النص المفهرس

صفحات 301-320

٣٠١
كتاب الصّلاة/ باب صفة الصّلاة
نحو الفاسق والمبتدع زجرًا لهما وتأديبًا.
(ارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ، فَقَالَ فِي) المرة (الثَّالِئَةِ أَوْ فِي الَّتِي بَعْدَهَا: فَعَلِّمْنِي
يَا رَسُولَ اللهِ، فَقَالَ) ﴿ ﴿ وسكت عن تعليمه في أول مرة حتى احتاج إلى هذا التكرر،
إمَّا ظنًّا منه وَ ◌ّل أنه ناس لما تركه أو زجرًا له أو تأديبًا عما ارتكبه اغترارًا بعمله من
عدم استكشافه الحال من مورد الوحي والإلهام ومصدر الشرائع والأحكام، وإرشادًا إلى
أنه كان ينبغي له أن يسأل عما استبهم عليه وما يلزم عليه من أمره بعبادة فاسدة في
ظن الأمر.
يجاب عنه بأنه لما احتمل سهوه وجوز و ◌ّل وقوعه منه لم يكن فيه أمر بعبادة
فاسدة، ووجه الزجر أنه ترك السؤال عن استكشاف سبب الإعادة وبادر إليها من غير
علمه بما وقع منه حتى يتجنبه، فحينئذٍ أمن بما فيه مشقة علیه ونوع توبيخ له.
فلما رجع للسؤال وطلب كشف الحال بادر ﴿ إلى تعليمه فقال له: (إِذَا قُمْتَ
إِلَى الصَّلَاةِ) أي: أردت القيام إليها على حد ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا
وُجُوهَكُمْ .. ﴾ [المائدة: ٦] (فَأَسْبِغِ الْوُضُوءَ) كان حكمه زيادته ◌َ ◌ّ ذلك على ما طلبه
أنه * تفرس فيه بمقتضى قرينة تفريطه في صلاته أنه فرط في وضوئه فأخل
باستيعاب ما يجب أو يندب استيعابه من أعضائه، فأمره بإسباغه أولاً إشعارًا بأن
صحة الصّلاة وكمالها متوقفان على صحة شروطها وكمالها، وبهذا يندفع القول بأن في
أمره بإسباغ الوضوء دليل على أنه إنما أراد أن يعلمه المكملات لا الواجبات فحسب،
وعدم أمره بالإعادة من حيث فساد وضوئه؛ إذ لم يقل له: ارجع فتوضأ بل من حيث
فساد صلواته؛ إذ قال له: ((ارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ)»(١) دليل واضح عند من له أدنى
ذوق على أنه ول﴾ لم يعلم في وضوئه مبطلاً وإن أمره بالإسباغ احتياطً؛ لئلا يكون
يفعل فيه ما يفعله في صلاته.
(١) أخرجه البخاري (٧٩٣)، ومسلم (٩١١)، وأبو داود (٨٥٦)، والترمذي (٣٠٤)، وأحمد (٩٨٨٥)،
والنسائي (٨٩٢)، والدارمي (١٣٧٩)، والدار قطني (٣٢٨)، والحاكم (٨٤٧).

٣٠٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثالث
(ثُمَّ) بعد الوضوء إذا قمت إليها حقيقة، فإن قلت: يلزم على ما فسرت به قمت
ثم وهنا استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه قلت: ونحن نقول بذلك كما هو مقرر في
الأصول (اسْتَقْبِلِ الْقِبْلَةَ) أي: عين الكعبة لما مرَّ أُنه ◌َ ل﴾ ركع ركعتين في وجهها، وقال
هذه القبلة بتعريف الحرمين الصريح في الحصر (فَكَبِّرْ) كان حكمة الفاء هنا دون ما
قبلها وما بعدها أن التكبير يعقب الاستقبال غالبًا، بخلافه مع الوضوء وبخلاف
التكبير وقراءة الفاتحة، أمَّا الأول فواضح وأمَّا الثاني؛ فلأنه يسن بينهما دعاء الافتتاح
والتعوذ؛ أي: قل الله أكبر بدليل أنه لو كان يقول ذلك أول صلاته كما صح ذلك عنه
وسـ
وقوله وَلّ في الحديث الصحيح: ((تَحْرِيمَهَا التَّكْبِير)(١) فإن ظاهره الحصر لتعريف
تحريمه؛ ولأنه لم يقل التكبير تحريمها.
وبينهما فرق كما فرقوا بين: زيد صديقي، وعكسه؛ إذ الثاني يقتضي حصر
الصداقة في زيد دون الأول؛ لأنه يفهم أن المجهول هو الصداقة فأثبتها للسامع بالخير،
وأمَّا في صديقي زيد فهي المعلوم والمجهول محلها، ولو كان محلها زائدًا وغيره لم يحسن
الاقتصار على زيد، فكذلك في تحريمها التكبير فلا يكفي: الله كبير؛ لفوات أفعل ولا
الرحمن أو الرحيم ولا الله أعظم وأجل، وفارق أعظم أكبر بأن فيه من الفخامة ما
ليس في أعظم بدليل حديث: «الْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي وَالْعَظَمَةُ إِزَارِي فَمَنْ نَازَعَنِي فِيهِمَا
قَصِمْتُهُ))(٢) والرداء أعظم من الإزار في التجمل وغيره.
ولا ترجمة ذلك بغير العربية للقادر عليها، ولا أكبر ولا والله أكبر ولا الله الذي
لا إله إلا هو أكبر لطول الفصل، ولا مع سكتة فوق سكتة التنفس بين الكلمتين ولا
مع زيادة حرف بغير المعنى كمد همزة الجلالة وكألف بعد الياء، بل يكفر متعمد
(١) أخرجه الحاكم (٤٥٧).
(٢) أخرجه أحمد (٩٣٤٨)، وأبو داود (٤٠٩٠)، وابن ماجه (٤١٧٤)، وابن حبان (٥٦٧١)، وابن ماجه
(٤١٧٥)، والحاكم (٢٠٣).

٣٠٣
كتاب الصّلاة/ باب صفة الصّلاة
ذلك، وكزيادة هو أو واو ساكنة أو متحركة بين الكلمتين بخلاف تشديد الياء أو الراء
وضمها على نزاع في الثلاثة وخبر التكبير جزم لم يصح وإبدال ألف أكبر همزة أو واوًا
لنحو ألشغ.
ومعنى أكبر: إمَّا كبير كأمر أهون؛ أي: هين أو أكبر كبير كأعز عزيز أو أكبر
من أن يشرك به أو يذكر بغير الثناء الحسن، ورجحه بعض أصحابنا قال: لا سيما على
أصلنا إنا لا نجوز كبير بدل أكبر وأكبر مما سواه، واعترضه المبرد بأن أفعل إنما تستعمل
بين متجانسين، وأجاب الفخر الرازي بأن الناس قد يستعظمون غير الله فقصد بهذا
تنبههم على أنه تعالى أولى بالتعظيم والإجلال من غيره.
وحكمة استفتاح الصّلاة بالتكبير استحضار المصلي عظمة من تهيأ لخدمته
والوقوف بين يديه ليمتلئ هيبة، فيخشع ويحضر قلبه وتسكن جوارحه، وافهم سياق
الحديث لما علم مما قدمته في تفسير ((قَصمْتُهُ)) أنه لا بد من وقوع حروف التكبيرة في
القيام ومثله بدله، فإن وقع بعضها وهو إلى أقل الركوع أقرب لم تنعقد صلواته.
تنبيه:
لم يذكر له أنه * النية للعلم بوجوبها في سائر العبادات المحتاجة إليها من
قوله ◌َّير في الحديث المتفق عليه: ((إِنَّمَا الأَعْمَال بِالتَّيَّات))(١) ومرَّ في شرحه أول
الكتاب، وفي مبحث الوضوء الكلام على بعض مباحثها واستوفيتها في شرحي للعباب
وغيره، وقد أجمعوا على وجوبها في الصّلاة، وإنما اختلفوا في أنه هل يجب مقارنتها
للتكبير بأن يستحضرها مع جميع واجباتها كقصد الفعل والتعيين ونية الفرضية، وكذا
المأمومية في الجمعة والإقامة في بعض صورها ونحو القصر لمريده من أول الهمزة إلى
الراء، فقال الشافعي: نعم، وقال غيره لا واختار المتأخرون من أصحابنا الاكتفاء
بالمقارنة العرفية عند العوام بحيث يعد مستحضرًا للصلاة وأطالوا في الانتظار
له.
(١) تقدم تخريجه.

٣٠٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثالث
وتجب باتفاق أئمتنا إدامتها حكمًا في جميع صلواته بألا يأتي بمنافيها كنية
الخروج أو التردد فيه أو تعليقه بشيء إن لم يحصل ولا يضر ما يقع في الفكر بلا
اختيار، وكذا في الإيمان بالله تعالى، ولا يؤثر نية الصّلاة مع دفع الغريم أو نحوه؛ لأن
دفعه حاصل وإن لم ينوه فأشبه التردد مع نية الوضوء.
واعلم أن أئمتنا صرحوا تبعًا لإمامهم الشافعي ه بأنه لا يشترط في النية كلام
نفساني ولا لساني، وأنه يسن مع استحضارها بالقلب النطق بها قبيل التكبير ليساعد
اللسان القلب، وخروجًا من خلاف من أوجب التلفظ بها في كل عبادة احتاجت
للنية، وما قيل: إن قائله وهو الزبيري من أكابر أصحابنا غالط؛ لأن الندب لم يقم
عليه دليل فضلاً عن الوجوب فيرد بمنع أن الندب لم يقع عليه دليل، بل قام عليه
دليل؛ أي: دليل هو قياسه على نطقه وَلل بنية الحج كما رواه البخاري ولفظه: (أَتَانِي
اللَّيْلَةَ آتٍ مِنْ رَبِّي، فَقَالَ: صَلِّ فِي هَذَا الْوَادِي الْمُبَارَكِ - أي: وادي العقيق - وَقُلْ عُمْرَةً
فِي حَجَّةٍ))(١) فهذا تصريح باللفظ، والحكم كما يثبت بالنص يثبت بالقياس.
وأمَّا ما شيع به بعض الحنابلة وغيره من أنه يلزم هنا عشر بدع منها: التلفظ
بالنية والاستقبال والعدد والأداء أو القضاء وكونه إمامًا أو مأمومًا وفرض الوقت
وصلاة كذا؛ إذ لم ينقل عنه وَل# بسند صحيح ولا غيره واحدة منهما، بل ولا عن
صحابي أو تابعي ولا عن الأئمة الأربعة.
قال: وكلام الشافعي محمول على التلفظ بتكبيرة الإحرام؛ أي: قال به جمع من
أصحابه ومن أنه لا يقاس هنا بالحج؛ لأنه إنما قاله ثم تعليمًا لأصحابه وامتثالاً لما أمر
به، فيرد بأن عدم النقل لا يدل على عدم الوجود كما صرحوا به وعلى التنزل، فمن
البدع ما هو حسن واجب أو مندوب، ونفي القول عمن ذكر لا يقتضي عدم قول
غيرهم؛ إذ الفرض أنه لا إجماع وإن القول بالندب دليلاً بل أدلة القياس السابق،
(١) أخرجه البخاري (١٤٦١)، وأبو داود (١٨٠٠)، وابن ماجه (٢٩٧٦)، وأحمد (٦١)، وابن خزيمة
(٢٦١٧)، وابن حبان (٣٧٩٠)، والبزار (٢٠١).

٣٠٥
كتاب الصّلاة/ باب صفة الصلاة
وكونه وسيلة لعباده.
ومن القواعد المقررة: إن للوسائل حكم المقاصد غالبًا ولا شك بأن التلفظ
بها معين على استحضار النية القلبية، وكونه محصلاً للجمع بين عبادة القلب واللسان
والجوارح، والفرق بين الصّلاة والحج بما مر لا ينهض فإنه ◌َل أمر بالقول
فقال فقياسه الأمر به في الصّلاة، وزعم أنه قاله ثم للتعليم يؤيد ما قلناه؛ إذ مشروعية
التلفظ ثم الدليل على مشروعيته هنا على أنه لو كان ثم للتعليم فقط لبينه له ذلك
الآتي الذي أمره به، فلما أمره ولم يبين له ذلك دل على أنه مأمور به لغير التعليم
أيضًا.
(ثُمَّ اقْرَأْ بِمَا) الباء فيه للاستعانة أو زائدة بدليل ﴿فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾
[المزمل: ٢٠] ومن ثم حذفت في رواية صحيحة ((فاقرأ)) مراد به الإطلاق كفلان يعطي
ويمنع؛ أي: أوجد القراءة باستعانة ما (تَيَسَّرَ) لك حال كونه (مَعَكَ مِنَ) بيان لما
(الْقُرْآنِ) أي: اقرأ من القرآن ما تحفظه.
وفي رواية صححها أحمد والبيهقي وابن حبان بدل هذا: (ثُمَّ اقْرَأْ بِأُمِّ الْقُرْآنِ)) (١)
وفيها دلالة ظاهرة قاطعة للنزاع؛ إذ الأمر للوجوب مع أن المقام مقام تعليم الواجبات
كما مرَّ على وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة لقوله الآتي: ((ثم افعل ذلك ... إلى آخره))
وأن الصّلاة لا تصح إلا بها.
فإن قلت: الواقعة لم تتكرر كما هو الظاهر فكيف روى اللفظان ومنهما
تفاوت في المعنى كما هو ظاهر؟
قلت: يحتمل إحداهما على أنها رويت باللفظ والأخرى على أنها رويت بالمعنى.
فإن قلت: في هذا فتح باب يستلزم خرقًا عظيمًا كما ذكروه.
قلت: محل ذلك حيث لا اضطرار إليه، وأمَّا مع ذلك فيتعين فيه ذلك الحمل على
أن لنا أن نقول: إن كانت التي نطق بها ◌َّو هي المحتملة فالأخرى المبينة من تفسير
(١) أخرجه أبو داود (٨٥٩)، والبيهقي (٣٧٦٤)، وأحمد (١٩٠١٧)، وابن حبان (١٧٨٧).

٣٠٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثالث
الراوي، وهو مقدم على تفسير غيره كما هو مقرر في محله، وإن كانت هي المبينة فالأمر
واضح فاستحضر ذلك وأجره فيما يأتي في هذا الحديث وغيره فإنه لا بد منه وإن لم
يحضرني الآن أحدًا صرح به.
(ثُمَّ ارْكَعْ حَتَّى) هو غاية لما يتم به الركن وكذا الباقي ولا يأتي هنا الخلاف في أن
الغاية هل تدخل في المعنى مطلقًا أو لا مطلقًا، أو إن كانت من جنس المعنى؛ لأنها هنا
وهي الطمأنينة وصف للركوع مثلاً للتقييد براكعًا، ووصف الشيء معه، فإذا وجد
دونه كان غير معتد به (تَطْمَئِنَّ رَاكِعًا) حال مؤكدة (ثُمَّ ارْفَعْ حَتَی تَسْتَوِيَ قَائِمًا) حال
كذلك.
وفي رواية في ((صحيح)) ابن حبان بدل هذا: ((حَتَّى تَطْمَئِنَّ قَائِمًا))(١) وهي نص
قاطع للنزاع في وجوب الطمأنينة في الاعتدال كما هو مذهبنا ومذهب جمهور العلماء
سواء الفرض والنفل على المعتمد من مذهبنا، وكذا الجلوس بين السجدتين كما يأتي.
(ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِسًا) حال مؤسسة
وفيها التصريح بوجوب الجلوس بين السجدتين والطمأنينة فيه، وقول إمام الحرمين لم
يذكر له النبي له الطمأنينة في الاعتدال والجلوس بين السجدتين سهو منه لما علمت
من التصريح بهما في حديث الشيخين وغيرهما، حتى يستوي قائمًا التصريح بوجوب
القيام من الركوع مع الاستواء فيه وهذا هو الاعتدال والطمأنينة اللذان قلنا بوجوبهما.
(ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِسًا) أي: للاستراحة
(وَفِي رِوَايَةٍ) زيادة على ما ذكر (ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَسْتَوِيَ قَائِمًا) وفي ذلك دليل على ندب
جلسة الاستراحة عقب كل ركعة تقوم عنها، وهو ما ذهب إليه أئمتنا وغيرهم (ثُمَّ
افْعَلْ ذَلِكَ) أي: ما يمكن تكرره فخرج نحو تكبيرة الإحرام (في صَلَاتِكَ كُلِّهَا.
مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ).
(١) أخرجه أحمد (١٩٥١٣)، وابن ماجه (١١١٣)، والبيهقي في ((سننه)) (٤١١٣)، وأبو يعلى في «مسنده»
(٦٤٤٢).

٣٠٧
كتاب الصّلاة/ باب صفة الصّلاة
وتأويله يحمل لم تصل على نفي الكمال وأن الأمر بالإعادة إنما كان لتركه فرضًا
من فروضها، فلما قال: ((علمني)) ذكر له أوصاف الكمال ولذلك بدأ بالأمر بإسباغ
الوضوء ولم يأمره بالإعادة، ولو لم يكن على طهر لقال: ارجع فتوضأ بعيد جدًّا ومع
بعده لا داعي إليه بل الداعي إلى بقائه على حقيقته أوضح من نار على علم، فعلم أن
الأمر بالتكبير وبقراءة الفاتحة وبالطمأنينة في الاعتدال والجلوس بين السجدتين
يتعين بقاؤه على وضعه وحقيقته من الوجوب، ويمتنع صرفه عن ذلك لغير دليل وهذا
هو محل استدلالنا من هذا الحديث.
وأمَّا السبب الموجب للأمر بالإعادة فلم يصرح به في الحديث فحينئذٍ لا حجة
فيه لنا ولا علينا على أن في أمره وقال له بالرجوع إلى الصّلاة وتعليله لذلك، بأن لم يصلّ
مع قرنه بأن المؤكدة وبناء الخبر على اسمها لإفادة التقوى في الحكم وتكراره المرة بعد
الأخرى، ثم تعليمه ما ذكر بتلك الصيغ البليغة قرائن واضحة تعين الحمل على الحقيقة
لو لم يكن الحمل عليها هو الأصل، فكيف وهو الأصل الذي لا يحتاج لقرينة؟ وقول
المعترض ولذلك بدأ إلى آخره دلیل لنا لا علينا کما قدمته.
وفي قوله على نفي الكمال مع ما بعده مناف؛ لأنه إذا كان لنفي الكمال كيف
يصح قوله بعده وأن الأمر بالإعادة إلى آخره فتأمله.
ومما يدل على أن المقام مقام تعليم الواجبات الأمر بالاستقبال ثم التكبير ثم
القراءة وهكذا، ولم يذكر فيه السنن خشية عليه من اختلاط الأمر عليه؛ لأن المقام
ضيق ولم يذكر فيه من الواجبات المجمع عليها كالنية وتعود التشهد الأخير وترتيب
الأركان لشهرتها، بل لم يذكر فيه كثيرًا من الواجبات المختلف فيها، ومن فوائد هذا
الحديث ما فيه من التنبه على الرفق بالمتعلم والجاهل وملاطفته وإيضاح المسألة
وتلخص مقاصدها والاقتصار في حقه على المبهم دون المكملات التي لا يحتملها
حفظًا أو غيره.
٧٩١ - [وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ الله ◌َِّ يَسْتَفْتِحُ

٣٠٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثالث
الصَّلَاةَ بِالتَّكْبِيرِ، وَالْقِرَاءَةَ بِـ﴿الْحَمْدُ لِلهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢] وَكَانَ إِذَا رَكَعَ لَمْ
يُشْخِصْ رَأْسَهُ، وَلَمْ يُصَوِّبْهُ وَلَكَنْ بَيْنَ ذَلِكَ، وَكَانَ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ لَمْ يَسْجُدْ
حَتَّى يَسْتَوِيَ قَائِمًا، وَكَانَ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ السُّجُودِ لَمْ يَسْجُدْ حَتَّى يَسْتَوِيَ جَالِسًا، وَكَانَ
يَقُولُ فِي كُلُّ رَكْعَتَيْنِ التَّحِيَّةَ، وَكَانَ يَفْرِشُ رِجْلَهُ الْيُسْرَى وَيَنْصِبُ رِجْلَهُ الْيُمْنَى وَكَانَ
يَنْهَى عَنْ عُقْبَةِ الشَّيْطَانِ، وَيَنْقَى أَنْ يَفْتَرِشَ الرَّجُلُ ذِرَاعَيْهِ افْتِرَاشَ السَّبُعِ، وَكَانَ يَخْتِمُ
الصَّلاَةَ بِالتَّسْلِيمِ (١). رَوَاهُ مُسْلِمْ].
(وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَهِ يَسْتَفْتِحُ الصَّلَاةَ)
أي: يبدؤها (بِالتَّكْبِيرِ) أي: يجعله فاتحتها ولا ينافي ما قدمناه من ندب التلفظ بالنية؛
لأنه ليس من الصّلاة بل من مقدماتها.
وفي هذا مع قوله {قَله في حديث البخاري لمالك بن الحويرث وأصحابه وليس
هو من خصوصياتهم إجماعًا فيجري في جميع الأمة وإيهام كلام بعض أئمتنا أنه لا يصح
الاستدلال به إلا إن كان خطابًا لجميع الأمة ليس في محله: ((صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي
أُصَلِّ)(٢) أي: كما علمتموني حتى لا ترد الأقوال، فإنها لا تبصر دليل على أن تكبيرة
الإحرام واجبة يتعين لفظها كما مر، ومن هذا الخبر أخذوا أن الأصل في أفعاله في
الصّلاة الوجوب ما لم يدل دليل على خلافه، فاحفظ ذلك فإنه ينبني عليه أكثر
استدلالاتهم لواجبات الصّلاة بفعله وله.
(وَ) كان يستفتح (الْقِرَاءَةَ بِـ ﴿الْحَمْدُ لِلهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾﴾ أي: بسورة الحمد لله
رب العالمين؛ أي: يبتدئها بالفاتحة فيقرؤها ثم يقرأ السورة بعدها، وليس في هذا نفي
لدعاء الافتتاح؛ لأنه لا يسمى قراءة فافتتاح القراءة بالفاتحة واقع بعده كما صح في
الأحاديث الآتية، وإنما أولنا الحديث بما ذكر؛ لأنه وَ يهر كان يجهر أول الفاتحة
(١) أخرجه مسلم (١١٣٨)، والبيهقي في (سننه)) (٢٨٠٨).
(٢) أخرجه البخاري (٧٨٥)، ومسلم (٦٧٤)، وأحمد (١٥٦٣٦)، والنسائي (٦٣٥)، وابن حبان
(١٦٥٨).

٣٠٩
كتاب الصّلاة/ باب صفة الصّلاة
بالبسملة. رواه أحمد وعشرون صحابيًّا بطرق ثابتة كما يأتي.
(وَكَانَ إِذَا رَكَعَ لَمْ يُشْخِصْ رَأْسَهُ) أي: لم يرفعه على عنقه (وَلَمْ يُصَوِّبُهُ) أي:
يخفضه عنه (وَلَكنْ) كان وجه الاستدراك بها أن نفي ذينك لا يقتضي التنبيه الآتي،
بل ربما اقتضى خلافها فبين بها أن المراد أنه كان إذا ركع يكون (بَيْنَ ذَلِكَ) أي:
الرفع والخفض، ولتعدد ذا كما تقرر صح إضافة بين كما تقرر صح إضافة بين إليها،
ويلزم من تلك التنبيه استواء ظهره وعنقه كالصفيحة، ومن ثم قال أئمتنا: إن الأكمل
في الركوع أن يمد ظهره وعنقه من غير أن يكون رأسه ورقبته أخفض من ظهره ولا
أعلى منه، بل يكونان مستويين كالصفيحة.
قال الشافعي في ((الأم)): ويكره ترك ذلك؛ أي: لمخالفة ما كان ◌َله يواظب عليه
کما دل عليه الحدیث وغيره.
(وَكَانَ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ لَمْ يَسْجُدْ حَتَّى يَسْتَوِيَ قَائِمًا، وَكَانَ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ
مِنَ السُّجُودِ لَمْ يَسْجُدْ حَتَّى يَسْتَوِيَ جَالِسًا) فيه دليل واضح لما مرَّ آنفًا من قوله: ((صَلُّوا
گَمَا رَأَيْتُمُونی اُصلّ»(١) على من لم يوجب الاعتدال والجلوس بين السجدتين.
(وَكَانَ يَقُولُ فِي كُلِّ رَكْعَتَيْنِ) أي: بعدهما (التَّحِيَّةَ) أي: التشهد سمي تحية
لاشتماله على تحية وهو الثناء الحسن، وتشهد لاشتماله على الشهادتين، وفيه دليل
لمشروعية التشهد الأول والأخير، ولم يوجب الشافعي ه كأكثر العلماء الأول؛ لأنه
** سجد للسهو لأجل تركه كما يأتي، ولو كان واجبًا لوجب تداركه وثم يخبر تركه
بسجود السهو.
فدلالة الحديث على وجوبه عارضها ما ذكر فاقتضى حمله على الندب، وأمَّا
الأخير فلم يعارض دلالة الحديث على وجوبه شيء فمن ثم قال به الشافعي.
(وَكَانَ يَفْرِشُ رِجْلَهُ الْيُسْرَى) أي: يجعلها فراشًا له بأن يجلس عليها (وَيَنْصِبُ
(١) تقدم تخريجه.

٣١٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثالث
رِجْلَهُ الْيُمْنَى) أي: يضع بطون أطرافه أصابعها بالأرض وينصب باقيها، وهذه الكيفية
مندوبة عندنا في سائر جلسات الصّلاة إلا في التشهد الأخير لمن لا سهو عليه أو عليه
سهو، وأراد عدم السجود له وسيأتي قريبًا بسط ذلك.
(وَكَانَ يَنْهَى عَنْ عُقْبَةِ الشَّيْطَانِ) وهي المسمى: بالإقعاء، ومن ثم قال أئمتنا:
يكره في سائر جلسات الصّلاة الإقعاء، وهو أن يجلس على إليتيه ناصبًا فخذيه
وساقیه ورکبتیه.
زاد أبو عبيدة: ويضع يديه على الأرض ولم يذكره أئمتنا فكأنهم رأوا أن هذا
شرط لتسميته إقعاء لغة لا شرعًا، وجاء في رواية أن سبب النهي عنه ما فيه من
التشبه بالكلاب والقردة، وفسرت عقبة الشيطان بأن يضع أطراف أصابع رجليه
وركبتيه على الأرض وإليتيه على عقبيه، ورده النووي في ((الروضة)) وتفسير المكروه بهذا
غلط لرواية مسلم: الإقعاء سنة نبينا محمد وآله وفسره العلماء بهذا قال: ونص عليه
الشافعي في ((الإملاء)) والبويطي في الجلوس بين السجدتين. انتهى.
والحاصل أن عقبة الشيطان إن فسرت بالإقعاء الأول لم يستثن منه شيء، وإن
فسرت بالإقعاء الثاني استثنى منه الجلوس بين السجدتين لخبر مسلم السابق فيه،
ويكون فيما عداه مكروهًا كما صرح به غير واحد من أئمتنا، وكان من حكمته أن
من شأنه أن يشق وفرشان الجلوس بين السجدتين أنه قصير جدًا فسن فيه إشعارًا
بقصره وكره في غيره لما فيه من المشقة المنافية للخشوع غالبًا.
وقول الجويني: إنه حرام ضعيف وإن أيده النهي المذكور في الحديث بناءً على
التفسير الثاني، وكأنه اعتد قول الخطابي أن ما في مسلم منسوخ، وعليه فتفسير غلبة
الشيطان بما ذكر ثانيًا متعين، وكذا على ما مر من عدم النسخ.
ويستثنى منه ما مرَّ وبه يندفع تغليظ ((الروضة» السابق فإن قلت: عقبة
الشيطان يحتمل للتفسير بكل مما مر قبيل على كراهة الإقعاء بالتفسير الأول دليل
بخصوصه قلت: نعم جاء فيه حديث بخصوصه صححه الحاكم، وقال: إنه على شرط

٣١١
كتاب الصّلاة/ باب صفة الصّلاة
البخاري؛ أي: لأنه يثبت بسماع الحسن راويه من سمرة المروي عنه.
وخالف النووي في ((شرح المهذب)) فقال: روايات الإقعاء بهذا المعنى كلها
ضعيفة وليس في للنهي عنه حديث صحيح، وقال في موضع آخر منه: أحاديثه مع
كثرتها ليس فيها شيء ثابت لكن قال بكراهته عامة أهل العلم.
ويكره الجلوس في الصّلاة مادًّا رجليه ومتربعًا وتربعه وَيرٍ في بعض الأحيان
لبيان الجواز، وقيل: التربع أفضل في الجلوس البدل عن القيام ونقل عن الأئمة الثلاثة
أخذًا من حدیث کان يصلي متربعًا.
وقيل: أفضلها التورك؛ لأنه أهون.
وقيل: واختاره بعض أئمتنا: إن محل الخلاف عند استواء خشوعه في سائر
الجلسات أمَّا لو اختص بعضها؛ أي: مما لا كراهة فيه كما هو ظاهر بتوفير الخشوع فيه
لسهولته دون غيره فهو أفضل؛ لأن: رعاية الخشوع في الصّلاة آكد من رعاية هيئة
الجلوس ومحله أيضًا في القعود البدل عن القيام كما علم مما مر، أمَّا غيره فالسنة فيه
الافتراش إلا الأخير، فالتورك اتفاقًا وقول جمع الأفضل للمرأة التربع قطعًا ضعيف بل
شاذ.
(وَ) كان (يَنْقَى) عن (أَنْ يَفْتَرِشَ الرَّجُلُ ذِرَاعَيْهِ افْتِرَاشَ السَّبُع) ومنه أخذ
أئمتنا أنه يسن للرجل أن يرفع ذراعيه عن الأرض وأن يعتمد على راحتيه، وجاء الأمر
بذلك في (صحيح مسلم)) وأنه يكره بسطهما، ويوافقه خبر ((الصحيحين): ((وَلَا يَبْسُطُ
أَحَدُّ ذِرَاعَيْهِ انْبِسَاطَ الْكَلْبِ))(١).
نعم إن طول السجود فشق علیه اعتماد کفیه فله بلا کراهة وضع ساعديه على
ركبتيه لخبر: شكا أصحاب رسول الله ﴿﴿ مشقة السجود عليهم فقال: ((اسْتَعِينُوا
(١) أخرجه البخاري (٧٨٨)، ومسلم (٤٩٣)، وأبو داود (٨٩٧)، والترمذي (٢٧٦) وقال:
حسن صحيح، والنسائي (١١١٠)، وابن ماجه (٨٩٢)، وابن حبان (١٩٢٦)، والبيهقي
(٢٥٣١).

٣١٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثالث
بِالُّكَبِ))(١) رواه جماعة موصولاً.
وروي مرسلاً وهو الأصح كما قال البخاري والترمذي ومع ذلك يعمل به؛ لأنه
في الفضائل ويسن للمرأة أيضًا أن ترفع ذراعيها كذلك لكن مع ضم بعضها لبعض
کما یأتي.
(وَكَانَ يَخْتِمُ الصَّلَاةَ بِالتَّسْلِيمِ) فيه دليل واضح لما مرَّ من خبر: ((صلوا كما
رأيتموني أصلي)»(٢) على أن السلام من أركان الصّلاة وأنه لا يخرج منها بغيره
فتركه أو الخروج منها بغيره مفسد لها كما قاله أئمتنا وأكثر العلماء (رَوَاهُ
مُسْلِمْ).
٧٩٢ - [وَعَنْ أَبِي حُمَيْدِ السَّاعِدِيِّ ﴾ قَالَ فِي نَفَر مِن أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ وَلِ: أَنَا
أَحْفَظُكُمْ لِصَلَاةِ رَسُولِ اللهِ وَّةِ رَأَيْتُهُ إِذَا كَبَّرَ جَعَلَ يَدَيْهِ حِذَاءَ مَنْكِبَيْهِ، وَإِذَا رَكَعَ
أَمْكَنَ يَدَيْهِ مِنْ رُكْبَتَيْهِ، ثُمَّ يَقِصَرُ ظَهْرَهُ، فَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ اسْتَوَى حَتَّى يَعُودَ كُلُّ فَقَارٍ
مَكَانَهُ، فَإِذَا سَجَدَ وَضَعَ يَدَيْهِ غَيْرَ مُفْتَرِشِ وَلَا قَابِضِهِمَا، وَاسْتَقْبَلَ بِأَظْرَافِ أَصَابِعِ
رِجْلَيْهِ الْقِبْلَةَ، فَإِذَا جَلَسَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ جَلَسَ عَلَى رِجْلِهِ الْيُسْرَى وَنَصَبَ الْيُمْنَى، فَإِذَا
جَلَسَ فِي الرَّكْعَةِ الآخِرَةِ قَدَّمَ رِجْلَهُ الْيُسْرَى وَنَصَبَ الأُخْرَى وَقَعَدَ عَلَى مَقْعَدَتِهِ(٣). رَوَاهُ
الْبُخَارِيُّ].
(وَعَنْ أَبِي حُمَيْدِ السَّاعِدِيِّ ◌َ﴾ قَالَ) وهو (في) هي بمعنى: مع على حد (ادخلوا
في أمم﴾ [الأعراف: ٣٨] (نَفَر مِن أَصْحَابٍ رَسُولِ اللهِ وَّةُ: أَنَا أَحْفَظُكُمْ لِصَلَاةِ
رَسُولِ الله (185) كأنه أخذ ذلك من طول ملازمته 18 وقوة ضبطه وجودة حفظه
دونهم (رَأَيْتُهُ إِذَا كَبَّرَ) أي: شرع في التكبير لرواية الشيخين الآتية: ((إِنَّهُ وَّهَ كَانَ يَرْفَعُ
(١) أخرجه أبو داود (٩٠٢)، والترمذي (٢٨٦) وقال: غريب، والحاكم (٨٣٤) وقال: صحيح على
شرط مسلم، وابن حبان (١٩١٨).
(٢) تقدم تخريجه.
(٣) أخرجه البخاري (٨٢٨)، والبيهقي في («سننه» (٢٦٥١).

٣١٣
كتاب الصّلاة/ باب صفة الصلاة
يَدَيْهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ إِذَا افْتَتَحَ الصَّلَاةَ»(١).
وفي رواية للبخاري كما يأتي ((يَرْفَعُ يَدَيْهِ حَتَّى يُكَبِّرُ))(٢).
(جَعَلَ) أي: رفع كما صرحت به بقية الروايات أي: شرع في رفع (يَدَيْهِ حِذَاءَ)
أُتّ: مقابل (مَنْكِبَيْهِ) تثنية: منكب، وهو مجمع عظيم العضد والكتف، ومنه كغيره
أخذ أئمتنا وغيرهم أنه يسن للمصلي رفع يديه عند ابتداء تكبيرة الإحرام وإن صلى
مضطجعًا.
قال البخاري في ((تصنيفه)) في الرد على منكري الرفع رواه عن النبي ◌َ ◌ّ سبعة
عشر من الصحابة ولم يثبت عن أحد منهم خلافه، ومن ثم حکی فیه ابن المنذر وغيره
الإجماع وخالف فيه الزيدية وهم لا يعتد بهم في الإجماع.
وفي ((الأم): يكره تركه بل قال بعض أصحابنا: يحرم تركه لكن رد بأنه مخالف
لإجماع من قبله ورد بأن ابن سيرين وغيره من السلف سبقوه إلى القول بوجوبه عند
الركوع وغيره، وتبعه ابن حبان ذكر ما يجب من رفع اليدين عند الركوع.
ونقل ابن عبد البر عن الجندي وبعض أصحاب داود ما يوافق ذلك، وهو رواية
عن الأوزاعي واختلف أصحابنا هل شرع تعبدًا أو لحكمة، فقال بعضهم بالأول
والأصح الثاني، ونص عليه الشافعي فقال: وحكمة الرفع الإعظام لجلال الله تعالى
ورجاء ثوابه والتأسي بنبيه
وقيل: الإشارة إلى التوحيد.
وقيل: أن يراه من لا يسمع التكبير فيقتدي به.
وقيل: الاستسلام والانقياد؛ إذ السير إذا غلب من يديه علامة على استسلامه.
وقيل: الإشارة إلى طرح أمر الدنيا والإقبال بكليته على صلاته.
(١) أخرجه البخاري (٧٣٥)، وأبو داود (٧٤٢)، وأحمد (٦٣٠٧)، والدارقطني (١١٣٣)، والبيهقي في
(سننه» (٢٣٩٨).
(٢) فتقدم في سابقه بنحوه.

٣١٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثالث
وقيل: إلی رفع الحجاب بين العبد وربه.
وقيل: للجمع بين اعتقاد القلب علو كبريائه تعالى والترجمة عن ذلك باللسان
وإظهار ما يمكن إظهاره به من الأركان.
وقيل: يرفعهما ثم يكبر ويرسلهما مع آخر التكبير. رواه حميد الساعدي.
وقيل: يرفعهما ثم يكبر وهما مرفوعتان ثم يرسلهما لرواية مسلم ((إنه ◌َ﴾ رفع
يديه حذو منكبيه ثم كبر وهما كذلك)) واختاره جماعة من أئمتنا لقوة دليله؛ إذ لا
احتمال فيه بخلاف التعبير بالافتتاح، وحين يكبر في الروايتين السابقتين، فإنه يحتمل
هذا أيضًا، والحمل على المبين أولى، وقد يجاب بأنا لا ثَمَّ ننفي الاحتمال عن هذا، بل كل
محتمل، لكن المتبادر لذلك مقاربة الرفع لأول التكبير، ومن هذا سبقه عليه،
فتعارضا في ذلك، فقدم الأولان؛ لأنهما أصح على التحقيق أن الخلاف إنما هو في
الأكمل، وأمَّا أصل السنة فيحصل بكل ذلك.
تنبيه:
أصل هذا الخلاف القاعدة المشهورة وهي: إنه إذا اختلفت الروايات في أنواع
العبادات؛ فالشافعي # يسلك غالبًا طريقة الترجيح لإحداها؛ أي: حيث يقدر الجمع
بينهما، وغيره يسلك طريقة الجمع بفعلها في أوقات، ويرى أن الاختلاف في ذلك من
الأمر المباح وعليه ابن شريح من أكابر أئمتنا، ومن ذلك أيضًا أحاديث أدعية
الافتتاح والتشهد وكيفية وضع أصابع اليمنى على اليسرى فيه رجح الشافعي إحداها لما
يأتي، وأحاديث تثنية الأذان وإفراد الإقامة.
ولما نقل الماوردي قول ابن شريح في هذه إن هذا من الاختلاف المباح قال:
وهذا قول مطرح بإجماع المتقدمين على أن الخلاف في الأولى والأفضل. انتهى.
وهو كما قال إلا قوله في الأولى والأفضل فليس كما قال هنا بل هو في أصل
السنة وكذا في أحاديث سجود السهو هل هو قبل السلام أو بعده؟ وكيفيات صلاة
الخوف وغير ذلك مما مر وما يأتي، ومن ذلك أيضًا الروايات المختلفة في كيفية الرفع

٣١٥
كتاب الصّلاة/ باب صفة الصّلاة
هنا ففي الروايات السابقة وروايات أخر: ((حَذْوَ الْمَنْكِبَيْنِ))(١).
وفي أخرى: ((شَحْمَة الأُذْنَينِ))(9).
وفي أخرى: ((فُرُوعَ أَذُنَيْهِ)) (٣) أي: أعاليهما وسيأتيان، وجمع الشافعي بينهما فقال
وتبعه أصحابه: وكيفية الرفع هنا وفي سائر مواضعه الآتية أن يكون بحيث يحاذي
أطراف أصابعه على أذنيه ويحاذي إبهاماه شحمتي أذنيه ويحاذي كفاه منكبيه وهو من
محاسنه التي لم يسبق إليها.
وأخذ كثيرون من أصحابنا بقضية الرواية الأولى لكونها أصح إسنادًا
وأكثر رواة فقالوا: السنة أن يكون رؤوس أصابعه حذو منكبيه وأعرضوا عن بقية
الروايات وأطالوا في الانتظار له وأنه هو المذهب الجديد، وأخذ غيرهم برواية
حذو الأذنين وأعرضوا عن غيرها، وليس كما قالوا: كيف وفي حديث أبي داود
الآتي التصريح بذلك الجمع الذي ابتكره الشافعي فظهر مصرحًا به في الحديث،
وإعلاله بالانقطاع لا يؤثر؛ لأن المنقطع حجة في مثل ذلك إجماعًا كما قاله النووي
وغیره.
ويسن أن يوجه بطني كفيه وأصابعه إلى القبلة للإتباع وأن يكون رؤوسهما
للسماء لا ممالة للقبلة خلافًا لبعض أصحابنا وأن يكشفهما، بل يكره سترهما وأن
يفرق أصابعه، والمرأة كالرجل في الرفع المذكور، وقيل: ترفع إلى ثديها لحديث فيه،
ويرفع نحو الأقطع ساعده إن وجد وإلا فعضده ويفعل الممكن وإن زاد على المحاذاة
الشرعية أو نقص عنها، فإن أمكناه دونهما فعل الأزيد ويرفع المضطجع والمومئ
طاقته.
(١) أخرجه أحمد (٧١٧)، والترمذي (٣٤٢٣)، والنسائي (١٠٥٦)، وابن حبان (١٩٧)، والبيهقي في
(سننه)) (١٤١)، وابن خزيمة في «صحيحه» (٦٧٢).
(٢) أخرجه الطبراني في ((الكبير)) (١٧٥٤٠)، والنسائي (٨٩٠).
(٣) أخرجه البيهقي في ((سننه)) (٢٣٩٩)، والنسائي (٨٨٠)، وأحمد (٢١٠٧٧)، والطبراني في «الكبير»
(١٥٩٨١).

٣١٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثالث
(وَإِذَا رَكَعَ أَمْكَنَ يَدَيْهِ مِنْ رُكْبَتَيْهِ) أي: أمكنهما من أحدهما والقبض
عليهما، ومنه ومن غيره أخذ أئمتنا أنه يسن للراكع أن يضع راحتيه على ركبتيه،
ويسن له أيضًا أن ينصب ركبتيه ويحصل ذلك بنصب ساقيه وفخذيه إلى الحقو؛ لأن
ذلك أعود على مرِّ الظهر والعنق الذي هو سنة كما مرَّ، وأن يوجه أصابع يديه للقبلة
ولا يميلها عنها يمنة ولا يسرة لثبوته في السجود فألحقنا به هذا؛ ولأنها أشرف الجهات
وأن يبسطها ويفرقها على ساقيه للإتباع. رواه ابن حبان في ((صحيحه)) والبيهقي؛ ولأن
فيه إعمالاً لكل عضو في العبادة.
(ثُمَّ) بعد أن ركع ممكنًا ليديه كذلك (يَقصّرُ ظَهْرَهُ) أي: ثناه وعطفه إلى الأرض
تحريًا لاستواء ظهره مع عنقه الذي هو سنة كما مرَّ وحذرًا من الانخناس المانع لصحة
الركوع حيث لم تصل الراحتان إلى الركبتين إلا به، ولو اعتلت أو قصرت إحدى يديه
قبل يبسها الممكن وبالسليمة ما مرَّ أو يداه أرسلهما ولم يوصلهما ركبتيه إذا لم يفت
استواء الظهر (فَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ) من الركوع (اسْتَوَى حَتَّى يَعُودَ كُلُّ فَقَارٍ) بفتح الفاء
وهي مفاصل الصلب وأحدتها فقاره (مَكَانَهُ) وهذا من أوضح الأدلة على وجوب
الاعتدال والطمأنينة فيه، ومنه أخذ أئمتنا ضبطها في الركوع وغيره بأن يستقر أعضاؤه
في محلها بحيث ينفصل رفعه عن هومه فلا يقوم زيادة الهوى مقامها لعدم
الاستقرار.
(فَإِذَا سَجَدَ وَضَعَ يَدَيْهِ) لا ينافي هذا قول أئمتنا: الأكمل أن يضع ركبتيه
وقدميه أولاً ثم كفيه مكشوفتين؛ لأنهم استدلوا على هذا بخبر الترمذي الذي حسنه
وصححه آخرون أنه # 8# كان يفعل ذلك، فهذا مفصل وفيه زيادة؛ لأن ذاك الحديث لم
يبن فيه متى وضع الركبتين فوجب الأخذ بهذا، ولا يقدح فيه أن شريكًا القاضي فيه،
وليس بالقوي؛ لأن مسلمًا روی له فهو على شرطه.
قال الخطابي: وهو أثبت من حديث تقديم اليدين على الركبتين.
وقال غيره: حديث تقديم اليدين على الركبتين منسوخ بحديث: ((كُنَّا نَضَعُ

٣١٧
كتاب الصّلاة/ باب صفة الصلاة
الَْدَیْنِ قَبْلَ الرُّكْبَتَيْنِ، فَأُمِرْنَا بِوضْعِ الرُّكْبَتَیْنِ قَبْلَ الْتَدَیْنِ))(١) ورد بأنه ضعيف بل ورد
بسند جيد: «إِذَا سَجَدَ أَحَدُكُمْ فَلَا يَبْرُكْ كَمَا يَبْرُكُ الْبَعِيرُ، وَلْيَضَعْ يَدَيْهِ قَبْلَ
رُكْبَتَيْهِ))(٢) وبهذا الذي تقرر يعلم تكافؤ القولين لكن الأول أصح فقدم، ولذا قال
به أكثر أهل العلم.
(غَيْرَ مُفْتَرِشٍ) أي: لذراعيه لكراهته كما مرَّ بل يرفعهما مخويًا لهما عن خبيه
للحديث الآتي (وَلَا قَابِضِهِمَا) ومنه أخذ أئمتنا أنه يسن للمصلي في السجود أن ينشر
أصابع يديه ويسن أيضًا كونها للقبلة للإتباع. رواه البيهقي ومضمومة للإتباع أيضًا.
رواه البخاري إيماء، وابن حبان وصححه صريحًا ومكشوفة لخباب الآتي: «وَمُعْتَمدًا
عَلَى رَاحَتَيْهِ)) لخبر مسلم وغيره، ويسن في الأصابع ما ذكر من النشر، وما بعده في سائر
جلسات الصّلاة.
(وَاسْتَقْبَلَ بِأَطْرَافٍ أَصَابِعِ رِجْلَيْهِ الْقِبْلَةَ) فيسن ذلك عندنا، قال النووي: ولا
يحصل توجيههما للقبلة إلا أن يكون معتمدًا على بطونهما.
ونقل الإمام عن الأئمة أنه يضعها من غير تحامل عليها شاذًّا مخالف للحديث
والمذهب. انتهى.
وصرَّح غيره بأنه يسن فتحها ويسن أيضًا أن يفرق بينهما بشبر وكذا بين
الركبتين في الركوع وأن ينصبهما وأن يخرجهما من ذيله وأن يكشفهما إلا إذا كانا في
خف؛ أي: يمسح عليه (فَإِذَا جَلَسَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ) الأوليين؛ أي: عقبهما للتشهد
الأول (جَلَسَ عَلَى رِجْلِهِ الْيُسْرَى وَنَصَبَ الْيُمْنَى) وهذا هو الافتراش السابق (فَإِذَا
جَلَسَ فِي الرَّكْعَةِ الآخِرَةِ) أي: عقبها للتشهد الأخير (قَدَّمَ رِجْلَهُ الْيُسْرَى) إلى القبلة
(وَنَصَبَ) رجله (الأُخْرَى وَقَعَدَ عَلَى مَقْعَدَتِهِ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) ومن هذا أخذ الشافعي
﴾ه وأصحابه قولهم: يسن الافتراش في غير التشهد الأخير من سائر الجلسات الواجبة
(١) أخرجه البيهقي في «سننه» (٢٧٤٣)، وابن خزيمة في ((صحيحه)) (٦٢٨).
(٢) أخرجه أحمد (٨٩٤٢)، وأبو داود (٨٤٠)، والنسائي (١٠٩١)، والبيهقي (٢٤٦٥)، والدارمي (١٣٢١).

٣١٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثالث
والمندوبة للإتباع في أكثرها، وقيس عليه الباقي وهو أن يجلس على بطن يسراه
وينصب قدم يمناه موضوعة الأصابع؛ أي: بطونها على الأرض موجهة رؤوسها للقبلة
معتمدًا عليها بارزة من ذيله.
وزعم بعضهم أن الأقرب إلى ظاهر الحديث أن أطراف الأصابع تكون على
الأرض والموجه للقبلة هو ظهورها دون رؤوسها ليس في محله بل الأقرب له هو ما
قالوه، أمَّا التشهد الأخير فالسنة فيه التورك بقيده السابق وهو كالافتراش فيما ذكر في
اليمنى، وأمَّا اليسرى فإنه يخرجها من جهة يمينه ويمكن وركه من الأرض، ورواية
أبي حميد لهذين عنه وير كما تقرر صدقه عليها عشرة من كبار أصحاب رسول الله
وَلّه، ولكونه صريحًا في الفرق بين التشهدين تعين حمل رواية التورك فقط على الأخير
ورواية الافتراش فقط على الأول جمعًا بين الأحاديث، فلا حجة في الأولى لمن قال
كمالك: يسن التورك في سائر جلسات الصّلاة ولا في الثانية لمن قال كأبي حنيفة: يسن
الافتراش فيها كلها.
وإنما خولف بين الأخير وغيره في الرواية التي أخذنا بها؛ لأنها مفصلة قاضية
على إطلاق غيرها بالتخصيص كما تقرر؛ لأن ذلك أقرب لعدم اشتباه عدد الركعات؛
ولأن المسبوق إذا رأى الإمام علم في أي التشهدين هو، وخص الافتراش بما ذكر؛ لأن
المصلي مستوفي فيه للحركة بخلافه في الأخير وهي عن الافتراش أهون.
٧٩٣ - [وَعَنِ ابْنِ عُمَر - رَضِي اللهُ عَنْهُمَا - أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَّهَ كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ
حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ إِذَا افْتَتَحَ الصَّلَاةَ، وَإِذَا كَبَّرَ للرُّكُوعِ، وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ رَفَعَهُمَا
كَذَلِكَ، وَقَالَ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ رَبَّنَا وَلَكَ الْخَمْدُ، وَكَانَ لَا يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي السُّجُودِ (١).
مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ].
(وَعَنِ ابْنِ عُمَر - رَضِي اللّهُ عَنْهُمَا - أَنَّ رَسُولَ الله ◌ََّ كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ حَذْوَ
(١) أخرجه مالك (١٦٣)، والبخاري (٧٣٥)، ومسلم (٨٩١)، وأبو داود (٧٤٢)، والترمذي (٢٥٦)،
والنسائي (٨٨٦)، والبيهقي في ((سننه)) (٢٧٠٨).

٣٢١
كتاب الصّلاة/ باب صفة الصّلاة
يرضيك عنا، بناء على أن الواو عاطفة لا زائدة خلافًا للأصمعي.
فإن قلت: فيه عطف خبر على إنشاء وهو ممتنع.
قلت: جوزه جمع نحويون وغيرهم وبتقدير اعتماد ما عليه الأكثرون من
امتناعه فالخبر هنا بمعنى: إنشاء الحمد وإيجاد الإخبار بأنه موجود؛ إذ ليس فيه كبير
فائدة ولا يحصل به الامتثال لما أمرنا به من الحمد نعم فيه التفات من الغيبة إلى
الخطاب، وكان حكمته أن سمع الله لمن حمده ذكر انتقال إلى الاستواء في القيام، وربنا
لك الحمد ذكر الاستقرار فيه والقيام أفضل أركان الصّلاة، ففرق بينهما بجعل الغيبة
الدالة على بعد ما مع الفعل الدال على تصور واختصاص ببعض الأزمنة للوسيلة
والخطاب الدال على الحضور والشهود مع الجملة الاسمية الدالة على دوام الحمد وعدم
اختصاصه بزمن للمقصد إعطاء لكل ما يناسبه فتأمله.
ووقع للشارح هنا في باب القراءة ما لا يرضاه الذائق المتأمل فاجتنبه ومنه أن
ربنا متعلق بسمع الله لمن حمده، وهو عجيب لما تقرر أن سمع الله لمن حمده ذكر
الانتقال وربنا لك الحمد ذكر الاستقرار، فكيف يتعقل مع ذلك أن ربنا متعلق
بالأولى؟ وكأنه ذهل عما قاله أئمة السنة بقوله: لك الحمد ربنا والحمد لربنا؛ لأنه أتى
باللفظ والمعنى، ويسن إذا أتى بصيغة من هذه الصيغ أن يقول بعدها: حمدًا طيبًا مباركًا
فيه لما صح أنه ويه سمع رجلاً خلفه يقولها في اعتداله فقال: ((رأيت بضعة وثلاثين
ملكًا يبتدرونها أيهم يكتبها أول)).
(وَكَانَ لَا يَفْعَلُ ذَلِكَ) أي: رفع اليدين (في) الهوى إلى (السُّجُودِ) وبهذا أخذ
أئمتنا فقالوا: يسن ألَّا يرفع يديه عند أخذه في الهوى من الاعتدال إلى السجود.
وقال آخرون: يسن أخذًا برواية إثباته ويرد بأنها ضعيفة، فإن قلت: هذا من
الفضائل وهي يعمل فيها بالضعيف والإثبات مقدم على النفي كما هو مقرر في
الأصول؛ لأن مع رواته زيادة علم قلت: محل تقديم الإثبات إذا كانت الروايتان
صحيحتين وإلا قدمت الصحيحة ولو في النفي كما هنا (مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ).

٣٢٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثالث
٧٩٤ - [وَعَنْ نَافِعٍ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ إِذَا دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ كَبَّرَ وَرَفَعَ يَدَيْهِ، وَإِذَا
رَكَعَ رَفَعَ يَدَيْهِ، وَإِذَا قَالَ: سَمِعَ اللّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ رَفَعَ يَدَيْهِ، وَإِذَا قَامَ مِنَ الرَّكْعَتَبْنِ رَفَعَ
يَدَيْهِ، وَرَفَعَ ذَلِكَ ابْنُ عُمَرَ إِلَى النَّبِيِّ ◌َِ(١) . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ].
(وَعَنْ نَافِعٍ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ) رضي الله عنهما (كَانَ إِذَا دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ كَبَّرَ وَرَفَعَ
يَدَيْهِ، وَإِذَا رَكَعَ رَفَعَ يَدَيْهِ، وَإِذَا قَالَ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ رَفَعَ يَدَيْهِ، وَإِذَا قَامَ مِنَ
الرَّكْعَتَيْنِ) الأوليين بعد التشهد الأول (رَفَعَ يَدَيْهِ، وَرَفَعَ ذَلِكَ ابْنُ عُمَرَ إِلَى النَّبِيِّ وََّ)
أي: أضافه إليه؛ إذ المرفوع هو ما أضيف إليه وَ له خاصة من قول وفعل أو تقرير سواء
اتصل إسناده كما هنا أم انقطع (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) وكل ما فيه مرَّ من الأحاديث السابقة
نسبته إلى النبي ◌َّ إلا الرفع عند القيام من التشهد الأول وسيأتي فيه مثل ذلك، وبه
أخذ أئمتنا أيضًا فقالوا: يسن ذلك للإتباع الثابت في ((صحيح البخاري)) وغيره وطرقه
كثيرة صحيحة منها حديث أبي حميد الآتي الذي صدقه عليه عشرة من الصحابة.
وقد قال الشافعي # عقبه: وبه أقول فزعم الشارح أنه لم ينص على ذلك وإنما
لزم من قوله: إذا صح الحديث فهو مذهبي غفلة عن هذا، وفي بعض تلك الطرق كان
إذا قام من السجدتين رفع يديه والمراد بهما: الركعتان كما فسره بقية الروايات فحمل
الخطابي لهما على حقيقتهما ثم استشكاله لذلك غفلة عما تقرر، وقول بعض أئمتنا
انعقد الإجماع على عدم الرفع هنا ليس في حمله فقد قال به خلائق من السلف
والخلف.
٧٩٥ - [وَعَنْ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ ﴿ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَ إِذَا كَبَّرَ رَفَعَ يَدَيْهِ
حَتَّى يُحَاذِيَ بِهِمَا أُذُنَيْهِ، وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ فَقَالَ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ. فَعَلَ
مِثْلَ ذَلِكَ. وَفِي رِوَايَةٍ: حَتَّى يُحَاذِيَ بِهِمَا فُرُوعَ أَذُنَيْهِ(٢). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ].
(١) أخرجه البخاري (٧٣٩)، وأبو داود (٧٣٨)، والنسائي (١١٩٠).
(٢) أخرجه مسلم (٨٩١)، وأحمد (١٦٠٠٥)، والبيهقي في ((سننه)) (٢٣٩٩)، والطبراني في ((الكبير))
(١٥٩٨٢).