النص المفهرس
صفحات 421-432
٤٢١ كتاب الصّلاة/ باب القراءة في الصّلاة قال بعض أثمتنا: ومن العجب قول المخالف: لا يعطي الترجمة حكم القراءة بالنسبة للجنب، بل بالنسبة للصلاة التي مبناها على التعبد والاتباع، وإن من لم يعرف قرآنًا لزمه سبعة أنواع من الذكر بقدر حروف الفاتحة كما أفاده الأمر للعاجز عن القرآن بأن يقول: سبحان الله (وَالْحَمْدُ للهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّ اللهَ وَاللهُ أَكْبَرُ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ، قَالَ: يَا رَسُولَ الله، هَذَا لِله) أي: ثناء وتعظيم يختص بالله وليس لي عليه إلا ثواب التعبد به (فَمَاذَا لِي) غير ذلك من الفوائد الدنيوية والأخروية كالرحمة والعافية، والهداية والرزق، وإزالة الهم والغم، وصلاح الأهل والذرية التي يعينها الأغراض والإرادات. (قَالَ: قُلْ: اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي وَارْزُقْنِي وَعَافِنِي وَاهْدِنِي) ويوافقه هذا الحديث الذي حسنه الترمذي، وقد مرَّ، فإن كان معك قرآن فاقرأ به وإلا فاحمد الله وهلِّله وكبره، فاستفيد من هذا مع ضم حديث الباب إليه أنه لا بد من سبعة أنواع من الذكر والدعاء جمعها ومجموعها، وهو الأصح كما بينته في ((شرح العباب)) في الفقه. ويجب في الدعاء أخذًا مما هنا أن يكون أخرويًّا محضًا، ومحله أن قدر عليه وإلا أجزاه الدنيوي ولا يشترط قصد البدل، بل الشرط عدم الصارف؛ بألّا يقصد غير البدلية ولو عرف آية من الفاتحة أو غيرها، ولم يعرف ذكرًا كررها بقدر الفاتحة عددًا أَنَّهُمَا سَمِعَا عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَقُولُ سَمِعْتُ هِشَامَ بْنَ حَكِيمٍ يَقْرَأُ سُورَةَ الْفُرْقَانِ فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللهِ ﴿ فَاسْتَمَعْتُ لِقِرَاءَتِهِ، فَإِذَا هُوَ يَقْرَأُ عَلَى حُرُوفٍ كَثِيرَةٍ لَمْ يُقْرِتْنِهَا رَسُولُ الله فَكِدْتُ أُسَاوِرُهُ فِي الصَّلَاةِ، فَتَصَبَّرْتُ حَتَّى سَلَّمَ، فَلَبَبْتُهُ بِدَائِهِ فَقُلْتُ مَنْ أَقْرَكَ هَذِهِ السُّورَةَ الَّتِي سَمِعْتُكَ تَقْرَأُ، قَالَ: أَقْرَأَنِيهَا رَسُولُ اللهِ وَهِ فَقُلْتُ كَذَبْتَ، أَقْرَأَنِيهَا عَلَى غَيْرِ مَا قَرَأْتَ. فَانْطَلَقْتُ بِهِ أَقُودُهُ إِلَى رَسُولِ اللهِ﴾ فَقُلْتُ إِنِي سَمِعْتُ هَذَا يَقْرَأُ سُورَةَ الْفُرْقَانِ عَلَى حُرُوفٍ لَمْ تُقْرِتْنِيهَا. فَقَالَ ((أَرْسِلْهُ، اقْرَأْ يَا هِشَامُ». فَقَرَأَ الْقِرَاءَةَ الَّتِي سَمِعْتُهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِلَ ﴾(( كَذَلِكَ أَنْزِلَتْ)) ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِوَ﴿((اقْرَأْ يَا عُمَرُ)). فَقَرَأْتُ الَّتِي أَقْرَأَنِي فَقَالَ: ((كَذَلِكَ أُنْزِلَتْ، إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ أُنْزِلَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ، فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ)). ٤٢٢ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثالث وحروفًا، فإن عرف ذكرًا قرأها وأتى ببدل الباقي ويلزمه الترتيب، فإن كانت أول الفاتحة قرأها، ثم البدل أو عكسه فعكسه، ولا أثر لحفظ بعض آية كما علم من الحديث؛ لأنه وَل﴾ أمر بـ((سبحان الله والحمد لله)) وما بعدهما، والكل آخرًا من آيات القرآن، ولم يأمره بتكريرها. (فَقَالَ: هَكَذَا) مشيرًا (بِيَدَيْهِ) بيَّن الراوي المراد بالإشارة بهما، فقال: (قَبَضَهما) أي: إشارة إلى أنه يحفظ ما أمره به كما يحفظ النفيس بقبض اليد عليه، وظاهر السياق: إن المشير هو المأمور؛ أي: حفظت ما قلت لي وقبضت عليه فلا أضيعه، ويؤيده قول الراوي: (فَقَالَ رَسُولُ اللهِهِ: أَمَّا هَذَا فَقَدْ مَلَأَ يَدَيْهِ مِن الْخَيْرِ) كناية عن أخذه مجامع الخير بامتثاله لما أمر به، وحينئذ فيكون معناه قوله: ((فقال رسول الله وَلِ﴾) أنه فهم من ذلك الرجل الامتثال فيبشره، وأمره بأنه ظفر بما لم يظفر به غيره. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُد) والنسائي (وَ) لكن (انْتَهَتْ رِوَايَة النَّسَائِيِّ عِنْدَ قَولِهِ: إِلا بِالله) وصححه بعض الحفاظ، لكن اعترضه النووي في ((مجموعه)) وبيَّن ضعفه، ويجمع بحمل الصحيح فيه على التحسين لما انضم إليه من حديث الترمذي الذي حسنه فيما مرَّ. فإن قلت: من يقدر على تعلم تلك الكلمات كيف لا يقدر على تعلم الفاتحة، فلم لا يؤمر به؟ قلت: محل وجوب تعلمها ما لم يضق الوقت وإلا صلى ببدلها من قرآن أو ذكر ولزمه تعلمها فورًا، فحينئذٍ يحمل ما هنا على أن ذلك الرجل ضاق عليه الوقت ولم يحسن الفاتحة مع علمه بوجوبها كما دل عليه قوله: ((ما يجزئني)) فطلب ما يجزيه الآن فحسب، وإلا لم يذكر له وَله وجوب التعلم؛ لأنه يجوز تأخير البيان إلى وقت الحاجة، وهو بعد فراغ الصّلاة لا قبلها، فيحتمل أنه صبر إلى أن صلى ثم علمه على أن كلامه مشعر بأنه يعلم وجوبها ووجوب تعلمها، وأن عذره أنه لم يستطع تعلمها الآن، ولا يلزم من كونه عربيًّا أن يكون سريع الحفظ، فكم من عربي في غاية الذكاء ومع ذلك هو في غاية من البلادة بالنسبة للحفظ ؟! وهذا لا نقص فيه ولا يلزم من سرعة حفظ ٤٢٣ كتاب الصّلاة/ باب القراءة في الصّلاة لـ((سبحان الله)) وما بعده سرعة حفظه للفاتحة؛ لأن القرآن له مزية في الصعوبة على غيره كما هو ظاهر فاندفع ما هنا لبعض الشراح فتأمله لتعجب من الشارح في تقريره له على ذلك. ٨٥٩ - [وَعَن ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - أَنَّ النَّبِيَّ ◌َ كَانَ إِذَا قَرَأَ: (سَبِّح اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١] قَالَ: سُبْحَانَ رَبِي الأَعْلَى (١). رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَأَحْمَدُ]. (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - أَنَّ النَّبِيَّ رَبِ كَانَ إِذَا قَرَأَّ: ﴿سَبِّجِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ قَالَ: سُبْحَانَ رَبِّي الأَعْلَى. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدٍ وَأَحْمَدُ) وبه أخذ أئمتنا فقالوا: يسن لمن قرأ أو سمع في الصّلاة خلافًا للمالكية والحنفية وخارجها أنه تسبيح نحو: (سبحان ربي العظيم)). ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ [النصر: ٣] ومثلها آية المثل نحو: ﴿ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً عَبْدًا مَّمْلُوكًا﴾ [النحل: ٧٥] أن يقول في الأولى: ((سبحان ربي العظيم)». وفي الثانية: ((سبحان الله وبحمده). وفي الثالثة: أحد هذين، وفي الحديث تصريح بقول بعض أئمتنا: الأحسن عند آية التنزيه أن يأتي بموافق لفظ التلاوة. ٨٦٠ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَة ﴿ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِّ: مَنْ قَرَّأَ مِنْكُمُ بِ: ﴿التِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾ [التين: ١] فَانْتَهَى إِلَى: ﴿أَلَيْسَ اللهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾ [التين: ٨] فَلْيَقُلْ: بَلَى وَأَنَا عَلَى ذَلِكَ مِنَ الشَّاهِدِينَ، وَمَنْ قَرَأَ: ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيَامَةِ﴾ [القيامة: ١] فَانْتَهَى إِلَى: ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَن يُحْبِيَ المَوْنَى﴾ [القيامة:٤٠] فَلْيَقُلْ: بَلَى، وَمَنْ قَرَأَ: ﴿وَالْمُرْسَلاتِ﴾ [المرسلات:١] فَبَلَغَ: ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ [المرسلات: ٥٠] فَلْيَقُلْ: آمَنَّا بِالله (٢). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدِ، وَالتِّرْمِذِيّ إِلَى قَوْلِهِ: وَأَنَا عَلَى ذَلِكَ مِنَ الشَّاهِدِينَ]. (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَة ◌َ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: مَنْ قَرَأْ مِنْكُمُ بِ: ﴿التِّينِ (١) أخرجه أبو داود (٨٨٣)، وأحمد (٢٠٩٨)، والبيهقي في «سننه» (٣٨٤٢). (٢) أخرجه أبو داود (٨٨٧)، والترمذي (٣٣٤٧)، والبيهقي (٣٥٠٨) وفي («شعب الإيمان)) (٢٠٩٧). ٤٢٤ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثالث وَالزَّيْتُونِ﴾ فَانْتَقَى إِلَى: ﴿أَلَيْسَ اللهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾ فَلْيَقُلْ: بَلَى) أي: نعم؛ لأنها لتقرير النفي المستفهم عنه بالهمزة وهو كفر، ويلي لرده وإثبات أنه تعالى أحكم الحاكمين (وَأَنَا عَلَى ذَلِكَ مِنَ الشَّاهِدِينَ) أي: ممن له بين أنبيائه وأوليائه نصيب في الشهادة؛ بأنه لا أحكم منه ولا أكمل، وهذا أبلغ من: ((وأنا شاهد)). ومن ثم قالوا في: ﴿وَكَانَتْ مِنَ القَانِتِينَ﴾ [التحريم: ١٢] في ﴿وإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [البقرة:١٣٠]: إنه أبلغ من: ((وكانت قانتة)) ومن: ((وأنه في الآخرة صالح))؛ لأن من دخل في عداد الكمل وساهم معه الفضائل والكمالات ليس كمن انفرد عنهم. (وَمَنْ قَرَأَ: ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيَامَةِ﴾ فَانْتَقَى إِلَى: ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أن يُخْبِيَ المَوْنَى﴾ فَلْيَقُلْ: بَلَى) وأنا على ذلك من الشاهدين، وكأنه حذف لفهمه من الأول (وَمَنْ قَرَأَّ: ﴿وَالْمُرْسَلاتِ﴾ فَبَلَغَ: ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ﴾﴾ أي: القرآن، وقد اشتمل على ما لم يشتمل عليه غيره من الكتب المنزلة (﴿يُؤْمِنُونَ﴾﴾ أي: لا يرجو إيمانهم؛ لأنهم إذا كفروا بالقرآن مع إعجازه الباقي على ممر الدهور فهم بغيره أكفر (فَلْيَقُلْ: آمَنَّا بالله) أي: بآياته وما يجب له خلافًا لأعدائه المعاندين لباهر آياته (رَوَاهُ أَبُو دَاوُد) وهو ضعيف؛ لأن فيه مجهول لكن ما هنا من الفضائل (وَ) رواه (التِّرْمِذِيّ إِلَى قَوْلِهِ: وَأَنَا عَلَى ذَلِكَ مِنَ الشَّاهِدِينَ). وبه أخذ أئمتنا فقالوا: يسن جميع ذلك في الصّلاة خلافًا لمن مر وخارجها أيضًا، وأخذوا من حديث مسلم عن حذيفة : ((إِنَّهُ صَلَى وَرَاءِ النَّبِيِّ وَّهِ فَكَانَ إِذَا مَرَّ بِآيَةٍ فِيهَا تَسْبِيعُّ سَبَّحَ، وَإِذَا مَرَّ بِسُؤَالٍ سَأَلَ، وَإِذَا مَرَّ بِتَعَوَّذِ تَعَوَّذَ))(١) أنه يسن في الصّلاة الفرض والنفل وخارجها للقارئ وسامعه عند آية الرحمة نحو قوله تعالى: ﴿ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [الحديد: ٢٨] أن يسألها؛ كأن يقول: ﴿رَّبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ (١) أخرجه مسلم (١٨٥٠)، والنسائي (١٦٧٥)، وأحمد (٢٤٠٧٦)، والبيهقي في ((سننه)) (٣٨٣٧) وفي ((الشعب)) (٢٠٢٧). ٤٢٥ كتاب الصّلاة/ باب القراءة في الصّلاة الرَّاحِمِينَ﴾ [المؤمنون: ١١٨] بقصد الدعاء لا التلاوة، وعند آية العذاب كقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ العَذَابِ عَلَى الكَافِرِينَ﴾ [الزمر: ٧١] أن يستعيذ منه بنحو: ((رب إني أعوذ بك من عذابك أو غضبك)). ولا يتعين في كيفية ذلك لفظ خاص، بل الشرط أن يأتي بما يناسب اللفظ المتلو مما يوافق لفظه أو يتضمن امتثاله كـ اللَّهُمَّ إني أسألك وأعطني من فضلك عند: ﴿وَاسْأَلُوا اللهَ مِن فَضْلِهِ﴾ [النساء: ٣٢] ولا يكفي ذكر لفظ آية الاستغفار إلا إن صلح؛ لأن يكون استغفارًا نحو: ﴿وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنْتَ العَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الممتحنة: ٥] فيكفي إعادتها بقصد الاستغفار لا التلاوة. وذكر جمع من أصحابنا: إنه يسن عقب آخر (تَبَارَكَ﴾ [الملك: ١] الملك الله رب العالمين، ويسن الجهر بجميع ما مر للإمام، وكذا للمأموم إن أمهله الإمام، وخالف في جميع ذلك المالكية والحنفية فقالوا: لا يؤتى بها إلا خارجها. قال بعضهم: والحديث لا يدل على أنه كان في الصّلاة وإلا لنقله غير هذا الراوي، ويفرض أنه فيها يحمل على النافلة كما في حديث حذيفة. انتهى. وبتسليمه ذلك في النافلة يعلم وضوح الرد عليه؛ إذ الأصل استواؤها مع الفريضة حتى يرد نص فارق بينهما كما في الصّلاة في السفر على الدابة، وأيضًا فقوله وَّ في الحديث الذي نحن فيه: ((من قرأ كذا فليقل كذا)» عام يشمل الصّلاة فرضها ونفلها وغير الصّلاة، فزعمه تخصيصه يحتاج لدليل ولم يوجد، بل قول حذيفة: «صليت وراء النبي وال﴿ فكان إذا مر ... إلى آخره)) مطلق يتناول الفرض والنفل فتقييده يحتاج لدليل، بل الظاهر أنه كان يقتدي به في الفرض أكثر على أن الإتيان بتلك الأذكار أو الأدعية ليس مما فيه أدنى شائبة من منافاة الصّلاة، بل فيه غاية الكمال العائد عليها؛ إذ المصلي إذا تدبر ذلك وأتى به على كماله حمله ذلك على أن يأتي بصلاته على غاية من الكمال الناشئ عن الخشوع والخضوع والافتقار المطلق دون غيره. ٨٦١ . [وَعَنْ جَابِرِ ﴾ قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللهِ وَّهَ عَلَى أَصْحَابِهِ فَقَرَأْ سُورَةَ الرَّحْمَنِ ٤٢٦ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثالث مِنْ أَوَّلِهَا إِلَى آخِرِهَا، فَسَكَتُوا فَقَالَ: لَقَدْ قَرَأْتُهَا عَلَى الْجِنِّ، فَكَانُوا أَحْسَنَ مَرْدُودًا مِنْكُمْ كُنْتُ كُلَّمَا أَتَيْتُ عَلَى قَوْلِهِ: ﴿فَبِأَتِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانٍ﴾ [الرحمن: ١٣] قَالُوا: لَا بِشَيْءٍ مِنْ نِعَمِكَ رَبَّنَا نُكَذِّبُ فَلَكَ الْحَمْدُ (١). رَوَاهُ التِّزْمِذِيّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ]. (وَعَنْ جَابِر ◌َ﴾ قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ الله ◌َّهِ عَلَى أَصْحَابِهِ فَقَرَأْ سُورَةَ الرَّحْمَنِ مِنْ أَوَّلِهَا إِلَى آخِرِهَا، فَسَكَتُوا فَقَالَ: لَقَدْ قَرَأَتُهَا عَلَى الْجِنِّ) أي: ليلة اجتماعهم بهم كما في رواية (فَكَانُوا أَحْسَنَ مَرْدُودًا مِنْكُمْ) أي: ردًا لما تضمنه الاستفهام التقريري المتكرر فيها: ((بأي)) فهو كمخلوق ومقتول بمعنى: الخلق والقتل، قاله الجوهري، وإنما أتى بـ((أفعل)) التفضيل مع أن الصحابة لم يصدر منهم ردًا أصلاً تنزيلاً لسكوتهم، وحسن إنصاتهم واستماعهم منزلة الاعتراف والإذعان، لكن لما وجد ذلك في الجن وزادوا بما ذكروه كان أحسن ردًا وأبلغ اعترافًا. (كُنْتُ كُلَّمَا أَتَيْتُ عَلَى قَوْلِهِ: ﴿فَبِأَيِّ آلاءٍ﴾﴾ أي: نعم (﴿رَبِّكُمَا﴾﴾ أي: الإنس والجن ((تُكَذِّبَانِ﴾ قَالُوا: لَا بِشَيْءٍ) متعلق بنكذب الآتي (مِنْ نِعَمِكَ) يَا (رَبَّنَا نُكَذِّبُ فَلَكَ الْحَمْدُ) أي: على تلك النعم الباهرة، والمنن المتكاثرة التي اشتملت عليها هذه السورة. ومن ثم ورد أنها عروس القرآن؛ أي: باعتبار ما اشتملت من ذكر جلائل النعم ودقائق الحكم، وآثار صفات الجمال وزينة الدنيا والآخرة كما لا يخفى على متأمل (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ) لكنه صحيح كما قاله غيره. (الفصل الثالث) ٨٦٢ - [عَنْ مُعَاذِ بْنِ عَبْدِ اللّه الْجُهَنِيِّ ﴾ قَالَ: إِنَّ رَجُلاً مِنْ جُهَيْنَةَ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولُ اللهِ وَلِ قَرَّأَ فِي الصُّبْحِ: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ﴾ [الزلزلة:١] فِي الرَّكْعَتَيْنِ كِلْتَيْهِمَا فَلَا أَدْرِي أَنَسِيَ النَّبِيَّ أَوَ قَرَأَ ذَلِكَ عَمْدًا(٤). رَوَاهُ أَبُو دَاوُد]. (عَنْ مُعَاذِ بْنِ عَبْدِ اللّه الْجُهَنِيِّ ﴾ قَالَ: إِنَّ رَجُلاً مِنْ جُهَيْنَةَ أَخْبَرَهُ) لا يضر (١) أخرجه الترمذي (٣٢٩١). (٢) أخرجه أبو داود (٨١٦)، والبيهقي في ((سننه)) (٤١٩٢). ٤٢٧ كتاب الصّلاة/ باب القراءة في الصّلاة الجهل به؛ لأنه صحابي، والصحابة كلهم عدول (أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ وَلَ قَرَأْ فِي الصُّبْحِ: (إِذَا زُلْزِلَتِ﴾ فِي الرَّكْعَتَيْنِ كِلْتَيْهِمَا) استفيد منه أنه قرأها في كل من ركعتيها (فَلَا أَدْرِي أَفَسِيَ التَّبِيَّ أَوَ قَرَأَ ذَلِكَ عَمْدًا) والظاهر أنه فعل ذلك عمدًا ليبين به حصول أصل السنة بتكرير السورة الواحدة في الركعتين (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدِ). ٨٦٣ - [وَعَنْ عُرْوَةَ قَالَ: إِنَّ أَبَا بَكْرِ الصِّدِّيقَ ه صَلَّى الصُّبْحَ فَقَرَأْ فِيهَا بِسُورَةٍ الْبَقَرَةِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ كِلْتَيْهُمَا (١). رَوَاهُ مَالِكٌ]. (وَعَنْ عُرْوَةَ قَالَ: إِنَّ أَبَا بَكْرِ الصِّدِّيقَ ﴾، صَلَّى الصُّبْحَ فَقَرَّأَ فِيهَا بِسُورَةِ الْبَقَرَةِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ كِلْتَيْهُمَا. رَوَاهُ مَالِكُ) وهو نظير قراءته بَّ الأعراف في ركعتي المغرب كما مرَّ؛ وذلك لجواز بيان تفريق السورة، وأن ما داوم عليه وي ليه إلا في نادر من أحواله من قراءة سورة كاملة في ركعة لبيان الأفضل. ٨٦٤ - [وَعَنِ القُرَافِصَةِ بْنِ عُمَيْرِ الْحَنَفِيِّ قَالَ: مَا أَخَذْتُ إِلَّا مِنْ قِرَاءَةِ عُثْمَانَ بن عفانَ ﴿ إِيَّاهَا فِي الصُّبْحِ مِنْ كَثْرَةِ مَا كَانَ يُرَدِّدُهَا(٢). رَوَاهُ مَالِكٌ]. (وَعَنِ القُرَافِصَةِ بْنِ عُمَيْرِ الْحَنَفِيٌّ قَالَ: مَا أَخَذْتُ) أي: حفظت (إِلَّا مِنْ قِرَاءَةِ عُثْمَانَ بن عفان ﴿ إِيَّاهَا فِي الصُّبْحِ مِنْ) تعليل لحفظت (كَثْرَةِ مَا كَانَ يُرَدِّدُهَا. رَوَاهُ مَالِكُ) فيه أن المواظبة في أكثر الأحوال على سورة معينة لا محذور فيه. فإن قلت: هذا ينافي قول سلطان العلماء العزّ بن عبد السلام: القرآن يشتمل على فاضل كآية الكرسي؛ إذ هو كلامه فيه تعالى، ومفضول كتبت؛ إذ هو كلامه في عدوه، ولا ينبغي المداومة على قراءة الفاضل فقط؛ لأنه ◌َلّ لم يفعله، ولأنه يؤدي إلى نسيانه، وقول غيرنا عن أصحابنا: كرهوا المداومة على سورة معينة لما فيه من هجر باقي القرآن. انتهى. قلت: لا ينافيه؛ لأن مرادهم بدليل علتهم: المداومة الاستغراقية في سائر الصلوات، وما وقع من عثمان ليس فيه ذلك بذكره في خصوص الصبح. ٨٦٥ - [وَعَنْ عَامِرٍ بْنِ رَبِيعَةً قَالَ: صَلَّيْنَا وَرَاءَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ الصُّبْحَ فَقَرَأَ (١) أخرجه مالك (١٨٢)، وعبد الرزاق (٢٧١٣)، والشافعي (٢١٥/١) والبيهقي (٣٨٢٧). (٢) أخرجه مالك (١٨٤)، والشافعي (٢١٥/١)، والبيهقي (٣٨٢٧). ٤٢٨ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثالث فِيهَا بِسُورَةٍ يُوسُفَ، وَسُورَةِ الْحَجِّ قِرَاءَةً بَطِيئَةً، قِيلَ لَهُ: إِذَا لَقَدْ تَقُوْمُ حِينَ يَطْلُعُ الْفَجْرُ. قَالَ: أَجَلْ(١). رَوَاهُ مَالِكُ]. (وَعَنْ عَامِرٍ بْنِ رَبِيعَةَ قَالَ: صَلَّيْنَا وَرَاءَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ الصُّبْحَ فَقَرَأَ فِيهَا بِسُورَةٍ يُوسُفَ، وَسُورَةِ الْحَجِّ قِرَاءَةً بَطِيئَةً) أي: بغاية من التدبر والخشوع والتأني (قِيلَ لَهُ) إن صدقت فيما قلت (إِذَا) والله (لَقَدْ تَقُومُ) لصلاة الصبح؛ أي: تشرع فيها أول وقتها (حِينَ يَطْلُعُ الْفَجْرُ. قَالَ: أَجَلْ- رَوَاهُ مَالِكُ) وفيه كالذي قبله فخش التطويل على المأمومين فلعلهم كانوا محصورين ورضوا أو أنهم ﴾ - أعني: أبا بكر وعمر وعثمان - كانوا يرون التطويل مطلقًا كما قال به جماعة. ٨٦٦ - [وَعَنْ عَمْرٍو بن شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: مَا مِنَ الْمُفَصَّلِ سُورَةً صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةُ إِلَّ وَقَدْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِوَهِ يَؤُمُّ النَّاسَ بِهَا فِي الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ(٢). رَوَاهُ مَالِكٌ]. (وَعَنْ عَمْرٍو بن شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ) شعيب (عَنْ جِدِّهِ) أي: عبد الله بن عمرو بن العاص، ولا يحتمل هنا عود الضمير لجد شعيب فيكون الحديث عن عمرو؛ لأن المصرح به في غير هذه الرواية هو الأول (قَالَ: مَا مِنَ الْمُفَصَّلِ) ومرَّ أنه من الحجرات، وفيه تسعة أقوال أُخر أحدها من يس (سُورَةُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا وَقَدْ سْمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَّهِ يَؤُمُّ النَّاسَ بِهَا فِي الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ) أي: المفروضة على الأعيان، وهي الخمس وهو مقتبس من قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاة كَانَتْ عَلَى المُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣] (رَوَاهُ مَالِكٌ). فائدة المفصل مما اختص به وَل﴾: ففي حديث أبي نعيم: ((وَأَعْطِيتُ خَوَاتِيم سُورَة البَقَرَةِ مِنْ كُنُوزِ الجَنَّةِ، وَخُصِّصتُ بِهِ دُون الأَنْبِيَاءِ، وَأَعْطِيتُ الْمَثَانِيَ مَكَانَ التَّوْرَاةِ، وَالْمِئِينَ مَكَانَ الإِنْجِيلِ، وَالْحَوامِيمِ مَكَانَ الزَّبُورِ، وَفُضِّلْتَ بِالْمُفَصَّلِ)) (٣) والمراد بالمثاني: (١) أخرجه مالك (١٨٣)، والبيهقي في ((سننه)) (٤١٨٨). (٢) أخرجه أبو داود (٨١٤)، والبيهقي في ((سننه)) (٤١٧٩)، ولم أقف عليه عند مالك. (٣) أخرجه أبو نعيم في «الدلائل)) (٢٥). المئون: السور القرآنية التي يزيد عدد آياتها عن مائة آية. ٤٢٩ كتاب الصّلاة/ باب القراءة في الصّلاة الفاتحة؛ لحديث البخاري: ((أَم القرآن هي السبع المثاني))(١) أي: في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِّنَ المَثَانِي﴾ [الحجر: ٨٧] وسميت بذلك؛ لأنها تنثني؛ أي: تتكرر في الصّلاة، أو لقسمتها بين الله وعبده نصفين كما مرَّ، أو لأنها نزلت مرتين مرة بمكة ومرة بالمدينة، أو لأنه تعالى استثناها وادخرها لهذه الأمة. وقال ابن جبير عن ابن عباس: السبع المثاني: السبع الطوال، أولها البقرة وآخرها الأنفال مع التوبة، وجعل بعضهم سورة يونس بدل الأنفال. ٨٦٧ - [وَعَنْ عَبْدِ الله بن عُتْبَةَ بن مَسْعُودٍ ﴾ قَالَ: قَرَّأَ رَسُولُ اللهِ وَلِ فِي صَلاةِ الْمَغْرِبِ بِ ﴿حم﴾ الدُّخَانِ(٢). رَوَاهُ النَّسَائِيّ مُرْسَلاً]. (وَعَنْ عَبْدِ الله بن عُثْبَةَ بن مَسْعُودٍ ﴾ قَالَ: قَرَأَ رَسُولُ اللهِ وَهِ فِي صَلاةِ الْمَغْرِبِ بِ ﴿حم﴾ الدُّخَانِ. رَوَاهُ النَّسَائِيّ مُرْسَلاً). تنبيه: عُلم من الأحاديث السابقة وأحاديث أُخر أن السنة للإمام أن يجهر بقراءة الفاتحة والسورة في أداء الصبح وأولي العشاءين، وفي كل مقضية بين غروب الشمس وطلوعها، وفي الجمعة والعيدين، وخسوف القمر والاستسقاء، والتراويح والوتر في رمضان، وركعتي الطواف إذا فعلت بين الغروب والطلوع، وأجمعوا على ذلك في الأيام، وقيس به المنفرد، بل هو أولى؛ لأنه لعدم ارتباط غيره به أكثر تدبرًا لها، وأقدر على إطالتها وترديدها للتدبر. والجهر: هو أن يسمع من يليه، لكن يؤخذ من الأحاديث وكلامهم أنه يسنّ للإمام الزيادة فيه حتى يبلغ جميع المأمومين حيث لم يجهد نفسه، ويسن الإسرار في غير ما ذكر؛ بأن يكون بحيث لا يسمع إلا نفسه دون من يليه، والله أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب (٣). (١) أخرجه البخاري (٤٤٢٧)، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (٢٣٥٢)، وأحمد (٩٧٨٧). (٢) أخرجه النسائي (٩٨٧). (٣) ورد في الأصل هنا: ((هذا آخر المجلد الأول، ويتلوه المجلد الثاني ... )). فهرس محتويات الجزء الثالث كتاب الصّلاة ٣ الفصل الأول ٤ الفصل الثاني ١٤ الفصل الثالث ٢٣ باب المواقيت ٣١ الفصل الأول ٣١ الفصل الثاني ٣٨ الفصل الثالث ٤٣ باب تعجيل الصلوات. ٤٨ الفصل الأول ٤٨ الفصل الثاني ٧١ الفصل الثالث ٧٩ باب في توابع ومتممات لما سبق من فضائل الصلوات وأوقاتها. ٨٥ الفصل الأول ٨٥ الفصل الثاني ٩٧ الفصل الثالث ٩٨ باب الأذان ١٠١ الفصل الأول ١٠١ الفصل الثاني ١٠٦ الفصل الثالث ١١١ ٤٣٠ ٤٣١ فهرس محتويات الجزء الثالث باب فضل الأذان وإجابة المؤذن ١١٩ الفصل الأول ١١٩ الفصل الثاني ١٣٠ الفصل الثالث ١٤٢ باب تأخير الأذان. ١٤٦ الفصل الأول ١٤٦ الفصل الثالث ١٥٦ باب المساجد ومواضع الصّلاة ١٥٩ الفصل الأول ١٥٩ الفصل الثاني ٢١٧ الفصل الثالث ٢٥٥ باب الستر .. ٢٧٠ الفصل الأول ٢٧٠ الفصل الثاني ٢٧٤ الفصل الثالث ٢٨ باب السترة. ٢٨٤ الفصل الأول ٢٨٤ الفصل الثاني ٢٩٣ الفصل الثالث ٢٩٦٠ باب صفة الصّلاة. ٢٩٩ الفصل الأول ٢٩٩ الفصل الثاني ٣٢٩ الفصل الثالث ٣٤٤ باب ما يقرأ. ٣٥٠ الفصل الأول ٣٥١ الفصل الثاني ٣٦١ ٤٣٢ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثالث الفصل الثالث ٣٦٨ ٣٧٠ باب القراءة في الصَّلاة ٣٧٠ الفصل الأول الفصل الثاني ٤٠١ الفصل الثالث ٤٢٦ فهرس محتويات الجزء الثالث ٤٣٠