النص المفهرس
صفحات 281-300
٢٨١ کتاب الصّلاة/ باب الستر ٧٦٧ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِنَّهِ: إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلَا يَضَعْ نَعْلَيْهِ عَنْ يَمِينِهِ، وَلَا عَنْ يَسَارِهِ فَتَكُونَ عَنْ يَمِينِ غَيْرِهِ، إِلَّا أَلَّا يَكُونَ عَنْ يَسَارِهِ أَحَدُّ، وَلْيَضَعْهُمَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ. وَفِي رِوَايَةٍ: أَوْ لِيُصلِّ فِيهِمَا (١). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدٍ وَرَوَى ابْنُ مَاجَه مَعْنَاهُ]. (الفصل الثالث) ٧٦٨ - [عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ◌َ قَالَ: دَخَلتُ عَلَى النَّبِيِّ ◌َّهِ، فَرَأَيْتُهُ يُصَلِّ عَلَى حَصِيرٍ يَسْجُدُ عَلَيْهِ، قَالَ: وَرَأَيْتُهُ يُصَلِّ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ مُتَوَشّحًا بِهِ(٢). رَوَاهُ مُسْلِمٌ]. إذا أصاب الخف أو نحوه من النعل نجاسة إن كان لها جرم خفيف ومسحه بالتراب أو بالرمل مسحه على سبيل المبالغة يطهر، وكذلك بالحك وإن لم يكن لها جرم كالبول والخمر، فلا بد من الغسل بالاتفاق رطبًا كان أو يابسًا (رواه أبو داود) وسكت عليه هو والمنذري قاله ميرك (والدارمي) قال ابن حجر: سنده حسن ولا دليل فيه على أن النجاسة يكفي مسحها منهما أو من غيرهما؛ لأنه مختلف في رجاله وعلى تسليم صحته، فهو كما دل عليه السياق في طين الشارع وهو معفو عنه، ومسحه إنما هو لإذهاب قبح صورته وتقدير المسجد لا لكونه يطهره. (١) أخرجه أبو داود (٦٥٤)، والحاكم (٩٥٤)، والبيهقي (٤٠٥٨). * قال القاري: (وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله: إذا صلى أحدكم) أي: أراد أن يصلي (فلا يضع نعليه) بالجزم جواب إذا (عن يمينه ولا عن يساره) أي: من غير ضرورة لما تقدم في الحديث السابق (فتكون) بالتأنيث على الصحيح؛ أي: فتقع النعل (عن يمين غيره) قال الطيبي: هو بالنصب جوابًا للنهي؛ أي: وضعه عن يساره مع وجود غيره سبب؛ لأن تكون عن يمين صاحبه؛ يعني: وفيه نوع إهانة له وعلى المؤمن أن يحب لصاحبه ما يحب لنفسه، ويكره له ما يكره لنفسه (إلا ألا يكون عن يساره) وفي نسخة صحيحة على يساره (أحد) أي: فيضعهما عن يساره (وليضعهما بين رجليه) أي: قدامه إذا كان على يساره أحد (وفي رواية) أي: زيادة لا بدلاً، قال ابن حجر: وفي رواية: ((أي)) إذا صلى أحدكم فخلع نعليه فلا يؤذ بهما أحدًا لیجعلهما بین رجلیه. انتهى. وإنما لم يقل أو خلفه لئلا يقع قدام غيره أو لئلا يذهب خشوعه لإحتمال أن يسرق (أو ليصل فيهما) أي: إن كانا طاهرين (رواه أبو داود) وفي إسناده عبد الرحمن بن قيس، قال المنذري ويشبه أن يكون هو الزعفراني البصري كنيته أبو معاوية، ولا يحتج به. نقله ميرك عن التخريج (وروى ابن ماجه معناه). (٢) أخرجه مسلم (١١٨٧)، وأحمد (١١٨٧٧). = ٢٨٢ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثالث ٧٦٩ - [وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ وَّ يُصَلِي حَافِيًّا وَمُنْتَعِلاً(١). رَوَاهُ أَبُو دَاوُد]. ٧٧٠ - [وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ قَالَ: صَلَّى جَابِرُ فِي إِزَارٍ قَدْ عَقَدَهُ مِنْ قِبَلِ قَفَاهُ، وَثِيَابُهُ مَوْضُوعَةٌ عَلَى الْمِشْجَبِ، فَقَالَ لَهُ قَائِلُّ: تُصَلِّ فِي إِزَارٍ وَاحِدٍ؟ فَقَالَ: إِنَّمَا صَنَعْتُ ذَلِكَ لِيَرَانِي أَحْمَقُ مِثْلُكَ، وَأَيُّنَا كَانَ لَهُ تَوْبَانٍ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهَِّ(٢). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ]. عـ * قال القاري: (عن أبي سعيد الخدري قال: دخلت على النبي) وفي نسخة: على رسول الله (فرأيته يصلي على حصير) في الفائق، فيه دليل على جواز الصلاة على شيء يحول بينه وبين الأرض سواء نبت من الأرض أم لا، قلت: لا دلالة فيه على العموم. وقال القاضي عياض: الصلاة على الأرض أفضل إلا لحاجة كحر أو برد أو نجاسة. وفي ((شرح المنية)) الصلاة على الأرض وما أنبتته الأرض كالحصير أفضل؛ لأنه أقرب إلى التواضع، وفيه خروج عن خلاف الإمام مالك، فإن عنده يكره السجود على ما ليس من جنس الأرض (يسجد عليه) بدل بعض من كل ((من يصلي)) (قال: ورأيته يصلي في ثوب واحد متوشحًا به) أي: واضعًا طرفيه على عاتقيه (رواه مسلم). (١) أخرجه أبو داود (٦٥٣)، وابن ماجه (١٠٩١)، والبيهقي في ((سننه)) (٤٤٢٩). * قال القاري: (وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: رأيت رسول الله يصلي حافيًا﴾ أي: تارة (ومنتعلاً) أي: أخرى من الانتعال، وفي نسخة صحيحة: متنعلاً من التنعل (رواه أبو داود). (٢) أخرجه البخاري (٣٥٢). * قال القاري: (وعن محمد بن المنكدر) من أكابر التابعين وكان مستجاب الدعوة (قال: صلى) أي: بنا كما في نسخة (جابر في إزار قد عقده من قبل قفاه وثيابه) الواو للحال (موضوعة على المشجب) بكسر الميم، وفتح الجيم عيدان يضم رؤوسها ويفرج بين قوائمها ويوضع عليها الثياب لتنجر كذا في ((النهاية)) (فقال له قائل: تصلي في إزار واحد؟) همزة الإنكار محذوفة أنكره إنكارًا بليغًا كأنه قيل: قد صحبت النبي وما شعرت بسنته فتصلي في ثوب واحد وثيابك موضوعة على المشجب فلذلك زجره وسماه أحمق. (فقال: إنما صنعت ذلك ليراني أحمق مثلك) فيعلم أنه جائز. وقال الأبهري: المراد بالأحمق الجاهل، والحمق وضع الشيء في غير موضعه مع العلم. قاله في ((النهاية)) (وأينا) أي: كيف تنكر ذلك رؤينا (كان له ثوبان على عهد رسول الله) وفي نسخة النبي في الفائق أجمعوا على أن الصلاة في الثوبين أفضل، فلو أوجبناه لعجز من لا يقدر عليهما وفي ذلك حرج، وأما صلاة النبي وأصحابه في ثوب واحد ففي وقت كان لعدم ثوب آخر، وفي وقت كان مع وجوده لبيان الجواز نقله الطيبي، قلت: وفي وقت للمسامحة في صلاة النفل (رواه البخاري) قال ميرك وأخرج البخاري أيضًا من طريق سعيد بن المسيب. - ٢٨٣ کتاب الصّلاة/ باب الستر ٧٧١ - [وَعَنْ أُبَيِ بْنِ كَعْبٍ ﴾ قَالَ: الصَّلَاةُ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ سُنَّةٌ، كُنَّا نَفْعَلُهُ مَعَ رَسُولِ اللهِ وَ﴿ وَلَا يُعَابُ عَلَيْنَا، فَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: إِنَّمَا كَانَ ذَاكَ إِذْ كَانَ فِي الّيَابِ قِلَّةُ، فَأَمَّا إِذْ وَسَّعَ اللّهُ فَالصَّلَاةُ فِي التَّوْبَيْنِ أَزْكَى (١). رَوَاهُ أَحْمَدُ]. وعن أبي هريرة أن سائلاً سأل رسول الله عن الصلاة في ثوب واحد فقال رسول الله: أو لكلكم ثوبان، قال الخطابي لفظه استخبار، ومعناه إخبار عما هم عليه من قلة الثياب، وحاصل معناه أنكم علمتم اتحاد أثوابنا ووجوب التستر، فلم لم تعلموا جواز الصلاة فيه. (١) أخرجه أحمد (٢١٨٧٩). * قال القاري: (وعن أبي بن كعب قال: الصلاة في الثوب الواحد سنة) أي: جائز بالسنة، وإن كانت في الثوبين أفضل كما يأتي عن ابن مسعود فلا تنافي بينهما (كنا نفعله) أي: ما ذكر من الصلاة في الثوب الواحد (مع رسول الله) أي: مع فعله أو حال كوننا معه، ويؤيد الثاني قوله: (ولا يعاب علينا) أي: وما نهانا فيكون تقريرًا نبويًّا فثبت جوازه بالسنة؛ إذ عدم الإنكار دليل الجواز لا دليل الندب (فقال ابن مسعود: إنما كان ذاك) أي: المذكور من الصلاة في الثوب الواحد من غير كراهة إذا كان، وفي نسخة: إذا كان (في الثياب قلة) أي: في وقت كون الثياب قليلة (فأما إذا) وفي نسخة ((إذ)) (وسع الله) بتكثير الثياب شرطية جزاؤها (فالصلاة في الثوبين) أي: الإزار والرداء (أزكى) أي: أولى؛ لأنه أقرب إلى الأدب في حضور المولى. وقال الطيبي: أي: أطهر أو أفضل؛ لأن الزكاة النمو الحاصل عن بركة الله تعالى، أو طهارة النفس عن الخصال الذميمة، وكلا المعنيين محتمل في الحديث، أما الفضل فظاهر، وأما التزكية فإن المصلي لا يأمن إذا صلى في ثوب واحد من كشف عورته بهبوب ريح أو حل العقد أو غیرهما بخلاف الشوبین. انتهى. وتبعه ابن حجر قلت: وفي تعليله نظر؛ إذ لا يختلف ما ذكر في الإزار أن يكون معه رداء أم لا فالأولى أن يقال: أزكى بمعنى أنمى؛ أي: أكثر ثوابًا أو بمعنى أظهر؛ لأنه أبعد من الخصلة الذميمة التي هي أداء الصلاة على وجه الكراهة. وفي خبر البيهقي: ((إذا صلى أحدكم فليلبس ثوبيه، فإنّ الله أحق أن يتزين له، فإن لم يكن له ثوبان فليتزر إذا صلى)). وروي أنه وال﴾ قال: («صلاة بعمامة أفضل من سبعين صلاة بغير عمامة)) كذا نقله ابن حجر عن ابن الرفعة، لكن قال ابن الربيع: ((صلاة بخاتم تعدل سبعين بغير خاتم)) موضوع كما قاله شيخنا عن شيخه وكذا ما أورده الديلمي من حديث ابن عمر مرفوعًا: «صلاة بعمامة تعدل بخمس وعشرين صلاة، وجمعة بعمامة تعدل سبعين جمعة)) ومن حديث أنس مرفوعًا: ((الصلاة في العمامة بعشرة)). انتهى. قال المنوفي: فذلك كله باطل نقله الخطابي والله أعلم بالصواب (رواه أحمد). (باب السترة) (الفصل الأول) ٧٧٢ - [عَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِي اللهُ عَنهُمَا - قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ◌َه يَغْدُو إِلَى الْمُصَلَّى وَالْعَنَزَةُ بَيْنَ يَدَيْهِ، تُحْمَلُ وَتُنْصَبُ بِالْمُصَلَّ بَيْنَ يَدَيْهِ فَيُصَلِّ إِلَيْهَا (١). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ]. ٧٧٣ - [وَعَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ ﴾ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ الله ◌َّهِ بِمَگّة وَهْوَ بِالأَبْطَجِ فِي قُبَّةٍ حَمْرَاءَ مِنْ أَدٍَ، وَرَأَيْتُ بِلَالاً أَخَذَ وَضُوءَ رَسُولِ الله ◌َِّ، وَرَأَيْتُ النَّاسَ يَبْتَدِرُونَ ذَلِكَ الْوَضُوءَ، فَمَنْ أَصَابَ مِنْهُ شَيْئًا تَمَسَّحَ بِهِ، وَمَنْ لَمْ يُصِبْ مِنْهُ أَخَذَ مِنْ بَلَلِ يَدِ صَاحِبِهِ، ثُمَّ رَأَيْتُ بِلَالاً أَخَذَ عَنَزَةً فَرَكَزَهَا، وَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ وَهُ فِي حُلَّةٍ حَمْرَاءَ مُشَمِّرًا، صَلَّى إِلَى الْعَنَزَةِ بِالنَّاسِ رَكْعَتَيْنِ، وَرَأَيْتُ النَّاسَ وَالدَّوَابَّ يَمُرُّونَ مِنْ بَيْنِ يَدَيٍ الْعَنَزَةِ(٢) مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ]. (١) أخرجه البخاري (٩٧٣). * قال القاري: (عن ابن عمر قال: كان النبي يغدو إلى المصلى) أي: مصلى العيد (والعنزة) وهي بفتحتين أطول من العصا، وأقصر من الرمح، وفيها سنان كسنان الرمح، وقيل: رمح قصير، وقيل: هي مثل نصل الرمح (بين يديه تحمل وتنصب) أي: تغرز (بالمصلى بين يديه) أي: قدامه؟ أي: قبالة أحد حاجبيه لا بين عينيه (فيصلي إليها) قال ابن الملك: وهذا يدل على أن المصلي ينبغي أن يبين موضع صلاته بسجادة أو يقف قريبًا من اسطوانة المسجد أو يغرز عصا أو يخط خطًا مثل شكل المحراب. انتهى. وقيل: من جهة يمينه إلى الشمال، وقيل: الخط لا يجزئه عن السترة (رواه البخاري) وروى الحاكم وصححه على شرط مسلم أنه ري قال: ((يجزئ من السترة مثل مؤخرة الرحل)). وقال: ((استتروا في صلاتكم ولو بسهم)). (٢) أخرجه البخاري (٣٧٦)، ومسلم (١١٤٨)، وأبو داود (٥٢٠)، والطبراني في (الكبير)) (١٧٧٦٧). * قال القاري: (وعن أبي حجيفة) هو وهب بن عبد الله السوائي بضم السين والمد (قال: رأيت رسول الله بمكة وهو بالأبطح) بفتح الهمزة محل أعلى من المعلى إلى جهة منى، وهو في اللغة مسيل واسع فيه دقاق الحصا والبطيحة والبطحاء مثله صار علمًا للمسيل الذي ينتهي إليه السيل من وادي منى، وهو الموضع الذي يسمى محصبًا أيضًا (في قبة حمراء من أدم) بفتحتين - - ٢٨٤ - ٢٨٥ كتاب الصّلاة/ باب السترة = جمع أديم؛ أي: جلد (ورأيت بلالاً أخذ وضوء رسول الله) بفتح الواو، بقية الماء الذي توضأ به رسول الله أو ما فضل من أعضائه في الوضوء (ورأيت الناس يبتدرون) أي: يتسابقون (ذلك الوضوء) أي: إلى أخذ ماء وضوئه (فمن أصاب) أي: أخذ (منه) أي: من بلال (شيئًا) من الماء أو صادف، ووجد من ذلك الماء شيئًا قليلاً وقدرًا يسيرًا (تمسح به) أي: مسح به وجهه وأعضاءه لينال بركته ◌َ﴾ (ومن لم يصب منه) أي: من بلل يد بلال (أخذ من بلل يد صاحبه) قيل: هذا يدل على أن الماء المستعمل طاهر هذا من خصائصه، ولذا حجمه أبو طيبة فشرب دمه نقله ابن الملك. قلت: يحتمل الحديث أن يكون المراد من الماء، الماء المستعمل أو فضلة ماء الوضوء فمع الاحتمال لا يصلح للاستدلال مع أن الصحيح في المذهب طهارة الماء المستعمل. وقال الإمام مالك بطهوريته، وأغرب ابن حجر حيث فسر الوضوء ببقية الماء، ثم قال: وفي هذا أظهر دليل على طهارة الماء المستعمل. (ثم رأيت بلالاً أخذ عنزة فركزها) أي: غرزها (وخرج رسول الله في حلة) هي بضم الحاء إزار ورداء ولا يسمى حلة حتى يكون ثوبين في ((النهاية) جاء في الحديث: ((إنه رأى رجلاً عليه حلة قد اتزر بأحدهما، وارتدى بالآخرة) نقله الطيبي (حمراء) أي: فيها خطوط حمر، ولعلها كانت من البرود اليمانية، قال المظهر: قد نهى رسول الله عن لبس المعصفر وكره لهم الحمرة في اللباس، وكان ذلك منصرفًا إلى ما صبغ بعد النسج ذكره الطيبي. قال ابن الملك قيل: تأويله أنه لم تكن تلك الحلة حمراء جميعها، بل كان فيها خطوط حمر؛ لأن الثوب الأحمر من غير أن يكون فيه لون آخر مكروه للرجال لما فيه من المشابهة بالنساء، وقال ابن حجر: فيه أظهر دليل لمذهبنا أنه يجوز لبس الأحمر الصرف، وإن كان قانيا لكنه مكروه للخلاف في تحريمه، وإنما أخذ كثيرون من أئمتنا من الأحاديث حرمة لبس المعصفر والمزعفر لما فيه من التشبه بالنساء، ولا فرق فيما ذكر بين ما صبغ قبل النسج وبعده خلافًا لمن فرق. (مشمرًا) أي: مسرعًا، والتشمير ضم الذيل، ورفعه للغدو، ويقال: فلان شمر عن ساقه وتشمر في أمره؛ أي: خف. وقال ابن حجر: أي: رافعًا ثيابه إلى نحو نصف ساقيه، وفيه أن ثيابه ما كانت طويلة حتى يرفعها، وقد ثبت في ((الشمائل)) وغيرها أن إزاره كان إلى نصف ساقيه (صلى إلى العنزة بالناس) أي: إمامًا بهم (ركعتين) إما صلاة الصبح أو غيرها من الرباعية؛ لأنه كان مسافرًا (ورأيت الناس والدواب) في العطف مناسبة معنوية (يمرون) فيه تغليب للعقلاء (بين يدي العنزة) أي: وراءها، والحال أنه يصلي قال ابن حجر: يحتمل أنهم كانوا يمرون بينه وبينها فيوافق ما يأتي أن الصلاة لا يبطلها مرور شيء، ويحتمل أنهم كانوا يمرون أمامها، والظاهر الأول؛ إذ هو الذي يحتاج الراوي إلى التنبيه عليه، وأما الثاني فليس في ذكره كبير فائدة. انتهى. - ٢٨٦ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثالث ٧٧٤ - [وَعَنْ نَافِعِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِي اللّهُ عَنْهُمَا - أَنَّ النَّبِيَّ ◌َهِ كَانَ يُعَرِّضُ رَاحِلَتَهُ فَيُصَلِّ إِلَيْهَا. مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ. وَزَادَ الْبُخَارِيُّ: قُلْتُ: أَفَرَأَيْتَ إِذَا هَبَّتِ الرِّكَابُ؟ قَالَ: كَانَ يَأْخُذُ الرَّحْلَ فَيُعَدِّلُهُ فَيُصَلِّيّ إِلَى آخِرَتِهِ(١)]. مكـ : وفيه أن فائدته العلم بأن المرور من وراء السترة جائز ولا يقطع الصلاة، وإلا فلا فائدة في غرز العنزة إذا كان الناس يمرون بينه وبينها، بل يكون عبئًا محضًا، سيما ولم يذكر الراوي منعهم من المرور لا باليد ولا بالتسبيح كما هو مقرر في محله، وقد قال العلماء: والمعنى في طلب السترة منعها لمن مرَّ بين يديه وشغله عما هو مطلوب منه من الخشوع والخضوع والحضور والمراقبة، وسيأتي حديث: ((إذا وضع أحدكم بين يديه سترة، فليصلِّ ولا يبالِ من مرَّ وراء ذلك)) (متفق عليه) قال ميرك: ولفظه للبخاري. (١) أخرجه البخاري (٥٠٧)، ومسلم (١١٤٥)، وأحمد (٦٤٠٨)، وأبو عوانة في ((مستخرجه)) (١١١٨). * قال القاري: (وعن نافع عن ابن عمر أن النبي كان يعرض راحلته) قال التوربشتي: أي: ينيخها بالعرض بينه وبين القبلة حتى تكون معترضة بينه وبين من مر بين يديه من عرض العود على الإناء يعرض بضم الراء وكسرها وضعه عرضًا، وقال ميرك: هو بفتح الياء وكسر الراء وروي بضم الياء وتشديد الراء ومعناه يجعلها معترضة بينه وبين القبلة كذا قاله النووي في (شرح مسلم)) (فيصلي إليها) أي: إلى راحلته (متفق عليه، وزاد البخاري) أي: عن نافع على ما قاله ابن الملك وابن حجر (قلت) لابن عمر: (أفرأيت) أي: أخبرني ظاهره أنه من كلام نافع والمسؤول ابن عمر، لكن بين الإسماعيلي من طريق عبيدة بن حميد عن عبيد الله بن عمر عن نافع أنه من كلام عبيد الله، والمسؤول نافع فعلى هذا هو مرسل؛ لأن فاعل يأخذ هو النبي ولم يدركه نافع، كذا أفاده الشيخ ابن حجر في شرحه للبخاري، كذا نقله السيد جمال الدين وقال: نجله ميرك شاه فعلى هذا إيراد محبي السنة، وصاحب المشكاة ليس بسديد؛ لأنهما ذكرا في كتابيهما كلامًا لم يذكر قائله فيهما مع أنه يوهم خلاف الواقع. انتهى. ولذا وقع فيهما الشارحان المتقدمان (إذا هبت) أي: قامت للسير (الركاب) أي: الإبل يسير عليها الراكب الواحد راحلة لا واحد لها من لفظها؛ أي: أخبرني كيف كان يفعل عند ذهاب الرواحل إلى المرعى وإلى؛ أي: شيء كان يصلي، وفي ((القاموس)) الهب والهبوب ثوران الريح، والإنتباه من النوم ونشاط كل سائر وسرعته، وقول ابن حجر: استعمال الهبوب في الذهاب مجاز نشأ عن غفلة من الحقيقة. (قال: كان يأخذ الرحل فيعدله) بالتشديد، وفي نسخة بالتخفيف مع فتح الياء، قال ميرك: = ٢٨٧ كتاب الصّلاة/ باب السترة ٧٧٥ - [وَعَنْ طَلْحَةَ بْن عُبَيد الله قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ﴿: إِذَا وَضَعَ أَحَدُكُمْ بَيْنَ يَدَيْهِ مِثْلَ مُؤْخِرَةِ الرَّحْلِ فَلْيُصَلِّ وَلَا يُبَالِ مَنْ مَرَّ وَرَاءَ ذَلِكَ(١). رَوَاهُ مُسْلِمُ]. = بتشديد الدال؛ أي: يسويه ويقومه كذا قاله: شراح المصابيح، وقال الشيخ ابن حجر: يعدله بفتح الياء وسكون العين وكسر الدال؛ أي: يقيمه تلقاء وجهه ويجوز التشديد. انتهى. (فيصلي إلى آخرته) بالمد وكسر الخاء، وفي نسخة بفتحات بلا مد ورجحها العسقلاني، وقال: ويجوز المد؛ أي: خلف الرحل، وهو ما يستند إليه الراكب، قال ابن حجر: وينافي هذا قول الشافعي ولا يستتر بامرأة ولا دابة، وجرى عليه في التتمة، لكن بزيادة فقال: لا يستحب له أن يستتر بآدمي أو حيوان لشبهه بعبادة عابدي الأصنام، لكن في (الصحيحين)) أنه وال* كان يصلي إلى راحلته. انتهى. ومن ثم قال النووي: ما قاله في المرأة ظاهر؛ لأنها ربما شغلته، وأما الدابة فقد ثبت أنه لو كان يعرض راحلته، ويصلي إليها وكان ابن عمر يفعله فلعله لم يبلغ الشافعي ومذهبه اتباع الحديث، فتعين العمل به؛ إذ لا معارض له. انتهى. وفيه أنه إذا لم يكن له معارض فمن أين له النهي والتشبه بعبدة الصنم مدفوع، فإنه إنما يكون في صورة المقابلة بالوجه، ولذا ضرب عمر بالدرة على مثل ذلك، ولا يظهر تعليل ما قاله في المرأة، أنها ربما شغلته؛ لأن العلة مشتركة؛ ولأنه 24* كان يصلي، وعائشة معترضة بينه، وبين القبلة وتخصيص الكراهة بالمستيقظ يحتاج إلى دليل، وتقييد إطلاق كلام الشافعي على غير البعير المعقول في غير المعاطن في غاية من البعد، وأبعد من هذا كلام الأذرعي لعل مراده إذا خشي بول الدابة أو نفورها فيتنجس أو يتشوش وأغرب من هذا كلام ابن حجر، ومنه يؤخذ أن كل ما كره استقباله كجدار مزوق أو نجس لا يحصل التستر به، فلا يحرم المرور فإن الراحلة لا تخلو عن نجاسة كما لا يخفى. (١) أخرجه ابن أبي شيبة (٢٨٤٤)، ومسلم (٤٩٩)، والترمذي (٣٣٥). * قال القاري: (وعن طلحة بن عبيد الله قال: قال رسول الله: إذا وضع أحدكم بين يديه) يعني: سترة (مثل مؤخرة الرحل) بضم الميم، وسكون الهمزة وكسر الخاء وتفتح، وفي نسخة صحيحة بفتح الهمزة وتشديد الخاء المفتوحة وتكسر. قال في ((النهاية)): آخرة الرحل بالمد: الخشبة التي يستند إليها الراكب، ومؤخرته بهمزة ساكنة لغة قليلة أنكرها بعضهم ولا تشدد. انتهى. وقوله: (لغة قليلة أنكرها بعضهم)) منكر؛ لأنها لغة مشهورة وقراءة متواترة وهو الأصل فيها، وإنما أبدل في مثلها ورش والسوسي مطلقًا وحمزة وقفًا، اللَّهُمَّ إلا أن يقال: المنكر مؤخرة مع قطع النظر عن قيدها، وفي ((القاموس)»: مؤخر ومؤخرة وتكسر خاؤهما مخففة ومشددة، - ٢٨٨ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثالث ٧٧٦ - [وَعَنْ أَبِي جُهَيْمٍ عَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلَ: لَوْ يَعْلَمُ الْمَارُّ بَيْنَ يَدَىٍ الْمُصَلِّ مَاذَا عَلَيْهِ لَكَانَ أَنْ يَقِفَ أَرْبَعِينَ خَيْرًا لَهُ مِنْ أَنْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ. قَالَ أَبُو النَّصْرِ: لَا أَدْرِي قَالَ: أَرْبَعِينَ يَوْمًا أَوْ شَهْرًا أَوْ سَنَةً(١). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ]. = وفي ((المغرب)): هي الخشبة العريضة التي تحاذى رأس الراكب. (فليصل) أي: صلاة كاملة (ولا يبال) أي: في قطع خشوعه (من) أي: بمن أو ممن (مر وراء ذلك) من المرأة ونحوها، ولا يدفع بالإشارة ونحوها، وجوَّز أن يكون من فاعلاً؛ أي: ولا يأثم من مرَّ وراء ذلك من إنس أو جن أو دابة، ففي من نوع تغليب (رواه مسلم). (١) أخرجه مالك (٣٦٦)، والبخاري (٥١٠)، ومسلم (١١٦٠)، وأبو داود (٧٠١)، والترمذي (٣٣٧)، والنسائي (٧٦٤)، وأحمد (١٨٠٠٣)، والدارمي (١٤٦٨)، والبيهقي في (سننه)) (٣٥٨٦). * قال القاري: (وعن أبي جهيم) بالتصغير، قيل: هو عبد الله بن جهيم، وقيل: عبد الله بن الحرث بن الصمة الأنصاري (قال: قال رسول الله: لو يعلم المار) أي: قاصد المرور ومریده (بین يدي المصلي) ظرف المار (ماذا) أي: أي شيء (عليه) من الإثم بسبب مروره بین یدیه سد مسد المفعولين ليعلم، وقد علق عمله بالاستفهام، ولعل حكمة إبهامه الدلالة على عظمة ذلك الإثم، وأنه واصل إلى ما لا يقدر قدره كقوله تعالى: ﴿فَغَشِيَهُم مِّنَ اليَّمِّ مَا غَشِيَهُمْ﴾ [طه: ٧٨] وفي رواية للبخاري: ماذا عليه من الإثم (لكان أن يقف أربعين خيرًا له من أن يمر بين يديه) قال العلامة الكرماني: جواب (لو)) ليس هذا المذكور بل التقدير لو يعلم ماذا عليه لوقف أربعين، ولو وقف أربعين لكان خيرًا له، قال: وأبهم العدد تفخيمًا للأمر وتعظيمًا، وقال ابن حجر: معناه لو فرض أن في المرور بين يدي المصلي خيرًا لكان الوقوف أربعين سنة خيرًا من المرور بين يديه. انتهى. وما أبعده عن المرمى؛ إذ على تقدير تقديره لا وجه للتقييد بأربعين وغيره أصلاً، وتفوت المبالغة المطلوبة، بل يفسد المعنى على مذهبه الذي يعتبر فيه المفهوم، وأغرب من هذا أنه مع هذا قال: واستفيد منه حرمة المرور بين يدي المصلي، بل أقول: لا يصح هذا التقدير من أصله؛ إذ ينحل الكلام إلى أنه لو سلم فرض كون علم المار بين يدي المصلي، ماذا عليه من الإثم خيرًا لكان ... إلخ، وهو ظاهر البطلان والله المستعان. (قال أبو النضر: لا أدري، قال) أي: أبو جهيم (أربعين يومًا أو شهرًا أو سنة) قال التوربشتي: قال الطحاوي: المراد أربعون سنة لا يومًا ولا شهرًا. نقله الطيبي، وقال الشيخ ابن حجر: ظاهر السياق أنه عين المعدود لكن الراوي تردد فيه. قال الكرماني: تخصيص الأربعين بالذكر لكون كمال طور الإنسان بأربعين كالنطفة والمضغة والعلقة وكذا بلوغ الأشد ويحتمل غير ذلك. قال = ٢٨٩ كتاب الصلاة/ باب السترة ٧٧٧ - [وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ﴾: إِذَا صَلَى أَحَدُكُمْ إِلَى شَيْءٍ يَسْتُرُهُ مِنَ النَّاسِ، فَأَرَادَ أَحَدُّ أَنْ يَجْتَازَ بَيْنَ يَدَيْهِ فَلْيَدْفَعْهُ، فَإِنْ أَبَى فَلْيُقَاتِلْهُ فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانُ(١). هَذَا لَفْظ البُخَارِيِّ وِلمُسْلِم مَعْنَاه]. - الشيخ ابن حجر: وما رواه ابن ماجه وابن حبان من حديث أبي هريرة: «لكان أن يقف مائة عام خيرًا له من الخطوة التي خطاها)) مشعر بأن إطلاق الأربعين للمبالغة في تعظيم الأمر لا لخصوص العدد المعين، والله أعلم. نقله میرك شاه. (متفق عليه) قال ميرك: ورواه الأربعة، ورواه البزار ولفظه: ((سمعت رسول الله ( 8) يقول: لو يعلم المار بين يدي المصلي ماذا عليه لكان لأن يقوم أربعين خريفًا خيرًا له من أن يمر بين يديه)) رجاله رجال الصحيح، قال الترمذي: وقد روي عن أنس أنه قال: ((لأن يقف أحدكم مائة عام خير له من أن يمر بين يدي أخيه وهو يصلي)) كذا ذكره المنذري. قال الطحاوي في (مشكل الآثار): إن المراد أربعين سنة، واستدل بحديث أبي هريرة مرفوعًا: ((لو يعلم الذي يمر بين يدي أخيه معترضًا وهو يناجي ربه، حينئذٍ لكان أن يقف مكانه مائة عام خيرًا من الخطوة التي خطاها)». ثم قال هذا الحديث: متأخر عن حديث أبي جهيم؛ لأن فيه زيادة الوعيد، وذلك لا يكون إلا بعد ما أوعدهم بالتخفيف. كذا نقله ابن الملك. وفي ((شرح السنة)»: إنما يكره المرور بين يدي المصلي إذا لم يكن عنده حائل نحو السترة، فإنه لا يكره المرور من وراء الحائل، وأيضا إنما يكره المرور عند عدم الحائل إذا مر في موضع سجوده، وهو الأصح، وهو مختار السرخسي، وفي ((النهاية)): الأصح أنه لو صلى صلاة الخاشعين بأن يكون بصره حال قيامه إلى موضع سجوده لا يقع بصره على المار لا يكره، وهو مختار فخر الإسلام، وقيل: هذا في الصحراء أما في المسجد الصغير فيكره مطلقًا، وأما الكبير فقيل: هو كالصغير، وقيل: كالصحراء ورجح ابن الهمام ما ذكره في ((النهاية)) من غير تفصيل بين المسجد وغيره، والله أعلم. (١) أخرجه البخاري (٤٨٧)، ومسلم (٥٠٥)، وأبو داود (٧٠٠)، وأحمد (١١٩٢٢)، والنسائي (٤٨٦٢). * قال القاري: (وعن أبي سعيد قال: قال رسول الله: إذا صلى أحدكم إلى شيء) أي من الأشياء المذكورة فيما تقدم (يستره من الناس) أي: في الجملة، أو يستر حاله ونظره ويبعده منهم، ويميزه بالصلاة لهم (فأراد أحد أن يجتاز) من الجواز؛ أي: يعبر ويمر ويتجاوز (بين يديه) أي: بينه وبين السترة (فليدفعه) أي: ندبًا، وقيل: وجوبًا بالإشارة، أو وضع اليد على نحره. وفي ((شرح المنية)): ويدرأ المار إذا أراد أن يمر في موضع سجوده، أو بينه وبين الستر بالإشارة أو التسبيح لا بهما معًا. انتهى. وقد نقل القاضي عياض الاتفاق على أنه لا يحل له العمل الكثير في مدافعته، = ٢٩٠ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثالث = ثم ظاهر الحدیث دفع المار مطلقًا من غیر استثناء مجنون وصبي، ویؤیده حديث ابن ماجه ولو قيل بضعفه عن أم سلمة قالت: ((صلى رسول الله﴾ في حجرتي فمرَّ بين يديه عبد الله أو عمر بن أبي سلمة، فقال بيده فرجع، ثم مرت زينب بنت أبي سلمة فقال بيده هكذا فمضت، فلما فرغ قال: هي أغلب)) وفي رواية: هن أغلب. (فإن أبى) أي: امتنع (فليقاتله) أي: فليدفعه بالقهر، ولا يجوز قتله كذا قاله بعض علمائنا، وقال ابن حجر: فإن أبى إلا بقتله فليقاتل، وإن أفضى إلى قتله إياه، ومن ثم جاء في رواية: ((فإن أبى فليقتله)). قال ابن الملك: فإن قتله عملاً بظاهر الحديث ففي العمد القصاص وفي الخطأ الدية. قال: وهذا إذا أراد المرور بينه وبين السترة، وإن لم يكن بين يديه سترة فليس له الدفع؛ لأن التفريط منه بتركها، وفيه دليل على أن العمل اليسير لا يبطل الصلاة. انتهى. وقال القاضي عياض: فإن دفعه بما يجوز فهلك فلا قود عليه باتفاق العلماء، وهل تجب الدية أو يكون هدرًا فيه مذهبان للعلماء، وهما قولان في مذهب مالك. نقله الطيبي. (فإنما هو شيطان) من شياطين الإنس أو الجن، أو فعله فعل شيطان لأنه يشوش المصلي. قال الخطابي: معناه أن الشيطان حمله عليه أو هو شيطان؛ لأن الشيطان هو مارد من الجن والإنس (هذا لفظ البخاري) ورواه أبو داود. قاله ميرك شاه (ولمسلم معناه). واختلف فيما لو لم يجد طريقًا سوى ما بين يدي المصلي، والظاهر جواز دفعه؛ لدفع أبي سعيد الخدري لمن أراد أن يمر بين يديه المرة بعد المرة مع أنه لم يجد طريقًا، فلما عوتب روى الحديث المذكور لكن هذا الخلاف حيث لم يقصر المصلي بقارعة الطريق، فإنه حينئذٍ حل المرور بين يديه لتقصيره حتى جوزوا له المرور إلى الفرجة بين يدي الصف الثاني لتقصيرهم بتركها، وهذا الحكم عام يشمل المسجد الحرام وداخل الكعبة، وأما قول ابن حجر: ونحو الشارع وباب المسجد والدرب الضيق المحل الذي يغلب مرور الناس فيه في وقت تلك الصلاة، ولو في المسجد كما هو ظاهر فليس بظاهر كما لا يخفى؛ لأن المسجد محل العبادة، ويختص بمن سبق إليه، فليس لأحد أن يتعدى عليه، وأما الشارع فموضوع لمرور العامة ويختص بمن يمر، ولا يجوز التعدي عليه في مروره بدفعه ومنعه وأمره بالوقوف ونحوه، ولذا قيل: أول بدعة أحدثت الطريق الطريق، وفي معناه ظهرك وحاشاك، فإذا صلى فيه أحد فتعدى عليهم بمنع المرور فلا حرمة له حينئذٍ، فالفرق ظاهر مبطل لقياسه، ثم قال: فعلم أن الكعبة تكون سترة لمن صلى إليها في وقت فيه طواف الناس جدًّا بخلاف ما يكثر فيه ازدحامهم كالصلاة في الطريق، وعليه تحمل الأحاديث المصرحة بجواز المرور بين يديه. انتهى، وفيه بحث؛ لأنه إن كان هذا بالقياس على الصلاة في الطريق كما ذكره، فهو قياس باطل كما سبق، وإن كان بالأحاديث = ٢٩١ كتاب الصّلاة/ باب السترة ٧٧٨ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴿ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّةَ: يَقْطَعُ الصَّلاَةَ الْمَرْأَةُ وَالْحِمَارُ وَالْكَلْبُ، وَيَقِي ذَلِكَ مِثْلُ مُؤْخِرَةِ الرَّحْلِ(١). رَوَاهُ مُسْلِمُ]. ٧٧٩ - [وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالتْ: كَانَ النَّبِيُّ ◌َّهُ يُصَلِّ مِنَ اللَّيْلِ وَأَنَا مُعْتَرِضَةُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ كَاعْتِرَاضِ الْجِنَازَةِ(٢). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ]. = المخصصة لعموم أحاديث الباب، فهو مسلم لكن يحتاج إلى ذكر تلك الأحاديث لينظر فيها إسنادًا أو متنا، لفظًا ومعنى، والله أعلم. (١) أخرجه مسلم (١١٦٧). * قال القاري: (وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله: تقطع) بالتأنيث، ويجوز التذكير (الصلاة) أي: حضورها وكمالها، وقد يؤدي إلى قطع الصلاة، وفيه مبالغة في الحث على نصب السترة (المرأة والحمار والكلب) ووجه تخصيصها مفوض إلى رأي الشارع، والله أعلم. قال ميرك نقلاً عن ((الأزهار): المراد بقطعها بهذه الأشياء شغلها قلب المصلي عن الخضوع والحضور، ولسانه عن التلاوة والذكر، وبدنه عن محافظة ما يجب من أمر الصلاة، لا بطلانها بدليل الأحاديث الثلاثة بعده وعليه الأكثر، وذهب بعضهم إلى قطعها بهذه الأشياء، وبعضهم بالحائض والكلب الأسود (ويقي) أي: يحفظ (ذلك القطع مثل مؤخرة الرحل) وفيها أربع لغات تقدمت، ومعناه العود الذي في آخر الرحل. (رواه مسلم) قال ابن حجر: وهو مقيد لرواية إطلاق قطع هذه الثلاثة لها لكنه مقيد للكلب بكونه أسود، وفيها أنه ## سئل عن سبب اختصاصه بذلك، فقال: (لأنه شيطان)) والحاصل أن الصلاة لا تبطل عندنا وعند كافة العلماء إلا الحسن وأحمد وإسحاق بمرور شيء أمامه، سواء كانت له سترة ومرَّ بينه وبينها أم لا ولو امرأة وحمارًا أو كلبًا ولو أسود؛ للأخبار الصحيحة الدالة على ذلك. (٢) أخرجه بنحوه البخاري (٣٨٤)، ومسلم (١١٦٨)، وأبو داود (٧١١)، والنسائي (٧٦٧)، وابن ماجه (١٠٠٩)، وأحمد (٢٤٨١٦)، والحميدي (١٧٩). * قال القاري: (وعن عائشة - رضي الله عنها - قالت: كان النبي يصلي من الليل، وأنا معترضة بينه وبين القبلة) قال ابن الملك: الاعتراض صيرورة الشيء حائلاً بين شيئين، ومعناه ههنا: وأنا مضطجعة (كاعتراض الجنازة) بفتح الجيم وكسرها. قال الطيبي: جعلت نفسها بمنزلة الجنازة دلالة على أنه لم يوجد ما يمنع المصلي من حضور القلب ومناجاة الرب بسبب اعتراضها بين يديه، بل كانت كالسترة الموضوعة لدفع المار، وهذا التأويل موافق لما في الحديث السابق من تخصيص ذكر المرأة وقطعها صلاة الرجل؛ لما فيه ما يقتضي ميل الرجال إلى النساء. انتهى. = ٢٩٢ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثالث ٧٨٠ - [وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ - رَضِي اللّهُ عَنْهُمَا - قَالَ: أَقْبَلْتُ رَاكِبًا عَلَى أَتَانٍ وَأَنَا يَوْمَئِذٍ قَدْ نَاهَزْتُ الإِحْتِلَامَ، وَرَسُولُ الله ◌َ يُصَلِّ بِالنَّاسِ بِمِنَّى إِلَى غَيرِ جِدَارٍ، فَمَرَرْتُ بَيْنَ يَدَيٍ بَعضِ الصَّفّ، فَنَزَلْتُ وَأَرْسَلْتُ الأَتَانَ تَرْتَعُ، وَدَخَلْتُ فِي الصَّفِّ فَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ عَلَّ أَحَدُّ(١). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ]. وقوله: ((موافق غير مطابق بل مناقض له)) كما هو ظاهر إلا أن يقال: المراد بالمرأة القاطعة إنما هي الأجنبية أو الموصوفة بالمرور أو في حالة النور والظهور، وقال ابن حجر: فيه دليل على أن مرور المرأة لا يفسد الصلاة؛ إذ لا فرق بينه وبين اعتراضها المذكور؛ لأن العلة إشغالها وهو موجود فيها (متفق عليه) قال ابن حجر: وخبر: ((لا تصلوا خلف النائم والمحدث)) ضعيف اتفاقًا. (١) أخرجه مالك (٣٧٠)، والبخاري (٧٦)، ومسلم (١١٥٢)، وأبو داود (٧١٥)، والبيهقي في ((سننه)) (٣٦٤٠). * قال القاري: (وعن ابن عباس قال: أقبلت راكبًا على أتان) بفتح الهمزة وشذ كسرها. قال العسقلاني: يعني: الحمار الأنثى (وأنا يومئذ قد ناهزت) أي: قاربت (الاحتلام) أي: البلوغ (ورسول الله يصلي بالناس) أي: إمامًا (بمنى) قال محبي السنة: فيه لغتان الصرف والمنع، ولهذا يكتب بالألف والياء، والأجود صرفها وكتابتها بالألف، وسميت بها؛ لما يمنى بها من الدماء؛ أي: يراق ويصب. كذا ذكره الطيبي. (إلى غير جدار) قد نقل البيهقي عن الشافعي أن المراد بقول ابن عباس: ((إلى غير جدار)) إلى غير سترة، ويؤيده رواية البزار بلفظ: ((والنبي يصلي المكتوبة ليس شيء يستره)) لكن البخاري أورد هذا الحديث في باب سترة الإمام سترة لمن خلفه، وهذا مصير منه إلى أن الحديث محمول على أنه كان هناك سترة. قال الشيخ ابن حجر: كأن البخاري حمل الأمر في ذلك على المألوف المعروف من عادته قلم ألا يصلي في الفضاء إلا والعنزة أمامه، ثم أيد بحديثي ابن عمر وأبي حجيفة المذكورين أول الباب، وأوردهما عقيب حديث ابن عباس. كذا ذكره ميرك. وفي (شرح الطيبي)): قال المظهر: قوله: ((إلى غير جدار)) أي: إلى غير سترة، والغرض من الحديث أن المرور بين يدي المصلي لا يقطع الصلاة. انتهى كلامه. فإن قلت: قوله: ((إلى غير جدار)) لا ينفي شيئًا غيره فكيف فسره بالسترة؟ قلت: إخبار ابن عباس عن مروره بالقوم وعن عدم جدار مع أنهم لم ينكروا عليه، وأنه مظنة إنكار يدل على حدوث أمر لم يعهد قبل ذلك من كون المرور مع عدم السترة غير منكر، فلو فرض سترة أخرى لم يكن لهذا الإخبار فائدة. قلت: يمكن إفادته أن سترة الإمام سترة القوم كما فهم البخاري، - ٢٩٣ كتاب الصّلاة/ باب السترة (الفصل الثاني) ٧٨١ - [عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَجْعَلْ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ شَيْئًا، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَلْيَنْصِبْ عَصَاهُ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ عَصَّا فَلْيَخْطُطْ خَطَّ، ثُمَّ لَا يَضُرُّهُ مَا مَرَّ أَمَامَهُ(١). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدْ وَابْنُ مَاجَه]. والله أعلم. (فمررت) أي: راكبًا (بين يدي بعض الصف) أي: الأول كما في البخاري ذكره العسقلاني (فنزلت وأرسلت الأتان ترتع) أي: تأكل الحشيش وتتوسع في المرعى (ودخلت في الصف فلم ينكر ذلك) أي: مشيه بإتانه وبنفسه بين يدي بعض الصف (عليّ أحد) من النبي وأصحابه لا في الصلاة ولا بعدها، وهو إما لكونه صغيرًا أو لوجود سترة الإمام أو لكون المرور مطلقًا غير قاطع. قال ابن الملك رحمه الله: والغرض منه أن مرور الحمار بين يديه لا يقطع الصلاة (متفق عليه) وهذا لفظ البخاري. قاله ميرك. (١) أخرجه عبد الرزاق (٢٢٨٦)، وأحمد (٧٣٨٦)، وأبو داود (٦٨٩)، وابن ماجه (٩٤٣)، والبيهقي (٣٢٧٨)، وابن حبان (٢٣٦١). * قال القاري: (عن أبي هريرة قال: قال رسول الله: إذا صلى أحدكم) أي: أراد الصلاة (فليجعل تلقاء وجهه) أي: حذاءه لكن إلى أحد حاجبيه لا بين عينيه (شيئًا) أي: بناءً أو شجرًا أو عودًا أو عمودًا (فإن لم يجد) أي: شيئًا منصوبًا (فلينصب عصاه) في ((شرح المنية): ولو ألقى عصاه بين يديه ولم يغرزها قيل: يجزئه عن السترة، وقيل: لا. وفي ((الكفاية)): يضع طولاً لا عرضًا ليكون على مثال الغرز (فإن لم يكن معه عصا فليخطط) بضم الطاء (خطًّا) حتى يبين فصلاً، فلا يتخطى المار وهو دليل على جواز الاقتصار عليه، وهو قول قديم للشافعي. قاله الطيبي، وهو رواية عندنا، فقيل: يخط خظًّا كالمحراب، وقيل: من جهة يمينه إلى شماله. كذا في (شرح المنية))، وقيل: المختار أن يكون طولاً من قدامه نحو القبلة. وقال ابن الملك: هذا هو المستحب. وقال ابن عيينة: رأيت شريكًا صلى بنا فوضع قلنسوته بين يديه. (ثم لا يضره) أي: بعد استتاره (ما مر أمامه) أي: أمام سترته (رواه أبو داود وابن ماجه) قال ابن عيينة: لم نجد شيئًا نشد به هذا الحديث، ولم يجئ إلا من هذا الوجه، وقد أشار الشافعي إلى ضعفه واضطرابه. قال أبو داود: وسمعت أحمد بن حنبل سئل عن وصف الخط غير مرة، فقال: هكذا عرضًا مثل الهلال. وقال أبو داود: وسمعت مسددًا قال: قال أبو داود: الخط بالطول. قال القاضي عياض: وقد اختلف في الخط؛ فقيل: يكون مقوسًا كهيئة المحراب، وقيل: قائمًا = ٢٩٤ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثالث ٧٨٢ - [وَعَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ﴾: إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ إِلَى سُتْرَةٍ فَلْيَدْنُ مِنْهَا، لَا يَقْطَعُ الشَّيْطَانُ عَليهِ صَلَاتَهُ(١). رَوَاهُ أَبُو دَاوُد]. ٧٨٣ - [وَعَن الْمِقْدَادِ بْنِ الأَسْوَدِ ﴾ قَالَ: مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِّهِ يُصَلِّ إِلَى عُودٍ وَلَا عَمُودٍ، وَلَا شَجَرَةٍ إِلَّ جَعَلَهُ عَلَى حَاجِبِهِ الأَيْمَنِ أَوِ الأَيْسَرِ، وَلَا يَصْمُدُ لَهُ صَمْدًا(٢). ممدودًا بين يدي المصلي إلى القبلة، وقيل: من جهة يمينه إلى شماله. قال ولم يرَ مالك وعامة العلماء الخط. قال الأبهري: منهم أبو حنيفة؛ يعني: في رواية. وقال النووي: قال جمهور أصحابنا باستحبابه. قال ابن حجر: صححه أحمد وابن المديني وابن المنذر وابن حبان وغيرهم. وقال البيهقي: لا بأس بالعمل، وبه وإن اضطرب إسناده في مثل هذا الحكم إن شاء الله تعالى، وجزم بضعفه النووي، وقاس الأئمة على الخط المصلي كسجادة مفروشة، وهو قياس أولوي؛ لأن المصلي أبلغ في دفع المار من الخط السابق، واختلف أن الترتيب للأكملية أو الأحقية. (١) أخرجه أبو داود (٦٩٥)، والنسائي (٧٥٦)، وأحمد (١٦٥١٧)، والطبراني في (الكبير)) (٥٨٨٣)، والحميدي (٤٢٦)، وابن حبان (١٣٦). * قال القاري: (وعن سهل بن أبي حثمة) أنصاري أوسي ولد سنة ثلاث من الهجرة (قال: قال رسول الله: إذا صلى أحدكم إلى سترة فليدن) أي: فليقرب بقدر إمكان السجود، وهكذا بين الصفين (منها) أي: من السترة على قدر ثلاثة أذرع أو أقل، وبه قال الشافعي وأحمد. نقله ابن الملك؛ لأنه لما صلى في الكعبة جعل بينه وبين الحائط قريبًا من ثلاثة أذرع (لا يقطع الشيطان) بالجزم جواب الأمر، ثم حرك بالكسر لالتقاء الساكنين (عليه) أي: على أحدكم (صلاته) أي: لا يفوت عليه حضورها بالوسوسة، والتمكن منها (رواه أبو داود). قال ميرك: ورواه النسائي. قال ابن حجر: وصححه الحاكم على شرط الشيخين، واستفيد منه أن السترة تمنع استيلاء الشيطان على المصلي، وتمكنه من قلبه بالوسوسة إما كلَّا أو بعضًا بحسب صدق المصلي وإقباله في صلاته على الله تعالى، وإن عدمها يمكن الشيطان من إزلاله عما هو بصدده من الخشوع والخضوع وتدبره القراءة والذكر. قلت: فانظر إلى متابعة السنة، وما يترتب عليها من الفوائد الجمة. (٢) أخرجه أبو داود (٦٩٣)، والبيهقي في ((سننه)) (٣٦٠٩). * قال القاري: (وعن المقداد بن الأسود قال ما رأيت رسول الله يصلي إلى عود) کالعصا (ولا عمود) كالأسطوانة (ولا شجرة إلا جعله على حاجبه) أي: جانبه (الأيمن أو الأيسر ولا يصمد له) بضم الميم؛ أي: لا يقصد (صمدًا) أي: قصدا مستويا بحيث يستقبله بما بين عينيه حذرًا - ٢٩٥ كتاب الصّلاة/ باب السترة رَوَاهُ أَبُو دَاوُد]. ٧٨٤ - [وَعَنِ الْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسِ - رَضِي اللهُ عَنْهُمَا - قَالَ: أَتَانَا رَسُولُ الله ◌َه وَتَحْنُ فِي بَادِيَةٍ لَنَا وَمَعَهُ عَبَّاسَّ، فَصَلَى فِي صَحْرَاءَ لَيْسَ بَيْنَ يَدَيْهِ سُتْرَةٌ، وَحِمَارَةً لَّنَا وَكَلْبَةٌ تَعْبَثَانٍ بَيْنَ يَدَيْهِ فَمَا بَالَى بِذَلِكَ(١). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدٍ وَلِلنَّسَائِيّ ◌َحوهُ]. ٧٨٥ - [وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وََّ: لَا يَقْطَعُ الصَّلاَةَ شَيْءٌ، وَادْرَؤُوا مَا اسْتَطَعْتُمْ فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانُ(٢). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدِ]. = عن التشبه بعبادة الأصنام (رواه أبو داود) قال ابن حجر: وأحمد لكن في إسناده من ضعف، ومع ذلك هو حجة فيما نحن فيه؛ لأنه من الفضائل، وفي رواية للنسائي: ((إذا صلى أحدكم إلى عمود أو سارية أو إلى شيء، فلا يجعله بين عينيه، وليجعله على حاجبه الأيسر)) وقد يؤخذ منه أن الأيسر أولى من الأيمن، ويوجه بأنه مانع للشيطان الذي هو على الأيسر كما مر في بحث البصاق على الأيسر. (١) أخرجه أبو داود (٧١٨)، والبيهقي في «سننه» (٣٦٤٨)، وأخرجه النسائي (٧٥٢) بلفظ: ((عَن الْفَضْلِ بْنِ الْعَبَّاسِ قَالَ: زَارَ رَسُولُ اللهِ وَ عَبَّاسَا فِي بَادِيَةٍ لَنَا، وَلَنَا كُلَيْبَةٌ وَجِمَارَةُ تَرْعَى، فَصَلَّى النَِّيُّ ◌َ﴿ِ الْعَصْرَ وَهُمَا بَيْنَ يَدَيْهِ فَلَمْ يُزْجَرًا وَلَمْ يُؤَخَّرًا)). * قال القاري: (وعن الفضل بن عباس قال: أتانا رسول الله ونحن في بادية لنا) حال من المفعول (ومعه عباس) حال من الفاعل (فصلى في صحراء ليس بين يديه سترة) لأنه لم يكن فيها مظنة المرور (وحمارة لنا وكلبة) التاء فيهما إما للوحدة أو للتأنيث (تعبثان) أي: تلعبان (بين يديه) أي: قدامه، وهو يحتمل ما وراء المسجد أو موضع بصره (فما بالى بذلك) أي: ما التفت إليه وما اعتده قاطعًا (رواه أبو داود) أي: بهذا اللفظ (وللنسائي نحوه) أي: معناه. (٢) أخرجه ابن أبي شيبة (٢٨٨٣)، وأبو داود (٧١٩)، والبيهقي (٣٣٢٤). * قال القاري: (وعن أبي سعيد قال: قال رسول الله: لا يقطع الصلاة شيء) أي: لا يبطلها شيء مرَّ بين يدي المصلي (وادرؤوا) أي: ادفعوا المار (ما استطعتم) قيل: حديث القطع بمرور المرأة وغيرها منسوخ بهذا الحديث. ذكره ابن الملك لكنه يتوقف على معرفة التاريخ (فإنما هو) أي: المار (شيطان) قال الطيبي: يحتمل أن يراد بشيء الدفع؛ أي: لا يبطل الصلاة شيء من الدفع، فادفعوا المار بقدر استطاعتكم، وحذف المار لدلالة السياق عليه، وأن يراد به؛ أي: بشيء المار، والضمير المنصوب العائد محذوف. قيل: فيه دليل على أن المرأة والكلب والحمار لا يقطع، ٢٩٦ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثالث (الفصل الثالث) ٧٨٦ - [عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: كُنْتُ أَنَامُ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ الله وَلٌٍ وَرِجْلَايَ فِي قِبْلَتِهِ، فَإِذَا سَجَدَ غَمَزَنِي فَقَبَضْتُ رِجْلَّ، وَإِذَا قَامَ بَسَطْتُهُمَا. قَالَتْ: وَالْبُيُوتُ يَوْمَئِذٍ لَيْسَ فِيهَا مَصَابِيحُ(١). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ]. ٧٨٧ [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌َِّ: لَوْ يَعْلَمُ أَحَدُكُمْ مَا لَهُ فِي أَنْ يَمْرَّ بَيْنَ يَدَيْ أَخِيهِ مُعْتَرِضًا فِي الصَّلاَةِ، كَانَ لأَنْ يُقِيمَ مِائَةَ عَامٍ خَيْرٌ لَهُ مِنَ الْخَطْوَةِ الَّتِي خَطَاهَا (٢٩). رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهُ]. - وقيل: يقطع للحديث السابق، وقيل: تقطعها المرأة الحائض والكلب الأسود، وبه قالت عائشة رضي الله عنها (رواه أبو داود). (١) أخرجه مالك (٢٥٦)، والبخاري (٣٨٢)، ومسلم (١١٧٣)، والنسائي (١٦٩)، ابن حبان (١١٠)، والبيهقي في «سننه» (٣٦٣٣)، وأبو عوانة في ((مستخرجه)) (١١٢٨). * قال القاري: (عن عائشة قالت: كنت أنام) أي: اضطجع على هيئة النائم (بين يدي رسول الله ورجلاي في قبلته، فإذا سجد) أي: أراد السجود (غمزني) قيل: فيه إشارة إلى أن المس غير ناقض، والأصل عدم الحائل. قال الطيبي: الغمز هو العصر والكبس باليد، وغمزني جواب إذا، وقوله: ((فقبضت)) عطف عليه ((رجلي)) قال الشيخ: كذا للأكثر بالتثنية، وكذا قولها (وإذا قام بسطتهما) وللمستملي والحموي ((رجلي)) بالإفراد، وكذا ((بسطتها). ذكره الأبهري (قالت: والبيوت) بالضم والكسر (يومئذٍ) أي: حينئذ (ليس فيها مصابيح) فيه مقابلة الجمع بالجمع. قال الطيبي: وفائدة نفي المصابيح اعتذار من جعلها رجلها في موضع سجود رسول الله، وأما قولها: ((فإذا قام بسطتهما)) فلتقرير رسول الله 45* إياها على تلك الحالة. انتهى. قلت: ولعل عذرها في تلك الهيئة من الاضطجاع ضيق المكان أو الاعتماد على محبة صاحب المقام، وأما عدم المصابيح فعذر لعدم حيائها وللاستمرار على بقائها (متفق عليه). (٢) أخرجه أحمد (٨٨٢٤)، وابن ماجه (٩٤٦). * قال القاري: (وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله: لو يعلم أحدكم) قيل: آثر دخول ((لو)» على المستقبل مع قلته؛ ليفيد تجدد العلم (ما له) أي: من الإثم، فحذف البيان ليدل الإبهام على ما ٢٩٧ كتاب الصّلاة/ باب السترة ٧٨٨ - [وَعَن كَعْبِ الأَحْبَارِ قَالَ: لَوْ يَعْلَمُ الْمَارُّ بَيْنَ يَدَى الْمُصَلِّ مَاذَا عَلَيْهِ، لَكَانَ أَنْ يُحْسَفَ بِهِ خَيْرًا لَهُ مِنْ أَنْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ. وَفِي رِوَايَةٍ: أَهْوَنَ عَليهِ(١). رَواهُ مَالِكُ]. ٧٨٩ [وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ - رَضِي اللهُ عَنهُمَا. قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ﴾: إِذَا صَلَّى أُحَدُكُمْ إِلَى غَيْرِ السُّتْرَةِ، فَإِنَّهُ يَقْطَعُ صَلَاتَهُ الْحِمَارُ وَالْخِنْزِيرُ وَالْتُهُودِيُّ وَالْمَجُوسِيُّ = لا يقادر قدره من الإثم. قاله الطيبي (في أن يمر بين يدي أخيه) ذكر لمزيد التلطف بالمارحتى ينكف عن مروره؛ إذ من شأن الأخ ألا يؤذي أخاه بنوع من أنواع الأذى وإن قلَّ (معترضًا) أي: حال كون المار معترضًا محل سجوده (في الصلاة) حال من أخيه (كان لأن) بفتح اللام (يقيم) وفي نسخة: يقوم (مائة عام) ظرف يقيم (خير له) بالرفع (من الخطوة) بفتح الخاء وتضم (التي خطا الخطوة) بالضم، وتفتح ما بين القدمين وبالفتح المرة. قال الطيبي: اسم كان ضمير عائد إلى أحدكم، أو ضمير الشأن، والجملة خبر كان واللام لام الابتداء المقارنة بالمبتدأ المؤكدة لمضمون الجملة، أو التي يتلقي بها القسم وهو أقرب، وقيل: اللام هي الداخلة على جواب لو أخرت عن محلها، وهو كان إلى خبرها، وهو إقامة مائة عام، ولهذا التقدير المقتضي لكونه أوغل في التعريف كان الأصل أنه الاسم، وخير هو الخبر لكنهما عكسا إبهامًا على السامع؛ ليظهر جودة فهمه وذكائه، وقد جرى على الأصل في الأمرين في الخبر الذي عقب هذا، فأدخل اللام على كان، وجعل المصدر المسبوك من أن والفعل هو الاسم، وخيرًا هو الخبر، وتجوز زيادة كان هنا (رواه ابن ماجه) أي: بإسناد صحيح وابن خزيمة وابن حبان في ((صحيحهما)). قاله میرك. (١) أخرجه مالك (٣٦٧). * قال القاري: (وعن كعب الأحبار) بالإضافة تابعي جليل (قال: لو يعلم المار بين يدي المصلي ماذا عليه، لكان أن يخسف به خيرًا له) بالنصب (من أن يمر بين يديه) وضبط بعض الفضلاء خيرًا في الحديث الأول بالنصب، وفي الثاني بالرفع، ولم يظهر وجههما مع مخالفتهما للنسخ الحاضرة المصححة. قال الطيبي: المذكور في الحديثين ليس جواب (لو)) بل هو دال على ما هو جوابها، والتقدير: لو يعلم المار ما عليه من الإثم لأقام مائة عام، وكانت الإقامة خيرًا له، وفي الثاني: لو يعلم ماذا عليه من الإثم لتمنى الخسف وكان الخسف خيرًا له (وفي رواية: أهون عليه) أي: بدل خيرًا له (رواه مالك) قال ميرك: مقطوعًا. ٢٩٨ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثالث وَالْمَرْأَةُ، وَيُجْزِئُ عَنْهُ إِذَا مَرُّوا بَيْنَ يَدَيْهِ عَلَى قَذْفَةٍ بِحَجَرٍ(١). رَوَاهُ أَبُو دَاوُد]. [ ....... ](٢) مندوب وينقسم إلى ما يجبر تركه بالسجود وسيأتي، ويسمى بعضًا؛ لأنه التأكد شأنه بالجبر أشبه البعض حقيقة وإلى ما يجبر ويسمى هنية، وهي ماعدا الأبعاض من السنن الآتية. وعلم مما تقرر أن الركن كالشرط في أنه لا بد منه وأنه يفارقه بما مرَّ، ويفارقه أيضًا بأن الشرط مما اعتبر في الصّلاة، بحيث يقارن كل معتبر سواه كالظهر والسر وترك نحو الكلام، والفعل الكبير والركن ما اعتبر فيها لا بهذا الوجه، واعترض هذا بما الجواب عنه مبين في ((شرحي العباب)). (١) أخرجه أبو داود (٧٠٤)، والبيهقي (٣٣٠١). * قال القاري: (وعن ابن عباس قال: قال رسول الله: إذا صلى أحدكم إلى غير السترة، فإنه يقطع صلاته) أي: حضورها (الحمار والخنزير واليهودي والمجوسي والمرأة، ويجزئ عنه) بالهمز من الإجزاء؛ أي: ويكفي عن عدم سترته بالنسبة لتوفر خشوعه وخضوعه، وفي أكثر النسخ: ((تجزئ)) بالتأنيث؛ أي: تجزئ الصلاة بلا سترة على المصلي (إذا مروا بين يديه على قذفة) أي: رمية (بحجر) أي: بأن يبعدوا عنه ثلاثة أذرع فأكثر. قاله ابن حجر، وهو يؤيد ما رجحه ابن الهمام فيما تقدم، وروى الطحاوي: ويكفيك إذا كانوا منك قدر رمية، ولم يقطعوا عنك صلاتك؛ أي: يكفيك عن السترة إذا كانوا بعيدين عنك قدر رمية بحجر، ولم يقطعوا عنك حينئذٍ صلاتك (رواه أبو داود). (٢) ما بين [] بياض في الأصل. * قال القاري: (وعن ابن عباس قال: قال رسول الله: إذا صلى أحدكم إلى غير السترة، فإنه يقطع صلاته) أي: حضورها (الحمار والخنزير واليهودي والمجوسي والمرأة، ويجزئ عنه) بالهمز من الإجزاء؛ أي: ويكفي عن عدم سترته بالنسبة لتوفر خشوعه وخضوعه، وفي أكثر النسخ: ((تجزئ)) بالتأنيث؛ أي: تجزئ الصلاة بلا سترة على المصلي (إذا مروا بين يديه على قذفة) أي: رمية (بحجر) أي: بأن يبعدوا عنه ثلاثة أذرع فأكثر. قاله ابن حجر، وهو يؤيد ما رجحه ابن الهمام فيما تقدم، وروى الطحاوي: ويكفيك إذا كانوا منك قدر رمية، ولم يقطعوا عنك صلاتك؛ أي: يكفيك عن السترة إذا كانوا بعيدين عنك قدر رمية بحجر، ولم يقطعوا عنك حينئذٍ صلاتك (رواه أبو داود). (باب صفة الصّلاة) (الفصل الأول) ٧٩٠ - [عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾: أَنَّ رَجُلاً دَخَلَ الْمَسْجِدَ وَرَسُولُ اللهِ وَّ جَالِسُّ فِي نَاحِيَةِ الْمَسْجِدِ، فَصَلَّى ثُمَّ جَاءَ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ الله ◌َُّ: وَعَلَيْكَ السَّلَامُ، ارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ، فَرَجَعَ فَصَلَّى ثُمَّ جَاءَ فَسَلَّمَ، فَقَالَ: وَعَلَيْكَ السَّلَامُ ارْجِعْ فَصَلٌّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ، فَقَالَ فِي الثَّالِئَةِ أَوْ فِي الَّتِي بَعْدَهَا: فَعَلَّمْنِي يَا رَسُولَ اللهِ، فَقَالَ: إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلَاةِ فَأَسْبِغِ الْوُضُوءَ، ثُمَّ اسْتَقْبِلِ الْقِبْلَةَ فَكَبِّرْ، ثُمَّ اقْرَأْ بِمَا تَسَّرَ مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ، ثُمَّ ارْكَعْ حَتَّى تَظْمَئِنَّ رَاكِعًا، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَسْتَوِيَ قَائِمًا، ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّی تَظْمَئِنَّ سَاجِدًا، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَظْمَئِنَّ جَالِسًا، ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَظْمَئِنَّ جَالِسًا - وَفِي رِوَايَةٍ: ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَسْتَوِيَ قَائِمًا - ثُمَّ افْعَلْ ذَلِكَ فِي صَلَاتِكَ كُلُّهَا(١). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ]. (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾: أَنَّ رَجُلاً) هو خلاد بن رافع الأنصاري ، وجاء أنه استشهد ببدر فعليه تكون للقصة قبلها، ولا يشكل عليه رواية أبي هريرة للقضية مع أنه إنما أسلم سنة سبع ووقعة بدر كانت في الثانية؛ لأن يحتمل أن أبا هريرة رواها عن بعض الصحابة الذين شاهدوها، وما قيل: إن المسمي صلاته رفاعة أخو خالد فهو اشتباه، وإنما هو بدري أيضًا فمردود بأنه راويها عن أخيه خالد لا عن نفسه كما سيأتي في الفصل الثاني. (دَخَلَ الْمَسْجِدَ وَرَسُولُ اللهِ ﴿ ﴿ِ جَالِسُ فِي نَاحِيَةِ الْمَسْجِدِ) يؤخذ منه أن مجلسه ولة المعد لورود الناس عليه فيه كان في بعض منعطفات المسجد؛ لئلا يقع فيه (١) أخرجه البخاري (٧٢٤)، ومسلم (٣٩٧)، وأبو داود (٨٥٦)، والترمذي (٣٠٣) وقال: حسن صحيح، وأحمد (٩٦٣٣)، والنسائي (٨٨٤)، وابن حبان (١٨٩٠)، وأبو يعلى (٦٥٧٧)، وابن خزيمة (٤٦١)، وأبو عوانة (١٦٠٩). - ٢٩٩ - ٣٠٠ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثالث بعض رفع صوت أو نحوه فيشتغل به المصلون (فَصَلَّ) ينظر؛ أي: صلاة هي (ثُمَّ جَاءَ) إلى النبي ◌َّ﴾ (فَسَلَّمَ عَلَيْهِ) في تقديمه الصّلاة على السلام عليه وَّ امتثال لأمره بذلك لمن سلم عليه قبل صلاة التحية، فقال له: ارجع فصلِّ ثم ائت فسلم عليَّ، ومن ثم قال أئمتنا: يسن للزائر أن يبدأ بصلاة تحية المسجد قبل السلام عليه (فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ وَّ: وَعَلَيْكَ السَّلامُ) يؤخذ منه أن وعليك السلام ردًّا أفضل منها بلا واو، وبه صرح أئمتنا ووجهه أن حذفها يقتضي درء ما قاله بعينه إليه خاصة، وذكرها يقتضي وقوع الاشتراك معه والدخول فيما قاله؛ لأن الواو تجمع بين السببين. فإن قلت: القصد من رد السلام إخبار المسلم بأنه أمن من المسلم عليه فلا حاجة لتلك الزيادة المفادة من الواو. قلت: كون القصد ذلك لا يمنع أن تلك الزيادة غير محسنة لزيادة الواو، بل هي من تتمة ذلك القصد؛ لأن المعنى حينئذٍ على السلام كما قلت؛ لأن تسليمك عليَّ صادق باطنًا أيضًا، فكذلك تسليمي عليك وهذا فيه غاية الإحلال والتأمين للمسلم، فكان ذكر الواو المفيدة له أولى من حذفها فتأمله. (ارْجِعْ) فيه إيماء إلى ما قدمته من بعد مجلسه وَلّ عن المحل المألوف للصلاة (فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ) فيه التصريح بأن الصّلاة الفاسدة لا تسمى صلاة لما يأتي أن الأصل في النفي نفي الحقيقة لا الكمال، ومن ثم قال أئمتنا: لو حلف لا يصلي لم يحنث بالفاسدة والتعريض بتفريطه وتقصيره (فَرَجَعَ فَصَلَّى) كأنه إنما لم يسأل عن سبب نفي الصّلاة عنه ظنًا منه أنه صلى عن شيء من واجباتها التي يعرفها (ثُمَّ جَاءَ) إلى النبي وَ﴿ ﴿فَسَلَّمَ) عليه (فَقَالَ: وَعَلَيْكَ السَّلَامُ) فيه ندب السلام عند اللقاء ووجوب رده وإن تكرر مع قرب العهد. وبه صرح أئمتنا وإن من أساء في بعض عباداته وله عذر في ذلك لا يجوز ترك الرد عليه؛ لأن الفرض أنه لم يفسق بذلك بخلاف الفاسق به لتصريحهم بجواز الرد على