النص المفهرس

صفحات 421-440

٤٢١
كتاب الطّهارة/ باب الغسل المسنون
فيه إضافة إلى يومها لا إلى وقتها أن وقت غسلها يدخل بفجر يومها فلا يجوز قبله
خلافًا للأوزاعي، ولا يتوقف على الرواح خلافًا لمالك.
ومما يصرح لما قلنا خبر ((الصحيحين)): ((من اغتسل يوم الجمعة مثل الجنابة))
أي: مثله في شروطه وآدابه (ثم راح في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة ... )(١) فتم بنفي
اشتراط الرواح عقبه الذي مرَّ عن مالك، ويعضده القياس على التبكير إليها فإنه يسن
من الفجر كما أطبق عليه الصحابة - رضوان الله عليهم - ومن بعدهم، بل قال بعض
الأئمة: أول بدعة حدثت في هذه الأمة بعد وفاة نبيها وَله ترك التبكير إليها من
الفجر، فقد كان السلف يبكرون إليها على السرج، والقياس على بعيد الدار فإنه يلزمه
السعي إليها من الفجر إذا لم يصل المحل إلا بذلك، وبوجه ما علم مما تقرر أن
متعقابها مضافة ليومها فدخلت بفجرها مع إنها لا تدخل إلا بالزوال أن تلك
المتعلقات كالوطئ فإنه يسن يومها ليغض به بصره عما يقع عليه في طريقه.
والتنظف بإزالة الأوساخ والأظفار والشعور التي تزال للفطرة، وبالطيب ولبس
الثياب البيض وإن كان عنده أعلا قيمة ونوعًا من غيره عكس العيد؛ لأن هذا يوم
تواضع والأبيض به أليق وذاك يوم زينة وإظهار النعمة والإعلاء به أليق يحتاج إلى زمن
طويل، والجمعة يسن المبادرة إليها عقب الزوال فلم توسع في وقتها، ونيط بالزوال لكان
الاشتغال بها مفوتًا لصلاة الجمعة فاقتضت الحاجة بل الضرورة إنها لا تتعمد بالزوال،
وحيث لم تتقيد به فلا وقت قبله أولى من وقت، فنيطت بالفجر؛ لأنه أول اليوم
المنسوبة هي إليه، ومع دخول الغسل بالفجر يسن تقريبه من ذهابه إليها، لما مر أن
القصد به دفع الإذاء عن الحاضرين، وكلما قرب من حضورها كان أدفع لذلك (مُتَّفَقُّ
عَلَيْهِ).
٥٣٩ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: حَقٌّ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ
(١) أخرجه البخاري (٨٤١)، ومسلم (٨٥٠)، ومالك (٢٢٧)، وأبو داود (٣٥١)، والترمذي (٤٩٩)
وقال: حسن صحيح. والنسائي (١٣٨٨)، وابن حبان (٢٧٧٥).

٤٢٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثاني
يَغْتَسِلَ فِي كُلِّ سَبْعَةٍ أَيَّامٍ يَومًا يَغْسِلُ فِيهِ رَأْسَهُ وَجَسَدَهُ(١). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ].
(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وََّ: حَقٌّ عَلَى كُلٌّ مُسْلِمٍ) أي: متأكد
عليه لما مرَّ في واجب الغسل (أَنْ يَغْتَسِلَ فِي كُلِّ سَبْعَةٍ أَيَّامٍ يَومًا) هو يوم الجمعة، كما
بينته الرواية الأخرى (يَغْسِلُ) بيان ليغتسل مشعر ببيان علة الحكم؛ إذ الرأس
والجسد محلان للوسخ غالبًا (فِيهِ رَأْسَهُ وَجَسَدَهُ).
وفيه أيضًا بيان أن غسل الجمعة كغسل الجنابة في جميع ما يجب، ويسن فيه
كالوضوء قبله، ومن ثم لو عجز عنه هنا سن له أن يتيمم بدلاً عنه، كما أنه إن عجز
عن غسل الجنابة يلزمه أن يتيمم به لا عنه، وأيضًا فالقصد فيه شيئان العبادة
والنظافة فإذا فاتت النظافة بقيت العبادة، ولذلك سن التيمم بدلاً عن كل غسل
مسنون كإغسال العيدين والكسوفين والحج (مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ).
(الفصل الثاني)
٥٤٠ .- [عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَ﴾: مَنْ تَوَضَّأَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ
فَبِهَا وَنِعْمَتْ، وَمَن اغْتَسَلَ فَالْغُسْلُ أَفْضَلُ(٢). رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدٍ وَالنَّسَائِّيّ
وَالدَّارِ يُّ].
(عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَهِ: مَنْ تَوَضَّأَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَيِهَا)
أي: فبالرخصة التي هي حل الاقتصار على الوضوء أخذ وهذا أولى من تقدير السنة؛ إذ
الاقتصار على الوضوء هو السنة أو الخصلة لإيهامها (وَنِعْمَتْ) أي: الرخصة ذلك
فحذف المخصوص بالمدح للعلم به من السياق، وقدره بعضهم بما يخالف السياق
(١) أخرجه البخاري (٨٩٧)، ومسلم (٢٠٠٠)، وأحمد (٨٧٢٧)، والنسائي (١٣٨٩)، والبيهقي في
((سننه)) (٥٨٧١).
(٢) أخرجه أحمد (٢٠٢٧٢)، وأبو داود (٣٥٤)، والترمذي (٤٩٧) وقال: حسن، والنسائي (١٣٨٠)،
وابن أبي شيبة (٥٠٢٦)، والدارمي (١٥٤٠)، والطحاوي (١١٩/١)، والبيهقي (٥٤٥٩)، والطبراني
(٦٨١٧).

٤٢٣
كتاب الطّهارة/ باب الغسل المسنون
ويلزم عليه تشتيت الضمير فقال: فبالرخصة أخذ ونعمت السنة التي ترك (وَمَن
اغْتَسَلَ فَالْغُسْلُ أَفْضَلُ) وهذا صريح في عدم الوجوب، ولعله لم يبلغ القائل بالوجوب.
وأما ادعاء أن حديث الوجوب أصح فقدم على هذا فغير صحيح؛ لأن أصحيته
لا تقتضي تقديمه إلا على ضده الذي لا يمكن الجمع بينه وبينه، وأما ما يمكن
الجمع بينه وبينه فلا يجوز إلغاء الصحيح بالأصح، بل يتعين الجمع بينهما، فمن ثم
أولنا الأصح بما يوافق الصحيح لا العكس لتعذره كما مرَّ، فاندفع بهذا الذي قررته ما
وقع لا بن دقیق العيد هنا.
ويؤيد تأويلنا أيضًا خبر مسلم: ((من توضأ فأحسن الوضوء ثم أتى الجمعة، فدنا
واستمع وأنصت غفر له ما بينه وبين الجمعة وزيادة ثلاثة أيام)(١) وإن عمر أنكر على
عثمان # تركه لها ولم يأمره بالرجوع إليه مع اتساع الوقت له، ولو كان واجبًا حقيقة
لأمره بفعله؛ إذ لا يسقط، وجوبه عند القائلين به بالحضور كما مرَّ (روَاهُ أَحْمَدُ
وَالتِّزْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِي وَالدَّارِمُ) وحسنه الترمذي وغيره بل صححه أبو حاتم
الرازي.
٥٤١ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَ: مَنْ غَسَّلَ مَيِّتًا فَلْيَغْتَسِلْ.
رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهُ، وَزَادَ أَحْمَدُ وَالتِّزْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدٍ: وَمَنْ حَمَلَهُ فَلْيَتَوَضَّا(٢)].
(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌ِ وَّهُ: مَنْ غَسَّلَ مَيِّتًا فَلْيَغْتَسِلْ) هو
عندنا كأكثر العلماء للندب لا للوجوب؛ للخبر الصحيح: «ليس عليكم في ميتكم
غسل إذا غسلتموه)»(٣) (رَوَاهُ ابْنُ مَاجَه، وَزَادَ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ) وحسنه (وَأَبُو دَاوُد:
(١) أخرجه مسلم (٨٥٧)، وأحمد (٩٤٨٠)، وابن أبي شيبة (٥٠٢٧)، وأبو داود (١٠٥٠)، والترمذي
(٤٩٨) وقال: حسن صحيح. وَابْنُ ماجه (١٠٩٠)، وابن حبان (١٢٣١)، وابن خزيمة (١٨١٨).
(٢) أخرجه أبو داود (٣١٦١)، وابن ماجه (١٤٦٣)، وابن حبان (١١٦١)، وابن أبي شيبة (١١٩٩٩)،
وأحمد (٧٧٥٨).
(٣) أخرجه الدارقطني (٧٦/٢)، والحاكم (١٤٢٦) وقال: صحيح على شرط البخاري.

٤٢٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثاني
وَمَنْ حَمَلَهُ) أي: مسه أوله به بعض الأئمة (فَلْيَتَوَضَّأ).
وقيل المراد: فليكن على وضوء ليتهيأ له الصلاة عليه سريعًا، وعلى كلٍ فالأمر
للندب أيضًا قياسًا على الغسل، فيسن لغاسل الميت المسلم والكافر الغسل، وإن كان
الغاسل غير طاهر كحائض؛ لأن القصد به إزالة ما يحصل للغاسل من قذر مماسة
الميت أو رشاشة فلم يفترق الحال فيه بين طاهر وغيره.
ولما كان القذر هنا أشد وحصوله أغلب بخلافه في الحمل ندب فيه الأقل وهو
الوضوء، وفي ذاك الأكثر وهو الغسل، وحجة القائل بالوجوب أن بدن الميت تغلب فيه
النجاسة فربما أصاب الغاسل من رشاشها شيء ينجس بعض بدنه وهو لا يشعر،
فلزمه غسله کله احتیاطًا.
٥٤٢ - [وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - أَنَّ النَّبِيَّ ◌َ كَانَ يَغْتَسِلُ مِنْ أَرْبَعٍ: مِنَ
الْجَنَابَةِ، وَيَوْمِ الْجُمُعَةِ، وَمِنَ الْحِجَامَةِ، وَمِنْ غُسْلِ الْمَيِّتِ(١). رَوَاهُ أَبُو دَاوُد].
(وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - أَنَّ النَّبِيَّ ◌ََّ كَانَ يَغْتَسِلُ مِنْ أَرْبَعِ: مِنَ)
الظاهر أنها للتعليل وهو أولى مما قيل إنها للابتداء؛ أي: إنشاء وابتداء اغتساله من
جهة أربعة أشياء وبسببها؛ إذ في هذا من التعسف ما لا يخفى على أن فيه نوع تنافٍ؛
لأن ((من)) الابتدائية غير ((من)) السببية، فكيف يفسر بها؟ وإنما السببية توافق ما قلناه
من أنها تعلیلیة فتأمله.
(الْجَنَابَةِ) لا دليل في عطف ما بعده عليه على أنه واجب مثله؛ لأن دلالة
الاقتران غير حجة كما بيَّن في علم الأصول قال تعالى: ﴿كُلُوا مِن ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا
حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام:١٤١] والأكل جائز والإيتاء واجب إجماعًا فيهما (وَيَوْمِ
الْجُمُعَةِ) الظاهر أنه عطف على الجنابة لكن لا معنى للغسل من يوم الجمعة ألا يجعل
من المقدرة فيه بمقتضى العطف للتعليل أو الابتداء الزماني فهو هنا واضح، وإن كان
(١) أخرجه أبو داود (٣٤٨)، وابن أبي شيبة (٤٩٩٤)، وأحمد (٢٥٢٣١)، والبيهقي في («سننه» (١٤٨٠)،
وابن خزيمة (٢٥٦)، والحاكم (٥٨٢) وقال: صحيح على شرط الشيخين.

٤٢٥
كتاب الطّهارة/ باب الغسل المسنون
الابتداء في الثلاثة الباقية بعيد كما مر، وبهذا يعلم رد ما قيل، وإنما لم يؤت بمن في
يوم الجمعة؛ لأن الاغتسال له ولکرامته لا بسببه. انتهى.
ووجه أن ((من)) مذكورة فيه تقديرًا كما تقرر، وأن ما نفاه هو ما أثبته؛ لأنه إذا
كان له ولكرامته صح أن يكون بسببه، فلم يصح التغاير بينهما، وفي جعل (من))
المقدرة هنا للابتداء الزماني أوضح دليل على ما قدمناه من دخول وقت الغسل بفجر
يوم الجمعة.
(وَمِنَ الْحِجَامَةِ) قال ابن الأستاذ من أئمتنا: هل هو سنة للمحجوم له أوله؟
وللحاجم فيه نظر. انتهى.
وكأنه لم يطلع على هذا الحديث الذي هو نص في أنه ولي اغتسل لما حجمه
غيره، ولا يحتمل أنه اغتسل من حجمه هو لغيره؛ لأن ذلك لم ينقل عنه ولا يليق
نسبه بمقامه الشريف، فحينئذٍ الصواب أنه سنة للمحجوم دون الحاجم كما يومئ إليه
قول الشافعي : وكل أمر غير الجسد؛ إذ لا شك أن الحجامة تغير جسد المحجوم لا
الحاجم.
ويسن الغسل من الفصد؛ أي: للمفصود كالمحجوم أخذًا من قول الشافعي
وكذلك أجده؛ أي: الغسل من الحجامة والحمام وكل أمر غيَّر الجسد، فقوله: وكل أمر
غيَّر الجسد يشمل الفصد وغيره مما يغيِّر البدن أو ريحه (وَمِنْ غُسْلِ الْمَيِّتِ) صريح في
أنه ټ غسل ميتًا واغتسل منه واستبعده بعضهم من غیر بیان.
قلت: سنده أنه لو فعل لنقل، وأما هذا فغير صريح بل محتمل مع أن لفظ كان
غالبًا للاستمرار وإفادة التكرار وهو بأصله غير موجود في الأخبار والآثار؛ لأن عائشة
ناقلة عنه أنه اغتسل من غسل الميت فأي إسناد إليه هنا حتى يحمل على الأمر، بل
يلزم عليه فساد لو تصور وجوده؛ إذ يصبر التقدير من أمره بغسل الميت وهذا سفاف

٤٢٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثاني
فتأمله(١).
ثم أغرب واعترض على قول الطيبي كما في رجم ماعز؛ أي: أمر برجمه إلى أن
قال: وهذا فيه من الركاكة هنا ما لا يخفى والفساد إنما ظهر لفساد الفهم في محل
الإسناد فالطيبي لما نظر في آخر الحديث ورأى ما يوهم أنه ◌َ﴿ غسَّل الميت ولم يصح
عنده حمل قول عائشة في أول الحديث كان يغتسل على المعنى المجازي لتعذر المعنى
الحقيقي، فقال: معنى يغتسل أي كان يأمر الناس بالاغتسال من أربع ولذا جعل نظيره
رجم ماعز فإن الرجم ما وقع منه وال﴿اتفاقًا بل وقع بأمره فتأمل ليظهر لك موضع الذلل
وموضع الخطل.
قال ميرك شاه: لم ينتقل عنه أنه ◌َ ل﴿ غسل ميتًا قط ويدل عليه رواية أحمد أنه
﴾﴾ قال يغتسل وساقه (رَوَاهُ أَبُو دَاوُد) وفي سنده ضعف.
٥٤٣ - [وَعَنْ قَيْسِ بن عَاصِمٍ أَنَّهُ أَسْلَمْ، فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ ◌َ أَنْ يَغْتَسِلَ بِمَاءٍ
وَسِدْرٍ(٢). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاود وَالنَّسَائِيُّ].
(وَعَنْ قَيْسِ بِنِ عَاصِمٍ ﴾ أَنَّهُ أَسْلَم، فَأَمَرَهُ النَّئُّ ێ) أي: أمر ندب لا وجوب لما
يأتي (أَنْ يَغْتَسِلَ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ) فيسن لمن أسلم ولم يسبق منه في كفره جنابة أو حيض
أو نفاس أن يغتسل للأمر المذكور في هذا الحديث، وحمله أئمتنا على الندب؛ لأن
كثيرين أسلموا ولم يؤمروا به فاندفع أخذ كثيرين بظاهره من الوجوب، أما إذا سبق
منه ذلك فيلزمه الغسل، وإن اغتسل في الكفر؛ لأن غسل الكافر غير صحيح لتوقفه
على النية وهي متوقفة على الإسلام.
وافهم قوله: ((فأمره)) أن وقت الغسل بعد الإسلام لا قبله؛ إذ لا سبيل إلى تأخر
الإسلام الواجب، وما في خبر تهامة : ((من أنه أسلم فاغتسل)) ثم جاء فأسلم محمول
(١) في الأصل سقط واضطراب تم استدراكه من هامشه. وانظر ((مرقاة المفاتيح)) (٤٧٨/٢).
(٢) أخرجه الترمذي (٦٠٨)، وأبو داود (٣٥٥)، وأحمد (٢١١٥٣)، والنسائي (١٨٩)، والبيهقي في
((سننه)) (٨٤١).

٤٢٧
كتاب الطّهارة/ باب الغسل المسنون
على أنه اسلم ثم اغتسل ثم أظهر إسلامه بقرينة رواية أخرى.
وقوله: ((وسدر)) أنه يسن غسله بماء، وسدر واحتيج إليه؛ لأن الغالب على بدن
الكافر النجاسة والقذر فلا تتم إزالتهما إلا به، وكذا يغلب ذلك في ثيابه، فمن ثم قيل:
يسن له غسلها أيضًا، ويسن أيضًا حلق رأسه قبل الغسل لا بعده لقوله ◌َّلة: ((ألق عنك
شعر الكفر واغتسل))(١).
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاود وَالنَّسَائِيُّ) وسند صحيح، ومن الإغسال المسنون
عندنا الغسل للبلوغ بالسن والغسل للإفاقة من الجنون أو الإغماء للاتباع في الإغماء
رواه الشيخان، والجنون أولى منه بذلك ولم يجب نظرًا لقول الشافعي ﴾: قل من جن
إلا وأنزل وكما يجب الوضوء وذلك؛ لأنه علامة ثم على خروج الريح بخلاف المني، فإنه
مشاهد.
وأيضًا فكونه مظنة لخروج الريح أقوى من كونه مظنة لإنزال المني كمالاً يخفى،
فعملوا بتلك المظنة لقوتها دون هذه لضعفها على أنه يشرع الغسل لمن لا يتصور منه
إنزال كالصبي المجنون إذا أفاق، ومنها اغسال الحج والعمرة والعيد والكسوف
والاستسقاء وفي بعض الوادي؛ إذا سال، والغسل للاعتكاف ولكل ليلة من رمضان،
وقيده الأذرعي بمن يحضر الجماعة ولحلق العانة ونتف الابط ولدخول الحرم أو المدينة
أو الكعبة، ولإرادة الخروج من الحمام.
فيه لما صحَّ عن عبد الله بن عمرو بن العاص - رضي الله عنهما - كنا نغتسل
من خمس من الحجامة والحمام ونتف الإبط، ومن الجنابة ويوم الجمعة، وحكمته من
الحمام أنه يغير البدن ويضعفه، والغسل يشده وينعشه ويكره طبًّا عند الخروج من
صب الماء البارد على الرأس وشربه؛ لأنه مضر وينوي بالغسل لهذه المسنونات أسبابها
إلا الغسل من الجنون أو الإغماء فينوي به رفع الجنابة ويغتفر عدم الجزم بالنية هنا
(١) أخرجه بنحوه الطبراني (١٩٩)، والحاكم (٦٤٢٨)، والطبراني في الصغير (٨٨٠).

٤٢٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثاني
للضرورة.
وآكد هذه الأغسال غسل الجمعة لكثرة الأحاديث الصحيحة فيه، وللخلاف
القوي في وجوبه ثم الغسل من غسل الميت للخلاف في وجوبه.
قلت: ثم ما اختلف في وجوبه، ثم ما صحَّ حديثه ثم ما تعدی نفعه أكثر كما
بسطت بيانه في ((شرح العباب)).
(الفصل الثالث)
٥٤٤ - [عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: إِنَّ نَاسًا مِن الْعِرَاقِ جَاؤُوا فَقَالُوا: يَا ابْنَ عَبَّاسِ، أَثُرَى
الْغُسْلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَاجِبًا؟ قَالَ: لَا وَلَكِنَّهُ أَظْهَرُ وَخَيْرٌ لِمَنِ اغْتَسَلَ، وَمَنْ لَمْ يَغْتَسِلْ
فَلَيْسَ عَلَيْهِ بِوَاجِبٍ، وَسَأُخْبِرُكُمْ كَيْفَ كَانَ بِدْءِ الْغُسْلِ، كَانَ النَّاسُ مَجْهُودِينَ
يَلْبَسُونَ الصُّوفَ وَيَعْمَلُونَ عَلَى ظُهُورِهِمْ، وَكَانَ مَسْجِدُهُمْ ضَيِّقًا يُقَارِبُ السَّقْفَ، إِنَّمَا
هُوَ عَرِيشُ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ فِي يَوْمٍ حَارٍّ، وَعَرِقَ النَّاسُ فِي ذَلِكَ الصُّوفِ حَتَّى ثَارَتْ
مِنْهُمْ رِيَاحُ آذَى بِذَلِكَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، فَلَمَّا وَجَدَ رَسُولُ الله ◌َّهِ تِلْكَ الرِّياحَ قَالَ: يَا
أَيُّهَا النَّاسُ إِذَا كَانَ هَذَا الْيَوْمَ فَاغْتَسِلُوا، وَلْيَمَسَّ أَحَدُكُمْ أَفْضَلَ مَا يَجِدُ مِنْ دَهْنِهِ
وَطِيبِهِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسِ: ثُمَّ جَاءَ اللهُ بِالْخَيْرِ وَلَبِسُوا غَيْرَ الصُوفِ وَكُفُوا الْعَمَلَ وَوُسِّعَ
مَسْجِدُهُمْ، وَذَهَبَ بَعْضُ الَّذِي كَانَ يُؤْذِي بَعْضُهُمْ بَعْضًا مِنَ الْعَرَقِ(١). رَوَاهُ أَبُو دَاوُد].
(عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: إِنَّ نَاسًا مِن الْعِرَاقِ جَاؤُوا فَقَالُوا: يَا ابْنَ عَبَّاسِ) جروا فيه
على عادة العرب من عدم رعاية مزيد الأدب في الخطاب مع الأكابر (أَتْرَى) من الرأي؛
أي: أتعتقد (الْغُسْلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَاجِبًا؟ قَالَ: لَا وَلَكِنَّهُ أَظْهَرُ وَخَيْرٌ لِمَنِ اغْتَسَلَ، وَمَنْ
لَمْ يَغْتَسِلْ فَلَيْسَ عَلَيْهِ بِوَاجِبٍ، وَسَأَخْبِرُكُمْ كَيْفَ كَانَ بِدْءِ الْغُسْلِ) أي: للجمعة
(كَانَ النَّاسُ) أي: الصحابة رضوان الله عليهم (مَجْهُودِينَ) أي: مسلطًا عليهم الجهد
والمشقة في أمر دنياهم؛ لأن الله تعالى اختار لهم أكمل الأحوال وأولاها.
(١) أخرجه أبو داود (٣٥٣)، والبيهقي في (سننه)) (١٤٥٨).

٤٢٩
كتاب الطهارة/ باب الغسل المسنون
وهو التنزه عن الدنيا وقواطعها إلا ما يضطر إلى مباشرته من اسبابها؛ لأن ذلك
لا يترتب عليه شيء من محذورها (يَلْبَسُونَ الصُّوفَ وَيَعْمَلُونَ عَلَى ظُهُورِهِمْ، وَكَانَ
مَسْجِدُهُمْ) المراد: مسجدهِ ﴿ وأضيف إليهم لصلاتهم به (ضَيِّقًا يُقَارِبُ السَّقْفَ)
لعدم ارتفاعه.
(إِنَّمَا هُوَ عَرِيشُ) إذ سقفه كعريش الكرم في أن القصد من مجرد الاستظلال،
وأن حاذى رأس المواقف لا الأحكام المقتضية للدوام فليس هو إذ ذاك كغيره من
المساجد في الوسع وأحكام البناء والسقف وعلوه من رأس الواقفين فيه، بحيث لا تناله
يد أحدهم وأن تطاول إليه ما استطاع.
(فَخَرَجَ رَسُولُ الله ◌َه فِي يَوْمٍ) أي: من أيام الجُمع لإرادة الخطبة والصلاة بهم
(حَارِّ، وَعَرِقَ النَّاسُ فِي ذَلِكَ الصُّوفِ حَتَّى ثَارَتْ) أي: ظهرت وانتشرت (مِنْهُمْ رِيَاحُ
آذَى بِذَلِكَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، فَلَمَّا وَجَدَ رَسُولُ اللّهِ وَِّ تِلْكَ الرِّياحَ قَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِذَا
كَانَ هَذَا الْيَوْمَ فَاغْتَسِلُوا) أي: لحضور الجمعة (وَلْيَمَسَّ) بفتح أوليه (أَحَدُكُمْ أَفْضَلَ
مَا يَجِدُ مِنْ دَهْنِهِ وَطِيبِهِ) عطف عام على خاص؛ إذ الظاهر أنه ◌َّ لم يرد مجرد الدهن،
وإنما أراد الدهن المطيب وهو طيب.
وهذا كالخبر الصحيح إنه وسلم: ((كان يقلم أظفاره، ويقص شاربه يوم الجمعة قبل
الخروج إلى الصلاة))(١).
ورواية خلافه عن ابن عمر وابن عباس * باطلة أصل لما ذهب إليه ائمتنا
وغيرهم، أنه يسن لمزيد حضور الجمعة وكل اجتماع أن يتزين بقص شاربه؛ أي: حتى
يبدو طرف شفته ولا يحفيه من أصله للاتباع حسنه الترمذي، ومعنى خبر ((احفوا
الشارب))(٢) ما طال منها عن الشفة، ونتف الإبط وحلق العانة، وقص الظفار،
وبالسواك للاتباع، وبقطع الرائحة الكريهة من بدنه وثيابه لئلا يتأذى بها أحد.
(١) أخرجه الطبراني (٣٣٣)، والبيهقي في شعب الإيمان (٢٦٤٥).
(٢) أخرجه النسائي (٩٢٩١).

٤٣٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثاني
وأخرج الديلمي حديث: ((ما طابت رائحة عبد قط إلا قل همه)(١) وبالتطيب؛
أي: لغير الصائم فيما يظهر لكراهة الطيب له بأفضل ما عنده من الطيب، ويلبس
أحسن ما عنده من الثياب لقوله وَله: «من اغتسل يوم الجمعة واستن - أي: استاك -
ولبس من أحسن ثيابه، ومس من طيب إن كان عنده ثم أتى الجمعة فلم يتخط أعناق
الناس، ثم صلى ما كتب له، ثم أنصت إذا خرج إمامه حتى يخرج من صلاته كانت
كفارة لما بينها وبين جمعته التي قبلها(٢) رواه جماعة بأسانید حسنه، بل صححه ابن
حبان والحاكم وأفضل الثياب البيض لخبر فيه يأتي.
(قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) ثم عطف على أول القصة وهو كان من السنة، وقيل: على بدء
الغسل وهو بعيد جدًا، وآثر ثم لدلالتها على التراخي في الزمان؛ لأنهم مکثوا مجهودین
مدة طويلة وتلك الفتوحات، إنما حصلت أواخر حياته وَ ل# قيل: وعلى التراخي في
المرتبة أيضًا ولذا نسبه إليه تعالى. انتهى.
ووجهه أن أحوال جهدهم كانت منبيئة عن عدم ظهور الإسلام بخلاف أحوال
سعتهم، فإنها منبيئة عن ظهوره واتساع حفظ أهله، وإبادة أعدائهم وتوفر أموالهم (ثُمَّ
جَاءَ اللهُ بِالْخَيْرِ) أي: المال من الفتوحات الكثيرة التي فتحها الله على نبيه أواخر
عمره، وهذا على حد قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ [العاديات: ٨].
ويصح أن يراد بالخير ظهور الإسلام وهو مستلزم لحصول المال، كما علم
مما قررته (وَلَبِسُوا غَيْرَ الصُُّوفِ وَكُفُوا الْعَمَلَ) بأرقائهم وإجرائهم؛ لأنه حصل لهم ما
يشترون به الأرقاء ويستأجرون به الأحرار (وَوُسِّعَ مَسْجِدُهُمْ) وسعه النبي ◌َِّ في
أواخر عمره (وَذَهَبَ بَعْضُ الَّذِي) كان حكمة التعبير بالبعض المراد به الأكثر كما
هو ظاهر الاحتياط في الأخبار؛ لأن بعضهم ربما تساهل في دواء الصنان أو إزالة
من أصله فأذى غيره من غير أن يشعر بذلك (كَانَ يُؤْذِي بَعْضُهُمْ بَعْضًا مِنَ) الظاهر
(١) ذكره الشوكاني في الفوائد المجموعة (١٩٣/١).
(٢) أخرجه أبو داود (٣٤٣).

٤٣١
كتاب الطّهارة/ باب الغسل المسنون
أنها تعليلية، ولا يصح كونها بيانًا إلا بتعسفٍ، فتأمله (الْعَرَقِ) وظاهر فحوى
سياق ابن عباس أن الغسل كان في الإسلام واجبًا لكثرة الإيذاء بالروائح الكريهة
حينئذٍ، ثم لما خفت نسخ وجوبه، وبه أن صح يجمع بين الأحاديث السابقة (رَوَاهُ أَبُو
دَاوُد).

باب الحيض
له عشرة أسماء: حيض وهو أشهرها، وطمث وضحك وأكبار وأعسار ودراس
وعراس وفراك بالفاء وطمس ونفاس ومنه قوله {8* لعائشة: أنفست.
ومن ثم لم يكره أن يقال: حاضت المرأة وطمئت خلافًا لابن سيرين، ونفست
وعركت بفتح فكسر فيهما، ونهي عائشة عن ذكر العراك مذهب صحابي؛ ولأن النساء
يستحين من ذلك وهو مصدر حاضت، فهي حائض بلا هاء لاختصاصه بالمؤنث وقد يلحقه.
وهو لغة: السيلان.
وشرعًا: دم حيلة؛ أي: خلقة وطبع لا علة تخرج من أقصى رحم المرأة، وأصل
الباب قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ المَحِيضِ .. ﴾ [البقرة: ٢٢٢].
وقوله ومير: ((هذا شيء كتبه الله على بنات آدم))(١) رواه الشيخان وبما فيه من
العموم رد البخاري على من قال: أول ما أرسل الحيض على بني إسرائيل، قال ابن
الرفعة: قيل: إن أمنا حواء لما كسرت شجرة الحنطة وأدمتها قال الله تعالى: ((لأدمينك
كما أدميتها))(٢) وابتلاها بالحيض هي وجميع بناتها إلى الساعة، ولا يتصور عندنا وجود
حيض للمرأة إلا بعد بلوغها تسع سنين هلالية قمرية تقريبًا، ولو بالبلاد الباردة وأقل
زمن الحيض عندنا أيضًا يوم وليلة؛ أي: قدر ذلك وهو أربع وعشرون ساعة فلكية،
وإن لم يتلفق إلا من جملة أيام وغالبه ست أو سبع، وأكثره خمسة عشر يومًا، وأقل
زمن الطهر بين الحيضتين خمسة عشر يومًا.
(١) أخرجه البخاري (٢٩٤)، ومسلم (٢٩٧٦)، وأحمد (٢٦٥٨٩)، وأبو داود (١٧٨٤)، والنسائي
(٢٩٢)، وَابْنُ ماجه (٣٠٧٦).
(٢) لم أقف عليه.
٠٤٣٢

٤٣٣
كتاب الطهارة/ باب الحيض
(الفصل الأول)
٥٤٥ - [عَنْ أَنَسِ ﴾ قَالَ: كَانُوا إِذَا حَاضَتِ الْمَرَّةُ فِيهِمْ لَمْ يُؤَاكِلُوهَا وَلَمْ
فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى:
ـلى الله
يُجَامِعُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ، فَسَأَلَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ ◌َِّ النَّبِيَّ
﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ .... ﴾ [البقرة: ٢٢٢] فَقَالَ رَسُولُ الله ◌َّ: اصْنَعُوا كُلّ شَيْءٍ إِلَّا
النّكَاحَ. فَبَلَغَ ذَلِكَ الْتَهُودَ فَقَالُوا: مَا يُرِيدُ هَذَا الرَّجُلُ أَنْ يَدَعَ مِنْ أَمْرِنَا شَيْئًا إِلَّ خَالَفَنَا
فِيهِ، فَجَاءَ أَسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ وَعَبَّادُ بْنُ بِشْرٍ فَقَالَا: يَا رَسُولَ الله إِنَّ الْيَهُودَ تَقُولُ كَذَا
وَكَذَا فَلَا تُجَامِعُهُنَّ، فَتَغَيَّرَ وَجْهُ النَّبِيِّ ◌َ حَتَّى ظَنَنَّا أَنْ قَدْ وَجَدَ عَلَيْهِمَا، فَخَرَجَا
فَاسْتَقْبَلَهُمَا هَدِيَّةٌ مِنْ لَبَنٍ إِلَى النَِّيِّ ◌َِّ، فَأَرْسَلَ فِي أَثَرِهِمَا فَسَقَاهُمَا، فَعَرَفَا أَنْ لَمْ تَجِدْ
عَلَيْهِمَا(١). رَوَاهُ مُسْلِمُ].
(عَنْ أَفَسِ ﴾ قَالَ: كَانُوا) أي: الناس (إِذَا حَاضَتِ الْمَرَةُ فِيهِمْ) هي رواية مسلم
ورواه البغوي في ((المصابيح)) و(شرح السنة)) منهم (لَمْ يُؤَاكِلُوهَا وَلَمْ يُجَامِعُوهُنَّ فِي
الْبُيُوتِ) عبر أولاً بالمفرد ثم بالجمع نفساء رعاية للفظ أو المعنى (فَسَأَلَ أَصْحَابُ النَّبِيّ
وََّ السَّبِيَّ ◌ََّ﴾ أي: عن ذلك (فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ المَحِيضِ ... ﴾) وهو
دم الحيض إجماعًا وكذا الثاني، وقيل: زمن، وقيل: محله وهو الفرج.
(فَقَالَ رَسُولُ الله ◌ِيَيه) مبينًا للاعتزال المأمور به في الآية، يقصره على بعض
أفراده (اصْنَعُوا كُلَّ شَيْءٍ إِلَّ الشّكَاحَ) أي: الوطء ولو بحائل، وإطلاقه عليه مجاز من
إطلاق السبب على المسبب هذا عند من يقول: إن حقيقة في العقد وهو الأصح عندنا،
أما من يقول: إن مشترك أو حقيقة في الوطء فإطلاقه عليه حقيقة، وأفاد الاستثناء أنه
يحرم وطء الحائض والنفساء.
وهذا مما أجمع عليه المسلمون، بل هو كبيرة يكفر مستحله، وأخذ أئمة منهم
منه الشافعي في ((القديم)) واختاره بعض أئمة مذهبه، أنه لا يحرم غير الوطء، ومذهبه
(١) أخرجه مسلم (٧٢٠)، والدارمي (١٠٩٩).

٤٣٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثاني
الجديد وهو المعتمد عن أصحابه وعليه أكثر العلماء، أنه يحرم الاستمتاع بما بين
السرة والركبة بلا حائل إلى أن يطهر تغسل ثم تيمم إن فقدت الماء.
لخبر أبي داود بإسناد جيد: ((إنه وَ لَّ سُئل عما نحل للرجل من امرأته، وهي
حائض فقال: ما فوق الإزار وهو كناية عما عدا ما بين السرة والركبة، فأفاد حرمة ما
بين السرة والركبة بلا حائل وحل ما بينهما بحائل وما عداهما ولو بلا حائل، وخص
بمفهوم هذا منطوق الخبر الأول، ولم يعكس أخذ بالأحوط لما صح من قوله ◌َّه: ((من
حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه)(١).
وأيضًا فدعوى تخصيص الأول لمفعول الثاني ممنوعه؛ لأن منطوق الثاني حل ما
فوق الإزار، ومفهومه حرمة ما تحته الشامل للوطء، فلا يستقيم تخصيص مفهوم
الثاني بمفهوم الأول؛ لأنه من بعض أفراده.
وذكر بعض أفراد العام لا يخصص بخلاف منطوق الأول بمفهوم الثاني؛ إذ هو
ليس من أفراده إذ حكمته الحرمة وحكم الأول الحل، فحينئذٍ منطوقه مخصص
بأمرين: متصل وهو الاستثناء، ومنفصل وهو مفهوم الأول، فظهر بذلك رحجان دليل
مذهبنا.
ولبعض أصحابنا مقالة استحسنها النووي في ((مجموعه)) وهي أنه إن وثق من
نفسه بعدم الوطء لقلة شهوته أو كثرة تقواه لم يحرم عليه التمتع بما بين السرة
والركبة وإلا حرام، وبحث بعض أئمتنا أن تمتعها بما بين سرته وركبته كعكسه، وغلط
بأن مسها؛ لذكره غايته أنه استمتاع بكفها وهو جائز قطعًا.
واستفيد من قوله: ((إلا النكاح)) بطلان ما كانوا عليه من تجنب الحائض وجميع
ما مسته، وإن ذلك إنما هو مذهب اليهود، وعلم بما قدمته أن المراد بالاعتزال في الآية
وطئهن كما بيَّنه الحديث الأول، والتمتع بما بين سرتها وركبتها كما أفاده الحديث
(١) ذكره العراقي في تخريج أحاديث الإحياء (٢٦١٨).

٤٣٥
كتاب الطّهارة/ باب الحيض
الثاني.
(فَبَلَغَ ذَلِكَ) أي: تحليل معاشرة الحائض فيما عدا الوطء المفهوم من الحديث
كما تقرر (الْيَّهُودَ، فَقَالُوا: مَا يُرِيدُ هَذَا الرَّجُلُ) أي: النبي ◌َِّ، وعبروا به؛ لإنكارهم
نبوته (أَنْ يَدَعَ مِنْ أَمْرِنَا) أرادوا دينهم (شَيْئًا إِلَّا خَالَفَنَا فِيهِ، فَجَاءَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ
وَعَبَّادُ بْنُ بِشْرٍ فَقَالًا: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ الْتَهُودَ تَقُولُ كَذَا وَكَذَا) أي: إن معاشرة الحائض
تورث ضررًا (فَلَا تُجَامِعُهُنَّ) أي: فلا نعاشر الحيض في أكل ونحوه خوف ترتب ذلك
الضرر الذي يذكرونه، فلم يقصد بذلك رد ما أفاده قوله وكلين: ((اصنعوا كل شيء إلا
النكاح)) وإنما خافا الضرر، ولعلهما لم يفهما لشيء قام عندهما أن الحديث صريح في
إباحة معاشرة الحائض، ولذا لم يغضب النبي وَلّ عليهما.
ولكن لما كان ظاهر كلامهما الاعتراض والرد أظهر لهما * ما يعلمهما بما
صدر منهما (فَتَغَيَّرَ وَجْهُ النَّبِيِّ ◌َهُ) أي من إطلاقها هذا اللفظ الموهم (حَتَّى ظَنَنَّا أَنْ)
أي: أن (قَدْ وَجَدَ) أي: غضب (عَلَيْهِمَا، فَخَرَجَا فَاسْتَقْبَلَهُمَا هَدِيَّةٌ) أي: شخص
حاملها، فالإسناد إليها مجاز (مِنْ لَبَنٍ إِلَى النَّبِيِّ ◌َ فَأَرْسَلَ فِي أَثَرِهِمَا فَسَقَاهُمَا، فَعَرَفَا
أَنْ لَمْ يَجِدْ عَلَيْهِمَا. رَوَاهُ مُسْلِمٌ) فالحاصل أن المسلمين أجمعوا على أن أعضاء الحائض
والنفساء التي ليس عليها دم وعرقها طاهران، فلا يكره عجينها ولا طبيخها، ولا
مائع غمست يدها فيه، ولا مضاجعتها وقبلتها، ولا الاستمتاع بما عدا ما بين سرتها
وركبتها، ولا خضبها يدها بخضاب يبقى أثره في يدها بعد طهرها.
وقد أخرج البيهقي عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنه كان يعتزل فراش
زوجته إذا حاضت، فبلغ ذلك خالته ميمونة أم المؤمنين - رضي الله عنها - فأرسلت
إليه أترغب عن سنة رسول الله وَليو؟! فوالله لقد كان ينام مع المرأة من نسائه الحائض،
وما بينه وبينها إلا ثوب ما یجاوز الركبتين.
وأخرج الطبراني عن أم سلمة - رضي الله عنها - قالت: ((كان رسول الله وَالت.
ينقي سورة الدم ثلاثًا، ثم يباشر بعد ذلك)) أي: فيما بين السرة والركبة بل كما يأتي، وما

٤٣٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثاني
نقل عن أبي یوسف من أن بدنها نجس.
قال النووي: لا أظنه يصح عنه، فإن صحَّ فهو محجوم بالإجماع وبانقطاع دمها
والصنفرة والكدرة يلزمها فور الأول صلاة تدركها، وإن لم تخرج الرطوبة البيضاء
التي تسميها النساء الطهر، ولا تستطهر بشيء خلافًا لقول مالك : تستطهر بثلاثة
أيام.
٥٤٦ - [وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَالنَّبِيُّ ◌َِّ مِنْ
إِنَاءٍ وَاحِدٍ وَكِلاَنَا جُنُبُّ، وَكَانَ يَأْمُرُنِي فَأَنْتَزِرُ فَيُبَاشِرُنِي وَأَنَا حَائِضَّ وَكَانَ يُخْرِجُ رَأْسَهُ إِلَّ
وَهُوَ مُعْتَكِفٌّ فَأَغْسِلُهُ وَأَنَا حَائِضُّ(١). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ].
(وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَالنَّبِيُّ ◌َّهُ مِنْ إِنَاءٍ
وَاحِدٍ وَكَلاَنَا) أي: والحال أن كلَّا منا (جُنُبُ) مرَّ الكلام عليه في باب الغسل (وَكَانَ
يَأْمُرُفِي فَأَنَزِرُ) بهمزتين؛ لامتناع إدغام الهمزة في التاء (فَيُبَاشِرُفِي) أي: يستمتع بي فوق
الحائل من غير جماع فيما بين السرة والركبة، وتمس بشرته بشرتي متمتعًا بذلك فيما
عدا ما بينهما (وَأَنَا حَائِضُّ) فيه التصريح بما مرَّ عن مذهبنا إنه يحرم التمتع بما بين
سرتها وركبتها بلا حائل، وأنه يحل ذلك بحائل، والكلام في غير الوطء؛ لما مرَّ أن الوطء
حرام إجماعًا ولو بحائل.
(وَكَانَ يُخْرِجُ رَأْسَهُ إِلَيَّ وَهُوَ مُعْتَكِفٌّ فَأَغْسِلُهُ وَأَنَا حَائِضُ) فيه التصريح بحل
معاشرتها وبطهارة بدنها، وبأن إخراج بعض بدن المعتكف من المسجد لا يبطل
اعتكافه، ومحله إن لم يعتمد بكلّه على الخارج وإلا بطل اعتكافه (مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ)
واللفظ للبخاري.
٥٤٧ - [وَعَنْهَا - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: كُنْتُ أَشْرَبُ وَأَنَا حَائِضَّ ثُمَّ أُنَاوِلُهُ
النَّبِيَّ نَّهُ فَيَضَعُ فَاهُ عَلَى مَوْضِعٍ فِيَّ فَيَشْرَبُ، وَأَتَعَرَّقُ الْعَرْقَ وَأَنَا حَائِضَّ ثُمَّ أُنَاوِلُهُ النَّبِيَّ
(١) أخرجه بنحوه البخاري (٢٩٩)، ومسلم (٧٥٧)، وأبو داود (٧٧)، والترمذي (١٨٥٩)، والنسائي
(٢٣٥)، وابن ماجه (٤٠٧)، وأحمد (٢٤٧٤٢).

٤٣٧
كتاب الطّهارة/ باب الحيض
﴿ فَيَضَعُ فَاهُ عَلَى مَوْضِعٍ فِيَّ(١). رَوَاهُ مُسْلِمُ].
(وَعَنْهَا - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: كُنْتُ أَشْرَبُ وَأَنَا حَائِضَّ ثُمَّ أُنَاوِلُهُ) أي:
الإناء الذي شربت فيه كما فهم من السياق (النَّبِيَّ وََّ فَيَضَعُ فَاهُ عَلَى مَوْضِعِ فِيَّ
فَيَشْرَبُ، وَ) كنت (أَتَعَرَّقُ الْعَرْقَ) بفتح فسكون؛ أي: أخذ بأسناني اللحم من العظم
الذي ذهب عن معظم اللحم، وبقيت عليه من بقية (وَأَنَا حَائِضُ ثُمَّ أَنَاوِلُهُ السَّيَّ ◌ُِّ
فَيَضَعُ فَاهُ عَلَى مَوْضِعٍ فِيَّ رَوَاهُ مُسْلِمٌ).
٥٤٨ - [وَعَنْهَا - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ◌َ يَتَّكِئُّ فِي حِجْرِي وَأَنَا
حَائِضَّ ثُمَّ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ(٢). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ].
(وَعَنْهَا - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: كَانَ الشَِّيُّ ◌َهِ يَتَّكِئُ فِي حِجْرِي وَأَنَا حَائِضُّ
ثُمَّ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ) فيه كالذي قبله التصريح بطهارة بدنها، وفيه التصريح بأن حجرها لا
يشبه موضع النجاسات، وإلا لكرهت قراءة القرآن فيه.
ويحتمل أنه يشبهها وأن قراءته ﴿ فيه لبيان الجواز، والأول أظهر؛ لأن النجاسة
إنما هي في الباطن دون الظاهر، وحينئذٍ فلا يتضح إلحاقه بمحل النجاسة (مُتَّفَقُ
عَلَيْهِ).
٥٤٩ [وَعَنْهَا - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: قَالَ لِي النَّبِيُّ وََّ: نَا وِلِينِي الْخُمْرَةَ مِنَ
الْمَسْجِدِ، فَقُلْتُ: إِّي حَائِضٌّ، فَقَالَ: إِنَّ حَيْضَتَكِ لَيْسَتْ فِي يَدِكِ (٣). رَوَاهُ مُسْلِمْ].
(وَعَنْهَا - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: قَالَ لِي السَّبِيُّ ◌َ: نَاوِلِينِي الْخُمْرَةَ) بضم أوله
المعجم: سجادة صغيرة تتخذ من سعف النحل، مأخوذة من الخمر بمعنى التغطية؛
(١) أخرجه مسلم (٧١٨)، والنسائي (٢٨٤)، وأحمد (٣٦٣٤١).
(٢) أخرجه البخاري (٢٩٧)، ومسلم (٧١٩)، وأحمد (٢٥١٢٩)، وابن ماجه (٦٧٧)، والبيهقي في
«سننه» (١٥٥٣).
(٣) أخرجه مسلم (٢٩٨)، والترمذي (١٣٤) وقال: حسن صحيح، والنسائي (٢٧١)، وعبد الرزاق
(١٢٥٨).

٤٣٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثاني
لأنها تغطي جبهة المصلي ووجهه عن الأرض (مِنَ الْمَسْجِدِ) متعلق بـ((ناوليني))
وحينئذٍ يحتمل أن المراد: ادخلي المسجد فخذيها وأعطني إياها من غير مكث ولا تردد
فيه؛ لحل هذا للحائض إذا أمنت التلويث، أو مدي يدك وأنت خارجه فتناوليها منه
ثم ناوليني إياها، وهذا جائز لها أيضًا بالأولى، وأنه متعلق بـ((قال)) لكن بعيد.
(فَقُلْتُ: إِي حَائِضٌّ، فَقَالَ: إِنَّ حَيْضَتَكِ) بكسر أوله: فعلة من الحيض؛ بمعنى
الحالة التي يكون للحائض عليها من التحيض والتجنب، وفتحه: وهي المرة من
الحيض.
(لَيْسَتْ فِي يَدِكِ) هذا يرجح التعلق بـ((ناوليني)) وأن الأرجح من الاحتمالين
الذین ذکرتهما علیه هو ثانيهما، وفيه التصریح بأن دم الحيض لا يتعدى حكمه محله
وهو الفرج، وكذا ما حوله على ما مرَّ، وهو ما بين السرة والركبة دائمًا إلى أن من حلف
لا يدخل دارًا أو مسجدًا لم يحنث بإدخال بعضه فيه؛ أي: إلا إن اعتمد تكملة على
الخبر الداخل (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) والبخاري، فكان ينبغي أن يقول: ((متفق عليه)) كالذي قبله
والذي بعده.
٥٥٠ - [وَعَنْ مَيْمُونَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ يُصَلِي فِي
مِرْطِ، بَعْضُهُ عَلَيَّ وَبَعْضُهُ عَلَيْهِ وَأَنَا حَائِضَّ(١). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ].
(وَعَنْ مَيْمُونَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ الله ◌ِلَّهُ يُصَلِّ فِي مِرْطِ) هو
الكساء الطويل من صوف، وقد يكون من خز (بَعْضُهُ عَلَّ وَبَعْضُهُ عَلَيْهِ وَأَنَا حَائِضُّ)
فيه التصريح بأن بدن الحائض طاهر، وأن دمها الداخل في فرجها لا يقتضي نجاسة
بدنها الطاهر، فلذلك لم يؤثر كون بعض لباس المصلي مماسًا لبدنها هذا الذي قررته،
فارق ما هنا قول أئمتنا: لو أمسك المصلي حبلاً مثلاً، وذلك الحبل متصل بساحور،
والساحور في رقبة حمار، والحمار عليه نجاسة بطلت صلاته؛ لأنه كالحامل لتلك
(١) أخرجه أحمد (٢٤٠٣٨)، والبيهقي في ((سننه)) (٣٤١٦).

٤٣٩
كتاب الطهارة/ باب الحيض
النجاسة المماسة لمماس ما في يده فكانت منسوبة إليه، وأما هنا فطرف الثوب الذي
عليها هو وإن كان مماسًّا لمماس دمها إلا أن دمها باطن والنجاسة الباطنة لا تؤثر.
فإن قلت: يحتمل أن الدم يجاوز باطن الفرج إلى ظاهره كما هو الغالب من شأن
الحائض.
قلت: هي واقعة حال فعلية، وهي يسقطها الاحتمال وإن كان على خلاف
الغالب.
(مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ) لكن بغير هذا اللفظ، وإنما هو يقرب من لفظ ابن ماجه: ((وهو
وعليه شرط وعلى بعض أزواجه منه)).
ولفظ البخاري: ((كان يصلي وأنا حذاه وأنا حائض فربما أصابني ثوبه)) ولمسلم
عن عائشة معناه.
(الفصل الثاني)
٥٥١ - [عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِلَّهِ: مَنْ أَتَى حَائِضًا أَوِ امْرَأَةً فِي
دُبُرِهَا أَوْ كَاهِنَّا فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ ◌َّهِ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وابْنُ مَاجَه وَالدَّارِيُّ،
وَفِي رِوَايَتِيهِمَا: فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ فَقَدْ كَفَرَ (١) وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: لَا نَعْرِفُ هَذَا الْحَدِيثَ
إِلّا مِنْ حَدِيثِ حَكِيمِ الأَثْرَمِ عَنْ أَبِي تَمِيمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ].
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وََّ: مَنْ أَنَّى) أي: جامع، ولكونه
مشتركًا بين الجماع والمجيء استعمله في هذا وفي إتيان الكاهن (حَائِضًا) فقد كفر بما
أنزل على محمد وَلي، وهذا محمول على من استحل إتيانها؛ أي: وطئها، وهو عالم عامر
مختار، فإن هذا هو الذي يكفر كما قاله أئمتنا، وكأنهم نظروا في ذلك إلى أن هذا
الوطء مجمع عليه تحريمه معلوم من الدين بالضرورة، وكل حرام كذلك يكون تحليله
كفرًا، وكذا عكسه بل سائر الأحكام الخمسة الوجوب والندب والإباحة والحرام
(١) أخرجه الترمذي (١٣٥)، وابن ماجه (٦٨٢)، وأحمد (٩٥٢٨)، والدارمي (١١٨٣).

٤٤٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثاني
والكراهة متى أجمع المسلمون في صورة على حكم منها، وعلى من الدين بالضرورة بألا
تجهله العامة، ثم أعتقد أحد فيها خلاف ذلك كفر؛ لإفضائه إلى تكذيب النبي
فيما جاء به.
(أَوٍ) أتى؛ أي: وطء (امْرَأَةً) ولو حليلة له (فِي دُبُرِهَا) فقد كفر بما أنزل على
محمد ◌َّيّة، والكفر هنا بالنسبة للحليلة الزوجة أو الأمة محمول على كفر النعمة
لشهرة الخلاف في ذلك، فلم يوجد إجماع على تحريمه فضلاً عن علمه بالضرورة، وما
كان كذلك لا يقول أحد بأنه استحلاله كفر، فوجب تأويل الكفر فيه على كفر
النعمة على أن الحديث ضعيف كما يأتي.
(أَوْ) أتى (كَاهِنًا) أي: جاء إليه، وهو من يخبر عن المغيبات، فيشمل من له حتى
يخبره بذلك؛ لما جاء؛ إن بعض مردة الجن يسترقون من الملائكة بعض أحوال أهل
الأرض التي ستحدث نحو قدر عُمْر أو رزق، ثم يلقون إلى الكهنة بعد أن يخلطوا
بالواحد من ذلك مائة كذبة، فيصدقون في ذلك الواحد فيغتفر العامة لهم الكذب في
الباقي، فيتسارعون إليهم حتى يترتب على ذلك من المفاسد ما لا يخفى.
ومن يتعانى الرمل أو الضرب بنحو الحصا أو النظر في النجوم (فَقَدْ كَفَرَ بِمَا
أَنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَليه) أي: من القرآن والسنة؛ لأنه أتى بما ينافي ما فيهما من أن المغيبات
لا يعلمها إلا الله تعالى، وفي ذم بما أنزل إلى الكفر غاية الوعيد والتغليط والكفر
هنا محمول على ما مرَّ في الذي قبله؛ لأن هذا وإن أجمع على حرمة أكثر أنواعه إلا أن
ذلك لم يعلم من الدين بالضرورة كما ذكر، فليحمل عند من يشترط في التكفير
الإجماع والعلم الضروري على كفر بالنعمة، وبما تقرر يعلم أن في ذكر هذا بعد ذاك
ترقیًا؛ لأن هذا أقبح لما تقرر من الإجماع علیه دون ذاك.
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وابْنُ مَاجَه وَالدَّارِمِيُّ، وَفِي رِوَايَتِيهِمَا) أي: الأخيرين: من أتى
كاهنًا (فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ فَقَدْ كَفَرَ) وبه يقيد الأول، فيخرج من أتاه ليظهر كذبه أو
للاستهزاء بما هو عليه أو نحو ذلك فلا كفر، بل ولا حرمة في إيتانه له حينئذٍ (وَقَالَ