النص المفهرس
صفحات 141-160
١٤١ كتاب الصّلاة/ باب فضل الأذان وإجابة المؤذن جعل لحمًّا. (وَفِي رِوَايَةٍ: ((وَّحْتَ الْمَطَرِ)) رَوَاهُ أَبُو دَاوُد والدَّارِمِيُّ إِلَّا أَنَّهُ لَم يَذْكُرٍ: وَتَحْتَ الْمَطَرِ) وفرق بين هذه الثلاثة؛ لأن الأول فيه مجاهدة أعداء الله من الجن؛ لأن الأذان إذا انقضى حضر الشيطان للوسوسة والإفساد، كما دلَّ عليه الحديث السابق أول الفصل الأول، ومجاهدتهم بالتحفظ من الإصغاء الدائم والاستعانة بالله تعالى على ذلك اقتداء بسيد الخلق حيث أمره الله تعالى بذلك بقوله: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ [الناس: ١] إلى آخر السورة، والثاني فيه مجاهدة أعداء الله من الإنس فلما أن تم استسلام العبد لربه وامتثل أمره وخرج عن نفسه فيهما حق أن يستجاب دعاؤه ويرحم عبرته، وختم ذلك بحالة نزول المطر؛ لأنها حالة رحمة صرف إشارة إلى أن الأولين يناسبهما من إفراغ سجال الرحمة عليهما ما يناسب الناس من إفراغ سجال الغيث عليهم إذا احتاجوا إليه. ٦٧٣ - [وَعَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو - رَضِي اللهُ عَنهُمَا - قَالَ: إِنَّ رَجُلاً قَالَ: يَا رَسُولَ الله إِنَّ الْمُؤَذِّنِينَ يَفْضُلُونَنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَيْهِ: قُلْ كَمَا يَقُولُونَ فَإِذَا انْتَهَيْتَ فَسَلْ تُعْطَهْ(١). رَوَاهُ أَبُو دَاوُد]. (وَعَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو - رَضِي اللّهُ عَنْهُمَا - قَالَ: إِنَّ رَجُلاً قَالَ: يَا رَسُولَ الله إِنَّ الْمُؤَذِّنِينَ يَفْضُلُونَنَا) الظاهر أنه خبر؛ أي: فما تأمرنا به من عمل نلحقهم بسببه. (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَلهُ: قُلْ كَمَا يَقُولُونَ) أي: على التفضيل السابق في إجابة المؤذن. (فَإِذَا انْتَهَيْتَ) أي: فرغت من الإجابة (فَسَلْ) حينئذٍ (تُعْطَهْ) ما سألته؛ لأنك بين الأذان والإقامة، والظاهر أن هذا زيادة على جواب السؤال، فإن قوله: ((قل كما - (١) أخرجه أبو داود (٥٢٤)، وابن حبان (٥٩٣)، والبيهقي في ((سننه)) (٢٠١٢). ١٤٢ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثالث يقولون)) أفاد أنه به يقرب من ثواب المؤذن، ثم نبهه على أمر يشترك فيه المؤذن والمجيب وغيرهما وهو استجابة الدعاء من كل من دعا بين الأذان والإقامة (رَوَاهُ أَبُو دَاوُد) والنسائي وسنده حسن. (الفصل الثالث) ٦٧٤ - [عَنْ جَابِرٍ ﴾ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ◌َّهِ يَقُولُ: إِنَّ الشَّيْطَانَ إِذَا سَمِعَ النِّدَاءَ ذَهَبَ حَتَّى يَكُونَ مَكَانَ الرَّوْحَاءِ. قَالَ الرَّاوِي: والرَّوْحَاء مِنَ الْمَدِينَةِ عَلَى سِتَّةٍ وَثَلَاثِينَ مِيلاً(١). رَوَاهُ مُسْلِمُ]. (عَنْ جَابِرِ﴾ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ◌َ﴿ يَقُولُ: إِنَّ الشَّيْطَانَ إِذَا سَمِعَ النِّدَاءَ) أي: الأذان (ذَهَبَ حَتَّى يَكُونَ مَكَانَ الرَّوْحَاءِ). (قَالَ الرَّاوِي: والرَّوْحَاءِ مِنَ الْمَدِينَةِ عَلَى سِتَّةٍ وَثَلاثِينَ مِيلاً. رَوَاهُ مُسْلِمُ) وعدل عن حتى يكون بالروحاء إلى مكان الروحاء ليفيد؛ إذ التقدير حينئذٍ حتى يكون محل الروحاء أن الشيطان يصير من المؤذن بواسطة أذانه مثل الروحاء في جماديتها وبعدها المفرط من شدة ما يلحقه من الأذان مما يخرجه عن عنصره الناري الذي هو في غاية القوة والقهر للغير إلى العنصر الترابي الذي هو في غاية الرخاوة والضعف، ومن ثم كنى عن ذلك في الخبر السابق بقوله: ((أدبر وله ضراط)) على ما مرَّ فيه، ويحتمل أن المراد تمثيل بعدما بيَّن محله والمؤذن بما بين من بالمدينة والروحاء من المسافة المذكورة، وتكون الإضافة حينئذٍ للبيان والتقدير حتى يكون في مكان هو الروحاء. ٦٧٥ - [وَعَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَقَّاصٍ ﴾ قَالَ: إِنِّ لَعِنْدَ مُعَاوِيَةَ إِذَا أَذَّنَ مُؤَذِّنُهُ، فَقَالَ مُعَاوِيَةُ كَمَا قَالَ الْمُؤَذِّنُ حَتَّى إِذَا قَالَ مُؤَذِّنُهُ: حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، قَالَ: لا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ، فَلَمَّا قَالَ: حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ، قَالَ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللّه العَلِيِّ العَظِيمِ، وَقَالَ بَعْدَ ذَلِكَ مَا قَالَ الْمُؤَذِّنُ، ثُمَّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﴿ قَالَ ذَلِكَ(٢). رَوَاهُ أَحْمَد]. (١) أخرجه مسلم (٨٨٠). (٢) أخرجه أحمد (١٧٢٩٠)، والنسائي (٦٨٥). ١٤٣ كتاب الصّلاة/ باب فضل الأذان وإجابة المؤذن (وَعَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَقَّاصٍ ﴾ قَالَ: إِنِّ لَعِنْدَ مُعَاوِيَةَ) بن أبي سفيان (إِذَا أَذَّنَ مُؤَذِّنُهُ، فَقَالَ مُعَاوِيَةُ كَمَا قَالَ الْمُؤَذِّنُ حَتَّى إِذَا قَالَ مُؤَذِّنُهُ: حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، قَالَ) معاوية: (لا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّ بِاللهِ، فَلَمَّا قَالَ) مؤذنه: (حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ، قَالَ) معاوية: (لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللّه العَلِيِّ العَظِيمِ، وَقَالَ بَعْدَ ذَلِكَ مَا) أي: مثلما (قَالَ الْمُؤَذِّنُ، ثُمَّ قَالَ) معاوية: (سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَّهِ قَالَ ذَلِكَ). (رَوَاهُ أَحْمَد) والنسائي وسنده حسن، ومرَّ نظيره في الأحاديث السابقة لكن زادت هذه الرواية زيادة: ((العلي العظيم)»، فيسن زيادتها وإن لم أرَ من صرح بذلك من أثمتنا؛ لأنها وردت في هذا الحديث وهو حجة في ذلك. ٦٧٦ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةِ ﴾ قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ﴿ فَقَامَ بِلَالُّ يُنَادِي، فَلَمَّا سَكَتَ قَالَ رَسُولُ اللهِوَِّ: مَنْ قَالَ مِثْلَ هَذَا يَقِينًا دَخَلَ الْجَنَّةَ(١). رَوَاهُ النَّسَائِيُّ]. (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَة ◌َ﴾ قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللّه ◌َ﴿ فَقَامَ بِلَالُّ يُنَادِي، فَلَمَّا سَكَتَ قَالَ رَسُولُ الله ◌َّهِ: مَنْ قَالَ مِثْلَ هَذَا) أي: من الإجابة بمثل قوله إلا في الحيعلتين لما مرَّ (يَقِينًا) هو بمعنى: خالصًا مخلصًا من قلبه الذي مرَّ (دَخَلَ الْجَنَّةَ) أي: مع الناجين (رَوَاهُ النَّسَائِيّ). ٦٧٧ - [وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ إِذَا سَمِعَ الْمُؤَذِّنَ يَتَشَهَّدُ قَالَ: وَأَنَا وَأَنَا (٤). رَوَاهُ أَبُو دَاوُد]. (وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ إِذَا سَمِعَ الْمُؤَذِّنَ يَتَشَهَّدُ قَالَ: وَأَنَا وَأَنَا) أي: قال عند كل تشهد من تشهداته: ((وأنا)) أي: أشهد كما تشهدت، ومنه أخذ أنه ﴿ ﴿ كان مكلفًا بالإيمان بنفسه، ومرَّ أنه كان يقول: ((وأشهد أن محمدًا رسول الله)) ويجمع بأنه كان يقول هذا تارة ويأمر أخرى، وحينئذٍ فيؤخذ من ذلك أن (١) أخرجه النسائي في ((الكبرى)) (١٦٤١)، وابن حبان (١٦٦٧)، والحاكم (٧٣٥) وقال: صحيح الإسناد، وأحمد (٨٦٠٩). (٢) أخرجه أبو داود (٥٢٦)، وابن حبان (١٦٨٣)، والحاكم (٧٣٤). ١٤٤ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثالث المجيب لو قال ما هنا حصل أصل هذه الإجابة، ولم أرَ من صرح به، وعليه فمعنى أمر المجيب السابق بأن يقول مثلما يقول المؤذن أنه يأتي بمماثل قوله في الدلالة على المقصود وإن اختلف لفظهما (رَوَاهُ أَبُو دَاوُد) وسنده حسن. ٦٧٨ - [وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِي اللهُ عَنْهُمَا - أَنَّ رَسُولَ اللهِوَلَ قَالَ: مَنْ أَذَّنَ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ، وَكُتِبَ لَهُ بِتَأْذِينِهِ فِي كُلِّ يَوْمٍ سِتُّونَ حَسَنَةً، وَلِكُلِّ إِقَامَةٍ ثَلاثُونَ حَسَنَةً(١). رَوَاهُ ابْنُ مَاجَه]. (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِي اللّهُ عَنْهُمَا ، أَنَّ رَسُولَ الله ◌َ﴾ قَالَ: مَنْ أَذَّنَ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ) بصادق وعد الله ورحمته؛ إذ لا يستحق أحد على الله شيئًا؛ لأن له تعالى تعذيب الطائع وإثابة العاصي. (وَكُتِبَ لَهُ بِتَأْذِينِهِ) أي: بسبب تأذينه في كل مرة كما يدل عليه قوله: ((ولكل إقامة)) لأنها دونه فيلزم أن يكون ثوابه أكثر، فمن ثم كان هذا التقدير لا بد منه وبه یعلم أن الأذان ضعف الإقامة وكان حکمته أنه مثنى وهي فرادى. (فِي كُلِّ يَوْمٍ سِتُّونَ حَسَنَةً، وَلِكُلٌّ إِقَامَةٍ ثَلاثُونَ حَسَنَةً. رَوَاهُ ابْنِ مَاجَه) وسنده حسن وظاهره أن كتابة ستين حسنة لكل أذان وثلاثين لكل إقامة خاص بمن أذن تلك المدة وأن من لم يؤذنها لا يكتب له ذلك. فإن قلت: من المعلوم أن كل كلمة من كلمات الأذان والإقامة يكتب له بها عشر حسنات فيلزم أنه يكتب له أكثر مما ذكر بكثير، وإن لم يؤذن تلك المدة فَلِم تقيدت كتابة الستين أو الثلاثين بها مع نقصها عن ثواب كلمات الأذان بكثير؟ قلت: الظاهر - والله أعلم - أن المراد من تلك الستين والثلاثين يكتبان زيادة على ثواب كلمات الأذان والإقامة، وحينئذٍ فهو فضل عظيم يناسب أن يختص بالأمر المُشق وهو تأذين تلك المدة، فهل تتوقف الكتابة على مضيها لاحتمال تركه (١) أخرجه ابن ماجه (٧٧٧). ١٤٥ كتاب الصّلاة/ باب فضل الأذان وإجابة المؤذن قبله أولا؟ قلت: الكتابة إنما هي بإذنه تعالى وهو يعلم غايات الأمور كلها، فإن علم أنه يتم أمر بكتابة ذلك له وإلا فلا ولم أرَ من تكلم على هذا الحديث بشيء. ٦٧٩ - [وَعَنْهُ قَالَ: كُنَّا نُؤْمَرُ بِالدُّعَاءِ عِندَ أَذَانِ المغْرِبِ(١). رَوَاهُ البَيهَقِيُّ فِي ((الدَّعَوَاتِ الكَبِيرِ))]. (وَعَنْهُ قَالَ: كُنَّا تُؤْمَرُ بِالدُّعَاءِ عِندَ أَذَانِ المغْرِب) يحتمل أن المراد به ما مر في خبر أم سلمة: ((اللَّهُمَّ هذا إقبال ليلك ... إلى آخره)، ويحتمل أن هذا غير ذلك وهو ظاهر السياق، وحينئذ فيوجه تخصيص المغرب به بما قدمته في وجه تخصيصها بذلك. (رَوَاهُ البَيْهَِيُّ فِي ((الدَّعَوَات الگپِیرِ))) والطبراني وسنده حسن. (١) أخرجه البيهقي في ((الدعوات)) (٣١٩). (باب) [تأخير الأذان](١) (الفصل الأول) ٦٨٠ - [عَن ابْنِ عُمَرَ - رَضِي اللهُ عَنْهُمَا - قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌ِ: إِنَّ بِلَالاً نَادَى بِلَيْلٍ فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُؤَذِّنَ ابْنِ أُمّ مَكْتُومٍ. قَالَ: وَكَانَ ابْنُ أُمِّ مَكْثُومٍ رَجُلاً أُعْمَى، لَا يُنَادِي حَقَّى يُقَالَ لَهُ: النَّاسُ أَصْبَحْتَ أَصْبَحْتَ(٤). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ]. (عَن ابْنِ عُمَرَ - رَضِي اللهُ عَنْهُمَا - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: إِنَّ بِلَالاً نَادَى بِلَيْلٍ فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُؤَذِّنَ ابْنِ أُمِّ مَكْثُومٍ. قَالَ: وَكَانَ ابْنُ أُمِّ مَكْثُومٍ رَجُلاً أَعْمَى، لَا يُنَادِي حَتَّى يُقَالَ لَهُ: النَّاسُ أَصْبَحْتَ أَصْبَحْتَ. مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ) ومنه أخذ أئمتنا أنه یسن للصبح مؤذنان: مؤذن واحد قبل الفجر من نصف الليل الثاني، وآخر بعد الفجر في أول الوقت، ولا ينافي هذا خبر: ((أن ابن أم مكتوم ينادي بليل فكلوا واشربوا حتى ينادي بلال)) لأنه بتقدير صحته محمول على أنه كان بينهما نوب. فإن قلت قوله حتى يقال له: ((أصبحت)) يدل على وقوع أذانه بعد الفجر، وقوله: ((كلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم)) يدل على وقوعه قبيل الفجر أو معه. قلت: يتعين تأويل هذه لاحتمالها دون تلك لصراحتها، فلذا قال أصحابنا: يسن في الأذان الثاني أن يكون بعد الفجر ودخول الأول بنصف الليل هو المذهب. وقيل: من سُبع الليل شتاءً ونصف سُبعه صيفًا لحديث به ورد بأن الحديث باطل واختار جماعة دخوله بالسحر لخبر أنه لم يكن بين أذانيهما إلا أن ينزل هذا (١) وقد ذكرت في مخطوطة ((شرح المشكاة)) بلفظ: في تتمات لما سبق في الباقين قبله. (٢) أخرجه مالك (١٦١)، والشافعي (٨٣/١)، والبخاري (٢٥١٣)، ومسلم (١٠٩٢)، والترمذي (٢٠٣) وقال: حسن صحيح، والطيالسي (١٨١٩)، وأحمد (٤٥٥١)، والنسائي (٦٣٧)، وابن حبان (٣٤٧١)، وابن خزيمة (٤٠٣). - ٠١٤٦ ١٤٧ كتاب الصّلاة/ باب تأخير الأذان ویرقی هذا. قال العلماء: معناه أن بلالاً كان يؤذن قبل الفجر ويتربص بعد أذانه للدعاء ونحوه، ثم يرقب الفجر فإذا قارب طلوعه نزل فأخبر ابن أم مكتوم فتأهب، ثم يرقى ويسرع الأذان مع أول طلوع الفجر. وقيل: يمتنع الأذان قبل الفجر لخبر فيه ورد بأن الأئمة ضعفوه ولو لم يكن للمسجد إلا مؤذن واحد على خلاف السنة تولى الأذانين، فإن أراد الاقتصار على أحدهما فعل ما في الوقت، والثابت للجمعة أذان واحد، وهو ما بين يدي الخطيب، ثم لما كثر المسلمون أمر عثمان بآخر قبله على المنارة لمصلحة اجتماعهم. وقال عطاء: لم يحدثه إلا معاوية، والأول أصح كما رواه الشافعي بسنده. ٦٨١ - [وَعَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌ِ: لَا يَمْنَعَنَّكُمْ مِنْ سُحُورِكُمْ أَذَانُ بِلَالٍ وَلَا الْفَجْرُ الْمُسْتَطِيلُ، وَلَكِنِ الْفَجْرُ الْمُسْتَطِيرُ(١). رَوَاهُ مُسْلِمْ، وَلَفْظُهُ للتِرْمذيِّ]. (وَعَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَسِهِ: لَا يَمْنَعَنَّكُمْ مِنْ سُحُورِكُمْ أَذَانُ بِلَالٍ) فيه تصريح بأنه كان يؤذن قبل الفجر، وهو موافق لما مر: ((يؤذن بلیل)». (وَلَا الْفَجْرُ الْمُسْتَطِيلُ) وهو الكاذب، سمي مستطيلاً؛ لأنه يطلع في طول السماء، ولذا شبه بذنب الذنب، وفائدة ذكره بيان أن ما بعده من الليل وأن بلالاً ربما أذن بعده مع کونه کان یؤذن بلیل. (وَلَكِنٍ) الذي يمنعكم من ذلك هو (الْفَجْرُ الْمُسْتَطِيرُ) أي: المنتشر ضوؤه المعترض بنواحي السماء (رَوَاهُ مُسْلِمُ، وَلَفْظُهُ للتِّرْمذيِّ) الأنسب: رواه مسلم (١) أخرجه الطيالسي (٨٩٨)، وأحمد (٢٠١٧٠)، والترمذي (٧٠٦) وقال: حسن، والحاكم (١٥٥٠)، والدارقطني (١٦٦/٢)، وأخرجه مسلم (٢٥٩٨) بلفظ: «لَا يَغُرَّنَّكُمْ مِنْ سَحُورِكُمْ أَذَانُ بِلَالٍ وَلَا بَيَاضُ الأُفُقِ الْمُسْتَطِيلُ هَكَذَا حَتَّى يَسْتَطِيرَ هَكَذَا». ١٤٨ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثالث وللترمذي واللفظ له. ٦٨٢ - [وَعَنْ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ ﴾ قَالَ: أَتَيْثُ النَّبِيَّ ◌َِّ أَنَا وَابْنُ عَمِّ لِي، فَقَالَ: إِذَا سَافَرْتُمَا فَأَذِّنَا وَأَقِيمَا، وَلْيُؤُمَّكُمَا أَكْبَرُكُمَا(١). رَوَاهُ الُْخَارِيُّ). (وَعَنْ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ ﴿ قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ وَِّ أَنَا وَابْنُ عَمِّ لِي، فَقَالَ: إِذَا سَافَرْتُمَا فَأَذِّنَا وَأَقِيمًا) أي: للصلاة المكتوبة. (وَلْيَؤُمَّكُمَا أَكْبَرُكُمَا) أي: في الفضل (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) وفي الخبر الآتي: ((ليؤذن لكم أحدكم ... )). فإن قلت: هل يؤخذ منه أن معنى أذنا وأقيما؛ أي: فليؤذن لكما أحدكما، وليقم لكما أحدكما؟ قلت: لا يؤخذ منه ذلك؛ لاحتمال أن الثاني لبيان أقل الأجزاء، والثاني لبيان الأكمل، ومن ثم كان الأفضل عندنا لكل أحد يؤذن بنفسه وإن سمع أذان غيره وأراد الصّلاة معه. ٦٨٣ - [وَعَنهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ﴾: صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّ، وَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ، ثُمَّ لِيَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ(٢)]. (وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أَصَلِّ) أي: افعلوا في صلاتكم مثل الذي علمتموني أفعله في صلاتي، وقد استدل الأئمة بهذه الجملة على أحكام كثيرة تأتي بعضها في مباحث الصّلاة. (وَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ، ثُمَّ) بعد فراغ الأذان وحضور (١) أخرجه البخاري (٢٨٤٨)، ومسلم (١٥٧٠)، وابن أبي شيبة (٢٢٥٩)، والترمذي (٢٠٥) وقال: حسن صحيح، والنسائي (٦٣٤)، وابن حبان (٢١٢٨)، وابن خزيمة (٣٩٥)، وأبو عوانة (٩٦٨)، والبيهقي (١٧٩٨). (٢) أخرجه البخاري (٧٨٥)، ومسلم (٦٧٤)، وأحمد (١٥٦٣٦)، والنسائي (٦٣٥)، وابن حبان (١٦٥٨). ١٤٩ كتاب الصّلاة/ باب تأخير الأذان الناس (ليَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ) أي: في الفضل، وليس فيه أن الإمامة أفضل من الأذان؛ لأنها لعظيم خطرها وما فيها من الضمان والتبعية يحتاج إلى شروط ومندوبات بها تكمل صلاة المأمومين، وباختلالها تختل صلاتهم، فيطالبونه بذلك ولا كذلك الأذان؛ لأن المؤذن أمين ليس عليه إلا مجرد الإخبار بالوقت، لكن لما كان يترتب عليه من الأجر ما لا يترتب على الإمامة كما مرَّ كان أفضل منها. ٦٨٤ - [وَعَنْ أَّبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِوَ﴾ِ حِينَ قَفَلَ مِنْ غَزْوَةِ خَيْبَرَ سَارَ لَيْلَهُ حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْكَرَى عَرَّسَ، وَقَالَ لِلَالٍ: اكْلٌ لَنَا اللَّيْلَ، فَصَلَّى بِلَالْ مَا قُدِّرَ لَهُ، وَنَامَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ وَأَصْحَابُهُ، فَلَمَّا تَقَارَبَ الْفَجْرُ اسْتَنَدَ بِلَالْ إِلَى رَاحِلَتِهِ بِوَجْهِ الْفَجْرِ، فَغَلَبَتْ بِلَالاً عَيْنَاهُ وَهُوَ مُسْتَنِدُ إِلَى رَاحِلَتِهِ، فَلَمْ يَسْتَيْقِظُ رَسُولُ اللهِوَلاَ وَلَا بِلَالُ وَلَا أَحَدُّ مِنْ أَصْحَابِهِ حَتَّى ضَرَبَتْهُمُ الشَّمْسُ، فَكَانَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ أَوَّلَهُمُ اسْتِيقَاظًا، فَفَرِعَ رَسُولُ اللهِ﴿ فَقَالَ: أَيْ بِلَالُ. فَقَالَ بِلَالُ: أَخَذَ بِنَفْسِي الَّذِي أَخَذَ بِنَفْسِكَ، قَالَ: اقْتَادُوا. فَاقْتَادُوا رَوَاحِلَهُمْ شَيْئًا، ثُمَّ تَوَضَّأَ رَسُولُ اللهِ وَّةِ، وَأَمَرَ بِلَالاً فَأَقَامَ الصَّلَاةَ، فَصَلَّى بِهِمُ الصُّبْحَ فَلَمَّا قَضَى الصَّلاَةَ قَالَ: مَنْ نَسِيَ الصَّلَاةَ فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا، فَإِنَّ اللهَ قَالَ: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤](١) . رَوَاهُ مُسْلِمُ]. (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ الله ◌ِ حِينَ قَفَلَ) أي: رجع من سفره، وقد يطلق للسفر قفول وقفل في المجيء والذهاب. (مِنْ غَزْوَةٍ خَيْبَرَ) في المحرم سنة سبع أقام بَّه بحاضرها بضع عشرة ليلة إلى أن فتحها الله علیه، وهي في المدينة على ثمان برد. (سَارَ لَيْلَهُ حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْكَرَى) أي: النومِ (عَرَّسَ) أي: نزل آخر الليل للنوم والاستراحة. (وَقَالَ لِلَالٍ: اكْلأُ) أي: اخفضه واحرس (لَنَا اللَّيْلَ) أي: آخره المستلزم حفظه (١) أخرجه مسلم (١٥٩٢)، وابن ماجه (٧٤٤)، والبيهقي في ((سننه)) (٣٣٠١). ١٥٠ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثالث للعلم بطلوع الفجر، فانقطعنا حينئذ لتوقع صلاة الصبح أول وقتها. (فَصَلَّى بِلَالْ) من تهجده (مَا قُدِّرَ) أي: يسر (لَهُ، وَنَامَ رَسُولُ اللهِ وَيُؤ) عقب أمره لبلال بمراقبة الفجر، وفي هذا تأييد لما مر أن النوم لا يجوز ولو قبل الوقت إلا إن وثق بالاستيقاظ في الوقت کان یفوض إيقاظه فيه إلى من يثق به. (وَأَصْحَابُهُ، فَلَمَّا تَقَارَبَ الْفَجْرُ اسْتَنّدَ بِلَالُ إِلَى رَاحِلَتِهِ بِوَجْهِ الْفَجْرِ) ليرقبه حتی یوقظهم عقب طلوعه. (فَغَلَبَتْ بِلَالاً عَيْنَاهُ) أي: فجاءه النوم من غير اختيار حتى صار مقهورًا ومغلوبًا بالعينين بسبب زوال يقظتهما المستلزم لزوال يقظته. (وَهُوَ مُسْتَنِدُ إِلَى رَاحِلَتِهِ، فَلَمْ يَسْتَيْقِظُ رَسُولُ اللهِ وَّهَ وَلَا بِلَالُ وَلَا أَحَدُّ مِنْ أَصْحَابِهِ حَتَّى ضَرَبَتْهُمُ الشَّمْسُ) بحرها. (فَكَانَ رَسُولُ اللهِ وَّةِ أَوَّلَهُمُ اسْتِيقَاظًا) لأنه أزكاهم نفسًا وأقلهم حجابًا؛ إذ النفوس الزكية إذا غلب عليها شيء من الحجب البشرية يزول عن قرب، فكل من هو أزكى يكون زوال حجابه أسرع. (فَفَزِعَ رَسُولُ الله ◌ِله) من استيقاظه وقد فاتته الصبح. (فَقَالَ: أَيْ بِلَالُ) أي: لم نمت حتى فوتنا صلاة الصبح. (فَقَالَ بِلَالٌ) معتذرًا عن غفلته ونومه: (أَخَذَّ بِنَفْسِي الَّذِي أَخَذَ بِنَفْسِكَ) أي: تُوفي نفسي قهرًا علي متوفي نفسك وهو الله تعالى ﴿اللّهُ يَتَوَفَى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾ [الزمر: ٤٢]. (قَالَ) ◌َ ◌ّر لأصحابه بعد اعتذار بلال له بذلك وقبوله لعذره لصدقه فيه، ومن ثم لم يأثم عندنا من غلبه النوم به مطلقًا، ولا من وثق بمن يوقظه فلم يوقظه؛ إذ لا تقصير في الصورتين (اقْتَادُوا) أي: سوقوا رواحلكم وجروها بخطمها. (فَاقْتَادُوا رَوَاحِلَهُمْ شَيْئًا) أي: اقتيادًا يسيرًا حتى يتحولوا عن ذلك الوادي؛ لأن به شيطان كما في رواية: «وَمن ثُمَّ قَالَ أَصْحَابِنَا: تكره الصَّلَاةِ فِي الوَادِي الَّذِي نَامَ بِهِ ١٥١ كتاب الصّلاة/ باب تأخير الأذان النَّبِيُّ ◌َّ لِقوله ◌َّ: تحوّلُوا بِنَا عَنْ هَذَا الوَادِي فَإِن بِهِ شَيطَانًا)(١). وفي رواية: ((لِيَأْخُذْ كُلُّ وَاحِدٍ رَأْسَ رَاحِلَتِهِ، فَإِنَّ هَذَا مَنْزِلْ حَضَرَنَا فِيهِ الشَّيْطَانُ))(٢) وجزم جماعة قضاء الفائتة في وقت النهي، فتحوله وقمّ عندهم إنما هو ليخرج ويدخل وقت جواز الصّلاة. (ثُمَّ تَوَضَّأَّ رَسُولُ اللهِ وَّهِ وَأَمَرَ بِلَالاً فَأَقَامَ الصَّلاةَ) ظاهره أن الفائتة لا يؤذن لها وهو مذهب الشافعي في ((الجديد)) لكن المعتمد عند أصحابه هو مذهبه ((القديم)) أنه يؤذن لها لما في حديث ((الصحيحين)) في هذه القضية: ((ثُمَّ أُذَّنَ بِلَالُ بِالصَّلَاةِ، وَصَلَّى رَسُولُ اللهِ وَلَ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ صَلَّ صَلَاةِ الْغَدَاةَ، فَصَنَعَ كَمَا كَانَ يَصْنَعُ كُلَّ يَوْمٍ وَيَقولُهُ فَصَلَى رَكْعَتَينِ ثُمَّ .. إلى آخره)(٣) إذ الإقامة لا يفصل بينها وبين الفرض بشيء، وقوله: ((كما كان ... إلى آخره)) مع رواية أبي داود وعن عمرو بن أمية وعمران بن حصين أنه جمع بين الأذان والإقامة يندفع احتمال أن يراد بالأذان فيه الإقامة، واقتصار مسلم عليها اختصارًا. وأيضًا فالأصح أن الأذان حق للمكتوبة غير المعادة لا للوقت ولا للجماعة، وخبر: «إنه ◌َّهُ لما حبس عن الصَّلَاة يوم الخندق - كما مرَّ - أمر بلالاً فأقام لتلك الفوائت))(٤) لا يعارض ما مرَّ؛ لأنه أصح منه ومتأخر عنه ومعه زيادة علم، والعمل بالمتأخر متعين وكذا بما فيه زيادة ثقة على أن في رواية أنه سي* في قضية الخندق المذكورة: ((أمر بلالاً فأذن ثم أقام))(٥) ولا يضر انقطاعها؛ لأن المنقطع يصلح للتقوية. (فَصَلَّى بِهِمُ الصُّبْحَ فَلَمَّا قَضَى الصَّلَاةَ قَالَ: مَنْ نَسِيَ الصَّلاةَ) ضم لذلك في رواية (١) ذكره الملا علي القاري في ((مرقاة المفاتيح)) (١٤٢/٣). (٢) أخرجه مسلم (٦٨٠)، وأحمد (٩٥٣٠)، والنسائي (٦٢٣)، وابن أبي شيبة (٤٧٣٧)، وابن الجارود (٢٤٠)، والبيهقي (٢٩٩٧). (٣) أخرجه مسلم (١٥٩٤)، والبيهقي في ((سننه)) (٣٢٩٧) وفي الدلائل (١٦٢٨). (٤) أخرجه أحمد (١١٤٩٩)، والبيهقي في ((معرفة السنن والآثار)) (٦٣٥). (٥) تقدم تخريجه. ١٥٢ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثالث سبقت: ((أو نام عنها)) وهي المناسبة هنا وعلى حذفها فاكتفى بالنسيان عن النوم؛ لأنه مثله بجامع ما في كل من الغفلة وعدم التقصير. (فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا، فَإِنَّ اللّهَ قَالَ: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةِ لِذِكْرِي﴾﴾ [طه: ١٤] ومرَّ الكلام على ذلك مبسوطًا. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وقد جمع العلماء بينه وبين حديث البخاري: ((إِن عَائِشَة قَالَت: يَا رَسُولَ الله أَتَنَامُ قَبْلَ أَنْ تُوتِرَ؟ فَقَالَ لَهَا: إِنَّ عَيْنَيَّ تَنَامَانِ وَلَا يَنَامُ قَلْبِي))(١) بجوابين: أحدهما: إن القلب إنما يدرك الحسيات المتعلقة به كالحدث والألم ونحوهما ولم يدرك ما يتعلق بالعين كطلوع الفجر أو الشمس، فالعين نائمة والقلب يقظان. ثانيهما: إنه كان له حالتان: حالة لا ينام قلبه فيها وهي الأغلب، وحالة ينام قلبه فيها وهي نادرة، فصادفت نومه الذي في هذا الحديث، وهو ضعيف وإن انتصر له الشارح بما لا يجدي، فالأول هو الصحيح وإنما لم يدرك القلب مرور الزمن الطويل، وهو من طلوع الفجر إلى ارتفاع الشمس مع أن هذا لا يخفى على غير المستغرق؛ لأنه يحتمل أنه كان مستغرقًا بما يتنزل عليه من وحي ربه ومعارفه وتجليه وشهوده، ولا يلزم مع ذلك وصفه بالنوم كما كان ولم يستطرق حالة إلقاء الوحي في اليقظة، وحكمة ذلك بيان التشريع بالفعل؛ لأنه أوقع في النفس، كما في قصة سهوه في الصّلاة. وقال ابن العربي: هو ما اختلف حاله من نوم أو يقظة في حق وتحقيق ومع الملائكة في كل طريق إن نسي، فبأكد من المنسي اشتغل وإن نام فبقلبه ونفسه على الله أقبل، ولهذا قالت الصحابة: كان النبي وَل﴾ إذا نام لا نوقظه حتى يستيقظ؛ لأنا لا ندري ما هو فيه، فنومه عن الصّلاة أو نسيانه لشيء منها لم يكن عن آفة وإنما كان بالتصرف من حالة إلى حالة مثلها؛ ليكون لنا سنة. انتهى. وتعرض بعضهم في جوابه عما مرَّ إلى ما حاصله أنه خصص يقظة القلب (١) أخرجه مالك (٢٦٣)، والبخاري (١١٤٧)، ومسلم (١٧٥٧)، وأبو داود (١٣٤٣)، والترمذي (٤٤١)، وأحمد (٢٥١٨٠). ١٥٣ كتاب الصّلاة/ باب تأخير الأذان بإدراك حالة انتقاض الوضوء فقط وهو بعيد جدًّا، بل جوابه لعائشة يرد ذلك؛ لأنه لا تعلق له بهذا الانتقاض وإنما هو عما يتعلق بأمر الوتر. وذهب ابن دقيق العيد إلى تخصيص اليقظة المفهومة من نفي النوم عن القلب بإدراكه وقت الوتر إدراكًا معنويًّا لتعلقه به، وإلى أن نومه في حديث الباب كان مستغرقًا لقول بلال: أخذ بنفسي الذي أخذ بنفسك، ولم ينكر عليه، ومعلوم أن نوم بلال كان مستغرقًا، قال: وإنما اعتبرت خصوص السبب؛ لأنه معتبر إذا قامت عليه قرينة وأرشد إليها السياق وهو هنا كذلك. انتهى. وهو بعيد أيضًا؛ لأن قوله: (ولا ينام قلبي)) عام وما في حديث الباب لا يخصه وسكوته على كلام بلال لا لتقريره، بل لأنه لم يرد إلا التساوي في نوم العين بدليل ما تقرر عن الصحابة أنه كان لا يوقظ؛ لأنهم لا يدرون ما هو فيه، فهذا تصريح منهم بيقظة قلبه وبلال من أجلهم، فلم يمكن أن يريد إلا ما ذكرته، ومن الضعيف جدًّا أيضًا قول من قال: كان قلبه يقظان، وعلم خروج الوقت وسكت عليه لمصلحة التشريع. ٦٨٥ - [وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَّهِ: إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَلَا تَقُومُوا حَتَّى تَرَوْنِي قَدْ خَرَجْتُ(١). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ]. (وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّه ◌َيْهِ: إِذَا أَقِيمَتِ الصَّلَاةُ) أي: نودي بإقامتها (فَلَا تَقُومُوا حَتَّى تَرَوْنِي قَدْ خَرَجْتٌ. مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ) ومر الكلام عليه بما حاصله أن السنة عندنا للمأموم ألَّا نقوم إلا عند فراغ المؤذن من الإقامة، وفي ذلك الوقت يكون الإمام قد خرج غالبًا وكون الإقامة بنظر الإمام لا يقتضي حضوره عندنا، فقد يأمر بها وهو غائب ثم يحضر عند انتهائها أو عقبه. - (١) أخرجه البخاري (٦١١)، ومسلم (٦٠٤)، وأبو داود (٥٣٩)، عبد الرزاق (١٩٣٢)، وابن أبي شيبة (٤٠٩٣)، والطيالسي (٦٢٣)، وأحمد (٢٢٦٤٠)، والدارمي (١٢٦٢)، والنسائي (٦٨٧)، وابن خزيمة (١٦٤٤). ١٥٤ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثالث ٦٨٦ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَلَا تَأْتُوهَا تَسْعَوْنَ، وَأَتُوهَا تَمْشُونَ عَلَيْكُمُ السَّكِينَةُ، فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا، وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا(١). مُتَفَقُّ عَلَيْهِ. وَفِي رِوَايَة لمُسْلِمٍ: فَإِنَّ أُحَدَكُمْ إِذَا كَانَ يَعْمِدُ إِلَى الصَّلاَةِ فَهُوَ فِي صَلاَةٍ(٢)]. (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَيُّ: إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاءُ فَلَا تَأْتُوهَا) حال كونكم (تَسْعَوْنَ) أي: تهرولون وتسرعون، وهو أبلغ في النهي لا تسعوا لتصويره حالة سوء الأدب، وأنه منافٍ لما هو أولى به من الوقار والسكينة، ومن ثم عقبه بما بینه علی حسن الأدب. فقال: (وَأَتُوهَا) في حال كونكم (تَمْشُونَ) لقوله تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا﴾ [الفرقان: ٦٣] ثم ذيل المفهومين بقوله: (وعليكم السكينة) أي: الزموا الخشوع والطمأنينة في أقوالكم وأفعالكم، سيما في الوفود إلى حضرة ربكم ومحط نظره وقربه مما يتقرب إليه، ومحل فيضه الأعظم الموجب لقرة العين، وذهاب البعد والبين، فلا فرق هنا بين الجمعة وغيرها و﴿فَاسْعَوْا﴾ [الجمعة: ٩] في آية الجمعة بمعنى امضوا، كما قرئ به، أو بمعنى القصد والنية، كما قال الحسن: ليس علي السعي على الإقدام، ولكنه على النيات والقلوب، ويستعمل السعي في التصرف في كل عمل. ومنه: ﴿وَأَن ◌َّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلَّ مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩] وفي رواية: (وَعَلَيْكُمُ السَّكِينَةُ وَالْوَقَارُ))(٣) وجمع بينهما مع ترادفهما تأكيدًا، وقيل: بل بينهما فرق؛ إذ (١) أخرجه البخاري (٨٦٦)، ومسلم (٦٠٢)، وأبو داود (٥٧٢)، والترمذي (٣٢٧)، وأحمد (٧٢٢٩)، والنسائي (٨٦١)، وابن ماجه (٧٧٥)، وعبد الرزاق (٣٤٠٣)، وابن حبان (٢١٤٨)، وأبو عوانة (١٥٤٠). (٢) أخرجه مسلم (٦٠٢)، والشافعي في («السنن)) (٦٧)، وابن خزيمة (١٠٦٥). (٣) أخرجه أحمد (١٠٦١٢)، والبيهقي في ((سننه)) (١٩٩٢)، والطبراني في «الأوسط)) (٤٥٥٩)، وابن خزيمة (١٥٥٥). ١٥٥ كتاب الصّلاة/ باب تأخير الأذان السكينة الثاني في الحركة واجتناب العبث ونحو ذلك، والوقار في الهيئة وغض البصر وخفض الصوت والإقبال على طريقه بغير التفات ونحو ذلك. (فَمَا أَدْرَكْتُمْ) الغاء جواب شرط محذوف؛ أي: إذا فعلتم ما أمرتم به وتركتم ما نهيتم عنه فما أدركتموه مع الإمام من الصّلاة. (فَصَلُّوا) وبإطلاقه أخذ أئمتنا أن الجماعة تدرك بأي جزء أدرك قبل سلام الإمام حتى لو أتى المأموم بالنية بعد شروع الإمام في السلام وفرغ منها قبل فراغه منه حصل له فضل الجماعة، وهو السبع والعشرون درجة، لكن من أدركها من أولها تكون درجاته أكمل وأعظم. (وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِّمُوا) أخذ منه أن محل طلب عدم السعي إذا علم أنه يدرك بعض معه لو لم يسع، أما لو علم أنه لا يدركها معه إلا إن سعى فينبغي حينئذ كما روي عن ابن عمر رضي الله عنهما. والأصح عندنا أنه يترك السعي مطلقًا أخذًا بعموم صدر الحديث، وما ذكر آخره لا تخصيصه نعم الكلام في غير الجمعة، أمَّا هي فإذا لم تدرك بإدراك ركوعها الثاني إلا بالسعي فإنه يجب بالسعي؛ لأن للوسيلة حكم المقصد، وهو هنا واجب عينًا فوجبت وسيلته كذلك ولا كذلك الجمعة، وأخذ أئمتنا من ((فأتموا)) أن ما يدركه المأموم مع إمامه هو أول صلاته؛ لأن لفظ الإتمام يقع على باقي شيء بعدم أوله، وهو مذهب جمع من الصحابة والتابعين. وقال آخرون: ما أدركه معه هو آخر صلاته لرواية: ((وَمَا فَاتَكُمْ فَاقْضُوا))(١) ورد بأن حقيقة القضاء هنا غير متأتية، فتعين حملها على رواية الإتمام الصريحة فيما ذهبنا إليه، فمن أدرك مع الإمام ركعة من الصبح أو المغرب يَقنُت في الثانية ويجهر في ركعة من باقيتي المغرب، وعلى الثاني لا يقنت ويجهر في الأخيرتين (مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ). (١) أخرجه النسائي (٨٦١)، وابن حبان (٢١٤٥)، والحميدي (٩٣٥)، وابن أبي شيبة (٧٤٠٠)، وابن الجارود (٣٠٥)، والبيهقي (٣٤٤١). ١٥٦ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثالث (وَفِي رِوَايَة لِمُسْلِمٍ: فَإِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا كَانَ يَعْيِدُ إِلَى الصَّلَاةِ) أي: يأتي قاصدًا إليها، (فَهُوَ فِي صَلَاةٍ) وهو تعليل بقوله: ((وعليكم السكينة والوقار)) إذ من كان في صلاة يتعين عليه اجتناب كل عبث وتحري الخشوع والأدب ما أمكنه، فكذا الذاهب إليها فيسن له ألَّا يعبث ولا يتكلم بقبيح ولا ينظر لما لا يعنيه، فإذا وصل للمسجد وانتظر الصّلاة تأكد اعتناؤه بما ذكر لما مرَّ: ((إن منتظر الصّلاة في صلاة أيضًا مع احترام المسجد وتعظيمه)) (وَهَذَا الْبَابِ خَالِي عَنِ الفَصْلِ الثَّانِي). (الفصل الثالث) ٦٨٧ - [عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ﴿ أَنَّهُ قَالَ: عَرَّسَ رَسُولُ اللهِ وَ لَيْلَةً بِطَرِيقٍ مَكَّةَ، وَوَكَّلَ بِلَالاً أَنْ يُوقِظَهُمْ لِلصَّلَاةِ فَرَقَدَ بِلَالْ وَرَقَدُوا حَتَّى اسْتَيْقَظُوا، وَقَدْ طَلَعَتْ عَلَيْهِمُ الشَّمْسُ فَاسْتَيْقَظَ الْقَوْمُ وَقَدْ فَزِعُوا، فَأَمَرَهُمْ رَسُولُ اللهِ وَّهِ أَنْ يَرْكَبُوا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْ ذَلِكَ الْوَادِي وَقَالَ: إِنَّ هَذَا وَادٍ بِهِ شَيْطَانُ. ثُمَّ أَمَرَهُمْ رَسُولُ اللهِ وَِّ أَنْ يَنْزِلُوا وَأَنْ يَتَوَضَّؤُوا، وَأَمَرَ بِلَالاً أَنْ يُنَادِيَ بِالصَّلاَةِ أَوْ يُقِيمَ، فَصَلَى رَسُولُ اللهِ وَهَ بِالنَّاسِ، ثُمَّ انْصَرَفَ وَقَدْ رَأَى مِنْ فَزَعِهِمْ، فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ اللهَ قَبَضَ أَرْوَاحَنَا وَلَوْ شَاءَ لَرَدَّهَا إِلَيْنَا فِي حِينٍ غَيْرِ هَذَا، فَإِذَا رَقَدَ أَحَدُكُمْ عَنِ الصَّلَاةِ أَوْ نَسِيَهَا، ثُمَّ فَزِعَ إِلَيْهَا فَلْيُصَلِّهَا كَمَا كَانَ يُصَلِّيهَا فِي وَقْتِهَا، ثُمَّ الْتَفَتَ رَسُولُ الله ◌َه إِلَى أَبِي بَكْرٍ، فَقَالَ: إِنَّ الشَّيْطَانَ أَنَى بِلَالاً وَهُوَ قَائِمُ يُصَلِّ فَأَضْجَعَهُ، ثُمَّ لَمْ يَزَلْ يُهَدِّنُهُ كَمَا يُهَدَّأُ الصَّبِيُّ حَتَّى نَامَ، ثُمَّ دَعَا رَسُولُ اللهِ وَِّ بِلَالاً فَأَخْبَرَ بِلَالُ رَسُولَ اللهِ وَِّ مِثْلَ مَا أَخْبَرَ رَسُولُ اللهِ وَِّ أَبَا بَكْرٍ، فَقَالَ أَبُوبَكْرٍ: أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ الله(١). رَوَاهُ مَالِك مُرْسَلاً]. (عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ◌ّ أَنَّهُ قَالَ: عَرَّسَ رَسُولُ اللهِ وَِّ لَيْلَةً بِطَرِيقٍ مَكَّةَ) هذا يدل على أن قضيته غير الأولى؛ لأن تلك كانت بين خيبر والمدينة، وهذه بطريق مكة؛ أي: بين مكة والمدينة. (١) أخرجه مالك في ((الموطأ)) (٢٦). ١٥٧ كتاب الصّلاة/ باب تأخير الأذان (وَوَكَّلَ بِلَالاً أَنْ يُوقِظَهُمْ لِلصَّلَاةِ) كرره لينيط به قوله: (فَرَقَدَ بِلَالٌ وَرَقَدُوا حَتَّى اسْتَيْقَظُوا، وَقَدْ طَلَعَتْ عَلَيْهِمُ الشَّمْسُ فَاسْتَيْقَظَ الْقَوْمُ وَقَدْ فَزِعُوا) أي: من فوات الصبح (فَأَمَرَهُمْ رَسُولُ اللهِ وَ أَنْ يَرْكَبُوا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْ ذَلِكَ الْوَادِي وَقَالَ: إِنَّ هَذَا وَادٍ بِهِ شَيْطَانٌ. ثُمَّ أَمَرَهُمْ رَسُولُ اللهِ أَنْ يَنْزِلُوا وَأَنْ يَتَوَضَّؤُوا، وَأَمَرَ بِلَالاً أَنْ يُنَادِيّ بِالصَّلَاةِ أَوْ يُقِيمَ، فَصَلَّى رَسُولُ اللّهِ وَّهِ بِالنَّاسِ، ثُمَّ انْصَرَفَ وَقَدْ رَأَى مِنْ فَزَعِهِمْ) أي: شيئًا كثيرًا كما دل عليه السياق. (فَقَالَ) إزالة لفزعهم وتسلية لهم عما أصابهم منه: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ اللهَ قَبَضَ أَرْوَاحَنَا) كما يدل عليه قوله تعالى: ﴿اللهُ يَتَوَلَى الأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾ [الزمر: ٤٢]. (وَلَوْ شَاءَ) أن يردها إلينا في حين قبل هذا الوقت (لَرَدَّهَا إِلَيْنَا فِي حِينٍ غَيْرِ هَذَا) أي: فلا تقصير منكم، وما ذكرته في معنى: ((ولو شاء .. إلى آخره) أظهر من قول الشارح أنه إشارة إلى الموت الحقيقي الذي نبه عليه قوله تعالى: ﴿فَيُمْسِكُ الَّتِي فَضَى عَلَيْهَا المَوْتَ﴾ [الزمر: ٤٢] وقوله: ((إن الله يقبض أرواحنا)) إشارة إلى الموت المجازي في قوله تعالى: ﴿وَيُرْسِلُ الأُخْرَى﴾ [الزمر: ٤٢] أي: النفس التي لم تمت في منامها. انتهى. وكله تعسف غير محتاج إليه، بل الكلام كله من القبض والرد في المجازي كما قررته (فَإِذَا رَقَدَ أَحَدُكُمْ عَنِ الصَّلَاةِ أَوْ) للتنويع لا للشك خلافًا لمن زعمه؛ لأن النسيان خلاف النوم (فَسِيَهَا، ثُمَّ فَزِعَ) أي: التجأ (إِلَیھَا) لحصول يقظته من نومه أو تذكره لنسيانه. (فَلْيُصَلِّهَا كَمَا كَانَ يُصَلِِّهَا فِي وَقْتِهَا) ظاهر في أنه يؤذن للفائتة، ومر التصريح به (ثُمَّ الْتَفَتَ رَسُولُ اللهِّهِ إِلَى أَبِي بَكْرٍ، فَقَالَ: إِنَّ الشَّيْطَانَ أَنَّى بِلَالاً وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فَأَضْجَعَهُ، ثُمَّ لَمْ يَزَلْ يُهَدِّتُهُ) أي: يسكنه عن التحرك في المشي وغيره (كَمَا يُهَدَّأُ الصَّبِيُّ حَتَّى نَامَ) لا ينافي إسناد هذا للشيطان ما مر من إسناده إلى الله تعالى؛ لأن الله تعالى أراد خلق النسيان أو النوم فيهم، فمكن الشيطان من اكتساب ما هو جالب لهما من ١٥٨ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثالث الهدوء وغيره كما هو المقرر من مذهب أهل السنة في خلق الأفعال. (ثُمَّ دَعَا رَسُولُ اللهِ وَّهِ بِلَالاً فَأَخْبَرَ بِلَالُ رَسُولَ اللهِ وَهْ مِثْلَ مَا أَخْبَرَ رَسُولُ اللهِ وَ﴿ أَبَا بَكْرٍ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ الله) لما فيه من ظهور تلك المعجزة الباهرة. (رَوَاهُ مَالِك) في ((الموطأ) عن زيد بن أسلم (مُرْسَلاً). ٦٨٨ - [وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِي اللّهُ عَنهُمَا - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: خَصْلَتَانِ مُعَلَّقَتَانِ فِي أَعْنَاقِ الْمُؤَذِّنِينَ لِلْمُسْلِمِينَ: صَلَاتُهُمْ وَصِيَامُهُمْ(١). رَوَاهُ ابْنِ مَاجَه]. (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِي اللهُ عَنْهُمَا - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَُّ: خَصْلَتَانِ مُعَلَّقَتَانِ فِي أَعْنَاقِ الْمُؤَذِّنِينَ) صفة المبتدأ وخبره قوله: (لِلْمُسْلِمِينَ: صَلَاتُهُمْ وَصِيَامُهُمْ) بيان لمبتدأ أو بدل منه شبهت حالة المؤذنين وإناطة هاتين الخصلتين بهم بحالة أسير في عنقه ربقة الرق الذي لا يخلصه منه إلا منُّ أو فداء، فكذا المؤذنون لا يخلصهم الخروج عن عهدة تينك إلا مبالغتهم في الاجتهاد في تحرير الأوقات وضبطها على الوجه الأكمل لما مر أنهم أمناء، والأمين لا يخرج عن عهدة أمانته إلا بالمبالغة في حفظها على الوجه الأكمل ثم ردها إلى من ائتمنه من غير توانٍ ولا تقصير (رَوَاهُ ابْن ماجه) وسنده حسن. فائدة: روى الخطيب عن جابر رفعه إلى النبي وَله وقال: إنه غريب ((أَول مَنْ يَدْخُلُ الجَنَّة الأَنْبِياءِ ثُمَّ مُؤذِّنُوبَيت المقْدِسِ ثُمَّ مُؤذنُو مَسْجِدِي ثُمَّ سَائِر المؤذنِينَ))(٢). قال: ((وَمُؤْذِن البَيتِ بِلَال ◌َ))(٣). (١) أخرجه ابن ماجه (٧١٢)، وأبو نعيم في ((الحلية)) (١٩٨/٨) وابن عدي (٣٨٤/٦). (٢) أخرجه البيهقي في الشعب (٣٠٦٤)، والعقيلي (١١٤/٤)، وابن عدي (٢٤٥/٦). (٣) ذكره الملا علي القاري في ((مرقاة المفاتيح)) (١٥٣/٣). (باب المساجد ومواضع الصّلاة) من عطف الرديف أو الأعم وهو الأظهر المسجد، ويراد به: المسيل لغة مفعل، بالكسر: اسم لمحل السجود، وبالفتح: اسم المصدر، وقد يطلق على جهة الإنسان. قال الفراء: كل ما كان مفتوح العين في الماضي مضمومها في المضارع فالفعل منه بالفتح اسمًا كان أو مصدرًا إلا أحرفًا ألزموها كسر العين كالمسجد والمطلع، فجعلوا الكسر علامة للاسم، وربما فتحه بعض العرب في الاسم، فيجوز الفتح في الكل وإن لم يسمع، وشرعًا: المحل الموقوف للصلاة فيه. وقيل: الأرض كلها؛ لخبر: ((جُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ مَسْجِدًا))(١) ويرد بأن المراد بالمسجد فيه ما تجوز فيه الصّلاة احترازًا من بقية الأمم، فإنهم كانوا لا تجوز لهم الصّلاة إلا في بيعهم وكنائسهم كما جاء في رواية. وفي أخرى عند البزار: ((وَلَمْ يَكُنْ أَحَدٍ مِنَ الأَنْبِيَاءِ يُصَلِّ حَتَّى يَبْلُغَ مِحْرَابَهُ))(١) وبها يرد على من زعم أن عيسى كان يصلي حيث أدركته الصّلاة، قال: والخصوصية لنا، إنما هو اجتماع المسجدية والطهورية، وغيرنا كانت له مسجدًا لا طهورًا، وغلبوا في الاشتقاق السجود دون الركوع مثلاً؛ لأنه أفضل أركان الصّلاة ما عدا القيام. (الفصل الأول) ٦٨٩ - [عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِي اللّهُ عَنهُمَا - قَالَ: لَمَّا دَخَلَ النَّبِيُّ ◌َ الْبَيْتَ دَعَا فِي نَوَاحِيهِ كُلُّهَا، وَلَمْ يُصَلِّ حَتَّى خَرَجَ مِنْهُ، فَلَمَّا خَرَجَ رَكَعَ رَكْعَتَيْنِ فِي قُبُلِ الْكَعْبَةِ (١) أخرجه البخاري (٣٢٨)، ومسلم (٥٢١)، والطيالسي (٤٧٢)، وأحمد (٢١٣٥٢)، والحاكم (٣٥٨٧)، والدارمي (١٣٨٩)، وعبد بن حميد (١١٥٤)، والنسائي (٤٣٢)، وأبو عوانة (١١٧٣)، وابن حبان (٦٣٩٨). (٢) أخرجه البيهقي في ((سننه)) (٤٤٣٩)، وفي («الدلائل)) (٢٢١٧)، والبزار كما في ((كشف الأستار)» (٢٣٦٦). ١٥٩ ١٦٠ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثالث وَقَالَ: هَذِهِ الْقِبْلَةُ(١) . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ]. (عَن ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِي اللّهُ عَنهُمَا - قَالَ: لَمَّ دَخَلَ الشَِّيُّ ◌َّهِ الْبَيْتَ دَعَا فِي نَوَاحِیهِ كُلُّهَا، وَلَمْ يُصَلِّ حَتَّى خَرَجَ مِنهُ) کذا وقع في هذه الرواية، وأخذ منها ابن جرير وبعض الظاهرية امتناع الصّلاة فرضها ونفلها فيه، وجوز أحمد النفل دون الفرض، ومالك التطوع دون الفرض والسنن؛ لقوله: ﴿فَوَلَّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة:١٤٤] أي: قبالته، ومن فيه مستدبرًا لبعضه فلم يكن كله قبالته. والشافعي وأبو حنيفة وغيرهما إلى جواز النفل والفرض؛ لإجماعهم على أن من صلى خارجها واستقبل بعضها فقط جاز، ولرواية الشيخين عن بلال: ((إنه وقال صلى فيه ركعتين))(٢) وقدموا هذه على ما مرَّ؛ لأنها مثبتة وتلك نافية، والمثبت مقدم لزيادة علمه ولأن رواتها أكثر، والكثرة تفيد الترجيح في الرواية، ولاضطراب تلك أخرج أحمد في ((مسنده)) وابن حبان في ((صحيحه)) عن عمر أخبرني أسامة بن زيد﴾: ((إِنَّ النَّبِيَّ ◌َّهِ صَلَى فِي الْكَعْبَةِ بَيْنَ السَّارِبَتَيْنِ))(٣). والدارقطني عن ابن عباس: ((إن النبي ◌ُّل﴾ دخله وصلى فيه ركعتين))، ولأن خبر ابن عباس هذا أعلَّ بالإرسال؛ لأنه رواه عن أخيه الفضل كما أخرجه الطبراني في (معجمه)) فهو لم يروه عن مشاهدته ومشافهته، بل عن غيره، وبهذا يندفع قول من قال (١) أخرجه البخاري (٣٩٨)، ومسلم (١٣٣٠)، والنسائي (٢٩١٥)، وأحمد (٢١٨٠٢)، وابن خزيمة (٤٣٢)، وابن حبان (٣٢٠٨). (٢) أخرجه البخاري (١١٦٧) بلفظ: (أُتِيّ ابْنُ عُمَرَ - رضي الله عنهما - فِي مَنْزِلِهِ، فَقِيلَ لَهُ: هَذَا رَسُولُ اللهِ وَ﴿ قَدْ دَخَلَ الْكَعْبَةَ قَالَ: فَأَقْبَلْتُ فَأَجِدُ رَسُولَ اللهِ وَ﴾ْ قَدْ خَرَجَ، وَأَجِدُ بِلَالاً عِنْدَ الْبَابِ قَائِمًا فَقُلْتُ: يَا بِلَالُ، صَلَّى رَسُولُ اللهِ وَ فِي الْكَعْبَةِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قُلْتُ: فَأَيْنَ؟ قَالَ: بَيْنَ هَاتَيْنِ الأُسْطُوَانَتَيْنِ، ثُمَّ خَرَجَ فَصَلَى رَكْعَتَيْنٍ فِي وَجْهِ الْكَعْبَةِ)) وبنحوه أحمد (٢١٨٧٩)، والنسائي (٢٩١٤). (٣) أخرجه البخاري (٣٩٧)، وأحمد (٢٤٦٠٩)، والنسائي في ((الكبرى)) (٢٩٢٠)، وأبو نعيم في ((المعرفة)) (٤٣٩٨).