النص المفهرس
صفحات 81-100
٨١
كتاب الصّلاة/ باب تعجيل الصلوات
تسميتها بذلك لاحتمال أنه قبل النهي أو للتعريف؛ لأنها أشهر عندهم أن ذلك من
كلام جابر فلا حجة (بَعْدَ صَلَاتِكُمْ شَيْئًا) أي: بعد الوقت الذي يصلون العشاء فيه
تأخيرًا يسيرًا (وَكَانَ يُخَفِّفُ الصَّلَاةَ) إذا كان إمامًا كما دلَّ عليه السياق؛ إذ هو السنة
للإمام كما يأتي على أن ذلك أغلبي لما يأتي أنه وَله طول بهم حيث قرأ الأعراف في
ركعتي الغروب (رَوَاهُ مُسْلِمٌ).
٦١٨ [وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: صَلَّيْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِّهِ صَلَاةَ الْعَتَمَّةِ،
فَلَمْ يَخْرُجْ حَتَّى مَضَى تَخْوُ مِنْ شَطْرِ اللَّيْلِ، فَقَالَ: خُذُوا مَقَاعِدَكُمْ، فَأَخَذْنَا مَقَاعِدَنَا
فَقَالَ: إِنَّ النَّاسَ قَدْ أَخَذُوا مَضَاجِعَهُمْ، وَإِنَّكُمْ لَنْ تَزَالُوا فِي الصَّلَاةِ مَا انْتَظَرْتُمُ الصَّلَاةَ،
وَلَوْلَا ضَعْفُ الضَّعِيفِ وَسَقَمُ السَّقِيمِ لأَخَّرْتُ هَذِهِ الصَّلَاةَ إِلَى شَطْرِ اللَّيْلِ(١). رَوَاهُ أَبُو
دَاوُدٍ وَالنَّسَائِيُّ].
(وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: صَلَّيْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَاةَ الْعَتَمَةِ) فيه ما مرَّ
آنفًا (فَلَمْ يَخْرُجْ حَتَّى مَضَى نَحْوَّ مِنْ شَطْرِ اللَّيْلِ) أي: نصفه (فَقَالَ: خُذُوا مَقَاعِدَكُمْ) أي:
اصطفوا للصلاة (فَأَخَذْنَا مَقَاعِدَنَا فَقَالَ: إِنَّ النَّاسَ) أي: بقية أهل الأرض لما في خبر لا
ينتظرها أحد غيركم (قَدْ أَخَذُوا مَضَاجِعَهُمْ) أي: ناموا (وَإِنَّكُمْ لَنْ تَزَالُوا فِي الصَّلَاةِ) أي:
حتى يكتب لكم ثوابها من حيث انتظارها (مَا انْتَظَرْتُمُ الصَّلَاةَ، وَلَوْلَا ضَعْفُ الضَّعِيفِ
وَسَقَمُ السَّقِيمِ لأَخَّرْتُ هَذِهِ الصَّلَاةَ إِلَى شَطْرِ اللَّيْلِ) هو بمعنى: (لَوْلَا أَنْ يَتْقُلَ عَلَى أُمَّتِى)(٢)
السابق بما فيه (رَوَاهُ أَبُو دَاوُد والنَّسَائِيّ) وسنده حسن.
٦١٩ . [عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَلِ أَشَدَّ
تَعْجِيلاً لِلظُّهْرِ مِنْكُمْ، وَأَنْتُمْ أَشَدُّ تَعْجِيلاً لِلْعَصْرِ مِنْهُ(٣). رَوَاهُ أَحْمَد والتِّزْمِذِيّ].
(١) أخرجه أبو داود (٤٢٢)، والنسائي (٥٤٣)، وأحمد (١١٣٠٧).
(٢) أخرجه مسلم (١٤٧٨)، والنسائي (٥٤٢)، والبيهقي في سننه (٢٢٠٤)، وابن خزيمة في صحيحه
(٣٤٤).
(٣) أخرجه أحمد (٢٧٢٣٥)، والترمذي (١٦١)، وأبو يعلى (٢٤٧/٦).
٨٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثالث
(عَنْ أُمّ سَلَمَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ الله ◌ِ أَشَدَّ تَعْجِيلاً لِلِظُّهْرِ
مِنْكُمْ) هذا منسوخ إن أرادت به الهموم حتى عند شدة الحر كما مرت الإشارة إليه في
مبحث الإبراد (وَأَنْتُمْ أَشَدُّ تَعْجِيلاً لِلْعَصْرِ مِنْهُ) لا ينافي ما مرَّ أَنه ◌َّ كان يعجل العصر
أيضًا؛ لأن التعجيل أمر نسبي فلا يمتنع التفاوت فيه، وكأنها قصدت بذلك تحريضهم على
إتباعە {ێ وعدم مخالفته بوجه (رَوَاهُ أَحْمَد والتِّزمِدِيُّ) وسنده حسن.
٦٢٠ - [وَعَنْ أَنَسِ عَ﴾ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَهَ إِذَا كَانَ الْحَرُّ أَبْرَدَ بِالصَّلَاةِ، وَإِذَا
كَانَ الْبَرْدُ عَجَّلَ(١). رَوَاهُ النَّسَائِيُّ].
(وَعَنْ أَفَس ◌َ﴾ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَيهِ إِذَا كَانَ الْحَرُّ أَبْرَدَ بِالصَّلَاةِ) أي: الظهر
(وَإِذَا كَانَ الْبَرْدُ عَجَّلَ) أي: بالظهر وبهذا يجمع بين الأخبار المتعارضة، الظاهر في
الظهر أنه كان يعجلها وأنه كان يؤخرها.
وأما ما وقع فيها من التعجيل حتى عند شدة الحر، فقال البيهقي: إنه منسوخ
كما مرت الإشارة إليه (رَوَاهُ النَّسَائِيّ).
٦٢١ - [وَعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ﴾ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِوَ﴾: إِنَّهَا سَيَكُونُ
عَلَيْكُمْ بَعْدِي أُمَرَاءُ تَشْغَلُهُمْ أَشْيَاءُ عَنِ الصَّلَاةِ لِوَقْتِهَا حَتَّى يَذْهَبَ وَقْتُهَا فَصَلُّوا
الصَّلَاةَ لِوَقْتِهَا، فَقَالَ رَجُلُّ: يَا رَسُولَ الله أَصَلِّ مَعَهُمْ؟ قَالَ: نَعَمْ (٢). رَوَاهُ أَبُو دَاوُد].
(وَعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ﴾ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ وَلِّ: إِنَّهَا) أي: القصة
ومفسرها قوله: (سَيَكُونُ عَلَيْكُمْ بَعْدِي أُمَرَاءُ تَشْغَلُهُمْ أَشْيَاءُ عَنِ الصَّلَاةِ لِوَقْتِهَا) أي:
في أوله أو في جميعه، وأبهم تلك الأشياء وأوقعها في معرض الذم إشارة إلى أنها ليست
من الأعذار المرخصة للتأخير عن أول الوقت أو جميعه (حَتَّى يَذْهَبَ وَقْتُهَا) أي:
الاختياري أو مطلقًا.
وظاهر الخبر الآتي وخبر أبي داود السابق الأول (فَصَلُّوا الصَّلَاةَ لِوَفْتِهَا) أي: في
(١) أخرجه النسائي (٥٠٣)، والبيهقي في ((سننه)) (٥٨٨٨).
(٢) أخرجه أبو داود (٤٣٣).
٨٣
كتاب الصّلاة/ باب تعجيل الصلوات
وقت الفضيلة أو الاختيار ولكن من غير إظهار ما يترتب عليه مفسدة أو فتنة كما
هو معروف من محل آخر (فَقَالَ رَجُلُ: يَا رَسُولَ اللهِ أُصَلِّ مَعَهُمْ؟ قَالَ: نَعَمْ) ومرَّ أنه
وَل* قال نظير ذلك لأبي ذر، وزاد أنها له معهم نافلة وأن فرضه هو الأولى.
وفي هذا كالذي بعده دليل على صحة الصّلاة خلف الجائر والفاسق؛ لأن أمره
* بالصّلاة معهم صادق بعدم خوفه منهم لو لم يُصلِّ معهم، وقد قال الشافعي: صلى
ابن عمر - رضي الله عنهما - خلف الحجاج وكفى به فاسقًا؛ أي: وابن عمر كان لا
يخاف منه؛ لأن عبد الملك كان يعظم إجلاله، ومن ثم أمره عليه في الحج؛ ولأن قوله
الآتي: ((مَا صَلَّوُا الْقِبْلَةَ))(١) ظاهر أو صريح في صحة الصّلاة خلف المسجد، وإن كان
فاسقًا (رَوَاهُ أَبُو دَاوُد) وسنده حسن.
٦٢٢ - [وَعَنْ قَبِيصَةَ بْنِ وَقَّاصٍ ﴿ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌ََّ: يَكُونُ عَلَيْكُمْ
أُمَرَاءُ مِنْ بَعْدِي يُؤَخِّرُونَ الصَّلَاة فَهِيَ لَكُمْ وَهِيَ عَلَيْهِمْ، فَصَلُّوا مَعَهُمْ مَا صَلَّوْا
الْقِبْلَةَ(٢). رَوَاهُ أَبُو دَاوُد].
(وَعَنْ قَبِيصَةَ بْنِ وَقَّاصٍ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَُّ: (يَكُونُ عَلَيْكُمْ أُمَرَاءُ مِنْ
بَعْدِي يُؤَخِّرُونَ) أي: عن أول وقتها (فَهِي) أي: ثوابها في أول وقتها (لَكُم) إن صليتموها
أوله ثم معهم وكذا إن أخرتموها إلى الصّلاة معهم؛ لأنكم لم تؤخروها عن أوله إلا
لضرورة خشية مجاهرتهم بالمخالفة المترتب عليها غالبًا من الفتن والمفاسد ما لا يتدارك
(وَهِيَ عَلَيْهِمْ) لتفويتهم عظيم ثواب تعجيلها على أنفسهم وعدم قيامهم بمصالح المسلمين
العامة، وذلك يورث قدحًا في الإمام أي قدح (فَصَلُّوا مَعَهُمْ مَا صَلَّوَا الْقِبْلَةَ) أي: إليها وهو
كناية عن إسلامهم؛ أي: ماداموا مسلمين (رَوَاهُ أَبُو دَاوُد) وسنده حسن.
٦٢٣ - [وَعَنْ عُبَيْدِ الله بْنِ عَدِيِّ بْنِ خِيَارٍ أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى عُثْمَانَ ﴾ وَهْوَ
تَحْصُورٌ، فَقَالَ: إِنَّكَ إِمَامُ عَامَّةٍ، وَنَزَلَ بِكَ مَا تَرَى، وَيُصَلِّ لَنَا إِمَامُ فِتْنَةٍ وَنَتَحَرَّجُ، فَقَالَ:
(١) أخرجه أبو داود (٤٣٤).
(٢) أنظر السابق.
٨٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثالث
الصَّلَاةُ أَحْسَنُ مَا يَفْعَلُ النَّاسُ، فَإِذَا أَحْسَنَ النَّاسُ فَأَحْسِنْ مَعَهُمْ، وَإِذَا أَسَاؤُوا فَاجْتَنِبْ
إِسَاءَتَهُمْ(١) . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ].
(وَعَنْ عُبَيْدِ الله بْنِ عَدِيٌّ بْنِ خِيَارٍ أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى عُثْمَانَ ع﴾ه وَهْوَ مَحْصُورُ) أي:
محبوس في داره من قبل أخلاط فسقة اجتمعوا عليه من مصر وغيرها لإرادة خلعه أو
قتله، لما زعموا من أمره بقتل محمد بن أبي بكر - رضي الله عنهما - وغير ذلك مما هو
برئ منه ﴾ (فَقَالَ: إِنَّكَ إِمَامُ عَامَّةٍ) أي: إمام المسلمين لإجماع أهل الشورى وغيرهم
على إمامته (وَنَزَلَ بِكَ) من الحبس وإرادة السوء من أولئك الفسقة (مَا تَرَى، وَيُصَلِّ
لَنَا إِمَامُ فِتْنَةٍ) أي: ويصلي بنا غيرك لأجل هذه الفتنة (وَنَتَحَرَّجُ) أي: يتأثم من الصّلاة
خلفه؛ لأنك الإمام الحق وإمامة الصّلاة إنما هي لك أو لنائبك.
(فَقَالَ) عثمان عه: (الصَّلَاةُ أَحْسَنُ مَا يَفْعَلُ النَّاسُ) أي: أفضل الأعمال التي
يعملها الناس فلا يتركوها سيما مع الجماعة لأجل هذا التحرج فإنكم معذورون في
الصّلاة خلف ذلك الإمام لقيام هذه الفتنة المانعة من إمامة أمير المؤمنين ونوابه (فَإِذَا
أَحْسَنَ النَّاسُ) بإقامة الصّلاة وفعل العبادة، ولم يقل: ((أحسنوا)) حذرًا من إيهام
اختصاصه ببعضهم (فَأَحْسِنْ مَعَهُمْ) ولو في زمن الفتنة ولا يترك العبادة خوف ذلك
التحرج (وَإِذَا أَسَاؤُوا) كأن خرجوا على إمامهم من غير مسوغ للخروج عليه كما
فعل أولئك المشقة (فَاجْتَنِبْ إِسَاءَتَهُمْ) ولا يختلط بهم فإن من كثر سواد قوم فهو
منهم (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ).
وفيه من اتصاف عثمان وتسليمه وانقياده للحق ما يليق بعظيم جلالته وباهر
كماله وسيادته، فإنه أثبت لهم الإحسان وأمر بمتابعتهم فيه مع نعيهم وخروجهم عليه
وإرادتهم لقتله.
(١) أخرجه البخاري (٦٩٥).
(باب)
في توابع ومتممات
لما سبق من فضائل الصلوات وأوقاتها
(الفصل الأول)
٦٢٤ - [عَنْ عُمَارَةَ بْنِ رُؤَيْبَةَ ﴾ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ﴿ يَقُولُ: لَنْ يَلِجَ
الثّارَ أَحَدُّ صَلَى قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا. يَعْنِي: الْفَجْرَ وَالْعَصْرَ(١). رَوَاهُ
مُسْلِمُ].
(عَنْ عُمَارَةَ بْنِ رُؤَّيْيَةَ ﴾، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﴿ يَقُولُ: لَنْ) قيل: هي
لتأكيد النفي في المستقبل وتقريره. انتهى.
وكان مراد قائله أنها هنا لذلك بقرينة السياق لا أنها موضوعة لذلك، وإلا فهو
قول مردود خلافًا للزمخشري ومن تبعه (يَلِجَ النَّارَ) أي: يدخلها أصلاً بالاعتبار الآتي
وورودها المذكور في الآية لا يطلق عليه الدخول المراد هنا، وهو ما يكون للتعذيب أو
المراد لا يدخلها على وجه التأبيد فيها، وإنما أولته بذلك لما في الحديث الصحيح: ((إن
من المسلمين من يأتي يوم القيامة وله صلوات وصيام وغيرهما وعليه ظلامات للناس،
فيأخذون أعماله ما عدا الصوم لاختصاص عمله به تعالى في ظلاماتهم، فإذا لم يبق له
عمل وضع عليه من سيئاتهم ثم يلقى في النار))(٢).
(١) أخرجه مسلم (١٤٦٨)، وأحمد (١٧٦٨٣)، والنسائي (٤٧٥)، وابن حبان (١٧٤٠)، والحميدي
(٩٠٠).
(٢) لعله إشارة إلى حديث: ((إن الرجل يجيء يوم القيامة قد عمل عملاً يرجو أن ينجو به، فما يزال
الرجل يأتيه فيشتكي مظلمة فيؤخذ من حسناته فيعطاها حتى ما تبقى له حسنة، ويجيء
المشتكي يشتكي مظلمة فيؤخذ من سيئاته فتوضع على سيئاته ثم يكب في النار أو يلقى في
النار)) أخرجه ابن أبي شيبة في ((مصنفه)) (٣٤٦٦٩).
٨٥
٨٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثالث
(أَحَدٌ صَلَّى قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا. يَعْنِي: الْفَجْرَ وَالْعَصْرَ. رَوَاهُ
مُسْلِمْ) وخص بالذكر لإفادة أن من أتى بهما وحدهما دون بقية الخمس يحصل له ذلك؟
لأنه خلاف النصوص بل لأمر آخر فلا مفهوم للاقتصار عليهما بل لا بد في عدم
دخول النار من الإتيان بالبقية مع عدم تحمل حقوق الآدميين، وذلك الأمر هو أن
وقت الصبح يكون عند الدم ولذاته، ووقت العصر يكون عند الاشتغال بتتمات
أعمال النهار وتجارته وتهيئة العشاء، ففي صلاة تَينَك مع ذلك دليل على خلوص
النفس من الكسل وتَحبتها للعبادة، ويلزم من ذلك إتيانها ببقية الصلوات الأخر، وأنها
إذا حافظت عليهما كانت أشد محافظة على غيرهما، ومن ثم مدح الله تعالى من هجر
النوم ولذته والبيع وربحه في جنب عبادة ربه وطاعته فقال عز قائلاً: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ
عَنِ المَضَاجِعِ ... ﴾ [السجدة: ١٦].
﴿رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةُ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ الله.﴾ [النور:٣٧] الآيتين، ومن
كان كذلك جرى ألا يرتكب كبيرة ولا صغيرة متعلقة بالآدمي، وإن فعل تاب
وصغائره المتعلقة بالله تعالى تقع مكفرة، فحينئذٍ هو لا يلج النار أبدًا.
٦٢٥ - [وَعَنْ أَبِي مُوسَى ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَّهِ: مَنْ صَلَّى الْبَرْدَيْنِ دَخَلَ
الْجَنَّةَ(١). مُتَفَقُّ عَلَيْهِ].
(وَعَنْ أَبِي مُوسَى عَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: مَنْ صَلَّى الْبَرْدَيْنِ) أي: الظهر
والعصر سُميا بذلك لكونهما في برد النهار.
وقال جماعة: الصبح والعشاء لبرد الهواء وطيبه فيهما (دَخَلَ الْجَنَّةَ. مُتَّفَقُ عَلَيْهِ)
وعلى الأول فوجه تخصيصهما بالذكر ما سبق، وعلى الثاني فوجه الصبح ما مرَّ أيضًا.
ووجه العشاء أن في وقتها يكثر النعاس فيثقل البدن بواسطته مع الامتلاء
بالعشاء فتتعطل الحركة فتشق الصّلاة، وأسبابها حينئذٍ مشقة ظاهرة فمن صلاها مع
(١) أخرجه البخاري (٥٧٤)، ومسلم (١٤٧٠)، وأحمد (١٧١٨٥)، وابن حبان (١٧٣٩)، والدارمي
(١٤٧٦)، والبيهقي في ((سننه» (٢٢٧٤).
٨٧
كتاب الصّلاة/ باب في توابع ومتممات لما سبق من فضائل الصلوات وأوقاتها
ذلك استحق دخول الجنة من غير سابقة عذاب؛ لأن مثابرته تقتضي أو تستلزم ما مرَّ
آنفًا، ولكون تلك المشاق في صلاة العشاء قال وَّة: ((إِنَّهَا أَثْقَل الصَّلَوَاتِ عَلَى
الْمُنَافِقِينَ))(١).
وقال أئمتنا: إن الجماعة فيها أفضل منها في العصر، وإن كانت العصر أفضل
منها؛ لأنها الوسطى كما يأتي ولا يلزم من أفضلية الصّلاة أفضلية الجماعة فيها؛ لأنا
لم نأخذ أفضلية الجماعة من حيث وقوعها صفة للفرض، بل من حيث إنها عمل
خارج عن ذات الفرض وللغالب في الأعمال أن الأفضل منها ما تكون المشقة فيه
أکثر.
٦٢٦ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ مَلَائِكَةٌ
بِاللَّيْلِ وَمَلَائِكَةُ بِالنَّهَارِ، فَيَجْتَمِعُونَ فِي صَلَاةِ الْعَصْرِ وَصَلَاةِ الْفَجْرِ، ثُمَّ يَعْرُجُ الَّذِينَ
بَاتُوا فِيَكُمْ فَيَسْأَلُهُمْ رَبُّهِمْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِهِمْ: كَيْفَ تَرَكْتُمْ عِبَادِي؟ فَيَقُولُونَ: تَرَكْنَاهُمْ
وَهُمْ يُصَلُّونَ وَأَتَيْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ(٢). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ].
(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ﴿ ﴿ِ: يَتَعَاقَبُونَ) قيل: هو كقوله تعالى:
﴿وَأَسَرُوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [الأنبياء:٣] وعلى اللغة الضعيفة المشهورة عندهم
بلغة: ((أكلوني البراغيث)) والوجه ما عليه أكثر النحاة من تخريجه على أن ملائكة
بدل من الواو التي هي الفاعل، وهذا لا شذوذ فيه (فِيكُمْ مَلَائِكَةُ بِاللَّيْلِ وَمَلَائِكَةُ
بِالنَّهَارِ) أي: يتعاقبون في نزولهم فينزلون ملائكة النهار قبل الفجر وتصعد بعد
العصر، وتنزل ملائكة الليل قبل العصر وتصعد بعد الفجر، ومن ثم قال:
(١) أخرجه أبو داود (٥٥٤)، والنسائي (٨٤٣)، والطيالسي (٥٥٤)، وأحمد (٢١٣٠٢)، والدارمي
(١٢٦٩)، وعبد بن حميد (١٧٣)، وابن خزيمة (١٤٧٦)، وابن حبان (٢٠٥٦)، والحاكم (٩٠٤)،
والبيهقي (٤٧٤٤)، والضياء (١١٩٧).
(٢) أخرجه مالك (٤١٦)، والبخاري (٥٥٥)، ومسلم (١٤٦٤)، والنسائي (٤٨٩)، وأحمد (٨٣٤١)،
والبيهقي في ((سننه)) (٢٢٧١)، وأبو عوانة (٨٧١)، وأبو يعلى (١٤/٦).
٨٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثالث
(فَيَجْتَمِعُونَ فِي صَلَاةِ الْعَصْرِ وَصَلَاةِ الْفَجْرِ) وفي هذا أظهر دليل على أفضليتهما على
غيرهما لاجتماع النوعين من الملائكة فيهما دون غيرهما.
ومن ثم كان أقوى الأقوال في الصّلاة الوسطى القول بأنها الصبح، والقول بأنها
العصر، وأقوى هذين ثانيهما كما يأتي (ثُمَّ يَعْرُجُ الَّذِينَ بَاتُوا فِيكُمْ فَيَسْأَلُهُمْ) ظاهره
أن المسؤول هم ملائكة الليل فقط، وعليه فوجه تخصيصهم أن الليل أفضل من
النهار فتكون ملائكته أفضل من ملائكة النهار (رَبُّهمْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِهِمْ) أي: بما
يجيبونه به وكان حكمة السؤال مع ذلك إظهار شرف عباده لملائكته سيما مع قولهم:
﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَتَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي
أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٣٠].
(كَيْفَ تَرَكْتُمْ عِبَادِي؟) أي: على أي حالة تركتموهم عليها؟ (فَيَقُولُونَ: تَرَكْنَاهُمْ
وَهُمْ یُصَلُّونَ) قیاس قوله: ((ويجتمعون ... إلى آخره) وقد صلوا وعلیه فكان وجه إيثار
المضارع أن الملائكة، علموا من قرائن أحوالهم أنهم مديمون الصّلاة وفاعلوها وقتًا
بعد وقت ما عاشوا فأخبروا بما يطابق ذلك (وَأَتَيْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ) أي: عازمون على
إقامة الصّلاة (مُتَّفَقُ عَلَيْهِ).
قال الأكثرون: وهؤلاء الملائكة هم حفظة الكتاب.
وقيل: يحتمل أن يكونوا غيرهم، واستدل الشارح للأول بأن تنكير ملائكة
مع تكريره فيه دليل على تغايرهما، وقوله: ((ثم يعرج ... إلى آخره)) فيه إيذان بأن
ملائكة الليل لا يزالون حافظين العباد إلى الصبح، وكذلك ملائكة النهار إلى الليل.
انتهى.
وفيه نظر؛ إذ تغايرهم وحفظهم المحتمل لكونه حفظًا مخصوصًا لا يستلزم أنهم
هم الحفظة.
٦٢٧ [وَعَنْ جُنْدَب الْقَسْرِيّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌َِّ: مَنْ صَلَّ صَلَاةَ الصُّبْحِ
فَهْوَ فِي ذِمَّةِ اللهِ، فَلَا يَطْلُبَنَّكُمُ اللهُ مِنْ ذِمَّتِهِ بِشَيْءٍ، فَإِنَّهُ مَنْ يَظْلُبْهُ مِنْ ذِمَّتِهِ بِشَيْءٍ
٨٩
كتاب الصّلاة/ باب في توابع ومتممات لما سبق من فضائل الصلوات وأوقاتها
يُدْرِكْهُ ثُمَّ يَكُبَّهُ عَلَى وَجْهِهِ فِي نَارٍ جَهَنَّمَ (١). رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَفِي نُسخِ «المصَابِيحِ): القُشَيرِيّ
بَدَل: القَسْرِيّ].
(وَعَنْ جُنْدَبِ الْقَسْرِيّ) بضم القاف وسكون المهملة (قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌ِّهِ:
مَنْ صَلَى صَلَاةَ الصُّبْحِ فَهْوَ فِي ذِمَّةِ الله) أي: أمانه، وكأنها إنما خصت بذلك لكونها
أول النهار الذي هو وقت ابتداء انتشار الناس في حوائجهم المحتاجين فيه، وفي دوامه
إلى أمن بعضهم من بعض لا لأفضليتها؛ لأن الأصح أن العصر أفضل منها، وهي
الوسطی کما يأتي.
ثم رأيت الشارح قال: خصت لما فيها من المشقة وأداؤها مظنة خلوص الرجل
ومتنه إيمانه، ومن كان مؤمنًا خالصًا فهو في ذمة الله وعهده. انتهى.
وما ذكرته أولى؛ إذ ما قال: يجري بعيشه في العصر فلم لم يخص هي لوجود ذلك
فيها مع كونها أفضل وبأزيد منه في العشاء؛ لأن المشقة فيها أكثر فلم تخص هي بذلك
مع كون مشقتها أكثر، فلم يبقَ ما يتميز به الصبح على غيرها من الخمس إلا ما ذكرته
فتأمل.
(فَلَا يَطْلُبَنَّكُمُ اللهُ مِنْ ذِمَّتِهِ) أي: من أجل خيانتكم لذمته وأمانته (بِشَيْءٍ)
من المخالفات وإن قل، ويصح أن يكون ((مَن)) تبعيضية أو بيانية، والتقدير: ((لا
يطلبنكم الله بشيء من ذمته)) أي: بشيء هو خيانة أمانة، ثم هذا النهي ليس المراد
به حقيقته لاستحالتها، بل هو باب وضع السبب موضع المسبب؛ أي: لا تتعرضوا لما
يوجب مطالبة الله إياكم به من نقض عهده وخيانة أمانته.
وحاصله: لا تحقروا ذمته فعدل عنه لذلك لما فيه من المبالغة والتأكيد بتكرير
الجلالة والذمة الدال على غاية التخويف والتحذير، ووضع المسبب موضع السبب الدال
على غاية الاعتناء (فَإِنَّه) تعليل للنهي (مَنْ يَطْلُبْهُ مِنْ ذِمَّتِهِ) أي: الله؛ أي: من أجل
(١) أخرجه مسلم (١٥٢٦)، والبيهقي في ((سننه)) (٢٢٦٩)، والطبراني (١٦٦٢).
٩٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثالث
خيانته لأمانته نظير ما مر قبل، ويحتمل أن المراد بالذمة هنا: الصّلاة، والمعنى حينئذٍ:
((لا تتركوا الصبح فينقض العهد الذي بينكم وبين ربكم أنه يرحمكم وينعم
عليكم فيطلبكم به ويعذبكم عليه التعذيب الشديد)».
(پِقَيْءٍ يُدْرِگهُ) إذ لا مهرب ولا مفر منه تعالى (ثُمَّ) بعد إدراکه المکنی به عن
إرادة إيقاع العذاب به (يَكُبَّهُ عَلَى وَجْهِهِ فِي نَارٍ جَهَنَّمَ- رَوَاهُ مُسْلِمْ).
وفيه غاية التحذير عن التعرض بسوء لمن صلى الصبح المستلزمة كما مرَّ لصلاة
بقية الخمس، وأن في التعريض له بسوء غاية الإهانة والعذاب (وَفِي نُسخِ ((المصَابِيح)):
القُشَيرِيّ) بضم القاف وفتح المعجمة (بَدَل: القَسْرِيّ) وهو غلط والصواب أنه
القشري.
٦٢٨ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةٍ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّةِ: لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ
وَالصَّفِّ الأَوَّلِ ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إِلَّا أَنْ يَسْتَهِمُوا عَلَيْهِ لَاسْتَهَمُوا، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي التَّهْجِيرِ
لَاسْتَبَقُوا إِلَيْهِ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي الْعَتَمَةِ وَالصُّبْحِ لَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا(١). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ].
(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَة ◌َ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌ِ﴾: لَوْ يَعْلَمُ) وضع موضع علم الأكثر
وقوعًا في خبر لو؛ ليفيد استمرار تجدد العلم وأنه ينبغي أن يستحضر ذلك ولا يغفل
عنه (النَّاسُ مَا فِي) أطلق ولم يبين حقيقة ذلك الفصل الذي في ذلك إعلامًا بأنه لا
يدخل تحت الحصر والوصف ونظيره ﴿فَغَشِيَهُم مِّنَ اليَمِّ مَا غَشِيَهُمْ﴾ [طه: ٧٨].
(التّدَاءِ) أي: الأذان وقدم؛ لأنه وسيلة ومقدمة لما بعده (وَ) ما في (الصَّفِّ
الأَوَّلِ) من الثواب والأول عندنا هو الذي يلي الإمام وإن تخلله أو حجز بينهما نحو
سارية أو منبر (ثُمَّ) أتى بها إيذانًا لتراخي رتبة الاستئناف عن العلم بأن هذه ناشئة
عن تلك (لَمْ يَجِدُوا) التمكن من الأذان أو الصف الأول (إِلَّا) بسبب (أَنْ يَسْتَهِمُوا)
أي: يقترعوا سُمي الاقتراع استهامًا؛ لأن الغالب فيه وقوعه بسهام يكتب عليها
(١) أخرجه مالك (١٤٩)، والبخاري (٢٥٤٣)، ومسلم (٤٣٧)، والنسائي (٥٤٠)، وعبد الرزاق
(٢٠٠٧)، وأحمد (٧٢٢٥)، وابن حبان (٢١٥٣).
٩١
كتاب الصّلاة/ باب في توابع ومتممات لما سبق من فضائل الصلوات وأوقاتها
الأسماء، فمن خرج سهمه فاز بالحظ المقسوم (إلَيْهِ) أي: على السبق إليه (لَاسْتَهَمُوا)
أي: لتعين عليهم الاستهام مثابرة على تحصيل ذلك الثواب العظيم الذي أعده الله
للمؤمنين وأهل الصف الأول.
وعبَّر بالاستهام إشارة إلى غاية تعظيم ذلك؛ إذ لا يقع إلا في أمر من شأنه أن
يتنافس فيه وزاد ذلك مبالغة وتأكيد إخراجه مخرج الاستثناء والحصر، وفي هذا أعظم
باعث على فعل الأذان وحضور الجماعة سيما الصف الأول (وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي
التَّهْجِيرِ) بصلاة الظهر؛ أي: إيقاعها وقت الهاجرة وهو شدة الحر عقب الزوال
(لَاسْتَبَقُوا إِلَيْهِ) لما فيه من الثواب الأعظم أيضًا، ومرَّ أن هذا بالمعنى الذي قررته
منسوخ يسن الإبراد بها حينئذٍ، وبه يرد جواب البيضاوي بأن بعض أصحابنا قال:
الإبراد رخصة والتهجير سنة.
والأكثرون قالوا: سنة وعليه فالإبراد تأخير الظهر أدنى تأخير بحيث يقع الظل
ولا يخرج بذلك عن حد التهجير، فإن الهاجرة تطلق على الوقت إلى أن يقرب العصر.
انتهى.
وما نقله أولاً ضعيف، وما أجاب على المعتمد ممنوع، وليس الإبراد ما ذكره بل
هو التأخير إلى أن يقع للحيطان ظل يمشي فيه طالب للجماعة، وهذا لا يحصل غالبًا
إلا بعد مضي نحو ربع الوقت وحينئذٍ خروج وقت الهجير المقصود بإيقاع الظهر فيه
إيقاعها في وقت الفضيلة وإطلاقه إلى قرب العصر غير مراد هنا؛ لأنه بهذا المعنى لا
يستبق إليه، ثم حملنا التهجير على ما ذكر هو ما عليه جمع.
وقال الأكثرون: المراد به هنا: المبادرة بكل الصلوات في أول أوقاتها؛ إذ
التهجير التبكير إلى كل شيء والمبادرة إليه، ومنه حديث الجمعة المهجر إليها كالمهدي
بَدَنَة (وَلَوْ تَعْلَمُونَ مَا فِي الْعَتَمَةِ) أي: العشاء، ومر الجواب عن تسميتها عتمة
(وَالصُّبْحِ) من الثواب الأعظم (لأَتَوْهُمَا وَلَوْ) كانت الإتيان إليهما (حَبْوًا) على الأيدي
والركب أو على الأستاه وخُصًّا بالذكر لما فيهما من المشقة أكثر من غيرهما كما مرَّ
٩٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثالث
(مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ).
٦٢٩ - [وَعَنْهُ قَالَ رَسُولُ الله ◌َِّ: لَيْسَ صَلَاةُ أَثْقَلَ عَلَى الْمُنَافِقِينَ من الْفَجْرِ
والْعِشَاءِ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِيهِمَا لِأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا(١). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ].
(وَعَنْهُ قَالَ رَسُولُ الله ◌ِ: لَيْسَ) إما حرف بمعنى: لا كما أشار إليه سيبويه،
وإما فعل ناسخ وحينئذٍ فمسوغ كون اسمها الذي هو مبتدأ في الأصل يكره وقوعه
بعد نفي، وفيه دليل على صحة استعمال ليس للنفي العام المستغرق للجنس، ويؤيده
الاستثناء منه في قوله تعالى: ﴿لَيْسَ لَهُمْ طَعَامُ إِلَّا مِن ضَرِيعِ﴾ [الغاشية: ٦].
(صَلَاةُ أَنْقَلَ عَلَى الْمُنَافِقِينَ) خصوا بالذكر، لأنهم طبعوا على الكسل عن الطاعة
فلا يفعلونها إلا رياء قال تعالى: ﴿ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاة قَامُوا كُسَالَى ... ﴾ [النساء: ١٤٢]
وفي ذكرهم هنا غاية التحذير عن التشبه بهم في استثقال الصلاتين الآتيتين (من
الْفَجْرِ والْعِشَاءِ) لما تقرر أن المشقة فيهما أكثر منها في غيرهما فلا يفعلهما مع ذلك إلا
كل تقي خالص (وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِيهِمَا) من الثواب الأعظم (لأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا. مُتَّفَقُّ
عَلَيْهِ).
٦٣٠ [وَعَنْ عُثْمَان ◌َ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَيَّ: مَنْ صَلَّى الْعِشَاءَ فِي جَمَاعَةٍ
فَكَأَنَّمَا قَامَ نِصْفَ اللَّيْلِ وَمَنْ صَلَّى الصُّبْحَ فِي جَمَاعَةٍ فَكَأَنَّمَا صَلَّى اللَّيْلَ كُلَّهُ(٢). رَوَاهُ
مُسْلِمُ].
(وَعَنْ عُثْمَان ◌َ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وََّ: مَنْ صَلَّى الْعِشَاءَ فِي جَمَاعَةٍ فَكَأَنَّمَا
قَامَ) عبر به هنا ويصلي فيما يأتي تفننا وإشارة إلى أن صلاة الليل تسمى: قيامًا (نِصْفَ
اللَّيْلِ) لما فيها سيما مع الجماعة المستدعية للسعي إلى المساجد، حتى في الظلم من
عظيم المشقة الناشئ تحملها عن عظيم الإخلاص والخوف من الله تعالى (وَمَنْ صَلَّى
-
(١) أخرجه البخاري (٦٢٦)، ومسلم (٦٥١)، وأبو داود (٥٤٨)، وأحمد (٩٤٨٢)، وابن أبي شيبة
(٣٣٥١)، وابن ماجه (٧٩١)، وابن خزيمة (١٤٨٤).
(٢) أخرجه مسلم (٦٥٦)، وأحمد (٤٩١)، وابن حبان (٢٠٥٩).
٩٣
كتاب الصّلاة/ باب في توابع ومتممات لما سبق من فضائل الصلوات وأوقاتها
الصُّبْحَ فِي جَمَاعَةٍ فَكَأَنَّمَا صَلَّى اللَّيْلَ كُلَّهُ رَوَاهُ مُسْلِمٌ).
وكان سبب تميز الصبح أن المشقة فيها أكثر باعتبار أن ترك النوم بعد الدخول
فيه أشق من إرادة الدخول فيه؛ إذ الكسل يستولي في الأول أكثر، وأيضًا فالصبح أفضل
من العشاء، فكأن الثواب المترتب على المحافظة على الصحيح أكثر من المترتب على
العشاء، ويؤخذ من كأنما أنه لا يحصل له بذلك حقيقة ثواب قيام ليلة ولا نصفها،
وإنما يحصل له ثواب عظيم بحيث يقرب من ذلك، وما ذكرته في الصبح هو ما دل عليه
صريح الحديث.
وقيل المراد: ((فكأنما قام تتمة الليل)) وهو النصف الذي أبقته صلاة العشاء.
٦٣١ - [وَعَنِ ابْنِ عُمَر - رَضِي اللّهُ عَنْهُمَا - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَ: لَا
تَغْلِبَنَّكُمُ الأَعْرَابُ عَلَى اسْمِ صَلَاتِكُمُ الْمَغْرِبِ. قَالَ: وَتَقُولُ الأَعْرَابُ: هِيَ الْعِشَاءُ].
(وَعَنِ ابْنِ عُمَر - رَضِي اللّهُ عَنْهُمَا - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وََّ: لَا تَغْلِبَنَّكُمْ)
من غلبه على كذا إذا غصبه أو أخذه منه (الأَعْرَابُ عَلَى اسْمٍ صَلَاتِكُمُ الْمَغْرِبِ. قَالَ:
وَتَقُولُ الأَعْرَابُ: هِيَ الْعِشَاءُ).
٦٣٢ - [وَقَالَ: لَا تَغْلِبَنَّكُمُ الأَعْرَابُ عَلَى اسْمِ صَلَاتِكُمُ الْعِشَاءِ، فَإِنَّهَا فِي
كِتَابِ اللهِ الْعِشَاءُ، فَإِنَّهَا تُعْتِمُ بِلَابِ الإِبِلِ(١). رَوَاهُ مُسْلِمُ].
(وَقَالَ: لَا تَغْلِبَنَّكُمُ الأَعْرَابُ عَلَى اسْمٍ صَلَاتِكُمُ الْعِشَاءِ) أي: لا تتعرضوا لما
اعتادوه من تسميتهم المغرب عشاء، والعشاء عتمة فالنهي ظاهرًا للأعراب وحقيقة
للصحابة، ومن ثم كره أئمتنا تسمية المغرب عشاء والعشاء عتمة.
ثم علل ◌َّ النهي عن الثاني بقوله: (فَإِنَّهَا فِي كِتَابِ اللهِ الْعِشَاءُ) أي: اسمها
ذلك ولا يليق العدول عما في كتاب الله من تسميتها عشاء إلى ما ألفه الأعراب من
(١) أخرجه مسلم (١٤٨٨)، وأحمد (٤٥٧٢)، وأبو داود (٤٩٨٤)، والنسائي (٥٤١)، وابن ماجه (٧٠٤)،
والشافعي (٢٨/١)، وعبد الرزاق (٢١٥٢)، وابن أبي شيبة (٨٠٧٦)، والحميدي (٦٣٨)، وأبو يعلى
(٥٦٢٣)، وابن خزيمة (٣٤٩).
٩٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثالث
تسميتها عتمة، وكأن حكمة العدول عنه قبح لفظه؛ إذ العتمة شدة الظلام والصّلاة
هي النور الأعظم، فلم يلق أن يوضع لها لفظ يدل على نقيضها.
ولما فرغ من النهي وتعليله بما ذكر عمم بتعليل تسمية الأعراب العشاء فقال:
(فَإِنَّهَا تُعْتِمُ بِحِلَابِ الإِبِلِ) أي: تؤخره إلى شدة الظلام وهو وقت غيبوبة الشفق
الأحمر، ويسمى ذلك الوقت: العتمة فأطلقه الأعراب على العشاء وتبعهم المسلمون
عليه في أوائل الإسلام حتى نهاهم وَّر عن أن يتبعوهم في ذلك ويتركوا ما جاء به من
عند ربه.
ومرَّ الجواب عن نطقه وَّ ونطق بعض الصحابة بالعتمة في بعض الأحوال، وما
قيل: إن أبا هريرة إنما نطق به قبل نزول ذكر العشاء في سورة النور مردود بأن إسلامه
متأخر عن نزولها، فالوجه أن النطق به لبيان الجواز وللتعريف؛ لأنه كان أشهر عند
العرب من العشاء أو قبل النهي؛ لأنهم إنما نهوا لما كثر على ألسنتهم؛ لئلا تغلب السنة
الجاهلية على سنة أهل الإسلام، فالأخذ من ذلك عدم الكراهة ليس بصحيح، وقد
كان ابن عمر إذا سمع أحدًا سمى العشاء عتمة صاح وغضب وقال: إنما هي العشاء
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ).
٦٣٣ - [وَعَنْ عَلِىّ - كَرَمَ اللهُ وَجْهَهُ - أَنَّ رَسُولَ اللهِ وََّ قَالَ يَوْمَ الْخَنْدَق:
شَغَلُونَا عَنِ الصَّلَاةِ الْوُسْطَى صَلَاةِ الْعَصْرِ مَلَ اللهُ بُيُوتَهُمْ وَقُبُورَهُمْ نَارًا(١). مُتَّفَقُّ
عَلَيْهِ].
(وَعَنْ عَلِيٍّ - كَرَمَ اللّهُ وَجْهَهُ - أَنَّ رَسُولَ الله ◌ِهِ قَالَ يَوْمَ الخَنْدَق) وهو غزوة
الأحزاب، وكانت في القعدة.
(١) أخرجه البخاري (٢٧٧٣)، ومسلم (٦٢٧)، وأبو داود (٤٠٩)، والترمذي (٢٩٨٤) وقال: حسن
صحیح، والنسائي في الكبرى (٣٥٨)، وابن ماجه (٦٨٤)، وابن أبي شيبة (٨٥٩٦)، والبزار
(٥٤٩)، وأبو يعلى (٣٨٨)، وابن حبان (١٧٤٥)، والبيهقي (١٩٩٨)، وابن ماجه (٦٨٦)،
والطيالسي (٣٦٦).
٩٥
كتاب الصّلاة/ باب في توابع ومتممات لما سبق من فضائل الصلوات وأوقاتها
قيل: سنة أربع، ورجحه البخاري قال الولي: العراق وهو المشهور.
وقيل: سنة خمس وعليه كثيرون، وسميت بالخندق لأجل الخندق الذي حفر
حول المدينة بأمره { 4* لما أشار به سلمان الفارسي ظه فإنه من مكائد الفرس دون
العرب، وعمل فيه وَله بنفسه كثيرًا ترغيبًا للمسلمين بأنهم قاسوا في حفره شدائد
منها: شدة الجوع والبرد وكثرة الحفر والتعب، ولقد كانوا مع ذلك يمكثون ثلاثة أيام لا
یذوقون ذواقًا.
وفي حديث حسن أنه عرضت لهم صخرة لا تعمل فيها المعاول فشكوا إليه ؟
فسمى وضربها فكسر ثلثها، فقال: ((اللهُ أَكْبَرُ أُعْطِيتُ مَفَاتِيحَ الشَّامِ وَاللهِ إِنِّي لأُبْصِرُ
قُصُورَهَا الْحُمْرِ السَّاعة)) ثم ضرب ثانيًا فكسر ثلثها، فقال: «اللّهُ أَكْبَرُ أَعْطِيتُ مَفَاتِحَ
فَارِسَ وَاللهِ إِنِّي لأُبْصِر قَصْرَ المدَائِنِ الأَبْيَض الآن)) ثم ضرب الثالثة فقطع البقية، ثم
قال: ((اللّهُ أَكْبَرُ أُعْطِيتُ مَفَاتِيحَ الْيَمَنِ وَاللّهِ إِنِّي لِأَبْصِرِ أَبْوَابَ صَنْعَاءَ مِنْ مَكَانِي
السّاعة))(١).
وأقاموا في محل حفره عشرين ليلة أو خمسة عشر يومًا أو شهرًا أقوال،
وبالأحزاب لاجتماع طوائف من المشركين قريش وغطفان واليهود ومن معهم على
حرب المسلمين، وكانوا ثلاثة آلاف، وأقام ◌َّ بالخندق خمسة عشر يومًا، وقد أنزل الله
في هذه الغزوة صدرًا من سورة الأحزاب (شَغَلُونَا عَنِ الصَّلَاةِ الْوُسْطَى) هي عند
الكوفيين من إضافة الموصوف لصفته، والبصريون يقدرون محذوفًا؛ أي: عن صلاة
الصّلاة الوسطى؛ أي: عن فعلها.
(صَلَاةِ الْعَصْرِ) حتى غابت الشمس كما في البخاري، ولا يعارضه ما في مسلم
عن ابن مسعود أنه إلى احمرار الشمس أو إلى اصفرارها؛ لأن الحبس وإن انتهى إلى
هذا الوقت لكن الصّلاة لم تقع إلا بعد المغرب؛ إذ لم يبقَ من الوقت ما يسعها مع
(١) أخرجه أحمد (١٨٧١٦)، والنسائي في الكبرى (٨٨٥٨)، وابن أبي شيبة (٣٦٨٢٠)، والروباني
(٤١٠)، وأبو يعلى (١٦٨٥).
٩٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثالث
طهرها ونحوه.
ويؤيده ما في البخاري عن عمر # أنه جاء بعدما كادت الشمس تغرب فقال
◌َّ: ((مَا صَلَّيْتُهَا))(١) فنزل بطحان فتوضأُ وتوضؤوا فصلى العصر بعدما غربت الشمس،
وقضية هذه الرواية أنه * لم يفته غير العصر لكن في الظهر والعصر.
وفي الترمذي: أربع صلوات ولا تعارض؛ لأن الوقعة استمرت أيامًا فكان كل في
يوم، ويؤخذ من إسناد الحبس إليهم أن التأخير كان بسبب الاشتغال بقتالهم.
قال العلماء: ثم يحتمل أنه نسي بسبب ذلك الاشتغال، ويحتمل أنه كان متعمدًا
وأثر الاشتغال بهم عليها؛ لأنه كان قبل نزول صلاة الخوف، وأما بعد نزولها فلا يجوز
تأخيرها لذلك بل يجب أداؤها على أي حال كان.
وقوله: ((صلاة العصر)) صريح في أن الصّلاة الوسطى المذكورة في الآية التي هي
أفضل الصلوات بالاتفاق هي العصر وعليه أكثر العلماء، وفي ((مجموع النووي)) التي
تقتضيه الأحاديث الصحيحة أنها العصر وهو المختار.
قال الماوردي: نصَّ الشافعي أنها الصبح وصحت الأحاديث أنها العصر فكان هذا
هو مذهبه لقوله: إذا صحَّ الحديث فهو مذهبي واضربوا بمذهبي عرض الحائط.
وفي رواية: كل مسألة تكلمت فيها صحَّ الخبر فيها عن النبي وَلّ عند أهل
النقل بخلاف ما قلت وأنا راجع عنها في حياتي وبعد موتي، قال: أعني: الماوردي ولا
يكون له في المسألة قولان كما وهم فيه بعض أصحابنا؛ أي: لأنه رجع عن القول
بأنها الصبح إلى القول بأنها العصر معلقًا له على صحة الحديث بذلك وقد صح.
وقيل: الصبح وهو مذهب مالك وجماعة من الصحابة ومن بعدهم لذكر القنوت
في الآية فيها، وهو مختص بالصبح ولخبر مسلم.
قالت عائشة لمن يكتب لها مصحفًا: والصّلاة الوسطى وصلاة العصر، ثم قالت:
(١) أخرجه البخاري (٦٤١)، والنسائي (١٣٧٤)، والبيهقي في سننه (٣٣١١)، وابن خزيمة (٩٤٤).
٩٧
كتاب الصّلاة/ باب في توابع ومتممات لما سبق من فضائل الصلوات وأوقاتها
سمعتها من رسول الله وَله؛ إذ العطف يقتضي التغاير ولدخول وقتها والناس في أطيب
نوم فخصت بالمحافظة حتى لا يتغافل الناس عنها بالنوم، وبهذا اختصت بالتنويب
وأجابوا عن الخبر الذي نحن فيه بأن العصر تسمى وسطًا لكنها غير المرادة في القرآن،
وهو جواب بعيد ضعيف كما قاله النووي، وبقي فيها أقوال أخر الظهر المغرب جميع
الصّلاة فرضها ونفلها.
واختاره ابن عبد البر الجمعة، صححه القاضي حسين الظهر فيما عدا الجمعة
والجمعة في يومها العشاء؛ لأنها بين صلاتين لا يقصر أن الصبح والعشاء الصبح
والعصر لقوة الأدلة فيهما، صلاة الجماعة الوتر، صلاة الخوف صلاة عيد الأضحى أو
الفطر صلاة الضحى إحدى الخمس مبهمة تحريضًا للناس على الكل كما أخفيت ليلة
القدر في عشر رمضان الأخير، وساعة الإجابة في يوم الجمعة أو الصبح أو العصر على
الترديد الوقف لتعارض الأدلة.
(مَلأَّ اللهُ بيوتهم وقُبُورَهُمْ نَارًا. مُتَّفَقُ عَلَيْهِ) وفيه الدعاء عليهم بعذاب الدارين
من خراب بيوتهم في الدنيا بهدم دورهم ونهب أموالهم وسبي ذراريهم والتعبير عن هذا
بالنار، إما لمشاكلة ما بعده، وإما لاستعارة النار للفتنة ومن عذابهم في الآخرة باشتعال.
قبورهم نارًا المستلزم لخلودهم فيها أبدًا في الآخرة، وأخرجه في صورة الخبر تأكيدًا
وإشعارًا بأنه من الدعوات المجابة سريعًا.
وعبَّر بالماضي ثقة بالاستجابة فكأنه أجيب سؤاله فأخبر عن وجود إجابته
ووقوعها؛ ولهذا قالوا: غفر الله لفلان أبلغ من اللَّهُمَّ أغفر له.
(الفصل الثاني)
٦٣٤ - [عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِي اللهُ عَنهُمَا - قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللهِّهِ: صَلاةُ
الْوُسْطَى صَلاةُ الْعَصْرِ(١). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ].
(١) أخرجه الترمذي (١٨١) وقال: حسن صحيح، وابن حبان (١٧٤٦)، وأحمد (٢٠١٤١)، والطبراني
(٦٨٢٦)، والبيهقي (٢٠٠٣)، وابن أبي شيبة (٨٦٢٦).
٩٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثالث
(عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِي اللّهُ عَنْهُمَا - قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهُ: صَلاةُ
الْوُسْطَى) في هذه الإضافة ما مرَّ آنفًا (صَلاةُ الْعَصْرِ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) وصححه، وهو
نص صريح في أن الوسطى العصر.
٦٣٥ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَّه عَنِ النَّبِيِّنَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ
مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨] قَالَ: أَي: تَشْهَدُهُ مَلَائِكَةُ اللَّيْلِ وَمَلَائِكَةُ النَّهَارِ (١). رَوَاهُ
التِّرْمِذِيُّ].
(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ عَنِ النَّبِيِّ ◌َهُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ قُرْآنَ الفَجْرِ﴾﴾ أي:
صلاة الفجر سميت قرآنا باسم ركنها الأعظم، كما تسمى الصّلاة ركوعًا وسجودًا وقنوتًا
وهو طول القيام لذلك (﴿كَانَ مَشْهُودًا﴾ قَالَ: أَي: تَشْهَدُهُ مَلَائِكَةُ اللَّيْلِ وَمَلَائِكَةُ
النَّهَارِ) أي: قيامًا يشهده هذان النوعان من الملائكة؛ لأنه في آخر ديوان الليل وأول
ديوان النهار، وهذا وإن اقتضى أن للصبح فضلاً عظيمًا إلا أنه ليس خاصًّا بها.
فقد مرَّ في الحديث المتفق على صحته أنهم يجتمعون في صلاة العصر أيضًا، نعم
فيه تميز الصبح بتسميتها قرآنًا حثًّا على طول القراءة فيها أكثر من غيرها لصفاء
الأذهان والقلوب ورائحة الأجساد فيها لوقوعها أثر الراحة والانقطاع عن الاشتغال،
ولذا كانت أطول الصلوات قراءة (رَوَاهُ التّزمِذِيُّ) وابن ماجه وسنده حسن.
(الفصل الثالث)
٥
٦٣٦ - [عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَعَائِشَة - رَضِي اللهُ عَنهُمَا - قَالَا: الصَّلَاةُ الْوُسْطَى
صَلَاةُ الظُّهْرِ (٤). رَوَاهُ مَالِك عَنْ زَيْد وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْهَمَا تَعْلِيقًا].
(عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَعَائِشَةٍ - رَضِي اللهُ عَنهُمَا - قَالَا: الصَّلَاةُ الْوُسْطَى صَلَاةُ
الُهْرِ) ومر أنه قول، ويوجه بأنها أول صلاة ظهرت وصليت، مع أن فرض الصّلاة كان
ليلاً فأخر تعليم جبريل النبي هو كيفية الصّلاة إليها كما مر، فهذا دليل على مزيد
(١) أخرجه الترمذي (٣٤٢٧)، وأحمد (١٠٤٠٢).
(٢) أخرجه مالك (٣١٧)، والبيهقي في ((سننه)) (٢٢٤٥).
٩٩
كتاب الصّلاة/ باب في توابع ومتممات لما سبق من فضائل الصلوات وأوقاتها
الاعتناء بها أكثر من غيرها (رَوَاهُ مَالِك عَنْ زَيْدِ قَ) رواه (التِّرْمِذِيُّ عَنْهَمًا) أي: عن
زيد وعائشة (تَعْلِيقًا) يطلق على ما حذف من أول إسناده واحدًا وأكثر، كقال ابن
عباس كذا، وفيما حذف كل رجال إسناده كقال وله كذا.
٦٣٧ - [وَعَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ﴿ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَ يُصَلِّ الظُّهْرَ بِالْهَاجِرَةِ،
وَلَمْ يَكُنْ يُصَلِّ صَلَاةً أَشَدَّ عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ مِنْهَا فَنَزَلَتْ: ﴿حَافِظُوا عَلَى
الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨] وَقَالَ: إِنَّ قَبْلَهَا صَلَاتَيْنِ وَبَعْدَهَا
صَلَاتَيْنِ (١). رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد].
(وَعَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ﴿ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ يُصَلِّ الظُّهْرَ بِالْهَاجِرَةِ) أي: في
شدة الحر عقب الزوال، ومر أن هذا منسوخ (وَلَمْ يَكُنْ يُصَلِّ صَلَاةً أَشَدَّ عَلَى أَصْحَابٍ
رَسُولِ اللهِ وَ مِنْهَا) لما يقاسونه من شدة الحر بسببها (فَنَزَلَتْ) الآية مرة بشدة
المحافظة عليها لتزول عنهم تلك الأشدية وهي قوله تعالى: (﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ
وَالصَّلَاة الوُسْطَى﴾) أي: الفضلى؛ إذ الأوسط أفضل وواسطة العقد أشرف ما فيه.
ولذا خصت بالذكر بعد دخولها فيما قبلها إشعارًا بأفضليتها (وَقَالَ) زيد: إنما
سميت الظهر بالوسطى (إِنَّ) فعلها يقع في وسط النهار مع أن (قَبْلَهَا صَلَاتَيْنِ وَبَعْدَهَا
صَلَاتَيْنِ) وإنما أولت هذه العلة بما ترى؛ لأن مجردها لا يختص بالظهر بل يجري في
كل صلاة من الخمس؛ لأنك لو أخذت؛ أي: واحدة منهن كان قبلها صلاتان وبعدها
صلاتان (رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد).
٦٣٨ - [وَعَنْ مَالِكِ بَلَغَهُ عَنْ عَلِيٍّ - كَرَمَ اللهُ وَجْهَهُ - وَعَبْدِ الله بْنِ عَبَّاسِ
- رَضِي اللّهُ عَنْهُمَا - كَانَا يَقُولَانِ: الصَّلَاةُ الْوُسْطَى صَلَاةُ الصُّبْحِ(٢). رَوَاهُ فِي (المَوَطَأ)].
(وَعَنْ مَالِك بَلَغَهُ عَنْ عَلىِّ - كَرَمَ اللهُ وَجْهَهُ - وَعَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسِ
- رَضِي اللهُ عَنْهُمَا - كَانَا يَقُولَانِ: الصَّلَاةُ الْوُسْطَى صَلَاةُ الصُّبْحِ، رَوَاهُ فِي (المَوَطَأ))).
(١) أخرجه أحمد (٢٢٢١٧)، وأبو داود (٤١١).
(٢) أخرجه مالك (٣١٨)، والبيهقي في (سننه)) (٢٢٥٦).
١٠٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثالث
٦٣٩ - [وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَن ابْنِ عَبَّاسِ وَابْنِ عُمَر تَعْلِيقًا].
(وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ وَابْنِ عُمَر تَعْلِيقًا).
٦٤٠ - [وَعَنْ سَلْمَانَ ﴾ قَالَ: سَمِعْثُ رَسُولَ اللهِ وَهِ يَقُولُ: مَنْ غَدَا إِلَى صَلَاةِ
الصُّبْحِ غَدَا بِرَايَةِ الإِيمَانِ، وَمَنْ غَدَا إِلَى السُّوقِ غَدَا بِرَايَةِ إِبْلِيسَ(١). رَوَاهُ ابْنُ مَاجَه].
(وَعَنْ سَلْمَانَ ﴾ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَّهُ يَقُولُ: مَنْ غَدَا إِلَى صَلَاةِ الصُّبْحِ
غَدَا بِرَايَةِ الإِيمَانِ) لأنه من حزب الله فبغدوه إلى المسجد أول نهاره مقدمًا له على
إشعاله، صار كأنه يرفع أعلام الإيمان ويظهر شعائر الإسلام ويهدم مكائد الشيطان
(وَمَنْ غَدَا إِلَى السُّوقِ) أي: من غير أن يغدو إلى الصبح كما دلَّ عليه جعل هذا قسيمًا
لما قبله (غَدَا بِرَايَةِ إِبْلِيسَ) لأنه من حزبه لرفعه أعلام مكائده وتحسينه مصائده
ونصره لأعوانه ومصیره من إخوانه.
وفي هذا أعظم تقبيح للتبكير إلى السوق قبل أداء وظائف ما عليه من العبادة،
وإعلام بأن سبب ذلك الحمق وغلبة الجهل لظنه؛ إذ بهذا التبكير يستأثر بربح أو رزق
عمن تأخر لأداء وظائف دينه، وما درى المحروم أن الله تعالى فرغ من ثلاث منها
الرزق فلا تغيير فيه وبتقديره باعتباره الأمر التعليقي فهو للمنفي أقرب قال تعالى:
﴿وَمَن يَتَّقِ اللهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق:٢ - ٣].
﴿وَمَن يَتَّقِ اللهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾ [الطلاق: ٤].
﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْبِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَّنَجْزِيَنَّهُمْ
أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧] جعلنا الله منهم بمنِّه وكرمه آمين
(رَوَاهُ ابْنِ مَاجَه) وسنده حسن.
(١) أخرجه ابن ماجه (٢٣١٩)، والطبراني (٦١٤٦).