النص المفهرس
صفحات 161-180
١٦١ كتاب الصّلاة/ باب المساجد ومواضع الصّلاة في كون الحديث مرسلاً. بحث وتنبيه بما يرده ما تقرر ولأن بلالاً كان حاضر الوقعة، فخبره أولى بالتقديم، وجمع آخرون بحمل النفي على مرة، والإثبات على مرة أخرى؛ ليجتمع الخبران، منهم: ابن حبان حيث قال: الأشبه حملهما على دخولين متغايرين: أحدهما: يوم الفتح وصلى فيه. والآخر: في حجة الوداع ولم يصل فيه. وذهب السهيلي إلى أن الدخولين في حجة الوداع دخلها يوم النحر ولم يصل، ودخلها من الغداة وصلى. رواه الدارقطني بإسناد حسن عن ابن عمر - رضي الله عنهما - وحمل بعضهم نفي أسامة على أنه ذهب كما رواه ابن المنذر ليأتي النبي بما في الدلو حتى يمحو الصورة التي في الكعبة فوقعت الصّلاة في غيبته. وحمله النووي على أنه اشتغل بالدعاء وبعد عنه ◌َلي، فلم يدرك صلاته، وبلال کان قريبًا منه فأدركها. ووقع للفخر الرازي في «تفسيره)» أنه نازع في خبر بلال بما يعلم رده مما تقرر، وللشارح كلام نحو كلام الفخر، ولعلة ملأته ويعلم رده مما تقرر أيضًا، وزعمه أن الحديثين تعارضا، فيحمل على النسخ في غاية التهافت لما مرَّ عن خبر الدارقطني، إن المتأخر هو الصّلاة، فتكون هي الناسخة للنفي، وهذا خلاف مطلوبه الذي برهن عليه ويستفاد من دخوله ◌َ له الكعبة وصلاته بها أنه يسن، بل يتأكد دخولها. ويؤيده خبر البيهقي وقال: فيه من ليس بالقوي، وجعله ابن أبي شيبة من قول مجاهد: ((مَنْ دَخَلَ الْبَيْتَ دَخَلَ فِي حَسَنَةٍ وَخَرَجَ مِنْ سَيِّئَةٍ وَخَرَجَ مَغْفُورًا لَهُ»(١) ولذا يتأكد الصّلاة بها ولا نظر إلى الخلاف السابق؛ لأن الخلاف إنما يراعى ويحترم إذا لم (١) أخرجه الطبراني (١١٤٩٠)، والبيهقي (٩٥٠٦)، وابن أبي شيبة (١٣١٧٢)، وابن خزيمة (٣٠١٣). ١٦٢ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثالث سنة صحيحة فلم يراع. فإن قلت: زعم بعضهم كراهة دخولها لخبر صنعت اليوم شيئًا لو كنت استقبلت من أمري ما استدبرت ما كنت صنعته. قالت عائشة: ((قُلتُ: وَمَا ذَاكَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: دَخَلتُ البَيتَ وَخشِيتِ أَنْ يَأْتِي الآتِي مِن بَعدِي يَقُولُ: حَججتُ وَلَمْ أَدْخُلِ البَيتَ، وَإِنَّه لَم يُكْتَبْ عَلينَا دُخُولُهُ، وَإِنمَا كُتِبَ عَلِينَا طَوَافُهُ(١). قلت: الحديث وإن صححه الترمذي في إسناده ضعف على أنه لا حجة فيه المطلق الكراهة، بل لخصوص من توهم أنه من تمام الحج، ونحن نقول به، وقد نصَّ الشافعي على ندب دخوله لهذا الحدیث. وزعم بعضهم أنه من مناسك الحج وليس كما زعم؛ لأنه * دخله غير محرم في عام الفتح، كما صحَّ عنه، ودخله يوم النحر وتاليه في حجة الوداع كما مرت روايته عن الدارقطني بسند حسن. وأمَّا نفي الزركشي دخوله فيها فهو غفلة عما قدمه عن الدارقطني قال أعني: الزركشي: وينبغي دخوله مرات، مرة يصلي فيه أربعًا، ومرة يدعو فقط لاختلاف الروايات في ذلك، وحمله المحققون على دخوله مرات، ومرَّ أنه يسن لمريد دخولها الغسل، وبه صرح في النهاية عن تلخيص ابن القاص وتغليظ الأسنوي له بأن ذلك ليس في محله لأن نسخة مختلفة، وليجتنب داخلها الزحمة والمزاحمة ما أمكنه، وليكن على أفضل الأحوال وأكمل الآداب، فلا ينظر إلى سقفها وما فيها، بل يقصر نظره على أرضها إجلالاً لله وحياء منه. وعن عائشة - رضي الله عنها: عجبًا للمرء المسلم إذا دخل المسجد كيف يدع بصره قبل السقف إجلالاً لله تعالى وإعظامًا دخل رسول الله وَله الكعبة ما خلف بصره موضع سجوده حتى خرج منها صححه الحاكم وتعقبه الذهبي بأنه (١) أخرجه أبو نعيم في ((الحلية)) (١١٥/٧). ١٦٣ كتاب الصّلاة/ باب المساجد ومواضع الصلاة منكر، وليقصد مصلى رسول الله وَله، وهو قرب الجدار الذي أمام الداخل بنحو ثلاثة أذرع ثم يدعها ثم يتحول إلى جميع جوانبها ويكثر الدعاء فيها. (فَلَمَّا خَرَجَ رَكَعَ رَكْعَتَيْنِ فِي قُبُلِ الْكَعْبَةِ) بضمتين أو بضم فسكون، قيل: معناه مقابلها، وقيل: ما استقبلك منها، وهو وجهها الذي فيه الباب، ويؤيد الثاني رواية ابن عمر في هذا الحديث: ((وَصَلَى رَكْعَتِين فِي وَجْهِ الْكَعْبَةِ)(١) وهي صحيحة، وهل يؤخذ من ذلك أنه يسن لمن خرج من الكعبة أن يصلي ركعتين في وجهها اقتداءً به ◌َ ل﴿ أولا لاحتمال أنه وَه إنما صلى ليبين انحصار القبلة في عين الكعبة كما أفاده قول الراوي. (وَقَالَ: هَذِهِ) أي: البقعة التي فيها هذا البناء (الْقِبْلَةُ) أي: لا غيرها كما أفاده تعريف الجرين؛ أي: الكعبة فقط هي المسجد الحرام الذي أمرتم باستقباله في الآية لا المسجد حولها ولا كل الحرم، وبهذا يندفع زعم الشارح أن معناه لا ينبغي أن يتوجه للقبلة إلا من خارج؛ لأنه بناه على زعمه أن الأرجح أنه وَليه لم يصل داخلها، وقد مرَّ رده وأن الصواب أنه صلى فلا يجوز استقبال جهتها، بل لا بد من استقبال عينها بالصدر حيث قدر لكن يقينًا فيمن بنحو المسجد ولا حائل بينه وبينها، وظنًّا فيما بينه وبينها حائل لم يتعد بوضعه ويقدر على إزالته. وما نقل عن بعض أصحابنا أن من صلى بالاجتهاد فأخطأ إلى الحرم جاز غريب ضعيف، وخبر البيهقي في «سننه): «الْبَيْتُ قِبْلَةُ لأَهْلِ الْمَسْجِدِ، وَالْمَسْجِدُ قِبْلَةُ لأَهْلِ الْحَمِ، وَالْحَرَمُ قِبْلَةُ لِأَهْلِ الأَرْضِ)) (٢) لا يحتج به (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ). ٦٩٠ - [ورَوَاهُ مُسْلِمْ [عَنْهُ](٣) عَنْ أُسَامَة بْنِ زَيدٍ رَضِي اللّهُ عَنْهُمَا]. (وَرَوَاهُ مُسْلِمُ عنه) أي: عن ابن عباس (عَنْ أَسَامَة بْنِ زَيدٍ رَضِي اللهُ عَنْهُمَا). (١) تقدم تخريجه. (٢) أخرجه البيهقي (٢٠٦٦)، والديلمي (٢٢٢٥) بنحوه. (٣) سقط من الأصل. ١٦٤ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثالث ٦٩١ - [وَعَنِ عَبدِ الله بنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - أَنَّ رَسُولَ الله ◌َِّ دَخَلَ الْكَعْبَةَ هُوَ وَأُسَامَةُ بن زَيْدٍ، وَعُثْمَانُ بن طَلْحَةَ الْحَجَبِيُّ، وَبِلالُ بْنِ رَبَاحِ، فَأَغْلَقَهَا عَلَيْهِ وَمَكَثَ فِيهَا، فَسَأَلْتُ بِلالاً حِينَ خَرَجَ: مَا صَنَعَ رَسُولُ الله ◌َ؟ فَقَالَ: جَعَلّ عَمُودًا عَنْ يَسَارِهِ، وَعَمُودَيْنِ عَنْ يَمِينِهِ، وَثَلاثَةَ أَعْمِدَةٍ وَرَاءَهُ، وَكَانَ الْبَيْتُ يَوْمَئِذٍ عَلَى سِتَّةٍ أَعْمِدَةٍ، ثُمَّ صَلَى(١). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ]. (وَعَنِ عَبْدِ الله بنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - أَنَّ رَسُولَ اللهِ ◌َ﴾ْ دَخَلَ الْكَعْبَةَ هُوَ وَأَسَامَةُ بِنِ زَيْدٍ، وَعُثْمَانُ بن طَلْحَةَ الْحَجَبِيُّ، وَبِلالُ بْنِ رَبَاحِ، فَأَغْلَقَهَا عَلَيْهِ) الظاهر أنه إنما أغلقه خوفًا من الزحمة ووقوع الضرر، وليكن أسكن لقلبه وأجمع خشوعه، ثم رأيت النووي صرح بذلك. والشافعي قال: إنما أغلقه لوجوب الصّلاة إلى جدار من جدرانها، فدل على أنه لو صلى إلى الباب وهو مفتوح، ولم تكن عتبته مرتفعة ثلثي ذراع لم يصح؛ لأنه لم يستقبل منها شيئًا ووقع في ((صحيح البخاري)) عن بعض الرواة أنه إنما أغلق الباب؛ لئلا يستدبر شيئًا من البيت، ورد بأنه إذا أغلق صار كأنه جدار البيت، بخلاف ما لو هدمت - والعياذ بالله - فصلى في عرضها ولا شاخص، فإنه لا تصح الصّلاة على سطحها إذا لم يكن من نحو بنائها شيء مرتفع ثلثي ذراع؛ لأنه صلى في البيت لا إليه، ولهذا لو هدمها ابن الزبير ووضع أعمدة وستر عليها الستور لاستقبال المستقبلين وطواف الطائفین. وقال ابن عباس - رضي الله عنهما: إن كنت هادمها فلا تدع الناس لا قبلة لهم وهذا يدل على أن بقعة البيت ليست عندهما كالبيت، وخالفهما جابر فقال: صلوا إلى مواضعها ومذهبنا أنه قبلة للخارج عنها وإن لم يكن فيها شاخص؛ لأن استقبال (١) أخرجه مالك (٩٠١)، والبخاري (٥٠٥)، ومسلم (٣٢٩٤)، وأبو داود (٢٠٢٥)، والنسائي (٧٥٧)، وأحمد (٦٠٦٩)، وابن حبان (٤٧٩)، والبيهقي في ((سننه)) (٣٩٤٦)، والطبراني في ((الكبير)) (١٠٣٣). ١٦٥ كتاب الصّلاة/ باب المساجد ومواضع الصّلاة هوائها للخارج عنها صحيح كمن يصلي الآن إليها، وهو أعلى من سطحها، بخلاف من فيها لا يعد مستقبلاً لهوائها فلم تصح صلاته حتى يستقبل شيئًا من أجزائها أو نحوه كعصا مستمرة فيها دون المغروزة. (وَمَكَثَ فِيهَا، فَسَأَلْتُ بِلالاً حِينَ خَرَجَ: مَا صَنَعَ رَسُولُ اللهِ وََّ؟ فَقَالَ: جَعَلَ عَمُودًا عَنْ يَسَارِهِ، وَعَمُودَيْنِ عَنْ يَمِينِهِ، وَثَلاثَةَ أَعْمِدَةٍ وَرَاءَهُ، وَكَانَ الْبَيْتُ يَوْمَئِذٍ عَلَى سِتَّةِ أَعْمِدَةٍ، ثُمَّ صَلَّ. مُتَفَقُّ عَلَيْهِ) وهذا مثال ذلك، وبه يعلم ما مر أن محل صلاته وَ ي و كان قبيل الجدار الذي أمام الداخل من الباب، فإذا جعل الواقف ثم ظهره لفتحة الباب ووجهه إلى الجدار المقابل له، وكان بينه وبين الجدار نحو ثلاثة أذرع كان في محل صلاته وَلـ قال ابن عقيل الحنبلي: وقع لي تأملات في الحج، منها: الصّلاة بين عمودي البيت إلى أربع جهات إلى هذا واستدبرت الآخر وعكسه وإلى ما يلي الظهر وإلى ما يلي الصدر لتكون الموافقة حاصلة فقد صحَّ أنه وَل ◌ّ صلى فيها ولم أدرٍ كيف صلى. انتهى. والظاهر أنه لم يبلغه ما ذكرته من محل صلاته وَلّ وفي ((الصحيحين)): ((إِنَّه جَعَلَ عَمُودِين عَنْ يَسَارِهِ وَعَمُودًا عَنْ يَمِينِهِ وَثَلَاثَةً أَعْمِدَةٍ وَرَاءَهُ))(١). وفي رواية للبخاري: ((عَمُودًا عَنْ يَسَارِهِ وَعَمُودَيْنِ عَنْ يَمِينِهِ))(٢) قال البيهقي: وهو الصحيح. انتهى. وبهذا يعلم أن نسبة المصنف هذه للشيخين فيها نظر، وفي رواية أبي داود: «ثُمَّ صَلَّى وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ ثَلَاثَةُ أَذْرُعٍ))(٣). وفي رواية للبخاري عن ابن عمر: ((إِنَّه كَانَ إِذَا دَخَلَ البَيتَ مَشَى قِبَلَ وَجْهِهِ (١) أخرجه مالك (٩٠١)، ومسلم (٣٢٩٤)، وأبو داود (٢٠٢٥)، والنسائي (٧٥٧)، وأحمد (٦٣٧٦)، وابن حبان (٤٧٩)، والبيهقي في ((سننه)) (٣٩٤٥). (٢) أخرجه البخاري (٥٠٥). (٣) أخرجه أبو داود (٢٠٢٦). ١٦٦ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثالث حَتَّى يَدْخُلَ وَيَجْعَلِ البَابَ خَلْفِ ظَهْرِهِ، فَيَمْشِي حَتَّى يَكُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِدَارِ الَّذِي يَلِي وَجْهَهُ حِينَ يَدْخُل ثَلَاثَة أَذْرُعٍ فَيُصَلِّ وَهُو يَتَوَخَّى الْمَكَانَ الَّذِي أَخْبَرَهُ بِهِ بِلَالْ أَنَّه ◌ِ وسـ صَلَی فِیهِ»(١). وفي (الصحيحين): ((إِنَّ بِلَالاً ﴾ أَخْبَرهُ قَالَ: صَلَّى ◌ََّ بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ مِنَ السَّطْرِ الْمُقَدَّمِ، وَجَعَلَ بَابَ الْبَيْتِ خَلْفَ ظَهْرِهِ، وَاسْتَقْبَلَ بِوَجْهِهِ الَّذِي يَسْتَقبَلِ حَتَّى يَلجَّ البَيتَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِدَارِ ثَلَاثَةُ أَذْرُعٍ))(٢). فائدة: عثمان المذكور من بني عبد الدار وسبب وصول السدانة - بكسر السين - وهي خدمة البيت لهم أن جرهم لما استخفت بحرمة البيت شردهم الله تعالى ووليته خزاعة ثم بعدهم ولي قصي بن كلاب الحجابة وأمر مكة، ثم أعطى ولده عبد الدار الحجابة، وهي السدانة واللواء ودار الندوة، سميت بذلك؛ لاجتماع الندى فيها وهم الأشراف لإبرام أمورهم. وأعطى ولده عبد مناف الرفادة والسقاية، ثم جعل عبد الدار الحجابة إلى ابنه عثمان، ولم يزل الأمر في أولاده حتى ولي الحجابة عثمان بن طلحة المذكور، قال: كنا نفتح الكعبة يوم الإثنين والخميس فجاء رسول الله وي ليه يومًا يريد أن يدخل مع الناس فلت منه وحلم عليَّ، ثم قال: يا عثمان لعلك سترى هذا المفتاح بيدي أضعه حيث شئت، فقلت: لو هلكت قريش يومئذ وذلت، قال ◌َ له: بل عزت ودخل الكعبة ووقعت كلمته مني موقعًا وظننت أن الأمر سيصير إلى ما قال، وأردت الإسلام فإذا قومي يزبرونني زبرًا شديدًا، فلما دخل رسول الله و # مكة عام القضية؛ أي: سنة سبع في القعدة غير الله قلبي ودخلني في الإسلام، ولم يعزم لي أن آتيه حتى رجع إلى المدينة ثم عزم لي الخروج إليه، فأدلجت فلقيت خالد بن الوليد ه فاصطحبنا فلقينا عمرو بن (١) أخرجه البخاري (٥٠٦). (٢) أخرجه البخاري (٤٤٠٠)، ومسلم (٣٢٠٩). ١٦٧ كتاب الصّلاة/ باب المساجد ومواضع الصّلاة العاص فاصطحبنا فقدمنا المدينة فبايعته وأقمت معه، حتى خرجت في غزوة الفتح؛ أي: سنة ثمان في رمضان، فلما دخل مكة قال وَل﴾: ((يَا عُثمَان ائتني بِالمفْتَاح)) فأتيته به فأخذه مني ثم دفعه إلى، فقال ◌َِّ: ((خُذُوهَا يَا بني طَلْحَةَ خَالِدَةً تالدةً لا يَنْزِعُهَا مِنْكُمْ إِلا ظَالِم)(١). وقال ابن عباس لما طلب رسول الله ﴾ المفتاح من عثمان # فهم أن يناوله إياه فقال له العباس #: بأبي أنت وأمي اجمع لي من السقاية، فكف عثمان ظ# يده مخافة أن يعطيه العباس فقال ◌َله: ((أُرِي المفْتَاحِ إِنْ كُنت تُؤمِن بِالله وَاليَومِ الآخِر))(٢) فقال: هاكه يا رسول الله بأمانة الله، فأخذ * المفتاح وفتح الباب فنزل جبريل القتيار بقوله: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨] ثم لم يزل عثمان #ه يلي فتح الباب إلى أن توفي ، فدفع ذلك إلى شيبة بن عثمان شه وهو ابن عمه فبقيت الحجابة في بني شيبة. ٦٩٢ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَة ◌َ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: صَلَاَةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ إِلَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ(٣). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ]. (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةٍ ضَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَيُ: صَلَاةُ فِي مَسْجِدِي هَذَا) أخذ منه النووي أن المضاعفة فيه خاصة بما كان مسجدًا في حياته ◌َلّ لا بما زيد بعده، والفرق بينه وبين ما يأتي في مسجد مكة بأنه هنا أشار إليه، والإشارة إنما تكون الموجود فلا يدخل فيها ما حدث بعدها وأما ثم فإنه ربط المضاعفة بالمسجد الحرام (١) أخرجه الطبراني (١١٢٣٤)، وفي ((الأوسط)) (٤٨٨)، وابن عساكر (٣٨٩/٣٨)، وابن سعد (١٣٧/٢). (٢) ذكره الملا علي القاري في ((مرقاة المفاتيح)) (١٦٣/٣). (٣) أخرجه بنحوه البخاري (١١٣٣)، ومسلم (١٣٩٤)، والترمذي (٣٢٥) وقال: حسن صحيح، والنسائي (٢٨٩٩)، وابن ماجه (١٤٠٤)، وابن حبان (١٦٢١)، والطبراني (٣٤)، والطيالسي (١٣٦٧)، وأحمد (١٦١٦٢)، وعبد بن حميد (٥٢١)، والطحاوي (١٢٧/٣)، والضياء (٢٩٧)، والبزار (٢١٩٦). ١٦٨ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثالث و ((أل)) فيه محتملة وليست بصريحة في قصره على الموجود منه ذلك الوقت فأمطناه بما يليق عليه هذا الاسم ولا شك أن الزائد فيه بعده * يطلق عليه أنه من المسجد الحرام فوجدت المضاعفة فيه (خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ إِلَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ. مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ). وفهم منه المالكية أفضلية المدينة على مكة، قالوا: ومعناه إلا المسجد الحرام فإن الصّلاة بمسجد المدينة أفضل منها بمسجد مكة بدون الألف وهو غفلة عن بقية الأحاديث المبطلة لما فهموه، بل معناه إلا المسجد الحرام فإن الصّلاة فيه تفضل الصّلاة في مسجد رسول الله والر بأضعاف مضاعفة، كما صرح به وله في خبر أحمد والبزار و(صحيح)) ابن حبان من حديث حماد بن زيد عن حبيب المعلم عن عطاء عن عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما قال: قال ◌َلي: ((صَلاةُ فِي مَسْجِدِي هَذَا أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِي غِيرِهٍ مِنَ المَسَاجِدِ إِلا الْمَسْجِدَ الْحَرَامِ، وَصَلاةُ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَفْضَلُ مِن الصَّلَاةِ فِي مَسْجِدِي هَذَا بِمَائَة أَلِفِ صَلَاة)»(١) وإسناده على شرط الشيخين. ولما صححه ابن عبد البر من أئمة المالكية قال: إنه الحجة عند التنازع. وقال أيضًا: إنه حديث ثابت لا مطعن فيه لأحد إلا المتعسف لا يعرج على قوله في حبيب المعلم. وقد كان الإمام أحمد يمدحه ویوثقه ویثني علیه، وكان ابن المهدي ويزيد بن زريع وحماد بن زيد وعبد الوهاب الثقفي وغيرهم يروون عنه وهم أئمة علماء يقتدى بهم وبقية رجال إسناده أئمة ثقات ومنهم من علله بالاختلاف على عطاء؛ لأن قومًا يروونه عنه عن ابن الزبير وآخرين عنه عن جابر. ومن العلماء من يجعل مثل هذا علة في الحديث وليس كذلك؛ لأنه يمكن أن يكون عند عطاء عن هؤلاء جميعهم بل هو الواقع كما يأتي والواجب ألا يدفع خبر (١) تقدم تخريجه. ١٦٩ كتاب الصلاة/ باب المساجد ومواضع الصّلاة نقله العدول إلا بحجة. وقال البزار: هذا الحديث روي عن عطاء، واختلف عليه فيه ولا نعلم أحدًا قال: إنه يزيد عليه بمائة إلا ابن الزبير وقد تابع حبيبًا المعلم الربيع بن صبيح فرواه عن عطاء عن ابن الزبير ورواه عبد الملك بن أبي سليمان عنه عن ابن عمرو بن جريج عنه عن أبي سلمة عن أبي هريرة أو عائشة ﴾ ورواه ابن أبي ليلى عنه عن أبي هريرة. انتهى كلام ابن عبد البر ولا مزيد على حسنه. ومن ثم قال الذهبي: إسناده صالح، وفي ابن ماجه بسند في بعض رجاله لأن ((صَلَاةُ فِي مَسْجِدِي أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ إِلَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ، وَصَلَاةُ فِي الْمَسْجِدِ الْخَرَامِ أَفْضَلُ مِنْ مِائَةِ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ»(١). وخبر ابن عبد البر وقال رجال: إسناده علماء أجلاء ولفظه كالذي قبله، ورواه ابن زنجويه بلفظ: «إلا المسجد الحرام فإنها تعدل مائة ألف صلاة في مسجد المدینة)). وفي حديث البزار وسنده حسن ومن ثم احتج به ابن عبد البر: ((فَضْل الصَّلاة فِي المَسْجِدِ الْحَرَامِ عَلَى غَيرِهِ مَائَة أَلْف صَلَاة، وَفِي مَسجِدِي أَلف صَلَاة، وَفِي مَسْجِدٍ بَيْتِ الْمَقْدِسِ خَمْسمائَةِ صَلَاةٍ»(٢). وخبر ابن ماجه بسند فيه من قال ابن عدي فيه عامة أحاديثه لا يتابع عليها: (صَلََّةُ الرَّجُلِ فِي بَيْتِهِ بِصَلَاةٍ، وَصَلَاتُهُ فِي مَسْجِدِ الْقَبَائِلِ بِخَمْسٍ وَعِشْرِينَ صَلَاةً، وَصَلَاتُهُ فِي الْمَسْجِدِ الَّذِي يُجَمَّعُ فِيهِ بِخَمْسِمِائَةٍ صَلَاةٍ، وَصَلَاةً فِي الْمَسْجِدِ الأَقْصَى وَمَسْجِد المدِينَةِ بِخَمْسِينَ أَلْفِ صَلَاةٍ، وَصَلَاةٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ بِمِائَةِ أَلْفِ صَلَاةٍ»(٣). وخبر الطبراني وهو غريب: ((صَلَّاَة فِي مَسْجِدِي هَذَا بِعَشْرة آلَاف صَلَاة، (١) أخرجه ابن ماجه (١٤٧١). (٢) أخرجه ابن عدي (٣٩٨/٣)، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (٤١٤٠). (٣) أخرجه ابن ماجه (١٤٧٨). ١٧٠ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثالث وَصَلَاة فِي المسْجِد الحَرَامِ بِعَشْرَة أَمْثَالِهَا بِمَائة أَلْف صَلَاة، وَصَلَاة الرَّجُل فِي بَيْتِ المقْدِس بِأَلِفِ صَلَاة، وَصَلَاة الرَّجُلِ فِي بِيتِهِ حَيثُ لَا يَرَاهُ أَحْد أَفْضَل مِنْ ذَلِكَ كُله))(١). وصحَّ عن عمره قال ابن حزم بسندٍ كالشمس في الصحة أنه قال: «صَلَاة في المَسْجِدِ الْحَرَامِ أَفْضَل مِنْ مِائَةِ أَلْف صَلَاة ◌ِفِي مَسْجِدِ النَّبِيِّ ◌َِّ))(٢). وصحَّ عن عبد الله بن الزبير - رضي الله عنهما - قال: ((الصَّلَاةِ فِي المسْجِدِ الحَرَامِ تَفْضُل عَلَى مَسْجِدِ النَّبِيِّ ◌ِ ﴿ بِمِائَة ضِعْفٍ)(٣). قال ابن عبد البر وابن حزم: فهذان صحابيان جليلان يقولان بفضل المسجد الحرام على مسجد النبي ◌َ﴾، ولا مخالف لهما من الصحابة ﴾، فصار کالإ جماع منهم على ذلك. وفي ((رسالة)) الحسن البصري إلى الرجل الزاهد الذي أراد الخروج من مكة: قال رسول الله وَله:((مَنْ صَلَّى فِي المَسْجِدِ الْحَرَامِ رَكْعَتِين فَكَأَنَّمَا صَلَّ فِي مَسْجِدِي أَلْف أَلْف صَلَاة، وَالصَّلَاةِفِي مَسْجِدِي أَفْضِل مِنْ أَلْف صَلَاةَ فِيمَا سِوَاهِ مِنَ البلْدَان))(٤). إذا تأملت ذلك علمت ضعف ما قيل على رواية: ((صَلَاة بِالمسْجِدِ الحَرَام أَفْضل مِن مِائَة أَلْف صَلَاة، تَبْلُغْ صَلَاةَ وَاحدَة فِيهِ عُمر خَمس وَخَمْسِينَ سَنَة وَسِتَّة أَشْهُر وَعِشْرِينِ لَيْلَةٍ، وَصَلَاة خَمْس صَلَوات فِيهِ يَبْلُغ مِائِي سَنَة وَسَبْعَة وَسَبْعِين سَنَة وَتِسْعَة أَشْهُر وَعَشْر لَیاٍ)). انتهى. وضعف ما قيل أيضًا: ((صَلَاة بِالمسْجِدِ الْحَرَامِ تَعدِلُ مِائَة أَلْف صَلَاة)»(٥). كما ورد: «كُلُّ صَلَاة فِيهِ جَمَاعَة بِأَلِفِي أَلْفِ صَلَاة وَسَبْعَمَائَة أَلْف صَلَاة (١) ذكره الملا علي القاري في ((مرقاة المفاتيح)) (١٦٥/٣) وعزاه للطبراني. (٢) أخرجه بنحوه أحمد (١٤٧٣٥)، وابن ماجه (١٤٠٦)، والطحاوي (١٢٧/٣). (٣) ذكره الملا علي القاري في ((مرقاة المفاتيح)) (١٦٦/٣). (٤) ذكره الملا علي القاري في ((مرقاة المفاتيح)) (١٦٦/٣). (٥) أخرجه ابن المنذر في الأوسط (٢٤٩٥). ١٧١ كتاب الصّلاة/ باب المساجد ومواضع الصّلاة وَالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ فِيهِ بِثَلَاثَةَ عَشَرَ أَلْف أَلْف صَلَاةَ وَخَمْسَائَة أَلْف صَلاة وَصَلَاة الرّجل بِغَيرِ المَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ كُلّ مِائَة سَنَة شَمْسِيَّة بِمِائَة أَلْف وَبِمَائَتِين أَلْف صَلَاة وَكُل أَلْف سَنَة بِأَلْف أَلْف صَلَاة وَثَمَانِمِائَة أَلْف صَلَاة)(١). فيلخص من هذا أن صلاة واحدة في المسجد الحرام تفضل ثوابها على ثواب من صلى في بلده فرادى حتى بلغ عمر نوح بنحو الضعف، وهذه فائدة تساوي رحله. انتهى. وهذا كالذي قبله غفلة عن الرواية الصحيحة السابقة: ((إِنَّ صَلَاة وَاحِدَة بِمَكَة أَفْضَل مِن مِائَة أَلْف صَلَاة بِمَسْجِدِهِ وَّ)(٢) ومن ثم بينت في ((حاشية مناسك النووي)» أن هذا إنما يأتي على أن الصّلاة فيه تفضل على الصّلاة في بقية المساجد بمائة ألف صلاة، أمَّا على أنها تفضل على الصّلاة في مسجده والله بمائة ألف صلاة فالحساب يزيد على ذلك بما لا نهاية له؛ لأنا إذا اعتبرنا هذه الرواية لصحة سندها، ونظرنا إليها مع خبر: "إِنَّ الصَّلَاةِ فِي مَسْجِدِ المدِينَة ◌ِأَلْف صَلَاةٍ فِي المَسْجِدِ الأَقْصَى، وَالصَّلاَة فِيهِ أَلْف صَلَاة ◌ِفِي بَقِيةِ المسَاجِد)(٣) كما رواه ابن ماجه. ورواية البزار بسند حسن: ((إِنَّه ◌ِخَمْسمائَة))(٤) يحمل على أنه وَّ أعلم بها أولاً ثم بتلك في رواية: (إِنَّها بِخَمسِينَ أَلفًا))(٥) فيها أشياء منكرة اقتضت ردها، كما ورد: (كَانَتْ صَلَاة وَاحِدَة بِالمسْجِدِ الحَرَامِ بِمِائَة أَلْف أَلْف أَلْف صَلَاة فِيمَا عَدَا المسْجدِين)»(٦) المذكورين فتدبر ذلك فإن فيه من سعة الفضل ما يحير الفكر ويجبر الكسر فلله أفضل الحمد وأكمله. (١) ذكره الملا علي القاري في ((مرقاة المفاتيح)) (١٦٦/٣). (٢) تقدم تخريجه. (٣) تقدم تخريجه. (٤) تقدم تخريجه. (٥) تقدم تخريجه. (٦) ذكره الملا علي القاري في ((مرقاة المفاتيح)) (٢٧٩/١). ١٧٢ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثالث فائدة: اختلفوا في محل هذه المضاعفة على أقوال سبعة الكعبة والمسجد حولها وهو الأصح عند النووي في ((مجموعه)) واختاره ابن أبي الصيف اليمني، وأطال في الاستدلال له ورجح المحب الطبري أنه مسجد الجماعة. ثم قال: فإن قيل: ورد عن ابن عباس: ((إن حسنات الحرم كلها الحسنة بمائة ألف»، وعليه فالمراد بالمسجد الحرام في الحديث الحرم كله. قلنا: نقول بموجبه: إن حسنة الحرم مطلقًا بمائة ألف لكن الصّلاة في مسجد الجماعة تزيد على ذلك ولهذا قال: ((بمائة صلاة في مسجدي)) ولم يقل: حسنة وصلاة في مسجده بمائة ألف صلاة كل صلاة بعشر حسنات، فتكون الصّلاة في مسجده وي بعشرة آلاف حسنة، ويحتمل أن يلحق بعض الحسنات ببعض أو يختص ذلك بالصّلاة لمعنى فيها الكعبة وحدها لرواية: ((إِلَّا الْكَعْبَةَ)»(١) وفي رواية للنسائي: ((إِلَّا الْمَسْجِدَ الْكَعْبَةَ))(٢) وفي أخرى لمسلم: ((إِلا مَسْجِدَ الْكَعْبَةِ»(٣). قيل: وهذا أبعد الأقوال مكة لخبر ابن ماجه: ((وَصَلَاة بِمَكَة بِمِائَة أَلْف))(٤) حرم مكة كله. قاله عطاء وجزم به الماوردي وتبعه الروياني. ثم النووي في ((مناسكه)): جميع الحرم وعرفة الكعبة وما في الحجر منها، وإليه ذهب صاحب ((البيان)) من أصحابنا المكان الذي يحرم على الجنب الإقامة فيه؛ أي: كل ما فيه وصف المسجدية من سائر بقاع الحرم ثم المضاعفة في المساجد الثلاثة لا يختص بالفرض بل يعم النفل أيضًا خلافًا لبعض الحنفية والمالكية وغيرهم وإن كان (١) أخرجه أحمد (٩٢٤٩)، والنسائي (٢٩١٢). (٢) أخرجه النسائي (٢٨٩٨). (٣) أخرجه مسلم (٣٤٤٩)، والنسائي (٦٩٩)، وأحمد (٢٧٥٨٣)، والبيهقي في ((سننه)» (٢٠٦٣١)، والطبراني في «الكبير)) (١٩٤٥٨). (٤) أخرجه ابن ماجه (١٤٧٨). ١٧٣ كتاب الصّلاة/ باب المساجد ومواضع الصّلاة دون الفرض لزيادته عليه بسبعين درجة ولا ينافي عموم التضعيف للنفل كونه في البيت أفضل منه حتى في الكعبة للخبر الصحيح: (أَفْضَل صَلَاةِ الْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ إِلَّا الْمَكْتُوبَةَ))(١) وذلك لأن فضيلة الإتباع ما يربو على المضاعفة. ومن ثم قال السبكي: صلاة الظهر بمنى يوم النحر أفضل منها بمكة بالمسجد الحرام، وإن جعلنا المضاعفة مختصة به لما تقرر أن فضيلة الإتباع ما يربو على فضيلة العمل ثم المراد بالتضعيف السابق إنما هو في الأجرلا الإجزاء باتفاق العلماء فالصّلاة في أحد المساجد الثلاثة لا يجزئ عن أكثر من واحدة إجماعًا. واعلم أنه مرَّ في الأحاديث اختلاف في التضعيف ولا ينافي لاحتمال أن حديث الأقل قبل حديث الأكثر ثم تفضل الله بالأكثر شيئا بعد شيء كما قالوا في خبر: ((صَلاةُ الْجَمَاعَةِ بِخَمْسٍ وَعِشْرِينَ))(٢) وخبر: ((تَسْعِ وَعِشْرِينَ))(٣) أن الأول قبل ثم تفضل الله بزيادة درجتین. ويحتمل أن يكون تفاوت الأعداد لتفاوت الأحوال لما جاء: ((إِنَّ الْحَسَنَةَ بِعَشْرٍ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبعِينَ إِلَى سَبعمِائَة إِلى غَيْرِ نِهَايَةٍ))(٤). وورد: («تَفَكَّرُ سَاعَةٍ خَيْرٌ مِنْ عِبَادَةِ سَنَة)»(٥) لتفاوت الأحوال. ويعلم مما مرَّ أن المضاعفة لا تختص بالصّلاة بل تعم سائر الطاعات وبه صرح (١) أخرجه البخاري (٦٨٦٠)، ومسلم (٧٨١)، والنسائي (١٥٩٩)، وأحمد (٢١٦٢٢)، وعبد بن حميد (٢٥٠). (٢) أخرجه البخاري (٦١٩)، وأحمد (١١٥٣٨)، وابن ماجه (٧٨٨)، وأبو يعلى (١٣٦١). (٣) لم أقف على هذا اللفظ. (٤) لم أقف عليه إلا بلفظ ((الْتَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ)) أخرجه البخاري (٤١)، ومسلم (١١٥١)، وأحمد (١٠١٧٨)، وابن ماجه (١٦٣٨)، والنسائي (٢٢١٨). (٥) ذكره العراقي في تخريج أحاديث الإحياء (٤٢٩١) وقال: أخرجه ابن حبان في كتاب ((العظمة)) من حديث أبي هريرة بلفظ: (ستين سنة)) بإسناد ضعيف، ومن طريقه ابن الجوزي في ((الموضوعات)) ورواه الديلمي في «مسند الفردوس)) من حديث أنس بلفظ: ((ثمانين سنة)) وإسناده ضعيف جدًّا، ورواه أبو الشيخ من قول ابن عباس بلفظ: ((خير من قيام ليلة)). ١٧٤ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثالث الحسن البصري فقال: صوم يوم بمكة بمائة ألف وصدقة درهم بمائة ألف وكل حسنة بمائة ألف، وورد فيه حديث سنده حسن خلافًا لمن ضعفه: ((إِنَّ حَسَنَات الْخَرَمِ كُلّ حَسَنَةٍ بِمِائَةِ أَلْفِ حَسَنَةٍ)(١). وروى ابن ماجه خبر: ((مَنْ أَدْرَكَ شَهرَ رَمَضَان بِمََّةَ فَصَامَهُ وَقَامَ فِيهِ مَا تَيَسَّر كُتِبَ لَهُ مِائَةَ أَلْفِ شَهْرِ رَمَضَانَ فِيمَا سِوَاهُ، وَكُتِبَ لَهُ بِكُلِّ يَومٍ وَلَيلَةٍ عِثْقَ رَقَبَةٍ، وَفِي كُلِّ يَومٍ حملُ فَرِينِ فِي سَبِيلِ اللّه تَعَالَى، وَفِي كُلِّ لَيْلَةٍ حَسَنَةٍ)(٩). روى البزار خبر: (رَمَضَان بِمَكَّة أَفْضَل مِن أَلْف رَمَضَان بِغَيْرٍ مَگَّة)(٣) وذهب جماعة من العلماء إلى أن السيئات تضاعف بمكة كالحسنات، منهم: ابن عباس وابن مسعود ومجاهد وأحمد بن حنبل وغيرهم لتعظيم البلد. وسُئل ابن عباس عن مقامه بغير مكة فقال: ما لي ولبلد تضاعف فيها السيئات كما تضاعف الحسنات، فحمل ذلك منه على مضاعفة السيئات بالحرم، ثم قيل: تضعيفها كمضاعفة الحسنات بالحرم، وقيل: بل خارجه. وأخذ أكثر الأئمة بالعمومات لقوله تعالى: ﴿وَمَن جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠] وحمل بعض المتأخرين القول بالمضاعفة على أن المراد به مضاعفة المقدار؛ أي: الغلط إلا الكمية في العدد فإن السيئة جزاؤها سيئة لكن السيئات تتفاوت؛ إذ ليس من عصى الملك على بساط ملكه كمن عصاه في طرف من أطراف بلاده. فإن قيل: يرجع النزاع أيضًا؛ إذ أي فرق بين سيئة معظمة بقدر مائة ألف (١) أخرجه الطبراني (١٢٦٠٦)، والحاكم (١٦٩٢) وقال: صحيح الإسناد، والبيهقي في شعب الإيمان (٣٩٨١)، والبيهقي (٨٤٢٩)، وابن خزيمة (٢٧٩١). (٢) أخرجه ابن ماجه (٣٢٣٦)، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (٣٩٩١). (٣) ذكره الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) (١٩١/٣) وقال: رواه البزار وفيه عاصم بن عمر ضعفه الأئمة أحمد وغيره، ووثقه ابن حبان وقال: يخطئ ويخالف. ١٧٥ كتاب الصّلاة/ باب المساجد ومواضع الصّلاة سيئة وهي واحدة وسيئة بمائة ألف سيئة عددًا؟ فالجواب أنه جاء: ((إِنَّ مَنْ زَادَتْ حَسَنَاتُهُ عَلَى سَيِّئَاتِهِ دَخَلَ الجَنَّة، وَمَنْ زَادَتْ سِيِّئَاتُهُ عَلَى حَسَنَاتِهِ دَخَلَ النَّارَ، وَمَن اسْتَوتِ حَسَنَاتُهُ وَسِيِّئَاتُهُ كَانَ مِنْ أَهْلِ الأَعْرَاف))(١) فحصل فرق بين التفاوت في القدر والغلط وبين التفاوت في العدد. ومما يدل على تعظيم الحرم المقتضي لتعظيم السيئة قوله تعالى: ﴿وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمِ﴾ [الحج: ٢٥] أخذ منه جماعة كابن مسعود أن من خصوصياته يعاقب على الهم فيه بالسيئة وإن لم يفعلها. خاتمة: احتج المالكية لأفضلية المدينة بخبر: ((الْمَدِينَةُ خَيْرُ مِنْ مَكَّةَ))(٢) ولا حجة فيه؛ لأنه حديث ضعيف وقيل: موضوع، ذكره ابن عبد البر وغيره. وخبر: «اللَّهمَّ إِنكَ أَخْرَجِتَنِي مِنْ أَحبِّ الِقَاعِ إِلَيْكَ فَأَسْكِنِّي أُحب البِقَاعِ إِلَيكَ)»(٣) وهو مرسل ضعيف، قيل: بل موضوع. وخبر: ((اللَّهُمَّ اجْعَلْ بِالْمَدِينَةِ ضِعْفَيْ مَا بِمَكَّةَ مِنَ الْبَرََّةِ»(٤) وهو يدل على الفضيلة على الأفضلية. وقد صحَّ في أفضلية مكة أحاديث غير ما مرَّ كخبر: ((وَالله إِنَّكِ لَخَيْرُ أَرْضِ الله وَأَحَبُّ أَرْضِ الله إِلَى الله))(٥). (١) ذكره الملا علي القاري في ((مرقاة المفاتيح)) (١٧٠/٣). (٢) أخرجه البخاري في التاريخ الكبير (١٦٠/١)، والطبراني (٤٤٥٠)، وابن عدي (١٩٠/٦). (٣) أخرجه الحاكم (٤٢٦١) وقال: رواته مدنيون. قال العجلوني (٢١٣/١): في سنده عبد الله بن أبي سعيد المقبري ضعيف جدًّا. قال ابن عبد البر: لا يختلف أهل العلم في ذكارته ووضعه. وقال ابن حزم: هو حديث لا يسند، وإنما هو مرسل من جهة محمد بن الحسن بن زبالة وهو هالك. (٤) أخرجه البخاري (١٨٨٥)، ومسلم (٣٣٩٢)، وأحمد (١٢٧٨٧)، وأبو عوانة في ((مستخرجه)) (٢٩١٦). (٥) أخرجه أحمد (١٨٧٣٧)، والترمذي (٣٩٢٥) وقال: غريب صحيح، وابن حبان (٣٧٠٨)، = ١٧٦ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثالث وخبر: «مَا أَظْيَبَكِ وَأَحَبَّكِ إِلَّ وَلَوْلَا أَنَّ قَوْمِي أَخْرَجُونِي مِنْكِ مَا سَكَّنْتُ غَيْرَك))(١). وخبر: إنه ◌َّ قال لهم في حجة الوداع: ((أَيُّ بَلَدٍ تَعْلَمُونَهُ أَعْظَمُ حُرْمَةً؟ قَالُوا: لَا إِلا بَلَدُنَا ... ))(٢). وفي رواية: إن ابن عمر وجابرًا يشهدان رسول الله وسلم يسأل الناس: بأي بلد أعظم حرمة؟ وأجابوا بأنه مكة، وهذا إجماع من الصحابة أنها أفضل البلاد وأقرَّهم ٦٩٣ - [وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ◌َ﴿ه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: لَا تُشَدُّ الرّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ، وَالْمَسْجِدُ الْأَقْصَى، وَمَسْجِدِي هَذَا(٣). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ] (وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ◌َ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّةُ: لَا تُشَدُّ الرَّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةٍ مَسَاجِدَ: الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ) فيه ما مرَّ في صلاة الوسطى. (وَالْمَسْجِدُ الْأَقْصَى، وَمَسْجِدِي هَذَا. مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ) وهو كناية عن النهي عن المسافرة إلى غيرها وهو أبلغ من لا تسافر؛ لأنه صور حالة المسافر وتهيئة أسبابها وعدتها من المراكب والأدوات والتزود وفعل الشد، ثم أخرج النهي مخرج الإخبار؛ أي: = والحاكم (٥٢٢٠)، وعبد بن حميد (٤٩١)، وابن ماجه (٣١٠٨). (١) أخرجه الترمذي (٤٣٠٥) وقال: حسن غريب، وابن حبان (٢٣)، والطبراني في «الكبير» (١٠٤٨٥)، والبيهقي في ((الشعب)) (٣٨٥٢). (٢) أخرجه البخاري (٦٧٨٥)، وأحمد (١٤٤٠٥)، وابن أبي شيبة (٣٧١٦٥)، وابن قانع (٣٤٦/١)، وأبن أبي عاصم في ((الآحاد والمثاني)) (١٢٩٨)، والضياء (٢٦٨٤). (٣) أخرجه البخاري (١١٣٢)، ومسلم (١٣٩٧)، وأبو داود (٢٠٣٣)، وأحمد (٧١٩١)، والنسائي (٧٠٠)، وابن ماجه (١٤٠٩)، وابن حبان (١٦١٩)، والترمذي (٣٢٦) وقال: حسن صحيح، والطبراني (٢١٦٠). ١٧٧ كتاب الصّلاة/ باب المساجد ومواضع الصّلاة لا ينبغي ويستقيم أن يقصد بالزيادة بالرجل إلا هذه البقاع الشريفة لاختصاصها بمزايا وفضائل لا توجد في غيرها لو لم يكن من ذلك إلا ما مر من المضاعفة في الصّلاة بها مع تشرفها بنسبتها إلى من يتشرف بالنسبة إليه وتشد الرحال لزيارته من غير خلاف؛ إذ الأول: بيت الله جعله مثابة لحج الناس وقبلة لهم في صلواتهم التي هي أفضل عباداتهم مع تفويضه تعالى، بناءه لملائكته ثم لصفيه آدم ثم لخليله إبراهيم وابنه إسماعيل عليهم السلام. والثاني: قبلة لغيرنا من الأمم مع تفويضه تعالى، بناءه لنبيه داود وابنه سليمان عليهم السلام. والثالث: محط لوزر كل قاصد ومكمل لكل وافد مع تفويضه تعالى، بناءه إلى سيد أنبيائه وواسطة عقد أهل اصطفائه نبينا ◌َّية، فكانت الوفادة إليها كالزيارة لثانيها، وأمَّا غيرها من المساجد فلم يوجد فيه شيء من هذه المزايا، فلم تطلب شد الرحل إليها؛ لأنه حدث وبدعة لم يفعلها وَ ل﴿ ولا أمر بها ولا شهدت بشد الرحل إليها قواعد شريعته الغراء الواضحة، نعم مسجد قباء ملحق بمسجده 984 في ندب شد الرحل إليه إقتداء به ◌َلهم، كما يأتي قريبًا، وفي ((شرح مسلم)) للنووي قال الشيخ أبو محمد: يحرم شد الرحل إلى غير الثلاثة وهو غلط. انتهى. وأشار إلى تغليظه أيضًا ولده إمام الحرمين، فإنه حكى في مقابلته قول الشيخ أبو علي هذا الحديث لا يوجب تحريمًا ولا كراهة في شد الرحل إلى غيرها، ثم قال: ألا وهو حسن عندي لا یصح غيره. وفي (الإحياء)): ذهب بعض العلماء إلى الاستدلال به على المنع من الرحلة لزيارة المشاهد وقبور العلماء والصالحين وما تبين لي أن الأمر كذلك، بل الزيادة مأمور بها لخبر: ((كُنتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا))(١) والحديث إنما ورد نهيًا (١) أخرجه مسلم (٢٣٠٥)، وأبو داود (٣٢٣٧)، والنسائي (٢٠٤٤)، وابن حبان (٢١٣)، وأحمد (١٢٤٩)، والبيهقي في ((سننه)) (٧٤٤٧)، والحاكم (١٣٣٥)، والطبراني (١١٣٧)، والدار قطني (٤٧٣٩). ١٧٨ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثالث عن الشد لغير الثلاثة من المساجد لتماثلها، بل لا بلد إلا وفيها مسجد، فلا معنى للرحلة إلى مسجد آخر، وأمّا المشاهد فلا تتساوى، بل بركة زيارتها على قدر درجاتهم عند الله تعالى، نعم لو كان في موضع لا مسجد به فله الرحل لمحل به مسجد، ويتنقل فيه بالكلية إن شاء، ثم ليت شعري هل يمنع هذا القائل من شد الرحل لقبور الأنبياء كإبراهيم وموسى ويحي، والمنع من ذلك في غاية الإحالة، وإذا جوز ذلك فقبور الأنبياء والأولياء في معناها، فلا يبعد أن يكون ذلك من أغراض الرحلة، كما أن زيارة العلماء في الحياة من المقاصد. انتهى. وأخذ أئمتنا من الحديث أن من نذر إتيان مسجد مكة بل أو بقعة من حرمها، لزمه مع نية الحج والعمرة أو أحدهما لحديث أخت عقبة: إنها نذرت أن تمشي إلى بيت الله تعالى فأمرها ◌َّلهم أن تمشي بحج وعمرة، ولأن مجرد الإتيان لأفضلية فيه إلا إذا قارنه نسك فحمل كلام الناذر عليه وإن لم يقصده. ولو نذر إتيان بيت الله ولم يقل الحرام لم ينعقد نذره إلا إن نوى المسجد الحرام؛ لأن جميع المساجد بيوت الله، ولو نذر إتيان عرفة أو أحد المواقيت لم ينعقد نذره إلا إن نوى حاجًّا أو معتمرًا؛ لأنها من الحل فنذر إتيانها من غير قصد نسك كنذر إتيان سائر بقاع الحل. ولو نذر الصّلاة بالمسجد الحرام لزمته به ولا يجزيه أداؤها في غيره؛ إذ لا مساوي له في فضله کما مر. ولو نذر إتيان مسجد المدينة أو الأقصى لم يلزمه على الأظهر من قولي الشافعي # وبه قال أبو حنيفة ﴾، فخبر جابر: ((إن رجلاً قال يوم النحر: يا رسول الله إني نذرت إن فتح الله عليك مكة أن أصلي في بيت المقدس ركعتين، فقال الفر له: ((صَلِّ هَا هُنَا))(١) ولأن كلّا منهما لا يعم قصده فأشبهها سائر المساجد، وللشافعي قول (١) أخرجه أبو داود (٣٣٠٧)، وأحمد (١٥٣٠٣)، والدارمي (٢٣٩٤)، والبيهقي في «سننه» (٢٠٦٣٠)، وعبد بن حميد (١٠١١)، وأبو يعلى في مسنده (٢١٧٠). ١٧٩ كتاب الصّلاة/ باب المساجد ومواضع الصّلاة أنه يلزمه، ونسب لمالك وأحمد - رضي الله عنهما - لحديث: ((لا تُشَدُّ الرِّحَالُ ... )(١) المذكور، ولاختصاصها من بين سائر المساجد. قال ابن الصباغ: وخبر جابر لا حجة فيه، فإن الصّلاة بمسجد مكة أفضل، ومن ثم لو نذرها بهما أجزا عنهما، فأمره وَله بالصّلاة بمكة إنما يدل على أن الفاضل يُقوم المفضول، ولا يدل على عدم انعقاد نذره، وعلى هذا القول لا بد من ضم قربة إلى إتيان أحدهما كالصّلاة فيه، وعلى الأول يسن له ذلك خروجًا من الخلاف ولو نذر الصّلاة؛ إذ الاعتكاف في أحدهما لزمته، ويقوم مسجد المدينة مقام الأقصى ولا عکس. ولو نذر المشي إلى أحدهما لم يلزمه بل يسن له؛ لأن البر بإتيان بيت الله فرض، والبر بإتيان هذين نافلة. ولو نذر زيارة قبره وسل* لزمته قطعًا، أو قبر غيره من الأنبياء أو الصلحاء لزمته على الأصح. ولو نذر أن يصلي أو يعتكف في غير هذه المساجد الثلاثة لم يتعين ما عينه، فلو فعل ذلك في مسجد غيره إذا لم يثبت لبعضها فضل على بعض. ٦٩٤ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِّ: مَا بَيْنَ بَيْتِي وَمِنْبَرِي رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ، وَمِنْبَرِي عَلَى حَوْضِي(٢). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ]. (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴿ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌ِِّ: مَا بَيْنَ بَيْتِي) وفي رواية: ((قبري)) (وَمِنْبَرِي) وفي رواية عند الطبراني: ((ما بين حجرتي ومصلاي))(٣) وهي بمعنى ما قبلها؛ لأن قبره ◌َاله في بيته، وبيته هو حجرة عائشة، ومصلاه عند منبره. (١) تقدم تخريجه. (٢) أخرجه البخاري (٦٩٠٤)، ومسلم (١٣٩١)، والترمذي (٣٩١٦) وقال: حسن صحيح، وأحمد (٧٢٢٢)، وابن حبان (٣٧٥٠). (٣) أخرجه الطبراني في ((الكبير)) (٣٣٦). ١٨٠ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثالث (رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ) هو على ظاهره؛ إذ لا إحالة فيه فهو قطعة نقلت من الجنة وستعود إليها. وقيل: لأن زوار قبره وعمار مسجده من الملائكة والثقلين لم يزالوا مكبين فيها على ذكر الله وعبادته وحلق الذكر من رياض الجنة. وقيل: بل العمل فيها موصل إلى الجنة، واعتمده ابن حزم فقال: ظن بعض الأغبياء أن تلك الروضة قطعة مقتطعة من الجنة، وأن الأنهار سيحان وجيحان والفرات والنيل مهبطة من الجنة وهذا باطل؛ لأن الله تعالى في الجنة: ﴿إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى * وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى﴾ [طه:١١٨ - ١١٩] وليست هذه صفة الأنهار المذكورة ولا الروضة، فصحَّ أن قوله: ((من الجنة)) إنما هو لفضلها، وأن الصّلاة فيها تؤدي إلى الجنة، وأن تلك الأنهار لطيبها وبركتها أضيفت إلى الجنة، كما تقول في اليوم الطيب: هذا من أيام الجنة، وكما قيل في الضأن: إنها من دواب الجنة، وقد جاء: ((إن حلق الذكر من رياض الجنة)). انتهى. وفي جميع ما قاله نظر أي نظر بل قوله: وهذا باطل هو الباطل، والآية لا تدل له؛ لأن تلك القطعة لما نزلت إلى الأرض أعطيت أحكامها، ومن ثم لو حلف داخلها أنه دخل الجنة حنث واعترى من بها الجوع ونحوه، ومجرد سلب ذلك عنها لا يقتضي سلب كونها من الجنة عنها، وفائدة كونها منها مع نفي أوصافها عنها غاية تشريف مسجده 8 بأن فيه قطعة من نفس أرض الجنة، كما صح في الحجر الأسود والمقام أنهما ياقوتتان من الجنة، ولولا ما طمس من نورهما لأضاء ما بين المشرق والمغرب. وصحَّ عن ابن عباس ومثله لا يقال من قبل الرأي: إن الحجر نزل من الجنة ياقوتة بيضاء، وأن الله غيره بالسواد؛ لئلا ينظر أهل الدنيا إلى زينة الجنة، وأنه أنزل في محل الكعبة قبل وجودها ليتأنس به آدم، وحرسه بصف من الملائكة؛ لئلا ينظر الجن والإنس إليه؛ لأنه من الجنة، ومن نظر إلى الجنة دخلها، فكما أن هذين من الجنة حقيقة ولا يمكن ابن حزم تأويلهما، فكذا ما نحن فيه وما زعمه في تلك الأنهار