النص المفهرس
صفحات 101-120
(باب الأذان)
هو لغة: الإعلام.
وشرعًا: قول مخصوص يعلم به وقت الصّلاة أصالة، وخرج به الأذان الذي يسن
لغير الصّلاة فإنه ليس مما نحن فيه، ومنه الأذان في أذن المولود اليمنى والإقامة في
اليسرى، وقاس بعضهم دخول الميت القبره، قال: فيسن الأذان حينئذٍ بجامع أن ذاك
دخول لأول دار الدنيا وهذا لآخر خروجه منها، وهو في غاية الضعف؛ إذ لا مجال
للقياس فيه لو صح فكيف وقياسه فاسد لعدم الاتحاد في العلة المعتبرة.
ويسن أيضًا: عند الهم وسوء الخلق لخبر الديلمي عن علي رآني النبي وَ﴿ حزينًا
فقال: ((يَا ابن أَبِي طَالِبٍ إِنَّ أَرَاكَ حَزِينًا، فَمُرْ بَعْض أَهْلِكَ يُؤذنُ فِي أُذنِكَ فَإِنَّه دَرء
للهَمّ)(١) قال: فجربته فوجدته في أذني كذلك، وقال: كل من رواته إلى علي أنه جربه
فوجده كذلك.
وروى الديلمي عنه قال: قال رسول الله وَ ل﴾: ((مَنْ سَاءَ خُلُقُه مِنْ إِنْسَانٍ أَوْ دَابِةٍ
فَأَذِّنُوا فِي أُذِنِهِ)(٢).
ويسن أيضًا: إذا تغولت الغيلان؛ أي: تكونت سحر الجن والشياطين في صور؛
لأن الشيطان إذا سمع الأذان أدبر، فبالأذان يندفع شر أولئك المتلونين.
ويسن أيضًا: كالإقامة خلف المسافر.
(الفصل الأول)
٦٤١ - [عَنْ أَنَسِ ﴿ قَالَ: ذَكَرُوا النَّارَ وَالنَّقُوسَ فَذَكَرُوا الْتَّهُودَ وَالنَّصَارَى، فَأُمِرْ
بِلَاَلُّ أَنْ يَشْفَعَ الأَذَانَ وَأَنْ يُوتِرَ الإِقَامَةَ. قَالَ إِسْمَاعِيلُ: فَذَكَرْتُه لَأَيُّوبَ فَقَالَ: إِلَّا
(١) ذكره المتقي الهندي في ((كنز العمال)) (٣٤٤٠) وعزاه للديلمي.
(٢) أخرجه الديلمي (٥٧٥٢).
- ١٠١ -
١٠٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثالث
الإِقَامَةَ(١). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ].
(عَنْ أَنَسِ ﴿هَ قَالَ: ذَكَرُوا) أي: وصف الصحابة حين قدم النبي ◌َّ المدينة
وبنى مسجده، ثم شاورهم فيما يجعل علامة لدخول الأوقات حتى تعرفه الناس ويأتوا
عند أول الوقت من غير كثير مشقة في إعلامهم، وكان ذلك في السنة الأولى على
الأصح (النَّارَ) وأنها تصلح علامة لدخول الأوقات لظهورها (وَالتَّاقُوسَ) وأنه علامة
للنصارى لارتفاع صوته (فَذَكَرُوا الْتَّهُودَ وَالنَّصَارَى) أي: فبسبب وصفهم النار
والناقوس كما ذكروا اليهود وأن لهم النار والنصارى وأن لهم الناقوس؛ أي: ذكر بعضهم
أن النار شعار اليهود والناقوس شعار النصارى مريدين بذلك أنَّا لواتخذنا أحد
الأمرين شعارًا لالتبست أوقاتنا بأوقاتهم، كذا ذكره البيضاوي.
وقد ينافيه ما يأتي أوائل الفصل الثالث؛ فقال بعضهم: اتخذوا ناقوسًا مثل
ناقوس النصارى.
وقال بعضهم: اتخذوا قرنًا مثل قرن اليهود، وقد يجاب بأن فرق مختلفة، فقد
يكون لبعضهم النار ولبعضهم القرن.
وعبارة بعض أهل السير شاور * أصحابه فيما يجمعهم به للصلاة؛ فقال
بعضهم: ناقوسًا کناقوس النصارى.
وقال آخرون: بوق کبوق اليهود.
وقال بعضهم: بل نوقد نارًا ونرفعها فإذا رأوها الناس أقبلوا إلى الصّلاة (فَأُمِز
بِلَالٌ) أي: أمره النبي وله بالأذان بسبب الرؤيا الآتية وأمره (أَنْ يَشْفَعَ الأذان) أي:
كلماته؛ أي: أكثرها لما يأتي أن بعضها وتر (وَيُوتِّرَ الإِقَامَة) أي: كلماتها؛ أي: أكثرها لما
يأتي أن بعضها مثنى كالتكبير أولها، وكذا لفظ الإقامة كما يفيده قوله.
(١) أخرجه البخاري (٦٠٥)، ومسلم (٨٦٤)، وأبو داود (٥٠٨)، والترمذي (١٩٣)، والنسائي (٦٣٤)،
وابن ماجه (٧٧٩)، وأحمد (١٣٣١٢)، والدارمي (١٢٤٠)، والدارقطني (٩٣٣)، والبيهقي في (سننه))
(٢٠٢٢).
١٠٣
كتاب الصّلاة/ باب الأذان
(قَالَ إِسْمَاعِيلُ: فَذَكَرْتُه لِأَيُّوبَ فَقَالَ) قد قيد في الحديث إطلاق إيثارها بقوله
في رواية أيوب (إِلَّا الإِقَامَةَ) أي: لفظها وهو قد قامت الصّلاة فإنه يكون مرتين
(مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ).
وما صرح به من أن الإقامة فرادى كما ذكر هو ما عليه أكثر العلم من
الصحابة والتابعين ومن بعدهم، وممن رآه ابن عمر وبلال وسعد القرظ وكان مؤذن
قباء في عهده {18 وخليفة بلال في مسجد رسول الله وَ ل بعد عهده.
وذهب أبو حنيفة وجماعة إلى أن لفظها مثنى واحتجوا بروايات صحيحة،
لكن روايات الإفراد أكثر وأشهر وأصح فقدمت، وكان القياس ألا يقع خلاف في
أصل سنية كل لصحة الحديث بكل وأن الإفراد أفضل لما ذكر، وأما الأخذ بالأول
دون الثاني أو عكسه مع إمكان الجمع بما أشرت إليه بأن إفرادها كان هو الأكثر وقد
یثنی فھو مشکل.
لكن أصحابنا أجابوا عن ذلك بأن رواية التثنية وهي قول أبي محذورة: علمني
رسول الله وي الإقامة سبع عشرة كلمة اختلفت عنه، فروي عنه جمع إفرادها، وأيضًا
فنحن والحنفية قائلون بعدم العمل بروايته؛ لأن فيها الترجيع وهم لا يقولون به
وتثنيتها ونحن لا نقول به، فلا بدَّ لنا ولهم من تأويله فكان الأخذ بما روي عنه من
الإفراد أولى؛ لأنه الموافق لباقي الروايات.
وقد بين البيهقي أن التعبير بسبع عشرة كلمة وقع من تفسير بعض الرواة توهمًا
منه أنه المراد من تثنية الإقامة وليس كذلك، وإنما المراد تثنية الإقامة تثنية لفظها لا
غير، وبيَّن أيضًا أن اتفاق أبي محذورة وأولاده في حرم الله تعالى، وسعد القرظ وأولاده
في حرم رسول الله وسلم على إثبات الترجيع وإفراد الإقامة مع توفر الصحابة ومن بعدهم
مؤذن بضعف رواية تثنيتها، ومن ثم أجمع أصحاب الحديث على إفرادها.
٦٤٢ - [وَعَنْ أَبِي مَحْذُورَةَ ﴿ قَالَ: أَلْقَى عَّ رَسُولُ اللهِوَ التَّْذِينَ هُوَ بِنَفْسِهِ،
فَقَالَ: قُلِ: اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّ اللهُ أَشْهَدُ أَنْ لَا
١٠٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثالث
إِلَهَ إِلَّا اللّهُ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ أَشْهَدُ أَنَّ تُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، حَيَّ عَلَى الصَّلاَةِ حَيَّ
عَلَى الصَّلَاةِ، حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ، اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللّهُ(١). رَوَاهُ
مُسْلِمُ].
(وَعَنْ أَبِي ◌َحْذُورَةَ ﴾ قَالَ: أَلْقَى عَلَّ رَسُولُ اللهِ وَِّ التَّأَذِينَ) أي: لقيتني كل
كلمة من هذه الكلمات (هُوَ بِنَفْسِهِ) أتى به تقريرًا وتأكيدًا حتى يتصور السامع تلك
الحالة ويستحضرها (فَقَالَ: قُلِّ: اللهُ أَكْبَرُ) أي: من كل شيء أو من أن ينسب إليه ما لا
يليق بجلاله، أو من أن يحاط بكنة ذاته وكبرياء عظمته.
وقيل: أكبر بمعنى: كبير، وبيَّن بعض المحققين أن أفعل قد يقطع عن
متعلقه قصدًا إلى نفس الزيادة وإفادة المبالغة، ونظيره فلان يعطي ويمنع؛ أي: يوجد
حقيقتهما وإفادته المبالغة من حيث إن الموصوف تفرد بهذا الوصف وانتهى أمره
فيه إلى ألا يتصور له من يشاركه فيه، وعلى هذا يحمل كل ما جاء من أوصاف
البارئ جل وعلا نحو أعلم (اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ) ابتدئ به؛ لأن في لفظ في
أكبر مع اختصارها إثبات الذات وسائر ما يستحقه من الكمالات والتنزيه عن
أضدادها، وللاعتناء بشأن هذا المقام الأكبر، كرر الدال عليه أربعًا إشعارًا
بعظيم رفعته، وكان حكمة خصوص الأربع أن القصد بهذا التكرير تطهير
النفس بشهود ذلك عن شهواتها الناشئة عن طبائعها الأربع الناشئ عنها الأخلاط
الأربعة.
واعلم أنه يسن للمؤذن الوقف على كل كلمة من هذه الأربع وكذا ما بعدها؛ لأنه
روي موقوفًا، فإن وصل على خلاف السنة فالذي عليه الأكثرون ضم الراء، واختار
المبرد فتحها كألف لام الله، ورد كما حررت كل ذلك وما يتعلق به في ((شرح العباب))
بما لا مزيد عليه.
(١) أخرجه مسلم (٨٦٨)، وأحمد (١٥٤١٣)، وأبو داود (٥٠١)، والطبراني (٦٧٣٤)، والدار قطني (١)
٢٣٥)، والبيهقي (١٧١٥).
١٠٥
كتاب الصّلاة/ باب الأذان
(أَشْهَدُ) أي: أعلم وأبين (أَنْ لَا إِلَّهَ) أي: لا معبود بحق في الوجود (إِلَّ اللّهُ أَشْهَدُ
أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ) ثنى به؛ لأن فيه إثبات الوحدانية ونفي ضدها من الشركة المستحيلة
في حقه تعالى، وهذه عمدة الإيمان والتوحيد المقدمة على سائر وظائف الدين (أَشْهَدُ
أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ الله) ثلث به؛ لأن فيه إثبات النبوة
والشهادة بالرسالة لنبينا ﴾، وهي من باب الأفعال الجائزة الوقوع وما قبلها من باب
الواجبات، وحينئذٍ كملت القواعد العقلية فيما يجب ويستحيل ويجوز في حقه
سبحانه وتعالى.
ثم دعا إلى ما دعاهم إليه من العبادات الناشئة عن الإيمان (حَيَّ) فتحت تارة
لسكونها مع ما قبلها (عَلَى الصَّلَاةِ، حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ) أي: أقبلوا وتعالوا إليها مسرعين،
فهو اسم لفعل الأمر، وجعلها عقب إثبات النبوة؛ لأن معرفة وجوبها من جهة النبي
* لا من جهة العقل، وخصت بالذكر؛ لأنها أفضل أعمال البدن بعد الشهادتين (حَيَّ
عَلَى الفَلَاحِ، حَيَّ عَلَى الفَلَاحِ) أي: هلموا إلى سبب الفلاح وأعظم أسبابه الصّلاة، وهو؛
أعني: الفلاح الظفر بالمطلوب والبقاء في النعيم المقيم، وفيه الأمر بالحث على فعل كل
خير والانتهاء عن كل شر والتنبيه على أمور الآخرة من البعث والجزاء، وذلك آخر
تراحم عقائد الإسلام.
وبما قررته في معنى هذه الكلمات عَلم أن الأذان مشتمل على سائر أصول
الإسلام وفروعه وعلى وقوع المعاد والجزاء فيه، ومن ثم سماه النبي ◌َّ دعوة تامة لما
تقرر أنه لم يُبق مما جاء به ◌َّ شيئًا إلا وأشار إليه (اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ) كرره في الختم
أيضًا إشارة إلى أن اتصافه تعالى بصفات الكمال وتنزهه عن سمات النقص هو الأصل
المنبني عليه جميع ما تقرر من العقائد والقواعد (لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ) ختم به إشارة إلى
التوحيد المحض، ومن ثم كان مرة فقط، وحذف منها لفظ أشهد قصد السرعة
الانتقال إلى ذلك، وإنما كان آخره اسم الله ليوافق البداءة به، إشارة إلى أنه الأول
والآخر في كل شيء (رَوَاهُ مُسْلِمٌ).
١٠٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثالث
(الفصل الثاني)
٦٤٣ - [عَن ابْنِ عُمَرَ - رَضِي اللهُ عَنهُمَا - قَالَ: كَانَ الأَذَانُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ الله
صَلَى الله
مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنٍ، وَالإِقَامَةُ مَرَّةً مَرَّةً، غَيْرَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ قَدْ قَامَتِ
وسلم
الصَّلَاةُ(١). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدِ وَالنَّسَائِيُّ وَالدَّارِمِيُّ].
(عَن ابْنِ عُمَرَ - رَضِي اللّهُ عَنهُمَا - قَالَ: كَانَ الأَذان) أي: كلماته (عَلَى عَهْدِ
رَسُولِ اللهِ وَ﴾﴾ أي: في عهده وأوثرت على لإفادتها أن ذلك فيه كان ظاهرًا مستعليًا
(مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنٍ) وذلك أمر غلبي؛ لأن التكبير أوله أربع والتشهد آخره مرة (و) كانت
(الإِقَامَةُ) أي: كلماتها (مَرَّةً مَرَّةً) أي: غالبًا أيضًا.
ومن ثم قال: (غَيْرَ أَنَّهُ كَانَ) يثني بعض ألفاظها فكان يقول: الله أكبر الله أكبر
أولها، وحكمة تكريره ما مرَّ من الأذان وكان (يَقُولُ: قَدْ قَامَتِ الصَّلَاة قَدْ قَامَتِ
الصَّلاة) وحكمة تكرير هذا أيضًا الاعتناء بشأن الصّلاة والحض للناس على الاعتناء
بها والقيام إليها، وعبر بالماضي إعلامًا بأن فعلها القريب الوقوع كالمحقق الوقوع حتى
يتهيأ له ويبادر إليه (رَوَاهُ أَبُو دَاوُد والنَّسَائِيُّ والدَّارِمِيُّ) وسنده صحيح وهو صريح في أن
ألفاظ الإقامة فرادى إلا لفظ الإقامة.
٦٤٤ - [وَعَنْ أَبِي مَحْذُورَةَ أَنَّ النَّبِيّ ◌َ﴿َ عَلَّمَهُ الأَذَانَ تِسْعَ عَشْرَةَ كَلِمَةً، وَالإِقَامَةَ
سَبْعَ عَشْرَةَ كَلِمَةً(٢). رَوَاهُ أَحْمَد والتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدِ والنَّسَائِيُّ والدَّارِمِيُّ وابْن مَاجَهُ].
(وَعَنْ أَبِي تَحْذُورَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ◌ََّ عَلَّمَهُ الأَذَانَ تِسْعَ عَشْرَةَ كَلِمَةً، وَالإِقَامَةَ سَبْعَ
عَشْرَةَ كَلِمَةً. رَوَاهُ أَحْمَدٍ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُد والنَّسَائِيُّ وَالدَّارِمِيُّ وابْنِ مَاجَه) وسنده
صحيح، وسبق بسط الجواب عنه قريبًا وأنه لا يظهر منه الحجة للقائلين بأن ألفاظ
(١) أخرجه أبو داود (٥١٠)، والنسائي في الكبرى (١٥٩٣)، وأحمد (٥٦٠٢)، وابن الجارود (١٦٤)، وابن
حبان (١٦٧٧)، والدارمي (١١٩٣)، والبيهقي (١٨١٣)، والدارقطني (١٤).
(٢) أخرجه أبو داود (٥٠٢)، وأحمد (١٥٧٧٧)، والترمذي (١٩٢)، والنسائي (٦٣٧)، وابن ماجه
(٧٥٨)، والبيهقي في «سننه)) (٢٠٤٦)، والدارمي (١٢٤٣)، والدار قطني (٩٢١).
١٠٧
كتاب الصّلاة/ باب الأذان
الإقامة مثنى.
٦٤٥ - [وَعَنْهُ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، عَلَّمْنِي سُنَّةَ الأَذَانِ، قَالَ: فَمَسَحَ رَأْسَهِ،
قَالَ: تَقُولُ: اللّهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ اللّهُ أَكْبَرُ، تَرْفَعُ بِهَا صَوْتَكَ، ثُمَّ تَقُولُ: أَشْهَدُ
أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللهُ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللّهُ، أَشْهَدُ أَنَّ ◌ُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا
رَسُولُ اللهِ، تَخْفِضُ بِهَا صَوْتَكَ، ثُمَّ تَرْفَع صَوتَكَ بِالشَّهَادَةِ: أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللهُ،
أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللهُ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، حَيَّ عَلَى
الصَّلاةِ حَيَّ عَلَى الصَّلاةِ، حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ حَيَّ عَلَى الْفَلاحِ، فَإِنْ كَانَ صَلاةُ الصُّبْحِ، قُلْتَ:
الصَّلاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ، الصَّلاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ، اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ، لا إِلَهَ إِلا اللهُ(١). رَوَاهُ
أَبُو دَاوُد].
(وعنه قَالَ: قلت: يَا رَسُولَ الله عَلِّمْنِي سُنَّةَ الأذان، قَالَ: فَمَسَحَ) مقدم (رَأْسِهِ)
يحتمل أنه أشار بذلك أنه إلى أن تعليمه أمر شريف يستحق أن يجعل لو كان جسمًا
على الرأس، ومنه قول العامة إذا سئل أحدهم في شيء على الرأس والعين (قَالَ:
تَقُولُ: اللّهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، اللّهُ أَكْبَرُ، اللّهُ أَكْبَرُ، تَرْفَعُ بِهَا صَوْتَكَ، ثُمَّ تَقُولُ: أَشْهَدُ أَن
لا إِلَهَ إِلَّ اللهُ، أَشْهَدُ أَن لا إِلَهَ إِلََّ اللهُ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا
رَسُولُ اللهِ، تَخْفِضُ بِهَا صَوْتَكَ ثُمَّ تَرْفَعُ صَوْتَكَ بِالشَّهَادَةِ، أَشْهَدُ أَن لا إِلَّهَ إِلَّا اللّهُ، أَشْهَدُ
أَن لا إِلَهَ إِلَّ اللهَ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ الله).
وفي هذا كخبر مسلم الموافق له تصريح يندب الترجيع في الأذان خلافًا
لأبي حنيفة في أنه لا يندب، وحكمته تدبر كلمتي الإخلاص لكونهما المنجيتين من
الكفر المدخلتين في الإسلام، وتدبر عظيم ظهورهما بعد مزيد خفائهما في أول
الإسلام.
وفي قولٍ: إنه ركن لا يصح الأذان إلا به، وهو إسرار كلمتي الشهادتين قبل الجهر
بهما كما دلَّ عليه صريح هذا الحديث، فهو اسم للأول على الأصح، وسمي بذلك؛ لأنه
(١) أخرجه أحمد (١٥٤١٦)، وأبو داود (٥٠٠)، والبيهقي (١٨٣١)، وابن حبان (١٦٨٢).
١٠٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثالث
اسم رجع إلى الرفع بعد أن تركه أو إلى الشهادتين بعد ذكرهما.
والمراد بإسرار ذلك الذي أفاده قوله وَله: ((تَخْفِضُ بِهَا صَوْتَكَ)) أن تكون بحيث
يسمع المؤذن من قرب منه عرفًا أو أهل المسجد الذي هو واقف عليه إذا كان متوسط
الخطبة (حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ، حَيَّ عَلَى الْفَلاحِ، فَإِنْ كَانَ) ما
يؤذن لها (صَلاةُ الصُّبْحِ) أي: ولو قضاء كما قاله بعض أئمتنا (قُلْتَ) أي: في أذانيها
کما هو ظاهر کلام أصحابنا.
وقال آخرون: إن ثّب في الأول لا يثوّب في الثاني (الصَّلَاة خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ) ليس
المراد من خير هنا ظاهره وهو أنه أفعل تفضيل؛ لأن النوم المقابل للصلاة لا خير فيه
(الصَّلَاة خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ) وفي هذا تصريح يندب ما ذكر في الصبح مذهبنا كأكثر
العلماء خلافًا لأبي حنيفة، ويسمى تثويبًا من ثاب بالمثلثة إذا رجع؛ لأن المؤذن دعا إلى
الصّلاة بالحيعلتين، ثم دعا إليها وإلى غيرها بحي على الفلاح، ثم عاد فدعا إليها
بخصوصها بقوله: ((الصّلاة خير من النوم)) وخص بالصبح لما يعرض للنائم من التكاسل
بسبب النوم.
وقيل: الأصل في التثويب؛ أي: يجيء الرجل مستصرخًا فيلوح بثوبه ليرى
ويشتهر، فسمي الدعاء للصلاة تثويبًا لذلك وكل داعٍ مثوب (اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، لَا إِلَهَ
إِلَّا اللهُ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد) وسنده صحيح.
٦٤٦ - [وَعَنْ بِلَال ﴾ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِوَِّ: لَا تُثَوِّبَنَّ فِي شَيْءٍ مِنَ
الصَّلَواتِ إِلَّا فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ (١). رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وابْن مَاجَهُ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: أَبُو إِسْرَائِيل
الرَّاوِي لَيْسَ هُوَ بِذَاكَ الْقَوِيِّ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ].
(وَعَنْ بِلَال ◌َ﴾ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ الله ◌ََّ: لَا تُقَوِّبَنَّ فِي شَيْءٍ مِنَ الصَّلَواتِ إِلَّ
فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنِ مَاجَهِ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: أَبُو إِسْرَائِيلِ الرَّاوِي) له
(١) أخرجه الترمذي (١٩٨)، وابن ماجه (٧١٥).
١٠٩
كتاب الصّلاة/ باب الأذان
(لَيْسَ هُوَ بِذَاكَ الْقَوِيِّ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ) وقول أئمتنا: يكره التئويب في غير الصبح
لم يأخذوه من هذا الحديث لما تقرر أنه ضعيف، وهو لا يحتج به في الكراهة بل من
قوله وَّ في الحديث الصحيح: ((مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ فِيهِ فَهُوَ رَدُّ)(١).
٦٤٧ - [وَعَنْ جَابِرِ ﴿ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَّهِ قَالَ لِلَالٍ: إِذَا أَذَّنْتَ فَتَرَسَّلْ، وَإِذَا
أَقَمْتَ فَاحْدُرْ، وَاجْعَلْ بَيْنَ أَذَانِكَ وَإِقَامَتِكَ قَدْرَ مَا يَفْرُغُ الآكِلُ مِنْ أَكْلِهِ وَالشَّارِبُ مِنْ
شُرْبِهِ، وَالْمُعْتَصِرُ إِذَا دَخَلَ لِقَضَاءِ حَاجَتِهِ، وَلَا تَقُومُوا حَتَّى تَرَوْنِي(٢). رَوَاهُ التِّزْمِذِيُّ
وَقَالَ: لَا يُعْرَفُ إِلَّ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ [الْمُنْعِمِ)(٣) وَإِسْنَادُهُ مَجْهُولٌ].
(وَعَنْ جَابِرٍ ﴾ أن رسول الله وَّ﴾ قال لبلال: إِذَا أَذَّنْت فَتَرَسَّلْ) أي: تأن في
أذانك بأن تأتي بكلماته مبينة من غير تمطيط مجاوز للحد، ومن ثم تأكد على
المؤذنين أن يحترزوا من أغلاط يقعون فيها، فإن بعضها كفر لمن تعمد كمدٍّ همزة
أُشهد فیصیر استفهامًا ومد بأکبر، فیصیر جمع کبر بالفتح وهو طبل له وجه واحد ومن
الوقف على إله والابتداء بالله، وبعضها لحن خفي كترك إدغام دال محمد في راء رسول
ومد ألف الله والصّلاة والفلاح وقلب الألف هاء من الله وعدم النطق بها الصّلاة؛
لأنه یصیر دعاء إلى النار.
(وَإِذَا أَقَمْت فَاحْدُرْ) أي: أسرع بكلمات الإقامة من الحدور ضد الصعود
يتعدى ولا يتعدى، وفارقت الأذان بأنه دعاء للغائبين فالتوسل فيه أبلغ وهي
للحاضرين فالإسراع فيها أشبه (وَاجْعَلْ بَيْنَ أذانك وَإِقَامَتِك) رضًا يسيرًا بحيث
يكون (قَدْرَ مَا يَفْرُغُ الآكِلُ مِنْ أَكْلِهِ، وَالشَّارِبُ مِنْ شُرْبِهِ) وقدر ما يفرغ (الْمُعْتَصِرُ)
هو المحتاج إلى التبرز، سمي بذلك؛ لأن خروج الخارج يصحبه عصر الأمعاء حتى
(١) أخرجه البخاري (٢٦٩٧)، ومسلم (٤٥٨٩)، وأبو داود (٤٦٠٨)، وابن ماجه (١٤)، وأحمد
(٢٦٧٨٦)، والدارقطني (٤٥٩٠)، وابن حبان (٢٦).
(٢) أخرجه الترمذي (١٩٥).
(٣) في الأصل المخطوط بلفظ: ((المؤمن)).
١١٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثالث
يخرج ما فيها (إِذَا دَخَلَ) الخلاء مثلاً (لِقَضَاءِ حَاجَتِهِ) حتى يتهيأ للصلاة ويدخل فيها
من غیر حقن.
(وَلَا تَقُومُوا) إذا سمعتم لفظ الإقامة للصلاة (حَتَّى تَرَوْنِي) وكان ◌َّ يخرج عند
فراغ المقيم من إقامته، فأمرهم بالقيام حينئذٍ؛ لأنه وقت الحاجة إليه، ولهذا قال
أصحابنا: السنة ألا يقوم المأموم حتى يفرغ المقيم من جميع إقامته.
وقال غيرهم: يقوم عند قوله: قد قامت الصّلاة (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: لَا يُعْرَفُ
إِلَّا مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الْمُنْعِمِ وَإِسْنَادُهُ مَجْهُولٌ) لكن صحح الحاكم وغيره الأمر بترتيل
الأذان وإدراج الإقامة، وروى الشيخان خبر: ((لَا تَقُومُوا حَتَّى تَرَوْنِي)»(١).
٦٤٨ - [وَعَنْ زِيَادِ بْنِ الْخَارِثِ الصُّدَائِيِّ قَالَ: أَمَرَنِي رَسُولُ اللهِوَ﴿ أَنْ أُؤَذِّنَ فِي
صَلَاةِ الْفَجْرِ فَأَذَّنْتُ، فَأَرَادَ بِلَالْ أَنْ يُقِيمَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَيِ: إِنَّ أَخَا صُدَاءٍ قَدْ أَذَّنَ
وَمَنْ أَذَّنَ فَهُوَ يُقِيمُ(٢). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُد وابْنُ مَاجَه].
(وَعَنْ زِيَادِ بْنِ الْحَارِثِ الصُّدَائِيّ) بضم الصاد المهملة (قَالَ: أَمَرَنِي رَسُولُ الله
وَ أَنْ أُؤَذِّنَ) تفسير للأمر (فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ فَأَذَّنْتُ، فَأَرَادَ بِلَالْ أَنْ يُقِيمَ، فَقَالَ
رَسُولُ اللهِ وَِّ: إِنَّ أَخَا صُدَاءٍ) بضم أوله وبالمد حي من اليمن (قَدْ أَذَّنَ وَمَنْ أَذَّنَ فَهُوَ
يُقِيمُ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُد وابْنُ مَاجَه) وهو وإن كان في إسناده ضعف إلا أنه أولى.
کما قاله البيهقي وغيره من خبر: إن بلال أذن، فقال عبد الله بن زيد: یا
رسول الله، إني أرى الرؤيا ويؤذن بلال، قال: ((أَقِمْ أَنْتَ))(٣) لما في إسناد هذا ومتنه من
(١) أخرجه البخاري (٦١١)، ومسلم (٦٠٤)، وأبو داود (٥٣٩)، وأحمد (٢٢٦٤٠)، والنسائي (٦٨٧)،
وعبد الرزاق (١٩٣٢)، وابن أبي شيبة (٤٠٩٣)، والطيالسي (٦٢٣)، والدارمي (١٢٦٢)، وابن
خزيمة (١٦٤٤)، والطبراني في الأوسط (١٥٨٠) وفي الصغير (٤٤)، وعبد بن حميد (١٢٥٩).
(٢) أخرجه أبو داود (٥١٤)، والترمذي (١٩٩)، وابن ماجه (٧١٧)، والطبراني (٥٢٨٦)، وعبد الرزاق
(١٨٣٣)، وابن أبي شيبة (٢٢٤٦)، وأحمد (١٦٩/٤)، وابن سعد (٣٢٦/١).
(٣) أخرجه أحمد (١٦٩٢٣)، وأبو داود (٥١٢)، والدارقطني (٩٧٤)، والبيهقي في ((سننه)) (١٩٤٦)،
والطيالسي (١١٠٣).
١١١
كتاب الصّلاة/ باب الأذان
الاختلاف بخلاف ذاك، فإنه أقوم إسنادًا مع تأخره والأخذ بأحد الأمرين أولى، على أن
الحازمي وغيره حسنا إسناد خبر الصدائي هذا.
ومنه أخذ أئمتنا قولهم: يسن أن يقيم المؤذن دون غيره، فإن كان هناك مؤذنان
أحدهما راتب سن أن يقيم الراتب، وإن أخر أذانه؛ لأن الولاية له ثم إن لم يكن
راتب سن أن يقيم الراتب، ثم إن لم يكن راتب أو لم يحضر أو كانوا كلهم مرتبين أقام
الأول أسبقه فإن أذنوا معًا وتنازعوا أقرع بينهم، وإقامة غير من ذكر خلاف الأولى
ولكونها تابعة للأذان لم يكن للإمام فيها نظر، ويسن ألا يزيد المقيم على واحد إلا
لحاجة.
(الفصل الثالث)
٦٤٩ - [عَنِ ابْنِ عُمَر - رَضِي اللّهُ عَنهُمَا - قَالَ: كَانَ الْمُسْلِمُونَ حِينَ قَدِمُوا
الْمَدِينَةَ يَجْتَمِعُونَ فَيَتَحَيَّنُونَ الصَّلَاةِ، وَلَيْسَ يُنَادِي بِهَا أَحَدُّ، فَتَكَلَّمُوا يَوْمًا فِي ذَلِكَ،
فَقَالَ بَعْضُهُمُ: اتَّخِذُوا مِثْلَ نَاقُوسِ النَّصَارَى، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: مِثْلَ قَرْنِ الْتَهُودِ، فَقَالَ عُمَرُ
: أَوَلَا تَبْعَثُونَ رَجُلاً يُنَادِي بِالصَّلَاةِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وََّ: قُمْ يَا بِلَالُ فَنَادِ
بِالصَّلَاةِ(١). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ].
(عَنِ ابْنِ عُمَر - رَضِي اللّهُ عَنْهُمَا - قَالَ: كَانَ الْمُسْلِمُونَ حِينَ قَدِمُوا الْمَدِينَةَ
يَجْتَمِعُونَ فَيَتَحَيَّئُونَ الصَّلاة) أي: يقدرون لها حينًا؛ أي: وقتًا يأتون إليها فيه (وَلَيْسَ
يُنَادِي بِهَا أَحَدُ، فَتَكَلَّمُوا يَوْمًا فِي ذَلِكَ) أي: في مشقة ذلك التحين وطلبوا علامة
الدخول الوقت يأتون بها من غير كبير مشقة (فَقَالَ بَعْضُهُمُ: الَّخِذُوا مِثْلَ نَاقُوسِ
النَّصَارَى، وَقَالَ بَعْضُهُمْ:) اتخذوا (مِثْلَ قَرْنِ الْيَّهُودِ، فَقَالَ عُمَرُ ﴾) منكرًا اتخاذًا ذلك
لما فيه من مشابهة الكفار: (أ) تقولون بموافقة هؤلاء الكفار؟ (وَلَا تَبْعَثُونَ رَجُلاً
يُنَادِي بِالصَّلَاةِ؟ فَقَالَ رَسُولُ الله ◌ِ: قُمْ يَا بِلَالُ فَنَادِ بِالصَّلاَةِ، مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ).
(١) أخرجه البخاري (٦٠٤)، ومسلم (٧٦٣)، وأحمد (٦٥٠٨)، والترمذي (١٩٠)، والنسائي (٦٣٣)،
والبيهقي في ((سننه)) (١٩٠٥)، والدارقطني (٩٢٣).
١١٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثالث
قال عياض: الظاهر أنه لم يرد بالنداء الأذان الشرعي بل مجرد الإخبار بدخول
الوقت.
قال النووي: وهو الحق؛ لأن به يحصل التوفيق بين هذا وخبر رؤية الأذان الآتي،
وذلك بأن يكون هذا في مجلس آخر فيكون الواقع أولاً مجرد الإعلام بإشارة عمر،
ويؤيده ما في مرسل عند ابن سعد أن بلالاً كان ينادي بقوله: الصّلاة جامعة ثم شرع
الأذان، ثم ثانيًا رؤية خصوص الأذان، فشرعه و # إما بوحي أو باجتهاد لجوازه له عند
الجمهور، فليس عملاً بمجرد منام.
٦٥٠ - [وَعَنْ عَبْدِ الله بْنِ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ رَبِّهِ ﴾ قَالَ: لَمَّا أَمَرَ رَسُولُ اللهِوَد.
بِالنَّاقُوسِ يُعْمَلُ لِيُضْرَبَ بِهِ لِلنَّاسِ لِجَمْعِ الصَّلَاةِ، طَافَ بِي وَأَنَا نَائِمُ رَجُلَّ يَحْمِلُ نَاقُوسًا
فِي يَدِهِ، فَقُلْتُ: يَا عَبْدَ الله أَتَبِيعُ النَّفُوسَ؟ قَالَ: وَمَا تَصْنَعُ بِهِ؟ قُلْتُ: نَدْعُو بِهِ إِلَى
الصَّلَاةِ، قَالَ: أَفَلَا أَدُلُّكَ عَلَى مَا هُوَ خَيْرٌ مِنْ ذَلِكَ؟ فَقُلْتُ لَهُ: بَلَ، قَالَ: فَقَالَ: تَقُولُ: اللهُ
أَكْبَرُ إِلَى آخرِهِ وَكَذَا الإِقَامَةِ، فَلَمَّا أَصْبَحْتُ أَتَيْتُ النَّبِيَّ ◌َيْهِ فَأَخْبَرْتُهُ بِمَا رَأَيْتُ، فَقَالَ:
إِنَّهَا رُؤْيَا حَقّ إِنْ شَاءَ اللهُ فَقُمْ مَعَ بِلَالٍ فَأَلْقِ عَلَيْهِ مَا رَأَيْتَ، فَلْيُؤَذِّنْ بِهِ فَإِنَّهُ أَنْدَى
صَوْتًا مِنْكَ. فَقُمْتُ مَعَ بِلَالٍ فَجَعَلْتُ أَلْقِيْهِ عَلَيْهِ وَيُؤَذِّنُ بِهِ. قَالَ: فَسَمِعَ ذَلِكَ عُمَرُ بْنُ
الْخَطَّابِ ﴿ وَهُوَ فِي بَيْتِهِ، فَخَرَجَ يَجُّ رِدَاءَهُ وَيَقُولُ: يَا رَسُولَ اللهِ وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ
لَقَدْ رَأَيْتُ مِثْلَ مَا رَأَى، فَقَالَ رَسُولُ الله ◌َّ: فَلِلْهِ الْحَمْدُ(١). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدٍ وَالدَّارِمِيُّ
وابْنُ مَاجَه إِلا أَنَّهُ لَمْ يَذْكَرِ الإِقَامَةَ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ لَكِنَّهُ لَمْ
يُصَرِّحْ قِصَّة النَّاقُوسِ].
(وَعَنْ عَبْدِ الله بْنِ زَيْدِ) ابن ثعلبة (ابْنِ عَبْدِ رَبِّهِ) الأنصاري (﴾ قَالَ: لَمَّا أَمَرَ
رَسُولُ اللهِ وَّهُ بِالنَّاقُوسِ يُعْمَلُ لِيُضْرَبَ بِهِ لِلنَّاسِ لِجَمْعِ الصَّلَاةِ) الظاهر أن هذا كان في
مجلس آخر قبل مجلس عمر السابق، فيكون الواقع أنهم تكلموا أولاً فيما يجعل
(١) أخرجه أحمد (١٦٥٢٥)، والترمذي (١٨٩)، وأبو داود (٤٩٩)، وابن ماجه (٧٥٥)، والدارمي
(١٢٣٢)، والبيهقي في ((سننه)) (١٩٠٩).
١١٣
كتاب الصّلاة/ باب الأذان
علامة فاستقر رأي رسول الله ول# على الناقوس فأمر بعمله.
فإن قلت: المدارهنا على ما تجتمع الناس بسببه من غير كبير مشقة، والناقوس
أبلغ في ذلك من بوق اليهود فاختاره لذلك لا لخصوص کونهم نصارى.
ثم في مجلس آخر تكلموا في ذلك فأشار عمر بالنداء فأمر به ولية، ثم رأى
عبد الله بن زيد المنام الآتي بخصوص الأذان، وكأنه إنما ذكر أمره وله بعمل الناقوس
في عالم الخيال كما قال: (طَافَ بِي وَأَنَا نَائِمُ رَجُلُ) أي: من طاف الخيال يطيف طيفًا
ومطافًا؛ أي: جاء في النوم (يَحْيِلُ نَاقُوسًا فِي يَدِهِ، فَقُلْتُ: يَا عَبْدَ اللّه أَتَبِيعُ النَّاقُوسَ؟)
أي: الذي في يدك (قَالَ: وَمَا تَصْنَعُ بِهِ؟ فَقُلْتُ: نَدْعُو بِهِ إِلَى الصَّلَاةِ. قَالَ: أَفَلَا أَدُلُّكَ عَلَى
مَا هُوَ خَيْرٌ مِنْ ذَلِكَ؟ فَقُلْتُ لَهُ: بَلَى. قَالَ: فَقَالَ: تَقُولُ: اللّهُ أَكْبَرُ ... إلخ) أي: الأذان على
الكيفية السابقة (وَكَذَا الإِقَامَة) أي: أُعلمه إياها.
وفي رواية: ثم؛ أي: بعد أن علمه الأذان ((اسْتَأْخَرَ غَيْرَ بَعِيدٍ، ثُمَّ قَالَ: ثُمَّ تَقُولُ
إِذَا قُمْت إِلَى الصَّلاَة: اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ ... إلى آخر الإقامة)(١).
(فَلَمَّا أَصْبَحْتُ أَتَيْتُ النبي ◌َّهِ فَأَخْبَرْتُهُ بِمَا رَأَيْتُ، فَقَالَ: إِنَّهَا رُؤْيَا حَقُّ إِنْ
شَاءَ اللهُ، فَقُمْ مَعَ بِلَالٍ فَأَلْقِ عَلَيْهِ مَا رَأَيْتَ فَلْيُؤَذِّنْ بِهِ، فَإِنَّهُ أَنْدَى صَوْنًا مِنْكَ) أي:
أرطبه وألينه وأرقه وأرفعه إذا وصل النداء من الندى؛ أي: الرطوبة.
يقال: هو صوت ندي رفيع واستعارة النداء للصوت من حيث أن من كثرت
رطوبة فيه حسن كلامه، ومن هذا أخذوا أن السنة في المؤذن أن يكون رفيع الصوت
ليبلغ كل الناس، وأن يكون حسنه؛ لأنه أدعى إلى حضورهم.
(فَقُمْتُ مَعَ بِلَالٍ فَجَعَلْتُ أُلْقِيهِ عَلَيْهِ) أي: ألقيه له (وَيُؤَذِّنُ بِهِ، قَالَ: فَسَمِعَ
ذَلِكَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَهُوَ فِي بَيْتِهِ فَخَرَجَ يَجُرُّ رِدَاءَهُ وَيَقُولُ) لما قيل له: إن سبب هذا
الأذان رؤيا عبد الله المذكورة، وحذف ذلك لدلالة السياق عليه (يَا رَسُولَ اللهِ، وَالَّذِي
بَعَقَكَ بِالْحَقِّ لَقَدْ رَأَيْتُ مِثْلَ مَا رَأَى، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَلَهُ: فَلله) لا لغيره؛ إذ لا
(١) أخرجه أحمد (١٦٩٢٥)، والبيهقي في ((سننه)) (٢٠٤١)، وابن حبان (١٧٠٨).
١١٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثالث
يستحقه أحد سواه (الْحَمْدُ) على توافق الرؤيين (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدْ وَالدَّارِمِيُّ وابْنُ مَاجَه إِلا
أَنَّهُ لَمْ يَذْكَرِ الإِقَامَةَ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ لَكِنَّهُ لَمْ يُصِّح) ضمنه بذکر
(قِصَّة النَّاقُوسِ).
وروی أحمد عن عبد الله أنه قال: يا رسول الله إني رأيت فيما يرى النائم، ولو
قلت: إني لم أكن نائمًا لصدقت: ((رَأَيْتُ شَخْصًا عَلَيْهِ ثَوْبَانِ أَخْضَرَانِ فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ،
فَقَالَ: اللهُ أَكْبَر ... إلى آخره)(١).
وفي رواية ضعيفة عند ابن ماجه: إن رؤياه كانت ليلة تشاوروا.
وفي ((أوسط الطبراني): إن أبا بكر ﴾ رأى أيضًا.
وفي ((وسيط الغزالي)): رآه بضعة عشر.
وفي ((الجبلي)): رآه أربعة عشر، وأنكره النووي كابن الصلاح.
ومن ثم قال بعض محققي المحدثين: لم يثبت إلا رؤيا عبد الله، وقصة عمر
جاءت في بعض الطرق، وهذا - أعني: مشروعية الأذان - قيل: كان في ثاني سني
الهجرة، والأصح أنه في أولها بعد بنائه وَله مسجده، والروايات المصرحة بأنه شرع
بمكة قبل الهجرة لم يصح منها شيء، ومر أن الأذان لم يثبت بمجرد المنام أن رؤيا
غير الأنبياء لا ينبني عليها حكم شرعي بل بالاجتهاد أو الوحي.
ويؤيده رواية عبد الرزاق وأبي داود في ((المراسيل)) من طريق بعض أكابر
التابعين: إن عمر لما رأى الأذان جاء ليخبر النبي وَلّ، فوجد الوحي قد ورد بذلك فما
راعه إلا أذان بلال، فقال له النبي ◌َّ: ((فَذَلِكَ الوَحِي)»(٢).
وهذا أصح مما حكى الداودي أن جبريل أتى به قبل هذه الرؤيا بثمانية أيام،
وأجاب السهيلي عن حكمة ترتب الأذان دون سائر الأحكام على رؤيا بعض الصحابة،
(١) أخرجه أبو داود (٥٠٧)، وأحمد (٢٢١٧٧)، والبيهقي (١٨٣٠)، والطبراني في ((الكبير))
(١٦٦٩١).
(٢) أخرجه أبو داود في («المراسيل)) (١٣/١)، وعبد الرزاق في ((مصنفه)» (١٧٧٥).
١١٥
كتاب الصّلاة/ باب الأذان
وقوله: إنها رؤيا حق بأنه وَليل أريه ليلة الإسراء.
فقد روى البزار عن علي: ((لَما أَرَادَ اللهُ أَنْ يُعلِّم رَسُولَهُ الأَذَانَ جَاءَه حِبْرِيلُ
بِالبُرَاقِ، فَلَمَا اخْتَرَقَ الحُجبَ خَرَجَ لَهُ مَلكُ، فَسَأَلَ جِبرِيل عَنْهُ، فَقَالَ: إِنْهُ لَم يَرَهَ قَبْل
ذَلِك، فَقَالَ الملكُ: اللهُ أَكْبَرِ اللهُ أَكْبَرِ، فَقِيلَ: صَدَقَ عَبْدِي أَنَا أَكْبَرِ أَنَا أَكْبَرِ، وذكر
بقية الأذان))(١).
قال السهيلي: وهذا أقوى من الوحي، فلما تأخر الأذان إلى المدينة وأراد إعلام
الناس بوقت الصّلاة قلبت الوحي حتى رأى عبد الله الرؤيا فوافقت مارآه ولو، فلذلك
قال: رؤيا حق إن شاء الله، وعلم حينئذٍ أن مراد الله بما أراه في السماء أن يكون
سنة في الأرض.
ورد بأن حديث البزار في إسناده متروك على أنه لو صح لم يكن فيه بيان وجه
تخصيص الأذان بذلك، وقد يقال في حكمة تخصيصه بذلك: إنه مع اختصاره جامع
لسائر أصول الشريعة وفروعها وكمالاتها كما علم مما مرَّ في الكلام على ألفاظه فاحتاج
لما يؤذن بهذا التميز، ولا شك أن تقدم ذلك الرؤيا مع شهادته ريمي بأنها رؤية حق
ومقارنة الوحي لها أو سبقه عليها على ما وقع فيه رفع لشأوه وتعظيم لقدره.
وفي ((مسند الحارث)): أول من أذن بالصّلاة جبريل أذنه في سماء الدنيا فسمعه
بلال وعمر فسبق عمر إلى رسول الله ﴿ فأخبره، فقال وهله لبلال: ((سَبقكَ بِهَا عُمَر))(٢)
وظاهره أنهما سمعاه يقظة، والحديث السابق يرد ذلك فائدة جزم النووي بأنه مّل و أذن
مرة في السفر واستدل له بخبر الترمذي.
ورد بأن أحمد أخرجه في ((مسنده)) من طريق الترمذي بلفظ فأمر بلالاً فأذن،
وبه يعلم اختصار رواية الترمذي، وأن معنى أذن فيها أمر بلالاً بالأذان كبنى الأمير
المدينة.
(١) ذكره الملا على القاري في ((مرقاة المفاتيح)) (٩٩/٣).
(٢) أخرجه الحارث في ((مسند)) (١١٨).
١١٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثالث
ورواه الدارقطني أيضًا بلفظ: ((فأمر بلالاً فأذن)).
قال السهيلي: والمفصل يقضي على المحمل المحتمل وعلى أنه أذن، فهل كان
يتشهد مثلنا أو يقول: وأشهد أني رسول الله؟ ظاهر كلام الرافعي الثاني فإنه قال: إنه
المنقول في تشهده، لكن يرد عليه بأن المنقول أنه كان كتشهد كما رواه مالك في
((الموطأ)) ويؤيده خبر مسلم عن معاوية أنه قال في إجابة المؤذن: وأشهد أن محمدًا
رسول الله ﴾﴾ قال ذلك.
٦٥١ - [وَعَنْ أَّبِي بَكْرَةَ ﴾ قَالَ: خَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ وَهْ لِصَلَاةِ الصُّبْحِ، فَكَانَ
لَا يَمُرُّ بِرَجُلٍ إِلَّا نَادَاهُ بِالصَّلَاةِ أَوْ حَرَّكَهُ بِرِجْلِهِ(١). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدِ].
(وَعَنْ أَبِي بَكْرَةَ عَّهُ قَالَ: خَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللّهِ وَهْ لِصَلَاةِ الصُّبْحِ، فَكَانَ لَا يَمُرُّ
بِرَجُلٍ إِلَّا نَادَاهُ بِالصَّلَاةِ) أي: أعلمه بها لفظًا (أَوْ حَرَّكَهُ بِرِجْلِهِ) أي: إذا كان مشغولاً
بنوم أو نحوه.
وفي الأول: حث على الأذان؛ لأنه ◌َ* لما تعاطى النداء للصلاة بنفسه كان في
ذلك أبلغ حث على الأذان لأمته على التسابق إلى الإعلام بها، ومن خبر: ((لو تعلمون ما
في النداء والصف الأول ثم لم تجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا)»(٢).
وفي الثاني: حث على إيقاظ النائم ونحوه للصلاة، ومن ثم صرح أصحابنا بأن
ذلك سنة ويؤخذ من تحريكه برجله جواز ذلك، من غير كراهة ولا نظر إلى ما
يتوهمه بعض الحمقاء والجهلة من أن ذلك فيه تحقير وإهانة للنائم ونحوه (رَوَاهُ أَبُو
دَاوُد) وسنده حسن.
٦٥٢ - [وَعَنْ مَالِك ◌َه بَلَغَهُ أَنَّ الْمُؤَذِّنَ جَاءَ عُمَرَ يُؤْذِنُهُ بِصَلَاةِ الصُّبْحِ فَوَجَدَهُ
نَائِمًا، فَقَالَ: الصَّلَاةِ خَيْرٌّ مِنَ النَّوْمِ، فَأَمَرَهُ أَنْ يَجْعَلَهَا فِي نِدَاءِ الصَّلاَةَ(٣). رَوَاهُ مَالِك فِي
(١) أخرجه أبو داود (١٢٦٦)، والبيهقي في ((سننه)) (٥٠٩١).
(٢) تقدم تخريجه.
(٣) أخرجه مالك (١٥٤).
١١٧
كتاب الصّلاة/ باب الأذان
(المَوَظَّا))].
(وَعَنْ مَالِك ◌َ﴾ِهِ بَلَغَهُ أَنَّ الْمُؤَذِّنَ جَاءَ عُمَرَ يُؤْذِنُهُ بِصَلَاةِ الصُّبْحِ فَوَجَدَهُ نَائِمًا،
فَقَالَ: الصَّلَاةِ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ، فَأَمَرَهُ أَنْ يَجْعَلَهَا فِي نِدَاءِ الصَّلَاة) يحتمل أن عمر لم يبلغه
حديث أبي محذورة السابق ثالث الفصل الثاني، فأمر بذلك اجتهادًا فوافق اجتهاده
النص على عادته ، كما وقع له في ذات عرق وغيرها، ويحتمل أنه كان بلغه ثم نسيه
فلما سمعه من المؤذن في هذه الحالة تذكره فَأَمَّن به، وعلى كل منهما فالظاهر أنه كان
متروكًا من الأذان في المدينة في زمن حياة رسول الله وَ له وبعد مماته، وإلا لم يخف على
عمر ولم يكن هو الأمر لجعله في نداء الصبح.
فإن قلت: ما وجه الترك مع أمره وال﴿ أبا محذورة به؟
قلت: يحتمل أن أبا محذورة لم يقم بالمدينة بعد أمره به، ولم يشتهر أمره به بین
الصحابة، هذا كله بناء على فرض صحة هذا الذي بلغ مالكً، وإلا فالظاهر أنه كان
معمولاً به في حياته وَله وبعد موته؛ إذ يبعد كل البعد، أنه ◌َله يأمر به أبا محذورة ولا
يأمر به بقية مؤذنيه، وحينئذٍ يبعد كل البعد أيضًا أن عمر يخفى عليه ذلك وأنه لم
يُفعل إلى زمنه، فالحق عدم التعويل على هذا الذي بلغ مالكًا، والأخذ بخبر أبي محذورة
الصريح في ندبه کما مرَّ.
ويحتمل أن عمر إنما قال ذلك إنكارًا على المؤذن في استعماله لذلك في غير ما
ورد فيه، فإنه لم يرد إلا في الأذان فستعمله خارجه، وحينئذٍ فمعنى أمره له أن يجعله في
نداء الصبح أنه يستمر على جعله فيه ولا يستعمله خارجه، وهذا أولى الاحتمالات
لسلامته عما ورد على ذينك الاحتمالين، ولم أرَ من تعرض لشيء مما ذكرته هنا (رَوَاهُ
مَالِك في ((الموَطّا))).
٦٥٣ - [وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَعْدِ بْنِ عَمَّارِ بْنِ سَعْدٍ ، مُؤَذِّنٍ رَسُولِ الله وَنَّ
قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ أَبِهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَلِ أَمَرَ بِلَالاً أَنْ يَجْعَلَ إِصْبَعَيْهِ فِي
١١٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثالث
أُذُنَيْهِ، وَقَالَ: إِنَّهُ أَرْفَعُ لِصَوْتِكَ (١) . رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهُ].
(وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَعْدِ بْنِ عَمَّارِ بْنِ سَعْدٍ) القرظي (﴾، مُؤَذِّنِ رَسُولِ الله
﴿ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ رَسُولَ اللّه ◌ِ: أَمَرَ بِلَالاً أَنْ يَجْعَلَ إِصْبَعَيْهِ
فِي أُذُنَيْهِ، وَقَالَ: إِنَّهُ) أي: جعلهما في أذنيه (أُرْفَعُ لِصَوْتِكَ) أي: من حالة عدم جعلهما
فيهما، ومن هذا أخذ أئمتنا أنه يسن للمؤذن جعل أنملتي إصبعيه في صماخي أذنيه.
لكن جزم النووي وتابعوه بأن المراد: أنملتا السبابتين، والمعنى في ذلك: إنه
أجمع للصوت كما دل عليه الخبر، وبه يستدل الأصم على كونه أذانا فيكون أبلغ في
الإعلام، ولو كان بإحدى يديه علة جعل السليمة فقط أو بسبابتيه أو إحداهما ذلك
جعل أنملة غيرهما، ولا يسن ذلك في الإقامة؛ لأنه لا يحتاج فيها إلى أبلغية الإعلام
لحضور السامعين، ومنه ومن قوله وَّهُ: ((إِنَّهُ أَرْفَعُ لِصَوْتِكَ))(٢) يؤخذ أن المؤذن لو كان
يؤذن لنفسه وأراد إسماعها فقط لم يسن له جعلهما في أذنه وهو محتمل (رَوَاهُ ابْن
مَاجَه) وروى أحمد والترمذي وصححه أن بلالاً فعل ذلك بحضرة النبي
(١) أخرجه ابن ماجه (٧٥٩)، والبيهقي في ((سننه)) (١٩٣٠)، والطبراني (٥٣١١).
(٢) تقدم تخريجه.
(باب فضل الأذان وإجابة المؤذن)
(الفصل الأول)
٦٥٤ - [عَنْ مُعَاوِيَةَ ﴾ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَ يَقُولُ: الْمُؤَذِّنُونَ أَطْوَلُ
النَّاسِ أَعْنَاقًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ(١). رَوَاهُ مُسْلِمُ].
(عَنْ مُعَاوِيَةَ عَ﴾ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَهِ يَقُولُ: الْمُؤَذِّنُونَ أَطْوَلُ النَّاسِ
أَعْنَاقًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وفي معناه أقوال:
أحدها: أكثرهم أعمالاً يقال لفلان: عنق من الخير؛ أي: قطعة منه، ونظيره خبر:
((أسرعكن لحوقًا بي أطولكن يدً)(٢) أي: أكثركن صدقة، سمي العمل عنقًا لثقله
وجيء بأطول كالترسيخ لهذا المجاز.
ثانيها: أكثرهم رجاءً؛ لأن راجي الشيء يمد عنقه إليه؛ فالناس في كربهم وهم في
روح الرحمة يشرئبون أن يؤذن لهم في دخول الجنة.
ثالثها: معناه القرب من الله تعالى؛ لأن طول العنق يدل غالبًا على طول القامة،
وطولها لا يطلب لذاته بل لدلالته على تمييزهم عن سائر الناس وارتفاع شأنهم عليه،
كما وصف المتوضئون فإنهم يدعون يوم القيامة غرًّاً محجلين من آثار الوضوء لذلك.
رابعها: إنه لا يلجمهم العرق الذي يلجم الناس بحسب أعمالهم، فالوصف
بطول القامة ليس لذاته هنا أيضًا بل للنجاة من المكروه.
خامسها: كونهم رؤساء ذلك اليوم والعرب تصف السادة بطول العنق، وفيه
(١) أخرجه مسلم (٣٨٧)، وابن ماجه (٧٢٥)، وابن حبان (١٦٦٩)، وأحمد (١٦٩٠٧)، وأبو عوانة
(٩٧١)، والبيهقي في (السنن)) (١٨٨٠) وفي (شعب الإيمان)) (٣٠٥١)، والطبراني في ((الأوسط)»
(٦٣٠٩).
(٢) أخرجه البخاري (١٣٥٤)، ومسلم (٢٤٥٢)، والنسائي (٢٥٤١)، وابن حبان (٦٦٦٥)، والحاكم
(٦٧٧٦) وقال: صحيح على شرط مسلم.
١١٩ -
١٢٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثالث
استعارة؛ لأنهم شبهوا بالأعناق كما قيل: هم الرؤوس والنواصي والصدور.
سادسها: إنه جمع عنق؛ أي: جماعة؛ أي: أن جمعهم يكون أكثر؛ لأن من أجاب
دعوتهم يكون معهم، فالطول مجاز عن الكثرة؛ لأن الجماعة إذا توجهوا لمقصدهم
يكون لهم امتداد في الأرض، وروي بكسر الهمزة؛ أي: أشد الناس إسراعًا إلى الجنة.
سابعها: إنه كناية عن عدم الخجل الناشئ عن التقصير والمقتضي لتنكيس
الرأس وتقلص العنق كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ المُجْرِمُونَ نَاكِسُوا رُءُوسِهِمْ عِندَ
رَبِّهِمْ﴾ [السجدة: ١٢].
٦٥٥ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بَ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وََّ: إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ أَدْبَرَ
الشَّيْطَانُ وَلَهُ ضُرَاطٌ حَتَّى لَا يَسْمَعَ التَّأْذِينَ، حَتَّى إِذَا قُضِيَ النّدَاءُ أَقْبَلَ، حَتَّى إِذَا تُوَّبَ
بِالصَّلَاةِ أَدْبَرَ، حَتَّى إِذَا قُضِيَ التَّقْوِيبُ أَقْبَلَ حَتَّى يَخْطِرَ بَيْنَ الْمَرْءِ وَنَفْسِهِ، يَقُولُ: اذْكُرْ
كَذَا اذْكُرْ كَذَا لِمَا لَمْ يَكُنْ يَذْكُرُ حَتَّى يَظَلَّ الرَّجُلُ لا يَدْرِي كَمْ صََّ(١). مُتَّفَقُّ
عَلَيْهِ].
(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌ََّ: إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ) أي: أذن لها
(أَدْبَرَ الشَّيْطَانُ) أي: عن مواضع الأذان (وَلَهُ ضُرَاط) يحتمل الحقيقة وهو الظاهر، وإن
لم أرمن صرح به؛ إذ لا استحالة في أن يصدر منه تلك الأصوات القبيحة، وإن كانت
على خلاف مقتضى عنصره مبالغة في إهانته وتحقيره وإعلامًا بأنه يحصل له من سماع
الأذان هول مفرط يفزعه ويخرجه عن شعوره وإحساسه، فتنحل قواه ويخرج منه تلك
الأصوات، ويحتمل المجاز وأنه شبه شغله نفسه عن سماع الأذان بصوت يملأ الصوت
ویمنعه عن سماع غیره.
ثم سماه ضراًا تقبيحًا له (حَتَّى) تعليلاً لإدباره (لَا يَسْمَعَ التَّأَذِينَ، حَتَّى) هي
واللتان بعدها داخلة على الجملة الشرطية وليست للتعليل (إِذَا قُضِيَ الّدَاءُ أَقْبَلَ، حَتَّى
(١) أخرجه مالك (١٥٢)، والبخاري (١١٧٤)، ومسلم (٣٨٩)، وأبو داود (٥١٦)، والنسائي (١٢٥٣)،
وابن حبان (١٦٦٣)، وعبد الرزاق (٣٤٦٢).