النص المفهرس

صفحات 1-20

فَتْحُ الإِلَهُ
فِي
شَرَجُ المُشْكَارة
تصنيف
السَّيْخُ الإِمَامِ العَلّامَة المُحُقِّوْ
ابن حَجَ الهَيْتِيّ
المتوفى ٩٧٤ ٥نه
تحقيق وَتخريج وتعليمُ
الشَّيخْ أحْمَدُ فَرَيِّدِ المَرَيَدِيّ
الجزء الرابع
الأحاديث من ٨٦٨-١١٥٨
دار الكتب العلمية®
Dar Al-Kotob Al-ilmiyah
DK:
أسّسَها محمّد عَلِيُ بَضرتْ سَنة 1971 بَيرُوت - لبْكَان
Est. by Mohammad Ali Baydoun 1971 Beirut - Lebanon
Établie par Mohamad Ali Baydoun 1971 Beyrouth - Liban

الكتاب : فتح الإله
في شرح المشكاة
Title : FATH AL-ILÂH
FĪ ŠARH AL-MIŠKĀT
التصنيف :: شرح حديث
Classification: Prophetic hadith explanation
المؤلف :العلامة المحقق ابن حجر الهيتمي (ت974 هـ)
Author : Ibn Hajar Al-Haytami (D_974H_)
-
-
-
المحقق : الشيخ أحمد فريد المزيدي
Editor : Al-Sheikh Ahmad Fard Al-Mazidi
الناشر : دار الكتب العلمية - بيروت
Publisher : Dar Al-Kotob Al-Ilmiyah - Beirut
عدد الصفحات (10 مجلدات) 5728 (Pages (10 Volumes
Size
17x24 cm
قياس الصفحات
Year
2015 A_D - 1436 H_
سنة الطباعة
Printed in : Lebanon
بلد الطباعة: لبنان
Edition : 1ª (2 Colors)
الطبعة : الأولى (لونان)
baydoun@al-ilmiyah.com
info@al-ilmiyah.com sales@al-ilmiyah
http://www.al-ilmiyah.com
Exclusive rights by @ Dar Al-Kotob Al-Ilmiyah
Beirut-Lebanon No part of this publication may be
translated, reproduced,distributed in any form or by any
means,or stored in a data base or retrieval system,without
the prior written permission of the publisher.
Tous droits exclusivement réservés à @ Dar Al-Kotob Al-Ilmiyah
Beyrouth-Liban Toute représentation, édition, traduction ou reproduction
même partielle, par tous procédés, en tous pays, faite sans autorisation
préalable signée par l'éditeur est illicite et exposerait le contrevenant à
des poursuites judiciaires.
جميع حقوق الملكية الأدبية والفنية محفوظة لدار الكتب العلمية
بيروت-لبنان ويحظر طبع أو تصوير أو ترجمة أو إعادة تنضيد الكتاب
كاملاً أو مجزأ أو تسجيله على أشرطة كاسيت أو إدخاله على الكمبيوتر
أو برمجته على أسطوانات ضوئية إلا بموافقة الناشر خطياً.
Dar Al-Kotob
Al-ilmiyah
Est. by Mohamad Ali Baydoun
1971 Beirut - Lebanon
Aramoun, al-Quebbah,
Dar Al-Kotob Al-ilmiyah Bldg
Tel +961 5 804 810/11/12
Fax
+961 5 804813
Po,Box 11-9424 Beirut-Lebanon,
Riyad al-Soloh Beirut 1107 2290
عرمون. القبة- مبنى دار الكتب العلمية
٤٨١٠/١١/١٢=٨ ٥ ٩٦١+
هانم.
٥٨٠٤٨١٣ ٩٦١+
فاكس
بيروت-ليبان
ص.ب :٩٤٢٤-١١
١١٠٧٢٢٩٠
رياض الصلح -بيروت
ISBN-13: 978-2-7451-7813-8
90000
9 782745 178138
ISBN-10: 2-7451-7813-X
-

بسمِاللهِالرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
عندك (بَابُ الرُّكُوعِ)
الأصل في وجوبه: الكتاب والسنة والإجماع.
وهو لغة: الانحناء، وقد يراد به الخضوع.
قيل: وهو من خصائصنا؛ لقول بعض المفسرين في ﴿ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾
[البقرة: ٤٣]: إنما قال لهم ذلك؛ لأن صلاتهم لا ركوع فيها والراكعون محمد آل﴾ وأمته،
ومعنى ﴿وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [آل عمران: ٤٣]: صلي مع المصلین، وحكى بعض أئمتنا
ترددًا في أنه واجب لنفسه أو لغيره، والصواب: الأول، نعم حكمة تكرير السجود: إنه
وسيلة ومقدمة للسجود الذي هو الخضوع للأعظم لما فيه من مباشرة أشرف ما في
الإنسان لمواطئ الأقدام والنعال، فناسب تكريره؛ لأنه المتكفل بالمقصود، ونيل
المأمول من القرب المعنوي الذي له غاية لشرفه، ولا نهاية لتحفه الوارد في قول الصادق
المصدوق: ((أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد))(١). وأبدى بعضهم لتكريره
حكمة ليست بذاك، فقال: إنماكور إشارة إلى أن الإنسان خلق من الأرض وإليها يعود
ومنها يخرج، فكأنه يقول في السجدة الأولى: منها خلقتني، وفي الثانية: وفيها تعيدني،
وفي الرفع الثاني: ومنها تخرجني تارة أخرى، ثم رأيت لتكريره حكمة أخرى تأتي.
(الفصل الأول)
٨٦٨ - [عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: وَِّ ((أَقِيمُوا الرُّكُوعَ
(١) أخرجه مسلم (٤٨٢)، وأبو داود (٨٧٥)، والنسائي (١١٣٧)، وأحمد (٩٤٤٢)، وابن حبان (١٩٢٨)،
والبيهقي (٢٥١٧).
- ٣ -

٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الرابع
وَالسُّجُودَ، فَوَاللهِ إِنِّ لأَرَاكُمْ مِنْ بَعْدِي)). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ](١).
(وَعَنْ أَنَسِ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌ِ أَقِيمُوا) من: أقمت العود إذا قومته كما
هو أحد التفاسير في: ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةِ﴾ [الأنعام: ٧٢].
(الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ) أي: ائتوا بهما على غاية من التعديل والاستقامة الحسية؛
بأن يكونا على وفق ما ورد عن فعله وسلم فيهما، والمعنوية؛ بأن يخضع باطنكم لله
تعالى كما خضع ظاهركم؛ إذ الخضوع بالظواهر إنما قصد به التوسل إلى الخضوع
بالبواطن؛ لأنه المقصود بالذات وغيره بطريق الوسيلة والعرض.
(فَوَاللهِ) فيه الإقسام على التحريض على الاستقامة وهو مطلوب (إِنّ لأَرَاكُمْ
مِنْ بَعْدِي) أي: خلفي، فلا تقصروا في ركوع ولا سجود ولا غيرهما، فإنه لا يخفى علي
تقصيركم في ذلك، وإذا لم يخف علي، فكيف يخفى على الله تعالى الذي أطلعني على
ذلك؟! فاحذروه وراقبوه، ومرَّ الكلام على كيفية رؤيته لهم من رواية قبيل باب دعاء
الافتتاح (مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ).
٨٦٩ - [وَعَنِ الْبَرَاءِ ﴾ قَالَ: «كَانَ رُكُوعُ النَّبِيِّ ◌َّهِ وَسُجُودُهُ وَجُلُوسُهُ وَبَيْنَ
السَّجْدَتَيْنِ وَإِذَا رَفَعَ مِنَ الرُّكُوعِ، مَا خَلَا الْقِيَامَ وَالْجُلُوسَ قَرِيبًا مِنَ السَّوَاءِ). مُتَّفَقُ
عَلَيْهِ](٢).
(وَعَنِ الْبَرَاءِ ﴾ قَالَ: رُكُوعُ النَّبيِّ) أي: زمن ركوعه، وكذا ما بعده (َّ
وَسُجُودُهُ وَجُلُوسُهُ وبَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ و) قيامه (إِذَا رَفَعَ) أي: وقت رفع رأسه؛ لأن ((إذا))
إذا انسلخت عن معنى الاستقبال يكون للوقت المجرد (مِنَ الرُّكُوعِ مَا خَلا) استثناء
من المعنى؛ أي: كانت أزمنة أركان صلاته قريبة من التساوي ماعدا (الْقِيَامَ) الذي هو
محل القراءة (وَالْجُلُوسَ) للتشهد الأخير (قَرِيبًا مِنَ السَّوَاءِ. مُتَّفَقُ عَلَيْهِ).
واستفيد منه أن الركوع والسجود طويلان، وكذا الاعتدال والجلوس، لكن
(١) أخرجه البخاري (٧٠٩)، ومسلم (٤٢٥)، والرافعي (١١٣/٣).
(٢) أخرجه البخاري (٧٩٢)، ومسلم (١٠٨٦)، وأحمد (١٩٠٢٤)، وأبو داود (٨٥٢)، والنسائي (١٠٧٣).

٥
تتمة كتاب الصلاة/ باب الزّكوع
مذهبنا أنهما قصيران، ووجوب الطمأنينة في الأركان الأربعة مرَّ التصريح به في
الأحاديث الصحيحة التي لا تقبل التأويل، فلا يتوهم من قصر الأخيرين أنه لا
طمأنينة فيهما، ويترتب على قصرهما أنه لو طولهما أزيد من ذكرها الوارد فيهما بقدر
الفاتحة بطلت صلواته، واعترض ذلك بعض أئمتنا بأنه 8* طولهما كما جاء عنه في
الأحاديث الصحيحة منها هذا أو الذي بعده.
٨٧٠ - [وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ عُ قَالَ: ((كَانَ النَّبِيُّ ◌َهَ إِذَا قَالَ: «سَمِعَ اللهُ لِمَنْ
حَمِدَهُ)) قَامَ حَتَّى نَقُولَ - بالنَّصب - قَدْ أَوْهَمَ، ثُمَّ يَسْجُدُ وَيَقْعُدُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ حَتَّى
نَقُولَ: قَدْ أَوْهَمّ)). رَوَاهُ مُسْلِمْ](١).
(وَعَنْ أَفَسِ بْنِ مَالِكٍ ﴾ قَالَ: كَانَ النَِّيُّ ◌َ إِذَا قَالَ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، قَامَ)
ثم يطيل الاعتدال (حَتَّى نَقُولَ، بالنَّصب) في أكثر الروايات، قيل: لكنه مرجوح؛ لأن
المضارع هنا لحكاية حال ماضيه بدليل: قام؛ أي: حتى قلنا، وفي التنزيل: ﴿وَزُلْزِلُوا
حَتَّى يَقُولَ﴾ [البقرة: ٢١٤] برفعه ونصبه مع أن معناه: وقع الزلزال منهم إلى أن قال
الرسول: ﴿مَتَى نَصْرُ الله﴾ [البقرة: ٢١٤] وفائدة وضع المضارع موضع الماضي في نحو
ذلك: استحضار تلك الحالة في ذهن السامع؛ ليتم قصوره لها، أو ليحمد عليها، أو
لیتعجب منها، أو نحو ذلك.
(قَدْ أَوْهَمَ) أي: ترك الصّلاة، أو أوهم بمعنى: أوقع في وهم الناس - أي: ذهنهم -
أنه تركها (ثُمَّ يَسْجُد وَيَقْعُد بَيْنِ السَّجْدَتَيْنِ) ثم يطيل القعود بينهما (حَتَّى نَقُولَ قَدْ
أَوْهَمَ. رَوَاهُ مُسْلِمْ) وفيه مع خبر: ((صلوا كما رأيتموني أصلي)) (٤) أوضح دليل على وجوب
الطمأنينة في الاعتدال والجلوس بين السجدتين.
٨٧١ - [وَعَنْ عَائِشَةَ - رضي الله عنها - قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ◌َِّ يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ فِي
-
(١) أخرجه مسلم (١٠٨٩)، وأحمد (١٣٩٢٧)، وأبو داود (٨٥٣).
=
(٢) أخرجه البخاري (٧٨٥)، ومسلم (٦٧٤)، وأحمد (١٥٦٣٦)، والنسائي (٦٣٥)، وابن حبان
(١٦٥٨).

٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الرابع
رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ: ((سُبْحَانَكَ اللهُمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ، اللهُمَّ اغْفِرْ لِي)) يَتَأَوَّلُ الْقُرْآنَ- رَوَاهُ
مُسْلِمْ) (١).
(وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللّهُ عَنْهَا - قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ◌َِّ يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ في
رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ: سُبْحَانَكَ اللهُمَّ رَبَّنَا وبِحَمْدِكَ) مر معنى ذلك في دعاء الافتتاح
(اللهُمَّ اغْفِرْ لي، يَتَأَوَّلُ) حال من فاعل يقول (الْقُرْآنَ) أي: يكثر قول ذلك حال كونه
مبينًا ما هو المراد من قوله: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدٍ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ﴾ [النصر: ٣] أي: بمقتضاه،
وهو وإن لم يقيد بحال من الأحوال، لكن جعله في أفضل الأحوال - وهو الصّلاة -
أبلغ في الامتثال وأظهر في التعظيم والإجلال.
وفي رواية لمسلم: ((سبحانك اللَّهُمَّ وبحمدك لا إله إلا أنت))(٢) فيسن كل منهما،
وقد قال الشافعي ، في ((الأم): كل ما قال رسول الله وَل﴾ في ركوع أو سجود أحببت ألَّ
نقصر عنه، وصح أنه دليل كان يقول فيهما: «سبحان ذي الجبروت والملكوت والكبرياء
والعظمة)»(٣).
وصح عن ابن مسعود *ه قال: لما نزل على رسول الله: وَل﴾ ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ الله﴾
[النصر: ١] كان يكثر إذا قرأها وركع أن يقول: ((سبحانك اللَّهُمَّ وبحمدك لا إله إلا
أنت اللَّهُمَّ اغفر لي)» (٤).
وأخذ من هذا بعض أئمتنا: إنه يسن الدعاء في الركوع، ثم رأيت النووي أشار لما
ذكرته أولاً في معنى ((تتأول)) حيث قال: معنى تتأول القرآن: يعمل بما أمر به في قوله
سبحانه: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ [النصر: ٣] إلى آخره، فكان ◌َل ليه يقول هذا الكلام البديع
في الجزالة ليستوفي ما أمر به في الآية، وكان يأتي به في الركوع والسجود؛ لأن حالة
(١) أخرجه البخاري (٨١٧)، ومسلم (١١١٣)، وأحمد (٢٤٨٩٢)، وأبو داود (٨٧٧).
(٢) أخرجه النسائي (١١٣٠)، وعبد الرزاق (٢٨٩٨)، ولم أقف عليه عند مسلم.
(٣) أخرجه أحمد (٢٤٧٠٧)، وأبو داود (٨٧٣)، والنسائي (١٠٥٧)، والبيهقي (٣٨٤٠).
(٤) أخرجه أحمد (٣٩٦٨)، وابن ماجه (٩٣٩)، وابن حبان (٣٢٤).

٧
تتمة كتاب الصلاة/ باب الركوع
الصّلاة أفضل، فاختارها لهذا الواجب الذي أمر به ليكون أكمل؛ أي: وبحمدك
سبحتك، ومعناه: بتوفيقك لي وهدايتك وفضلك علي سبَّحتك لا بحولي وقوتي، ففيه
شكر الله تعالى على هذه النعمة والاعتراف بها والتفويض إلى الله تعالى، وإن كل
الأفضال له أبهى.
والتأويل: التفسير من ((آل)) إذا رجع، كان المفسر صرف الكلام عن سائر
محتملاته إلى المحل الذي علم أو ظن أنه المراد منه، وفرق بعضهم بين
التفسير والتأويل بفروق كثيرة مرَّ جمعها إلى نوع اصطلاح أو تحكم، ويؤخذ من
كلام النووي الموافق لما قدمته أن التأويل هنا من ((مآل الأمر)) أي: عاقبته،
فمعنى (يتأول القرآن)) أي: بين ما يؤول إليه أمر الله تعالى من الامتثال وحصول
الأمور به.
٨٧٢ - [وَعَنْهَا: أَنَّ النَّبِيَّ ◌َِّ كَانَ يَقُولُ فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ: ((سُبُّوحُ قُدُّوسُّ رَبُّ
الْمَلَائِكَةِ وَالرُّوحِ)). رَوَاهُ مُسْلِمْ](١).
(وَعَنْهَا: أَنَّ النَّبِيَّ رََّ كَانَ يَقُولُ فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ: سُبُّوحُ قُدُّوسُ) بضم
أوليهما - وهو الأكثر - وبفتحه وهو الأقيس، وهما اسمان وضعا للمبالغة في النزاهة
والطهارة عن كل ما لا يليق بجلال الحق وكماله وكبريائه وعظمته وأفضاله؛ أي: ركوعي
وسجودي لمن هو البالغ في النزاهة والطهارة المبلغ الأعلى (رَبُّ الْمَلَائِكَةِ) الذين هم
أعظم العوالم وأطوعهم لله، وأدومهم على عبادته، ومن ثم أضيفت التربية إليهم
بخصوصهم.
وفي حديث عند أبي الشيخ: ((ليس من خلق الله أكثر من الملائكة، ما من
شيء ينبت إلا وملك موكل به))(٢).
وفي أثر: «ينزل مع المطر من الملائكة أكثر من ولد آدم وولد إبليس يحصون كل
(١) أخرجه مسلم (١١١٩)، وأحمد (٢٤٧٩١)، وأبو داود (٨٧٢)، والنسائي (١٠٥٦).
(٢) أخرجه أبو الشيخ في العظمة (٣٢٠).

٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الرابع
قطرة، وأين تقع، ومن يرزق ذلك النبات))(١).
وأخرج جمع حقَّاظ أنه وٍَّ قال: ((إن لله ملائكة ترعد فرائصهم من مخافته ما
منهم ملك يقطر من عينه دمعة إلا وقعت ملكًا يسبح وملائكة سجودًا، منذ
خلق الله السماوات والأرض لم يرفعوا رؤوسهم ولا يرفعونها إلى يوم القيامة،
وملائكة ركوعًا لم يرفعوا رؤوسهم ولا يرفعونها إلى يوم القيامة، وصفوفًا لم ينصرفوا
عن مصافهم ولا ينصرفون عنها إلى يوم القيامة، فإذا كان يوم القيامة تجلى لهم ربهم
رَك نظروا إليه، وقالوا: سبحانك ما عبدناك كما ينبغي لك))(٢).
وفي حديث الطبراني: ((ما في السماوات السبع موضع قدم ولا بشر ولا كف إلا
وفيه ملك قائم وملك ساجد، فإذا كان يوم القيامة قالوا جميعًا: سبحانك ما عبدناك
حق عبادتك إلا إنا لم نشرك بك شيئًا))(٣).
وجاء عن موسى - صلى الله على نبينا وعليه السلام -: إن الله تعالى قال له: ((إن
الملائكة اثنا عشر سبطًا كل سبط عدد التراب))(٤).
وفي أثر: ((إن لجبريل في كل يوم انغماسة في الكوثر، ثم ينتفض، فكل قطرة يخلق
منها ملك))(٥).
وعن كعب: ((ما من موضع خرم إبرة في الأرض إلا وملك موكل بها يرفع علم
ذلك إلى الله تعالى)».
وفي حديث عند المنذر: ((يصلي في البيت المعمور وهو بحيال الكعبة كل يوم
سبعون ألف ملك، ثم لا يعودون إليه، وأن الكروبيين الذين يسبحون الليل والنهار لا
(١) أخرجه أبو الشيخ في العظمة (٤٨٢).
(٢) أخرجه أبو الشيخ في العظمة (٥١٥)، والبيهقي في شعب الإيمان (٩١٤)، والخطيب (٣٠٦/١٢)،
وابن عساكر (٦١/٤٠).
(٣) أخرجه الطبراني في الكبير (١٧٥١)، وفي الأوسط (٣٥٦٨).
(٤) أخرجه أبو الشيخ في العظمة (٣١٦).
(٥) أخرجه بنحوه الديلمي (٨٨٤٢).

٩
تتمة كتاب الصلاة/ باب الزّكوع
يفترون تسعة أعشار الملائكة، والعشر الباقي قد وكلوا بحراسة كل شيء))(١).
(وَالرُّوحِ) جبريل؛ لقوله تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ﴾ [الشعراء: ١٩٣] أو
((ملك من أعظم الملائكة خلقًا))(٢) كما أخرجه جمع حفاظ عن ابن عباس.
أو «حاجب الله يقوم بين يديه يوم القيامة، وهو أعظم الملائكة، لو فتح فاه
لوسع جميع الملائكة، فالخلق كلهم ينظرون فمن مخافته لا يرفعون طرفهم إلى من
فوقه))(٣) أخرجه أبو الشيخ عن الضحاك.
أو «ملك له سبعون ألف وجه، لكل وجه سبعون ألف لسان، لكل لسان سبعون
ألف لغة، يسبح الله بتلك اللغات كلها، يخلق الله من كل تسبيحة ملك آخر الملائكة
يجيء صفًّا وحده)»(٤) أخرجه ابن جرير عن ابن مسعود.
أو ((خلق على صور بني آدم))(٥) أخرجه جمع أئمة عن ابن عباس وعن مجاهد.
وأخرج جمع عنه: «الروح يأكلون ولهم أيدٍ وأرجل ورؤوس وليسوا
بملائكة))(٦).
وجمع عن ابن عباس: ((ما نزل من السماء ملك إلا ومعه واحد من الروح)» (٧).
وأخرج جمع حفاظ عن ابن عباس عن النبي وسلم أنه قال: ((الروح جند من
جنود الله ليسوا بملائكة، لهم رؤوس وأيد وأرجل)) ثم قرأ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ
وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا﴾ [النبأ: ٣٨] قال: ((هؤلاء جند وهؤلاء جند))(٨).
(١) أخرجه بنحوه البيهقي في الشعب (٣٨٣١).
(٢) أخرجه أبو الشيخ في العظمة (٤٠١).
(٣) أخرجه أبو الشيخ في العظمة (٢٨٠).
(٤) أخرجه بنحوه البيهقي في الأسماء والصفات (٧٥٤)، وأبو الشيخ في العظمة (٣٩٨).
(٥) أخرجه أبو الشيخ في العظمة (٣٩٤).
(٦) لم أقف عليه.
(٧) أخرجه البيهقي في الأسماء والصفات (٧٥٢)، وأبو الشيخ في العظمة (٣٩٤).
(٨) أخرجه أبو الشيخ في العظمة (٤٠٠).

١٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الرابع
وأخرج جمع عن عبد الله بن بريدة قال: «ما يبلغ الإنس والجن والملائكة
والشياطين عشر الروح وهم عشر الكروبيين)(١).
وأخرج أبو الشيخ عن سلمان: ((إن الإنس عشر الجن، والجن عشر الملائكة
وهم عشر الروح، وهم عشر الكروبيين))(٤).
وعن أبي نجيح: ((الروح حفظة على الملائكة))(٣).
وعن مجاهد: (هم منهم لكنهم لا يرونهم))(٤).
تنبيه:
لا يستفاد من هذه الإضافة فضل الملائكة على بني آدم لما تقرر أن سبب
الإضافة كونهم أعظم خلق الله (رَوَاهُ مُسْلِمُ).
٨٧٣ - [وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ:(أَلَا إِنِّي
نُهِيتُ أَنْ أَقْرَأَ الْقُرْآنَ رَاكِعًا أَوْ سَاجِدًا، فَأَمَّا الرُّكُوعُ فَعَظّمُوا فِيهِ الرَّبَّ، وَأَمَّا السُّجُودُ
فَاجْتَهِدُوا فِي الدُّعَاءِ، فَقَمِنْ أَنْ يُسْتَجَابَ لَكُمْ)). رَوَاهُ مُسْلِمْ) (٥).
(وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَ أَلَا) هي
استفتاحية لإفادة تأكيد ما بعدها وتعظيم ولم يأت بنظيره بالأمر بما في الركوع
والسجود إشارة إلى دنو مرتبتهما عن مرتبة القرآن (إِّ نُهِيتُ أَنْ أَقْرَأَ القُرْآنَ رَاكِعًا أَوْ
سَاجِدًا) ومنه أخذ أئمتنا أنه يكره تنزيهًا، وعليه أكثر العلماء، وقيل: تحريمًا وهو
القياس؛ إذ هو الأصل في النهي إلا أن يصرفه عنه صارف القراءة في الركوع أو
السجود، وقاسوا عليهما غيرهما ماعدا القيام.
(١) أخرجه بنحوه أبو الشيخ في العظمة (٣٩٧).
(٢) لم أقف عليه.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (٨٨١).
(٤) لم أقف عليه.
(٥) أخرجه مسلم (٤٧٩)، وأحمد (١٩٠٠)، وابن أبي شيبة (٣٠٤٥٦)، وأبو داود (٨٧٦)، والنسائي
(١٠٤٥)، وابن ماجه (٣٨٩٩)، وابن حبان (١٨٩٦)، وابن الجارود (٢٠٣)، وأبو عوانة (١٨٢٢).

١١
تتمة كتاب الصلاة/ باب الزّكوع
وكان حكمة ذلك: أن أفضل الصّلاة القيام، وأفضل الأذكار القرآن فجعل
الأفضل للأفضل، ونهى عن جعله في غيره؛ لئلا يُوهَم استواؤه مع بقية الأذكار، ثم
رأيت الخطابي صرح بذلك حيث قال: لما كان الركوع والسجود غاية الذل والخضوع،
وخص بالذكر والتسبيح، نهى وَّر عن القراءة فيهما كأنه كره أن يجمع بين كلام الله
وكلام الخلق في موضع؛ لئلا يُظن استواؤهما. انتهى ملخصًا.
وفي قراءة الفاتحة بغير القيام قول بعض أصحابنا: إن الصّلاة تبطل؛ لأنه نقل
ركن قولي وهو كالفعلي، وظاهر الحديث وكلام أصحابنا النهي عن القراءة فيما ذكر
سواء قصد القراءة أم غيرها كالدعاء.
وقول بعض المتأخرين: لا كراهة إن قصد الدعاء أو الثناء ضعيف كما بينته في
(شرح العباب)) وعند أصحابنا أن كل ذكر خص بمحل أفضل عن القراءة.
ولما كان هذا النهي ربما يتوهم من نسبته إليه ◌َّلو أنه خاص به فرع عليه وليد
ما يزيل ذلك، وإن كان الأصل التأسي به ما يقيم دليل على خصوصيته فقال: (فَأَمَّا
الرُّكُوعُ فَعَظِّمُوا فِيهِ الرَّبَّ) بالذكر دون القراءة؛ لأنكم منهيون عنها مما سيأتي،
وأفضله: (سبحان ربي العظيم أو بحمده) كما يأتي في الحديث، وهو في دعاء الافتتاح
أنه يسن في الركوع أيضًا: «اللَّهُمَّ لك ركعت ... إلى آخره) (١) والأفضل أن يأتي قبل هذا
بالتسبيح، فإن اقتصر على أحدهما فالتسبيح أفضل، وثلاث تسبيحات معه أفضل من
حذفه، ومن زيادة التسبيح على الثلاث.
(وَأَمَّا السُّجُودُ فَاجْتَهِدُوا فِي) الإتيان فيه بالأذكار الواردة كما علم مما مرَّ ويأتي،
ثم في (الدُّعَاءِ) أي: فيه (فَقَمِنْ) بفتح الميم: مصدر لا يثنى ولا يجمع ولا يؤنث،
(١) أخرجه أحمد (٧٢٩)، ومسلم (٧٧١)، والطيالسي (١٥٢)، وعبد الرزاق (٢٥٦٧)، وابن أبي شيبة
(٢٣٩٩)، وأبو داود (٧٦٠)، والترمذي (٣٤٢١)، والنسائي (٨٩٧)، وابن خزيمة (٤٦٢)،
والطحاوي (١٩٩/١)، وابن الجارود (١٧٩)، وابن حبان (١٧٧٤)، والدارقطني (١)، والبيهقي
(٢١٧٢).

١٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الرابع
وكسرها: وصف يثنى ويجمع ويؤنث، وكذا القِمين أي: حقيق (أَنْ يُسْتَجَابَ لَكُم) لما
فيه من القرب المعنوي كما مرَّ، ومن ثم كان سل# يكثر فيه من الدعاء كما يأتي في بابه
(رَوَاهُ مُسْلِمْ) وسيأتي في حديث الأمر بالتسبيح في السجود أيضًا.
٨٧٤ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَيِ: ((إِذَا قَالَ الإِمَامُ: سَمِعَ اللهُ
لِمَنْ حَمِدَهُ، فَقُولُوا: اللّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ، فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ قَوْلُهُ قَوْلَ الْمَلَائِكَةِ غُفِرَ لَهُ مَا
تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ)). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ](١).
(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَة ◌ََّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَيِّ: إِذَا قَالَ الْإِمَامُ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ
حَمِدَهُ، فَقُولُوا) ذلك أيضًا لما مرَّ من الأحاديث الصحيحة أنه وَّ كان يقول عند
انتصابه من ركوعه، وقد أمرنا بالتأسي به، وصح أيضًا أنه كان يجهر به فيسمعونه،
ويسر بربنا لك الحمد، فلم يأمرهم بالأول لعلمهم به، وأمرهم بالثاني لعدم علمهم به.
فقال: ((فقولوا)) أي: مع ما علمتموه من سمع الله لمن حمده كما تقرر (اللهُمَّ رَبَّنَا
لَكَ الْحَمْدُ) ومر أن الأفضل زيادة الواو (فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ قَوْلُهُ قَوْلَ الْمَلَائِكَةِ غُفِرَ لَهُ مَا
تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ. مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ) ومرَّ الكلام على نظيره في التأمين عقب الفاتحة.
٨٧٥ - [وَعَنْ عَبْدِ الله بْنِ أَبِي أَوْنَى ﴾ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَهِ إِذَا رَفَعَ ظَهْرَهُ
مِنَ الرُّكُوعِ قَالَ: ((سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، اللهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْخَمْدُ مِلْءَ السَّمَوَاتِ وَمِلْءَ
الأَرْضِ، وَمِلْءَ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ). رَوَاهُ مُسْلِمُ](٢).
(وَعَنْ عَبْدِ اللّه بْنِ أَبِي أَوْنَى عَّهِ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللّهِ وَ إِذَا رَفَعَ ظَهْرَهُ مِن
الرُّكُوعِ قَالَ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ) فإذا انتهى إلى الاعتدال قال كما في الروايات
الصحيحة السابقة: (اللهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ مِلْءَ السَّمَاوَاتِ، وَمِلْءَ الْأَرْضِ، وَمِلْءَ مَا
شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ) ومر الكلام على ذلك مستوفى في دعاء الافتتاح، ويعلم منه أن
(١) أخرجه البخاري (٧٦٣)، ومسلم (٤٠٩)، ومالك (١٩٤)، وأبو داود (٨٤٨)، والترمذي (٢٦٧)
وقال: حسن صحيح. والنسائي (١٠٦٣)، وابن حبان (١٩٠٧)، والشافعي (٣٧/١).
(٢) أخرجه مسلم (١٠٩٥).

١٣
تتمة كتاب الصّلاة/ باب الركوع
هذا تمثيل وتقريب؛ إذ الكلام لا يملأ شيئًا؛ لأنه عرض، وإنما المراد تكثير العدد
حتى لو فرض أن تلك الكلمات أجسام تملأ الأماكن لبلغت من كثرتها ما يملأ جميع
ما ذكر، وفيه إشارة إلى الاعتراف بالعجز عن جميع أداء حق الحمد بعد استفراغ
الجهد، فإنه حمد ملء السماوات والأرض، وهذه نهاية أقدام السابقين.
ثم ترقى إلى إحالة الأمر فيه على المشبه إعلامًا بأنه ليس وراء ذلك الحمد
منتهى؛ إذ حمد الله تعالى أعز من أن يعتوره الحساب، أو يكتنفه الزمان والمكان، أو
يرتقي لمنتهاه كامل، أو يصل لغايته عامل كما أشار لذلك سيد الحامدين وإمام المقربين
بقوله: ((سبحانك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك)(١).
(رَوَاهُ مُسْلِمْ) وبه أخذ أئمتنا، فجعلوا ذلك سنة للإمام والمأموم، والمنفرد سواء
کان یعده قنوت أم لا.
٨٧٦ [وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَهَ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ
الرُّكُوعِ قَالَ: «رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ مِلْءَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ، وَمِلْءَ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ
أَهْلَ الثَّنَاءِ وَالْمَجْدِ، أَحَقُّ مَا قَالَ الْعَبْدُ وَكُلُّنَا لَكَ عَبْدُّ، اللهُمَّ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ وَلَّا
مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ)). رَوَاهُ مُسْلِمْ](٢).
(وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَ﴾ قَالَ: كَانَ رَسُولُ الله ◌َّهِ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِن الرُّكُوعِ
قَال) إذا استقر في الاعتدال كما بينته الروايات الصحيحة السابقة (اللهُمَّ رَبَّنَا لَك
الْحَمْدُ، مِلْءَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَمِلْءَ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ، أَهْلِ) أي: يا أهل أو
أمدح أهل أو أنت أهل (الشَّنَاءِ) وأطلقه؛ لأنه لا يستعمل عند الجمهور إلا في الحسن
وضده، يقال: الثناء بتقدیم النون.
(وَالْمَجْدِ) العظمة أو الكرم (أَحَقُّ مَا) موصولة أو موصوفة (قَالَ الْعَبْدُ) خبر
(١) أخرجه أحمد (٧٥١)، وأبو داود (١٤٢٧)، والترمذي (٣٥٦٦)، والنسائي (١٧٤٧)، وابن ماجه
(١١٧٩)، وأبو يعلى (٢٧٥)، والحاكم (١١٥٠)، والبيهقي (٤٦٥٠)، والضياء (٦٢٧).
(٢) أخرجه مسلم (١٠٨٦)، وأحمد (١٢١٥٠)، والنسائي (١٠٦٧)، وأبو داود (٨٤٧).

١٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الرابع
مبتدأ محذوف؛ أي: أنت أحق بكل ثناء نطق به العبد، أو الحمد المذكور أحق كلام
تكلم به العبد، ويصح وهو الأظهر أن يكون مبتدأ؛ أي: أصدق كلام نطق به الموحد
أو المتكلم في باب التفويض والبراءة من الحول والقوة، وشهود عجز العبد من كل وجه
فـ((أل)) في ((العبد)) للعهد أو الجنس، وقيل: للعهد، والمعهود النبي
وَسـ
وفي رواية: ((حق ما قال العبد))(١) وهي مبتدأ وخبره استئناف، وما بعده تذييل
(وَكُلُنَا لَكَ عَبْدٌ) جملة اعتراضية نافية؛ لتوهم أن ((أل)) في ((العبد)) للعهد ومثبتة لكونها
استغراقية، وخبر «أحق)).
(اللهُمَّ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ) لا لأحد من خلقك ابتداء أو بسابقة عمل
(وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ) لا أحدًا منهم ولو بغير سابقة ذنب (وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ)
بفتح الجيم؛ أي: الغنى أو الحظ الدنيوي (مِنْكَ) أي: عندك (الْجُدُّ) أي: عناه أو
حظه، فلا يعيذه من عذابك ولا يحصل له شيئًا من ثوابك، إنما الدافع ما تعلقت به
إرادتك فحسب، أو سلوك سبيل رضاك والكف عما يسخطك، وقيل: ((منك»
بمعنى: بدلك، على حدٍّ: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنكُم مَّلائِكَةً.﴾ [الزخرف:٦٠] أي:
بدلكم؛ أي: لا ينفع الحصول بدل طاعتك أو توفيقك، وإنما النافع طاعتك وثوابها لا
غير.
قال تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالَّ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَنَى اللّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾
[الشعراء: ٨٨ - ٨٩] أي: من الشرك أو مما سوى الله.
وقيل: المراد بالجد: الأصل؛ أي: لا ينفع أحدًا نسبه؛ لقوله تعالى: ﴿فَلَا أَنسَابَ
بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ﴾ [المؤمنون:١٠١] وقيل: المراد: إن صاحب الحظ العظيم لا ينفعه حظه
بدون عناية الله وإسعافه؛ إذ نفع الحظ غيره وناسب ما قبله المفهوم منه أن معطي
الحظ ومانعه هو الله تعالى إعلامًا بأن الحظ للمعطي لا ينفع المعطى له إلا إن
جعل الله فيه نفعًا، وإلا فكم من ذي حظ عظيم مالاً أو علمًا لا ينفعه ماله ولا
(١) أخرجه النسائي (٦٥٥).

١٥
تتمة كتاب الصّلاة/ باب الرّكوع
علمه؛ لإرادته تعالى حرمانه وخذلانه.
ومن ثم كان الاغترار بالأحوال فضلاً عن الأموال موجبًا للانحطاط عن معالي
الكمال، أو للخسار والبوار والنكال، أعاذنا الله من ذلك بمنّه وكرمه، آمین.
ويستعمل الجد في العظمة الحقيقية والفيض أو الغنى الأكبر، ومنه قوله تعالى:
﴿وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا﴾ [الجن:٣] أي: عظمته وفيضه وغناه (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وإنما يسن
عندنا ما نجد من شيء بعد لمنفرد، وإمام محصورين رضوا بالتطويل ومأموم طول
إمامه، وأمَّا إمام من لم يرضوا فلا يأتي بذلك؛ لأنه مكروه عملاً بأمره والهر للأئمة
بالتخفيف.
٨٧٧ - [وَعَنْ رِفَاعَةَ بن رَافِعٍ، قَالَ: كُنَّا نُصَلِّ وَرَاءَ رَسُولِ اللهِّهِ فَلَمَّا رَفَعَ
رَأْسَهُ مِنَ الرَّكْعَةِ قَالَ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَقَالَ رَجُلَّ وَرَاءَهُ: رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا
كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ. فَلَمَّ انْصَرَفَ قَالَ: مَنِ الْمُتَكَلِّمُ آنِفًا؟ قَالَ: أَنَا. قَالَ: رَأَيْتُ بَضْعَةً
وَثَلاثِينَ مَلَكَّا يَبْتَدِرُونَهَا أَيُّهُمْ يَكْتُبُهَا أَوَّل)(١).
(وَعَنْ رِفَاعَةٍ بْنِ أَبِي رَافِعٍ قَالَ: كُنَّا نُصِلِي وَرَاءَ النِبِيِّ ◌ََّ فلمَّا رَفَعَ رَأْسَهُ) أي:
شرع في رفع رأسه كما بينته الأحاديث الصحيحة (فِي الرَّكْعَةِ) أي: للركوع (قَالَ:
سّمِعَ اللهُ لِمَن حَمِدَه، فَقَالَ رَجُلُ وَرَاءَهُ: رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ، حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ)
مرَّ الكلام عليه في دعاء الافتتاح (فلمَّا انْصَرَفَ) وَ﴿ من صلاته (قَالَ: مَنِ المُتكَلِّمُ)
أي: جهرًّا على خلاف المطلوب من المأموم (آنِفًا) أي: قريبًا (قَالَ: أَنَا، قَالَ: رأَيتُ).
وفي رواية للطبراني: ((والذي نفسي بيده لقد رأيت))(٢).
(بِضْعَةٍ وَثَلاثِينَ مَلَكَّا يَبْتَدِرُونَها أيُّهم يَكتُبها أَوَّل).
وفي رواية: ((أول))(٣) ولكل وجه؛ إذ الأول مبني على الضم لقطعه عن الإضافة
(١) أخرجه البخاري (٧٦٦)، وأحمد (١٩٠١٨)، والنسائي (١٠٦٢).
(٢) أخرجه البخاري في صحيح الأدب المفرد (٥٣٥).
(٣) أخرجه مالك (٤٩٧)، وأحمد (١٩٥١٢)، والنسائي (١٠٧٠).

١٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الرابع
لفظًا لا معنى؛ أي: أولهم، وإنما تسارع كل منهم إلى كتابتها قبل الآخرين؛ ليصل
لحضرة الحق قبلهم بشيء نفيس يرجى عود أثر من يحمله على أنه كان مؤتمًّا به في
نافلة؛ إذ لا دليل له على هذا الحمل، ولا معنى يساعده على التخصيص كما مر بسطه
تم.
(الفصل الثاني)
٨٧٨ - [عَنْ أَبِي مَسْعُودِ الأَنَصَارِي ◌َ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: ((لَا تُجْزِئُ صَلَاةُ
الرَّجُلِ حَتَّى يُقِيمَ ظَهْرَهُ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرِمِذِي وَالنَّسَائِي وَابْنُ
مَاجَهُ وَالدَّارَمِي، قَالَ التِّرمِذِي: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحٌ](١)
٨٧٩ - [وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ﴾ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾
[الواقعة: ٧٤] قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّ: ((اجْعَلُوهَا فِي رُكُوعِكُمْ)). فَلَمَّا نَزَلَتْ: (سَبِّحَ اسْمَ
(١) أخرجه أبو داود (٨٥٥)، والترمذي (٢٦٥).
وقال القاري: المظهر: أي: لا تجزئ صلاة من لا يسوي ظهره (في الركوع والسجود) والمراد
منهما الطمأنينة، وهي واجبة عند الشافعي وأحمد في الركوع والسجود ونحوهما، وعند أبي
حنيفة ليست بواجبة؛ لأن الطمأنينة أمر والاعتدال أمر، كذا ذكره الطيبي.
وفي ((شرح منية)) المصلي تعديل الأركان، وهو الطمأنينة وزوال اضطراب الأعضاء وأقله قدر
تسبيحة فرض عند أبي يوسف والأئمة الثلاثة للحديث المذكور.
والجواب: أنه لا يثبت به الفرضية؛ إذ الفرض ما ثبت بدليل قطعي فهو واجب عند أبي حنيفة
ومحمد؛ لأنه ثبت بالدليل الظني، وقيل: إنه سنة.
ثم قال في ((شرح المنية)) وكذا القومة من الركوع والجلسة بين السجدتين، والطمأنينة كلها
فرائض عند أبي يوسف، وعندهما سنن على ما ذكر في ((الهداية)).
وقال ابن الهمام في شرحها: ينبغي أن تكون القومة والجلسة واجبتين لمواظبته - عليه السلام
عليهما - ويدل عليه ما ذكره قاضي خان فيما يوجب سهو المصلي إذا ركع، ولم يرفع رأسه من
الركوع حتى خر ساجدًا ساهيًا تجوز صلاته عند أبي حنيفة ومحمد وعليه السهو.
وقال ابن حجر «في» بمعنی «من».
(رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه والدارمي، وقال الترمذي: هذا حديث حسن
صحیح).

١٧
تتمة كتاب الصلاة/ باب الركوع
رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١] قَالَ: ((اجْعَلُوهَا فِي سُجُودِكُمْ)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَه
وَالدَّارِمِي](١).
٨٨٠ - [وَعَنْ عَوْنِ بْنِ عَبْدِ الله بْنِ عُتْبَةَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﴾ قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللهِ وََّ: ((إِذَا رَكَعَ أَحَدُكُمْ، فَقَالَ فِي رُكُوعِهِ: سُبْحَانَ رَبِّ الْعَظِيمِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ،
فَقَدْ تَمَّ رُكُوعُهُ وَذَلِكَ أَدْنَاهُ، وَإِذَا سَجَدَ فَقَالَ فِي سُجُودِهِ: سُبْحَانَ رَبِّيَّ الأَعْلَى ثَلَاثَ
مَرَّاتٍ، فَقَدْ تَمَّ سُجُودُهُ وَذَلِكَ أَدْنَاهُ))](٩).
(١) أخرجه أبو داود (٨٦٩) (وعن عقبة بن عامر قال: لما نزلت (فسبح باسم ربك العظيم﴾ قال
رسول الله وال﴾: اجعلوها) أي: مضمونها ومحصولها (في ركوعكم) يعني: قولوا: سبحان ربي
العظيم.
قال الفخر الرازي: معنى العظيم الكامل في ذاته وصفاته، ومعنى الجليل الكامل في صفاته، ومعنى
الكبير الكامل في ذاته (فلما نزلت: ﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾ قال: اجعلوها في سجودكم).
قال ابن حجر: ووجه التخصيص أن الأعلى أبلغ من العظيم فجعل للأبلغ في التواضع وهو
السجود الأفضل من الركوع، وصح: ((أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد)) وربما يتوهم
قرب مسافة فندب فيه التسبيح.
قال الطيبي: الاسم هنا صلة بدليل أنه * كان يقول في سجوده: سبحان ربي الأعلى، فحذف
الاسم وهذا على قول من زعم أن الاسم غير المسمى، وقيل: الاسم يجوز أن يكون غير صلة،
والمعنى تنزيه اسمه عن أن يبتدل وألا يذكر على وجه التعظيم.
قال الإمام الرازي: كما يجب تنزيه ذاته عن النقائص يجب تنزيه الألفاظ الموضوعة لها عن
الرفث وسوء الأدب (رواه أبو داود).
قال ميرك: وسكت عليه المنذري، وقال النووي: إسناده حسن، ورواه الحاكم في المستدرك
وقال: صحيح.
قال الذهبي: في إسناده إياس بن عامر وليس بالمعروف، لكن قال في التقريب: إنه صدوق
(وابن ماجه والداري).
(٢) أخرجه أبو داود (٨٨٦). (وعن عون بن عبد الله) أي: ابن عتبة بن مسعود (عن ابن مسعود)
يعني: عبد الله (قال: قال رسول اللّه ◌َ ل﴾: إذا ركع أحدكم، فقال في ركوعه: سبحان ربي
العظيم) بفتح ياء ربي ويسكن ثلاث مرات (فقد تم ركوعه) أي: كمل، وإلا فأصل الكمال
يحصل بواحدة قاله ابن حجر.
-

١٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الرابع
٨٨١ - [وَعَنْ حُذَيْفَةَ ﴾: أنَّهُ صَلَّ مَعَ النَّبِيِّ نَّهِ فَكَانَ يَقُولُ فِي رُكُوعِهِ:
(سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيمِ)). وَفِي سُجُودِهِ «سُبْحَانَ رَبِّيَّ الأَعْلَ)). وَمَا أَنَى عَلَى آيَةٍ رَحْمَةٍ إِلَّا وَقَفَ
وَسَأَلَ، وَمَا أَنَى عَلَى آيَةِ عَذَابٍ إِلَّ وَقَفَ وَتَعَوَّذَ رَوَاهُ التِّرمِذِي، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالدَّارَمي.
وَرَوَى النِّسَائِي وَابْنُ مَاجَه إِلَى قوله: ((الأعلى)) وَقَالَ التِّرمِذِي: وَهَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ
صَحِيحٌ](١).
=
(وذلك أدناه) أي: أدنى تمام ركوعه، قال ابن الملك: أي: أدنى الكمال في العدد، وأكمله سبع
مرات، قال: فالأوسط خمس مرات.
وفي (شرح المنية)): وركنية الركوع والسجود بأدنى ما ينطلق عليه اسمهما، وذكر في ((شرح
الإسبيجابي)): إنه إن لم يقل ثلاث تسبيحات، أو لم يمكث مقدار ذلك لا يجوز ركوعه وسجوده
وهذا قول شاذ، كقول أبي مطيع البلخي بفرضية التسبيحات الثلاث في الركوع والسجود حتى
لو نقص واحدة لا يجوز رکوعه ولا سجوده.
(وإذا سجد فقال في سجوده: سبحان ربي الأعلى ثلاث مرات فقد تم سجوده وذلك أدناه. رواه
الترمذي) من طريق عون بن عبد الله بن عتبة عن ابن مسعود، قاله ميرك (وأبو داود وابن ماجه،
وقال الترمذي: ليس إسناده) أي: إسناد هذا الحديث (بمتصل؛ لأن عونًا لم يلق ابن مسعود).
وقال ابن حجر: ولا يضر ذلك في الاستدلال به ههنا؛ لأن المنقطع يعمل به في الفضائل إجماعًا.
(١) أخرجه الترمذي (٢٦٢)، وأبو داود (٨٧١)، والدرامي (١٣٠٦). (وعن حذيفة أنه صلى مع النبي
﴿ ﴿ وكان يقول) أي: النبي ◌ّ أحيانًا أو في النفل (في ركوعه: ((سبحان ربي العظيم)" وفي سجوده:
((سبحان ربي الأعلى)) وما أتى على آية رحمة إلا وقف وسأل) أي: رحمته.
(وما أتى على آية عذاب إلا وقف وتعوذ) أي: بالله من عذابه، حمله أصحابنا والمالكية على أن
صلاته كانت نافلة لعدم تجويزهم التعوذ والسؤال أثناء القراءة في صلاة الفرض، ويمكن حمله
على الجواز؛ لأنه يصح معه الصلاة إجماعًا، ويدل عليه ندرة وقوعه.
(رواه الترمذي وأبو داود والداري) أي: الحديث بكماله (وروى النسائي وابن ماجه إلى قوله:
((الأعلى)) وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح).
قال الشيخ الجزري: حديث حذيفة هذا رواه مسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه نحوه، وإيراد
محبي السنة له في ((الحسان) يدل على أنه ليس في واحد من الصحيحين، لا سيما وقد قال:
صحيح كعادته في تصحيح ما لم يكن في واحد منهما، فكان ينبغي أن يقدمه في ((الصحاح))
لأنه في «صحيح مسلم» کذا نقله میرك.

١٩
تتمة كتاب الصلاة/ باب الركوع
(الفصل الثالث)
٨٨٢ - [عَنْ عَوْفٍ بْنِ مَالِكٍ ﴾ قَالَ: قُمْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِوَ لَيْلَةً فَلَمَّا رَكَعَ
مَكَثَ قَدْرَ سُورَةِ الْبَقَرَةِ يَقُولُ فِي رُكُوعِهِ: ((سُبْحَانَ ذِي الْجَبَرُوتِ وَالْمَلَكُوتِ وَالْكِبْرِيَاءِ
وَالْعَظَمَةِ)). رَوَاهُ النَّسَائِيَّ)(١).
(عَنْ عَوْفٍ بن مَالِكٍ ﴾ قَالَ: قُمْتُ) أي: صليت (مَعَ رَسُولِ اللهِ وَلَ﴿ فَلَمَّا رَكَعَ
مَكّثَ) في ركوعه (قَدْرَ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، وَيَقُولُ فِي رُكُوعِهِ: سُبْحَانَ ذِي الْجَبَرُوتِ
وَالْمَلَكُوتِ) فعلوت من الجبر والقهر والملكوت (وَالْكِبْرِيَاءِ وَالْعَظَمَةِ) وناسبت هذه
الصفات الأربع الركوع؛ لأن القصد فيه التعظيم، والثلاث المذكورة قبل العظمة أعظم
بظاهرها (رَوَاهُ النَّسَائِيّ) يحتمل أنه كان في نفل لا تسن الجماعة فيه فائتم به على
خلاف السنة، أو في نفل يسن فيه، أو في فرض، والتطويل حينئذ؛ لعلمه برضاهم، أو
لبيان جوازه لتمكنه من مفارقته، ولا ضرر عليهم فيها؛ لأنها إنما تكره وتمنع فضيلة
الجماعة؛ حيث لا عذر كتطويل الإمام.
٨٨٣ - [وَعَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ﴾، يَقُولُ: مَا صَلَّيْتُ وَرَاءَ أَحَدٍ بَعْدَ
رَسُولِ اللهِ وَ﴿ أَشْبَةَ صَلَاةً بِرَسُولِ اللهِ وَّهِ مِنْ هَذَا الْفَتَى - يَعْنِى عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيز -
قَالَ فَحَزَرْنَا فِي رُكُوعِهِ عَشْرَ تَسْبِيحَاتٍ، وَفِي سُجُودِهِ عَشْرَ تَسْبِيحَاتٍ}(٢).
(وَعَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ: سَمِعْت أَنَسِ بْن مَالِك ﴾، يَقُول: مَا صَلَّيْت وَرَاء أَحَد بَعْد
رَسُولَ اللَّهِ وَّهُ أَشْبَهَ صَلَاة بِصَلَاةِ رَسُول الله ﴿ مِنْ هَذَا الْفَتَى؛ يَعْنِي: عُمَر بْن
عَبْد الْعَزِيز) وعمر أدرك أنسًا وأخذ عنه؛ لأنه ولد سنة إحدى وستين، وأنس توفي سنة
إحدى وتسعين (قَالَ: فَخَرِزْنَا) أي: فقدرنا (فِي رُكُوعه عَشْرِ تَسْبِيحَات، وَسُجُودِه
عَشْر تَسْبِيحَات) وبه كخبر: ((إن الله وتر يحب الوتر))(٣) يستدل لما ذهب إليه أئمتنا أن
(١) أخرجه النسائي (١٠٤٨)، والبيهقى (٣٨٤٠)، والطبراني (١٤٥٤٠).
(٢) أخرجه أبو داود (٨٨٨)، والنسائي (١١٣٤)، والبيهقي (٢٧٩٥).
(٣) أخرجه أحمد (١٢١٣)، والترمذي (٤٥٣) وقال: حديث حسن. والطيالسي (٨٨)، والنسائي في
1

٢٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الرابع
أعلى الكمال أحد عشر كما مر.
٨٨٤ - [وَعَنْ شَقِيقٍ قَالَ: إِنَّ حُذَيْفَةَ ﴾ رَأَى رَجُلاً لَا يُتِمُّ رُكُوعَه وَلَا سُجُودَه
قَالَ: فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ دَعَاهُ فَقَالَ لَهُ حُذَيْفَةُ: مَا صَلَّيْتَ، وَأَحْسَبُهُ قَالَ: وَلَوْ مُتَّ، مُتَّ
عَلَى غَيْرِ الْفِطْرَةِ الَّتِي فَطَرَ اللهُ مُحَمَّدًّا وَ رَوَاهُ الْبُخَارِيّ](١).
(عَنْ شَقِيقٍ قَالَ: إِنَّ حُذَيْفَةَ عَهَ رَأَى رَجُلاً لَا يُتِمُّ رُكُوعَهُ وَلَا سُجُودَهُ) لتركه
واجبًا من واجباتهما كالطمأنينة (فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ دَعَاهُ فَقَالَ لَهُ حُذَيْفَةُ: مَا) نافية
(صَلَّيْتَ) صلاة صحيحة (وَأَحْسَبُهُ قَالَ: وَلَو مُتَّ، مُتَّ عَلَى غَيْرِ الفِظْرَةَ).
قال ابن مالك: يؤخذ منه جواز وقوع الجواب موافقًا للشرط لفظًا ومعنى؛ لتعلق
ما بعده به، وحينئذ يجب ذكر الفضيلة؛ لتوقف الإفادة عليها، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنْ
أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لأَنفُسِكُمْ﴾ [الإسراء:٧] أعني: ولك أن تقول لا نسلم الاتحاد
معنى؛ لأن التقدير: ولو مت على تركك لهذا الجواب في الصّلاة مت على غير الفطرة،
وفي هذا التركيب من التهديد وتفخيم فتح ترك ذلك ما لا يخفى، وكذا في الآية
التقدير: إن أحسنتم للناس أو في الأعمال أحسنتم لأنفسكم لا لغيركم في الحقيقة؛
لأن ثواب ذلك إنما يرجع لكم فحسب، وفائدة ذلك حصر الفائدة في العاملين.
(الَّتِي فَطَرَ اللهُ) عليها (مُحَمَّدًا {َّ) أي: لأنك غيرت ما فطرت؛ أي: ولدت
عليه من الملة الحنيفية - وهي دين الإسلام - ودخلت في عداد المبدلين لدين الله
بتركك للصلاة، وتركها تعمدًا لا كفرًا مطلقًا عند كثيرين من الصحابة والتابعين،
ومن بعدهم كأحمد وإسحاق، وبشرط الاستحلال عند الأكثرين، فعليه الفطرة في
كلامه بمعنى: دين الإسلام الكامل (رَوَاهُ الْبُخَارِيّ).
قيل: فيه دليل على وجوب الطمأنينة في الركوع والسجود وغيرهما، ووجه دلالة
-
الكبرى (٤٤٠)، وأبو يعلى (٥٨٥).
(١) أخرجه البخاري (٧٥٨)، وعبد الرزاق (٣٧٣٢)، وابن أبي شيبة (٢٩٦٦)، والنسائي (٦٠٨).