النص المفهرس

صفحات 121-140

١٢١
كتاب الصّلاة/ باب فضل الأذان وإجابة المؤذن
إِذَا تُوِّبَ بِالصَّلَاةِ) أي: أقيمت وسميت الإقامة تثويبًا؛ لأن فيها رجوعًا إلى النداء
للصلاة بعد فراغه منه بالأذان، ومرَّ أن التثويب لغةً: الرجوع (أَدْبَرَ، حَتَّى إِذَا قُضِيَ
التَّقْوِيبُ) أي: للإقامة (أَقْبَلَ، حَتَّى) تعليلية (يَخْطِرَ) أي: يحول ويحجز (بَيْنَ الْمَرْءِ
وَنَفْسِهِ) أي: قلبه تعظيم خداعه ووسوسته حتى لا يتمكن من الحضور في صلاته
لاستغراق قلبه فيما ملأه به من الوسوسة؛ إذ هو يجري من ابن آدم مجرى الدم.
ولا ينافي إسناد الحيلولة إليه إسنادها إلى الله تعالى في قوله عزّ قائلاً: ﴿وَاعْلَمُوا
أَنَّ اللهَ يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ [الأنفال: ٢٤] أي: ويقظته وفهمه حتى لا يميز بين
الضار والنافع؛ لأن هذا الإسناد حقيقة عند أهل السنة، والأول باعتبار أن الله تعالى
مكنه منها حتى يتم ابتلاء العبد ويظهر إخلاصه وصدق رغبته فيما عند ربه وامتثاله
لأمره ونهيه (يَقُولُ) بيان لما يخطر به (اذْكُرْ كَذَا اذْكُرْ كَذَا لِمَا لَمْ يَكُنْ يَذْكُرُ) قبل
الصّلاة من الأشياء التي لنفسه بها تعلق (حَتَّى) تعليلية (يَظَلَّ الرَّجُلُ) بفتح الظاء؟
أي: يصير من شدة تلك الوسوسة بحيث (لا يَدْرِي كَمْ صَلَّ. مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ).
٦٥٦ - [وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِكَ: لَا يَسْمَعُ مَدَى
صَوْتِ الْمُؤَذِّنِ جِنَّ وَلَا إِنْسُ وَلَا شَيْءُ إِلَّا شَهِدَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ (١)].
(وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ هِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: لَا يَسْمَعُ مَدَى صَوْتِ
الْمُؤَذِّنِ) أي: غايته ولم يقل: لا يسمع صوته تنبيهًا على أن آخر من انتهى إليه صوته
يشهد له وإن لم يسمع إلا همسه كما يشهد له من يسمع أوله وقوته، وفيه الحث على
استفراغ الجهد في رفع الصوت بالأذان (جِنُّ وَلَا إِنْسُ) كان سبب تقديمهم الترقي من
الأدنى إلى الأعلى، أو الاهتمام؛ لأن شهادة الإنس بعضهم لبعض لا يستبعد لاتحاد
الجنس بخلاف شهادة الجن لاختلافه وتضاده، فإذا شهدوا مع ذلك فالإنس أولى (وَلا
شَيْءٌ) من عطف العام على الخاص ليعم سائر الحيوانات والجمادات بأن يخلق تعالى
(١) أخرجه البخاري (٥٨٤)، ومالك (١٥١)، والشافعي (٣٣/١)، وأحمد (١١٤١١)، وعبد بن حميد
(٩٩٣)، والنسائي (٦٤٤)، وابن ماجه (٧٢٣)، وابن حبان (١٦٦١).

١٢٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثالث
فيها فهمًّا وسمعًا حتى تسمع أذانه وتعقله (إِلَّا شَهِدَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) بلسان الحال بفعله
وعلو درجته تكميلاً لسروره وتطييبًا لقلبه، كما أنه تعالى يفضح أقوامًا ويهينهم
بشهادة الألسنة والأيدي والأرجل وغيرها بخسارهم وبوارهم.
٦٥٧ - [وَعَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ - رَضِي اللّهُ عَنْهُمَا - قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللهِوَّةِ: إِذَا سَمِعْتُمُ الْمُؤَذِّنَ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ ثُمَّ صَلُّوا عَلَّ، فَإِنَّ مَنْ صَلَّى عَّ
صَلَاةً صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًّا، ثُمَّ سَلُوا اللهَ لِيَ الْوَسِيلَةَ فَإِنَّهَا مَنْزِلَةٌ فِي الْجَنَّةِ لَا تَنْبَغِي
إِلَّا لِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِ اللهِ، وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا هُوَ، فَمَنْ سَأَّلَ الْوَسِيلَةَ حَلَّتْ عَليهِ
الشَّفَاعَةُ(١). رَوَاهُ مُسْلِمُ].
(وَعَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ - رَضِي اللّهُ عَنهُمَا - قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله
وَّ: إِذَا سَمِعْتُمُ الْمُؤَذِّنَ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ) سيأتي تفصيله في الحديث الذي بعده
(ثُمَّ) بعد فراغ الأذان (صَلَّوْا عَلَّ، فَإِنَّ مَنْ صَلَّى عَلَّ صَلَاةً صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ).
وفي رواية: (وَمَلَائِكَتُه))(٢).
(بِهَا عَشْرًا) بل أكثر كما جاء في روايات كثيرة ذكرتها في كتابي في الصّلاة عليه
وَل* وأخذ أئمتنا من هذا أنه يسن لسامع المؤذن بعد فراغه وللمؤذن أيضًا الصّلاة
والسلام على النبي ◌َّة، وكذا بعد فراغ الإقامة لخبر فيها أيضًا، وأفتى بعض مشايخنا
وغيره بأن ما يفعله المؤذنون الآن عقب الأذان من الإعلان بالصّلاة والسلام مرارًا
حسن؛ لأن ذلك مشروع عقب الأذان في الجملة، فالأصل سنة والكيفية حادثة (ثم
سَلُوا اللهَ لِيَ الْوَسِيلَةَ) هي في الأصل ما يتوسل به إلى المقصود وأطلقت على المنزلة
أيضًا؛ لأن بالحلول فيها يتوسل إلى الفوز من رضى الله وإكرامه بما لم يحصل لغير من
فیها.
(١) أخرجه البخاري (٥٨٤)، ومالك (١٥١)، والشافعي (٣٣/١)، وأحمد (١١٤١١)، وعبد بن حميد
(٩٩٣)، والنسائي (٦٤٤)، وابن ماجه (٧٢٣)، وابن حبان (١٦٦١).
(٢) أخرجه أحمد (٦٦٠٥).

١٢٣
كتاب الصّلاة/ باب فضل الأذان وإجابة المؤذن
(فَإِنَّهَا مَنْزِلَةُ فِي الْجَنَّةِ) أي: هي أعلاها على الإطلاق كما في حديث آخر (لا
تَنْبَغِي إِلا لِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِ اللهِ، وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا) تأكيد لاسم يكون المستتر (هُوّ)
خبر لكون وضع إياه، أو موضع اسم الإشارة؛ أي: ذلك العبد أو أنا مبتدأ خبره هو
والجملة خبر أكون (فَمَنْ سَأَلَ الْوَسِيلَةَ) أي: لي كما في رواية وسياق بيان كيفية سؤال
ذلك (حَلَّتْ عَليهِ) أي: حقت له بصادق وعد الله (الشَّفَاعَةُ) أي: من رسول الله وَّ
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ).
٦٥٨ - [وَعَنْ عُمَرِ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: إِذَا قَالَ الْمُؤَذِّنُ: اللهُ أَكْبَرُ اللهُ
أَكْبَرُ. فَقَالَ أَحَدُكُمُ: اللّهُ أَكْبَرُ اللّهُ أَكْبَرُ، ثُمَّ قَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّ اللهُ، قَالَ: أَشْهَدُ
أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّ اللهُ، ثُمَّ قَالَ: أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، قَالَ: أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ الله،
ثُمَّ قَالَ: حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، قَالَ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ، ثُمَّ قَالَ حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ، قَالَ: لَا
حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ، ثُمَّ قَالَ: اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ، قَالَ: اللّهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ، ثُمَّ قَالَ:
لَا إِلَهَ إِلَّ اللهُ، قَالَ: لَا إِلَهَ إِلََّ اللهُ مِنْ قَلْبِهِ دَخَلَ الْجَنَّةَ](١).
(وَعَنْ عُمَر ◌َ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَبِيهِ: إِذَا) شرط جوابه دخل الجنة (قَالَ)
فعل الشرط (الْمُؤَذِّنُ: اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، فَقَالَ) عطف على فعل الشرط
(أَحَدُكُمْ: اللّهُ أَكْبَرُ، الله أكبر) ولم يذكر الأربع اكتفاء بذكر اثنين منها، ومن ثم ذكر
واحدًا من الاثنين فيما بعد كما قال (ثُمَّ قَالَ) عطف على قال الأول (أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ
إِلَّا اللهُ، قَالَ) حذف منه حرف العطف اختصارًا؛ أي: فقال: نظير ما قبله وكذا فيما
يأتي (أَشْهَدُ أَن لا إِلَهَ إِلَّ اللهُ، ثُمَّ قَالَ: أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، قَالَ: أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا
رَسُولُ اللهِ، ثُمَّ قَالَ: حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، قَالَ: لَا حَوْلَ) أي: يحول عن المعصية (وَلا قُوَّةَ)
أي: على الطاعة ومنها ما دعوتني إليه (إِلَّا بِالله) أي: بتوفيقه وهدايته (ثُمَّ قَالَ: حَيَّ
عَلَى الْفَلاحِ، قَالَ: لَا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلَّا بِالله).
(١) أخرجه مسلم (٣٨٥)، وأبو داود (٥٢٧)، والنسائي في ((الكبرى)) (٩٨٦٨)، وابن خزيمة (٤١٧)،
وأبو عوانة (٩٩٣)، والطحاوي (١٤٤/١)، وابن حبان (١٦٨٥).

١٢٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثالث
وإنما أمر بهذا التفويض المطلق؛ لأنه لما دعي بالحيعلتين صار كأنه قيل له: أقبل
بكليتك على الهدى عاجلاً والفلاح آجلاً، فأمر أن يجيب بأن هذا أمر عظيم يعجز
طوق البشر عنه لولا لطف الله وتوفيقه، وكيف لا وهو الأمانة التي عرضت ﴿عَلَى
السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْحِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنسَانُ﴾
[الأحزاب: ٧٢] وإذا كانت بهذه المثابة فلا قدرة للعبد الضعيف عليها إلا إذا حفه الله
بحوله وقوته.
(ثُمَّ قَالَ: اللّهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ، قَالَ: اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ، ثُمَّ قَالَ: لَا إِلَّهَ إِلَّ اللهُ،
قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللّهُ مِنْ قَلْبِهِ) قيد في جميع ما مرَّ، فلا يحصل ثوابه المرتب عليه الذي
تضمنه قوله: (دَخَلَ) عبر عن المستقبل بالماضي لتحقق وقوعه على حد أتى أمر الله
ونادى أصحاب الجنة (الْجَنَّةَ) أي: مع الناجين وإلا فكل مؤمن لا بد له من دخولها وإن
سبقه عذاب بحسب جرمه إذا لم يعف عنه إلا أن قال ذلك بلسانه مع اعتقاده بقلبه
حقية ما دل عليه وإخلاصه فيه.
وروى الطبراني: ((مَنْ سَمِعَ الْمُؤَذِّنَ فَقَالَ مَا يَقُولُ فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ))(١) وبذلك يعلم
تأكد الإجابة وعظيم ثوابها لما مرَّ من عظيم ثواب المؤذن، وأخذ أئمتنا من هذين
الحديثين وغيرهما أنه يسن لسامع الأذان والإقامة المشروعين، وإن سمع صوتًا لا
يفهمه ولا يسن للمؤذن إجابة نفسه أن تجيبه بأن تقول مثل قوله ولو كان طائفًا أو
قارنًا أو مدرسًا أو نحو جنب أو حائض وأن يجيب عقب كل كلمة، فإن قارنه لم يحصل
له سنة الإجابة على الأصح، وفي الحيعلتين في الأذان والإقامة تقول ما مر في الحديث
بعد كل من كلماتهما الأربع، ويجيب في التثويب السابق بقوله مرتين: صدقت وبررت
بكسر الراء الأولى.
وقيل: بفتحها؛ أي: صرت ذا بر؛ أي: خير كثير ويجيب الترجيع وإن لم يسمعه
(١) أخرجه الطبراني (١٦١٥٩).

١٢٥
كتاب الصّلاة/ باب فضل الأذان وإجابة المؤذن
لقوله في الخبر: ((مثل ما يقول)) ولم يقل: مثل ما يسمعون، ولو ثنى حنفي كلمات الإقامة
أجيب مثنى ويجيب في كلمتي الإقامة بأقامها الله وأدامها وجعلني من صالحي أهلها،
أو باللُّهُمَّ أقمها ... إلى آخره.
وتلحين الأذان واختلاط أصوات المؤذنين لا يسقطان الإجابة، وما تقرر من
ندب الإجابة حتى لنحو الجنب هو الأصح، وخالف فيه السبكي لخبر: «كَرِهْتُ أَنْ
أَذْكُرَ اللهَ إِلا عَلَى ظُهْرٍ))(١).
وفي رواية: ((كَانَ يَذْكرُ اللهَ عَلَى كُلِّ أَحْيَانِهِ إِلا الجنَابَةِ))(٢).
وبحث ابنه في ((توشيحه)) أن الحائض تجنب لطول مدتها دون الجنب؛ لأن
الخبرين لا يدلان على غير الجنابة ورد يمنع ما ذكره بل الأول يدل على الكراهة حتى
للمحدث، وعلى الأصح المذكور أولاً ففارق الأذان والإقامة بأنهما يكرهان للثلاثة
بأن المؤذن والمقيم مقصران حيث لم يتطهرا عند مرافقتهما الوقت، والمجيب لا تقصير
منه؛ لأن إجابته تابعة لأذان غيره وهو لا يعلم غالبًا وقت أذانه.
٦٥٩ - [وَعَنْ جَابِرِ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ
التّدَاءَ: اللَّهُمَّ رَبَّ هَذِهِ الدَّعْوَةِ التَّامَّةِ وَالصَّلَاةِ الْقَائِمَةِ، آتِ مُحَمَّدًا الْوَسِيلَةَ وَالْفَضِيلَةَ،
وَابْعَتْهُ مَقَامًا مَحْمُودًا الَّذِي وَعَدْتَهُ، حَلَّتْ لَهُ شَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ(٣). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ].
(وَعَنْ جَابِر ◌ََّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلَ: مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ الّدَاءَ) أي: بعد
فراغ الأذان أو الإقامة (اللهُمَّ رَبَّ هَذِهِ الدَّعْوَةِ) أي: الأذان والإقامة (الثَامَّةِ) أي:
السالمة من نظر ونقص إليها إلى الساعة مع اشتمالها على جميع أصول الشريعة وفروعها
أخرجه أبو داود (١٧)، والنسائي (٣٨)، وابن حبان (٨٠٦)، والحاكم (٥٩٢).
(١)
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة (٢١٠٣).
(٣) أخرجه البخاري (٥٨٩)، وأبو داود (٥٢٩)، والترمذي (٢١١) وقال: صحيح حسن غريب،
والنسائي في («الكبرى)) (٩٨٧٤)، وأحمد (١٤٨٥٩)، وابن ماجه (٧٢٢)، وابن خزيمة (٤٢٠)، وابن
حبان (١٦٨٩)، وابن أبي عاصم (٨٢٦)، والطبراني في (الأوسط)) (٤٦٥٤).

١٢٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثالث
كما مر (وَالصَّلَاة) أي: المشار إليها بحي على الصّلاة (الْقَائِمَةِ) أي: التي تستقام أو
الدائمة التي لا تغيرها ملة ولا تنسخها شريعة (آتِ مُحَمَّدًا الْوَسِيلَةَ) مرَّ تفسيرها
(وَالْفَضِيلَةَ) عطف بيان لها (وَابْعَتْهُ مَقَامًا مَحْمُودًا) نكر كما في الآية تفخيمًا، وإشارة
إلى أنه مقام يغبطه فيه الخلق كلهم محمود بكل لسان يكل عن الوفاء بحقه ألسنة
الحامدین.
وفي رواية لابن حبان: (الْمَقَامَ الْمَحْمُودَ))(١) وهو الشفاعة العظمى في فصل
القضاء بحمده فيه الأولون والآخرون» رواه البزار.
(الذي وَعَدْتَهُ) أي: بقولك: ﴿عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا تُحْمُودًا﴾ [الإسراء:
٧٩] ثم هو على الأول بدل أو منصوب بمحذوف أو خبر مبتدأ محذوف، وعلى الثانية
نعت.
وزاد البيهقي في رواية: ((إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ))(٢) وزيادة يا أرحم الراحمين لا
وجود لها في كتب الحديث كزيادة والدرجة الرفيعة بعد الفضيلة، والحكمة في سؤال
ذلك مع كونه واجب الوقوع بوعد الله ((وعسى)) في الآية لتحقيق إظهار شرفه وعظيم
منزلته (حَلَّتْ لَهُ شَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) أي: غشيته ونالته.
وقيل: حقت له، فظاهر هذه الرواية مع التي قبلها أن السنة لا تتأدى بتقديم
هذا الدعاء على الصّلاة على النبي وَلة، ولو ترك الإجابة لعذر أو غيره حتى فرغ المؤذن
أو المقيم أجاب قبل طول الفصل، ولا تشرع الإجابة لمن لا يسمع لبعد أو صمم وإن
علم الأذان أو الإقامة، ولو سمع البعض أجاب فيه وفيما لا يسمعه تبعًا لما سمعه، ولو
تعدد المؤذنون فإن كانوا معًا كفت إجابة واحدة أو مترتبين أجاب الكل، والأول أكد
بل يكره ترك إجابته ويكره إجابة المجامع وقاضي الحاجة، فإذا فرغ أجاب وكذا من
يمحل النجاسة لكراهة الذكر فيه لا من بالحمام وإجابة المصلي ولو نفلاً؛ لأنها إعراض
(١) أخرجه النسائي (٦٧٩)، وابن حبان (٥٨٦)، والطبراني في الأوسط (٤٨١٠).
(٢) أخرجه البيهقي في سننه (٢٠٠٩).

١٢٧
كتاب الصّلاة/ باب فضل الأذان وإجابة المؤذن
عنها فإذا سلم أتى بها فإن أجاب بنحو صدقت أو حي على الصّلاة أو بالتثويب أو
بقامت الصّلاة بطلت صلاته بخلافه بأقامها الله أو اللَّهُمَّ أقمها؛ لأنه دعاء.
٦٦٠ - [وَعَنْ أَنَسِ ﴾ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِوَ يُغِيرُ إِذَا طَلَعَ الْفَجْرُ، وَكَانَ يَسْتَمِعُ
الأَذَانَ فَإِنْ سَمِعَ أَذَانَا أَمْسَكَ، وَإِلَّا أَغَارَ فَسَمِعَ رَجُلاً يَقُولُ: اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ، فَقَالَ
رَسُولُ اللهِ وََّ: عَلَى الْفِطْرَةِ، ثُمَّ قَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّ اللّهُ، فَقَالَ رَسُولُ الله
وَسُـ
خَرَجْتَ مِنَ الثَّارِ، فَنَظَرُوا إِلَيْهِ فَإِذَا هُوَ رَاعِي مِعْزَّى](١).
(وَعَنْ أَفَسِ عَهَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﴿ ﴿ يُغِيرُ) عبر به لبيان عادته ودأبه وَّه (إِذَا
طَلَعَ الْفَجْرُ) أي: تطرق العدو حينئذٍ على بغتة، وطروقهم ليلاً أقوى في استئصالهم
والظفر بهم وأبلغ منه في ذلك تأخيره إلى طلوعه؛ لأنه وقت تكون النفس فيه في غاية
النشاط والقوة لاستنشاقها روح ريح السحر المصفى للنفس من فتورها وكسلها،
والمورث عندها أريحية عظيمة بها تستهل الإقدام على العدو وتخوض غمرة المهالك،
ومن ثم مدح الله تعالى الخيل المغيرة حينئذٍ إعلامًا بمدح راكبيها فقال: ﴿فَالْمُغِيرَاتِ
صُبْحًا﴾ [العاديات: ٣].
(وَكَانَ) ◌َِّ إذا أراد الإغارة الصبح (يَسْتَمِعُ الأَذَانَ) أي: ينصت ليسمعه (فَإِنْ
سَمِعَ أَذَانًا) في محلِّ (أَمْسَكَ) عن أهله لدلالته على إسلامهم؛ لأنه من شعار المسلمين
دون غيرهم، وإشارة إلى أن قضية كونه من أعلى قواعد الإيمان وأوثق عرى اليقين
الأمان لفاعليه والكف عن منتحليه (وَإِلَّا) يسمعه (أَغَارَ فَسَمِعَ) أي: فأغار يومًا
فاستمع الأذان فسمع (رَجُلاً يَقُولُ: اللّهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّرْ عَلَى
الْفِطْرَةِ) أي: هذا المؤذن على الفطرة التي فطر الناس عليها فلم يغيره أبواه بدين آخر
غير دين الإسلام، أو أوقعت ما قلت على الفطرة.
قيل: وهذا أولى ليطابق قوله: (ثُمَّ قَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللّهُ، فَقَالَ رَسُولُ الله
(١) أخرجه مسلم (٨٧٣)، والبيهقي في ((سننه)) (١٩٧٧).

١٢٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثالث
: خَرَجْتَ مِنَ النَّارِ) أي: لاستمرارك على تلك الفطرة بتوحيدك من اعتقدت
صَلى الله
عظمته وكبريائه وتنزيهه عن كل سمت نقص واتصافه بكل صفة كمال، وعبر
بخرجت تفاؤلاً أو لتحقق وقوعه لصادق وعد الله، أو المراد خرجت من أسباب النار
(فَنَظَرُوا إِلَيهِ فَإِذَا هُوَ رَاعِي مِعْزَّى) بكسر الميم اسم جنس واحده ماعز، وهو خلاف
الضان.
٦٦١ - [وَعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ﴿ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَِّ: مَنْ قَالَ حِينَ
يَسْمَعُ الْمُؤَذِّنَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَّهَ إِلَّا اللّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ،
رَضِيتُ بِاللّه رَبَّا وَبِالإِسْلَامِ دِينًا وَبِمُحمَّدٍ نَبِيًّا غُفِرَ لَهُ ذَنْبِهُ(١). رَوَاهُ مُسْلِمْ].
(وَعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ عَ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: مَنْ قَالَ حِيْنَ يَسْمَعُ
المُؤَذِّنَ) يحتمل أن المراد حين يسمع تشهده الأول، ويحتمل أنه حين يسمع تشهده
الأخير؛ أي: قوله آخر الأذان: لا إله إلا الله، والثاني أنسب لما مرأن الأذان مشتمل على
سائر أصول الشريعة وفروعها، وقوله ما يأتي فيه تصديق بالجميع فناسب تأخيره عنه،
وأيضًا فذكره ذلك في حال الإجابة ربما تفوت الإجابة في بعض الكلمات لتعسر الإتيان
به غالبًا قبل أن يأتي المؤذن بما بعد الشهادتين (أَشْهَدُ أنْ لَا إِلَه إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ
لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ) قدم؛ لأنه أشرف أوصافه وَلّ ..
ومن ثم ذكره تعالى في أفضل نعمه التي امتن عليه بها نحو: (أُسْرَى بِعَبْدِهِ﴾
[الإسراء: ١].
﴿نَزَّلَ الفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾ [الفرقان: ١].
﴿فَأُوْحَى إِلَى عَبْدِهِ﴾ [النجم:١٠] (رَضِيتُ بِاللّه رَبًّا) أي: مربيًا في تطورات
الأجسام وصفات الكمال وسيدًا ومالكً ومصلحًا (وَبِالإسْلامِ) الذي اشتمل على أصوله
(١) أخرجه مسلم (٣٨٦)، وأبو داود (٥٢٥)، والنسائي (٦٧٩)، وابن ماجه (٧٢١)، وأحمد (١٥٦٥)،
وعبد بن حميد (١٤٢)، وابن خزيمة (٤٢١)، وابن حبان (١٦٩٣)، وأبو يعلى (٧٢٢)، والطحاوي
(١٤٥/١)، والبيهقي (١٧٩١).

١٢٩
كتاب الصّلاة/ باب فضل الأذان وإجابة المؤذن
وفروعه الأذان (دِينًا) أي: ملة ونحلة (وَبِمُحَمَّدٍ نبيًّا) إلي وإلى الإنس والجن كافة وكذا
الملائكة على خلاف فيه (غُفِرَ لَهُ ذَنْبُهُ) أي: صغائره المتعلقة بالله تعالى كما مر بسط
الكلام فيه في فضائل الصّلاة (رَوَاهُ مُسْلِمٌ).
وأخرجه البيهقي بلفظ: «مَنْ سَمِعَ الْمُؤَذِّنَ يُؤْذِنُ فَقَالَ: رَضِيتُ بِاللّه رَبَّا
وَبِالإِسْلامِ دِينًا وَبِمُحَمَّدٍ وَلَ نَبِيًّ وَالقُرآن ◌ِمَامًا وَالكَعْبَة قِبِلَةً، أَشْهَدُ أَنَّ لا إِلَهَ إِلا اللّهُ
وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَن مُحمَّدًا عَبْدِهِ وَرَسُولِهِ، اللَّهَمَّ اكْتَبْ شِهَادَتِي هَذِهِ فِي
عِليين، وَأَشهِدْ عَلِيهَا مَلَائِكَتكَ المقرَّبِين وَأَنْبِيَاءَكَ المرسَلِينَ وَعِبَادكَ الصَّالِحِينَ،
وَاخْتَمْ عَلِيهَا بِآمِين، وَاجْعَلْ لِي عِنْدَكَ عَهْدًا توفِيهِ يَومَ القِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ،
بَدَرَت إِليهِ بِطاقةٌ مِن تَحَتِ العَرْشِ فِيهَا أَمَاناً مِنَ النَّارِ»(١) وينبغي ندب ذلك كله.
٦٦٢. [وعَنْ عَبْدِ الله بْنِ مُغَفَّلٍ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّةِ: بَيْنَ كُلِّ أَذانيْنِ
صّلاةُ، بَيْنَ كُلِّ أذانيْنِ صَلاةٌ، ثُمَّ قَالَ فِي الثَّالِئَةِ: لِمَنْ شَاءَ(٢). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ].
(وعَنْ عَبْدِ الله بْنِ مُغَفَّلِ ضَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَةُ: بَيْنَ كُلِّ أذانيْنٍ) أي:
الأذان والإقامة (صَلاةٌ، بَيْنَ كُلُّ أذانيْنِ صَلاةٌ، ثُمَّ قَالَ فِي الثَّالِفَةِ: لِمَنْ شَاءَ) أي: طلب
السلامة بين كل أذانين إنما هو على جهة الندب لا الوجوب، فمن فعل ذلك فعله ثوابه
ومن تركه فلا حرج عليه (مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ).
ومنه أخذ أئمتنا أن للمغرب والعشاء سنة قبلية أيضًا، وكان وجه مناسبة هذا
الحديث للترجمة أن هذا من جملة فضائل الأذان لإشعار هذه البينية تعظيم فضل
الأذان والإقامة، إذا كنت فهمًا للصلاة التي هي أفضل الأعمال مؤذن بأن لهما فضلاً
عظیمًا.
(١) أخرجه البيهقي في ((الدعوات الكبير)) (٤٩).
-
(٢) أخرجه البخاري (٥٩٨)، ومسلم (٨٣٨)، والترمذي (١٨٥)، والنسائي (٦٨١)، وأحمد (٢٠٥٦٣)،
وابن ماجه (١١٦٢)، وابن أبي شيبة (٧٣٨٣)، وأبو داود (١٢٨٣)، والدارقطني (٢٦٦/١).

١٣٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثالث
(الفصل الثاني)
٦٦٣ - [عَنْ أَبِي هُرَيْرَة ◌َ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌َّهِ: الإِمَامُ ضَامِنَّ، وَالْمُؤَذِّنُ
مُؤْتَمَنُ، اللهُمَّ أَرْشِدِ الأَئِمَّةَ، وَاغْفِرْ لِلْمُؤَذِّنِينِ(١). رَوَاهُ أَحْمَدٍ وَأَبُو دَاوُد والتِّرْمِذِيُّ
وَالشَّافِيُّ].
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةٍ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّ: الإِمَامُ ضَامِنٌ، وَالْمُؤَذِّنُ
مُؤْتَمَنْ، اللهُمَّ أَرْشِدِ الأَئِّمَّةَ، وَاغْفِرْ لِلْمُؤَذِّنِينِ. رَوَاهُ أَحْمَدِ وَأَبُو دَاوُد والِّرْمِذِيُّ
وَالشَّافِعِيُّ، وَفِي أَخْرَى لَهُ بِلَفْظِ: ((المصَابِيح))) وأخَّره مع أنه الأحق بالتقديم على جميع من
ذكر؛ لأنهم من جملة تلامذته أو تلامذة تلامذته؛ ولأنه يفوقهم حفظًا للسنة كما
يفوقهم وغيرهم علمًا ليفيد أن له رواية أخرى بلفظ الماضي.
فقال: (وَفِي أَخْرَى لَهُ بِلَفْظِ: (المصَابِيح))) وهو (أَرْشَدَ اللّهُ الأَئِمَّةَ وَغَفَرَ
لِلْمُؤَذِّنِينَ))(٢) وحكمة العدول إليه في هذه الرواية من نظيرها قبيل باب الأذان في شرح
الأذان قوله: ((مَلأَّ اللهُ بُيُوتَهُمْ وَقُبُورَهُمْ نَارً)»(٣) وهو حديث ضعيف، وبه استدل جمع
من أصحابنا على ما نصَّ عليه الشافعي في ((الأم)) من أن الأذان - أي: مع الإقامة -
أفضل من الإمامة وعبارته واجب الأذان لحديث: ((اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُؤَذِّنِينَ))(٤) وأكره
الإمامة للضمان وما على الإمام فيها وتبعه عامة أصحابه.
كما قاله المحاملي كشيخه أبي حامد شيخ الطريقين، قال المحاملي: وغلط من
قال غيره وإنما استدلوا به مع ضعفه؛ لأنه اعتقد برواية صححها ابن حبان والعقيلي
(١) أخرجه عبد الرزاق (١٨٣٨)، وأحمد (٧١٦٩)، وأبو داود (٥١٧)، والترمذي (٢٠٧)، وابن حبان
(١٦٧٢)، والبيهقي (١٨٦٩)، والطيالسي (٢٤٠٤)، والحميدي (٩٩٩)، وابن خزيمة (١٥٢٨)،
والطبراني في ((الأوسط)) (٧٤)، وابن عساكر (١٨٥/٥).
(٢) أخرجه عبد الرزاق (١٨٣٩)، وابن خزيمة (١٥٣١).
(٣) أخرجه البخاري (٢٧٧٣)، ومسلم (٦٢٧).
(٤) أخرجه الطبراني في ((الكبير)) (١٧٦٦٤) وفي («الأوسط)» (٤٥١٦)، وابن خزيمة في ((صحيحه))
(١٤٤٧).

١٣١
كتاب الصّلاة/ باب فضل الأذان وإجابة المؤذن
وإن أعلها ابن المديني.
وقال أحمد: ليس لها أصل الأئمة ضمنًا والمؤذنون أمنًا فأرشد الله الأئمة وغفر
للمؤذنين وضمانهم، إما لنحو الإسرار بالقراءة بأن يجهروا بها، أو للدعاء بأن يعموا به
ولا يخصون أنفسهم به؛ أي: إلا فيما ورد ((کرب اغفر لي .. إلى آخره)) بين السجدتين أو
لتحملهم نحو القراءة عن المسبوق والسهو عن الساهي، أو بسقوط فرض الكفاية
بفعلهم أقوال.
والحاصل أنه متكفل بأمور صلاة الكل فيتحمل عليهم ويحفظ عليهم الأركان
والسنن وعدد الركعات، ويتولى السفارة بينهم وبين ربهم في الدعاء، والمؤذن أمين على
الأوقات يعتمد الناس صوته في نحو الصّلاة والصوم وسائر الوظائف المؤقتة.
ووجه الدليل منه ما أشار إليه الشافعي # أن الأمين لتطوعه بعلمه أعلى من
الضامن؛ لأنه مجبور على عمله وأن الدعاء بالمغفرة أعلى من الدعاء بالإرشاد، ووجهه
قول الماوردي: دعاء للإمام بالإرشاد خوف تقصير، وللمؤذن بالمغفرة لعلمه بسلامة
حاله. انتهى.
وزعم أن الغفران يستدعي سبق ذنب، والإرشاد يستدعي الوصول للبغية ممنوع
فيهما كما هو جلي، قال ابن حبان: ولأن المؤذن يكون له مثل أجر من صلى بأذانه؛
لأنه دعا إلى ذلك، وقد قال ◌َله: ((مَنْ دَلَّ عَلَى خَيْرِ فَلَهُ مِثْلُ أَجْرٍ فَاعِلِهِ))(١).
ومما يدل على أفضلية الأذان أيضًا ما مرَّ من خبر: (لَو تَعْلَمُون مَا فِي الّدَاءِ))(٢).
وخبر: ((الْمُؤَذِّنُونَ أَطْوَلُ النَّاسِ أَعْنَافًا)(٣).
(١) أخرجه البخاري في ((الأدب المفرد)) (٢٤٢)، ومسلم (١٨٩٣)، وأبو داود (٥١٢٩)، والترمذي
(٢٦٧١) وقال: حسن صحيح، وأحمد (١٧١٢٥)، وابن حبان (٢٨٩)، والطيالسي (٦١١)، والطبراني
(٦٢٢)، والبيهقي (١٧٦٢١).
(٢) أخرجه مالك (١٤٩)، والبخاري (٢٥٤٣)، ومسلم (٤٣٧)، وعبد الرزاق (٢٠٠٧)، وأحمد (٧٢٢٥)،
والنسائي (٥٤٠)، وابن حبان (٢١٥٣).
(٣) أخرجه مسلم (٣٨٧)، وأحمد (١٦٩٠٧)، وابن ماجه (٧٢٥)، وابن حبان (١٦٦٩)، وأبو عوانة
=

١٣٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثالث
وخبر: ((لَا يَسْمَعُ مَدَى صَوْتِ الْمُؤَذِّنِ ... إلى آخره)(١) وأخبار عدة تأتي في هذا
الفصل والذي بعده.
وخبر أحمد: «لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا لَهُمْ فِي التَّأْذِينِ لَتَضَارَبُوا عَلَيْهِ بِالسُّيُوفِ))(٢).
وخبر الحاكم وصححه هو وابن شاهين: ((إِنَّ خِيَارَكُم عِبَادَ اللهُ الَّذِينَ يُرَاعُونَ
الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ وَالأَظِلَّةَ لِذِكْرِ الله)) (٣).
قال أصحابنا: وأما أنه ◌َّيه والخلفاء بعده واظبوا على الإمامة ولم يؤذنوا
فلاشتغالهم بمهمات الدين التي لا يقوم غيرهم فيها مقامهم، ولهذا صح عن عمر # لو
كنت أطيق الأذان مع الخليفة؛ أي: الخلافة لأذنت.
وقال جماعة من أصحابنا: الإمامة أفضل؛ لأنها للقيام بحقوقها أشق منه.
وكخبر ((الصحيحين): ((ليُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُم))(٤) ولأن
الجماعة فرض كفاية والأذان سنة وغير ذلك مما أجبت عنه مع بسط الكلام فيما يتعلق
بذلك في ((شرح العباب)).
وقال آخرون: إن قام بحقوق الإمامة فهي أفضل وإلا فالأذان أفضل.
٦٦٤ - [وعَن ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِي اللهُ عَنْهُمَا - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﴾: مَنْ أَذَّنَ
سَبْعَ سِنِينَ مُحْتَسِبًا كُتِبَ لَهُ بَرَاءَةٌ مِنَ النَّارِ (٥). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وابْن مَاجَه].
=
(٩٧١)، والبيهقي في «سننه» (١٨٨٠)، وفي ((الشعب)) (٣٠٥١)، والطبراني (٧٧٧) وفي الأوسط
(٦٣٠٩)، والحاكم (٦٣٤٩)، وعبد الرزاق (١٨٦١).
(١) أخرجه مالك (١٥١)، والبخاري (٥٨٤)، والشافعي (٣٣/١)، وأحمد (١١٤١١)، وعبد بن حميد
(٩٩٣)، والنسائي (٦٤٤)، وابن ماجه (٧٢٣)، وابن حبان (١٦٦١).
(٢) أخرجه أحمد (١١٢٥٩)، وعبد بن حميد (٩٣٤).
(٣) أخرجه الحاكم (١٥١)، والبيهقي في ((سننه)) (١٨٥٤)، والطبراني في ((الدعاء)» (١٧٦٤).
(٤) أخرجه البخاري (٦٣١)، ومسلم (١٥٦٧)، وأحمد (١٥٦٣٦)، والنسائي (٦٣٥)، وابن حبان
(١٦٥٨).
(٥) أخرجه الترمذي (٢٠٦)، وابن ماجه (٧٧٦)، والطبراني في «الكبير» (١٠٩٣٥).

١٣٣
كتاب الصلاة/ باب فضل الأذان وإجابة المؤذن
(وعَن ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِي اللّهُ عَنْهُمَا - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَلِ: مَنْ أَذَّنَ سَبْعَ
سِنِينَ مُحْتَسِبًا) من الحسب كالاعتداد من العد، والمراد به هنا أنه نوی وجه الله وحده
وسمي هذا احتسابًا؛ لأنه اعتنى به حتى أتى به على أكمل أحواله.
ومنه حديث عمر: يا أيها الناس احتسبوا أعمالكم فإنه من احتسب عمله
كتب له أجر عمله وأجر حسبته (كُتِبَ لَهُ بَرَاءَةٌ مِنَ النَّارِ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وابْن مَاجَه)
وسنده حسن كذا أشار إليه بعضهم وكأنه لم ينظر لقول غيره في سنده مقال، لأنه
اعتضد.
٦٦٥ - [وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِلَّ﴾: تَعَجَّبَ رَبُّكُ مِنْ
رَاعِي غَنَمٍ فِي رَأْسِ شَظِيَّةٍ يُؤَذِّنُ بِالصَّلاةِ وَيُصَلِّ، فَيَقُولُ اللهُ وَّ: انْظُرُوا إِلَى عَبْدِي هَذَا
يُؤَذِّنُ وَيُقِيمُ الصَّلَاةَ، يَخَافُ مِنِّ، فَقَدْ غَفَرْتُ لِعَبْدِي وَأَدْخَلْتُهُ الْجَنَّةَ(١). رَوَاهُ أَبُو دَاوُد
والنَّسَائِيُّ].
(وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ﴿ قَالَ: تَعَجَّبَ رَبُّكَ) هو كناية عن عظيم ذلك عنده
تعالى، أو عن الرضا والمحبة المقتضيين لمزيد الثواب والقرب منه تعالى، وأما حقيقة
العجب فمحالة في حقه تعالى؛ إذ لا تخفى عليه خافية والتعجب إنما يكون مما خفي
سببه ولم يعلم، والخطاب في ربك لكل من يتأتى منه النظر والسماع وهو ينبئ عن
فخامة الأمر ويؤكد معنى التعجب قوله: (مِنْ رَاعِي غَنَمٍ فِي رَأْسِ شَظِيَّةِ) بمعجمتين
(يُؤَذِّنُ بِالصَّلَاةِ وَيُصَلِّ فَيَقُولُ اللّهُ رَ: انْظُرُوا إِلَى عَبْدِي هَذَا يُؤَذِّنُ وَيُقِيمُ الصَّلَاة)
وهذا تعجيب للملائكة من جميل فعله بعد تعجبه تعالى منه لمزيد تفخيمه، وزاد فيه
أيضًا بإضافته إليه في قوله: عبدي وبالإشارة إليه بقوله هذا.
(يَخَافُ مِنِّي) جملة حالية أو استئنافية فيكون كالمبينة لعلة عبوديته واعتزاله
التام عن الناس، ولذا أثر الشظية بالرعي بما فيها والمعز برعايتها؛ لأن الأعين لا
(١) أخرجه أحمد (١٧٣٥٠)، وأبو داود (١٢٠٣)، والنسائي (٦٦٦)، والطبراني (٨٣٣)، والبيهقي
(١٧٦٤)، وابن حبان (١٦٦٠)، والروياني (٢٣٢).

١٣٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثالث
تتشوف إليها تشوفها الضأن، ووجه بيان تلك الجملة لما ذكر أن الخوف من الله تعالى
إنما ينشأ عن معرفة الله تعالى والعلم بما يستحقه من صفات الكمال والمهابة
والإجلال، ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللّهَ مِنْ عِبَادِهِ العُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨].
وقال وَّه: (أَنَا أَعرَفِكُم بِالله وَأَخْوَفِكُم مِنْهُ))(١) ومن تحقق فيه ذلك العلم
والخوف فر بدينه من الفتن وأثر الاعتزال على كل شيء حتى يسلم له ما هو بصدد
تكميله وتنميته من عمله وشهوده أو مراقبته، ومن ثم امتن الله عليه بتأمينه مما
يخافه وإحلاله بدار كرامته ودوام مشاهدته، كما أنبأ عن ذلك قوله عزَّ قائلاً: (قَدْ
غَفَرْتُ لِعَبْدِي وَأَدْخَلْتُهُ الْجَنَّةَ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد والنَّسَانِيُّ).
٦٦٦ - [وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِي اللهُ عَنْهُمَا - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: ثَلَاثَةُ عَلَى
كُثْبَانِ الْمِسْكِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَبْدُ أَدَّى حَقَّ الله وَحَقَّ مَولَاه، وَرَجُلُّ أَمَّ قَوْمًا وَهُمْ بِهِ
رَاضُونَ، وَرَجُلُّ يُنَادِي بِالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ (٤). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا
حَدِيثٌ غَرِيبٌ].
(وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِي اللهُ عَنْهُمَا - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِهِ: ثَلَاثَةُ عَلَى كُثْبَانٍ
الْمِسْكِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) جمع كثيب، وهو ما ارتفع من الرمل كالتل الصغير، عبر عن
الثواب بكثبان المسك لمناسبته لأعمال أولئك فإنه يرتفع فوحه ويظهر ريحه وكذا
الأعمال الآتية فائدتها متجاوزة إلى الغير (عَبْدُ) أي: قن لتدخل فيه الأمة على أن ابن
حزم نقل أنه يطلق عليهما (أَدَّى حَقَّ الله وَحَقَّ مَولَاه) بأن يجمع بين القيام بكمال
الحقين على ما ينبغي لكل منهما.
(وَرَجُلْ أَمَّ قَوْمًا وَهُمْ بِهِ رَاضُونَ) لأن إجماعهم على الرضا به دليل على صلاح
حاله، ووصف بالرضا دون المؤذن؛ لأنه؛ أعني: الإمام متكفل بحقوق الغير وسفير بينه
وبين ربه ونقص صلاته يسري لنقص صلاة المأموم وكذا إكمالها، ومن هو بهذه
(١) ذكره السخاوي في ((المقاصد الحسنة)) (١٨٤).
(٢) أخرجه الترمذي (٢١١٤).

١٣٥
كتاب الصلاة/ باب فضل الأذان وإجابة المؤذن
الصفات يحتاج إلى الرضا به بخلاف الأمين المتبرع بعمله الذي لا سفارة له ولا تعرف
على الغير (وَرَجُلُّ يُنَادِي بِالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ) وصفه بالمضارع تقریر
الفعل واستحضارًا له في ذهن السامع استعجابًا منه (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثُ
غَرِيبٌ).
٦٦٧ - [وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةٍ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: الْمُؤَذِّنُ يُغْفَرُ لَهُ مَدَى
صَوْتِهِ وَيَشْهَدُ لَهُ كُلُّ رَظْبٍ وَيَابِسِ، وَشَاهِدُ الصَّلاَةِ يُكْتَبُ لَهُ خَمْسَ وَعِشْرُونَ صَلَاةً
وَيُكَفَّرُ عَنْهُ مَا بَيْنَهُمَا(١). رَوَاهُ أَحْمَدٍ وَأَبُو دَاوُد وابْن مَاجَه، وَرَوَى النَّسَائِيُّ إِلَى قَولِهِ: كُلُّ
رَطْبٍ وَيَابِسِ، وقَالَ: وَلَهُ مِثْل أَجْرٍ مَنْ صَلَّ].
(وعَنْ أَبِي هُرَيْرَة ◌َ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌َِّ: الْمُؤَذِّنُ يُغْفَرُ لَهُ مَدِى صَوْتِهِ) أي:
يغفر له من الذنوب ما لو تجسمت لملأت ما بينه وبين نهاية وصول صوته (وَيَشْهَدُ لَهُ
كُلُّ رَظْبٍ وَيَابِس) أي: مما يبلغه صوته كما علم من الحديث الثاني في الفصل الأول
(وَشَاهِدُ الصَّلَاة) أي: حاضر صلاة الجماعة المسببة عن الأذان (يُكْتَبُ لَهُ خَمْسُ
وَعِشْرُونَ صلاة).
ونظيره الخبر الصحيح: ((صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ تَعْدِلُ صَلَاةَ الْفَذِّ بِخَمْسٍ وَعِشْرِينَ
دَرَجَةً))(٢).
(وَيُكَفَّرُ عَنْهُ مَا بَيْنَهُمَا) أي: الصلاتين من الصغائر كما مرَّ أوائل كتاب
الصّلاة، ويأتي أن المؤذن يكتب له مثل أجر كل من صلى بأذانه، فإذا كتب لشاهد
الجماعة بأذانه ذلك كان فيه إشارة إلى كُتِب مثله للمؤذن، ومن ثم عطفت هذه على
المؤذن يغفر له لبيان أن له ثوابين المغفرة وكتابة مثل تلك الكتابة، ويؤيد ما قررته
(١) أخرجه عبد الرزاق (١٨٦٣)، وأحمد (٩٣١٧)، وأبو داود (٥١٥)، والنسائي (٦٤٥)، وابن ماجه
(٧٢٤)، وابن حبان (١٦٦٦)، والبيهقي في («شعب الإيمان)) (٣٠٥٦)، والطيالسي (٢٥٤٢)، وابن
خزيمة (٣٩٠)، والبيهقي (١٧٢٨).
(٢) أخرجه البخاري (٦١٩)، وأحمد (١١٥٣٨)، وابن ماجه (٧٨٨)، وأبو يعلى (١٣٦١).

١٣٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثالث
الرواية الأخرى التي أفادها المصنف بقوله: (رَوَاهُ أَحْمَد وَأَبُو دَاوُد وابْن مَاجَه، وَرَوَى
النَّسَائِيُّ إِلَى قَولِهِ: كُلُّ رَطْبٍ وَيَابِسِ، وقَالَ: وَلَهُ مِثْل أَجْرٍ مَنْ صَلَّ) أي: بآذنه.
٦٦٨ - [وَعَنْ عُثْمَانِ بْنِ أَبِيِ الْعَاصِ قَالَ: قُلتُ: يَا رَسُولَ الله اجْعَلْنِي إِمَامَ
قَوْمِي، قَالَ: أَنْتَ إِمَامُهُمْ وَاقْتَدٍ بِأَضْعَفِهِمْ، وَاتَّخِذْ مُؤَذِّنَا لَا يَأْخُذُ عَلَى أَذَانِهِ أَجْرًا(١). رَوَاهُ
أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد والنَّسَائِيُّ].
(وَعَنْ عُثْمَانِ بْنِ أَبِ الْعَاصِ قَالَ: قُلتُ: يَا رَسُولَ اللهِ اجْعَلْنِي إِمَامَ قَوْمِي، قَالَ
أَنْتَ إِمَامُهُمْ) هي وإن دلت على ثبات إمامته وحصولها إعلامًا بتأهله في تأويل أمَّ بهم،
فلذا عطف عليها مثلها وهي (وَاقْتَدِ بِأَضْعَفِهِمْ) أي: افعل ما يناسب حاله من تخفيف
الصّلاة لأجله؛ لئلا يقطعه بتطويلك عن فضل الجماعة، وعبَّر عن هذا بالاقتداء
مشاكلة لما قبله وحثًّا على الامتثال؛ أي: كما رضي بك وربط فعله بفعلك فاقتدى بك،
ينبغي لك ألا تنفره عنك بتطويلك ما لا يطيقه، ثم رأيت بعضهم، صرح بما يوافق
ذلك فقال: إنما ذكره بلفظ الاقتداء تأكيدًا للأمر المحثوث عليه؛ لأن من شأن
المقتدي أن يتابع المقتدى به ويجتنب خلافه (وَاتَّخِذْ مُؤَذِّنَا لَا يَأْخُذُ عَلَى أذانِهِ أَجْرًا) أمر
ندب؛ لأن أخذ المؤذن أجرًا على أذانه مكروه عند الشافعي وأكثر العلماء لدلالته كما
أشار إليه الحسن البصري على عدم خلوص نيته لربه في صلاته وعبادته؛ ولأنه متبوع
في نداء المصلين وسبب في اجتماعهم، فإخلاصه يكون سببًا لإخلاصهم ومن هذا.
وخبر: ((مَنْ أَذَّنَ سَبْعَ سِنِينَ مُحْتَسِبًا))(٢) السابق.
وخبر الطبراني: ((الْمُؤَذِّنُ الْمُحْتَسِبُ كَالشَّهِيدِ المتَشَحط فِي دَمِهِ إِذَا مَاتَ لَمْ يُدَوَّدْ
فِي قَبْرِە»(٣).
(١) أخرجه أحمد (١٦٧٠٧)، وأبو داود (٥٣١)، والنسائي (٦٧١)، والبيهقي في («سننه» (٢١٠٠)،
والطبراني في (الكبير)) (٨٢٨٢).
(٢) أخرجه الترمذي (٢٠٦)، والطبراني في ((الكبير)) (١٠٩٣٥).
(٣) أخرجه الطبراني في ((الكبير)) (١٣٣٧٨).

١٣٧
كتاب الصّلاة/ باب فضل الأذان وإجابة المؤذن
أخذ أئمتنا قولهم: يندب للمؤذن أن يتطوع بأذانه ويكره له أخذ أجرة عليه
لخبر الترمذي: ((آخِرِ مَا عَهِدَ إِلَيّ رَسُولُ اللهِ وَيَ أَنِ اتَّخِذْ مُؤَذِّنًا لَا يَأْخُذُ عَلَى أَذَانِهِ
أَجْرًا)»(١) ثم إن وجد عدل يتبرع بأذانه لم يجز للإمام أن يرزق أحدًا من بيت المال شيئًا
على أذانه، وإن فقد المتبرع أو وجد من هو أحسن صوتًا ورأى رزقه مصلحة رزقه من
بيت المال أو مال نفسه لا من أربعة أخماس الفيء ولا من الصدقات، وتدخل الإقامة
في الاستئجار للأذان تبعًا فلا يصح إفرادها بعقد (رَوَاهُ أَحْمَدُ وأَبُو دَاوُد والنَّسَائِيّ) وأوله
عند مسلم.
قيل: ويؤخذ منه أن الإمامة تكون بإذن الحاكم. انتهى.
وهو ظاهر في الإمام الراتب، أما غيره فلا تتوقف إمامته على إذن أحد، وفيه
أيضًا أن السنة للإمام التخفيف رعاية للضعيف، ومن ثم قال رَّ: ((مَنْ أُمَّ بِالنَّاسِ
فَلْيُخَفِّفْ، فَإِنَّ فِيهِمِ السَّقِيمِ وَالمِرِيضِ وَذَا الْحَاجَةِ»(٢).
٦٦٩ - [وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: عَلَّمَنِي رَسُولُ اللهِوَ﴿ أَنْ
أَقُولَ عِنْدَ أَذَانِ الْمَغْرِبِ: اللَّهُمَّ هَذَا إِقْبَالُ لَيْلِكَ وَإِذْبَارُ نَهَارِكَ وَأَصْوَاتُ دُعَاتِكَ فَاغْفِرْ
لِي(٣). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدْ وَالبَيْهَِي فِي (الدَّعَوَات الكَبِير))].
(وَعَنْ أُمّ سَلَمَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: عَلَّمَنِي رَسُولُ اللهِ وَِّ أَنْ أَقُولَ عِنْدَ
أَذَانِ الْمَغْرِبِ: اللَّهُمَّ هَذَا) المشار إلیه منهم في الذهن تفسيره خبره وما عطف عليه وهو
(إِقْبَالُ لَيْلِكَ) أي: وهو مظنة التقصير بإيثار النوم على العبادات المطلوبة فيه،
فالتهاون في الشكر عليه غفلة عن امتنانه تعالى علينا به في غير ما آية من کتابه لما
(١) أخرجه الترمذي (٢٠٩).
(٢) أخرجه مالك (٣٠٣)، والبخاري (٩٠)، والنسائي (٨٣١)، وأحمد (١٧٥٢٩)، وابن حبان (٥٦)،
والبيهقي في (سننه)) (٥٤٨١)، والطبراني في «الكبير)) (١٣٩٩٠).
(٣) أخرجه ابن أبي شيبة (٢٩٢٥٠)، والترمذي (٣٥٨٩) وقال: غريب، والطبراني (٦٨٠)، والحاكم
(٧١٤)، والبيهقى (١٧٩٢)، وعبد بن حميد (١٥٤٣).

١٣٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثالث
فيه من راحة بدن، وتقويته ما بين يديه من الأكساب والأشغال، وإذا ظهر أنه مظنة
التقصير ظهر حكمة تفريع طلب المغفرة على ذلك.
(وإذْبَارُ نَهَارِكَ) وهو أيضًا مظنة التقصير بإيثار الأشغال المستغرقة له على
العبادات والتهاون في الشكر عليه غفلة عن نظير ما مرَّ، فلذا رتب عليه أيضًا طلب
المغفرة (وَأَصْواتُ دعاتِكَ) جمع: داعٍ؛ أي: دعاة الناس إلى طاعتك بما شرعته لهم من
الأذان المشتمل على ما يعلم كل أحد منه أنه بالنسبة إلى ما يليق بجلالك وكبريائك
عاجز، وأي عاجز ومقصر؟ وأي مقصر عن أن يقوم بأدنى حق من حقوقك؟ وبهذا
يظهر أيضًا تفريع سؤال المغفرة على ذلك كسابقيه بقوله: (فَاغْفِرْ لي) أي: تقصيري وما
فرط مني (رَوَاهُ أَبُو دَاوُد) والترمذي والنسائي والطبراني والحاكم (وَالبَيهَقِي فِي)
کتاب ((الدَّعَوَات الگپیر))) وسنده حسن.
وفي رواية: ((بعد دعائك وصلوات ملائكتك أسألك أن تغفر لي)) وقاس جمعُ
من أصحابنا بعد قوله يسن عقب الغروب لكل أحد أن يقول ما ذكر في الحديث، على
ذلك أنه يسن بعد الصبح أن يقول: «اللَّهُمَّ هذا إدبار ليلك وإقبال نهارك وأصوات
دعائك فاغفر لي)) واعترض بأن هذه أمور توفيقية لا مجال للقياس فيها، وعليه متوجه
مشروعية ذلك في الليل فقط بأنه محل خلوة المحبين ومناجاة المتعبدين والفيض على
العارفين والتجلي الأكبر والتفضل الأعظم، فناسب أن يفتتح بذلك ليكون شهود ما
ذكر فيه سببًا لرقي ذوي تلك المسالك ونظير ذلك لا يوجد في النهار، فلم يتضح
القياس وإن فرض أن له مجالاً هنا.
٦٧٠ - [وَعَنْ أَبِي أَمَامَةَ ﴾ه أَوْ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِوَ لَ قَالَ: إِنَّ بِلَالاً
أَخَذَ فِي الإِقَامَةِ، فَلَمَّا أَنْ قَالَ: قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ، قَالَ رَسُولُ اللهِمَّهِ: أَقَامَهَا اللهُ
وَأَدَامَهَا، وَقَالَ فِي سَائِرِ الإِقَامَةِ كَنَحْوٍ حَدِيثِ عُمَرَ فِي الأَذَانِ(١). رَوَاهُ أَبُو دَاوُد].
(١) أخرجه أبو داود (٥٢٨)، وابن السني (١٠٢)، والبيهقي (١٧٩٧).

١٣٩
كتاب الصّلاة/ باب فضل الأذان وإجابة المؤذن
(وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ عَه أَوْ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ رَسُولُ الله ◌ِ ﴾) وهذا الشك لا يؤثر؛
لأن الصحابة - رضوان الله عليهم - كلهم عدول فلم يضر انبهام الراوي منهم بخلافه
من غيرهم (قَالَ: إَنَّ بِلَالاً أَخَذَ فِي الْإِقَامَةِ، فَلَمَّا) انتهى إلى (أَنْ قَالَ: قَدْ قَامَت الصَّلاة)
قيل: قام لازم فمقوله مصدر، وقيل: متعد فمقوله مفعول به.
(قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهُ: أَقَامَهَا اللهُ وَأَدَامَهَا) فيسن لمجيب الإقامة إذا انتهى المقيم
إلى قوله: ((قد قامت الصّلاة)) أن يقول: ((أقامها الله وأدامها، أقامها الله وأدامها)) ومرأنه
يزيد وجعلني من صالح أهلها، وأن لو عبر بدل الماضي بالأمر حصل أصل السنة
(وَقَالَ فِي سَائِرٍ) ألفاظ (الإِقَامَةِ كَنَحْوٍ حَدِيثِ عُمَرَ فِي الأَذَّانِ) أي: قال في البقية مثل
ما قال المقيم إلا في قوله: ((حي على الصّلاة، حي على الفلاح)) فإنه قال فيه: ((لا حول ولا
قوة إلا بالله)) (رَوَاهُ أَبُو دَاوُد) وفيه راوٍ مجهول ولا يضر؛ لأنه من أحاديث الفضائل.
٦٧١ - [وَعَنْ أَنَسِ عُهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: لَا يُرَدُّ الدُّعَاءُ بَيْنَ الْأُذان
وَالْإِقَامَةِ(١). رَوَاهُ أَبُو دَاوُد والتِّزْمِِيُّ].
(وَعَنْ أَنَسِ ﴿ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَهُ: لَا يُرَدُّ الدُّعَاءُ بَيْنَ الْأَذانِ وَالْإِقَامَةِ)
فادعوا كما في رواية (رَوَاهُ أَبُو دَاوُد والتِّزْمِذِيُّ) وسنده صحيح.
وفي رواية حسنها الترمذي: ((الدُّعَاءُ لَا يُرَدُّ بَيْنَ الأَذَانِ وَالإِقَامَةِ)» قالوا: فماذا
نقول يا رسول الله؟ قال: ((سَلُوا اللهَ الْعَافِيَةَ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ﴾(٢).
وأخرج أبو يعلى والطبراني أنه ﴿ قال: ((إِذَا نَادَى المنَادِي بِالصَّلَاة فُتِحَتْ أَبْوَابُ
السَّمَاءِ، وَاسْتُجِيبَ الدُّعَاءُ، فَمَنْ نَزَلَ بِهِ كَرْبُ أَوْ شِدَّةٌ فَلْيَتَحَيَّنِ الْمُنَادِي، فَإِذَا كَبَّرْ كَبَّر،
وَإِذَا تَشَهَّد تَشهَّد، وَإِذَا قَالَ: حَي عَلَى الصَّلَاة قَالَ: حَي عَلَى الصَّلَاةِ، وَإِذَا قَالَ: حَي عَلَى
(١) أخرجه أحمد (١٢٢٢١)، وأبو داود (٥٢١)، والترمذي (٢١٢) وقال: حسن صحيح، والنسائي في
((الكبرى)) (٩٨٩٥)، وعبد الرزاق (١٩٠٩)، وابن أبي شيبة (٨٤٦٥)، وابن خزيمة (٤٢٦)، والبيهقي
(١٧٩٤)، والضياء (١٥٦٣).
(٢) أخرجه الترمذي (٣٩٤٣).

١٤٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثالث
الفَلَاحِ قَالَ: حَي عَلَى الفَلَاحِ، ثُمَّ يَقُولُ: اللَّهِمَّ رَبَّ هَذِهِ الدَّعْوَةِ التَّامَّةِ دَعْوَة الْحَقِّ
المُسْتَجَابَةِ لَا، دَعْوَة الحَقِّ وَكَلِمَة التَّقْوَى، أَحينَا عَليهَا وَأَمتنَا عَلِيهَا وَابْعَثْنَا عَلِيهَا
وَاجْعَلنَا مِنْ خِيَارٍ أَهْلِهَا تَحَيَانَا وَعَمَاتنَا، ثُمَّ يَسْأَلُ اللهَ حَاجَته)(١) ويؤخذ من قوله: قال:
((حي على الصّلاة)) مع ما مر أنه يقول: ((لا حول ولا قوة إلا بالله)) أنه يسن للجنب أنه
يجمع بين الأمرین، ولم أر من صرح بذلك.
وأخرج أحمد والطبراني أنه وسلّم قال: «مَنْ قَالَ حِينَ يُنَادِي الْمُنَادِي: اللَّهُمَّ رَبَّ
هَذِهِ الدَّعْوَةِ الْقَائِمَةِ وَالصَّلَاة النَّافِعَةِ، صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَارْضَ عَنِي اسْتَجَابَ اللهُ
دَعْوَتَه))(٢).
٦٧٢ - [وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَلِ؛ ثِنْتَانِ لَا تُرَدَّانِ أَوْ قَلَّمَا
تُرَدَّانِ: الدُّعَاءُ عِنْدَ النِّدَاءِ وَعِنْدَ الْبَأْسِ حِينَ يُلْحِمُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا. وَفِي رِوَايَةٍ: (وَتَحْتَ
الْمَطَرِ)) رَوَاهُ أَبُو دَاوُد والدَّارِمِيُّ إِلَّا أَنَّهُ لَم يَذْكُرُ: وَتَحْتَ الْمَطَرِ(٣)].
(وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ثِنْتَانِ لَا تُرَدَّانٍ أَوْ قَلَّمَا تُرَدَّانِ:
الدُّعَاءُ عِنْدَ التّدَاءِ) أي: الأذان، و((عند)) يحتمل أن يكون بمعنى بعد أخذًا من
الأحاديث المذكورة آنفًا، ويحتمل أن يكون على حالها وتكون هذه الرواية مفيدة ما
لم يستفد من تلك، وهو استجابة الدعاء المقارن لأوله أو أثنائه أيضًا، ثم رأيت بعضهم
أشار إلى أن ((عند)) بمعنى بعد (وَ) الدعاء (عِنْدَ الْبَأْسِ) أي: الحرب والشدة، وأبدل منه
بیانًا له قوله: (حِینَ یُلْحِمُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا) أي: يقتله وینشب فيه حتى لا يجد له عنه
مفرًّا من لحمه وألحمه إذا التصق به التصاق اللحم بالعظم، أو من اللحم إذا قتل كأنه
(١) أخرجه أبو يعلى وابن منيع كما في ((المطالب)) (٢٤٢)، وابن السني (٩٦)، والحاكم (٢٠٠٤) وقال:
صحيح الإسناد، وأبو نعيم في الحلية)) (٢١٣/١٠).
(٢) أخرجه أحمد (١٤٦٥٩)، والطبراني في الأوسط (١٩٤).
(٣) أخرجه أبو داود (٢٥٤٠)، وابن خزيمة (٤١٩)، والطبراني (٥٧٥٦)، والحاكم (٢٥٣٤) وقال:
صحيح الإسناد، والبيهقي (٦٢٥١)، والدارمي (١٢٠٠)، وابن الجارود (١٠٦٥)، والروياني (١٠٤٦).