النص المفهرس
صفحات 181-200
١٨١
كتاب الصّلاة/ باب المساجد ومواضع الصّلاة
ليس بصحيح أيضًا، والأحاديث الصحيحة مصرحة بأنها من الجنة حقيقة، لكنها لما
نزلت إلى الأرض اكتسبت أوصافها أيضًا.
وقوله: ((كما يقول في اليوم الطيب ... إلى آخره)) لا دليل فيه؛ لأن الحقيقة في
تلك المثل وما أشبهها نحو الجنة تحت ظلال السيوف، وعائد المريض على محارف الجنة
مستحيلاً خلافها فيما نحن فيه.
(وَمِنْبَرِي عَلَى حَوْضِي. مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ) وهو حقيقة؛ إذ لا استحالة فيه أيضًا،
فیعود منبره الشریف بعینه حتی ینصب له على حوضه.
وقال الطحاوي في ((مشكل الآثار)): ((وقد جاء وضع منبري على ترعة من
ترعات الجنة، وما بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنة، وأن قوائم منبري هذا
رواتب في الجنة))(١)، قال: ففي هذه الأحاديث ما يدل على أن قبره ومنبره خارجًا عن
الروضة، وأن منبره في موضع من الجنة غير الروضة المذكورة في الحديث، ومما يدل على
ذلك أن سهل بن سعد # لما حدث عن النبي ◌ُّ﴾: إن منبره على ترعة من ترع الجنة،
قال: أتدرون ما الترعة؟ هي الباب من أبواب الجنة، وإذا كان منبره وَ له بلغه الله
بجلوسه فيه وقيامه عليه هذه المنزلة، فغيره الذي تضمن بدنه، وصار له مثوى أولى بأن
یکون في روضة من رياض الجنة. انتهى.
وهو صريح في حمل الحديث كله على الحقيقة كما ذكرناه ثم خروجهما عن
الروضة لا محذور فيه؛ لأن القصد ببيان أن ما بينهما روضة إعلام الناس بشرف هذا
المحل حتى يلازموه للاعتكاف والعبادة فيه، وأمَّا كون القبر الشريف روضة من
رياض الجنة وأي روضة، فمعلوم من أحاديث أخر: ((القبر روضة من رياض الجنة أو
حفرة من حفر النار)) بل قد أجمعوا على أن التربة التي ضمت أعضاءه الشريفة أفضل
حتى من العرش؛ أي: والجنة.
(١) أخرجه الطحاوي في ((مشكل الآثار)) (٢٤١٠) التُّرعة: الروضة والدرجة المرتفعة.
١٨٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثالث
وأمَّا كون المنبر ينصب على الحوض فمعلوم من قوله: ((ومنبري على حوضي)).
وأمَّا كون الترعة الباب من أبواب الجنة فبتقدير تسليمه هو يدل على أنه
ينتقل من الحوض بعد انفضاض الناس عنه إلى الجنة، وبه يعلم أن المنبر ينقل إلى
الجنة، وكونه في موضع منها غير الروضة المذكورة لا محذور فيه أيضًا.
وظن الشارح وغيره أن الحديث من باب المجاز فبسطوا الكلام فيما يليق به
من التشبيه والاستعارة وما يلائمهما، وهو غير محتاج إليه مع ما ظهر مما قررته أن
ذلك كله على حقيقته.
فإن قلت: يلزم على ما ذكرته من إبقاء الحديث على ظاهره ما ادعاه بعض
المالكية ونحوهم من دلالة هذا الحديث مع حديث: ((لموضع سقط أحدكم في الجنة
خير من الدنيا وما فيها)) على أفضلية المدينة على مكة؛ لأنه يثبت بمجموع الحديثين
أن المدينة خير الأرض، وقد تمدح بعض المتأخرين بهذا الاستدلال وادعى أنه قطعي
فيما ذكر.
قلت: لا يلزم ما ذكر، والتمدح بمثل ذلك عجيب؛ لأنا لو سلمنا ما ذكر دل
على أن الأفضل هو خصوص الروضة دون بقية المسجد والمدينة، ولا قائل بذلك على
أن المراد بالجنة في الحديث الثاني هي الباقية على حقيقتها، ولم يعبر عنها بانسلاخ
أحكام الجنة عنها واتصافها بأحكام الأرض، والذين يقولون بكون الروضة في الجنة
حقيقة لا يقولون ببقاء أوصاف الجنة فيها؛ لأنه مكابرة للحس، وحينئذ فاختلف
معنى الجنة في الحديثين، فلم يدلا بوجه على تلك الدعوى الناشئة عن الغفلة عما
قررته، فتأمله.
٦٩٥ - [وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ◌َهِ يَأْتِي مَسْجِدَ
قُبَاءٍ كُلَّ سَبْتٍ مَاشِيًّا وَرَاكِبًا فَيُصَلِّ فِيهِ رَكْعَتَيْنِ(١). مُتَّفَقَّ عَلَيْهِ].
(١) أخرجه البخاري (١١٩٣)، ومسلم (٣٤٥٦)، وأحمد (٥٦٥١)، والبيهقي في «سننه» (١٠٥٩٣).
١٨٣
كتاب الصّلاة/ باب المساجد ومواضع الصّلاة
(وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ◌َهِ يَأْتِي مَسْجِدَ قُبَاءٍ)
بالقصر والمد، وأنكر بعضهم القصر، وقال بعضهم: من العرب من يذكره فيصرفه،
ومنهم من یؤنثه ولا یصرفه.
(كُلَّ سَبْتٍ مَاشِيًا) تارة (وَرَاكِبًا) أخرى (فَيُصَلِّ فِيهِ رَكْعَتَيْنِ. مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ)
وسبب ذلك ما صحَّ أيضًا عنه وَّهِ: ((إِنَّ صَلاَةً فِي مَسْجِدِ قُبَاءَ كَعُمْرَةٍ»(١).
وفي رواية: ((مَنْ تَوَضَّأَ فَأَسْبَغَ الْوُضُوءَ وجاء مَسْجِدٍ قُبَاءٍ، فَصَلَّى فِيهِ رَكْعَتِين
كَانَ لَهُ أَجْرِ عُمْرَة)»(٩).
وفي أخرى صحيحة أيضًا: ((مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ وُضُوءَهُ، ثُمَّ دَخَلَ مَسْجِدَ قُبَاءً
فَرَكَعَ فِيهِ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، كَانَ ذَلِكَ عَدْل عُمْرة))(٣) ويجمع بأنه يحتمل أن ثواب العمرة
رتب أولاً على أربع ركعات، ثم سهل الله على عباده وتفضل علیهم فرتبه علی رکعتین.
وصحَّ عن سعيد بن أبي وقاص ﴾: ((لأن أصلي في مسجد قباء ركعتين أحب
إلي من آتي بيت المقدس مرتين، لو يعلمون ما في قباء لضربوا إليه أكباد الإبل)».
قال علماؤنا: فيسن لمن بالمدينة أن يقصد مسجد قباء كل سبت للصلاة فيه
اقتداء به * وتحصيلاً لثوابه العظيم، ومن هنا وغيره قال: عوض الله تعالى قاصد
مسجده ◌َّه عن الحج والعمرة بأمرين، وعد عليهما ذلك الثواب.
أمَّا الحج فذكر ابن الجوزي بإسناده وابن النجار بإسناده عن أبي أمامة أنه
قال: ((مَنْ خَرَجَ عَلَى طُهْرٍ لَا يُرِيد إِلَّ الصَّلَاةِ فِي مَسْجِدِي حَتَّى يُصلِّ فِيهِ كَانَ بِمِنْزِلَةٍ
حَجَّة))(٤).
(١) أخرجه الترمذي (٣٢٤) وقال: حسن غريب، وابن ماجه (١٤١١)، والبيهقي (١٠٠٧٥)، وأبو يعلى
(٧١٧٢)، والطبراني (٥٧٠)، والحاكم (١٧٩٢) وقال: صحيح الإسناد، وابن أبي شيبة (٧٥٢٩)،
والضياء (١٤٧٢).
(٢) أخرجه الطبراني (٥٤٢٨).
(٣) أخرجه ابن أبي شيبة (٧٥٣٠)، وعبد بن حميد (٤٦٩)، والطبراني (٥٥٦٠).
(٤) أخرجه البيهقي في ((شعب الإيمان)) (٤١٩١).
١٨٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثالث
وأمَّا العمرة فزيارة مسجد قباء الحديث الصحيح: ((صَلاة فِي مَسْجِدِ قُبَاءَ
كَعُمْرَةٍ)(١) وكان حكمة تخصيصه وله زيارة قباء بيوم السبت أنه أول يوم يلي أفضل
الأيام وآكدها؛ إذ هو من خصائص هذه الأمة، ومن ثم كان عيد المؤمنين فهو الأولى
بأن تقع الزيارة فيه؛ لكنها لما تعذرت أو تعسرت للاشتغال بالتكبير والتهيؤ للجمعة ثم
بالجلوس بعدها إلى صلاة العصر لما فيه من عظيم الفضل الوارد في السنة جعلت في
أقرب الأوقات إليه وهو صبيحة السبت.
ومن ثم قال أصحابنا: يسن زيارة حمزة # يوم الخميس، ووجه ذلك الاشتغال
يوم الجمعة بزيارة البقيع والتكبير والتهيؤ للجمعة ويوم السبت بزيارة قباء، فلم يبق
زمن أقرب إلى أفضل الأيام إلا يوم الخميس فيسن فيه ذلك.
فائدة:
مسجد قباء هو أول مسجد أسسه النبي ◌َّله، ومن ثم ذهب جماعة من
الصحابة وغيرهم إلى أنه المراد من قول الله تعالى: ﴿لَّمَسْجِدْ أَسِّسَ عَلَى التَّقْوَى ... ﴾
[التوبة: ١٠٨].
٦٩٦ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴿ه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَيِ: أَحَبُّ الْبِلَادِ إِلَى الله
مَسَاجِدُهَا وَأَبْغَضُ الْبِلَادِ إِلَى اللهِ أَسْوَاقُهَا (٤). رَوَاهُ مُسْلِمْ].
(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّةُ: أَحَبُّ الْبِلَادِ إِلَى الله مَسَاجِدُهَا
وَأَبْغَضُ الْبِلَادِ إِلَى اللهِ أَسْوَاقُهَا. رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وليس على حذف مضاف؛ أي: بقاع
البلاد خلافًا لمن قدره لصحة الكلام، بل ظهوره بدونه؛ أي: أحب كل بلد إلى الله تعالى
مسجده وأبغض کل بلد إلیه سوقه.
وقد أشار الله تعالى ورسوله وَله إلى الفرق بينهما بقوله عزَّ قائلاً: ﴿فِي بُيُوتٍ
(١) تقدم تخريجه.
(٢) أخرجه مسلم (٦٧١)، وابن حبان (١٦٠٠)، وابن خزيمة (١٢٩٣)، وأبو عوانة (١١٥٥)، والبيهقي
(٤٧٦٣).
١٨٥
كتاب الصّلاة/ باب المساجد ومواضع الصّلاة
أَذِنَ اللهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ [النور: ٣٦].
وبقوله {َّ: ((المساجد مواطن المتقين))(١) أي: فزوارها ﴿رِجَالٌّ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ
وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ الله وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ القُلُوبُ
وَالأَبْصَارُ * لِيَجْزِيَهُمُ اللهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ﴾ [النور: ٣٧ - ٣٨]
وهذا لا يزيد إلا قربًا من الله تعالى والانتظام في سلك أوليائه، وقصاد الأسواق
شياطين الإنس والجن لكثرة وقوع المعاصي، بل الكبائر فيها من الغش والخيانة والربا
والكذب والأَيْمَان الكاذبة التي يقطعون بها الأموال ويخدعون بها الرجال وغير ذلك
من القبائح والمفاسد التي تنشأ عن غلبة الحرص والشره والشح وطول الأمل، وهذا لا
يورث إلا دنوًّا من الشياطين وانخراطًا في سلك حزبه وارتباطًا في مضائق خداعه
واتباع مكائده.
تنبيه:
ما ذكر فيهما إنما هو باعتبار الغالب وإلا فقد يقصد المسجد للغيبة ونحوها،
والسوق لطلب الحلال الصرف من غير شبهة صيانة لصون ماء وجهه عن بذله ووقاية
لعرضه ودينه عن الحرام وأكله، ولكون ذلك أمرًا نادرًا فيهما لم يعارض بثبوت
الأحبية والأبغضية المذكورين.
٦٩٧ . [وَعَنْ عُثْمَانِ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وََّ: مَنْ بَنَى الله مَسْجِدًا
بَنَّى اللهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ(٢). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ].
(وَعَنْ عُثْمَان ◌َ﴿ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَله: مَنْ بَنَّى الله) أي: مريدًا ببنائه
وجه الله لا غرضًا من أغراض الدنيا، ومن ثم قيل: من كتب اسمه على بنائه دل ذلك
منه على عدم إخلاصه، وهو ظاهر ما لم يقصد بكتابة اسمه نحو الدعاء والترحم عليه
(١) لم أقف عليه.
(٢) أخرجه البخاري (٤٣٩)، ومسلم (٥٣٣)، وأحمد (٤٣٤)، والترمذي (٣١٨) وقال: حسن صحيح،
وابن ماجه (٧٣٦)، وابن حبان (١٦٠٩).
١٨٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثالث
(مَسْجِدًا بَنَى اللهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ. مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ).
وفي رواية لهما: «بَنَى اللّهُ لَهُ مِثْلَهُ فِي الْجَنَّةِ))(١).
وفي أخرى للبخاري: ((مَنْ بَنَى مَسْجِدًا - قَالَ بُكَيْرُ: حَسِبْتُ أَنَّهُ قَالَ: يَبْتَغِي
بِهِ وَجْهَ الله تَعَالَى - بَنَّى اللهُ لَهُ مِثْلَهُ فِي الْجَنَّةِ))(٤).
وروى أحمد خبر: ((مَنْ بنى الله مَسْجِدًا، وَهُو كَمَفْحَصٍ قَطَاةٍ لِبَيْضِهَا بَنَى اللّهُ
لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ»(٣).
وابن ماجه بسند صحيح: ((مَنْ بَنَى مَسْجِدًا لله كَمَفْحَصٍ قَطَاةٍ أَوْ أَصْغَرَ
بَنَّى اللهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ))(٤) وأخرجه ابن خزيمة في ((صحيحه) أيضًا وابن حبان في
((صحیحە)).
قال الذهبي: وإسناده جيد، و((مفحص القطاة)) بفتح الميم: محل تبحثه برجليها
وتصلحه ليبيض به الأرض، مأخوذ من الفحص، وهو البحث، و((لو)) هنا للتعليل كما
أثبته من معانيها ابن هشام الحصراوي، وجعل منه: ((اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقٌّ تَمْرَةٍ)»(٥).
قال الزركشي: والظاهر أن التعليل مستفاد من بعد (لولا)) من (لو))، والتعليل
هنا يحصل بأدنى زيادة في مسجد تنزيلاً لتتمیمه منزلة ابتدائیة حملاً للناس على ذلك،
ويحتمل أن الكلام خرج مخرج المبالغة، واستشكل قوله مثله مع قوله تعالى: ﴿مَن جَاءَ
بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام:١٦٠].
(١) انظر السابق.
(٢) أخرجه البخاري (٤٥٠).
(٣) أخرجه الطيالسي (٢٦١٧)، وأحمد (٢١٥٧).
(٤) أخرجه البخاري في ((التاريخ الكبير)) (٣٣١/١)، وابن ماجه (٧٣٨)، وابن حبان (٤٩٠)، وابن
خزيمة (١٢٩٢)، والديلمي (٥٧١٩).
(٥) أخرجه البخاري (١٣٥١)، ومسلم (١٠١٦)، والنسائي (٢٥٥٢)، والطبراني (٢٠٨) وفي الأوسط
(٢٥٤٢)، والبيهقي في (شعب الإيمان)) (٧٣٣)، وابن عساكر (٢٥١/٦٠)، والبزار (٣٢٢٦)، وأبو
يعلى (٢٧٠٧)، وابن خزيمة (٢٤٢٩).
١٨٧
كتاب الصّلاة/ باب المساجد ومواضع الصلاة
وأجاب النووي بأن المثلية هنا يحتمل وجهين:
أحدهما: معناه بنى له بيتا في الجنة فضله على بقية بيوتها، كفضل المسجد على
بیوت الدنیا.
ثانيهما: معناه أنه مثله في مسمى البيت، وأمَّا حقيقة صفته في السعة وغيرها
فمعلوم فضلها وعظمها، ومن ثم قال بعضهم: المثلية بحسب الكمية، والزيادة حاصلة
بحسب الکیفیة، فكم من بیت خیر من مائة بيت.
ويوافق ذلك قول ابن الجوزي: مثله في الاسم لا في المقدار؛ أي: بنى له بيت
كما بنى بيتًا، فجزاء هذه الحسنة من جنس البناء لا من غيره، مع أن التفاوت حاصل
قطعًا بالنسبة إلى ضيق الدنيا وسعة الجنة.
ومن ثم روى أحمد: ((بَنَّى اللهُ لَهُ فِي الْجَنَّةِ أَفْضَلَ مِنْهُ))(١).
ورواه الطبراني بلفظ: ((أَوْسَعَ مِنْهُ))(٢) وإنما مثل ◌َّ بمفحص القطاة دون
غيرها؛ لأنها تتخذ محلاً لبيضها على بسيط الأرض، كما علم مما مرَّلا على نحو شجر أو
جبل بخلاف بقية الطيور.
وقيل: لأن العرب تضرب بها المثل في الصدق، ففيه الإشارة إلى الحث على
الإخلاص في بنائه والصدق في إنشائه، وخرج بقوله: ((بنى تحويط)) نحو تراب أو أحجار
على بقعة معدّة لمصلى الناس، فلا يناله هذا الثواب؛ لأنه إن كان في أرض موات فهي لا
تخرج عن الموات إلا بالبناء وتسقيف الملك، والبناء في الموات مع النية كاف عن
التلفظ بوقفه مسجدًا.
وإن كان في أرض ملك فلا بد من إنشاء وقفها باللفظ: مسجدًا، فإن وقفها
مسجدًا وليس بها بناء صارت العرصة مسجدًا، لكن لا يحصل له ذلك الثواب لفقد
البناء اللَّهُمَّ إلا أن يقال: إن التعبير به خرج مخرج الغالب، وإن لم يقفها مسجدًا لم
(١) أخرجه الطبراني (٢١٣)، وأحمد (١٦٠٤٨).
(٢) أخرجه أحمد (٢٧٦٥٣)، والطبراني (٧٨٨٩).
١٨٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثالث
يحصل له ذلك الثواب وإن بني سقف، فتأمل هذا التفصيل فإنه لا بد منه وإن لم أرَ
من ذكره هنا.
فإن قلت: في رواية عن عائشة مرفوعًا: ((مَنْ بنى لله مَسْجِدًا وَلَوْ كَمِفْحَصٍ
قَطَاةٍ بنى اللهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ، قُلتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَهَذِه المسَاحِدِ التِي بِطَرِيقٍ مَكَّة؟
قَالَ: وَتِلكَ))(١) ففيه دليل على أن ما يحوط بنحو أحجار صغار في الطرق لصلاة
المسافرين يسمى مسجدًا ويحصل فيه ذلك الثواب.
قلت: لا دليل فيه؛ لأنا لم نعلم كيفية تلك المساجد التي أشارت إليها عائشة،
ويفرض أنها تريد ما هو معهود من المحوطات بالطرق، فيكون فيها ذلك الثواب وإن
لم يسم مسجدًا حقيقة فضلاً من الله ورحمة.
ثم قوله: ((بنى)) الظاهر أنه لا يشمل الأجير الذي يبني لغيره، وأنه يشمل
المستأجر من يبنى له وإن لم يباشر البناء بنفسه كما يدل عليه استدلال عثمان عليه
بهذا الحديث، ومن المعلوم أنه لم يباشر ذلك بنفسه.
قال ابن العماد: ولو اشترك جمع في عمارة مسجد، فهل يبنى لكل منهم بيت في
الجنة كما لو أعتق الشركاء قنَّا واحدًا، فإن كلّا منهم يعتق من النار؛ لقوله تعالى: ﴿فَكُّ
رَقَبَةٍ﴾ [البلد: ١٣] وفسره وَله بعتق البعض، قال: وهذا هو القياس؛ لأن فيه ترغيبًا
وحملاً للناس على بناء المساجد وإنشاء عمارتها، ويجوز بناؤه لكافر ولا يصير به مسلمًا
وإن عظمه، وإنما كفر مسلم عظم كنيسة؛ لأن الكفر يحصل بمجرد النية بخلاف
الإسلام، ويجوز اتحاد جميع الأرض مسجدًا إلا مسجد الضرار؛ لقوله تعالى: ﴿لَا تَقُمْ
فِيهِ أَبَدًا﴾ [التوبة: ١٠٨] ويكره اتخاذه فيما يكره الصّلاة فيه كديار قوم لوط وأرض
برهوت وثمود ومحسر وغيرهما من كل ما غضب عليه.
وبحث ابن العماد أنه لو اتخذ حمامًا مسجدًا لم تزل الكراهة وله احتمال
(١) ذكره الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) (١٩٤١) وقال: رواه البزار والطبراني في ((الأوسط)) باختصار، وفيه
كثير بن عبد الرحمن ضعفه العقيلي، وذكره ابن حبان في ((الثقات)).
١٨٩
كتاب الصّلاة/ باب المساجد ومواضع الصّلاة
بزوالها، وهو الأوجه؛ لأن الشيطان إنما ألفه لما كان معدًّا لنحو كشف العورات وفعل
المستقدرات وقد زال ذلك، ويحرم اتخاذه في مقبرة مسبلة فيهدم وجوبًا، ولو اتخذه في
مقبرة منبوشة لم تصح الصّلاة عليه إلا بحائل، ولا يمكن تطهير المنبوشة؛ لاختلاط
ترابها بالصديد بخلاف ما لو سرت نجاسة في باطن الأرض من الموتى إلى ظاهرها بأنها
نجاسة حكمية فيطهر بمرور الماء عليها.
٦٩٨ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴿ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَلِ: مَنْ غَدَا إِلَى الْمَسْجِدِ أَوْ
رَاحَ أَعَدَّ اللهُ لَهُ نُزُلَهُ مِنَ الْجَنَّةِ كُلَّمَا غَدَا أَوْ رَاحَ(١). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ].
(وعَنْ أَبِي هُرَيْرَة ﴿ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌َةُ: مَنْ غَدَا إِلَى الْمَسْجِدِ)
أي: ذهب إليه فيما بين طلوع الفجر والزوال (أَوْ رَاحَ) أي: ذهب إليه فيما بعد
الزوال.
(أَعَدَّ اللهُ لَهُ نُزُلَهُ مِنَ الْجَنَّةِ) هو ما يهيأ للضيف (كُلَّمَا غَدَا أَوْ رَاحَ. مُتَّفَقُّ
عَلَيْهِ) أي: كلما استمر غدوه ورواحه استمر إعداد نزلة في الجنة كناية عن تهيئة
أعظم المنازل وأفضلها له في مقابلة ذلك، فكلما غد طرف جوابه ما دل عليه ما قبله
وهو العامل فيه، والغدو والرواح كالبكرة والعشي في قوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا
بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم: ٦٢] المراد بهما الديمومة لا الوقتان المعلومان، وآثر ذلك النزل
ليفيد أخذًا من عادة النساء أنهم يقدمون أفضل ما عندهم لمن يدخل بيوتهم أن من
دخل المسجد الذي هو بيت الله أيّ وقت كان من ليل أو نهار يعطيه الله أفضل
الثواب من الجنة؛ لأنه تعالى أكرم الأكرمين ف﴿لَا يُضِيعُ أَجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ [التوبة:
١٢٠].
٦٩٩ - [وَعَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ ◌َ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: أَعْظَمُ النَّاسِ
أَجْرًا فِي الصَّلَاةِ أَبْعَدُهُمْ فَأَبْعَدُهُمْ مَمْشَى، وَالَّذِي يَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ حَتَّى يُصَلَّيَهَا مَعَ الإِمَامِ
(١) أخرجه البخاري (٦٣١)، ومسلم (٦٦٩)، وابن حبان (٢٠٣٧)، وأحمد (١٠٦١٦)، وابن أبي شيبة
(٣٤٦١١)، وابن خزيمة (١٤٩٦)، وأبو عوانة (١١٢١).
١٩٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثالث
أَعْظَمُ أَجْرًا مِنَ الَّذِي يُصَلِّيهَا ثُمَّ يَنَامُ(١) مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ].
(وَعَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَثَ: أَعْظَمُ النَّاسِ أَجْرًا فِي
الصَّلَاةِ أَبْعَدُهُمْ فَأَبْعَدُهُمْ مَمْشَى) الفاء للاستمرار كما في قوله: ثم الأمثل
فالأمثل.
(وَلَّذِي يَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ حَتَّى يُصَلِّيَهَا مَعَ الإِمَامِ) أي: وإن خرج وقت الاختيار.
(أَعْظَمُ أَجْرًا مِنَ الَّذِي يُصَلِّيهَا) وحده (ثُمَّ يَنَامُ) وإن صلاها أول الوقت
(مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ) قيل: ويحتمل أن المراد أن من يصليها مع الإمام أفضل ممن لا يصليها
مع الإمام ثم ينام ولا ينتظر شيئًا، كنى عن عدم الانتظار بالنوم؛ ليفهم أن المنتظر
يحصل الله ثواب الانتظار وإن نام.
فإن قلت: ورد من شؤم الدار عدم سماعها للأذان، فكيف هذا مع ما صرح
به هذا الحديث والذي بعد أن كلما زاد بعدها زاد فضلها؟
قلت: يجمع بأن الشؤم من حيث إن عدم سماع الأذان ربما أدى إلى فوت
الوقت أو الجماعة والفضل من حيث كثرة الخطى المستلزمة لكثرة الأجر فالحيثية
مختلفة، ثم رأيت ابن العماد صرح بأن الدار البعيدة أفضل، واستدل بما هنا وبخبر
مسلم عن جابر: «كانت ديارنا نائية عن المسجد فأردنا أن نبيع بيوتنا فنقرب من
المسجد فنهانا رسول الله ﴿ ﴿ فقال: ((إِنَّ لَكُمْ بِكُلِّ خُطْوَةٍ دَرَجَةً)(٩).
وروى مسلم أيضًا أن بعض الصحابة كان أبعدهم دارًا، فقيل له: ألا تركت؟
قال: ما يسرني أن منزلي بجنب المسجد، إني أريد أن يكتب لي ممشاي إلى المسجد
ورجوعي إذا رجعت إلى أهلي، فقال ◌َلهُ: ((قَدْ جَمَعَ اللهُ لَكَ ذَلِكَ كُلَّهُ))(٣).
(١) أخرجه البخاري (٦٢٣)، ومسلم (٦٦٢)، وابن خزيمة (١٥٠١)، وابن ماجه (٧٨٢).
(٢) أخرجه مسلم (١٥٥٠)، وأحمد (٢١٨١٣)، والبيهقي في ((سننه)) (٥١٦٥).
(٣) أخرجه مسلم (٦٦٣)، والدارمي (١٢٨٤)، وأحمد (٢١٢٥٢)، وأبو عوانة (١١٥٣)، وابن خزيمة
(١٥٠٠)، وابن حبان (٢٠٤١).
١٩٣
كتاب الصّلاة/ باب المساجد ومواضع الصّلاة
أَخَافُ اللهَ، وَرَجُلُّ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتَّى لَا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ(١).
مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ].
(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَة ◌َ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: سَبْعَةٌ) لا مفهوم له، فقد ورد
من مجموع الأحاديث ما يدل على الزيادة على السبعة بكثير.
(يُظِلُّهُمُ اللهُ فِي ظِلِّهِ) أي: ظل عرشه، كما في رواية فإن قلت: يشكل على ذلك
دنو الشمس من الرؤوس المستلزم لعدم الظل؛ إذ لا يظهره إلا الشمس، قلت: أن
يجاب عنه بفرض صحة ذلك الاستلزام بمنع دعوى أنه لا يظهره إلا هي.
ألا ترى أن الجنة لا ظل فيها مع قوله وَله: ((إِنَّ فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةً يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي
ظِلّهَا كذا))(٢) فكما جاز للشجرة ظل مع عدم الشمس فكذلك الفرس، أو الظل كناية
عن الرحمة والرعاية والعز والوقاية من قولهم: أظلني فلان؛ أي: حرسني وجعلني في
ظله؛ أي: عزه ومنعته؛ يعني: إن الله تعالى يحرسهم من كرب الآخرة ويكنفهم في
كنف رحمته وفي ظله من مزيد التأكيد ورفع ما يوهم حذفه من أنه يظلهم في ظل غيره
ما لا يخفى عظيم وقعه، وزاد في تأكيده وتقريره بنفي جنس الظل وإثبات ظله، فقال:
(يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ) أي: ظل عرشه، أو لا رحمة ووقاية إلا رحمته ووقايته.
(إِمَامُ عَادِلٌ) لأن الناس كانوا في ظله في الدنيا؛ أي: عزه ومنعته وحراسته،
فجوزي بنظيره في الآخرة (جَزَاءً وِفَاقًا﴾ [النبأ: ٢٦] وقدم؛ لأنه أفضل السبعة.
(وَشَابُّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ الله) لأن من ألف العبادة في صغر سنه جانب صغائر
المعاصي فضلاً عن كبائرها وتمكن من نفسه فكانت تحت ظله ورعايته.
(وَرَجُلُ قَلْبُهُ مُعَلَّقُ بِالْمَسْجِدِ إِذَا خَرَجَ مِنْهُ حَتَّى يَعُودَ إِلَيْهِ) ومن لازم هذا
(١) أخرجه مالك (١٧٠٩)، والبخاري (٦٢٩)، ومسلم (١٠٣١)، وأحمد (٩٦٦٣)، والترمذي (٢٣٩١)
وقال: حسن صحيح، والنسائي في الكبرى (٥٩٢١)، وابن حبان (٤٤٨٦)، وابن خزيمة (٣٥٨).
(٢) أخرجه البخاري (٤٨٨١)، والترمذي (٢٧١٥)، وأحمد (٧٧٠٩)، وابن ماجه (٤٤٧٩)، والدارمي
(٢٨٩٤)، والحميدي (١١٨٣)، والطبراني في ((الأوسط)) (٢٦١٩)، وابن حبان (٧٥٣٥).
١٩٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثالث
أيضًا أنه قهر نفسه ومنعها من المعاصي، فكان كالذي قبله، وأفاد الحديث ندب
ملازمته المسجد والجلوس فيه لما فيه من إحياء البقعة وانتظار الصّلاة وفعلها في
أوقاتها على أكمل الأحوال.
وروى ابن أبي شيبة أن أبا ذر قال لابنه: يا بني ليكن المسجد بيتك، فإن
رسول الله وَل﴿ل يقول: ((المسَاحِد بُيُوت المتَّقِين فَمَنْ يَكن المسَجِد بَيته يَضْمَن اللهُ
تَعَالَى لَهُ الرَّوحَ وَالرَّحْمَةَ وَالجَوَازَ عَلَى الصِّرَاطِ إِلَى الجَنَّةِ»(١).
وعن الأعمش عن عبد الرحمن بن معقل قال: كنا نتحدث أن المسجد حصن
حصين من الشيطان.
وقال عمر : المساجد بيوت الله في الأرض وحق على المزور أن يكرم زائره،
ولا يعارض خبر أبي داود وابن خزيمة في ((صحيحه): «نَقَى رَسُولُ اللهِ وَ عَنْ نَقْرَةٍ
الْغُرَابِ، وَافْتِرَاشِ السَّبُعِ، وَأَنْ يُوطِنَ الرَّجلُ المكَانَ مِنَ المَسْجِدِ كَمَا يُوطِنُ الْبَعِيرُ)(٢).
وفي رواية للنسائي: ((وَأَنْ يُوَطِّنَ الرَّجُلُ الْمَقَامَ لِلصَّلَاةِ كَمَا يُوَطِّنُ الْبَعِيرُ)(٣)
وذلك لأن هذا الحديث مداره على تميم بن محمود، وقد نظر فيه البخاري وأجاب عنه
ابن حبان بتسليم صحته بأن النهي إنما هو عن اتخاذ محل واحد من المسجد لغير
الصّلاة والذكر، واستدل لذلك بما أخرجه عن أبي هريرة قال: إن رسول الله وَالإ قال:
(لَا يُوطن الرَّجُلِ المسْجِد للصَّلَاةِ أَوْ لِذِكْرِ الله ◌ِلَّا يَتبشبَشُ الله تعالى كَمَا يَتَبَشْبَشُ
أَهْلُ الْغَائِبِ إِذَا قَدِمَ عَلَيْهِمْ غَائِبُهم))(٤) والتبشبش معناه هنا: إنه نظر إليه بالرأفة
والرحمة جريًا على عادة فضله تعالى مع المتقربين إليه بإثابتهم ما لم يبلغه
أعمالهم.
(١) أخرجه الطبراني في ((الأوسط)) (٧٣٥٣)، وابن أبي شيبة في ((مصنفه)) (١٧٢/٨).
(٢) أخرجه أبو داود (٨٦٢)، وابن ماجه (١٤٩٦)، وأحمد (١٥٩٣١)، والحاكم (٧٩٧).
(٣) أخرجه النسائي (١١١١).
(٤) أخرجه أحمد (٨٥٧٢)، وابن ماجه (٨٠٠)، والحاكم (٧٧١)، وابن حبان (٥٥).
١٩١
كتاب الصّلاة/ باب المساجد ومواضع الصّلاة
ومن خبر: ((أَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى مَا يَمْحُو اللّهُ بِهِ الْخَطَايَا وَيَرْفَعُ بِهِ الدَّرَجَاتِ)(١)
وعد منها المشي إلى المساجد.
وروى أحمد خبر: ((فَضْلِ الدَّارِ البعيدةِ عَنِ المسْجِد عَلَى القَرِيبَة كَفَضْلٍ
الفَارِسِ عَلَى القَاعِد)»(٢) ومحل ذلك فيمن لم نقيده ببعد داره مهم ديني كتعلم علم
وتعليمه ونحوهما من فروض الكفايات، وإلا فالقريبة أفضل في حقٌّه كالضعيف عن
المشي.
٧٠٠ - [وَعَنْ جَابِرِ ﴾ قَالَ: خَلَتِ الْبِقَاعُ حَوْلَ الْمَسْجِدِ فَأَرَادَ بَنُو سَلِمَةَ أَنْ
يَنْتَقِلُوا قُرْبَ الْمَسْجِدِ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ◌َّهِ، فَقَالَ لَهُمْ: بَلَغَنِي أَنَّكُمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَنْتَقِلُوا
قُرْبَ الْمَسْجِدِ. قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ نَعَمْ قَدْ أَرَدْنَا ذَلِكَ. فَقَالَ: يَا بَنِي سَلِمَةَ دِيَارَكُمْ
تُكْتَبْ آثَارُكُمْ)(٣).
(وَعَنْ جَابِرٍ ﴾ قَالَ: خَلَتِ الْبِقَاعُ حَوْلَ الْمَسْجِدِ فَأَرَادَ بَنُو سَلِمَةَ) بكسر
اللام بطن من الأنصار، وليس في العرب سلمة بكسر اللام غيرهم.
(أَنْ يَنْتَقِلُوا قُرْبَ الْمَسْجِدِ) لبعد ديارهم عنه وشدة المشقة عليهم بالمجيء
إليه، لا سيما في سواد الليل وعند اشتداد المطر والبرد، أو إلى [خوف ظلمة أو غريم، أو
شيء من الأعذار].
(فَبَلَغَ ذَلِكَ) أي: انتقالهم المفهوم من ينتقلوا (النَّبِيَّ ◌َّهِ، فَقَالَ لَهُمْ: بَلَغَنِي
أَنَّكُمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَنْتَقِلُوا قُرْبَ الْمَسْجِدِ. قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ نَعَمْ قَدْ أَرَدْنَا ذَلِكَ. فَقَالَ:
يَا بَنِي سَلِمَةَ) حكمة ندائهم به مع الاستغناء عنه مزيد الرفق بهم والتعطف عليهم
(١) أخرجه مالك (٣٨٤)، ومسلم (٢٥١)، والترمذي (٥١)، وأحمد (٧٢٠٨)، والنسائي (١٣٩)، وابن
حبان (١٠٣٨)، وعبد الرزاق (١٩٩٣)، وابن خزيمة (٥).
(٢) أخرجه أحمد (٢٤٠٩٦) بلفظ: ((إِنَّ فَضْلَ الدَّارِ الْقَرِيبَةِ - يَعْنِي: مِنَ الْمَسْجِدِ - عَلَى الدَّارِ البعيدةِ
كَفَضْلِ الْغَازِي عَلَى الْقَاعِدِ».
(٣) أخرجه مسلم (٦٦٥)، وأحمد (١٤٦٠٦)، وابن حبان (٢٠٤٢)، وابن خزيمة (٤٥١)، وأبو يعلى
(٢١٥٧).
١٩٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثالث
ببذل النصح لهم حتى يستمروا على ما فيه صلاحهم وصلاح المسلمين؛ إذ بانتقالهم
تعروا المدينة عن الحرس ويتمكن منها العدو.
(دِيَارَكُمْ) أي: الزموا دياركم.
(تُكْتَبْ) بالجزم جوابًا للأمر الذي تضمنه عليكم، وهو ((الزموا)) وبالرفع
استئنافًا لبيان الموجب.
(آثَارُكُمْ) جمع: أثر، وأثر المشي حصول ما يدل على وجوده، قال تعالى:
﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾ [يس: ١٢] ومنه يؤخذ أن المراد بالكتابة هنا أمر
الحافظين بالكتابة في صحائف الأعمال وبه أثر الخطى ونحوها، وفيه إعلامهم
بما يحثهم على امتثال أمره من أن كثرة الخطى إلى المساجد سبب لزيادة الأجر،
كما علم من الخبر السابق: «أَعْظَمُ النَّاسِ أَجْرًا فِي الصَّلَاةِ أَبْعَدُهُمْ فَأَبْعَدُهُمْ
مَمْشَى))(١).
وقيل: المراد بالكتابة كتب ما في السير وبالآثار ما يؤثر في الكتب المدونة من
سير الصالحين، فالمعنى لزومكم دياركم وبعد ممشاكم يكتب في سير السلف وآثار
الصالحين فيقتدي به من بعدهم، وحينئذٍ فيكون سببًا لحرص الناس وجدهم
واجتهادهم في حضور الجماعات، ومقتضيًا للاندراج في خبر: «مَنْ سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً
فَلَهُ أَجْرِهَا وَأَجْر مَنْ عَمِلَ بِهَا إِلَى يَومِ القِيَامَةِ))(٢).
٧٠١ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَِّ: سَبْعَةُ يُظِلُّهُمُ اللهُ فِي ظِلِّهِ
يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ: إِمَامُ عَادِلُّ، وَشَابٌّ فَشَأَّ فِي عِبَادَةِ اللهِ، وَرَجُلُ قَلْبُهُ مُعَلَّقُ بِالْمَسْجِدِ
إِذَا خَرَجَ مِنْهُ حَتَّى يَعُودَ إِلَيْهِ، وَرَجُلَانِ تَحَابًّا فِي الله اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ، وَرَجُلُ
ذَكَرَ اللهَ خَالِيًّا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ، وَرَجُلُ دَعَتْهُ امْرَأَةُ ذَاتُ حَسَبٍ وَجَمَالٍ فَقَالَ: إِنِّي
(١) تقدم تخريجه.
(٢) أخرجه الترمذي (٢٨٩٠)، وأحمد (١٩٧١٩)، وابن ماجه (٢٠٧)، والطبراني (٢٢٦٣) وفي «الأوسط))
(٤٣٨٦)، والبيهقي في «سننه» (٧٩٩٣).
١٩٥
كتاب الصّلاة/ باب المساجد ومواضع الصّلاة
كما قال تعالى: ((مَنْ تَقَرَّبَ مِنِّي شِبْرًا تَقَرَّبْتُ مِنْهُ ذِرَاعًا ... ))(١).
(وَرَجُلَانِ تَحَابَّا فِي الله اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ) أي: الخلوص مودتهما في
الغيبة والحضور وكونها لله وحده، ومن لازم ذلك أن كلًّا في ظل الآخر وحراسته
ووقايته من المعاصي والآفات، فحازا بظل الله الأكبر.
(وَرَجُلُ ذَگرَ الله خَالِيًا) فاستحضر باهر جلاله، وعلي كماله ومزيد تقصیر
نفسه وتخلفه عن الصالحين من أبناء جنسه (فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ) خوفًا من ذنوبه وفزعًا
من عيوبه واستمدادًا لسوابغ رحمته وسوابق توفيقه ورأفته، ومن لازم هذا الفيضان
خلوص النفس عن ثلمات النفوس وظلمات العيوب، فناسب أن يكون في ذلك الظل
الوريف، وأن يفاض عليه من ذلك الفيض الشريف.
(وَرَجُلُ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ حَسَبٍ) هو ما يعده الإنسان من مفاخر آبائه
(وَجَمَالٍ) إلى أن يفجر بها (فَقَالَ) لها مع ما فيها مما يحمل على المبادرة إلى إجابتها: (إِنَّي
أَخَافُ اللهَ) أي: ومن يخافه الخوف الحقيقي لا يقع في ريبة لامتلاء قلبه بتعظيمه
وإجلاله، فهو كالذي قبله لما أن الخوف هو المقام الدحض الذي لا يثبت فيه إلا أقدام
المخلصين.
(وَرَجُلُ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا) وبالغ في إخفائها (حَتَّى) لو كانت يداه لهما
تمييزًا وإدراكًا (لَا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ، مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ) وفي هذا ما يدل على عظیم
معرفته بالله تعالى وإخلاصه له، وأنه لا يعامل غيره ولا يرجو إلا بره وخيره، فلذلك
جازاه بذلك الظل الظليل، وأهلَّه للانتظام في سلك هذا القبيل الذين أتوا ﴿ اللهَ بِقَلْبٍ
سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: ٨٩] من المخالفات، وأخلصوا أعمالهم في سائر الحالات، وخافوا مقام
ربهم فنهوا نفوسهم عن الهوى، وفطموا أفئدتهم عن التعلق بالسواء، فأتاهم من سوابغ
فضله وفيضه العميم ما أحلهم به أعلى درجات النعيم، جعلنا الله من خيارهم وأسبغ
علينا من أنوارهم بمنه وكرمه، آمین.
(١) أخرجه البخاري (٧٠٩٩)، ومسلم (٢٦٧٥)، والطيالسي (١٩٦٧)، وأحمد (١٢٢٥٥).
.
١٩٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثالث
٧٠٢ - [وَعَنْهُ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّ: صَلَاةُ الرَّجُلِ فِي الْجَمَاعَةِ تُضَعَّفُ
عَلَى صَلَاتِهِ فِي بَيْتِهِ وَفِي سُوقِهِ خَمْسًا وَعِشْرِينَ ضِعْفًا، وَذَلِكَ أَنَّهُ إِذَا تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ
الْوُضُوءَ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الْمَسْجِدِ لَا يُخْرِجُهُ إِلَّ الصَّلَاةُ، لَمْ يَخْطُ خَطْوَةً إِلَّا رُفِعَ لَهُ بِهَا
دَرَجَةُ، وَحُطَّ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةٌ، فَإِذَا صَلَى لَمْ تَزَلِ الْمَلَائِكَةُ تُصَلِّ عَلَيْهِ مَا دَامَ فِي
مُصَلَّهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَيْهِ، اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ، وَلَا يَزَالُ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاةٍ مَا انْتَظَرَ الصَّلَاةَ(١).
وَفِي رِوَايَة قَالَ: إِذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ كَانَتِ الصَّلَاةُ تَخْبِسُهُ(٢). وَزَادَ فِي دُعَاءِ
المَلائِكَةِ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ اللَّهُمَّ تُبْ عَلَيْهِ مَا لَمْ يُؤْذِ فِيهِ مَا لَمْ يُحْدِثْ(٣). مُتَّفَقَّ عَلَيْهِ].
(وَعَنْهُ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: صَلَاةُ الرَّجُلِ فِي الْجَمَاعَةِ تُضَعَّفُ) أي:
تزاد، وإسناد الزيادة إليها مجاز عن ثوابها أو بقدر مضاف؛ أي: ثواب صلاة الرجل
(عَلَى) ثواب (صَلَائِهِ) وحده (فِي بَيْتِهِ وَفِي سُوقِهِ) بل وفي المسجد كما علم من أدلة
الأخرى، وخص بالذكر؛ لأن ذلك التضعيف إذا فات من بهما وإن احتاج إلى
ملازمتهما، فمن بغيرهما أولى ما يفوته.
والحاصل: إنا لا ننظر في زيادة صلاة الجماعة على صلاة المنفرد بما يأتي إلى
المحل فهو حاصل وإن كان الانفراد في محل أكمل، كما لو صلى بالمسجد الحرام منفرد
أو خارجه جماعة، وأمَّا بالنظر لغير ذلك فللمحل تأثير فيه أي تأثیر.
(خَمْسًا وَعِشْرِينَ ضِعْفًا) وفي رواية: ((سبعًا وعشرين))، وسيأتي الكلام عليهما
في مبحث الجماعة إن شاء الله تعالى.
(وَذَلِكَ) التضعيف البعيد الرتبة له أسباب تزيد في كماله؛ إذ أصله لا يحتاج
(١) أخرجه البخاري (٦٤٧).
(٢) أخرجه مالك (٣٨١)، ومسلم (٦٤٩)، وأحمد (١٠٣١٣)، وأبو داود (٤٧٠)، والبيهقي
(٤٧٦٥).
(٣) أخرجه البخاري (٤٦٥)، ومسلم (٦٤٩)، وأحمد (٧٤٢٤)، وأبو داود (٥٥٩)، وابن ماجه (٧٩٩)،
وابن حبان (٢٠٤٣).
١٩٧
كتاب الصّلاة/ باب المساجد ومواضع الصّلاة
الشيء منها لحصوله وإن لم يحسن الوضوء؛ أي: يأتي بمتمماته ولا خرج إلى المسجد،
فذكر ذلك وما عدَّه إنما هو بيان لكمال التضعيف بما يحف سببه، وهو الجماعة من
الأفعال المحمودة، وتلك الأسباب المذكورة هي (أَنَّهُ إِذَا تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ) ظاهر
قربه بالخروج إلى المسجد أن المراد بإحسانه الإتيان بمكملاته الزائدة على واجباته.
(ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الْمَسْجِدِ) في حال كونه مخلصًا في خروجه لله وحده.
(لَا يُخْرِجُهُ) إليه (إِلَّ الصَّلَاةُ) وحدها؛ أي: قصد إيقاعها على الوجه المأمور به
دون عرض آخر، وهذه حال مؤسسة لا مؤكدة خلافًا للشارح؛ لأنها أفادت ما لم يفده
ما قبلها.
(لَمْ يَخْطُ خَطْوَةً إِلَّا رُفِعَ لَهُ بِهَا دَرَجَةٌ، وَحُظّ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةٌ، فَإِذَا صَلَّى) بعد
إتيانه بتلك المكملات لصلاته زاد تضعيفها وثوابها زيادات كثيرة باعتبار ما اقترن
بها من المكملات.
ومن جملة تلك الزيادات: إنه إذا صلى وأقام في مصلاه (لَمْ تَزَلِ الْمَلَائِكَةُ
تُصَلِّ عَلَيْهِ مَا دَامَ فِي مُصَلَّاهُ) وما قررته في معنى ذلك وما قبله وبعده أولى مما أشار
إليه الشارح بقوله وقوله ذلك الجملة الحالية كالتعليل للحكم كأنه لما أضاف الصّلاة
إلى الرجل والتعريف فيه للجنس أفاد أن صلاة الرجل الكامل الذي لا يلهيه أمر
دنيوي عن ذكر الله في بيت الله يضعف أضعافًا؛ لأن مثل هذا الرجل لا يقصر في
شرائطها وأركانها وآدابها، فإذا توضأ أحسن الوضوء، وإذا خرج إلى الصّلاة لا يشوبه
شيء مما يكدره، وإذا صلى لم يتعجل للخروج، ومن شأنه هذا فجدير بأن يضعف
ثواب صلاته. انتهى.
إذ ظاهره أن تضعيف الجماعة إلى الخمس والعشرين مشروط بما مر وليس
كذلك كما قدمته، ودعواه أن الجملة حالية فيه تعسف كجعلها للتعليل لما ذكره
فتأمله على أنه يمكن رده لما ذكرته لكن بتعسف ثم كيفية صلاة الملائكة عليه ما
دام في مصلاه أنها تقول: (اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَيْهِ، اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ) وهذا لما فيه من الإبهام ثم
١٩٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثالث
التبيين كما قررته أبلغ مما لو قيل: لم تزل الملائكة تقول: اللَّهُمَّ ... إلخ.
وقولها: ((اللَّهُمَّ ارحمه)) عطف بيان اللُّهُمَّ ((صل عليه)) لإفادة هذه ليست
كصلاة الله على أنبيائه؛ لأنها رحمة مقرونة بالتعظيم، وأمَّا هذه فهي مطلق الرحمة، فلو
اقتصروا على: ((اللَّهُمَّ صل عليه)» لأوهموا أنها كصلاته على الأنبياء وهو خلاف المراد،
فبينوا بالعطف أنها دونها، وبما تقرر ظهر أن الاقتصار على: ((يصلي عليه)) غير كاف؛
لأن الصّلاة من الملائكة الاستغفار وهذا غير مراد هنا، وإنما المراد أن صلاتها هنا
سؤالها الله تعالى أن يصلي عليه فيرحمه وهذا أفخم من مطلق الاستغفار، وبهذا يعلم
ما في كلام الشارح فتأمله.
قال بعضهم: من كان كثير الذنوب وأراد أن يحطها عنه من غير تعب
فليغتنم ملازمة مكان مصلاه بعد الصّلاة؛ ليستكثر من دعاء الملائكة
واستغفارهم له فهو مرجو إجابته؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾
[الأنبياء: ٢٨].
(وَلَا يَزَالُ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاةٍ مَا انْتَظَرَ الصَّلَاةَ) يحتمل أن يؤخذ منه أن المراد
بقوله: ((مادام في مصلاه)) أي: منتظر الصّلاة الأخرى، ويحتمل أن يبقى ذلك على عمومه
ويكون ذكر هذا الإفادة أن المنتظر للصلاة أفضل من المقيم في مصلاه بعد صلاته لا
بنية انتظار صلاة أخرى؛ وذلك لأن الكون في صلاة أبلغ في الثواب والقرب من الحق
من مجرد صلاة الملائكة مع انتفاء الكون في الصّلاة عنه، وهذا الاحتمال الثاني أولى
فتأمله.
(وَفِي رِوَايَة قَالَ: إِذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ كَانَتِ الصَّلَاةُ تَخْبِسُهُ) أي: عن شهواته
ومألوفاته لما أنه جاهد نفسه ودرَّبها في العبادات والمشاق إلى أن اطمأنت وأطاعت
وفهمت سر الصّلاة وشاهدت قرة العين فيها.
وفي رواية لمسلم: (لَا يَزَالُ أَحَدُكُمْ فِي صَلَةٍ مَا كَانَت الصَّلَاة تَخْبِسُهُ لَا يَمْنَعُهُ
١٩٩
كتاب الصلاة/ باب المساجد ومواضع الصّلاة
أَنْ يَنْقَلِبَ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّ الصَّلَاة)(١).
(وَزَادَ فِي دُعَاءِ المَلائِكَةِ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ اللَّهُمَّ تُبْ عَلَيْهِ) وهو تأكيد: ((اللّهُمّ
ارحمه)) إذ المغفرة والتوبة من جملة الرحمة، ولا يزالون مستمرين على الدعاء له بما ذكر
مادام في مصلاه أو منتظرًا للصلاة.
(مَا لَمْ يُؤْذِ فِيهِ) أحدًا من المعصومين بنحو يده أو لسانه؛ لأنه حينئذٍ تلبس
بقاذورات الظلم المانعة عن كل خير الجالبة لكل ضرٍّ.
(مَا لَمْ يُحْدِثْ) حدثًا أصغر لانتقاض طهره وزوال تأهله للصلاة وتشديد ذاك
يحدث خطأ، وفي بعض طرق الحديث عند الترمذي أنه قيل لأبي هريرة لما ذكر ذلك:
ما الحدث يا أبا هريرة؟ قال: فساء أو ضراط، أو سبب الاستفسار إطلاق الحدث على
غير ذلك.
وفي رواية: ((مَا لَمْ يُحْدِثْ أَوْ يَقُومُ))(٢).
وقول المهلب معناه: إن الحدث في المسجد خطيئة يحرم بها المحدث استغفار
الملائكة ودعاءهم المرجو بركته. انتهى.
ممنوع إن أراد بكونه خطيئة أنه حرام، بل الوجه ما ذهب إليه الشافعي عه:
إن تعمد إخراج الريح من الدبر في المسجد لا يحرم لكن الأولى اجتنابه؛ لأن
الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم كما يأتي في الحديث.
ويؤخذ من الحديث أن الحدث الأصغر وإن منع دعاء الملائكة لا يمنع جواز
الجلوس في المسجد، وادعى بعضهم فيه الإجماع وفيه نظر، فقد نقل عن ابن المسيب
والحسن أنه كالجنب يمر فيه ولا يجلس ولا يكره الجلوس فيه للحديث كما يأتي
ويستثنى منه السكران فيحرم مكثه في المسجد كما قاله بعض أئمتنا، وهو ظاهر كما
قاله الزركشي، وخرج بالمحدث المتطهر، فإن جلس فيه لعبادة كاعتكاف أو انتظار
(١) تقدم تخريجه.
(٢) أخرجه أحمد (٧٧٦٢).
٢٠٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثالث
صلاة أو ذكر كان مستحبًّا وإلا فمباحًا.
وقيل: يكره لخبر: ((إِنَّمَا بُنِيَتِ الْمَسَاجِدُ لِذِكْرِ الله)) (١) ورد بأنه وَّه لم ينقل
عنه نهي عنه، ويجوز النوم فيه بلا كراهة عندنا؛ لأن أهل الصفة كانوا يديمون النوم
في المسجد، فلو كان مكروهًا لاتخذ لهم النبي ◌َّ مكانًا آخر لنومهم.
وقيل: يكره للمقيم دون الغريب، وهو قريب من مذهب مالك وأحمد، وقال
جمع من السلف بكراهته مطلقًا، وخبر: ((إِنَّه ◌َ﴿ِ خَرَجَ عَلَى نَاسِ مِنْ أَصْحَابِهِ وَهُم
رُقُودٍ فِي المَسْجِدِ فَقَالَ: انْقَلِبُوا فَإِن هَذَا لَيسَ للمَرْءِ مَرْقَد))(٢) إسناده مجهول منقطع.
وخبر أبي ذر: ((رَآنِي رَسُولُ اللهِ ﴿ نَائِمًا فِي الْمسْجِدِ فَضَرَبَنِي بِرِجْلِهِ، وَقَالَ: لَا
أَرَاكَ نَائِماً فِيهِ))(٣) في إسناده مجهول أيضًا فلا حجة فيه (مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ).
٧٠٣ - [وَعَنْ أَبِي أُسَيْدٍ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌َلِهِ: إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ
الْمَسْجِدَ فَلْيَقُلِ: اللَّهُمَّ افْتَحْ لِي أَبْوَابَ رَحْمَتِكَ، وَإِذَا خَرَجَ فَلْيَقُلِ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ مِنْ
فَضْلِكَ (٤). رَوَاهُ مُسْلِمْ].
(وَعَنْ أَبِي أُسَيْدٍ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَثَرُ: إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ
فَلْيَقُلِ: اللَّهُمَّ افْتَحْ لِي أَبْوَابَ رَحْمَتِكَ) وأخذ أئمتنا من هذا ومن أحاديث أُخر
كالأحاديث الآتية وكخبر الحاكم وصححه: «إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ فَلْيُسَلِّمْ عَلَى
الشَّبِيِنَّهُ وَلَيْقُل: اللَّهُمَّ أَجِرْنِي مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّحِيمِ))(٥).
(١) أخرجه مسلم (١٢٩١)، وابن ماجه (٨١٤)، وأحمد (٢٣٧٥٣)، والبيهقي في («سننه» (٤٥١٧) بلفظ:
(إِنَّمَا بُنِيَتِ الْمَسَاجِدُ لِمَا بُنِيَتْ لَهُ))، وذكره الزيلعي بلفظه في ((نصب الراية)) (٩٢/٤) وقال: غريب
بهذا اللفظ.
(٢) ذكره الملا علي القاري في ((مرقاة المفاتيح)) (١٨٦/٣).
(٣) أخرجه أحمد (٢١٩٩٠)، والدارمي (١٤٥٠)، وابن حبان (٥٢).
(٤) أخرجه مسلم (٧١٣)، وأبو داود (٤٦٥)، والدارمي (٢٦٩١)، والبزار (٣٧٢٠)، وابن حبان (٢٠٤٨)،
والبيهقي (٤١١٥)، وعبد الرزاق (١٦٦٥)، وابن ماجه (٧٧٢).
(٥) أخرجه الحاكم (٧٤٧) وقال: حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.