النص المفهرس
صفحات 241-260
٢٤١ كتاب الصّلاة/ باب المساجد ومواضع الصّلاة على ما ورد : ((لَقِيتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي إِبْرَاهِيمَ الَيْهَا فِقَالَ: يَا مُحَمَّدُ أَقْرِئْ أُمَّتَكَ مِنِّي السَّلَامَ، وَأَخْبِرُهُمْ أَنَّ الْجَنَّةَ طَيِّبَةُ الْتُّرْبَةِ عَذْبَةُ الْمَاءِ، وَأَنَّهَا قِيعَانُ، وَأَنَّ غِرَاسَهَا سُبْحَانَ الله وَالْحَمْدُ لِله وَلَا إِلَهَ إِلَّ اللهُ وَاللّهُ أَكْبَر))(١) لجاء أسلوبًا بديعًا وتلميحًا عجيبًا. (قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَمَا رِيَاضُ الْجَنَّةِ؟ قَالَ: الْمَسَاجِدُ) لا ينافي الرواية الأخرى ((حِلَقُّ الذِّكْرِ)(٢) لأنها تصدق بالمساجد وغيرها فهي أعم وكأنه وهي أخبر أولاً أنها المساجد، ثم تفضل الله تعالى وجعلها مطلق حلق الذكر توسعة في نيل الفضائل (قِيلَ: وَمَا الرَّتْعُ يَا رَسُولَ الله؟ قَالَ: سُبْحَانَ الله) أي: أنزهه؛ أي: أعتقه ينزهه عن كل ما ليس في أعلى مراتب غايات الكمال ونهايات الجلال (وَالْحَمْدُ لِله وَلَا إِلَهَ إِلََّ اللهُ وَاللهُ أَكْبَرُ وَلَا حَولَ وَلَا قُوَّةٍ إِلا بِالله) وفي قوله السابق: ((حِلَقُ الذِّكْرِ)) توسعة أخرى وهي أن كل ذكر رتع وإنما خصت هذه؛ لأنها الباقيات المذكورة في: ﴿ وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلاً﴾ [الكهف: ٤٦] وللخبر الصحيح: ((إِنَّهَا أَفْضَلُ الْكَلَامِ))(٣). ثم رأيت حديثًا يؤيد ما ذكرته وهو: ((إِذَا دَخلْتُم المُسْجِدَ فَعَلِيكُم بِالإِرْنَاع، قَالُوا: وَمَا الإِرتَاعِ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: الدُّعَاءِ وَالرَّغْبَة إِلَى اللّه رَ)(٤) فبهذا مع ذاك يعلم أن المراد بالإرتاع مطلق الذكر (رَوَاهُ التِّزْمِذِيُّ) وسنده حسن. وروي: ((المسَاجِد سُوق مِنْ أَسْواقِ الآخِرَة فَمَنْ دَخَلَهَا كَانَ ضَيفًا لله وَجَزاؤه المغْفِرَة وَحِيتِهِ الكَرَامَة عَليْكُم بِالإِرْتَاعِ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، وَمَا الإِرْتَاعِ؟ قَالَ: الدُّعَاء وَالرَّغْبَةِ إِلَى اللهِ وَى))(٥). (١) أخرجه الترمذي (٣٤٦٢) وقال: حسن غريب، والطبراني (١٠٣٦٣) وفي الأوسط (٤١٧٠). (٢) أخرجه أحمد (١٢٥٤٥)، والترمذي (٣٥١٠) وقال: حسن غريب، وأبو يعلى (٣٤٣٢)، والبيهقي في (شعب الإيمان)) (٢٩)، والطبراني في ((الدعاء)) (١٨٩٠)، وأبو نعيم في «الحلية)) (٢٦٨/٦). (٣) أخرجه البخاري (١٩)، وابن ماجه (٣٩٤٣)، وأحمد (١٦٨٥٧)، والطبراني في ((الشاميين)) (٢٣٢٥). (٤) ذكره الملا علي القاري في ((مرقاة المفاتيح)) (٢١٩/٣). (٥) أخرجه الخطيب (٢٠٨/٩)، والديلمي (٦٦٥٣). ٢٤٢ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثالث ٧٣٠ - [وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: مَنْ أَتَى الْمَسْجِدَ لِشَيْءٍ فَهُوَ حَتُهُ(١). رَوَاهُ أَبُو دَاوُد]. (وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: مَنْ أَتَى الْمَسْجِدَ لِشَيْءٍ) أي: لأجل نية حصول شيء دنيوي أو أخروي (فَهُوَ حَظَّهُ) ففي الدنيوي يحرم عظيم الثواب الذي جعله الله لزوال المساجد وقد مرَّ بعضه، وفي الأخروي يفوز بجزيل الأجر وكمال المثوبة كاستغفار الملائكة ودعائهم، وككتابة الخطى والآثار وكتكفير السيئات ورفع الدرجات (رَوَاهُ أَبُو دَاوُد) وسنده حسن، وهو من جوامع كلمه ◌َّار البالغة التي اختصه الله تعالى بها وهو نحو الخبر السابق أول الكتاب: ((وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى الله وَرَسُولِهِ .. ))(٤). وروى مسلم أنه وَل﴾ قال: «مَا يوطئ المسْجِد لِلِصَّلَاة إِلَّا تَبَشْبَشَ اللهُ بِهِ كَمَا يَتَبَشْبَشُ أَهْلُ الْغَائِبِ بِغَائِهِمْ إِذَا قَدِمَ عَلَيْهِمْ))(٣) أي: فيفرح به فرحًا عظيمًا وغايته الإنعام والإكرام بما ((لَا عَيْنُّ رَأَتْ وَلَا أُذُنَّ سَمِعَتْ وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبٍ بَشَرٍ))(٤). وورد: ((مَنْ أَلِفَ المسْجِدَ أَلِفُهُ اللهِ وَتَ))(٥). وورد أيضًا: ((إِنَّ بُيُوتِي فِي أَرْضِي المسَاحِد وَإِنَّ زُوَّارِي مِنْهَا عُمَّارُهَا فَطُوبَى (١) أخرجه أبو داود (٤٧٢)، والبيهقي في «سننه» (٥١٨٩). (٢) أخرجه مالك (٩٨٣)، والبخاري (١)، ومسلم (١٩٠٧)، والترمذي (١٦٤٧)، وأبو داود (٢٢٠١)، وأحمد (١٦٨)، والنسائي (٣٤٣٧)، وابن ماجه (٤٢٢٧)، والحميدي (٢٨)، والبيهقي (١٨١)، والطبراني في الأوسط (٤٠)، والخطيب (٢٤٤/٤)، وابن عساكر (١٦٦/٣٢)، وابن منده في ((الإيمان)) (٢٠١)، وابن خزيمة (١٤٢)، والدارقطني (٥٠/١)، وأبو عوانة (٧٤٣٨)، والبزار (٢٥٧)، وهناد (٨٧١)، والديلمي (٤٠١)، والقضاعي (١)، وابن حبان (٣٨٨). (٣) تقدم تخريجه. (٤) أخرجه البخاري (٣٠٧٢)، ومسلم (٢٨٢٤)، وأحمد (٨١٢٨)، والترمذي (٣١٩٧) وقال: حسن صحيح. (٥) أخرجه الطبراني في «الأوسط)) (٦٣٨٣)، وابن عدي (١٥٢/٤). ٢٤٣ كتاب الصّلاة/ باب المساجد ومواضع الصّلاة لِعَبْدٍ تَطَفَّرَ فِي بَيتِهِ فَحَقُّ عَلَى الْمَزُورِ أَنْ يُكْرِمَ زَائِرَهُ)(١). وورد أيضًا: ((إِذَا كَانَ يَومِ القِيَامَةِ يَقُولُ اللّه ◌َ: أَينِ جِيرَانِي؟ أَيْنَ جِيرَانِي؟ فَتَقُولُ الملَائِكَةُ: يَا رَبَّنَا وَمَنْ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُجَاوِرَكَ؟ فَيَقُولُ اللهُ تَعَالَى: أَيْنَ زوَّار المسَاحِد؟)(٢). ٧٣١ - [وَعَنْ فَاطِمَةً بِنْتِ الْحُسَيْنِ عَنْ جَدَّتِهَا فَاطِمَةَ الْكُبْرَى ﴾ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ◌َّهِ إِذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ صَلَّى عَلَى مُحَمَّدٍ وَسَلَّمَ وَقَالَ: يَا رَبِّ اغْفِرْلِي ذُنُوبِ وَافْتَحْ لِي أَبْوَابَ رَحْمَتِكَ، وَإِذَا خَرَجَ صَلَّى عَلَى مُحَمَّدٍ وَقَالَ: رَبِّ اغْفِرْ لِي ذُنُوبِي وَافْتَحْ لِي أَبْوَابَ فَضْلِكَ(٣). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَحْمَدُ وابْنُ مَاجَهُ، وَفِي رِوَايَتِهِمَا قَالَتْ: إِذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ وَكَذَا إِذَا خَرَجَ قَالَ: بِسْمِ اللهِ وَالصَّلَاة عَلَى رَسُولِ اللهِ، بَدَل: صَلَّى عَلَى مُحَمَّدٍ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: لَيْسَ إِسْنَادُهُ بِمُتَّصِلٍ، وَفَاطِمَةُ بِنْتُ الْحُسَيْنِ لَمْ تُدْرِكْ فَاطِمَةَ الْكُبْرَى ﴾]. (وَعَنْ فَاطِمَةَ بِئْتِ الْحُسَيْنِ عَنْ جَدَّتِهَا فَاطِمَةَ الْكُبْرَى) بنت رسول الله عَلَ (﴾ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ◌َّهِ إِذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ) أي: أراد دخوله (صَلَّى عَلَى مُحَمَّدٍ وَسَلَّمَ) وكان حكمته بعد التعليم لأمته أنه لو كان يجب عليه الإيمان بنفسه كما يجب على غيره فطلب منه تعظيمها بالصّلاة منه عليها، كما طلب ذلك من غيره وفي هذا أشرف منقبة له له؛ إذ الأصل في تعظيم النفس الامتناع فهذا الممتنع في حق غيره؛ لأنه قد يجر إلى محذور، ككبرٍ ونحوه من المدوح ومطلوب في حقه ◌َّ للأمن من ذلك المحذور مع مزيد إظهار ما له من الشرف الأعلى لأمته حتى يوفوه بعض حقه. (وَقَالَ: يَا رَبِّ) وفي الرواية السابقة ((اللَّهُمَّ فكل سنة). (اغْفِرْ لِي ذُنُوبِي وَافْتَحْ لِي أَبْوَابَ رَحْمَتِكَ، وَإِذَا خَرَجَ صَلَّى عَلَى مُحَمَّدٍ، وَقَالَ: رَبِّ اغْفِرْ لِي ذُنُوبِي وَافْتَحْ لِي أَبْوَابَ فَضْلِكَ) ومرَّ الكلام على ذلك في الفصل الأول مستوفى، وحكمة ندب الصّلاة عليه ◌َل عند الدخول والخروج أنها وسيلة إلى قبول الدعاء (١) أخرجه الديلمي (٦٦٥٤). (٢) أخرجه أبو نعيم في «الحلية)) (٢١٣/١٠)، والحارث في «مسنده)) (١٢٢). (٣) أخرجه الترمذي (٣١٥)، أحمد (٢٧١٧٣)، وابن ماجه (٨٢٠)، والطبراني في ((الكبير)) (١٨٤٧٧). ٢٤٤ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثالث بعدها المستلزم قبوله الحفظ من قواطع الشيطان التي يعمل فيها؛ إذ هي تكره وأبلغ حيلة لأهل المساجد حتى يزلهم منها لعلمه بتوجههم إلى الإكساب الذي مدحضة للإقدام ومشغلة للقلوب والأفهام، وقد مرَّ في خبر ابن السني، ثم يؤيد ما ذكرته، فلما كان هذا الدعاء وسيلة لنيل هذه المطالب العليَّة بدأ بالصّلاة عليه ◌َّ ليفوز المصلي بجميع مطالبه. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَحْمَدُ وابْنُ مَاجَه، وَفِي رِوَايَتِهِمَا قَالَتْ: إِذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ وَكَذَا إِذَا خَرَجَ قَالَ: بِسْمِ الله وَالصَّلَاة عَلَى رَسُولِ اللهِ، بَدَل: صَلَّى عَلَى مُحَمَّدٍ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: لَيْسَ إِسْنَادُهُ بِمُتَّصِلٍ، وَفَاطِمَةُ بِنْتُ الْحُسَيْنِ لَمْ تُدْرِكْ فَاطِمَةَ الْكُبْرَى ﴾) ومع ذلك هو حجة في ندب البسملة عند الدخول والخروج والصّلاة والسلام على النبي صل عندهما أيضًا. ٧٣٢ - [وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ وَّ. عَنْ تَنَاشُدِ الأَشْعَارِ فِي الْمَسْجِدِ، وَعَنِ الْبَيْعِ وَالاشْتِرَاءِ فِيهِ، وَأَنْ يَتَحَلَّقَ النَّاسُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ قَبْلَ الصَّلاةِ فِي الْمَسْجِدِ(١). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدٍ وَالتِّرْمِذِيُّ]. (وعَنْ عَمْرٍو بن شُعَيْبٍ عَنْ أَبِهِ عَنْ جِدِّهِ) عبد الله بن عمرو بن العاص، رضي الله عنهما (قَالَ: نَهَى رَسُولَ اللهِ وَهِ عَنْ تَنَاشُدِ الأَشْعَارِ) أي: المذمومة (في الْمَسْجِدِ) ومن ثم قال أئمتنا: كل شعر فيه مذموم لهجو المسلم وكصفة الخمر وذكر النساء، والمراد أو مدح ظالم أو افتخار منهي عنه أو غير ذلك فهو حرام في المسجد. وعلى نحو هذا حملوا أيضًا قوله وَّ: (لأَنْ يَمْتَلِئَ جَوْفُ أَحَدِكُمْ قَيْحًا خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَمْتَلَِ شِعْرًا)(٢). (١) أخرجه الترمذي (٣٢٣)، والنسائي (٧١٤)، والبيهقي في (سننه)) (٤٥٢٠)، وأبو داود بنحوه (١٠٨١). (٢) أخرجه البخاري (٥٨٠٢)، ومسلم (٢٢٥٨)، وأبو يعلى (٥٥٧٣)، والبيهقي (٢٠٩٣٢)، وأحمد (١١٠٧٢)، والترمذي (٢٨٥٢) وقال: حسن صحيح، وابن أبي شيبة (٢٦٠٨٤)، وابن ماجه (٣٧٦٠)، والطيالسي (٢٠٢)، والبزار (١١٧٣). ٢٤٥ كتاب الصّلاة/ باب المساجد ومواضع الصّلاة وقوله ◌ََّ: «مَنْ رَأَيْتُمُوهُ يَنْشُدُ فِي الْمَسْجِدِ شِعْرًا فَقُولُوا: فَضَّ اللهُ فَاكَ، ثَلاثَ مَرَّاتٍ)(١) رواه ابن السني بخلاف ما فيه محمود كمدح النبوة أو الإسلام، وكالبعث على مكارم الأخلاق والزهد وأنواع الخير وكالحكم فإنه لا بأس فيه. وصح أن حسانًا وكعب بن زهير - رضي الله عنهما - كانا ينشدان الشعر في المسجد بحضرته وَل﴾، وروى أحمد في ((مسنده)) أنه ﴿ ﴿ قال: ((الشّعْر كَالكَلَام حَسَنُهُ كَحَسَنِهِ، وقَبِيحُهُ كَقَبِيحِه)»(٢) ومرَّ عمر وحسان ينشد الشعر في المسجد فلحظه فقال: كنت أنشده وفيه خير منك، ثم التفت إليَّ أبي هريرة فقال: أنشدك الله أسمعت رسول الله وَل﴾ يقول ((أجب عني اللَّهُمَّ أيده بروح القدس قال: نعم)). (وَعَنِ الْبَيْعِ وَالاشْتِرَاءِ فِيهِ) فيكرهان كسائر العقود إلا النكاح كما مرَّ مبسوطًا وألحق به الرجعة، ويكره أيضًا الجلوس فيه لحرفة إلا نسخ كتب العلم الشرعي أو آلته ولو خاط فيه أحيانًا فلا بأس. ورأى عمر# خياطًا في المسجد فأمر بإخراجه فقيل: يا أمير المؤمنين إنه يكنس المسجد ويغلق الباب، فقال عمر: إني سمعت رسول الله وَل﴾ يقول: «جَنّبُوا صُنَّاعَكُم مَسَاجِدڪُم)(٣) رواه عبد الحق وضعفه فكان عطاء بن يسار إذا مر عليه من يبيع في المسجد قال: عليك بسوق الدنيا فإن هذا سوق الآخرة، وسمع عمر له صوت رجل في المسجد فقال: أتدري أين أنت؟. (وَ) نهى عن (وَأَنْ يَتَحَلَّقَ النَّاسُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ قَبْلَ الصَّلاةِ فِي الْمَسْجِدِ) أي: أن يجلسوا بالمتحلقين حلقة واحدة أو حلقات متعددة لمذاكرة علم أو غيره، فيكره ذلك (١) أخرجه الترمذي (١٣٢١) وقال: حسن غريب، والنسائي (١٠٠٠٤)، والطبراني (١٤٥٤)، والديلمي (٥٧٤٩)، وابن السني في ((عمل اليوم والليلة)) (١٥٢). (٢) أخرجه البخاري في ((الأدب المفرد)) (٨٦٥)، والطبراني في «الأوسط)) (٧٦٩٦)، والبيهقي (٢٠٩٠٢)، وأبو يعلى (٤٧٦٠)، والدارقطني (١٥٥/٤)، ولم أقف عليه في ((مسند أحمد)) بهذا اللفظ. (٣) أخرجه الديلمي (٢٥٦٧). ٢٤٦ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثالث قبيل الخطبة وحالتها؛ لأن الوقت وقت اشتغال بالإنصات للخطبة والذكر والصّلاة على النبي وَله وقيل: لأن تلك الهيئة تخالف هيئة اجتماع المصلين. وقيل: لأن الاجتماع للجمعة خطب جليل لا يسع من حضرها أن يهتم بما سواها حتى يفرغ منها وتحلق الناس قبل الصّلاة يوهم غفلتهم عن الأمر الذي ندبوا إليه. انتهى. وقضية كل من هذين كراهة التحليق للمبكر إليها ولو من الفجر وهو بعيد، فالأوجه اختصاص الكراهة بما ذكرته أخذًا من التعليل الأول الواقع في كلام البغوي وغيره من أئمتنا، وفي ((الإحياء)) يكره الجلوس للحلق قبل الصّلاة. قال الخطابي: وكان بعضهم يروي نهي عن التحلق قبل الصّلاة يوم الجمعة بإسكان اللام، وأخبرني أنه بقي أربعين سنة لا يحلق رأسه قبل الصّلاة، فقلت له: إنما هو الحلق بفتحهما جمع حلقة (رَوَاهُ أَبُو دَاوُد والتِّرْمِذِيُّ) وابن ماجه. ٧٣٣ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَة ﴾ قَالَ: [قَالَ رَسُولُ اللهِ: (١) إِذَا رَأَيْتُمْ مَنْ يَبِيعُ أَوْ يَبْتَاعُ فِي الْمَسْجِدِ فَقُولُوا: لَا أَرْبَحَ اللهُ تِجَارَتَكَ، وَإِذَا رَأَيْتُمْ مَنْ يَنْشُدُ فِيهِ ضَالَّةً فَقُولُوا: لَا رَدَّ اللَّهُ عَلَيْكَ(٩). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ والدَّارِمِيُّ]. (وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةٍ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌ِ﴾ِ: إِذَا رَأَيْتُمْ مَنْ يَبِيعُ أَوْ يَبْتَاعُ) أي: يشتري (فِي الْمَسْجِدٍ فَقُولُوا: لَا أَرْبَحَ اللهُ تِجَارَتَكَ) وحكمة ذلك أنه لما قصر بجعله المسجد لغير ما بني له من تجارة الآخرة عوقب بأن يدعي عليه بنقيض قصده الذي أهان المسجد لأجله، ويقاس بهما كل متعاطي عقد ربح كشركة وقراض ووكالة وإجارة وجعالة، كما قيست هذه بهما في الكراهة، وكان الضمير إنما أفرد في تجارتك مع أن العقد لا يتم إلا بهما للإشارة إلى أنه يسن الدعاء على كل منهما بخصوصه. فلو قيل لهما: لا أربح الله تجارتكما حصل به أصل السنة. (١) سقط من الأصل. (٢) أخرجه الترمذي (١٣٧٠)، والدارمي (١٤٥٢)، والبيهقى في ((سننه)) (٤٥١٨). ٢٤٧ كتاب الصّلاة/ باب المساجد ومواضع الصّلاة فإن قلت: قاعدة الأمر للوجوب حقيقة على الأصح، وقاعدة أن ما كان ممنوعًا إذا جاز وجب نقيضان وجوب الدعاء هنا. قلت: لكن عارض الأول: الاتفاق على أنه للندب، والثاني: إنا لا نسلم امتناع الدعاء على الغير إلا حيث لم تصدر منه جناية، وأما من صدرت منه جناية ودعي عليه بقضية جنايته، فليس الأصل فيه الامتناع على أن القاعدة أغلبية لا كلية ألا ترى أن سجود السهو ممنوع وبعد جوازه یسن ولا يجب. (وَإِذَا رَأَيْتُمْ مَنْ يَنْشُدُ) أي: يطلب (فِيهِ ضَالَّةً) ولو من واحد وإن قلَّ ثمنها كما اقتضاه السياق (فَقُولُوا: لَا رَدَّ اللهُ عَلَيْكَ) ومرَّ: ((لا ردها الله عليك)) فكل سنة ودعي عليه بذلك لنظير ما في الذي قبله (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالدَّارِمِيُّ) ومرَّ شطره الثاني من مسلم. ٧٣٤ - [وَعَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ ﴾ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ وَ أَنْ يُسْتَقَادَ فِي الْمَسْجِدِ، وَأَنْ تُنْشَدَ فِيهِ الأَشْعَارُ، وَأَنْ تُقَامَ فِيهِ الْحُدُودُ(١). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدِ فِي ((سُنَّتِهِ)) وَصَاحِب (جَامِعِ الأُصُولِ)) فِیهِ عَنْ حَکِیمِ]. (وَعَنْ حَكِيمٍ بْنِ حِزَامٍ ﴾﴾ قَالَ: نَهَى رَسُولُ الله ◌ِ وَ﴿ أَنْ يُسْتَقَادَ) من استقدت الحاكم سألته أن يقيد؛ أي: يقبض لي (فِي الْمَسْجِدِ) فيكره القود فيه إن لم يصبه نجس وإلا حرم (وَأَنْ تُنْشَدَ فِيهِ الأَشْعَارُ) أي: المذمومة فيكره أو يحرم كما مر (وَأَنْ تُقَامَ فِيهِ الْحُدُودُ) المتعلقة بالله أو بالآدمي فهو من ذكر العام بعد الخاص فيكره إقامتها فيه؛ لأن في ذلك نوع هتك لحرمته كما لو اتخذ للقضاء، ولاحتمال تلوثه بجرح أو حدث، وقول ابن أبي ليلى: يقاد فيه شاذ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي ((سُنَنِهِ)) وَصَاحِب ((جَامِع الأُصُولِ)» فِیهِ عَنْ حَكِيمٍ) وفي (مسنده) محمد بن عبد الله الشعبي. قال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به، وفيه أيضًا زفر بن وتيم جهله ابن (١) أخرجه أبو داود (٤٤٩٢). ٢٤٨ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثالث القطان ووثقه ابن حزم، والحاصل أنه حسن كما أفاده بعض الحفاظ. ٧٣٥ - [وَفِي ((المصَابِيحِ)) عَنْ جَابِرِ]. (وَ) رواه البغوي (في ((المصَابِيح)) عَنْ جَابِر) واعترض بأن ذلك لم يوجد في الأصول. ٧٣٦ - [وَعَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ عَنْ أَبِيهِ﴾ أَنَّ النَّبِيَّ ◌َّ نَهَى عَنْ هَاتَيْنِ الشَّجَرَتَيْنِ - يَعْنِي: الْبَصَلَ وَالثُّومَ - وَقَالَ: مَنْ أَكَلَهُمَا فَلَا يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا، وَقَالَ: إِنْ كُنْتُمْ لَا بُدَّ آكِلِيهِمَا فَأَمِيتُوهُمَا طَبْخًا(١). رَوَاهُ أَبُو دَاوُد]. (وَعَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ عَنْ أَبِيِهِ ﴾ أَنَّ النَّبِيِّ ◌َِّ نَهَى عَنْ هَاتَيْنِ الشَّجَرَتَيْنِ - يَعْنِي: الْبَصَلَ وَالثُّومَ -) ومرَّ النهي عن الكراث والفجل أيضًا؛ أي: نهى عن أكلهما كما يفيده عطف وقال: إلى آخره على نهي على جهة البيان له ولا يضر فيه وجود العاطف كأعجبني زيد وكرمه، وأفاد هذا البيان أيضًا أن شرط النهي عن أكلهما اقترانه بقصد دخول المسجد مثلاً مع بقاء ريحهما، وأما أكلهما لا بهذه النية فمقتضى كلام أئمتنا كراهته والذي يتجه حمله على ما إذا كان أكل عازمًا على دخول المسجد أو الاجتماع بالناس، فإنه يكره لأ كل ذلك دخول المسجد ولو خاليًا كما تقرر والاجتماع بالناس. (وَقَالَ: مَنْ أَكَلَهُمَا فَلَا يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا) وفي رواية (مرت المساجد)) وبها يندفع ما للشارع هنا غفلة عنها فلا يختص ذلك بمسجده والقر بل يكره له ولكل ذي ريح منتن دخول المسجد ولو خاليا كما مرَّ، وعبر بلا تقرير إشارة لمنع الدخول بالأولى. (وَقَالَ: إِنْ كُنْتُمْ لَا بُدَّ) أي: لا غنى لكم عن أكلهما لفرط حاجة أو شهوة وهذه الجملة معترضة بين اسم كان وخبرها وهو (آكِلِيهِمَا فَأَمِيتُوهُمَا طَبْخًا) هذا مجاز بعكس مجاز يميتون الصّلاة السابق، فإن إحياء الصّلاة بأدائها أول وقتها، حتى تكون غضة طرية باعتبار عظمة ثوابها وجلالته وأمانتها أداؤها بعد وقت الاختيار لكونها (١) أخرجه أبو داود (٣٨٢٩). ٢٤٩ كتاب الصلاة/ باب المساجد ومواضع الصّلاة حينئذٍ يابسة ذابلة، باعتبار فقد ثوابها من حيث فوات وقتها الذي في إيقاعها فيه ثواب من حيث الوقت وحياة هاتين الشجرتين قوة ريحهما عند طراوتهما وموتهما إزالته بالطبخ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُد) وسنده حسن. ٧٣٧ - [وَعَنْ أَّبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَ الأَرْضُ كُّهَا مَسْجِدُ إِلَّا الْمَقْبُرَةَ وَالْحَمَّامَ(١). رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّزْمِذِيُّ وَالدَّارِمُّ]. (وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ صَ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: الأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدُ) أي: يجوز السجود فيها من غير كراهة (إِلَّا الْمَقْبُرَةَ) بتثليث الباء فيكره تنزيهًا الصّلاة فيها ولو غير منبوشة بمحاذاته للنجاسة بباطنها، ومن ثم لو لم يكن ثم إلا قبر واحد وقرب منه بحيث يسمى محاذيًا له من أي جهة من جهاته كرهت الصّلاة عنده أيضًا، نعم لا كراهة في مقبرة جديدة لانتفاء محاذاة النجاسة، وزعم أن علة الكراهة احترام الموتى ليس في محله [ ....... ] (٢). ٧٣٨ - [وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِي اللهُ عَنْهُمَا - قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ وَ﴿ أَنْ يُصَلَّى فِي سَبْعَةِ مَوَاطِنَ: فِي الْمَزْبَلَةِ، وَالْمَجْزَرَةِ، وَالْمَقْبُرَةِ، وَقَارِعَةِ الطَّرِيقِ، وَفِي الْحَمَّامِ، وَفِي (١) أخرجه أحمد (١١٨٠٥)، والشافعي (٢٠/١)، والدارمي (١٣٩٠)، والترمذي (٣١٧)، وابن ماجه (٧٤٥)، وأبو يعلى (١٣٥٠)، وابن خزيمة (٧٩١)، وابن حبان (١٦٩٩)، والحاكم (٩١٩)، والبيهقي (٤٠٧٠). (٢) وقفة كاتبه، ولعله إما أنه لم يكن لديه الأصل الخطي لذلك أو هكذا وقف على مسودة المصنف. * وقال القاري: (إلا المقبرة) بفتح الباء وضمها، وقال ابن حجر: بتثليثها، وفي ((القاموس)): المقبرة مثلثة الباء وكمكنسة موضع القبور، وقد تقدم حكمها (والحمام) قال ابن الملك: فإن الصلاة تكره فيهما، وقال شارح ((المنية)): وفي الفتاوى لا بأس بالصلاة في المقبرة إذا كان فيها موضع أعد للصلاة، وليس فيه قبر. (رواه أبو داود والترمذي) وقال: هذا حديث فيه اضطراب؛ يعني: من حيث الإرسال والإسناد، وذكر أن سفيان الثوري أرسله وهو أصح وأثبت، وقد رواه أبو داود مسندًا؛ أي: الذي وصله ثقة أيضًا فلا يضره إرساله، كذا ذكره ميرك (والدارمي) قال ابن حجر: وابن ماجه وسنده حسن. ٢٥٠ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثالث مَعَاطِنِ الإِبِلِ، وَفَوْقَ ظَهْرٍ بَيْتِ الله (١). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وابْنُ مَاجَه]. ٧٣٩ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: صَلُّوا فِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ وَلَا (١) أخرجه الترمذي (٣٤٧)، وابن ماجه (٧٩٥). *قال القاري: (وعن ابن عمر قال: نهى رسول الله أن يصلى) على بناء المفعول (في سبعة مواطن في المزبلة) بفتح الباء، وقيل: بضمها الموضع الذي یکون فیه الزبل وهو السرجین، ومثله سائر النجاسات (والمجزرة) بكسر الزاي وتفتح، قال في ((الصحاح)): المجزرة بكسر الزاي، قال العسقلاني: ويجوز فتحها، واقتصر ابن حجر على الفتح، وهو مخالف للرواية الصحيحة والنسخ المصححة، وهي الموضع الذي تنحر فيه الإبل وتذبح البقر والشاء، نهى عنها لأجل النجاسة فيها من الدماء والأرواث (والمقبرة وقارعة الطريق) فالإضافة للبيان؛ أي: وسطه، فالمراد بها الطريق الذي يقرعه الناس والدواب بأرجلهم الاشتغال القلب بالخلق عن الحق، ولذا شرط بعضهم أن يكون في العمران لا البرية (وفي الحمام) لأنه محل النجاسة ومأوى الشيطان، وهو مأخوذ من الحميم وهو الماء الحار، ومنه ((مسلحة)) وهو محل سلخ الثياب؛ أي: نزعها، والتعليل بأن دخول الناس يشغله، وهو غير مطرد فلا ينظر إليه. كذا ذكره ابن حجر، ويمكن أن يقال: الاعتبار للأغلب (وفي معاطن الإبل) جمع: عطن، وهو مبرك الإبل حول الماء قاله الطيبي، وقال ابن الملك: جمع (معطن)) بكسر الطاء، وهو الموضع الذي تبرك فيه الإبل عند الرجوع عن الماء، ويستعمل في الموضع الذي تكون فيه الإبل بالليل أيضًا، ويؤيده خبر مسلم: ((نهى عن الصلاة في مبارك الإبل)) وقال: لأن هذه المواضع محال النجاسة، فإن صلى فيها بغير السجادة بطلت، ومع السجادة تكره للرائحة الكريهة. انتهى. وهذا إذا لم تكن الإبل فيها، وأما إذا كانت فسيأتي أن الصلاة مكروهة حينئذٍ مطلقًا لشدة نفارها (وفوق ظهر بيت الله) إذ نفس الارتفاع إلى سطح الكعبة مكروه لاستعلائه عليه المنافي للأدب، قال ابن الملك: وإنما ذكر الظهر مع الفوق؛ إذ لا تكره الصلاة على موضع هو فوق البيت كجبل أبي قبيس، وذكر ((فوق)) لأن الحيطان كلها ظهر البيت، وقال الطيبي: اختلف في أن النهي الوارد عن الصلاة في المواطن السبعة للتحريم أو التنزيه، والقائلون بالتحريم اختلفوا في الصحة بناء على أن النهي يدل على الفساد، وفيه أربعة مذاهب: يدل مطلقًا، لا يدل مطلقًا، يدل في العبادات دون المعاملات، يدل إذا كان متعلق النهي نفس الفعل، أو ما يكون لازمًا كصوم يوم العيد، والصلاة في الأوقات المكروهة، وبيع الربا، ولا يدل إذا لم يكن كذلك كالصلاة في الدار المغصوبة والوادي، وأعطان الإبل والبيع وقت النداء (رواه الترمذي) وقال إسناده: ليس بذاك القوي. نقله ميرك وابن ماجه، قال ابن حجر: وسنده حسن. ٢٥١ كتاب الصّلاة/ باب المساجد ومواضع الصّلاة تُصَلُّوا فِي أَعْطَانِ الإِبِلِ (١). رَوَاهُ القِّزْمِذِيُّ]. ٧٤٠ - [وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ - رَضِي اللهُ عَنهُمَا - قَالَ: لَعَنَ رَسُولُ اللهِوَ زَائِرَاتِ الْقُبُورِ، وَالْمَتَّخِذِينَ عَلَيْهَا الْمَسَاجِدَ وَالسُّرُجَ(٢). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدٍ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ]. (١) أخرجه الترمذي (٣٤٨) وقال: حسن صحيح، وأحمد (١٧٣٨٩)، والطبراني في «الكبير)) (٩٣٨) وفي ((الأوسط)» (٦٥٣٧). * قال القاري: (وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﴿ ﴾: صلوا في مرابض الغنم) أي: فوق السجادة إذا كانت ضرورة، وهو جمع: ((مربض)) بكسر الباء، وهو مأوى الغنم (ولا تصلوا في أعطان الإبل) جمع: عطن وهو مثل المعطن، والفارق أن الإبل كثيرة الشراد شديدة النفار، فلا يأمن المصلي في أعطانها - أي: معطانها - من أن تنفر وتقطع الصلاة عليه أو تشوش قلبه، فتمنعه عن الخشوع فيها بخلاف الغنم، قال الطيبي: وإليه أشار عليه بقوله: ((لا تصلوا في مبارك الإبل فإنها خلقت من الشياطين)) وأوله ابن حبان بأنها خلقت معها، قال: وإلا لم يصلّ ◌َله الوتر على بعيره؛ أي: فالعلة الصحيحة شدة نفارها المؤدي إلى قطع الصلاة، أو منع الخشوع لا خلقها من الشياطين؛ أي: من مائهم، وخرج بالإبل الغنم فلا تكره الصلاة عندها؛ لأن نفارها لا يشوش الخشوع؛ لأنها سكينة، ولذا ورد فيها: ((ما من نبي إلا رعى الغنم)» ويؤيده خبر الشافعي أنه قال: ((إذا أدركتم الصلاة وأنتم في مراح الغنم فصلوا فيها فإنها سكينة وبركة، وإذا أدركتم الصلاة وأنتم في أعطان الإبل فاخرجوا منها فصلوا فإنها من جن خلقت، ألا ترون أنها إذا نفرت كيف تشمخ بأنفها» وتكره الصلاة في سائر محال الشياطين، ومنها الوادي الذي نام فیه ﴾﴾ عن صلاة الصبح کما مرَّ، ومنها كل محل حل به غضب کأرض ثمود وبابل وديار قوم لوط ومحسر بناء على أن العذاب نزل به، قال ابن الملك: فلو صلى والمكان طاهر يصح عند الأكثر، وأصحاب الغنم كانوا ينظفون المرابض، فأبيحت الصلاة فيها لذلك، وإليه ذهب أبو حنيفة (رواه الترمذي) وقال: حسن صحيح. نقله میرك. (٢) أخرجه أبو داود (٣٢٣٦)، والترمذي (٣٢٠) وقال: حسن، والنسائي (٢٠٤٣)، والطيالسي (٢٧٣٣)، وأحمد (٣١١٨)، والحاكم (١٣٨٤)، والبيهقي (٦٩٩٨). * قال القاري: (وعن ابن عباس قال: لعن رسول الله زائرات القبور) في («شرح السنة» قيل: هذا كان قبل الترخص، فلما رخص دخل في الرخصة الرجال والنساء، وقيل: بل نهى النساء عن زيارة القبور باقٍ؛ لقلة صبرهن وكثرة جزعهن إذا رأين القبور، ومراده بالترخص قوله وقالت: ((كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها؛ لأنها تذكر بالآخرة)) ويمكن حمل النهي على عجائز متطيبات أو متزينات أو على شواب، ولو في ثياب بذلتهن لوجود الفتنة في خروجهن على ٢٥٢ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثالث ٧٤١ - [وَعَنْ أَبِي أَمَامَةَ ﴾ قَالَ: إِنَّ حَبْرًا مِنَ الْيَّهُودِ سَأَلَ النَّبِيَّ ◌ََّ: أَيُّ الِقَاعِ خَيْرِ؟ فَسَكَتَ عَنْهُ وَقَالَ: اسْكُتْ حَتَّى يَجِيءٍ جِبْرِيلُ، فَسَكَتَ وَجَاءَ جِبْرِيلُ الَّهُ فَسَأَلَ فَقَالَ: مَا المُسْؤُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمِ مِنَ السَّائِلِ، وَلَكَنْ أَسْألُ رَبِي تَبَارَكَ وَتَعَالَى، ثُمَّ قَالَ جِبْرِيلُ: يَا مُحمَّدُ إِنِّ دَنَوتُ مِنَ اللهِ دُنُوَّا مَا دَنَوتُ مِثْلَهُ قَطْ، قَالَ: وَكَيفَ كَانَ يَا حِبْرِيل؟ قَالَ: كَانَ بَيْنِي وَبَيْنِه سَبْعُون أَلْف حِجَابٍ مِنْ نُورٍ، فَقَالَ: شَرُّ الِقَاعِ أَسْوَاقُهَا، وَخَيْرُ البِقَاعِ مَسَاجِدُهَا (١). قياس كراهة خروجهن إلى المساجد، قال ابن الملك: وفي بعض النسخ: ((زوارات القبور)) جمع: زوارة، وهي للمبالغة تدل على أن من زار منهن على العادة، فهي داخلة في الملعونات، ويستثنى زيارة قبره 14 عن هذا العموم عند الجمهور (والمتخذين عليها المساجد) قال ابن الملك: إنما حرم اتخاذ المساجد عليها؛ لأن في الصلاة فيها استتنانًا بسنة اليهود. انتهى، وقيد عليها يفيد أن اتخاذ المساجد بجنبها لا بأس به، ويدل عليه قوله وسلم: ((لعن الله اليهود والنصارى الذين اتخذوا قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد)» (والسرج) جمع: سراج، والنهي عن اتخاذ السرج لما فيه من تضييع المال؛ لأنه لا نفع لأحد من السراج ولأنها من آثار جهنم، وإما للاحتراز عن تعظيم القبور كالنهي عن اتخاذ القبور مساجد. كذا قاله بعض علمائنا (رواه أبو داود والترمذي) وقال: حديث حسن. نقله ميرك (والنسائي). (١) عزاه المتقي الهندي لابن زنجويه (١٣٩/٤). * قال القاري: (وعن أبي أمامة قال: إن حبرًا) بفتح الحاء أشهر من كسرها قاله ابن الملك، وذکر في ((الصحاح)) أن كسر الحاء أصح لكن المشهور في الاستعمال الفتح؛ ليفرق بين العالم وبين ما يكتب به. كذا في ((المفاتيح)) وقيل: في الكسر وجهه أن العالم يكثر استعماله، والله أعلم، وكان يقال لابن عباس: الحبر والبحر لسعة علمه. قاله الطيبي؛ أي: عالمًا (من اليهود سأل رسول الله أي البقاع) بكسر الباء جمع: البقعة بالضم، وهي موضع يجتمع فيه الناس مطلقًا (خير) أي: أفضل؛ يعني: كثير الخير (فسكت عنه) أي: عن جوابه (وقال) أي: في نفسه لا أنه نطق به. كذا قاله الطيبي، ولا مانع من أنه نطق به بل هو أظهر في المرام، وأدفع لتوهم الإلزام، ويدل عليه الروايات الآتية (أسكت) بصيغة المتكلم، وفي نسخة بصيغة الأمر (حتى يجيء جبريل فسكت) أي: إلى مجيء جبريل، قال الطيبي: فيه أن من استفتي عن مسألة لا يعلمها فعليه ألا يعجل في الإفتاء، ولا يستنكف عن الاستفتاء ممن هو أعلم منه، ولا يبادر إلى - ٢٥٣ كتاب الصّلاة/ باب المساجد ومواضع الصّلاة الاجتهاد ما لم يضطر إليه، فإن ذلك من سنة رسول الله وسنة جبريل، وجاء جبريل الكليفلا فسأل أي النبي عنه، أو فسأله النبي عنها (فقال: ما المسؤول عنها) أي: عن هذه المسألة (بأعلم من السائل) وتقدم في حديث جبريل ما يتعلق بهذه العبارة (ولكن أسأل ربي تبارك) أي: تكاثر خيره وتوالى بره وتعالى؛ أي: ترفع عن كل ما لا يليق بكبريائه، فالأول إثبات للنعوت الثبوتية، والثاني نفي الصفات السلبية، والمعنى: لكني أرجع إلى حضرة ربي أسأله عن هذه المسألة فإنه أعلم (ثم قال جبريل) أي: بعد رجوعه (يا محمد إني دنوت) أي: قربت من الله (دنؤًا) فعول مصدر دنا (ما دنوت منه قط) يعني: أُذن لي أن أقرب منه تعالی أکثر مما قربت منه في سائر الأوقات، قال ابن الملك: ولعل زيادة تقريبه منه في هذه المرة لتعظيم النبي، وقد يزيد المحب في احترام رسول الحبيب لأجل الحبيب. تمَّ كلامه. أو لأنه تقرب إليه تعالى بطلب العلم، ومن وعده تعالى ((أن من تقرب إليه شبرًا تقرب إليه باعًا)) والله أعلم، وفيه أن الملائكة يزدادون العلم والقرب من الله تعالى، إلا أن الملك ترقية في العلم والقرب نادر بخلاف البشر. (قال: وكيف كان) أي: دنوك (يا جبريل؟ قال: كان بيني وبينه) أي: بين عرشه (سبعون ألف حجاب من نور) ظاهره التحديد، واعلم أن الحجب إنما تحيط بمقدر محسوس وهو الخلق، فهم محجوبون عنه تعالى بمعاني أسمائه وصفاته وأفعاله، وأقرب الملائكة الحافون بالعرش، وهم محجوبون بنور المهابة والعظمة والكبرياء والجلال، وأما الآدميون فمنهم من حجب برؤية النعم عن المنعم وبمشاهدة الأسباب عن المسبب، ومنهم من حجب بالشهوات المباحة أو المحرمة أو بالمال والنساء والبنين وزينة الحياة الدنيا والجاه، ومنه قول الصوفية: ((العلم حجاب)) قال بعض مشايخنا: لكنه نوراني، فأفاد أن الحجب على نوعين: ظلماني وضده، وقد أشار إليه الحديث بقوله: ((من نور)) فقال: أي الرب تبارك وتعالى (شر البقاع أسواقها) لأنها محل الغفلة والمعصية (وخير البقاع مساجدها) لأنها محل الحضور والطاعة، قال الطيبي: أجاب عن الشر والخير، وإن كان السؤال عن الخير فقط تنبيهًا على بيت الرحمن وبيت الشيطان، قلت: والأشياء تتبين بأضدادها (رواه ابن حبان في ((صحيحه)) عن ابن عمر) كذا في أصل المصنف هنا بياض، وألحق به ابن حبان عن ابن عمر، ولذا قال الطيبي: ذكر الراوي ملحق، قال ابن حجر: وفي نسخة: ((أخرجه أحمد وأبو يعلى الموصلي والحاكم)) والحاصل أن ابن حبان أخرجه عن ابن عمر، وأخرجه أحمد وصححه الحاكم من حديث جبير بن مطعم، وأخرجه الطبراني من حديث أنس وإنه حديث صحيح، وإن من قال: لم يرد تكثير الحجب في حديث صحيح يحمل كلامه على ما جاء من ذلك في حديث المعراج كرواية: ((سبعين حجابًا غلظ كل حجاب مسيرة خمسمائة عام، ثم حملت على رفرف أخضر يغلب ضوؤه ضوء الشمس حتى وصلت للعرش)» = ٢٥٤ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثالث = وكرواية: ((ثم)) أي: بعد انقطاع جبريل عنه، وقوله: «هذا مقامي إن جاوزته احترقت زج بي في النور فخرق بي سبعين ألف حجاب ليس فيها حجاب يشبه حجابًا)» فهاتان ونحوهما هي التي لم تثبت بخلاف ما نحن فيه. انتهى. والحاصل أن الحجاب الصوري لا يتصور في حقه تعالى بخلاف النوري المعنوي، وما أحسن قول ابن عطاء: الحق ليس بمحجوب، وإنما المحجوب أنت عن النظر إليه؛ إذ لو حجبه شيء لستره ما حجبه، ولو كان له ساتر لكان لوجوده حاصرًا، وكل حاصر لشيء فهو له قاهر وهو القاهر فوق عباده، ومن كلامه أيضًا مما يدلك على وجود قهره سبحانه إن حجبك عنه بما ليس بموجود معه، ومن كلامه أيضًا كيف يتصور أن يحجبه شيء، وهو الذي أظهر كل شيء كيف يتصور أن يحجبه شيء، وهو الظاهر قبل وجود كل شيء كيف يتصور أن يحجبه شيء، وهو الواحد الذي ليس معه شيء كيف يتصور أن يحجبه شيء، وهو أقرب إليك من كل شيء. وقال السيد جمال الدين: هذا الحديث بهذا اللفظ لم أره مخرجًا في شيء من الكتب المعتمدة المشهورة، ولكن رأيت في تخريج أحاديث المصابيح للسلمي أنه قال: وروى ابن حبان في (صحيحه) عن محارب بن دثار عن ابن عمر إن رجلاً سأل النبي أي البقاع شر؟ قال: لا أدري حتى أسأل جبريل، فسأل جبريل فقال: لا أدري حتى أسأل ميكائيل، فجاء فقال: خير البقاع المساجد وشرها الأسواق. قال ميرك شاه: ثم رأيت في ((الترغيب والترهيب)) للمنذري عن عبد الله بن عمر أن رجلاً سأل النبي أي البقاع خير؟ وأي البقاع شر؟ قال: لا أدري حتى أسأل جبريل، فقال: لا أدري حتى أسأل ميكائيل، فجاء فقال: خير البقاع المساجد وشر البقاع الأسواق. رواه الطبراني في ((الكبير)) وابن حبان في ((صحيحه). وروي عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله لجبريل: أي البقاع خير؟ قال: لا أدري، قال: فسل عن ذلك ربك، قال: فبكى جبريل وقال: يا محمد، وما لنا أن نسأله هو الذي يخبرنا بما نشاء فعرج إلى السماء، ثم أتاه فقال: خير البقاع بيوت الله في الأرض، قال: فأي البقاع شر فعرج إلى السماء، ثم أتاه فقال: شر البقاع الأسواق. رواه الطبراني في ((الأوسط)). وعن جبير بن مطعم أن رجلاً قال: يا رسول الله، أي البلدان أحب إلى الله، وأي البلدان أبغض إلى الله؟ قال: لا أدري حتى أسأل جبريل فأتاه جبريل، فأخبره أن أحب البقاع إلى الله المساجد وأبغض البلاد إلى الله الأسواق. رواه أحمد والبزار، واللفظ له وأبو يعلى والحاكم وقال: صحيح الإسناد. انتهى، وكلامه يدل على أن ذكر الحجب ليس في هذه الروايات، فتصحيح ابن حجر غير صحيح على إطلاقه فتدبر، وحاصله أن عدد السبعين غير صحيح لا نفس الحجاب، فإنه ورد في حديث مسلم على ما مرَّ في صدر الكتاب من رواية أبي موسى مرفوعًا: «حجابه النور لو = ٢٥٥ كتاب الصّلاة/ باب المساجد ومواضع الصّلاة (الفصل الثالث) ٧٤٢ - [عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِوَ ﴿ يَقُولُ: مَنْ جَاءَ مَسْجِدِي هَذَا لَمْ يَأْتِهِ إِلَّا لِخَيْرٍ يَتَعَلَّمُهُ أَوْ يُعَلِّمُهُ، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَمَنْ جَاءَ لِغَيْرِ ذَلِكَ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الرَّجُلِ يَنْظُرُ إِلَى مَتَاعٍ غَيْرِهِ(١). رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهُ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي «شُعَبِ - کشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه». (١) أخرجه ابن أبي شيبة (٧٥١٧)، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (م ١٦٩٨)، وأحمد (٩٤٠٩)، وابن ماجه (٢٢٧)، وأبو يعلى ٦٤٧٢). * قال القاري: (الفصل الثالث: عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله يقول: من جاء مسجدي هذا) أي: المسجد النبوي في المدينة المعطرة (لم يأت) أي: حال كونه غيرآت (إلا لخير) أي: علم أو عمل يتعلمه أو يعلمه أو للتنويع، وفيه دلالة ظاهرة على جواز التدريس في المسجد خلافًا لما تقدم عن الإمام مالك، ولعله منع رفع الصوت المشوش فهو بمنزلة المجاهد في سبيل الله من حيث أن كلا منهما يريد إعلاء كلمة الله العليا، أو لأن العلم والجهاد كل واحد منهما قد يكون فرض عين، وقد يكون فرض كفاية أو لأن كلا منهما عبادة نفعها متعدٍ إلى عموم المسلمين (ومن جاء لغير ذلك) أي: لغير ما ذكر من الخير، وهو العلم والعمل الذي يشمل الصلاة والاعتكاف والزيارة، قال الطيبي: يوهم أن الصلاة داخلة في الغير وليس كذلك؛ لأن الصلاة مفروغ عنها، وأنها مستثناة من أصل الكلام (فهو بمنزلة الرجل ينظر إلى متاع غيره) أي: فهو متحسر محروم عما ينتفع به الناس في الدنيا من العلم والعمل والثناء الجميل، وفي العقبى من الدرجات والجزاء الجزيل. قال الطيبي: شبه حالة من أتى المسجد لغير الصلاة والتعليم بحالة من ينظر إلى متاع الغير بغير إذنه، ومع ذلك لم يقصد تملكه بوجه شرعي، فإن ذلك محظور، وكذلك إتيان المسجد لغير ما بني محظور لا سيما مسجد رسول الله (صل﴾. انتهى. لكن كون النظر المجرد إلى متاع الغير محظورًا محل نظر، ثم رأيت ابن حجر تعقبه بقوله: إن المحظور المحرم ولا حرمة هنا بل يجوز النظر لمتاع الغير، وإن لم يقصد تملكه ما لم يكن بإشراف من كوة ونحوها، ولما نقل النووي قول ((الإحياء): لو سقف المسجد بحرام حرم الجلوس تحته؛ لأنه انتفاع بالحرام، قال: فيه نظر، والمختار أنه لا يحرم القعود، وهو من باب الانتفاع بضوء سراج غيره والنظر في مرآته إذا لم يستول عليهما، وهما جائزان بلا خلاف، وقوله: ((وكذلك .. إلخ)) ممنوع أيضًا، فإن من جملة ما لم يبن له دخوله لنحو المرور والنوم به، ولا حظر = ٢٥٦ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثالث الْإِيمَانِ))]. ٧٤٣ - [وَعَنِ الْحَسَن مُرْسَلاً قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ يَكُونُ حَدِيثُهُمْ فِي مَسَاجِدِهم فِي أَمْرِ دُنْيَاهُمْ فَلَا تُجَالِسُوهُمْ فَلَيسَ لله فِيهم حَاجَةٌ(١). رَوَاهُ الْبَيْهَِيُّ فِي ((شُعَبِ الْإِيمَانِ))]. ٧٤٤ - [وَعَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: كُنْتُ قَائِمًا فِي الْمَسْجِدِ، فَحَصَبَنِي رَجُلُ، فَنَظَرْتُ فَإِذَا هُو عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، فَقَالَ: اذْهَبْ فَأْتِنِي بِهَذَيْنِ، فَجِئْتُهُ بِهِمَا، فَقَالَ: مِمَّنْ أَنْتُمَا؟ - أَوْ مِنْ أَيْنَ أَنْتُمَا؟ - قَالَا: مِنْ أَهْلِ الطَّائِفِ، قَالَ: لَوْكُنْتُمَا مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ لأَ وْجَعْتُكُمَا، تَرْفَعَانِ أَصْوَاتَكُمَا فِي مَسْجِدِ رَسُولِ الله ◌ِ(٢). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ]. = في ذلك. انتهى، والمراد بالحظر الحرمة وإلا فالمرور مكروه من غير ضرورة بلا خلاف، والنوم فيه تفصيل كما سبق لكنه مكروه لا محرم بالإجماع (رواه ابن ماجه والبيهقي في ((شعب الإيمان»). (١) أخرجه البيهقي في (شعب الإيمان)) (٢٩٦٢). * قال القاري: (وعن الحسن) أي: البصري (مرسلاً) إذ هو تابعي (قال: قال رسول الله: يأتي على الناس زمان يكون حديثهم) أي: كلامهم ومحادثتهم في مساجدهم في أمر دنياهم وهي موضوعة لأمر دينهم، قال ابن الهمام في ((شرح الهداية)): الكلام المباح في المسجد مكروه يأكل الحسنات (فلا تجالسوهم) أي: هؤلاء الناس الموصوفين بما ذكر، وهو يحتمل الإطلاق والتقييد بالمسجد (فليس لله فيهم) أي: في إتيانهم إلى المسجد وعبادتهم فيه (حاجة) هي كناية عن عدم قبول طاعتهم، قال الطيبي: هو كناية عن براءة الله تعالى وخروجهم عن ذمة الله سبحانه، وإلا فالله تعالى منزه عن الحاجة مطلقًا، وفيه تهديد عظيم لأجل ظلمهم ووضعهم الشيء في غير موضعه؛ لأن المسجد لم يبنَ إلا للعبادات، قلت: ويمكن أن يكون التقدير فليس لأهل الله في مجالستهم حاجة. (رواه البيهقي في ((شعب الإيمان))). (٢) أخرجه البخاري (٤٥٨)، والبيهقي (٤١٤٣). * قال القاري: (وعن السائب بن يزيد قال: كنت نائمًا في المسجد) وفي نسخة صحيحة: ((قائمًا)) قال ميرك نقلاً عن الشيخ، كذا وقع في الأصول بالقاف، وفي رواية: ((نائمًا)) ويؤيدها رواية الإسماعيلي بلفظ: ((مضطجعًا» (فحصبني رجل) أي: رجمني بالحصباء، وهي الحجارة الصغار (فنظرت، فإذا) وفي نسخة بزيادة (هو) أي: الرجل الحاصب (عمر بن الخطاب، فقال: اذهب = ٢٥٧ كتاب الصّلاة/ باب المساجد ومواضع الصّلاة فأتني بهذين) أي: الرجلين المشار إليهما (فجئته بهما، فقال: ممن أنتما؟) أي: من أي قبيلة وجماعة؟ (أو من أين أنتما) أي: من أي بلد (قالا: من أهل الطائف) وهو يصلح جوابًا لكل من السؤالين (قال: لو كنتما من أهل المدينة لأوجعتكما) إذ لا عذر لكما حينئذٍ. قاله الطيبي؛ يعني: أهل المدينة يعرفون حرمة مسجده ول﴾ أكثر من غيرهم، فلا يسامحون مسامحة الغرباء؛ إذ يمكن أن يكونوا قريبي العهد بالإسلام وبمعرفة الأحكام. قال ميرك: وزاد الإسماعيلي ((جلدًا)) أي: ضربًا بالجلد، ومن هذه الجهة تبين كون هذا الحديث له حكم الرفع؛ لأن عمر لا يتوعدهما بالجلد إلا على مخالفة أمر توفيقي (ترفعان) جملة مستأنفة للبيان، وقيل: جواب عن سؤال مقدر كأنهما قالا: لمَ توجعنا؟ قال: لأنكما ترفعان، وقوله: (أصواتكما) قال المالكي: المضاف المثنى معنى إذا كان جزء ما أضيف إليه يجوز إفراده نحو: أكلت رأس شاتين، وجمعه أجود نحو: ((صغت قلوبكم)) والتثنية مع أصالتها قليلة الاستعمال وإن لم يكن جزءه، فالأكثر مجيئه بلفظ التثنية نحو: سل الزيدان سيفيهما، وإن أمن اللبس جاز جعل المضاف بلفظ الجمع كما في ((يعذبان في قبورهما)) كذا نقله ميرك، وفيه أن المراد بالأصوات هنا الجمع حقيقة؛ إذ لكل حرف صوت كما هو مقرر في محله (في مسجد رسول الله وَله) أي: خصوصًا إذا مع شرافته له زيادة مزية أنه ◌َ ل* في قبره حي، وقال تعالى: ﴿لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ [الحجرات: ٢]. قال النووي: يكره رفع الصوت في المسجد بالعلم وغيره، وقال ابن حجر: سئل مالك عن رفع الصوت في المسجد بالعلم، فقال: لا خير فيه بعلم ولا بغيره، ولقد أدركت الناس قديمًا يعيبون ذلك على من يڪون بمجلسه، وأنا أکره ذلك، ولا أدري فيه خيرًا. قال ابن حجر: وقد روى ابن أبي شيبة عن عمر أنه سمع رجلاً رافعًا صوته في المسجد، فقال: أتدري أين أنت؟ قال: وقال قوم: لا كراهة فيه، منهم أبو حنيفة واحتجوا بما مرَّ في الوضوء من قوله ◌َلين: ((ويل للأعقاب من النار)) ورد بأنه ليس في الحديث أنهم كانوا في المسجد بل سياقه صريح في أنهم كانوا في غیر المسجد، نعم صحَّ عن کعب بن مالك، وابن أبي حدرد في دین له عليه أنهما ارتفعت أصواتهما في المسجد، ولم ينكر عليهما # وقال: ضع من دينك الشطر، وقد يجاب بأنه #3 ترك الإنكار لبيان الجواز فلا يدل على انتفاء الكراهة. انتهى كلامه، وفيه نظر من وجوه منها نسبة نفي مطلق الكراهة إلى الإمام الأعظم وهو افتراء عليه؛ إذ مذهبه كراهة رفع الصوت في المسجد ولو بالذكر، نعم جوز التدريس في المسجد، والبحث فيه حيث لم يشوش على المصلين، أو لم يكن هناك مصلون، ومنها إسناد الاحتجاج إليه بالحديث المذكور، فإنه لو فرض كونه في المسجد لا دلالة فيه على نفي الكراهة مطلقًا؛ إذ ليس فيه ما يشعر برفع = ٢٥٨ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثالث ٧٤٥ - [وَعَنْ مَالِكٍ ﴾ قَالَ: بَنَى عُمَر رَحْبَةً فِي نَاحِيَةِ الْمَسْجِدِ تُسَمَّى: الْبُطَيْحَاءَ، وَقَالَ: مَنْ كَانَ يُرِيدُ أَنْ يَلْغَطَ أَوْ يُنْشِدَ شِعْرًا أَوْ يَرْفَعَ صَوْتَهُ فَلْيَخْرُجْ إِلَى هَذِهِ الرَّحْبَةِ(١). رَوَاهُ فِي (الْمُوَظَّا))]. ٧٤٦ - [وَعَنْ أَنَسِ ﴾ قَالَ: رَأَى النَّبِيُّ ◌َلْ تُخَامَةً فِي الْقِبْلَةِ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ حَتَّى رُفِيَّ فِي وَجْهِهِ، فَقَامَ فَحَكَّهُ بِيَدِهِ، فَقَالَ: إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا قَامَ فِي الصَّلاةِ فَإِنَّهُ يُنَاچِي رَبَّهُ، وَإِنَّ رَبَّهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ، فَلَا يَبْزُقَنَّ أَحَدُكُمْ قِبَلَ قِبْلَتِهِ، وَلَكِنْ عَنْ يَسَارِهِ، أَوْ تَحْتَ قَدَمَيْهِ، ثُمَّ أَخَذَ طَرَفَ رِدَائِهِ فَبَصَقَ فِيهِ، ثُمَّ رَدَّ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ، فَقَالَ: أَوْ يَفْعَلْ هَكَذَا(٩) . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ]. = الصوت، وعلى التسليم نهي المنكر في المسجد، ولو برفع الصوت لا يكره إجماعًا، ومنها جوابه عن حديث كعب، فإنه لا يخلو عن بعد، والأقرب أن يحمل على ما قبل نزول قوله تعالى: ﴿لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ.﴾ (رواه البخاري). (١) أخرجه مالك (٤٢٨). * قال القاري: (وعن مالك) المراد به الإمام صاحب المذهب (قال: بنى عمر# رحبة في ناحية المسجد) أي: فضاء في خارج المسجد. قال في ((القاموس)): رحبة المكان وتسكن ساحته ومتسعه، وقال الطيبي: الرحبة بالفتح: الصحراء بين أفنية القوم، ورحبة المسجد: ساحته. قال أبو علي الدقاق: ليس للحائض أن تدخل رحبة مسجد الجماعة متصلة كانت أو منفصلة، وتحريك الحاء أحسن، وفيه وأما في حديث علي # وصف وضوء رسول الله في رحبة الكوفة، فإنها دكان وسط مسجد الكوفة كان علي # يقعد فيه ويعظ (تسمى) أي: تلك الرحبة (البطيحاء) ولعلها فرش فيها البطحاء (وقال) أي: عمر (من كان يريد أن يلغط) اللغط صوت وضجة لا يفهم معناه. قاله الطيبي، والمراد من أراد أن يتكلم بما لا يعنيه (أو ينشد شعرًا) أي: لنفسه أو لغيره، وقول ابن حجر: أي شعرًا مذمومًا ليس في محله؛ لأنه لا يباح مطلقًا (أو يرفع صوته) ولو بالذكر (فليخرج إلى هذه الرحبة) فإن الأمر فيها أسهل وأهون (رواه) أي: مالك (في الموطأ) بالهمز والألف، وقد سبق الاعتراض على مثل صنيع المصنف هذا، وكان حقه في هذا المقام أن يقول: وعن عمر أنه بنى رحبة، ثم يقول رواه مالك. (٢) أخرجه البخاري (٤٠٥). * قال القاري: (وعن أنس قالك رأى النبي ◌َّ نخامة) بالضم (في القبلة) أي: جدار المسجد - ٢٥٩ كتاب الصلاة/ باب المساجد ومواضع الصّلاة - الذي يلي القبلة، وليس المراد بها المحراب الذي يسميه الناس قبلة؛ لأن المحاريب من المحدثات بعده، ومن ثم كره جمع من السلف اتخاذها والصلاة فيها، قال القضاعي: وأول من أحدث ذلك عمر بن عبد العزيز، وهو يومئذ عامل الوليد بن عبد الملك على المدينة لما أسس مسجد النبي وهدمه، وزاد فيه ويسمى موقف الإمام من المسجد محرابًا؛ لأنه أشرف مجالس المسجد، ومنه قيل: للقصر محراب؛ لأنه أشرف المنازل، وقيل: المحراب مجلس الملك سمي به لانفراده فيه، وكذلك محراب المسجد لانفراد الإمام فيه، وقيل: سمي بذلك؛ لأن المصلي يحارب فيه الشيطان، قال الطيبي: النخامة: البراقة التي تخرج من أقصى الحلق، ومن مخرج الخاء المعجمة، وهو كذا في ((النهاية)) وهو المناسب لقوله الآتي: ((فلا يبزقن)) لكن قوله من أقصى الحلق غير صحيح؛ إذ الخاء المعجمة مخرجها أدنى الحلق، وقال في ((المغرب)): النخاعة والنخامة ما يخرج من الخيشوم عند التنحنح، وفي (القاموس)): النخاعة النخامة أو ما يخرج من الخيشوم (فشق) أي: صعب (ذلك) أي: ما ذكر من رؤية النخامة (عليه حتى رؤي) أي: أثر المشقة (في وجهه) وهو مجهول رأى، قال الطيبي: الضمير الذي أقيم مقام الفاعل راجع إلى معنى قوله: ((فشق ذلك عليه)) وهو الكراهة (فقام) بنفسه الشريفة (فحكه بيده) اللطيفة عوضًا عن أمته الضعيفة، وإشارة إلى أن سيد القوم خادمهم، وتواضعًا لربه حملة ومحبة لبيته (فقال: إن أحدكم إذا قام في الصلاة) أي: دخل فيها سواء كان في المسجد أو غيره (فإنما يناجي ربه) أي: يخاطبه بلسان القال كالقراءة والذكر والدعاء، وبلسان الحال كأنواع أحوال الانتقال؛ ولذا قيل: الصلاة معراج المؤمن (وإن ربه بينه وبين القبلة) في ((شرح السنة)) معناه: أن يقصد ربه تعالى بالتوجه إلى القبلة، فيصير بالتقدير كان مقصوده بينه وبين القبلة، فأمر أن تصان تلك الجهة عن البزاق نقله الطيبي. (فلا يبزقن أحدكم قبل) أي: جهة (قبلته) لأنها أشرف الجهات، واليزاق إلى القبلة دائمًا ممنوع، فالشرطية لإفادة زيادة القبح (ولكن) أي: ليبصق (عن يساره أو تحت قدمه) أي: اليسار، وقال النووي: الأمر بالبصاق عن يساره وتحت قدمه فيما إذا كان في غير المسجد، وأما في المسجد فلا يبصق إلا في ثوبه. قال ابن حجر: فيه نظر؛ لأنه إذا كان في المسجد على شيء له مفروش فيه، فله البزاق عليه في جنبه الأيسر أو تحت قدمه؛ لأن الغرض أن البزاق إنما ينزل على فراشه، ولا يصيب أجزاء المسجد منه شيء. انتهى، وما ذكره مفهوم من إطلاق قوله: ((إلا في ثوبه)! فليس فيه نظر صحيح كما هو صريح فتأمل، وتصويره ول بأخذ ردائه والاقتصار عليه؛ لأن الناس لم يكونوا يفرشون تحتهم من ثيابهم شيئًا (ثم أخذ) أي: النبي (طرف ردائه فبصق) أي: بزق فيه (ثم رد بعضه) أي: بعض ردائه (على بعض، فقال: أو يفعل هكذا) أي: مثل هذا = ٢٦٠ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثالث ٧٤٧ - [وَعَنِ السَّائِبِ بْنِ خَلَادٍ ﴾ وَهُو رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِّ قَالَ: إِنَّ رَجُلاً أَمَّ قَوْمًا فَبَصَقَ فِي الْقِبْلَةِ وَرَسُولُ اللهِ وَهِ يَنْظُرُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَُّ لِقَومِهِ حِينَ فَرَغَ: لَا يُصَلِّ لَكُمْ، فَأَرَادَ بَعْدَ ذَلِكَ أَنْ يُصَلِّ لَهُمْ فَمَنَعُوهُ، وَأَخْبَرُوهُ بِقَوْلِ رَسُولِ اللهِ وَّةِ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ وَلَه فَقَالَ: نَعَمْ. وَحَسِبْتُ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّكَ قَدْ آذَيْتَ اللهَ وَرَسُولَهُ(١). رَوَاهُ أَبُو دَاوُد]. - الذي فعلته وإذا فعل هذا فليكن في جهة اليسرى. (رواه البخاري). (١) أخرجه أبو داود (٤٨١). * قال القاري: (وعن السائب بن خلاد هو) وفي نسخة: وهو (رجل من أصحاب النبي ◌َليّ) ولعله ذكر ذلك؛ لأنه لم يكن من مشاهير الصحابة، أو كان ممن اختلف في صحبته (قال: إن رجلا أمَّ قومًا) أي: صلى بهم إمامًا، ولعلهم كانوا وفدًا (فبصق في القبلة) أي: في جهتها (ورسول الله ### ينظر) أي: يطالع فيه (فقال رسول الله لقومه) لما رأى منه قلة الأدب (حين فرغ: لا يصلي لكم) بإثبات الياء في («شرح السنة)) أصل الكلام لا تصل لهم، فعدل إلى النفي؛ ليؤذن بأنه لا يصلح للإمامة، وإن بينه وبينها منافاة، وأيضًا في الإعراض عنه غضب شديد حيث لم يجعله محلاً للخطاب، وكان هذا النهي في غيبته (فأراد بعد ذلك أن يصلي لهم فمنعوه) فسأل عن سبب المنع (فأخبروه بقول رسول الله ﴿5﴾، فذكر) أي: الرجل (ذلك) أي: منع القوم إياه عن الإمامة (لرسول الله ( *) وقال: ذكروا أنك منعتني عن الإمامة بهم أكذلك هو؟ (فقال) أي: رسول الله: (نعم) أنا أمرتهم بذلك (وحسبت) أي: قال الراوي: وظننت (أنه) أي: الرسول الله (قال) أي: له زيادة على نعم (إنك قد آذيت) أي: خالفت (الله ورسوله) وفيه تشديد عظيم. قال تعالى: ﴿إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة وأعد لهم عذاباً مهينا﴾ وذكر الله تعالى للتبرك أو لبيان أن إيذاء رسوله لمخالفة نهيه لا سيما بحضرته منزل منزلة إيذاء الله تعالى. كذا ذكره ابن حجر، وهذا منه مبنى على جعل الإيذاء على حقيقته (رواه أبو داود) وابن حبان في ((صحيحه)) قاله ميرك، ثم قال: ولحديث السائب بن خلاد شاهد من حديث عبد الله بن عمرو قال: ((أمر رسول الله وي ليه رجلاً يصلي بالناس الظهر فتفل بالقبلة وهو يصلي للناس، فلما كان صلاة العصر أرسل إلى آخر فأشفق الرجل الأول، فجاء إلى النبي ◌َديقة فقال: يا رسول الله أنزل في شيء؟ قال: لا ولكنك تفلت بين يديك وأنت تؤم الناس، فآذيت الله والملائكة». رواه الطبراني في (الکبیر) بإسناد جيد.