النص المفهرس
صفحات 381-400
٣٨١ كتاب الصلاة/ باب القراءة في الصلاة أَهْلِ السَّمَاءِ))(١). وأجاب الأول بأنه إذا قالها الحفظة قالها من فوقهم وهكذا حتى ينتهي الأمر إلى أهل السماء، ورجح الأول ابن دقيق العيد والسبكي وغيرهما. ويحتاج قائل الجواب الأخير إلى سند يشهد له، على أن قضيته أن مراد كل الملائكة فينافي حكاية جمع أن هذا قول ثالث وظاهر اللفظ ترجيحه، ومن ثم نقل شيخ الإسلام والحافظ ابن حجر اختياره عن بعضهم لكنه قال: ويظهر أن المراد بهم من يشهد تلك الصّلاة من الملائكة ممن في الأرض أو في السماء معنى تأمينهم استغفارهم للمؤمنين. (غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ) ماعدا الكبائر والتبعات كما مر بسط الكلام عليه في أوائل الصّلاة والوضوء (وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ) أي: رسول الله وَّهِ (إِذَا قَالَ الإِمَامُ: (غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧] فَقُولُوا: آمِينَ) ومر أن هذه معينة لحمل أمن في الرواية الأولى على أراد التأمين جمعًا بين الحديثين وأول ذاك؛ لأن هذا أصرح منه فيما قلناه من المقارنة (فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ قَوْلُهُ قَوْلَ الْمَلَائِكَةِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ. هَذَا لَفْظ البُخَارِيِّ وَلمِسْلِم تَحْوه). ◌َّهِ: (إِذَا أَمَّنَ الْقَارِئُ فَأَمِّنُوا فَإِنَّ (وَفِي أُخْرَى لِلْبُخَارِيِّ: قَالَ) أي: النبي الْمَلَائِكَةَ تُؤَمِّنُ، فَمَنْ وَافَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ الْمَلَائِكَةِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ) أي: صغائره المتعلقة بالله تعالى كما مرَّ بدليله. واستفيد من هذه الأحاديث وأحاديث أخر صحيحة منها: «كَانَ وَ إِذَا فَرَغَ مِنْ قِرَاءَةِ أُمِّ [الْقُرْآنِ)(٢) رَفَعَ صَوْتَهُ، فَقَالَ: آمِينَ))(٣). ومنها حديث وائل بن حجر الآتي في الفصل الثاني ما قاله أئمتنا أنه یسن بعد (١) أخرجه مسلم (٤١٠)، وأحمد (٩٦٤٠). (٢) في الأصل المخطوط: ((المؤمنين)). (٣) أخرجه البيهقي في ((سننه)) (٢٥٥٣)، والحاكم (٧٧٢). ٣٨٢ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثالث الفاتحة، وقبل أن يتلفظ بشيء لقارئها وسامعه ولو خارج الصّلاة كما أفادته رواية: (إِذَا أَمَّنَ الْقَارِئُ)(١) لكنه ندبه للمصلي على أي صفة كان أكد أن يقول: آمين وفيها القصر والمد وهو أفصح وأشهر وأجود وبه جاءت روايات الحديث، بل أنكر جمع القصر ورد بأنه الأصل؛ لأنه فعيل والمد فاعيل وهو من أبنية العجم كقابيل. ومن ثم قيل: إنها غير عربية لكنه مردود بأن وزنها فعيل ولكن أشبعت فتحة الهمزة فتولدت الألف، ويسن تخفيف الميم مدًّا وقصرًا وتشديدها مع القصر أو المد شاذ منكر وهي ماعدا المشدودة اسم فعل بمعنى استجب. ومن ثم قال في ((الكشاف)): آمين صوت سمي به الفعل الذي هو استجب كما أن رويد صوت سمي به أمهل، وفيها أقوال أُخر ليكن الأمر كذلك أفعل لا تجيب رجاءنا لا يقدر على هذا غیرك هو طابع الله على عباده یدفع عنهم به الآفات، اسم له تعالی کنز من كنوز العرش لا يعلم تأويله إلا الله، قوة الدعاء واستنزال الرحمة درجة في الجنة أربعة أحرف منقطعة من أسمائه تعالى. وقيل غير ذلك، ومعنى للشدة قاصدين إليك وأنت أكرم من أن تخيب قاصدًا ومن ثم لم تبطل به الصّلاة إن قصد ذلك. قال الشافعي: ولو زاده بعد آمين رب العالمين أو غيره من الذكر فحسن. وروى الطبراني بسند لا بأس به: ((إِنه ◌َّ﴾ لما قال: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ قَالَ: رَبِّ اغْفِرْ لِي آمِينَ))(٢). وروى أيضًا: ((إنه ﴿ أمَّن ثلاث مرات)) وقضية قواعد أصحابنا ندب ما في هذين الحديثين وهو قريب وإن لم يصرحوا به، ويسن في الجهرية إذا جهر بالقراءة أن يجهر بالتأمين سواء الإمام والمنفرد، وكذا المأموم لكن لقراءة إمامه للإتباع، ورواه (١) أخرجه البخاري (٦٠٣٩)، وأحمد (٧٢٤٣)، وابن أبي شيبة (٣٦٣٩٢)، والنسائي (٩٢٥)، وابن ماجه (٨٥١)، وابن خزيمة (٥٦٩)، وأبو عوانة (١٦٨٥). (٢) أخرجه الطبراني في ((الكبير)) (١٧٥٧٣)، والبيهقي في ((سننه)) (٢٥٥١). ٣٨٣ كتاب الصّلاة/ باب القراءة في الصلاة ابن حبان وغيره وصححوه مع خبر: (صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أَصَلِی)»(١) ويسرها لقراءة نفسه ولو تضمنت آيات البدل دعاء أمن عقبها، وكذا إن لم يتضمن فيما يظهر خلافًا للرویاني نظرًا لما هي بدل عنه. ٨٢٦ - [وَعَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَ﴾: إِذَا صَلَّيْتُمْ فَأَقِيمُوا صُفُوفَكُمْ ثُمَّ لْيَؤُمَّكُمْ أَحَدُكُمْ، فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا، وَإِذَا قَالَ: (غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ فَقُولُوا: آمِينَ يُحِبْكُمُ اللهُ، فَإِذَا كَبَّرَ وَرَكَعَ فَكَبِّرُوا وَارْكَعُوا، فَإِنَّ الإِمَامَ يَرْكَعُ قَبْلَكُمْ وَيَرْفَعُ قَبْلَكُمْ فَتِلْكَ بِتِلْكَ، قَالَ: وَإِذَا قَالَ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَقُولُوا: اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْخَمْدُ يَسْمَعُ اللهُ لَكُمْ(٢). رَوَاهُ مُسْلِمُ]. (وَعَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: إِذَا صَلَّيْتُمْ فَأَقِيمُوا صُفُوفَكُمْ) أي: سووها فيسن عندنا تسويتها بألّا يكون فيها اعوجاج ولا فرج فيكره لأهل الصف الثاني مثلاً أن يقفوا فيه مادام في الأول فرجة تسع واقفًا، وكذا أهل الثالث مع الثاني وهكذا (ثُمَّ لْيَؤُمَّكُمْ أَحَدُكُمْ) لا ينافيه رواية ((أَكْبَرُ كُمْ))(٣) لأنها لبيان الأفضل وتلك لبيان حصول أصل الجماعة (فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا) استفيد أنه يجب تأخير جمع تكبيرة المأموم عن جميع تكبيرة الإمام، فمتى تقدم عليه بها أو قارنه فيها أو شك في ذلك بطلت صلاته. (وإذ قَالَ: ﴿غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧] فَقُولُوا: آمِينَ) استفيد منه ندب مقارنة تأمين المأموم لتأمين إمامه؛ لأنه قد علم أن الإمام يندب له عقيب فراغه من الفاتحة التأمين والمأموم أمر في هذا الحديث بأن يؤمن عقب فراغ (١) تقدم تخريجه. (٢) أخرجه مسلم (٤٠٤)، وأبو داود (٩٧٢)، وعبد الرزاق (٣٠٦٥)، وأحمد (١٩٥٢٢)، والنسائي (١٠٦٤)، وابن ماجه (٩٠١)، وابن حبان (٢١٦٧). (٣) أخرجه البخاري (٦٠٠٨)، ومسلم (١٥٦٧)، وأحمد (١٦٠٠٣)، والبيهقي في «سننه» (٢٣٦١)، والطبراني (١٥٩٩٠)، والدارمي (١٣٠٠)، والدارقطني (١٠٧٨). ٣٨٤ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثالث الإمام أيضًا فوقع تأمينهما في زمن واحد، فتعين أن معنى الخبر السابق إذا أمن الإمام فأمنوا أراد التأمين ليجتمع الحديثان. (يُحِبْكُمُ اللهُ) فإن قلت: ما المانع بعد؛ إذ علم الجزاء هنا وثم مختلف أن يكون عقب تأمينه عقبًا مقتضيًا لغفران ما تقدم من ذنبه كما مر ومعًا مقتضيًا لإجابة الله تعالى كما هنا، وحينئذٍ علمنا بقضية الحديثين من غير أن يخرج أحدهما عن ظاهره، قلت: هذا مسلك قويم إن قال أحد من المجتهدين بقضيته، وكان جواب أئمتنا عنه أن مغفرة ما تقدم مستلزم لتلك الإجابة وعكسه فاتخذ الجزءان في المعنى فاحتيج لتأويل ما يقرب تأويله وهو ((إِذَا أَمَّنَ فَأَمِّنُو))(١) أي: أراد؛ لأنه مجاز مشهور دون ما لا یقرب تأويله وهو ما هنا. (فَإِذَا كَبَّرَ وَرَكَعَ فَكَبِّرُوا وَارْكَعُوا) فيه الأمر بمتابعة الإمام في الأقوال والأفعال ثم في ذلك تفصيل يأتي، وحاصله أن التقديم عليه بقولي كأن قرأ الفاتحة قبله مكروه ویعتد به. وقيل: لا يعتد به وأن التخلف عنه أو التقديم عليه بركنين فعليين مبطل، وبفعل مكروه في التأخير وحرام في التقدم، وأن مقارنته مكروه إلا في تكبيرة الإحرام فمبطله كما مر، ثم علل ◌ّ ه الأمر بمتابعة الإمام في الركوع بأنه لا يفوت نسبتها كمال مما توبع فيه فقال: (فَإِنَّ الإِمَامَ) إنما جعل ليؤتم به كما في رواية، وفيها تعليل للأمرين وهنا حذف تعليل بآخر تكبيرة عن تكبيره لوضوح وجوبه، ومن ثم أبطلت المقارنة فيه فضلاً عن التقدم. وعلل بآخر ركوعه عن ركوع إمامه بأنه (يَرْكَعُ قَبْلَكُمْ وَيَرْفَعُ قَبْلَكُمْ) أي: فما فاتكم بصبركم حتی یرکع تدركونه بتآخركم عنه حتى يرفع، فصار قدر ركوعكم وركوعه واحدًا فلم يتميز في ذلك عنكم بشيء، ومن ثم قال الراوي أبو موسى: - (١) تقدم تخريجه. ٣٨٥ كتاب الصّلاة/ باب القراءة في الصلاة (فَتِلْكَ) أي: سبقه لكم بابتداء الركوع إلى أن ينتهي إليه (بِتِلْكَ) أي: بتأخركم عنه إلى تمام انتصابه واعتداله؛ إذ لا يسن للمأموم أن يشرع في ركن حتى ينتهي الإمام إلى تمامه، وإذا فعل ذلك استوى زمن ركوعه وركوع الإمام كما تقرر؛ لأن اللحظة التي سبق بها خلفها اللحظة التي تأخر المأموم عنه بها. (قَالَ) وََّ: (وَإِذَا قَالَ) الإمام: (سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَقُولُوا) سمع الله لمن حمده مادمتم آخذين في الانتصاب، فإذا وصلتم إلى الاعتدال فقولوا حينئذٍ كما دلت على ذلك صرائح الروايات السابقة في باب صفة الصّلاة مع بسط الكلام عليها، ورد ما وقع للشارح هنا (اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَنْدُ) أو ولك الحمد وهو الأفضل كما مر ثم أيضًا (يَسْمَعُ اللهُ لَكُمْ) أي: يتقبل الله منكم ذلك ويرضى عنكم بسببه رضا خاصًا (رَوَاهُ مُسْلِمْ). ٨٢٧ - [وَفِي رِوَايَة عَنْ أَبِي هُرَيْرَة وَقَتَادَةَ وَهُو إِذَا قَرَّأَ فَأَنْصِتُوا]. (وَفِي رِوَايَة عَنْ أَبِي هُرَيْرَة وَقَتَادَةً وَهُو إِذَا قَرَأَ فَأَنْصِتُوا) وهي محمولة على قراءة السورة لما مر من الأحاديث الصحيحة الصريحة بوجوب الفاتحة حتى على المأموم في الجهرية خلافًا لأبي حنيفة ظ﴾ .. ٨٢٨ . [وَعَنْ أَبِيِ قَتَادَةَ ﴾ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ◌َ﴿ يَقْرَأُ فِي الظُّهْرِ فِي الأُولَيْنِ بِأُمّ الْكِتَابِ وَسُورَتَيْنٍ، وَفِي الرَّكْعَتَيْنِ الأُخْرَبَيْنِ بِأُمِّ الْكِتَابِ، وَيُسْمِعُنَا الآيَةَ أَحْيَانًا، وَيُطِيلُ فِي الرَّكْعَةَ الأُولَى مَا لا يُطِيلُ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ وَهَكَذَا كَانَ يَفْعَلُ فِي العَصْرِ وَهَكَذَا فِي الصُّبْحِ(١). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ]. (وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ ﴾ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ◌َّهِ يَقْرَأُ فِي الظُّهْرِ فِي) الركعتين (الأُولَيَيْنِ بِأُمّ الْكِتَابِ وَسُورَتَيْنِ، وَ) يقرأ (الرَّكْعَتَيْنِ الأُخْرَبَيْنِ بِأُمِّ الْكِتَابِ، وَيُسْمِعُنَا الآيَةَ أَحْيَانًا) أي: في نادر من الأوقات وهو محمول على أنه لغلبة الاستغراق في التدبر يحصل الجهر (١) أخرجه البخاري (٧٥٩)، ومسلم (١٠٤١)، وأبو داود (٧٩٨)، وأحمد (٢٣٢٦٤)، والنسائي (٩٨٣)، والدارمي (١٣٤١)، وابن حبان (١٣٧)، والبيهقي في ((سننه)) (٤٠٢٩). ٣٨٦ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثالث من غير قصد، أو لبيان جوازه أو ليعلمهم أنه يقرأ أو يقرأ سورة كذا ليتأسوا به، ومن ثم قال الشافعي : ولا نرى بأسًا أن يعمد الرجل للجهر بالشيء من القرآن ليعلم من خلفه أنه يقرأ. انتهى. وبإطلاقه وبما تقرر من أن الاستماع لنحو التعليم بعلم الرد على من قيد ذلك بالظهر، بل يجري في سائر الصلوات (وَيُطِيلُ فِي الرَّكْعَةَ الأَولَى مَا لا يُطِيلُ) نكرة موصوفة أو مصدرية؛ أي: إطالة لا يطلبها أو غير إطالته (فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيةِ) ومنه أخذ جماعة من أئمتنا، بل عامة أصحابنا الخراسانيين أنه يسن تطويل قراءة الركعة الأولى وعن الثانية. وصححوه له المحققون وردوا بذلك قول كثيرين أو الأكثرين من أصحابنا أن ذلك لا يسن وحكمه الأول: إن النشاط في الأولى أكثر فيكون الخشوع والخضوع فيها كذلك فطول فيها لذلك وخفف في غيرها حذرًا من الملل، وأيضًا فليدركها الناس كما صرح به راوي الحديث في بعض طرقه ومحل الخلاف في غير ما ورد فيه تطويل الثانية على الأولى كـ(سبح)) و((الغاشية)) في الجمعة والعيد وكذات الرقاع الآتية في صلاة الخوف وفي غير الثالثة والرابعة، أما هما إذا قرأ فيهما لا يسن تطويل الثالثة على الرابعة لعدم المعنى المذكور. (وَهَكَذَا) المذكور من القراءة في الأوليين فقط وتطويل الأولى على الثانية كان يفعل (في العَصْرِ وَهَكَذَا فِي الصُّبْحِ مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ) وقيس بما فيه غيره ومنه كغيره أخذ أئمتنا قولهم يسن للمنفرد والإمام وكذا للمأموم في السرية أو الجهرية؛ إذ لم يسمع قراءة إمامه أو سمع صوتًا لم يميز حروفه أن يقرأ في الصبح والجمعة والعيد ونحوها، وفي الركعتين الأولتين من باقي الخمس شيئًا من القرآن بعد الفاتحة دون الآخريين للإتباع. رواه الشيخان في الظهر والعصر ومالك في المغرب ويقاس به العشاء، وفي ترجيح أصحابنا الأول تقديم الدليله النافي على دليل الثاني المثبت عكس الراجح في ٣٨٧ كتاب الصلاة/ باب القراءة في الصّلاة الأصول لما قام عندهم في ذلك، ولما كان في ذلك ما فيه كان الأقرب للسنة ما نص عليه الشافعي في الجديد واختاره كثيرون من أصحابه من ندب القراءة فيهما أيضًا. واختار بعضهم الجمع بين الحديثين بأن ذلك كان بحسب اختلاف حال المأمومين، فحيث كانوا محصورين يؤثرون التطويل قرأ فيهما أيضًا، وحيث لا ترك كما جمعوا بذلك بين الأحاديث المتباينة في طول القراءة وقصرها، وهذا أولى من تقديم أحد الحديثين وإلغاء الآخر، وعلى الأول المعتمد عندهم فالقراءة في الآخيرين لغير المسبوق لا يسن، ولا يقال: يسن عدمها والفرق بين العبارتين ظاهر. ألا ترى أنا نقول: لا يسن صوم الأربعاء ولو صامه لم يكره خلافًا لمن زعم الكراهة بل يكون آتيًا بعبادة، ومن أنه لو فرغ المأموم من الفاتحة قبل الإمام فيهما سنت له السورة للنهي عن السكوت في الصّلاة، وتندب السورة في النافلة وكذا المنذورة خلافًا لبعض المتأخرين ولا يجوز لفاقد الطهورين الجنب وإنما جازت له الفاتحة بل لزمته لتوقف صحة صلاته عليها وتتأدى سنة القراءة بآية ولو البسملة. قال الشافعي : والأولى ثلاث آيات ليكون كأقصر سورة وخروجًا من خلاف من أوجب الثلاثة، ومرَّ دليله والجواب عنه في حديث المسيء صلاته من رواية رفاعة. ٨٢٩ - [وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِّ ﴾ قَالَ: كُنَّا نَحْزِرُ قِيَامَ رَسُولِ اللهِوَِّ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، فَحَزَرْنَا قِيَامَهُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الأُولَيْنِ مِنَ الظُّهْرِ قَدْرَ قِرَاءَةِ ﴿الم تَنْزِيلُ﴾ [السجدة: ١] - وَفِي رِوَايَةٍ: فِي كُلِّ رَكْعَةٍ قَدْرَ ثَلَاثِينَ آيَةً - وَحَزَرْنَا قِيَامَهُ فِي الأُخْرَيَبْنِ قَدْرَ النّصْفِ مِنْ ذَلِكَ، وَحَزَرْنَا قِيَامَهُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الأُولَئِيْنِ مِنَ الْعَصْرِ عَلَى قَدْرِ قِيَامِهِ فِي الأُخْرَبَيْنِ مِنَ الظُهْرِ، وَفِي الأَخْرَبَيْنِ مِنَ الْعَصْرِ عَلَى النَّصْفِ مِنْ ذَلِكَ(١). رَوَاهُ مُسْلِمْ). (وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ◌َ﴾ قَالَ: كُنَّا تَخْزِرُ) أي: نقدر (قِيَامَ رَسُولِ الله ◌َله في (١) أخرجه مسلم (١٠٤٢)، وأبو داود (٨٠٤)، والنسائي (٤٧٩)، والدار قطني (١٢٩٣). ٣٨٨ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثالث الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، فَحَزَرْنَا قِيَامَهُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ مِنَ الظُّهْرِ قَدْرَ قِرَاءَةِ ﴿الم * تَنْزِيلُ﴾ [السجدة:١ - ٢] - وَفِي رِوَايَةٍ:) فحزرنا قيامه (فِي كُلِّ رَكْعَة) من الركعتين الأوليين من الظهر (قَدْرَ ثَلَاثِينَ آيَةً - وَحَزَرْنَا قِيَامَهُ فِي الأُخْرَیَيْنِ قَدْرَ النَّصْفِ مِنْ ذَلِكَ، وَحَزَرْنَا قِيَامَهُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ مِنَ الْعَصْرِ عَلَى قَدْرٍ قِيَامِهِ) الركعتين (الأُخْرَيَيْنِ مِنَ الظُّهْرِ، وَفِي الأَخْرَبَيْنِ مِنَ الْعَصْرِ عَلَى النَّصْفِ مِنْ ذَلِكَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وما ذكر فيه من القراءة في الأخرتين مر الكلام فيه ومن التفاوت في مطلق القراءة في الظهر وفي العصر أخذ به أئمتنا كما يأتي. ٨٣٠ - [وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ ﴾ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ◌َهِ يَقْرَأْ فِي الظُّهْرِ بِـ﴿اللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ [الليل:١] - وَفِي رِوَايَةٍ بِ﴿ سَبِّحَ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١] - وَفِي الْعَصْرِ نَحْوَ ذَلِكَ، وَفِي الصُّبْحِ أَظْوَلَ مِنْ ذَلِكَ(١). رَوَاهُ مُسْلِمُ]. (وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ ﴾ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ◌َ﴿ يَقْرَأُ فِي الظُّهْرِ بِـ﴿اللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ - وَفِي رِوَايَةٍ بِ﴿ سَبِّحَ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ - وَفِي الْعَصْرِ تَحْوَ ذَلِكَ، وَفِي الصُّبْحِ أَطْوَلَ مِنْ ذَلِكَ. رَوَاهُ مُسْلِمْ) ومنه كالذي قبله أخذ أئمتنا قولهم يسن لمن يؤم بمحصورين كاملين راضيين بالتطويل أن يقرأ في الصبح من طوال المفصل. قيل: وهي ((من الحجرات إلى عَمَّ)) وفي الظهر بقريب من ذلك وفي العصر والعشاء من أوساطه وهي ((من عَمَّ إلى الضحى)) وفي المغرب من قصار المفصل وهي ((من الضحی إلی سورة الناس». ومما يصرح بهذا ما يصح عن أبي هريرة ﴾ أنه قال فيمن أولي الظهر ويخفف العصر، ويقرأ في المغرب بقصار المفصل وفي العشاء بوسطه وفي الصبح بطواله ما صليت وراء أحد أشبه بصلاة رسول الله وي ليه من فلان قال جمع: وألحقت الظهر بالصبح والعشاء بالعصر لأنهما سريتان ولم يثبت ما كان ◌َله يقرؤه فيهما. انتهى. (١) أخرجه مسلم (١٠٤٢)، وأبو داود (٨٠٤)، والنسائي (٤٧٩)، والدارقطني (١٢٩٣). ٣٨٩ كتاب الصّلاة/ باب القراءة في الصّلاة وهو فاسد لثبوته كما يأتي والظاهر أن حكمة ذلك أن النشاط والتفرغ في الصبح أكثر ثم في الظهر، وأمَّا العصر فيقاربها سآمة الاشتغال ومعاناة الأثقال، ومن ثم كانت الوسطى الأفضل من بقية الخمس؛ لأن المشقة فيها أكثر فلم تلحق بذينك وألحقت بها العشاء لميل النفس عندها إلى الدعة والنوم، ولقصر وقت المغرب مع الاشتغال فيه بالعشاء ومقدماته كانت أقصر هي قراءة، ثم رأيت عن إمام الحرمين التصريح ببعض ما ذكرته وفي مقدار قراءته وي﴿ أحاديث أخر كثيرة شهيرة، وفي (الصحيحين)) وغيرهما ظاهرها التعارض وسيأتي بعضها وسأشير إليها بذكر السور التي كان ◌َّل يقرؤها في كل من الخمس. قال العلماء: واختلاف قدر القراءة فيها كان بحسب الأحوال فكأنه وَالية إذا علم من حالهم إيثار التطويل طول وإلا خفف، ومما ورد أنه لو كان يقرأ في الصبح ((المؤمنون)) و(الروم)) و(يس)) و((الواقعة)) و(ق)) و((إِذَا زُلْزِلَتِ)) و((المعوذتان)) وفي الظهر لقمان وتنزيل السجدة والذاريات و((السَّمَاءِ ذَاتِ البُرُوجِ)) و((السَّمَاءِ وَالطَّارِقِ)) و («الأعلى)) و(هَلْ أَتَاكَ)) و((الشَّمْسِ وَضُحَاهَا)) و((اللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى)) لكن مع الجهر بهما للتعليم وفي العصر السماءان و((الأعلى)) و((الغاشية)). ٨٣١ [وَعَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ ﴾ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِوَ يَقْرَأُ فِي الْمَغْرِبِ بـ(الطُّورِ)(١). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ]. يَقْرَأُ فِي الْمَغْرِبِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ◌َِة (وَعَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِم بـ(الطُّورِ)). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ). ٨٣٢ - [وَعَنْ أُمِّ الْفَضْلِ بِنْتِ الْخَارِثِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِوَهِ يَقْرَأُ فِي الْمَغْرِبِ بـ(الْمُرْسَلاتِ))(٢). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ]. (١) أخرجه مالك (١٧١)، والبخاري (٧٦٥)، ومسلم (١٠٦٣)، وأبو داود (٨١١)، والنسائي (٩٩٥)، وأحمد (١٧١٩٠)، والبيهقي في ((سننه)) (٤٢٠٥)، والدارمي (١٣٤٣). (٢) أخرجه البخاري (٤٤٢٩)، والنسائي (٩٩٤)، وأحمد (٢٧٦٢٤)، والدارمي (١٣٤٢). ٣٩٠ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثالث (وَعَنْ أُمِّ الْفَضْلِ بِنْتِ الْحَارِثِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله وَ يَقْرَأْ فِي الْمَغْرِبِ بـ(الْمُرْسَلاتِ)). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ) ومما ورد أنه كان يقرأ به فيها أيضًا ((الأعراف)) و((الأنفال)) و((الدخان)) و((القتال)) و(الأعلى)) و((الكافرون)) و((التين)) و((القارعة)) وفي العشاء: ((إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ)) والسماءان و(الشَّمْسِ وَضُحَاهَا)) و((التّينِ)). ، ثُمَّ يَأْتِي ٨٣٣ . [وَعَنْ جَابِرِ﴾ قَالَ: كَانَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ يُصَلِّ مَعَ النَّبِيِّ ◌َ فَيَؤُمُ قَوْمَهُ، فَصَلَّى لَيْلَةً مَعَ النَّبِيِّ ◌َهِ الْعِشَاءَ ثُمَّ أَنَى قَوْمَهُ فَأَمَّهُمْ، فَافْتَتَحَ بِسُورَةِ((الْبَقَرَةِ» فَانْحَرَفَ رَجُلْ فَسَلَّمَ، ثُمَّ صَلَى وَحْدَهُ وَانْصَرَفَ، فَقَالُوا لَهُ: أَنَافَقْتَ يَا فُلَانُ؟ فَقَالَ: لَا وَالله وَلَآتِيَنَّ رَسُولَ اللهِ وَِّ فَلأُخْبِرَنَّهُ، فَأَتَى رَسُولَ اللهِلَ﴿ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّا أَصْحَابُ نَوَاضِحَ نَعْمَلُ بِالنَّهَارِ، وَإِنَّ مُعَاذَا صَلَّ مَعَكَ الْعِشَاءَ فَأَنَى إِلَى قُومِهِ فَافْتَتَحَ بِسُورَةِ الْبَقَرَةِ، فَأَقْبَلَ رَسُولُ اللهِ وَّه عَلَى مُعَاذٍ، فَقَالَ: يَا مُعَاذُ أَفَتَّانُ أَنْتَ؟! اقْرَأْ (وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا))، ((وَالضُّحَى)، ((وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى))، ((وَسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَ)) (١). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ]. (وَعَنْ جَابِرٍ ﴾ قَالَ: كَانَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ يُصَلِّ مَعَ النَِّيِّ ◌َِّ، ثُمَّ يَأْتِي فَيَؤُمُ قَوْمَهُ) فيه أوضح دلالة لمذهبنا أنه يندب لمن صلى في جماعة إعادتها مع جماعة أخرى إمامًا كان أو مأمومًا، وإن كانت الجماعة الأولى أكمل وأكثر؛ لأنه ◌َّ اطلع على معاذ في ذلك ولم ينكر عليه إلا التطويل كما يأتي وأنه يجوز اقتداء المفترض بالمتنفل؛ لأنه كان متنفلاً؛ إذ المعادة تقع نفلاً وإنما قلنا: تجب فيها نية الفرضية على قول لتحاكي الأصلية، ومن ثم لو قصد حقيقة الفرضية لم تنعقد، ألا ترى أنه يجب فيها القيام لذلك وإن كان النفل يجوز من قعود؟ (فَصَلَّى لَيْلَةً مَعَ النَّبِيِّ :﴿ الْعِشَاءَ ثُمَّ أَنَى قَوْمَهُ فَأَمَّهُمْ، فَاقْتَتَحَ بِسُورَةِ (الْبَقَرَةِ) (١) أخرجه البخاري (٦١٠٦)، ومسلم (١٠٦٨)، وأبو داود (٧٩٠)، والنسائي (٨٤٣)، وأحمد (١٤٦٧٨)، والحميدي (١٣٠١)، والبيهقي في ((سننه)) (٥٣٠٣). ٣٩١ كتاب الصلاة/ باب القراءة في الصلاة فَانْحَرَفَ رَجُلُ) من صلاته عن القبلة (فَسَلَّمَ) يعني: قطع صلاته لا أنه قصد قطعها بالسلام كما يفعله بعض العوام؛ لأن محل السلام إنما هو آخرها فلا يجوز تقديمه على محله، ويحتمل أن ذلك الرجل فعل ذلك ظنًّا منه أن هذا محله ولا حجة فيه؛ لأنه من ظنه أو اجتهاده الذي لم يطلع عليه النبي وَلّ فلا يكون حجة لما يفعله بعض العامة. (ثُمَّ صَلَى وَحْدَهُ وَانْصَرَفَ، فَقَالُوا لَهُ: أَنَافَقْتَ يَا قُلَانُ؟) حقيقة لصدور أعمال المنافقين منك من ترك الجماعة والميل إلى التخفيف في الصّلاة الناشئ عن الكسل الذي طبعوا عليه، وذمهم الله تعالى عليه بقوله: ﴿وإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاة قَامُوا كُسَالَى﴾ [النساء: ١٤٢]. (فَقَالَ: لَا وَالله) ما نافقت وإنما عندي مزيد تطويل الإمام مع عجزي عن تحمله كما سيعلم من كلامه (وَ) والله أقسم ثانيًا للتأكيد ولاختلاف المقسم عليه (لآتِيَنَّ رَسُولَ اللهِ وَ﴾ فَلأُخْبِرَنَّهُ، فَتَى رَسُولَ اللهِ وَّهِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّا أَصْحَابُ نَوَاضِحَ) أي: إبل نسقي عليها لشجرنا وزرعنا وذلك عمل مشق جدًا ولو بعض النهار فكيف ونحن (نَعْمَلُ) ذلك (بِالنَّهَارِ) أي: جميعه (وَإِنَّ مُعَاذًا صَلَّى مَعَكَ الْعِشَاءَ فَأَتَى إِلَى قُومِهِ فَاقْتَتَحَ) بعد الفاتحة (بِسُورَةِ الْبَقَّرَةِ، فَأَقْبَلَ رَسُولُ اللهِ وَلَ عَلَى مُعَاذٍ) يحتمل أنه ذهب إليه و في تلك الساعة فتبعه معاذ، ويحتمل أنه ذهب إليه غدوة ومعاذ حاضر. (فَقَالَ: يَا مُعَاذُ أَفَتَّانُ) أي: أمنفر الناس (أَنْتَ؟!) عن حضور مواسم الخيرات وملازمة الجماعات؟ ففيه توبيخ له؛ أي: توبيخ وتنبيه على كراهة صنيعه؛ أي: تنبيه؛ إذ الفتنة صرف الناس عن الدين وحملهم على الضلال (اقْرَأ: ﴿والشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾) أي: في الركعة الأولى (﴿وَالضُّحَى﴾) أي: في الركعة الثانية كما دل عليه فعله وَّهِ (﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ وَ﴿سَبِّجِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى)) يحتمل في كل أن الأولى للركعة الأولى والثانية للثانية، وحينئذٍ يكون لبيان الجواز؛ لأن السنة عندنا كون السورتين متواليتين في القراءة على ترتيب المصحف وخلافه، قيل: مفصول، وقيل: خلاف الأولى. ٣٩٢ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثالث قال أئمتنا: فلو قرأ في الركعة الأولى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ [الناس: ١] قرأ في الثانية أوائل البقرة فإن قلت: ما في هذا الحديث يرد ذلك وينافيه قلت: لا منافاة بل هو محل مطلق، بيان أن المتأكد على الإمام لغير محصورين راضين بالتطويل أن يخفف فمثل 4* له بمثل تلك السورة وما اقتضاه ظاهر السياق من عدم ندب الترتيب والموالاة غير مراد كما علم من فعله الذي أمرنا باتباعه بقوله: ((صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّ)(١). فإن قلت: لو قرأ على غير ترتيب الآي آثم فما الفرق؟ قلت: فرقوا بأن ترتيب السور قيل: ظني؛ لأنه من اجتهاد الصحابة بعده وَاليه بخلاف ترتيب الآيات فإنه توقيفي قطعي، فميز القطعي بحرمة مخالفته بخلاف الظني، ويفرق أيضًا بأن عكس الآي يخل بالإعجاز الذي هو من أعلى مقاصد القرآن بخلاف عكس السور (مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ). وبه كحديث: ((مَنْ أُمَّ مِنْكُم بِالنَّاسِ فَلْيُخَفِّفْ فَإِنَّ وَرَاءهُ السَّقِيمِ وَالمِرِيضِ وَذَا الحَاجَةِ))(٢) يعلم الرد على من قال من أئمتنا المتقدمين والمتأخرين السنة للإمام أن يقرأ بطوال المفصل وأوساطه مطلقًا، ولا يكره له التطويل إلا فيما وراء طواله. انتهى. قال أصحابنا: ولو قرأ الإمام والمنفرد في الصبح والظهر من أوساط المفصل أو قصاره لم يكن خارجًا عن السنة؛ لأنه ◌َّ﴾ قرأ فيهما بذلك، ومنه أنه قرأ في الصبح بـ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ﴾ [الزلزلة: ١]. انتهى. وقد يعارض ما ذكر في القصار حديث الطبراني بسند حسن أنه وَ ل﴾ قال: ((لا يُقْرَأْ فِي الصُّبْحِ بِدُونٍ عِشْرِينَ آيَةً، وَلا يُقْرَأْ فِي الْعِشَاءِ بِدُونٍ عَشْرِ آيَاتٍ))(٣) إلا أن (١) تقدم تخريجه. (٢) أخرجه بنحوه مالك (٣٠٣)، والبخاري (٩٠)، والنسائي (٨٣١)، وأحمد (٧٨٨٢)، وابن حبان (٥٦)، والبيهقي في ((سننه)) (٥٤٧١)، والطبراني في «الكبير» (١٣٩٩٠). (٣) أخرجه الطبراني (٤٥٣٨). ٣٩٣ كتاب الصّلاة/ باب القراءة في الصلاة يحمل على أن ذلك أكمل مما دُونه جمعًا بين الأخبار. ٨٣٤ - [وَعَنِ الْبَرَاءِ ﴾ قَالَ: سَمِعْثُ رَسُولَ اللهِ وَ يَقْرَأُ فِي الْعِشَاءِ ﴿وَالِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾ [التين:١]، وَمَا سَمِعْتُ أَحَدًا أَحْسَنَ صَوْتًّا مِنْهُ وَّةِ(١). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ]. (وَعَنِ الْبَرَاءِ ﴾ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَهِ يَقْرَأْ فِي الْعِشَاءِ ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ)، وَمَا سَمِعْتُ أَحَدًا أَحْسَنَ صَوْتًا مِنْهُ وَلِ مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ) ویوافقه حديث ابن عساكر أنه ◌َّله قال: «مَا بَعَثَ اللَّه نَبِيًّا قَط ◌ِلَّا بَعَثَهُ حَسَنِ الْوَجْه حَسَنِ الصَّوْت حَتَّى بَعَثَ نَبَيَّكُمْ فَبَعَثَهُ حَسَنِ الْوَجْهُ حَسَنِ الصَّوْتِ))(٢). وجاء في حديث: ((إنَّ صَوتَهُ نَّهِ كَانَ يَبْلِغُ مَا لَا يَبْلُغُهُ صَوتُ غَيْرِه)). ففي حديث البيهقي: ((إِنَّهُ ◌ََّ خَطَبَ فَأَسْمَعَ الْعَوَاتِقَ فِي خُدُورِهِنّ))(٣). وفي حديث أبي نعيم بن رواحة كان في بني تميم، فسمع قوله وَلا على المنبر يوم الجمعة: ((اجْلِسُوا))(٤) فجلس مكانه. وفي حديث ابن ماجه: ((إِنَّ أُمَّ هَانِئٍ كَانَتْ تَسْمَع قِرَاءَتَهُ وَّهِ فِي جَوفِ اللَّيلِ عِندَ الكَعْبَة وَهِي عَلَى عَرِيشِهَا)»(٥). ٨٣٥ - [وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ ﴾ قَالَ: كَانَ النَّبِيَّ ◌َ يَقْرَأُ فِي الْفَجْرِ بِ ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ [ق: ١] وَنَحْوِهَا وَكَانَ صَلَاتُهُ بَعْدُ تَخْفِيفًا(٦). رَوَاهُ مُسْلِمُ]. (١) أخرجه البخاري (٧٦٩)، ومسلم (١٠٦٧)، وأحمد (١٩١٩٢)، والبيهقي في «سننه» (٣١٩٠). (٢) أخرجه الترمذي في ((الشمائل)) (٣١١)، وابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (٥/٤). (٣) أخرجه الطبراني (١١٢٨١) وفي الأوسط (٣٩٢٠)، والبيهقي في ((الشعب)) (١٠٧٤٨). العوائق جمع: عاتق، وهي الأنثى أول ما تبلغ، والتي لم تتزوج بعد. (٤) أخرجه الطبراني في ((الأوسط)) (١١١٨٢)، والبيهقي في ((الدلائل)) (٢٥١٨)، وعبد الرزاق في (مصنفه)) (٥٣٦٧)، وأبو نعيم في ((الدلائل)) (٣٤٨). (٥) أخرجه بنحوه ابن ماجه (١٤١٠)، وأحمد (٢٧٦٥٣)، والنسائي (١٠٢١)، والطبراني (٢٠٤٣٧) والبيهقي في ((الدلائل)) (٢٥٢١). (٦) أخرجه مسلم (١٠٥٥)، وأحمد (٢١٥٥٩). ٣٩٤ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثالث (وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ ﴾ قَالَ: كَانَ) قيل: هي في مثل ذلك تفيد الدوام والاستمرار كما في قولهم: كان حاتم يكرم الضيف. وقيل: لا يفيده وتوسط بعض المحققين فقال: تفيده عرفًا لا وضعًا، ومن ثم قيل: ((كان)) في هذه الأحاديث ليست للاستمرار كما في قوله تعالى: ﴿وَكَانَ الإِنسَانُ عَجُولاً﴾ [الإسراء: ١١] بل هي للحالة المتجددة كما في قوله تعالى: ﴿كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي المَهْدِ صَبِيًّا﴾ [مريم: ٢٩]. (الَّبِيَّ ◌َهِ يَقْرَأْ فِي الْفَجْرِ بِ ﴿قَ وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ وَتَخْوِهَا وَكَانَ صَلَاتُهُ بَعْدُ تَخْفِيفًا) يحتمل أن المراد بعد ذلك الزمن، فيفيد أنه وله كان يطول أول الهجرة لقلة أصحابه وانحصارهم، ثم لما كثر الناس وشقّ عليهم التطويل لكونهم أهل أعمال من تجارة وحرث وزرع خفف رفقًا بهم. وقيل: المراد بعد الصبح؛ أي: في بقية الخمس فيوافق ما مرَّ من أنه وَالّ كان يطول في الصبح لكثرة النشاط والفراغ عندهما ما لا يطول في غيرهما (رَوَاهُ مُسْلِمٌ). ٨٣٦ . [وَعَنْ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ ◌َُ أَنَّهُ سَمَعَ النَّبِيَّ ◌َهِ يَقْرَأْ فِي الْفَجْرِ: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ﴾ [التكوير: ١٧](١). رَوَاهُ مُسْلِمُ]. (وَعَنْ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ ﴿ أَنَّهُ سَمَعَ النَّبِيَّ ◌ََّ يَقْرَأُ فِي الْفَجْرِ: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ﴾) أدبر وأقبل ظلامه (رَوَاهُ مُسْلِمْ) وظاهره أنه وَلّ اكتفى بقراءة هذه الآية فيقبل التخفيف في الصبح، وأن النهي السابق عن القراءة فيها بدون عشرين آية إنما هو بيان للأفضل في بعض الأحوال، ويحتمل أنه ول﴿ إنما اقتصر على هذه الآية لعروض أمرهم له فلا ينافي أن القراءة بالسورة القصيرة أفضل من بعض السورة الطويلة، ولهذا أول الشافعي # الحديث بأن المراد السورة التي يذكر فيها ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ﴾ [التكوير: ١٧] أي: سورة ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوَّرَتْ﴾ [التكوير:١]. (١) أخرجه مسلم (١٠٥١)، وأحمد (١٩٢٤٦)، والبيهقي في ((سننه)) (٤١٨٠). ٣٩٥ كتاب الصّلاة/ باب القراءة في الصّلاة واختلف أصحابنا المتقدمون والمتأخرون في هذه المسألة فقال كثيرون: السورة الكاملة أفضل من بعض سورة وإن طال، كما أن التضحية بشاة أفضل من المشاركة في بعير وإن كان الشرك أكثر لحمًا؛ ولأن السورة لها مقطع ومفصل تام عن غيرها مدركة كل أحد بخلاف بعض السورة، ولا بعد في أن قراءة الكوثر متصلاً أفضل وأعظم أجرًا في الصّلاة بخصوصها من معظم البقرة لكون الثواب المرتب على قراءة السورة الكاملة في الصّلاة أفضل؛ ولأن في التأسي والاتباع له وَل من المزية ما يعادل الثواب الكثير ويزيد عليه كما نظروا لذلك في تفضيلهم صلاة الظهر بمنى يوم النحر عليها بالمسجد الحرام، ولم ينظروا لما فيه من المضاعفة وصلاة النوافل بالبيت عليها بالمسجد ولو الحرام ولم ينظروا لذلك أيضًا. والغالب من قراءته # السورة التامة بل قال بعضهم: لم ينقل عنه وَليو قراءة السورة إلا الكاملة ولم ينقل عنه التفريق إلا في المغرب، قرأ فيها الأعراف في ركعتين وركعتي الفجر قرأ بآيتي البقرة وآل عمران. وقال آخرون: إنما هي أفضل من قدرها فقط قالوا: عملاً بالقياس أن كل حرف بعشرة وتوسط بعضهم فقال: الأطول الأفضل من حيث الطول والسورة أفضل من حيث أنها سورة كاملة فلكل منهما ترجيح من وجه. ومحل الخلاف في غير التراويح فيجزيه القرآن فيها بحيث يختمه جميعه في الشهر أفضل من السور القصار؛ لأن السنة القيام فيها بجميع القرآن وأفتى بعض أئمتنا بأن من قرأ سورة في ركعتين إن فرقها لعذر كمرض حصل له ثواب السورة كاملة، والكلام في سورة طويلة كالأعراف بخلاف سورة ثلاث آيات أو أربع فتفريقها خلاف السنة فلا يثاب ثواب سورة كاملة. انتهى. ٨٣٧ - [وَعَنْ عَبْدِ الله بْنِ السَّائِبِ ﴾ قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللهِ وَِّ [الصُّبْحَ](١) (١) سقط من الأصل. ٣٩٦ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثالث بِمَكَّةَ، فَاسْتَفْتَحَ سُورَةَ الْمُؤْمِنِينَ حَتَّى جَاءَ ذِكْرُ مُوسَى وَهَارُونَ، أَوْ ذِكْرُ عِيسَى أَخَذَتِ الشَِّيَّ ◌ََّ سَعْلَةُ فَرَكَعَ(١). رَوَاهُ مُسْلِمُ]. (وَعَنْ عَبْدِ اللّه بْنِ السَّائِبِ عَ﴿هَ قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللهِ وَّهِ الصُّبْحَ بِمَكَّةَ، فَاسْتَفْتَحَ سُورَةَ الْمُؤْمِنِينَ حَتَّى جَاءَ ذِكْرُ مُوسَى وَهَارُونَ، أَوْ ذِكْرُ عِيسَى أَخَذَتِ الشَّيَّ وَّه) لم يضمر حذرًا من إبهام ما وإن بعد (سَعْلَةٌ) فعلة من السعال قيل: بسبب ما عرض له من البكاء عند تدبر تلك القصص (فَرَكَعَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وقراءته للمؤمنين مع طولها يحتمل أنه لكونه كان في أول الأمر والصحابة محصورون وهم قطعًا يرضون بتطويله * أو أذنوا له فيه، ثم لما كثروا بالمدينة خفف ويؤخذ من ركوعه عند عروض السعلة التي من شأنها أن يتولد منها اختلال في الصوت أو عدم سماع المأمومين له، أن السنة لمن عرض له ذلك أو نحوه كعطاس أو بكاءٍ أو أنين أن يركع ولا يتنحنح مثلاً لإزالة ذلك، فإن فعل وظهر منه حرفان فهو مقصر. ومن ثم كان الأصح عندنا أنه إن كان في الفاتحة ومنعه ذلك العارض الكلام من أصله جاز له أن يتنحنح مثلاً لإزالته، وإن ظهر منه نحو ثلاثة أحرف وإن منعه من الجهر في الفاتحة أو غيرها أو من المتكلم في غيرها لم يتنحنح، فإن فعل وظهر منه حرفان بطلت صلاته وإلا فلا. ٨٣٨ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ◌ََّ يَقْرَأُ فِيِ الفَجْرِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ: ﴿الم * تَنْزِيلُ﴾ [السجدة: ١ - ٢] فِي الرَّكْعَةِ الأَولَى، وَفِي الثَّانِيةِ ﴿هَلْ أَنَى عَلَى الإِنْسَانِ﴾ [الإنسان: ١](؟). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ]. (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴿ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ◌َهِ يَقْرَأْ فِيِ الفَجْرِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ: ﴿الم * تَنْزِيلُ﴾ فِي الرَّكْعَةِ الأَولَى، وَفِي) الركعة (الثَّانِيةِ ﴿هَلْ أَنَى عَلَى الإِنسَانِ﴾. مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ) ومنه أخذ أئمتنا قولهم: يسن في أولى صبح الجمعة ﴿الم * تَنزِيلُ﴾ السجدة وفي الركعة (١) أخرجه مسلم (١٠٥٠). (٢) أخرجه مسلم (٢٠٧١)، وأحمد (٣٣٨٣). ٣٩٧ كتاب الصّلاة/ باب القراءة في الصلاة الثانية ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ﴾ بكمالها وحكمة ذكر المبدأ والمعاد وخلق آدم والجنة والنار وأهلهما وأحوال يوم القيامة وكل ذلك كان ويقع يوم الجمعة. قال النووي في ((أذكاره): ويكره الاقتصار على بعضهما ومحله عند جمع إن اتسع الوقت لها جميعًا وإلا قرأ بعضها ولو آية السجدة، فإن قرأ غير ذلك فخلاف السنة ورد بأنه غريب لما مر أن السورة القصيرة أفضل من بعض الطويلة، وظاهر قوله: كان بناءً على ما مر آنفًا في كان أنه ◌َ ير كان يداوم على قراءة هاتين السورتين في كل جمعة. فقول ابن دقيق العيد: ليس فيه ما يقتضي ذلك ممنوع إلا إن أراد أنه لا يقتضيه لغة، وعلى كلٍّ، فالأصل دوام التأسي به وَ لقه فيما علم أنه فعله ولم يعلم أتركه أم داوم عليه فغاية ما هنا أنه كذلك، وقد علم أن الأصل دوام التأسي؛ لأن الأصل دوامه وبهذا يتجه الرد على جمع متقدمين ومتأخرين من أئمتنا قالوا: الأولى للإمام ترك تينك السورتين أو السجود عند قراءة آية السجدة في بعض الأيام؛ لأن العامة صاروا يعتقدون وجوب قراءة ذلك وینکرون علی من ترکه. انتهى. وعجيب منهم ذلك مع أنه لا يناسب قواعدنا بل قواعد من ترك القول يندب صوم ستة من شوال ونحوها حذرًا من اعتقاد العامة الوجوب، على أن الطبراني أخرج عن أبي سعيد: ((إِنَّهُ وَ﴿ كَانَ يُدِيمُ قِرَاءَةَ هَاتَيْنِ السُّورَتَيْنِ فِي صُبْحَ يَوْمِ الْجُمُعَة))(١) وتصويب أبي حاتم إرساله بتقدير تسليمة لا ينافي الاحتجاج به، فإن المرسل يعمل به في مثل ذلك إجماعًا على أن له شاهدًا. أخرجه الطبراني أيضًا في ((الكبير)) عن ابن عباس بلفظ: «كُلّ جُمْعَةٍ))(٢) وحينئذٍ فلا يحتاج مع هذا إلى الاستدلال بـ((كان)) السابقة نفيًا ولا إثباتًا. واتضح رد قول ابن دقيق العيد السابق، نعم قال بعضهم: ثبت أنه وَلو قرأ (١) أخرجه بنحوه البخاري (٨٩١)، ومسلم (٢٠٦٨) وأبو داود (١٠٧٦) والترمذي (٥٢٢) والنسائي (٩٦٤)، وأحمد (٣١٥٢)، وابن ماجه (٨٧٠)، والطبراني (٩٩٤٠). (٢) انظر السابق. ٣٩٨ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثالث بغیرهما لکنه نادر. وقال غيره: خبر أنه قرأ فيهما بـ(سجدة)) غير ﴿الم * تَنزِيلُ﴾ في إسناده نظر، ويفرض صحته هو لبيان الجواز وتعليل المالكية لكراهة قراءة السجدة في الصّلاة باشتمالها على زيادة سجود في الفرض. قال القرطبي: متهم فاسد بشهادة هذا الحديث، وصحَّ ((أنه وَل﴿ قَرَّأَ سُورَةً فِيهَا سَجْدَةٍ فِي صَلَاةِ الظُّهرِ فَسَجَدَ بِهِم فِيهَا)) وزعم احتمال أنه قرأ في صبح الجمعة (الم * تَنزِيلُ﴾ ولم يسجد باطل، فقد صحَّ عند الطبراني: «أَنَّهَ وَّهِ سَجَدَ فِي صُبح الجمعَةِ فِي ﴿الم * تَنزِيلُ﴾ [السجدة: ١])(١). ٨٣٩ - [وَعَنِ عُبِيد الله بْنِ أَبِي رَافِعٍ قَالَ: اسْتَخْلَفَ مَرْوَانُ أَبَا هُرَيْرَةَ عَلَى الْمَدِينَةِ وَخَرَجَ إِلَى مَكَّةَ، فَصَلَّى لَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ الْجُمُعَةَ فَقَرَّأَ سُورَةَ الْجُمُعَةِ فِي السَّجْدَةِ الأُولَى وَفِي الآخِرَةِ: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ﴾ [المنافقون: ١] فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله: يَقْرَأُ بِهِمَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ(٤). رَوَاهُ مُسْلِمُ]. (وَعَنِ عَبْدِ الله بْنِ أَبِي رَافِعٍ قَالَ: اسْتَخْلَفَ مَرْوَانُ أَبَا هُرَيْرَةَ عَلَى الْمَدِينَةِ وَخَرَجَ إِلَى مَّةَ، فَصَلَّى لَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ الْجُمُعَةَ فَقَرَأَ سُورَةِ الْجُمُعَةِ فِي السَّجْدَةِ) أي: الركعة (الأُولَى وَ) قرأ (فِي) الركعة (الآخِرَةِ: ﴿إِذَا جَاءَكَ المُنَافِقُونَ﴾ فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله وَ يَقْرَأُ بِهِمَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ. رَوَاهُ مُسْلِمْ) ومنه أخذ أئمتنا: إنه يسن قولهما فيها وإن کثر المأمومون ولم يرضوا بالتطويل وفارق بقية الصّلاة بأنها لم يرد فيها سور بأعيانها يواظب عليها مع تكررها كل يوم فنظرنا لمشقة المأمومين. وهنا صح عنه هاتان بأعيانهما وواظب عليهما في أغلب أحواله مع كثرة الحاضرين وعدم حصرهم، فلم ينظر إليهم لقلة المشقة عليهم لا سيما والجمعة نادرة والتكرير بالنسبة لبقية الخمس، ويجري ذلك في كل ما ورد فيه قراءة معينة كصلاة (١) أخرجه الطبراني (٩٩٤٠). (٢) أخرجه مسلم (٢٠٦٣). ٣٩٩ كتاب الصّلاة/ باب القراءة في الصّلاة الكسوفین والعيدين. ٨٤٠ . [وَعَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ - رَضِي اللهُ عَنهُمَا - قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَه يَقْرَأُ فِي الْعِيدَيْنِ وَفِي الْجُمُعَةِ بِـ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١] وَ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ [الغاشية:١] قَالَ: وَإِذَا اجْتَمَعَ الْعِيدُ وَالْجُمُعَةُ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ فَرَأْ بِهِمَا فِي الصَّلَاتَيْنِ (١). رَوَاهُ مُسْلِمُ]. (وَعَنِ التُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ - رَضِي اللّهُ عَنْهُمَا - قَالَ: كَانَ رَسُولُ الله ◌ِهِ يَقْرَأُ فِي الْعِيدَيْنِ) الأصغر والأكبر (وَفِي الْجُمُعَةِ بـ (سَبِّحَ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ وَ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الغَاشِيَةِ﴾ قَالَ: وَإِذَا اجْتَمَعَ الْعِيدُ وَالْجُمُعَةُ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ قَرَأَ بِهِمَا فِي الصَّلَاتَيْنِ. رَوَاهُ مُسْلِمْ). ٨٤١ - [وَعَنْ عُبَيْدِ الله ◌ِ﴾: إِنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ سَأَلَ أَبَا وَاقِدِ اللَّيْنِيَّ - رَضِي اللهُ عَنهُمَا - مَا كَانَ يَقْرَأُ بِهِ رَسُولُ اللهِوَهُ فِي الأَضْحَى وَالْفِطْرٍ، فَقَالَ: كَانَ يَقْرَأَ فِيهِمَا بِ ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ [ق:١] وَ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [القمر: ١](٤). رَوَاهُ مُسْلِمُ]. (وَعَنْ عُبَيْدِ اللهِ ﴾: إِنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ سَأَلَ أَبَا وَاقِدِ اللَّيْفِيَّ - رَضِي اللّهُ عَنْهُمَا -) فقال: (مَا كَانَ يَقْرَأْ بِهِ رَسُولُ اللهِ وَ فِي) عيد (الأَصْحَى و) عيد (الْفِطْرِ، فَقَالَ: كَانَ يَقْرَأُ فِيهِمَا بِ ﴿ق وَالْقُرْآنِ المَجِيدِ﴾ و﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾. رَوَاهُ مُسْلِمْ). ومنه كالذي قبله أخذ أئمتنا: إنه يسن في كل من العيدين أن يقرأ في الأولى بـ(ق)) أو بـ(سبح)) وفي الثانية بـ((اقْتَرَبَتِ)) أو بـ((الغاشية)) وكذا في الجمعة في (سبح)) و((الغاشية)) قالوا: لكن الأفضل في الجمعة قراءة ((الجمعة)) و((المنافقين)) وفي العيدين: قراءة (ق) و(اقتربت)) بكمالها؛ لأن كلًّا وإن ورد عنه ﴿لو لكن ما ذكر أنه الأفضل هو الأكثر من أحواله فـ (١) أخرجه مسلم (٢٠٦٥)، وأبو داود (١١٢٤)، والترمذي (٥٣٦). (٢) أخرجه مالك (٤٣٨)، ومسلم (٢٠٩٦)، والدارقطني (١٧٣٨)، والبيهقي في ((سننه)) (٦٤١٢). ٤٠٠ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثالث وحكمة ذلك أن كلًّا من تلك السور مع قصره مشتمل على شرح الكثير أو المهم من أحوال المعاش والمعاد والنفس في يوم العيد الحقيقي أو المجازي وهو الجمعة، ربما استنفر بها البطن والفرج إلى نسيان الآخرة ومقدماتها حتى يستوفي منها الشيطان مأموله فاقتضى عظيم حرصه وَليم على صلاحهم وإرشادهم أن ينبههم أعظم تنبيه على عصيان عدوهم ومخالفته، ومن ثم لما وافق يوم العيد يوم الجمعة قرأ: ((سبح)) و((الغاشية)) أول النهار في العيد ووسطه في الجمعة مبالغة في وعظهم وزجرهم، فتأمله. ٨٤٢ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ وَهْ قَرَّأَ فِي رَكْعَتَ الْفَجْرِ: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون: ١] وَ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١](١). رَوَاهُ مُسْلِمَ]. (وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةٍ ﴾ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ الله وَ قَرَّأَ فِي رَكْعَتَ الْفَجْرِ: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الكَافِرُونَ﴾) في الركعة الأولى (وَ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾) في الركعة الثانية (رَوَاهُ مُسْلِمٌ). ٨٤٣ - [وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ - رَضِي اللهُ عَنْهُمَا - قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ يَقْرَأُ فِي رَكْعَتَي الْفَجْرِ: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِالله وَمَا أَنْزِلَ إِلَيْنَا.﴾ [البقرة: ١٣٦] وَالَّتِي فِي آلِ عِمْرَانَ: ﴿تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ ..... ﴾ [آل عمران:٦٤](٢). رَوَاهُ مُسْلِمٌ]. (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ - رَضِي اللّهُ عَنْهُمَا - قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَهِ يَقْرَأُ فِي رَكْعَتَي الْفَجْرِ: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا﴾) إلى ﴿مُسْلِمُونَ﴾ في الركعة الأولى (وَالَّتِي فِي آلِ عِمْرَانَ: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾) إلى ﴿ مُسْلِمُونَ﴾ في الثانية (رَوَاهُ مُسْلِمٌ). ومن هنا أخذ أئمتنا أنه يسن في ركعتي الفجر قراءة الأوليين أو الأخريين، قال بعضهم: والآيتان المذكورتان أفضل لوردوهما بخصوصهما من قراءة سورتين كاملتين وإن طالتا؛ أي: غير سورتي الإخلاص لما ذكر، وحكمة ذلك أن كلًّا من السورتين والآيتين مشتمل على معالم التوحيد ومهماته فناسب افتتاح النهارية ليكون الموحد في (١) أخرجه مسلم (١٧٢٣)، وأبو داود (١٢٥٨)، والنسائي (٩٥٣). (٢) أخرجه مسلم (١٧٢٥)، والبيهقي في (سننه)) (٥٠٧١).