الشارح هنا في جعله ((التحيات المباركات)) جملة محذوفة الخبر، و((الصلوات الطيبات الله)) جملة أخرى مستأنفة توجيهًا في غاية البعد والتكلف كما يعرف بمراجعته. ! : ٦ كأنه إنما لم يقل بينهما؛ لأنه علم د ١٠٠ ٠ ا ٦٢ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الرابع والأعلام لا تغير. (سَلَامُ عَلَيْك وَسَلَامٌ عَلَيْنَا بغير ألف ولام، وَلَكِنْ رَوَاه) ابن الأثير (صَاحِبُ ((الجَامِعِ)) عَن التِّرْمِذِيّ) وذكره بعض أئمتنا عن مسلم، فالظاهر أنه في بعض نسخه، ورواه أيضًا الشافعي وأحمد - رضي الله عنهما - ومن رواية الترمذي وغيره هذه أخذ أئمتنا قولهم: تعريف السلام هنا في الموضعين أولى من تنكيره؛ لكثرته في الأخبار، وکلام الشافعي ولزیادته. ومن ثم كان الأصح عندنا: إن سلام التحلل يجب تعريفه، وفارق هذا بأنه ورد هنا التنكير ولم يرد، ثم فوجب الاقتصار على الوارد فيه، لا سيما والتنوين لا يقوم مقام ((أل)) ففيه زيادة، فلم يجز إبداله بما لا يدل على تلك الزيادة. تنبيه: أصل ((سلام عليك)): سلمت سلامًا عليك، ثم حذف الفعل وأقيم المصدر مقامه، وعدل عن النصب إلى الرفع على الابتداء؛ لإفادة الثبوت والدوام ثم زيدت ((أل)) للعهد الذهني؛ أي: السلام الذي وجه للأنبياء ((عليك أيها النبي)) والسلام الذي وجه لصالحي الأمم ((علينا وعلى إخواننا)) هو الدعاء المذكور في قوله عز قائلاً: ﴿وَسَلامُ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ [النمل: ٥٩] أو للجنس؛ أي: حقيقة السلام الذي يعرف أنه ما هو؟ وعمن يصدر؟ وعلى من ينزل؟ ((عليك وعلينا». وأخذوا أيضًا من هذا الحديث وغيره أن أقل التشهد: ((التحيات لله سلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، سلام علينا وعلى عباد الله الصالحين أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله)) ولا يجزي ((وأن محمدًا رسوله)) ولا إسقاط كلمة مما ذكر، ولا إبدال كلمة بمرادفها كـ((النبي)» بـ(الرسول))، و((محمدًا)) بـ((أحمد))، و(«أشهد» بـ((أعلم)) ولا إسقاط شدة من تشديداته؛ لأنه كرر في الأحاديث ولم يسقط في شيء من الروايات الصحيحة شيء من هذا. ولهذا قال الشافعي والأصحاب: يتعين لفظ ((التحيات)) لثبوتها في جميع الروايات ٦٣ تتمة كتاب الصّلاة/ باب التشهد بخلاف ((المباركات)) وما بعدها، ومن أسقط ((الصالحين)) أو ((علينا)) فقد وهم؛ لأن الشرع لم يرد بالسلام على كل العباد، بل خص به الصالحين فتعين؛ ولأن المتكلم قد لا يدخل في الصالحين فلم يجز حذفه. ذكره النووي واعترض ما ذكره في الصالحين بأن إضافة العباد إلى الله تغني عن ذلك لقوله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الحجر: ٤٢] ويرد بأن الإضافة ليست نصًّا في ذلك لفظًا، بل بمعونة قرينة المقام وهي ضعيفة تتخلف كثيرًا، فلم يكتف بها على أنه مع هذه الإضافة يستعمل مرادًا به العموم كما في الحديث القدسي: ((يا عبادي، كلكم ضال إلا من هديته))(١). نعم اعترض ما ذكر من سقوط المباركات وما بعدها بأن الزائد في بعض الروايات يجب قبوله؛ لأنه زيادة ثقة توجه إليها الأمر في قولوا: ((التحيات لله ... إلى آخره)» ويرد بأن محل ذلك في زائد يقم دليل على جواز إسقاطه، وهنا قام دليل على ذلك وهو حذفه، فوجب الجمع بأن ذكره لبيان الأكمل وحذفه لبيان الإجزاء بدونه. واعترض أيضًا بأن حذف ((غير المباركات)) لم يرد في شيء من التشهدات، فالأولى التعليل بأن ما بعد التحيات من الكلمات الثلاث توابع لها كما علم مما مر، والتابع لا يحسن إيجابه؛ إذ المعنى لا يختل بحذفه مع أن الأصل براءة الذمة، وبه ضعف النظر إلى ما في الأخذ بالأكثر من الخروج عن العهدة بيقين، ويكره الإعلان بالشهادتين بالإجماع كما يأتي. تنبيه: المنقول أن تشهده و ﴿ كتشهدنا، وأمَّا قول الرافعي: إنه و ليزر كان يقول في تشهده: ((إني رسول الله))(٢) فمردود أنه لا أصل له، بل ألفاظ التشهد متواترة عنه وليه وأنه كان (١) أخرجه مسلم (٢٥٧٧)، وابن حبان (٦١٩)، والحاكم (٧٦٠٦)، وقال: صحيح على شرط الشیخین. (٢) لم أقف عليه. ٦٤ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الرابع يقول: ((وأن محمدًا رسول الله))(١) أو ((عبده ورسوله))(٢) أو مؤول بأن مراده ما في البخاري عنه وَله لما خفت أزواد القوم فدعا ثم قال: ((أشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله))(٣). ولما بشره جابر باستيفاء غرمائه قال: ((وأشهد أني رسول الله))(٤) ومما يؤيد أن هذا مراده ذكره لذلك في الأذان ردًّا على من قال: إنه وسي﴿ لو أذن ماذا كان يقول في لفظ الشهادة؟ فرد عليه بأن المنقول أنه كان يقول في تشهده؛ أي: نطقه بكلمتي الشهادة وإطلاقه على ما يقال في جلوسه للصلاة من إطلاق اسم البعض على الكل، فأراد الرافعي المعنى الحقيقي لا المجازي. ٩١١ [وَعَنْ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ ﴾، عَنْ رَسُولِ اللهِهِ قَالَ: ثُمَّ جَلَسَ فَافْتَرَشَ رِجْلَهُ الْيُسْرَى، وَوَضَعَ يَدَهُ الْيُسْرَى عَلَى فَخِذِهِ، وَحَدَّ مِرْفَقَهُ الْيُمْنَى عَلَى فَخِذِهِ الْيُمْنَى، وَقَبَضَ ثِنْتَيْنِ، وَحَلَّقَ حَلقة، ثُمَّ رَفَعَ أُصْبُعَهُ، فَرَأَيْتِه يُحَرَّكُهَا يَدْعُو بِهَا. رَوَاهُ وَأَبُو دَاوُد، وَالدَّارِمِيّ](٥). (وَعَنْ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ ﴾ُ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَّهِ قَالَ) لأنظرن إلى صلاة رسول الله كيف يصلي، فقام رسول الله قال # فاستقبل القبلة فكبر فرفع يديه حتى حاذیا أذنيه، ثم أخذ له بيمينه، فلما أراد أن يركع رفعهما مثل ذلك، ثم وضع يديه على ركبته، فلما رفع رأسه من الركوع رفعهما مثل ذلك، فلما سجد وضع رأسه بذلك المنزل من (١) أخرجه مسلم (٤٠٣)، وأبو داود (٩٧٤)، والترمذي (٢٩٠) وقال: حسن غريب صحيح. والشافعي (٤٢/١)، والنسائي (١١٧٤)، وابن ماجه (٩٠٠)، وابن خزيمة (٧٠٥)، وأبو عوانة (٢٠٢٢)، وابن حبان (١٩٥٢)، والدارقطني (٣٥٠/١)، والبيهقي (٢٦٥٠). (٢) أخرجه البخاري (٥٨٧٦)، ومسلم (٤٠٢)، وأحمد (٤٠٦٤)، وابن حبان (١٩٥٥)، وأبو يعلى (٥١٣٥). (٣) أخرجه مسلم (٢٧)، وأحمد (٩٤٤٧). (٤) أخرجه أحمد (٩٤٤٧)، ومسلم (٢٧). (٥) أخرجه أبو داود (٩٥٨)، والدارمي (١٤٠٨). ٦٥ تتمة كتاب الصّلاة/ باب التشهد يديه؛ أي: بينهما. (ثُمَّ جَلَس) أي: للتشهد الأول كما دلت عليه صرائح الأحاديث الآتية أن افتراشه ◌َ﴿ كان فيه دون التشهد الأخير (فَافْتَرَشَ رِجْلَهُ الْيُسْرَى) أي: جلس على باطنها (وَوَضَعَ يَدَهُ الْيُسْرَى عَلَى فَخِذِهِ وَحَدَّ مِرْفَقَهُ الْيُمْنَى عَلَى فَخِذِهِ الْيُمْنَى). قيل: رفع مرفقيه عن فخذيه، وجعل عظم مرفقه كأنه رأس وتد. وقيل: أصل الحد المنع والفصل بين الشيئين. ومنها: سميت المناهي حدود الله، والمعنى: فصل بين مرفقيه وجنبه، ومنع أن يلتصقا في حال استعلائها على الفخذ. وقيل: يحتمل أن يكون حد مرفوعًا مضافًا لمرفقه على الابتداء، و((على فخذه)) خبر، والجملة حال، وأن يكون منصوبًا عطفًا على مفعول ((وضع))؛ أي: وضع حد مرفقه الیمنی علی فخذه الیمنی. انتهى. والظاهر أن منشأ تردد الشراح في ذلك أنهم لم يطلعوا على الحديث الذي صححه البيهقي في ذلك، وهو: ((إنه ﴿4﴾ جعل مرفقه اليمنى على فخذه اليمنى))(١) إذ هذا يعين أن المراد بحد مرفقه آخره، وأن ذلك الآخر كان ملصقًا بفخذه، وحينئذ فيجوز في حد الرفع والنصب كما ذكر في القول الأخير. وأمَّا ما ذكر في الأول فليس بصحيح، وفي الثاني فغير محتاج إليه، بل موهم؛ لأن النحوية وهو: رفع المرفقين عن الجنبين سنة في كل الصّلاة، فتخصيصها بهذا دون اليسرى، ودون بقية أفعال الصّلاة موهم أنه سنة هنا فقط وليس كذلك، فلم يصح هذا التفسير وتعين أحد احتمالي الثالث، لكن آخرها أولى وأظهر موافقة للحديث الصحيح الذي ذكرته، ومن ثم أخذ منه بعض أئمتنا أن ذلك سنة، قال: ويقاس بها اليسرى في ذلك. انتهى. (١) أخرجه الطبراني (١٧٥٤٧)، والبيهقي (٢٦١٧). ٦٦ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الرابع وأقول: الظاهر امتناع القياس؛ لأنه يلزم عليه الميل إلى جانب اليسرى، وهو مناف للهيئة المشروعة، ويلزم عليه أيضًا خروج أصابع اليسرى عن الركبة، وهو خلاف الأكمل السابق أن طرفها يكون عند الركبة. (وَقَبَضَ ثِنْتَيْنِ) من أصابع يمناه، وهما: الخنصر والبنصر (وَحَلَّقَ) بين الوسطى والسبابة (حَلقة) يحتمل أنه وضع رأسها على رأسها، أو رأسها بين عقدتي الوسطى، ومر أن كلاً وارد وسنة. (ثُمَّ رَفَعَ أَصْبُعَهُ) بالسبابة (فَرَأَيْتِه يُحَرِّكُهَا يَدْعُو بِهَا) أي: يشير بها إلى وحدانية الله سبحانه في حال تشهده، وهو حقيقة النطق بالشهادتين، وسمي التشهد دعاء؛ لاشتماله عليه (رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالدَّارِمِيّ). ٩١٢. [وَعَنْ عَبْدِ الله بْنِ الزُّبَيْرِ ﴿ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ◌َهِ يُشِيرُ بِإِصْبِعِهِ إِذَا دَعَا وَلا يُحَرِّكُهَا. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدٍ وَالنَّسَائِيّ، وَزَادَ أَبُو دَاوُدٍ: وَلا يُجَاوِزُ بَصَرُهُ إِشَارَتَهُ](١). (وَعَنْ عَبْدِ الله بْنِ الزُّبَيْرِ بَ﴿ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ◌َّهُ يُشِيرُ بِإِصْبِعِهِ إِذَا دَعَا) أي: تشهد (وَلا يُحَرِّكُهَا. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدٍ وَالنَّسَائِيّ وَزَادَ أَبُو دَاوُد) بسند صحيح (وَلا يُجَاوِزُ بَصَرُهُ إِشَارَتَهُ) وخبر التحريك وعدمه عند رفع الإصبع حالة قوله: ((إلا الله)» في التشهد صححهما البيهقي، ثم قال: ويحتمل أن المراد بتحريكها في خبره رفعها تكرير. انتهى. واختصت المسبحة بذلك؛ لأن لها اتصالاً بنياط؛ فكأنها سبب لحضوره، وعلى بقاء التحريك على ظاهره يرد ذلك على قاعدتنا الأصولية أن المثبت يقدم على النافي، وللانفصال عن ذلك بأنهم قدموا النافي على المثبت لما قام عندهم في ذلك غير مقنع، إلا أن يكون الذي قام عندهم هو أن التحريك يذهب الخشوع، ومع ذلك في كراهتهم التحريك مع صحة الحديث به وإبقائه على ظاهره نظر أي نظر، وأولى ما (١) أخرجه أبو داود (٩٩١، ٩٩٢)، والنسائي (١٢٧٨). ٦٧ تتمة كتاب الصلاة/ باب التشهد يتحمل به الجواب عنهم أنهم راعوا الوجه القائل بأن تحريكها حرام مبطل للصلاة. وخبر: ((تحريك الأصابع في الصَّلاة مذعرة للشيطان))(١) ضعيف، ويكره الإشارة بغير اليمنى، وبغير مسبحتها وإن فقدت لفوات سنة بسطها في الأولى وسنة قبض المشار بها في الثاني. تنبيه: إنما حملوا التحريك والإشارة في الخبرين على أنه في الصّلاة حالة النطق بالشهادتين، ولم يحملوا ذلك على معناه الحقيقي، وهو أنه كان في حالة الدعاء بعد التشهد يحرك إصبعه أو يشير بها، كما أن هذا من سنن الدعاء خارج الصّلاة كما يدل عليه حديث أبي هريرة الآتي على الأثر لما في خبر مسلم وغيره: ((إنه ◌َّ كان يرفعها عند تشهده)»(٢). والتشهد حقيقة: النطق بالشهادتين، وبذلك يخص عموم الخبرين المذكورين؛ إذ ظاهرهما أنه كان يرفعها في جميع التشهد المسمى بالدعاء؛ لاشتماله عليه، وأخذ أئمتنا من رواية: ((ولا يجاوز بصره إشارته)) أن ذلك سنة. وحكمته: إنه أبلغ في الحضور والخشوع، وقيل: لئلا ينظر حين الإشارة بها إلى السماء، وذلك يوهم أن الله في السماء تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا، وتسن إشارته بها إلى القبلة لحديث فيه، وأن تكون منحنية قليلاً لخبر صحيح فيه، ووجه بأنه أبلغ في الخضوع، وأن ينوي بها التوحيد والإخلاص فيه للاتباع، رواه البيهقي بسند مجهول، ولیجمع في توحيده بين اعتقاده وقوله وفعله. ٩١٣ [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: إِنَّ رَجُلاً كَانَ يَدْعُو بِأَصْبُعَيْهِ، فَقَالَ لَّهِ النَِّيُّ ◌َّ: (أَحِّدْ أَحِّدْ)) رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ والنَّسَائِيّ والبيهقي في ((الدعوات الكبير))](٣). (١) أخرجه البيهقي (٢٦١٦). (٢) لم أقف عليه. (٣) أخرجه أحمد (٩٤٢٩)، والترمذي (٣٥٥٧) وقال: حسن صحيح غريب. والنسائي (١٢٧٢)، = ٦٨ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الرابع (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةٍ ﴿ قَالَ: إِنَّ رَجُلاً كَانَ يَدْعُو بِأَصْبُعَيْهِ) أي: يرفع سبابتيه عند الدعاء، وكان الرفع عندهم دعاء (فَقَالَ لَه التَِّيُّ ◌ََّ: أَخِّدْ أَخِّدْ) أي: أشر بإصبع واحدة؛ لأن الذي تدعوه وهو الله واحد لا شريك له. قيل: وأصله (واحد)) قلبت الواو همزة (رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ والنَّسَائِيّ والبيهقي في ((الدعوات الكبير))). ٩١٤ - [وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ وَّهِ أَنْ يَجْلِسَ الرَّجُلُ فِي الصَّلَاةِ وَهُوَ مُعْتَمِدُ عَلَى يَدِهِ(١). رَوَاهُ أحمد وأَبُو دَاوُدِ. وفي رواية: نَهَى أَنْ يَعْتَمِدَ الرَّجُلُ عَلَى يَدَيْهِ إِذَا نَهَضَ فِي الصَّلَاةِ](٤). (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ وَ أَنْ يَجْلِسَ الرَّجُلُ فِي الصَّلَاةِ وَهُوَ مُعْتَمِدٌ) أي: متكئ (عَلَى يَدِهِ) ويؤخذ منه كراهة ذلك، ووجهه أن ذلك من شأن المتكبرين، وبه يزول استواء الجلوس؛ لأنه حينئذ يكون متكئاً على وجهه أو مائلاً على جنب (رَوَاهُ أحمد وَأَبُو دَاوُد). (وفي رواية: نَهَى أَنْ يَعْتَمِدَ الرَّجُلُ عَلَى يَدَيْهِ إِذَا نَهَضَ فِي الصَّلَاةِ) إلى القيام عن جلسة استراحة أو جلسة تشهد، وأخذ بمقتضى هذه الرواية الحنفية، ومر أول الفصل الثاني من باب السجود بسط ذلك وأن هذه رواية ضعيفة، وأن السنة أن يعتمد على یدیه. ٩١٥ [وَعَنْ عَبْدِ الله بْنِ مَسْعُودٍ عَ﴾ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ◌َّهِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الأُولَيَیْنِ كَأَنَّهُ عَلَى الرَّضْفِ، حَتَّى يَقُومَ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَأَبُو دَاوُد والنَّسَائِيّ](٣). = والحاكم (١٩٦٥) وقال: صحيح الإسناد. والبيهقي في شعب الإيمان (١١٣٤)، وفي الدعوات الكبير (٢٥٠)، والبزار (١٢٣٦). (١) أخرجه أحمد (٦٤٩٨)، وأبو داود (٩٩٤)، والبيهقي (٢٩٢٣). (٢) أخرجه أبو داود (٩٩٤)، والبيهقي (٢٩٢٢). (٣) أخرجه الترمذي (٣٦٧)، وأبو داود (٩٩٧)، والنسائي (١١٨٤). ٦٩ تتمة كتاب الصّلاة / باب التشهد (وَعَنْ عَبْدِ الله بْنِ مَسْعُودٍ ﴾ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ◌َهُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الأَولَيَيْنِ) أي: عقبهما إذا جلس للتشهد الأول سواء الثلاثية والرباعية (كَأَنَّهُ) جالس (عَلَى الرَّصْفِ) بفتح أوليه جمع رضيفة، وهي الحجر المحمي، وروي سكون الضاد (حَتَّى يَقُومَ) فيه أنه يسن للمبالغة في تخفيف التشهد الأول، ومنه أخذ أئمتنا أنه لا يسن فيه الصّلاة على الآل (رَوَاهُ التِّزْمِذِيّ وَأَبُو دَاوُد والنَّسَائِيّ). وقال الترمذي: حسن صحيح، لكن رده النووي في ((مجموعه)) فقال: ليس كما قال، بل هو منقطع. انتهى. ووافقه ابن دقيق العيد فقال: إنه ضعيف، ومن ثم اختار جمع من المتأخرين من أصحابنا ندب الصّلاة على الأول فيه، وفي التنقيح ينبغي أن يسنا جميعًا أو لا يسنا جميعًا، ولا يظهر فرق مع الأحاديث الصحيحة المصرحة بالجمع بين الصّلاة على النبي ﴿﴿ وآله لكن وجه الفرق بأن فيها نقل ركن قولي على قول وهو مبطل على قول، وإذا تقرر ضعف الحديث فلا حجة فيه لنفي جلسة الاستراحة، لو فرضت دلالة على نفيها التي زعمها بعض الحنفية زاعمًا أن المراد بالركعتين الأولتين: أولى الرباعية وثالثتها؛ أي: لم يكن يلبث إذا رفع رأسه من السجود في هاتين الركعتين حتى ينهض قائمًا. انتهى. وهو في غاية البعد والتكلف؛ إذ إطلاق الأولتين على الأولى والثالثة مجاز لا بد له من قرينة، وبفرض إرادته أو وجود قرينة فهو دليل لنا، فإن قوله: ((كان على الرضف» معناه: كما لا يخفى على أحد ما قدمته؛ أي: كأنه جالس على ذلك فيفيد جلوسًا خفيفًا، وهو ما يقوله في جلوس الاستراحة أنه يسن تخفيفه على أنه صحت فيه أحاديث قدمناها، فكيف يترك تلك الصرائح التي لا تقبل التأويل، ويستدل بهذا المحتمل الذي لو تأمل في مدلوله لم يكن فيه دلالة للخصم، بل عليه كما قررته ووضحته. (الفصل الثاني) ٩١٦ - [عَنْ جَابِرِ﴾ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ لَِّ يُعَلِّمُنَا التَّشَهُّدَ كَمَا يُعَلِّمُنَا ٧٠ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الرابع السُّورَةَ مِنَ الْقُرْآنِ بِسْمِ اللهِ وَبِاللهِ، التَّحِيَّاتُ للهِ وَالصَّلَوَاتُ الْطَيِّبَاتُ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ، وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ الله الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَةَ إِلَّا اللهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، أَسْأَلُ اللّهَ الْجَنَّةَ، وَأَعُوذُ بِاللهِ مِنَ النَّارِ)). رَوَاهُ النَّسَائِيّ](١). (عَنْ جَابِرِ ◌َ﴾ قَالَ: كَانَ رَسُولُ الله ◌َ يُعَلَّمُنَا التَّشَهُّدَ كَمَا يُعَلِّمُنَا السُّورَةَ مِنَ الْقُرْآنِ ((بِسْمِ الله وَبِاللَّهِ) فيه ندب التسمية أول التشهد، والذي عليه أئمتنا أنها لا تندب لعدم ثبوتها، وبيَّن ذلك النووي في ((مجموعه)» ورد على الحاكم بتصحيحه بعض أحاديثها، لكن اعترض بأنه صح فيها أحاديث لا مطعن فيها، ومن ثم اختار جمع من أئمتنا ندبها. (التَّحِيَّاتُ للهِ وَالصَّلَوَاتُ الطَّيِّبَاتُ، السَّلَّامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ، وَرَحْمَةُ الله وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَّهَ إِلَّا اللّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، أَسْأَلُ اللّهَ الْجَنَّةَ وَأَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ النَّارِ. رَوَاهُ النَّسَائِي) ولا ينافي ما يأتي من وجوب الصّلاة على النبي وَّ بعده، وقبل الدعاء الأحاديث الصحيحة الآتية المشتملة على تلك الزيادة التي خلت هذه الرواية عنها، والزيادة إذا لم تناف المزيد علیه بحسب العمل بها. ٩١٧ - [وَعَنْ نَافِعٍ قَالَ: كَانَ عَبْدُ الله بْنُ عُمَرَ إِذَا جَلَسَ فِي الصَّلَاةِ وَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ، وَأَشَارَ بِإِصْبِعِهِ وَأَتْبَعَهَا بَصَرَهُ، ثُمَّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَ الَهِيَ أَشَدُّ عَلَى الشَّيْطَانِ مِنَ الْحَدِيدِ)). يَعْنِي: السَّبَّابَةَ رَوَاهُ أحمد](٤). (وَعَنْ نَافِعٍ قَالَ: كَانَ عَبْدُ الله بْنُ عُمَرَ إِذَا جَلَسَ فِي الصَّلَاةِ) أي: للتشهد (وَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ، وَأَشَارَ بِإِصْبِعِهِ) أي: رفع سبابته اليمنى (وَأَتْبَعَهَا) في حال (١) أخرجه ابن أبي شيبة (٢٩٨٩)، والنسائي (١٢٠٤)، وابن ماجه (٩٠٢)، وأبو يعلى (٢٢٣٢)، والحاكم (٩٨٢)، والبيهقى (٢٦٥٣). (٢) أخرجه أحمد (٦١٤٣). ٧١ تتمة كتاب الصلاة/ باب التشهد الرفع (بَصَرَهُ) أي: قصر بصره عليها فلم ينظر به لغيرها، ومر أنه لو كان يفعل ذلك (ثُمَّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَّهِ (لَهِيَ أَشَدُّ عَلَى الشَّيْطَانِ مِنَ الْحَدِيدِ)؛ يَعْنِي: السَّبَّابَةَ) فعالة، من السب، وهي: الشتم أو القطع، وهو أنسب لجعلها في مقابلة الحديد الذي من شأنه القطع، فهي أشد قطعًا منه كما سيأتي بسطه (رَوَاهُ أحمد). ووجه تلك الأشدية: إن الحديد إن فرض وصوله إليه وتأثيره فيه إنما يؤثر في ظاهره فقط، وأمَّا الإشارة بتلك إلى التوحيد فهي تقطع طمعه في المسير ويوتسه من موالاته وطاعته له فيما يأمر به من اشتراك وغيره كما قال: ﴿وَلأُضِلَّنَّهُمْ وَلأُمَنِيَنَّهُمْ وَلَآ مُرَنُّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ الله وَمَن يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيَّا مِّن دُونِ اللّه فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُّبِينًا﴾ [النساء: ١١٩]. وأيضًا فهو بذلك أيضًا يحقق عداوته، وأنه لا يرجع بوسوسته ولا يبالي بتسويله وحيله، وذلك مناف؛ أي: مناف لغرضه من الإنسان، فكان حصول ذلك أشد عليه من ضرب النبال والسنان، خزاه الله وأبعده ودحره وأکمده آمین. ٩١٨ - [وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﴾ كَانَ يَقُولُ: مِنَ السُّنَّةِ إِخْفاءِ التَّشَهُّدُ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنَّ غَرِيبٌ](١). (وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﴿ كَانَ يَقُولُ: مِنَ السُّنَّةِ) هذا محمول عند جمهور الفقهاء والأصوليين والمحدثين على أنه في حكم المرفوع إلى النبي ◌َ﴾ أي: المنسوب إليه قولاً وفعلاً وتقريرًا، وقيل: هو في حكم المنقطع وليس بشيء (إِخْفاء التَّشَهُّدُ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُ غَرِيبُ) ومن ثم أجمعوا على أنه يكره الإعلان بالشهادتين في التشهد كما مر، وعندنا كل ما هو سري في الصّلاة كالتشهد جميعه يكره الجهر به للإمام والمأموم والمنفرد. (١) أخرجه أبو داود (٩٨٨)، والترمذي (٢٩٢)، والحاكم (٨٠٢). (باب الصّلاة على النبي ◌َيّ وفضلها) لو لم يكن منه إلا قوله تعالى - عز قائلاً -: ﴿إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦]. قيل: نزلت في شعبان، ومن ثم سمي شهر الصّلاة عليه. قيل: في ثاني سني الهجرة. وقيل: في ليلة الإسراء. ويؤيد الأول أن السورة مدنية، وقد بينت في كتابي: ((الدر المنضود في الصّلاة والسلام على صاحب المقام المحمود)) ما في الآية من اللطائف والنفائس التي لا يستغنى عن الإحاطة بها من له أدنى همة وفطنة، ولا بدَّ هنا من الإشارة لشيء من ذلك. اعلم أن الله تعالى لما أن شرف قدر نبيه، وأعطاه ما لم يعطه لمخلوق غيره، وجمع له من الكمالات ما فرقه في الأنبياء والمرسلين، ومنَّ عليه بزيادات يعجز عن حصرها أكابر العلماء والصديقين تولى سبحانه الصّلاة عليه بنفسه، والإخبار بذلك عن جميع ملائكة العالم العلوي والسفلي كما اقتضاه الجمع المضاف، ولم يرد في القرآن ولا في غيره كما أفاده بعضهم صلاة من الله على غيره بطريق الخصوص، فهي خصوصية اختص بها من بين الأنبياء، ومر في باب الركوع ما يدل على أن في الملائكة من الكثرة ما يبهر العقل. وقد أخرج جمع أئمة عن كعب الأحبار: ((إنه منزل على قبره ولي كل فجر سبعون ألف ملك يحفون به، ويصلون عليه إلى الليل ثم يرتفعون، وينزل مثلهم إلى الفجر، وهكذا حتى يقوم من قبره في سبعين ألفًا يزفونه))(١). (١) لم أقف عليه. ٠ ٧٢ ٧٣ تتمة كتاب الصلاة/ باب الصّلاة على النبي ودية وفضلها وفي لفظ: ((يوقرونه))(١) ثم بعد ذلك أمر الله تعالى كل مؤمن بالصّلاة والسلام عليه، ووطأ قبلته بالإخبار عنه تعالى وعن ملائكته الكرام بأنهم دائمون على ذلك، وتحديده وقتًا فوقتًا كما اقتضته الجملة الاسمية باعتبار صدورها للمضارعية باعتبار عجزها، فهي ذات وجهين بعثًا للمؤمنين على امتثال ذلك الأمر، وهنا على الدوام والاستمرار عليه؛ ليفوزوا بقربه ويتحققوا بلحظه وإمداده وحبه. وأكد السلام بالمصدر؛ ليعادل تأكيد الصّلاة بالتقديم وبأن والجملة بعدها، وأضيف لنا فقط؛ لأنه بمعنى التحية والانقياد يتأتى فينا دون الله وملائكته، فلو استعمل فيه تعالى وفيهم لأوهم ذلك وهو محذور بالنسبة إليه تعالى وغير المقصود بالنسبة للملائكة في مثل هذا المحل، فلا ينافيه سلام على إبراهيم ولا الملائكة ﴿يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ * سَلامُ عَلَيْكُمْ﴾ [الرعد:٢٣ - ٢٤] خلافًا لمن وهم فيه، فتأمله. ثم الصّلاة من الله تعالى وملائكته والمؤمنين وقع فيه اختلاف طويل، فقيل: معنى صلاة الله عليه: ثناؤه عليه عند ملائكته، ومعنى صلاة الملائكة عليه: دعاؤهم له، ورجح بأن فيه استعمال لفظ الصّلاة في حقه تعالى وحق الملائكة والمؤمنين بمعنى واحد، فمعنى صلاة الله عليه ثناؤه عليه وتعظيمه له بين ملائكته، وصلاة الملائكة وغيرهم طلب ذلك له من ربه؛ أي: طلب زيادته لوجود أصله بنص الآية، وعلى هذا يحمل قول ابن عباس: معنى صلاة الملائكة الدعاء بالبركة؛ أي: الزيادة، وهذا معنى صلو" أيضًا كما تقرر، وبه يتضح قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ﴾ [الأحزاب: ٤٣]. فصلاته تعالى رحمة وصلاتهم سؤالهم إياها منه لعباده، وقيل: صلاة الله: مغفرته، وصلاة الملائكة: الاستغفار، ويمكن رجوعه لما قبله بجعل المغفرة نوعًا من (١) لم أقف عليه. ٧٤ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الرابع أنواع ذلك التعظيم والاستغفار نوعًا من أنواع ذلك الدعاء، واقتصر عليهما؛ للاهتمام بهما، وقيل: صلاة الله رحمة وصلاة الملائكة رقة تبعث على استدعاء طلب الرحمة. والثاني يرجع لما مر أنها منهم الدعاء، والأول إن أريد بالرحمة فيه الرحمة المقرونة بالتعظيم رجع لما مر أيضًا أنها من الله ثناؤه عليه، وإن أريد مطلق الرحمة بوجه الاعتراض عليه بأن الله تعالى غاير بينهما في: ﴿أَوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾ [البقرة: ١٥٧]. وللصحابة فهموا المغايرة بسؤالهم عن معنى الصّلاة في الآية مع أنهم علموا ((السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته)) فلو اتحدتا لما سألوا عن الصّلاة، ولقال لهم وَّ: قد علمتم الصّلاة بعلمكم الدعاء بالرحمة. وأيضًا فقد أجمعوا على جواز الترحم على غير الأنبياء، واختلفوا على أقوال شتى في الصّلاة على غير الأنبياء، فهذا صريح في مغايرتهما، نعم قد تأتي الصّلاة من الله بمعنى الرحمة كما في قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّ عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ﴾ [الأحزاب: ٤٣]. وحينئذ فالصّلاة من الله على الأنبياء تختص بالرحمة المقرونة بالتعظيم وعلى غيرهم لا تختص بذلك، بل قد يكون فيها ما هو مقرون بنوع تعظيم، وقد لا يحسب مراتب المؤمنين، ومما يؤيد ذلك أن من المعلوم أن القدر الذي يليق بالنبي من الرحمة أرفع مما یلیق بغيره. وقد أجمع المسلمون على أن في آية ﴿إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٥٦] من تعظيم شأنه والتنويه بشرفه ما ليس في غيرها. وشرح الحليمي أنواعًا من ذلك التعظيم، فقال: معنى قولنا: ((اللَّهُمَّ صل على محمد)) عظم محمدًا في الدنيا بإعلاء ذكره وإظهار دينه وإبقاء شريعته، وفي الآخرة بإجزال مثوبته وتشفيعه في أمته وإبداء فضيلته بالمقام المحمود، وكونها لنحو هذا التعظيم في حقه لم لا يستلزم كونها كذلك بالنسبة على نحو ((آله وصحبه)) المذكورين ٧٥ تتمة كتاب الصلاة/ باب الصّلاة على النبي ◌َّ وفضلها معه في الصّلاة؛ لما مر أنها على كل إنسان بحسب ما يليق به من الرحمة العامة أو المقرونة بنوع تعظيم. قال الحليمي: والمقصود بالصّلاة عليه * التقرب إلى الله تعالى بامتثال أمره وقضاء حق النبي وَلّ علينا، وأخذ بقضيته العز بن عبد السلام فقال: ليست صلاتنا عليه شفاعة له؛ فإن مثلنا لا يشفع لمثله، ولكن الله تعالى أمرنا بمكافأة من أحسن إلينا، فإن عجزنا عنها كافأنا بالدعاء، فأرشدنا الله تعالى لما علم عجزنا عن مكافأة نبينا إلى الصّلاة علیه. انتهى. وتبعه غيره ووافقهم على ذلك ابن العربي المالكي فقال: فائدة الصّلاة عليه ترجع للمصلي لدلالتها على نصوح عقيدته وخلوص نيته وإظهار محبته والمداومة على الطاعة والاحترام للواسطة الكريمة ◌َله. انتهى. وفي اقتصار هؤلاء على ما ذكره نوع قصور، فقد مر أن صلاتنا عليه معناها: طلب الزيادة له من ثناء الله تعالى عليه وتعظيمه وتشريفه بين ملائكته، ففيها ما قاله أولئك: تلك للزيادات الحاصلة بالصّلاة التي أمرنا بها عليه والمترقية إلى مراتب درجات تليق بكماله، لا يعلم كنهها إلا المتفضل عليه بها، ففي الصّلاة عليه فوائد له وللمصلين عليه، وقريب من ذلك أن الصغير لا ذنب له، ويجب الدعاء له في الصّلاة عليه بعد موته بنحو المغفرة المستعملة فيه بمعنى رفع الدرجات في الجنة؛ لأنه من أهلها إجماعًا خلافًا لمن غلط في ذلك فاحفظ ذلك فإنه مهم. (الفصل الأول) ٩١٩ - [وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى قَالَ: لَقِيَنِي كَعْبُ بْنُ عُجْرَةَ عَ فَقَالَ: أَلَا أُهْدِي لَكَ هَدِيَّةً سَمِعْتُهَا مِنَ النَّبِيِّ ◌َيُّ فَقُلْتُ: بَلَى، فَأَهْدِهَا لِي، فَقَالَ: سَأَلْنَا رَسُولَ الله وَ﴿ فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ، كَيْفَ الصَّلَاةُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ؟ فَإِنَّ اللهَ قَدْ عَلَّمَنَا كَيْفَ فُسَلِّمُ عَلَيْكُمْ، قَالَ: ((قُولُوا: اللهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، اللهُمَّ بَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا ٧٦ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الرابع بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ. مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ إِلَّا أَنَّ مُسلمًا لَم يَذْكُرْ: عَلَى إِبْرَاهِيمَ فِي المَوضعِينِ)(١). (وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى قَالَ: لَقِيَنِي كَعْبُ بْنُ عُجْرَةَ ﴾ فَقَالَ: أَلَا أُهْدِي لَكَ هَدِيَّةٌ سَمِعْتُهَا مِنَ النَّبِيِّ وَلَِّ) إنما قدم له هذه المقدمة؛ ليعظم شأن ذلك عنده، ويعتني بحفظه والعمل به، وإشاعته وإذاعته؛ لما فيه من غرر الفوائد ودرر الفرائد (فَقُلْتُ: بَلَى، فَأَهْدِهَا لِي، فَقَالَ: سَأَلْنَا رَسُولَ اللهِ وَ﴾ فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ، كَيْفَ الصَّلَاةُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ؟) منصوب على الاختصاص كما في الآية (فَإِنَّ اللّهَ قَدْ عَلَّمَنَا) في التشهد على لسانك، فإنك لا تنطق إلا عنه (كَيْفَ فُسَلِّمُ عَلَيْكُمْ) بأن نقول: السلام عليك أيها النبي. وشذ من زعم أن المراد: سلام التحلل من الصّلاة، وأنه يسن أن يقال فيه ما يقال في التشهد، وكان سبب جمعهم أهل بيته معه مع قوله: كيف نسلم عليك؟ أن الصحابة كان مستقرًا عندهم عظمة أهل بيته، وأن تعظيمهم من جملة تعظيمه، وقد أمرهم الله بالصّلاة عليه، ففهموا أن أهل بيته يشركونهم فيه تبعًا له فسألوه عن كيفية الصّلاة عليه وعليهم. فإن قلت: لِمَ لَمْ يأخذوا من تخصيصه بالسلام تخصيصه بالصّلاة؟ قلت: لم يخص به في الحقيقة؛ لأنه ذكر بعده السلام على الصالحين وأهل بيته من أكابرهم، ثم رأيت بعضهم قال: معناه: علمنا الله كيف الصّلاة والسلام عليك في الآية فكيف الصّلاة على أهل بيتك؟ قيل: ويؤيده قوله: ((أهل البيت)) فإنه نصب بيانًا لعلمكم وحمله على التعظيم مجازلا يطابق قوله: ((وعلى آل محمد)). انتهى. ويرد ما ذكره آخرًا بأنه من باب إجابة السائل بأكثر مما سأل للحاجة إليه، وهو (١) أخرجه البخاري (٤٥١٩)، ومسلم (٤٠٦)، وأحمد (١٨١٥٨)، وعبد الرزاق (٣١٠٦)، وأبو داود (٩٧٦)، والترمذي (٤٨٣)، والنسائي (١٢٨٩)، وابن ماجه (٩٠٤). ٧٧ تتمة كتاب الصّلاة/ باب الصّلاة على النبي ◌َّ وفضلها متعين أو متأكد وأولاً بأن الروايات الآتية صريحة في خلافه فتعين ما ذكرته، فمن جملة تلك الروايات ما في رواية للشيخين: ((ألا أهدي لك هدية إن النبي لة خرج علينا فقلنا: يَا رَسُولَ الله، قد علمنا كيف نسلم عليك فكيف نصلي عليك؟»(١). وفي أخرى سندها جيد سبب لهذا السؤال، ولفظها لما نزلت: ﴿إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَّهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦] جاء رجل إلى النبي ◌َّله فقال: يا رسول الله، هذا السلام عليك قد عرفناه فكيف الصّلاة عليك؟ قال: («قولوا: اللَّهُمَّ صلِّ على محمد.))(٢). وفي أخرى لمسلم وغيره: أمرنا الله أن نصلي عليك فكيف نصلي عليك؟ فسكت حتى تمنينا أنه لم نسأل، ثم قال: «قولوا: اللَّهُمَّ صلِّ على محمد.)) وفي آخره: ((والسلام كما علمتم)(٣) أي: بفتح فكسر، أو بضم فكسر مع تشديد اللام. وفي هذه الأحاديث أوضح رد على من زعم أن الصّلاة عليه بمعنى السلام، واستدل بها جمع كثيرون على وجوب الصّلاة عليه في التشهد يسألوه عن كيفية الصّلاة عليه؛ أي: فيه بدليل السياق لا خارج الصّلاة؛ لأنه بعيد كما قاله عياض وغيره، وقرره بعضهم بأنها عليه واجبة إجماعًا، وهي لا تجب خارج الصّلاة إجماعًا، فتعين وجوبها فيها وهو ضعيف لبنائه على دعوى هذين الإجماعين، وذلك فاسد لما يأتي قريبًا. (قَالَ: قُولُوا: اللهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ) هذا كقوله تعالى: ﴿صَلُّوا عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٥٦] أمر وهو للوجوب، ومن ثم قال ابن عبد البر: أجمع العلماء على أنها فرض على كل مؤمن بهذه الآية وفيه نظر، بل اختلف العلماء فيه، فقيل: يجب في الجملة وأقل ما يحصل به الإجزاء مرة، وادعى بعض المالكية فيه الإجماع. (١) أخرجه البخاري (٦٣٥٧)، ومسلم (٩٣٥). (٢) أخرجه الطبراني (١٥٦١٤)، وعبد بن حميد (٣٧٠). (٣) أخرجه مسلم (٤٠٥)، وأبو داود (٩٨٠)، والترمذي (٣٢٢٠) وقال: حسن صحيح. والنسائي (١٢٨٥)، وعبد الرزاق (٣١٠٨). ٧٨ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الرابع وقيل: يجب الإكثار منها من غير تقييد بعدد وعبارة قائله من المالكية الواجب أن يكثر المرء منها. وقيل: يجب كلما ذكر وإن تكرر ذكره في المجلس الواحد، وعليه جماعات من أئمة المذاهب الأربعة الأحاديث الصحيحة كالحديث المشهور الذي من جملته: إن جبريل قال للنبي، صلى الله وسلم عليهما: ((من ذكرت عنده فلم يصلِّ عليك فمات فدخل النار فأبعده الله قل: آمين))(١). وكحديث: ((رغم أنف من ذكرت عنده فلم يصلٌّ على(٢). وفي رواية: ((شقي عبد ذكرت عنده فلم يصل علي)(٣) فالدعاء بالبعد والرغم والشقاء صريح في الوعيد، وهو على الترك صريح في الوجوب، وعليه فأكثرهم أنه وجوب عين. وقيل: وجوب عين، وأجاب الأكثرون بأن هذا قول انعقد الإجماع قبل قائله على خلافه، فهو مخترع لا يقبل على أنه يلزم عليه، وجوب ذلك على المؤذن وسامعه وقارئ آية فيها ذكره وله والداخل في الإسلام قبل تلفظه بالشهادتين على أن في الإيجاب من الجرح ما تنزه الشريعة السمحة عن مثله. وأيضًا لم يحفظ عن صحابي أنه قال: يا رسول الله، صلى الله عليك، وأيضًا فإيجاب الثناء على الله تعالى كلما ذكر أولى ولم يقولوا به؛ أي: فيما بلغ زاعم هذين وإلا فقد قال به جمع في الله أيضًا، وجاء في أحاديث عن جمع من الصحابة أنهم لما خاطبوه قالوا: صلى الله عليك. قالوا: وتلك الأحاديث خرجت مخرج المبالغة والزجر، أو محمولة على من ترك ذلك ديدنًا أو تهاونا. (١) أخرجه الطبراني (١١١١٥). (٢) لم أقف عليه. (٣) أخرجه البُخَارِي في الأدب المفرد (٦٤٤). ٧٩ تتمة كتاب الصّلاة/ باب الصّلاة على النبي وَي﴾ وفضلها وقيل: يجب في كل مجلس مرة. وقيل: في كل دعاء. وقيل: مرة في العمر، ونقل عن جمهور الأئمة. وقيل: في الصّلاة من غير تعين لمحل، ونقل عن الباقر. وقيل: إنها مستحبة مطلقًا، وادعى ابن جرير الإجماع عليه، ورد بدعوى غيره الإجماع على مشروعيتها في الصّلاة وجوبًا أو ندبًا، ولا يعرف لذلك مخالف إلا قول إبراهيم النخعي بإجزاء السلام عنها. وقيل: يجب في التشهد، وهو قول الشعبي وإسحاق. وقیل: يجب بعده. وقيل: السلام حتى على النبي ◌َّ على نفسه، وهو قول الشافعي وربيعة، ويدل له أحاديث صحيحة كحديث أبي مسعود البدري أنهم قالوا: يا رسول الله، أمَّا السلام عليك فقد عرفناه فكيف نصلي عليك إذا نحن صلينا في صلواتنا؟ فقال: «قولوا: اللُّهُمَّ صل على محمد وعلى آل محمد ... ))(١) صححه الترمذي وابن خزيمة والحاكم، ومرادهم بالسلام الذي عرفوه: سلام التشهد الذي كان يعلمهم إياه كما يعلم السورة من القرآن كما مر. وفي ((الأم)) للشافعي: فرض الله الصّلاة على رسوله بقوله: (صَلُّوا عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٥٦] ولم يكن فرض الصّلاة عليه في موضع أولى منه في الصّلاة، ووجدنا الدلالة على النبي ◌َ# بذلك، ثم ساق بسنده حديث أبي هريرة أنه قال: يا رسول الله، كيف نصلي عليك؟ يعني: في الصّلاة، قال: ((فقولوا: اللَّهُمَّ صلِّ على محمد وعلى آل محمد))(٢). قال الشافعي: فلما جاء أنه كان يعلمهم التشهد في الصّلاة، وأنه علمهم كيف (١) أخرجه أحمد (١٤)، وابن خزيمة (٦٨٨)، والحاكم (٩٣٩). (٢) تقدم تخريجه. ٨٠ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الرابع يصلون عليه في الصّلاة لم يجز أن نقول: التشهد واجب والصّلاة عليه فيه؛ أي: بعد غير واجب، ونسبه الشافعي للقرافي أنه استدل بما مر في قولي وقرره بعضهم وهم منه. وإنما حاصل استدلاله ما ذكره واعترض عليه بأن الحديثين من رواية شيخه إبراهيم وهو ضعيف، وبفرض صحته لم يصرح بالقائل؛ يعني: وبأن الثاني وإن كان ظاهره أن المراد الصّلاة ذات الأركان، لكنه محتمل أن يراد بها فيه الصّلاة عليه؛ أي: كان يقول ذلك في صفة الصّلاة عليه. ويؤيده أن أكثر الطرق عن كعب بن عجرة يدل على أن السؤال وقع عن صفة الصّلاة لا عن محلها، وبأنه ليس في الحديث ما يعين أن محلها بعد التشهد وقبل السلام، وأنه تفرد بذلك؛ إذ الإجماع وعمل السلف الصالح على خلافه، وبأن جماعة من أهل مذهبه شنعوا عليه، وبأنها لو وجبت لكان في تعليمه لهم التشهد دونها تأخير البيان عن وقت الحاجة على أنه لما علمهم إياه قال: ((فليتخير من الدعاء ما شاء)(١) ولم يذكر لهم الصّلاة عليه، وبأنه اختار تشهد ابن مسعود وليس فيه ذكرها، هذا حاصل ما اعترض به عليه، وكلها ساقطة بالمرة. أمَّا ما يتعلق بالحديثين فجوابه: إن الشافعي توثق شيخه المذكور، فكفى بتوثيقه لو لم يخبره فكيف وقد خبره وأحاط من شأنه بما لم يحط به غيره؟ على أن حديثيه المذكورين ورد، بل أصح أحاديث أخر يعضدها: منها: خبر العمري بسند جيد: ((لا تكون صلاة إلا بقراءة وتشهد وصلاة علي))(٢) وهذا صريح لا يقبل التأويل في وجوبها في الصّلاة ذات الأركان، كذا رواه بعضهم مرفوعًا، والذي رأيته في كلام بعض الحفاظ المعتمدين أنه من قول ابن عمر موقوفًا. ومنها: خبر ابن مسعود البدري: ((أمَّا السلام عليك فقد عرفناه)) أي: في (١) أخرجه أحمد (٣٦٨٩)، والبيهقي (٢٩٩١). (٢) لم أقف عليه.