النص المفهرس
صفحات 41-60
٤١
تتمة كتاب الصلاة/ باب السجود
(وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ وَ يَقُولُ بَيْنَ
السَّجْدَتَيْنِ: اللهُمَّ اغْفِرْ لِي وَارْحَمْنِي، وَاهْدِنِي وَعَافِي وَارْزُقْنِي رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ).
٩٠١ . [عَنْ حُذَيْفَةَ: إِنَّ النَّبِيَّ ◌َ كَانَ يَقُولُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ: «رَبِّ اغْفِرْ لي)».
رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَالدَّارِمِيّ﴾(١).
(عَنْ حُذَيْفَةَ: إِنَّ النَّبِيَّ ◌َ كَانَ يَقُولُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ: رَبِّ اغْفِرْ لِي. رَوَاهُ
النَّسَائِيّ وَالدَّارِمِيّ).
وأخذ أئمتنا من هذين الحديثين وأحاديث أخر قولهم: يسن أن يقول في جلوسه
بين السجدتين: «اللَّهُمَّ اغفر لي وارحمني واجبرني وارفعني وارزقني واهدني وعافني»
للاتباع المستفاد من مجموع أحاديث صحيحة.
وزاد في «الإحياء)» بعد ((عافني)): ((واعفُ عني)(؟).
وقال ابن كج وغيره من أئمتنا: يقول: ((رب اغفر لي)(٣) ثلاثًا؛ لحديث
فیه.
وأشار النووي في ((أذكاره)) إلى أنه يجمع بينهما، ومن الغريب قول بعض أئمتنا:
يقول: ((رب اغفر وارحم، وتجاوز عما تعلم إنك أنت الأعز الأكرم)) نعم يسن للمنفرد
ونحوه أن يزيد: ((اللُّهُمَّ هب لي قلبًا تقيًّا نقيًّا من الشرك، بريًّا لا كافرًا ولا شقيًّا)(٤)
حدیث فیه.
(الفصل الثالث)
٩٠٢ - [عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ شِبْلٍ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ وَيِّ عَنْ نَقْرَةِ الْغُرَابِ،
وَعَنِ افْتِرَاشِ السَّبُعِ، وَأَنْ يُوَّطِّنَ الرَّجُلُ الْمَكَانَ فِي الْمَسْجِدِ كَمَا يُوَطِّنُ الْبَعِيرُ رَوَاهُ أَبُو
(١) أخرجه النسائي (١١٤٤)، وابن ماجه (٩٤٧)، والدارمي (١٣٧٤).
(٢) أخرجه البيهقي (٤١٤٩).
(٣) أخرجه الطبراني (٨١٩٧).
(٤) أخرجه البيهقي في فضائل الأوقات (٢٩).
٤٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الرابع
دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَالدَّارِمِيّ](١).
(عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ شِبْلٍ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ وَيَّ عَنْ نَقْرَةِ الْغُرَابِ) أي:
المبالغة في تخفيف السجود بألا يمكث إلا بقدر وضع الغراب منقاره فيما يريد أكله،
ويوافقه خبر: ((إذا سجدت فمكن جبهتك من الأرض ولا تنقر نقرًا)(٢).
ومن ثم قال أئمتنا: يكره ذلك؛ أي: إن أتى معه بما يصح سجوده كأقل
الطمأنينة وإلا حرم وبطلت صلاته (وَ) نهى (عَنِ افْتِرَاشِ السَّبُع) وهو بسط ذراعيه
على الأرض، فيكره ذلك لخبر الصحيحين: ولا يبسط أحدكم ذراعيه انبساط الكلب.
(وَ) عن (يُوَّطِّنَ الرَّجُلُ الْمَكَانَ فِي المَسْجِدِ) من أوطنت الأرض ووطنتها
واستوطنتها: اتخذتها وطنًا ومحلاً، ومنه حديث: (نهى عن إيطان المسجد)(٣) أي: اتخاذه
وطنًا (كَمَا يُوطِّنُ الْبَعِيرُ) أي: عن أن يألف محلاً معلومًا من المسجد مخصوصًا به لا
يصلي فيه غيره، كالبعير الذي لا يأوي عن عطن إلا إلى مبرك دمث قد أوطنه واتخذه
مناخًا.
وقيل: معناه أن يبرك على ركبتيه قبل يديه إذا أراد السجود مثل بروك البعير،
وهذا بعيد؛ إذ لو كان مرادًا لم يختص النهي بالمكان في المسجد، فلما ذكر دل على أن
المراد هو الأول.
وحكمته: إن ذلك يؤدي إلى الشهرة والرياء والسمعة، والتقيد بالعادات
والحظوظ والشهوات، وكل هذه آفات أي آفات، فتعين البعد عما أدى إليها ما أمكن،
ولا ينافي ذلك قول أئمتنا: من ألف من المسجد موضعًا مخصوصًا لإقراء علم أو قرآن
صار أحق به، وجاز له أن يقيم من جلس فيه؛ وذلك؛ لأن هذا أمر آخر غير ما نحن فيه
أحوج إليه أن تمام مصلحة التعليم لا تتم وتظهر إلا عند تقيده بذلك، فكان ذلك
(١) أخرجه أبو داود (٨٦٢)، والنسائي (١١٢٠).
(٢) أخرجه ابن حبان (١٨٨٧)، والطبراني في الكبير (١٣٥٦٦).
(٣) لم أقف عليه.
٤٣
تتمة كتاب الصلاة/ باب السجود
الإيلاف وما ترتب عليه من تقييم الجالس فيه مما يحتاج إليه في أمر الدين، فاستثنى
من الحديث قياسًا على إيلاف محل من السوق وأولى.
وأمَّا ما نحن فيه وهو أصل الإيلاف لنحو الصّلاة والملازمة للعبادة القاصرة على
النفس دائمًا، فهذا هو المنهي عنه؛ لأنه لا مصلحة يظهر قصدها في هذا الإيلاف، بل
يخشى على فاعله آفات الشهرة والسمعة، فنهى عنه فطمًا له عن مواطن الريب فتأمله
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدِ وَالنَّسَائِيِّ وَالدَّارِمِيّ).
٩٠٣ - [وَعَنْ عَلَيِّ - كَرَّمَ اللّهُ وَجْهَهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَ: ((يَا عَلَمُ، إِنِّي أُحِبُّ
لَكَ مَا أُحِبُّ لِنَفْسِي، وَأَكْرَهُ لَكَ مَا أَكْرَهُ لِنَفْسِي، لَا تُقْعِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ)). رَوَاهُ
التّرْمِذِيّ](١).
(عَنْ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللّهُ وَجْهَهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّه ◌َيِ: يَا عَلَىُ، إِنَّ أُحِبُّ لَكَ مَا
أُحِبُّ لِتَفْسِي، وَأَكْرَهُ لَكَ مَا أَكْرَهُ لِنَفْسِي) وكذا كان ◌َّ يحب لكل الأمة ما يحب لنفسه،
ويكره لهم ما يكره لنفسه، بل آثرهم وقيم على نفسه بخلاف بقية الأنبياء
- صلوات الله وسلامه عليهم - مع أممهم؛ لأن الله تعالى ادخر لكل نبي دعوة
مستجابة؛ أي: مختصة بنوع من أنواع الإجابة سرعة وغيرها، وكل جعلها لنفسه إلا
نبينا ول# فإنه جعلها لأمته.
فوجه الخصوصية في ذلك لعلي وأمثاله: إنه كان يحب لهم من المعالي اللائقة بهم
مثل ما يحب لنفسه من المعالي اللائقة به، ويكره لهم من النقائص المؤثرة في كمالهم
مثل ما يكره لنفسه مما لا يليق بعلي كماله، وذكر ذلك توطئة إلى الحث على امتثال ما
بعده، وأنه أمر مهم يجب فيه بذل النصيحة خوفًا على الغير من نقصه كما يخاف منه
على نفسه، وإشارة إلى أن المعلم والمرشد ينبغي أن يكون عنده من الرفق والترقق
والإقبال بالسامع ما يبعثه على المبادرة بالامتثال، ويعلمه بأنه لم يأمره إلا بما يحبه
(١) أخرجه الترمذي (٢٨٢) وقال: لا نعرفه من حديث علي إلا من حديث أبي إسحاق عن الحارث
عن علي، وقد ضعف بعض أهل العلم الحارث الأعور.
٤٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الرابع
ويرضاه لنفسه.
(لَا تُقْعِ) بضم أوله: من الإقعاء (بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ) أي: لا تجلس على إلیتیك
ناصبًا فخذيك؛ لأن هذا مكروه عند عامة العلماء كما مر، أو لا تجلس على عقبيك؛
لأن هذا مكروه عند جماعة، لكن يرده خبر مسلم: ((الإقعاء بين السجدتين - أي:
على هذه الكيفية - سنة نبينا (وَل﴾))(١) وزعم الخطابي حرمته، وأن الحديث منسوخ
ضعيف كما مر ذلك مبسوطًا أوائل صفة الصّلاة (رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ).
٩٠٤ - [وَعَنْ طَلْقِ بْنِ عَيِّ الْحَنَفِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: (وَِّ(لَا يَنْظُرُ اللّهُ وَّ إِلَى
صَلَاةِ عَبْدٍ لَا يُقِيمُ فِيهَا صُلْبَهُ بَيْنَ خُشُوعِهَا وَسُجُودِهَا)). رَوَاهُ أَحْمَدُ](٥).
(وَعَنْ طَلْقِ بْنِ عَلىِّ الْحَنَفِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وََّ: لَا يَنْظُرُ اللّهُ رََّ) أي: نظر
رحمة ورضا (إِلَى صَلَاةٍ عَبْدٍ لَا يُقِيمُ فِيهَا صُلْبَهُ) ومن لازم وجوب إقامته الحقيقية
لزوم وجوب الطمأنينة؛ لأن ما لا يتم الواجب إلا به واجب على أنَّا لو سلمنا عدم
اللزوم كانت دلالته على ذلك واضحة أيضًا من حيث أنه لا قائل بإجزاء القيام من
غير طمأنينة، والحديث نص في وجوبه فكان نصًّا في وجوب الطمأنينة لعدم القائل
بالفرق.
(بَيْنَ خُشُوعِهَا) أي: ركوعها لترتب الخشوع على معناه المقصود منه، وهو
الخضوع، ولم يسمَّ السجود الذي هو أعظم من الركوع في ذلك؛ لأن ما هو كالمقدمة
للسجود إذا سمي بذلك فأولى السجود، فالحاصل أنه يلزم من تسمية الركوع بذلك
تسمية السجود به بالأولى، ولا عكس فأؤثر الركوع بتلك التسمية لذلك (وَسُجُودِهَا.
رَوَاهُ أَحْمَدُ) وهو من أوضح الأدلة التي لا تقبل التأويل على وجوب الطمأنينة في
الاعتدال.
٩٠٥ [وَعَنْ نَافِعِ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ - رضي الله عنهما - كَانَ يَقُولُ: مَنْ وَضَعَ
(١) أخرجه بنحوه مسلم (١٢٢٦).
(٢) أخرجه أحمد (١٦٣٤٠)، وابن سعد (٥٥١/٥)، وابن عساكر (٤٢١/٣٨).
٤٥
تتمة كتاب الصلاة/ باب السجود
جَبْهَتَهُ بِالأَرْضِ فَلْيَضَعْ كَفَّيْهِ عَلَى الَّذِي وَضَعُ عَلَيْهِ جَبْهَتَهُ، ثُمَّ إِذَا رَفَعَ فَلْيَرْفَعْهُمَا، فَإِنَّ
الْيَدَيْنِ تَسْجُدَانِ كَمَا يَسْجُدُ الْوَجْهُ رَوَاهُ مَالِكٌ](١).
(وَعَنْ نَافِعِ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - كَانَ يَقُولُ: مَنْ وَضَعَ جَبْهَتَهُ
بِالْأَرْضِ فَلْيَضَعْ) وجوبًا كما مر (كَفَّيْهِ عَلَى الَّذِي وضَعَ عَلَيْهِ جَبْهَتَهُ، ثُمَّ إِذَا رَفَعَ
فَلْيَرْفَعْهُمَا) فيه تأييد الوجه الضعيف عندنا أنه يجب في الجلوس بين السجدتين رفع
اليدين من الأرض، والأصح أنه سنة لا واجب (فَإِنَّ) تعليل لوضع اليدين، ويصح
كونه تعليلاً للرفع أيضًا؛ أي: كما وجب رفع الجبهة يجب رفع اليدين بجامع أنهما
يسجدان كالجبهة، ومن هذا يتبين قوة الوجه القائل بالإيجاب لولا إيضاح الفرق بين
الجبهة وغيرها كما مر بسطه (الْيَدَيْنِ تَسْجُدَانِ كَمَا يَسْجُدُ الْوَجْهُ) أي: الجبهة.
(رَوَاهُ مَالِكٌ) ورواه أبو داود مرفوعًا إلى النبي (وَّةٍ ولفظه: ((إن اليدين تسجدان
كما يسجد الوجه، فإذا وضع أحدكم وجهه فليضع يديه، وإذا رفع فليرفعهما))(٢)
وحينئذ يقوى بهذا الوجه القائل بوجوب رفعهما، لكنه محمول على رفعهما عن
موضعهما المسنون في السجود وهو إزاء منكبيه؛ إذ لو أبقاهما لم يمكنه الجلوس
مستويًا بين السجدتين؛ إذ الاستواء يستلزم رفع الظهر كله وعدم انحناء فيه، وهذا
يستلزم رفع اليدين عن محلهما المسنون حالة السجود، والرفع المأمور به لم يبين
كيفيته، وإذا دار حمل مثل ذلك على المتفق عليه، وهو رفعهما من محلهما لنصب الظهر
مع الطمأنينة، وعلى المختلف فيه، وهو رفعهما عن الأرض بالكلية، فحمله على الأول
أولى، ويفرض أنه لا أولوية لا يحسن الاستدلال به لإبهامه للاتباع كما مر.
(١) أخرجه مالك (٣٩٤)، والبيهقي (٢٧٨٠).
(٢) أخرجه أبو داود (٨٩٢)، والنسائي (١٠٩٢)، والحاكم (٨٢٣) وقال: صحيح على شرط الشيخين.
والبيهقي (٢٤٧٢)، وأحمد (٤٥٠١)، وابن خزيمة (٦٣٠).
(باب التشهد)
هو الذكر المخصوص الآتي، وسمي تشهدًا؛ لاشتماله على كلمتي الشهادتين، ويسمى
دعاء أيضًا كما يأتي في الأحاديث؛ لاشتماله عليه؛ إذ من جملته: «السلام عليك أيها
النبي ... إلى الصالحين)) وهذا كله دعاء، وإنما عبر عنه بلفظ الإخبار لمزيد التوكيد، ولذا
قال أئمة البيان: إن ((غفر الله له)) أعظم من «اللَّهُمَّ اغفر له)) لأن الأول يستدعي قوة
الرجاء بوقوع المغفرة، وأنها صارت كالأمر الواقع المحقق حتى أخبر عنها بلفظ الماضي
بخلاف الثاني.
(الفصل الأول)
٩٠٦ - [عَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ إِذَا قَعَدَ فِي
التَّشَهُّدِ وَضَعَ يَدَهُ الْيُسْرَى عَلَى رُكْبَتِهِ الْيُسْرَى، وَوَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى رُكْبَتِهِ الْيُمْنَى،
وَعَقَدَ ثَلَاثَةً وَخَمْسِينَ وَأَشَارَ بِالسَّبَّابَةِ﴾(١).
(عَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَ إِذَا قَعَدَ فِي
التَّشَهُّدِ) أي: الأول أو الثاني (وَضَعَ يَدَهُ الْيُسْرَى عَلَى رُكْبَتِهِ الْيُسْرَى) أي: قريبًا من
طرف ركبته بحيث تسامتها رؤوس الأصابع كما يعلم من الرواية الآتية (وَوَضَعَ يَدَهُ
الْيُمْنَى عَلَى رُكْبَتِهِ الْيُمْنَى) وحكمة وضعهما على الركبتين: الأمن من العبث، والمبالغة في
الأدب.
(وَعَقَدَ ثَلَاثَةً وَخَمْسِينَ) بأن قبض أصابع يده ووضعها على ركبته اليمنى إلا
المسبحة بكسر الباء وهي السبابة، ووضع طرف إبهام اليمنى عند أسفل المسبحة على
حرف الراحة، وتفسير ثلاثة وخمسين بهذا هو ما ذكره ابن الصلاح وتبعوه.
واعترضه النووي بأن شرطه عند الحساب: أن يضع الخنصر على البنصر وليس
(١) أخرجه مسلم (١٣٣٨).
- ٤٦ -
٤٧
تتمة كتاب الصلاة/ باب التشهد
مرادًا هنا، بل مرادهم وضع الخنصر على الراحة كالبنصر والوسطى، وهي التي يسمونها
تسعة وخمسين، ولم ينطقوا بها تبعًا للخبر، لكن أفاد ابن الفركاح وغيره أن عدم
الاشتراط طريقة لبعض الحساب وعليها جاء الخبر، ثم ظاهر كلام ابن الصلاح المذكور
أن رأس الإبهام يكون عند عقدة المسبحة السفلى مما يلي حرف الكف، وأن حرف
أنملة الإبهام العُليا الأيمن يكون على حرف الراحة.
وخالف في ذلك البرهان الفراري فقال: إنه سأل جمعًا عنه فأخبروه بما حاصله
أنه يجعل حرفها المذكور عند نهاية بطن الكف الذي يلي العقدة المذكورة، ثم قيل: لا
بد حينئذ من وصول رأس الإبهام إلى الوسطى، وقيل: لا يشترط ذلك.
قال أئمتنا: ولو أرسل الإبهام والمسبحة مفترقتين، أو خلف الإبهام والوسطى
برأسيهما، أو بوضع أنملة الوسطى بين عقدتي الإبهام والمسبحة مفترقتين، أو خلف
الإبهام والوسطى، وقيل: لا يشترط ذلك.
قال أئمتنا: ولو أرسل الإبهام والمسبحة مفترقتين، أو خلف الإبهام والوسطى
برأسيهما، أو بوضع أنملة الوسطى بين عقدتي الإبهام، أو وضع الإبهام على حرف
إصبعه الوسطى كأنه عاقد ثلاثة وعشرين حصل أصل السنة.
قال الرافعي: لأن الأخبار وردت بها جميعًا، وكأنه ◌َّ كان يضع مرة هكذا ومرة
هکذا. انتهى.
فالخلاف في أي هذه الكيفيات يقدم إنما هو في الأفضل، وأفضلها الأول؛ لأن
رواته أفقه. قاله ابن الرفعة، وفي كلام البيهقي ما يؤيده.
(وَأَشَارَ بِالسَّبَّابَةِ) سميت بذلك؛ لأنه يشار بها عند المخاصمة والشر، وسميت:
مسبحة؛ لأنه يشار بها إلى التوحيد والتنزيه، وهو التسبيح فاندفع التنظير في تسميتها
بذلك بأنها ليست آلة التسبيح.
تنبيه:
لا ينافي معرفة ابن عمر لهذا العقد والحساب المخصوص الذي هو في غاية الدقة
٤٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الرابع
والخفاء للحديث المشهور: ((إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب)(١) حملاً لهذا على
الأكثر منهم، أو على نفي الحساب المذموم الذي يؤدي إلى التنجيم ونحوه.
٩٠٧ . [وَ فِي رِوَايَةٍ: كَانَ إِذَا جَلَسَ فِي الصَّلَاةِ وَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ، وَرَفَعَ
أُصْبُعَهُ الَّتِي تَلِي الإِبْهَامَ يَدْعُو بِهَا، وَيَدُهُ الْيُسْرَى بَاسِطُهَا عَلَيْهَا. رَوَاهُ مُسْلِمْ(٢).
(وَفِي رِوَايَةٍ: كَانَ إِذَا جَلَسَ فِي الصَّلَاة) أي: للتشهد كما بينته الرواية الأولى
(وَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ) لكن مع اختلاف الهيئة كما علم من الروايات السابقة
والآتية (وَرَفَعَ أَصْبُعَهُ الْيُمْنَى الَّتِي تَلِي الإِبْهَامَ يَدْعُو بِهَا) أي: يهلل مشيرًا بها إلى
التوحيد فبها حال، أو تضمن ((يَدْعُو)) أشمل ليتعلق به لفظ ((بها» فسمي التهليل
والتحميد دعاء؛ لأنه بمنزلته في استجلاب إنعام الله ولطفه، واستدعاء رضاه وعطفه؛
ولذا قيل:
كفاه من تعرضه الثناء إذا أثنى عليك المرء يومًا
ومن ذلك أيضًا تسميته وَل قوله: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله
الحمد ... إلى آخر)(٣) يوم عرفة دعاء كما يأتي في الحج نظرًا إلى ما تقرر.
(وَيَدُهُ الْيُسْرَى عَلَى رُكْبَتِهِ بَاسِطُهَا عَلَيْهَا. رَوَاهُ مُسْلِمٌ) واستفيد من رواية
((وأشار)) ورواية: ((ورفع)) أنه يسن رفع مسبحته اليمنى عند بلوغ همزة قوله: ((إلا الله
وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد)) ويسن أن يكون رفعها إلى القبلة لحديث فيه
رواه البيهقي، وأن يكون صحبته قليلاً لحديث صحيح فيه، ووجه بأنه أبلغ في
الخضوع وخصت المسبحة بذلك؛ لأن لها اتصالاً بنياط القلب فكأنها سببًا لحضوره،
(١) أخرجه البخاري (١٨١٤)، ومسلم (١٠٨٠)، وأبو داود (٢٣١٩)، والنسائي (٢١٤٠)، وابن أبي شيبة
(٩٦٠٤)، وأحمد (٥٠١٧)، وأبو نعيم في مستخرجه على صحيح مسلم (٢٤٢٥)، والبيهقي (٧٩٨٩).
(٢) أخرجه مسلم (١٣٣٧)، والنسائي (١٢٦٨)، والبيهقي (٢٨٩١).
(٣) أخرجه البيهقي (٩٢٥٨) وقال: تفرد به موسى بن عبيدة، وهو ضعيف ولم يدرك أخوه عليًّا.
وابن أبي شيبة (١٥١٣٥).
٤٩
تتمة كتاب الصلاة/ باب التشهد
وأن ينوي برفعها حينئذ التوحيد والإخلاص فيه لحديث فيه رواه البيهقي، لكن في
سنده مجهول، وليجمع في توحيده بين اعتقاده وقوله وفعله، وألا يجاوز بصره إشارته
للاتباع الآتي، وبتخصيص الرفع بكونه عند ((إلا الله)) صرحت رواية لمسلم، وبها
يخص عموم خبر أبي داود الآتي: ((يشير بإصبعه إذا دعا))(١) فالمراد إذا تشهد.
والتشهد حقيقة النطق بالشهادة، وإنما سمي التشهد دعاء؛ لاشتماله عليه، ومنه
قوله في الرواية الثانية: ((يدعو بها)) أي: يتشهد بها، وكان معنى التشهد بها أن رفعها
عنده صار كأنه آلة في إظهاره، وبيان حقيقته بالفعل الأبلغ من القول.
فإن قلت: ما حكمة قبض اليمنى كما ذكر وبسط اليسرى؟
قلت: يمكن أن يقال في حكمة ذلك والله أعلم: إن اليمنى من اليمن؛ أي:
البركة، وسيأتي أنها الخيرات الإلهية الدائمة المستمرة، فأشير بفيض اليمين إلى التفاؤل
بحصول تلك الخيرات للمصلي، وأنها في غاية النفاسة والحسن.
وقد جرت العادة بأن من أعطي شيئًا نفيسًا تلقاه بيمينه وقبضها عليه؛ حفظًا
له عن الضياع واطلاع الأغيار، ولما كانت أواخر الفضائل متكلفة ببلوغ المقصود منها
شرع في آخر الصّلاة، وما هو على صورته كالتشهد الأول ذلك القبض إشارة إلى أنه
حصل له من نفائس القرب ولطائف الحب ما اقتضى تلقيه باليمين، وصونه عن كل
مهين، وحفظه من الأغيار، وكتمه عن الأشرار، وإنما لم يقبض الأصابع كلها؛ لأن
السبابة تحتاج لرفعها، وفي قبضها ثم حلها ورفعها نوع حركة قد تشغل، فأبقيت بلا
قبض واحتيج لقبض الإبهام فجعل تحت السبابة أو على الوسطى؛ لأنه الممكن؛ إذ
الأصابع الثلاثة ملصقة بالركبة، هذا ما يتعلق باليمن.
وأمَّا اليسار: فإنها مأخوذة من اليسر، وهو ضد العسر والضيق، والمقصود من
اليسر إنما هو حل عقد العويصات وانفراج رتق المدلهمات، لا سيما ما يتعلق
(١) أخرجه أحمد (١٥٧٦٦)، أبو داود (٩٩١)، والنسائي (١٢٧٨).
٥٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الرابع
بالنفوس مما يجلب كل نقص وبؤس، فلم يناسب قبضها، بل نبسطها إشارة إلى اتساع
فرج الله على عباده، لا سيما المصلين لتكفل الصّلاة بقرة العين وإزالة كل قطيعة
وبیْنٍ، حقق الله لنا ذلك بمنِّه وكرمه، آمین.
٩٠٨ - [وَعَنْ عَبْدِ الله بْنِ الزُّبَيْرِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَهُ
إِذَا قَعَدَ يَدْعُو وَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى فَخِذِهِ الْيُمْنَى، وَيَدَهُ الْيُسْرَى عَلَى فَخِذِهِ الْيُسْرَى،
وَأَشَارَ بِإِصْبِعِهِ السَّبَّابَةِ، وَوَضَعَ إِنْهَامَهُ عَلَى إِصْبَعِهِ الْوُسْطَى، وَيُلْقِمُ كَفَّ الْيُسْرَى. رَوَاهُ
مُسْلِمْ)(١).
(وَعَنْ عَبْدِ اللّه بْنِ الزُّبَيْرِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَيُّهِ إِذَا
قَعَدَ يَدْعُو) أي: يتشهد كما تقرر آنفًا (وَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى فَخِذِهِ الْيُمْنَى، وَيَدَهُ
الْيُسْرَى) أي: بعضها لما يأتي أنه كان ينهض على ركبتيه (عَلَى فَخِذِهِ الْيُسْرَى، وَأَشَارَ
بِإِصْبِعِهِ السَّبَّابَةِ) عند همزة قوله: ((إلا الله)) كما مرَّ، واستمر على ذلك إلى آخر التشهد
كما قاله بعض أئمتنا، وإن اعترضه جمع بأن الأولى عند فراغ ((إلا الله)) إعادتها.
(وَوَضَعَ) من أول جلوسه للتشهد كما دلت عليه الروايات الأخرى (إِبْهَامَهُ عَلَى
إِصْبِعِهِ الْوُسْطَى) هذه يحتمل إحدى الكيفيات السابقة آنفًا التي هي التحليق بين
رأسي الإبهام والوسطى، أو وضع أنملة الوسطى بين عقدتي الإبهام، أو وضع الإبهام على
حرف الوسطى، ومرَّ أن السابقة في الرواية الأولى أفضل؛ لأن رواتها أثبت، وتحرير
الأشياء على ما هي عليه.
(وَيُلْقِمُ) أي: من حين جلوسه أيضًا (كَفَّ) يده (الْيُسْرَى رُكْبَتَهُ) اليسرى، من
ألقمت الطعام ألقمه والتقمته: إذا أدخلته في فيك؛ أي: أدخل ركبته في راحة كفه
اليسرى، ولا ينافي هذا ما مر من أن السنة وضع بطن كفيه على فخذيه قريبًا من
ركبتيه بحيث نشأ عنهما رؤوس الأصابع؛ لأن ذاك لبيان كمال السنة، وهذا لبيان أصل
(١) أخرجه مسلم (١٣٣٦)، والبيهقي (٢٨٩٤).
٥١
تتمة كتاب الصلاة/ باب التشهد
السنة، فمن قال من أصحابنا: ينبغي تركه لأنه يخل بتوجيهها للقبلة فقد غفل عن هذه
الرواية، ويؤيد ما ذكرته قول النووي في ((شرح مسلم): أجمعوا على ندب وضعها عند
الركبة أو عليها (رَوَاهُ مُسْلِمٌ).
٩٠٩ - [وَعَنْ عَبْدِ الله بن مَسْعُودٍ ﴾ قَالَ: كُنَّا إِذَا صَليْنَا مَعَ النَّبِيِّ ◌َ﴿ قُلْنَا:
السَّلَامُ عَلَى اللهِ قَبْلَ عِبَادِهِ، السَّلَامُ عَلَى جِبْرِيلَ، السَّلَامُ عَلَى مِيكَائِيلَ، السَّلَامُ عَلَى
قُلَانٍ، فَلَمَّا انْصَرَفَ النَّبِيُّ ◌َ أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ قَالَ: (لَا تَقُولُوا: السَّلَامُ عَلَى الله
فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّلَامُ، فَإِذَا جَلَسَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ فَلْيَقُلِ التَّحِيَّاتُ لِلهِ، وَالصَّلَوَاتُ
وَالطَّيِّبَاتُ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللّهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ الله
الصَّالِحِينَ. فَإِنَّهُ إِذَا قَالَ ذَلِكَ، أَصَابَ كُلّ عَبْدٍ صَالِحٍ فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَّهَ
إِلَّا اللّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، ثُمَّ لِيَتَخَيَّرِ مِنَ الدُّعَاءِ أَعْجَبَهُ إِلَيْهِ فَيَدْعُوه).
مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ](١).
(وَعَنْ عَبْدِ الله بن مَسْعُودٍ ﴾ قَالَ: كُنَّا إِذَا صَلَّيْنَا مَعَ النَّبِيِّ ◌َ ﴿ قُلْنَا) أي: في
قعود التشهد قبل مشروعيته (السَّلَامُ عَلَى اللّه قَبْلَ عِبَادِهِ، السَّلَامُ عَلَى جِبْرِيلَ، السَّلامُ
عَلَى مِيكَائِيلَ، السَّلَامُ عَلَى فَلَانٍ) كان وجه اجتهادهم في الإتيان بهذه الألفاظ أنها
مشتملة على الثناء لاستعمالهم السلام على الله؛ بمعنى: الاعتراف بسلامته تعالى من
كل نقص لا يليق بكبريائه وعظمته، فـ(على)) فيه؛ بمعنى: اللام، وعلى الدعاء
لاستعمالهم السلام على جبريل، ومن بعده الدعاء لهم كما يعلم مما يأتي في: ((السلام
عليك أيها النبي ... إلى آخره)) ولكون الأواخر يطلب فيها المهمات، والتشهد آخر
الصّلاة ناسب في اعتقادهم جعل هذا الثناء المهم والدعاء المهم له.
(فَلَمَّا انْصَرَفَ الشَِّيُّ وَ أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ) بدل من انصرف (قَالَ) جواب لما
(لَا تَقُولُوا: السَّلَامُ عَلَى اللهِ، فَإِنَّ اللهَ هُوَ السَّلَامُ) أي: المسلم من النقائص والمخاوف
(١) أخرجه البخاري (٦٩٤٦)، ومسلم (٤٠٢)، وأحمد (٤٤٢٢)، وابن أبي شيبة (٢٩٨٣)، وأبو داود
(٩٦٨)، والنسائي (١٢٧٧)، وابن ماجه (٨٩٩)، وابن حبان (١٩٤٩)، وعبد الرزاق (٣٠٦١).
٥٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الرابع
من شاء من خلقه، أو السالم من كل نقص واحتياج، كيف يقال: السلام عليه الموهم
احتیاجه وخوفه.
وأمَّا المعنى السابق الذي ذكرته، فهو معرض أنهم قصدوه موهم أن الله محتاج
إلی ذلك السلام، فلا یکون سلامًا فنهوا عنه لإ بهامه، وإن كان صحيحًا في نفسه، ولم
ينههم عن قولهم: ((السلام على جبريل ... إلى آخره)) صريحًا، بل علمهم غيره إشارة إلى أن
تخصيصه أولئك بالدعاء من بين سائر الصالحين مع عدم دعاء الإنسان لنفسه لا وجه
له، فمن ثم علمهم الدعاء لأنفسهم ولسائر الصالحين كما يأتي.
وما تقرر من أن السلام من أسمائه تعالى؛ بمعنى: المسلم غير متعين، بل يصح
بقاؤه على معناه المصدري؛ إذ السلام والسلامة كالمقام والمقامة، ويكون وضع المصدر
موضع الاسم للمبالغة في سلامته من كل عيب ونقص، وفناء لتعاليه وتقدسه عن
ذلك، وألَّا يحل بجنابه الأقدس شائبة تنافي غاية الكمال الأعظم.
ومعنى ((أنت السلام)) أي: أنت المختص به لا غيرك لتعريف الجزأين.
ومعنى ((ومنك السلام)) الدال على الحصر فيه أيضًا تقديم الظرف: إن ما سواك
في معرض النقص والافتقار إلى جنابك حتى تؤمنه غضبك؛ إذ لا ملاذ له غيرك.
ومعنى ((إليك يعود السلام)): إن ما صدر من غيرك من السلام فإنما لهم صورة،
وأمَّا حقائقه، فهي راجعة إليك؛ إذ لولا إقدارك وتوفيقك لهم لما جرت على أيديهم تلك
الصورة، ومن ثم أتى هنا بما يفهم الحصر كما في الذي قبله.
(فَإِذَا جَلَسَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ فَلْيَقُلْ) ندبًا في التشهد؛ لأنه سنة عندنا وعند
أكثر العلماء، وكذا قعوده لما مر انه ێے سجد لتركه ولم يتداركه، فدل على عدم وجوبه،
وأن الأمر هنا بناء على شمول ((إذا جلس)) له الندب ووجوبًا في التشهد الأخير إبقاء
للأمر فيه على حقيقته؛ لأنه لم يصرفه عنها صارف بخلاف الأول صرفه عنها ما مرَّ.
ومما يصرح بالوجوب أيضًا ما صح في هذا الحديث نفسه عن ابن مسعود: كنا
نقول قبل أن يفرض علينا التشهد: ((السلام على الله قبل عباد ... إلى آخره)) فقوله: قبل
٥٣
تتمة كتاب الصّلاة/ باب التشهد
أن يفرض صريح في أنه فرض.
قال أئمتنا: وحكمة وجوبه كالقراءة: إن محل كل منهما يكون عادة وعبادة
فوجب فيه ذلك؛ لتميزه عن العادة بخلاف نحو الركوع والسجود، فإنهما لما لم يستعملا
في العادة لم يجب لهما ذكر، ولا يرد عليهم الاعتدال والجلوس بين السجدتين؛ لأنهما
بقيد كونهما بين ركنين لم يشبها ما في العادة.
وأمَّا خبر: ((إذا قعد الإمام في آخر صلاته ثم أحدث قبل أن يتشهد فقد تمت
صلاته)»(١) فضعيف باتفاق الحفاظ.
وكذا ما روي عن علي موقوفًا عليه إذا جلس قدر التشهد، ثم أحدث فقد تمت
صلاته (التَّحِيَّاتُ للهِ) دون غيره جمع تحية فيعلة من الحياة، وهي ما يحي به من سلام
غيره و((أل)) فيها للاستغراق.
وقيل: هي الميل.
وقيل: هي البقاء الدائم.
وقيل: السلامة من الآفات.
وقيل: العظمة وكأنها لنا جمعت لتشمل هذه المعاني كلها، وهذا أبلغ من قول ابن
قتيبة، وجمعت؛ لأن كل ملك من ملوكهم كان له تحية يحيى بها، فقيل لنا: قولوا:
التحيات لله؛ أي: الألفاظ الدالة على الملك مستحقة له تعالى وحده. انتهى.
فعلم أن القصد الثناء على الله تعالى بأنه مالك ومستحق لجميع التحيات من
الخلق، وأن كل تحية وقعت لغيره، فإنما هي له في الحقيقة وليس لغيره فيها إلا مجرد
الصورة (وَالصَّلَوَاتُ) لله دون غيره؛ أي: المكتوبات الخمس.
وقيل: الصلوات الشرعية.
وقيل: العبادات.
(١) أخرجه البيهقي (٢٦٤٧) وقال: ضعيف.
٥٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الرابع
وقيل: الرحمة.
وقيل: الدعاء بخير.
ومعنى كون غير الرحمة مما ذكر لله أنها مستحقة له أو خاصة به بطريق الحقيقة
أو مخلصة له لا يقصد بها غيره، ومعنى كون الرحمة له أنه المتفضل بها؛ إذ الرحمة التامة
الحقيقة له لا لغيره؛ لأن رحمة المخلوق لغيره، إنما هي لباعث رقة حصلت له عليه، فهو
بها دافع لألم تلك الرقة التي لم تحصل فيه إلا بخلق الله تعالى وحده، فهو الراحم
وحده.
(وَالطَّيِّبَاتُ) لله دون غيره؛ أي: الأقوال الصالحات الثناء على الله تعالى كذا
قيل، وفيه؛ أعني: تخصيصها بالأقوال قصور، وأن السياق تعطيه فالأولى تفسيرها
بالأعم الأولى؛ أي: الطيبات من الأفعال والأقوال والأوصاف بأن يخلص من شوائب
النقص، ويتوفر فيها صفات الكمال، ثم أمر ◌َله بإفراده بالذكر إظهارًا لعظيم شرفه
ومزيد حقه حتى يفوزوا بقربه وحبه، معبرًا عنها بالنبي وفيما يأتي بالرسالة رعاية
للترتيب الوجودي؛ إذ النبوة المستفادة من: ﴿اقْرأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق: ١] النازلة أولاً
مقدمة على الرسالة المستفادة من المدثر النازلة ثانيًا على الأصح.
فقال مبلغًا عن الله تعالى لا من اجتهاده كما يدل عليه قول الصحابة الآن: يا
رسول الله، قد علمنا الله كيف نسلم عليك؛ أي: هنا لا في سلام التحلل، خلافا لمن
زعمه كما يأتي فكيف نصلي عليك؟.
(السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبيُّ) قيل: معناه اسم السلام؛ أي: اسم الله عليك، فإنه
من أسمائه تعالى؛ لأنه المسلم لعباده من الآفات، وقال الأزهري: السلام؛ بمعنى:
السليم، ومن سلم الله عليه سلم من الآفات كلها. انتهى.
وقيل: السلامة من الآفات كلها عليك، والأول بعيد جدًّا لا أن يراد بالاسم
آثاره ومظاهره؛ أي: آثار اسمه تعالى السلام من السلامة من المكاره ونحوها، مترادفة
عليك أيها النبي، والأخير أن فيهما بعد أيضًا من حيث أن معناهما لا يناسبه التعدية
٥٥
تتمة كتاب الصلاة/ باب التشهد
بعلى هذا إن أريد بالتسليم في الثاني الانقياد، فإن أريد به الدعاء بأن الله يسلم عليه
كان معناه واضحًا.
ثم رأيت البيهقي أشار إلى ما ذكرته فإنه قال: معناه السلام الذي هو اسم من
أسماء الله عليك وتأويله لا خلوت من البركات والخيرات، وسلمت من المكاره
والآفات؛ إذ كان اسم الله، إنما يذكر على الأمور توقعًا لاجتماع معاني الخير والبركة
فيها وانتفاء عوارض الخلل والفساد عنها، ويحتمل أن يكون بمعنى السلامة؛ أي:
يسلمك الله من المذام والنقائص؛ فمعنى: اللَّهُمَّ سلم على محمد، اكتب له في دعوته
وأمته وذكره السلامة من كل نقص، فتزداد دعوته على ممر الأيام علوًّا وأمته تكائرًا
وذکره ارتفاعًا. انتهى.
وقال غيره: إنما جيء بقلبك لا بك؛ لأن المراد والمعنى قضاء الله بهذا، أو قضاؤه
إنما ينفذ في العبد من قبل ملكه وسلطانه عليه فطغى أن قضاء الله عليك بالسلامة
أبلغ من قضائه لك بها، ومن استعمال نحو ذلك إخبارًا مرادًا به الدعاء قوله تعالى:
﴿وَسَلامُ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ [النمل: ٥٩].
وقوله ﴿وَسَلامُ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيَّا﴾ [مريم: ١٥].
وقوله : ((السلام عليكم دار قوم مؤمنين))(١).
وجاء في فضل السلام عليه # أحاديث:
منها: لما كانت ليلة بعثت ما مررت بشجرة، ولا حجر إلا قال السلام عليك يا
رسول الله.
ومنها: إنه * نزل منزلاً فنام، فجاءت شجرة تشق الأرض حتى غشيته، ثم
رجعت إلى مكانها، فلما استيقظ ذكروا ذلك له، فقال: ((هي شجرة استأذنت ربها ثق في
(١) أخرجه مالك (٥٨)، وأحمد (٧٩٨٠)، ومسلم (٢٤٩)، والنسائي (١٥٠)، وابن ماجه (٤٣٠٦)، وابن
حبان (١٠٤٦)، وأبو يعلى (٦٥٠٢)، وأبو عوانة (٣٦٠)، والبيهقي (٣٩٢).
٥٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الرابع
أن تسلم عليّ فأذن لها)(١).
ومنها: ((إني لأعرف حجرًا بمكة كان يسلم عليّ قبل أن أبعث، إني لأعرفه
الآن)»(٢).
وفي لفظ: ((إن بمكة لحجرًا يسلم عليّ ليالي بعثت، إني لأعرفه إذا مررت
عليه))(٣).
قيل: وهو الحجر البارز الآن بزقاق المرفق المقابل لباب الجنائز.
ومنها: عَلَّم جبريل النبي لي كيف يتوضأ فتوضأ، ثم صلى ركعتين، ثم انصرف
فلم يمر على حجر ولا مدر إلا وهو يسلم عليه يقول: السلام عليك يا رسول الله
(وَرَحْمَةُ الله) هي عطف وميل نفساني غايته التفضل والإنعام وإرادة ذلك، ولاستحالة
معناها على الله تعالى أريد بها غايتها التي هي صفة فعل أو صفة ذات (وَبَرَكَاتُهُ) أي:
خيراته الإلهية الدائمة اللازمة المستمرة.
قيل: ولما كان الخير الإلهي يصدر من حيث لا يحس وعلى وجه لا يحصى، قيل:
لكل ما يشاهد فيه زيادة غير محسوسة: هو مبارك وفيه بركة، وأصل البركة: النمو
والزيادة من الخير والكرامة، أو التطهير من العيوب والتزكية، أو ثبوت ذلك ودوامه
واستمراره من قولهم: بركت الإبل؛ أي: ثبتت على مناخها، ومنه بركة الماء لإفاضة بها،
وكان وجه مخاطبته له بذلك الإشارة إلى أن الله تعالى يكشف له عن المصلين من
أمته حتى يكون كالحاضر معهم؛ ليشهد لهم بأفضل أعمالهم، وليكون بذكر حضوره
سببًا لمزيد الخشوع والخضوع، ثم رأيت الأئمة عدوا من خصائصه ومَّله: إن أعمال
أمته تعرض عليه وتستغفر لهم، واستدلوا بما رواه ابن المبارك عن ابن المسيب: ليس
(١) أخرجه أحمد (١٨٠٣١)، والبيهقي في دلائل النبوة (٢٢٧٢).
(٢) أخرجه مسلم (٢٢٧٧)، وأحمد (٢٠٩٣١)، والطيالسي (٧٨١)، والترمذي (٣٦٢٤)، والدارمي (٢٠)،
وابن حبان (٦٤٨٢)، والطبراني (١٩٠٧).
(٣) أخرجه أحمد (٢١٥٩٧)، والترمذي (٣٩٨٤)، والطيالسي (٧٨١).
٥٧
تتمة كتاب الصلاة/ باب التشهد
أعمال أمته غدوة وعشيًّا فيعرفهم بسيماهم
من يوم إلا ويعرض على النبي
وأعمالهم. انتهى.
وهو مؤيد لما ذكرته، ورأيت أيضًا الغزالي قال في ((الإحياء): وقيل قولك: ((السلام
عليك أيها النبي)) أحضر شخصه الكريم في قلبك، وليصدق أملك في أنه يبلغه ويرد
علیك ما هو أوفی منه. انتهى.
ويوجه على طريق أهل العرفان ذلك الخطاب بأن الصّلاة هي محل
القرب للأعظم، وبها قرة العين والتأهل للوقوف على قدم الخدمة في حضرة الحق، وعند
انتهائه يزيد التأهل بالإذن في الجلوس، ثم في أوله أمروا باستفتاح باب غاية
ذلك القرب، فاستأذنوا بإبداء تلك التحيات الجامعة الخالصة من الشوائب، فأذن لهم
في المثول في تلك الحضرة على غاية من الإقبال والإنعام عليهم، فوجدوا رئيسها
المقدم على سائر أهلها والدال عليها - وهو نبينا ولو - حاضرًا، فخاطبوه مخاطبة الحاضر
إعلامًا بأنهم من أهل حزبه وحبه وقربه، المتأهلين لخطابه ومناجاة ربه، ولا ينافي
ما تقرر قول ابن مسعود: ((كنا نقول في حياة رسول الله صل﴾: السلام عليك
أيها النبي، فلما قبض ◌َل﴿ قلنا: السلام على النبي))(١) وذلك؛ لأن هذا لفظ رواية أبي
عوانة.
ورواية البخاري الأصح منها بينت أن ذلك ليس من قول ابن مسعود، بل من
فهم الراوي عنه، ولفظها: ((فلما قبض قلنا: سلام))(٤) يعني: على النبي، فقوله: ((قلنا:
سلام)) يحتمل أنه أراد به: استمرينا على ما كنا عليه في حياته، ويحتمل أنه أراد عرضنا
عن الخطاب، وإذا احتمل اللفظ لم يبق فيه دلالة.
(السَّلَامُ عَلَيْنَا) أي: معشر الحاضرين في المصلى ومن معه من الملائكة، وهو
بني الإنس والجن، وخصوا أنفسهم أولاً؛ لأنه الأدب في الدعاء، وقوله وهلة: (ابدأ
(١) أخرجه أحمد (٤٠١٣)، والبيهقي (٢٩٣٤).
(٢) لم أقف عليه.
٥٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الرابع
بنفسك)»(١) إشارة إلى أن الاهتمام بالنفس أولى وأحق.
(وَعَلَى) سائر (عِبَادِ الله الصَّالِحِينَ) جمع: صالح، وهو القائم بما عليه من
حقوق الله وحقوق العباد، كذا نقله النووي في ((مجموعه)) عن الزجاج وغيره، وقضية
كلام السبكي: إنه المسلم، فإنه قال: لكل مسلم حق في أداء الخمس؛ لأن فيها: ((السلام
علينا وعلى عباد الله الصالحين)) وهو إذا قال ذلك أصابت كل عبد صالح في السماء
والأرض كما يأتي، فمن ترك واحدة منها سمعت الدعوى عليه، وإن لم يكن على وجه
الحسنة من كل مسلم لتعديه بتركها على كل مسلم، قال ابنه: ووجدت في كلام القفال
ما یشهد له. انتهى.
ويجاب بأنه ليس قضيته ذلك، ولا بدَّ لاحتمال أن يكون أخذ ذلك من كون
الضمير في ((علينا)» عائدًا على المسلمين؛ أي: السلام علينا معشر المسلمين.
وعبارة القفال في ((فتاويه)): ترك الصّلاة تضر بجميع المسلمين؛ لأن المصلي لا بد
أن يقول: ((السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين)) فيكون مقصرًا بخدمة الله وفي حق
رسوله، وفي نفسه وفي حق كافة المسلمين، ولذلك عظمت المصيبة بتركها، ثم ((أل)) في
(الصالحين)) مفيدة للعموم؛ لأنه جمع محلى بـ((أل)) ومما يدل له قوله وَله: (فَإِنَّهُ إِذَا قَالَ
ذَلِكَ أَصَابَ كُلَّ عَبْدٍ صَالِحٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ) ومن نازع في كونهما للعموم فقد غفل
عن هذا أو نحوه الكثير مما يصرح بأنها للعموم.
وأصل الصلاح: استقامة الشيء على حالة كماله والفساد ضده، وتمام تلك
الاستقامة إنما تحصى في الآخرة؛ لأن أحوال العاجلة وإن وصفت بالصلاح في بعض
الأحوال لا تخلو عن فساد وخلل، ومن ثم قال تعالى في حق خلیله - صلى الله على نبينا
وعليه وسلم -: ﴿وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [البقرة: ١٣٠].
وقال يوسف - صلى الله على نبينا وعليه وسلم -: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي
(١) أخرجه مسلم (٩٩٧)، والنسائي (٢٥٤٦)، والشافعي (٣٢٧/١)، وأبو عوانة (٥٨٠٥)، والبيهقي
(٧٥٤٤).
٥٩
تتمة كتاب الصّلاة/ باب التشهد
بِالصَّالِحِينَ﴾ [يوسف: ١٠١].
(أَشْهَدُ) أي: أعلم وأبين (أَنْ لَا إِلَهَ) أي: لا معبود بحق في الوجود (إِلََّ اللهُ)
الواجب الوجود لذاته (وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ) قدم؛ لأنه أشرف أوصافه بَّه ومن ثم
ذكر في أشرف مقاماته كآية الإسراء ونزول الفرقان، والإيحاء إليه أول النجم وغيرها.
(وَرَسُولُهُ، ثُمَّ لِيَتَخَيَّر مِن الدُّعَاءِ أَعْجَبَهُ) أي: أحبه (إِلَيْهِ فَيَدْعُوهُ) أي: فيدعو
به، فعداه بنفسه تجوزًا أو الضمير لله؛ أي: فيدعو الله به، وحذف المعمول الثاني للعلم
به (مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ).
٩١٠ - [وَعَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَبَّاسِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - قَالَ: كَانَ رَسُولُ الله ◌َله
يُعَلِّمُنَا التَّشَهُّدَ كَمَا يُعَلِّمُنَا السُّورَةَ مِنَ الْقُرْآنِ، فَكَانَ يَقُولُ: ((التَّحِيَّاتُ الْمُبَارَكَاتُ
الصَّلَوَاتُ الطَّيِّبَاتُ لله، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَّكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا
وَعَلَى عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّ اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ الله)). رَوَاهُ
مُسْلِمْ، وَلَمْ أَجِدٍ فِي ((الصَّحِيحَيْن)) وَلَا فِي ((الجَمْعِ بَيْنَ الصَّحِيحَيْن): ((سَلَامُ عَلَيْك
وَسَلَامُ عَلَيْنَا)) بغير ألف ولام، وَلَكِنْ رَوَاءِ صَاحِبُ ((الْجَامِعِ)) عَن التِّرْمِذِيّ)(١).
(وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَ
يُعَلِّمُنَا التَّشَهُّدَ) سمي باسم جزئه الأشرف كما هو القاعدة عند البلغاء في تسمية الكل
باسم البعض.
(كَمَا يُعَلِّمُنَا السُّورَةَ مِنَ الْقُرْآنِ) ومن هذا الدال على مزيد اعتنائه وَّ بمروي
ابن عباس الآتي، أخذ الشافعي ﴾ أن الأكمل تشهد ابن عباس، وإن كان تشهد ابن
مسعود أصح منه، ولزيادة لفظ ((المباركات)) فيه، ولموافقته قوله تعالى: ﴿تَجِيَّةً مِّنْ
عِندِ الله مُبَارَكَةً طَيِّبَةً﴾ [النور: ٦١] ولتأخره عن تشهد ابن مسعود؛ إذ ابن عباس
(١) أخرجه مسلم (٤٠٣)، وأبو داود (٩٧٤)، والترمذي (٢٩٠) وقال: حسن غريب صحيح. والشافعي
(٤٢/١)، والنسائي (١١٧٤)، وابن ماجه (٩٠٠)، وابن خزيمة (٧٠٥)، وأبو عوانة (٢٠٢٢)، وابن
حبان (١٩٥٢)، والدار قطني (٣٥٠/١)، والبيهقي (٢٦٥٠).
٦٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الرابع
وأقرانه من أحداث الصحابة يكون تعليمهم متأخرًا عن تعليم ابن مسعود، ولأن ابن
عباس أفقه من ابن مسعود.
قال الشافعي: ويحتمل أن الاختلاف في التشهدات إنما نشأ عن أن بعضهم غير
المعنى دون اللفظ، وأقرهم ولي لأن المقصود الذكر. انتهى.
كذا نقله الشارح وهو غريب، بل المقصود هنا: اللفظ لما يأتي أنه لا يجوز إبدال
كلمة من التشهد الواجب برديفها فكيف بغيره؟! واختار أبو حنيفة وأحمد وجمهور
الفقهاء والمحدثين تشهد ابن مسعود؛ لأنه أصح، ومالك والشافعي في القديم تشهد
عمر الذي علمه للناس على المنبر، وهو: ((التحيات لله، الزاكيات لله، الطيبات لله،
الصلوات لله، السلام عليك .. إلى آخره)( ١) لأنه لا يفعل ذلك بين المهاجرين والأنصار
إلا لما علمه لهم ئل.
ویجاب: بأنا لا ننازع في أصل الثبوت عنه ټ بل فیما کان یعتنى به أکثر، وهو
تشهد ابن عباس لا غیره لما علمت.
فإن قلت: يرد عليكم ما صح في تشهد ابن مسعود: ((علمني النبي ◌ُّ وكفي
بين كفيه التشهد، كما يعلمني السورة من القرآن التحيات لله ... إلى آخره)؟).
قلت: لا يرد علينا ذلك؛ لوضوح الفرق بينهما؛ لأن هذا تعليم خاص به، والذي
في خبر ابن عباس عام فيه وفي غيره، وهذا أدل على مزيد الاعتناء بمروي ابن عباس
فقدمناه.
فإن قلت في تشهد جابر الآتي: إنه كان يعلمه لهم كما يعلمهم السورة.
قلت: لا يرد علینا هذا من وجه آخر هو: إنه ليس في مرتبة حديث ابن عباس
في الصحة، بل ولا قريب منها، فكان حديث ابن عباس أولى، وهو قوله: {فَكانَ آءُها.
أخرجه مالك (٢٠٣)، والشافعي (٢٣٧/١)، وعبد الرزاق (٣٠٦٧)، والطحاوي (٢٦١/١)، والحاكم
(٩٧٩)، والبيهقي (٢٦٦٢).
أخرجه البخاري (٦٢٦٥)، ومسلم (٨٣١)، وأحمد (٣٩٣٥)، والنسائي (٧٦)، وأبو يعلى (٥٣٤٧).