النص المفهرس

صفحات 401-420

٤٠١
كتاب الطّهارة/ باب المسح على الخفين
بِصَحِيحٍ، وَكَذَا ضَعَّفَهُ أَبُو دَاوُد) وأعله بالإرسال أيضًا، فالحاصل أنه مرسل لا يثبت.
٥٢٢ - [وَعَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ◌َهِ يَمْسَحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ عَلَى ظَاهِرِهِمَا(١). رَوَاهُ
التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُد].
(وَعَنْهُ) أي: المغيرة ﴾ (أَنَّهُ قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ◌َِّ يَمْسَحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ عَلَى
ظَاهِرِهِمَا) ومنه أخذ أئمتنا ما اتفقوا عليه من أنه لا بد في المسح من أن يكون
بظاهر أعلى الخف، مما يحاذي فرض الغسل، فلا يكفي مسح شيء من باطنه، وهو ما
يلاقي بشرة الرجل ولا ما يحاذي محل الفرض ولا أسفله وحرفه وعقبه؛ إذ لم يرد
الاقتصار على شيء من هذه، كما ورد الاقتصار على الأعلى فيقتصر عليه وقوفًا على
محل الرخصة لعبد العباس فيه (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) وحسنه (وَأَبُو دَاوُد).
٥٢٣ - [وَعَنْهُ قَالَ: تَوَضَّأَ النَّبِيُّ ◌َّهِ وَمَسَحَ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ وَالتَّعْلَيْنِ(٢). رَوَاهُ أَحْمَدُ
وَالِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدٍ وَابْنُ مَاجَه].
(وَعَنْهُ قَالَ: تَوَضَّأَ الشَّيُّ ێ( وَمَسَحَ عَلَى الجَوْرَبَيْنِ) شبه جورب وهو: ما يلبس
مع الكعب، ومنه خفاف الفقهاء والقضاة التي يلبس في النعال والتواسيم (وَالتَّعْلَيْنِ)
أي: الملبوسين فوق الجوربين كما قاله الخطابي، واختلفوا في المسح على الجوربين فأجازه
الثوري وأحمد وإسحاق وضعفه الشافعي ومالك والأوزاعي ولا حجة في هذا الحديث؛
لأنه ضعيف كما يأتي، وبتقدير صحته هو ردّ لم يقتصر على مسحهما، بل ضم إليها
مسح النعلين فعلى مدعي جواز الاقتصار على مسحهما الدليل (رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ
وَأَبُو دَاوُدٍ وَابْنُ مَاجَه).
قال أئمتنا: وتصحيح الترمذي محمول بعد تصحيح تسليم صحته، وإلا
فقد ضعفه أعلام أئمة الحديث المقدم كل منهم لو انفرد فضلاً عن جميعهم
(١) أخرجه الترمذي (٩٨).
(٢) أخرجه الترمذي (٩٩)، وأحمد (١٨٦٩٨)، وأبو داود (١٥٩)، وابن ماجه (٦٠٣)، وابن حبان
(١٦٧).

٤٠٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثاني
على الترمذي على المنتعل بجلد بحيث يمكن متابعة المشي عليه قاله جمع محققون
من أصحابنا، بل نقله الفوراني عن الأصحاب وكونه منعلاً بجلد ليس بشرط،
بل الشرط إمكان متابعة المشي عليه لكن أنها لا يمكن إلا في الجورب إلا إذا نعل
بجلد.
(الفصل الثالث)
٥٢٤ - [عَنِ الْمُغِيرَةِ قَالَ: مَسَحَ رَسُولُ اللهِوَ﴿ عَلَى الْخُفَّيْنِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله
فَسِيتَ؟ قَالَ: بَلْ أَنْتَ نَسِيتَ بِهَذَا أَمَرَنِي رَبِّي وَ(١) . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد].
(عَنِ الْمُغِيرَةِ قَالَ: مَسَحَ رَسُولُ اللهِ وَّهُ عَلَى الْخُفَّيْنِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله
فَسِيتَ؟ قَالَ: بَلْ أَنْتَ فَسِيتَ) أي: إني مشرع فنسيت النسيان الخطأ وأوتر للمشاكلة،
وفيه جواز النسيان على الأنبياء، وفعله في غير ما أمروا بتبليغه، أما هذا فهم
معصومون من النسيان فيه (بِهَذَا) أي: مسح الخفين (أَمَرَنِي رَبِّي وَكَ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو
داود) وسنده حسن.
٥٢٥ - [وَعَنْ عَلَىِّ ﴿ أَنَّهُ قَالَ: لَوْ كَانَ الدِّينُ بِالرَّأْيِ لَكَانَ أَسْفَلُ الْخُفِّ أَوْلَى
بِالْمَسْجِ مِنْ أَعْلَاهُ، وَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ وَ يَمْسَحُ عَلَى ظَاهِرٍ خُفَّيْهِ(٢). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدِ،
وَلِلدَّارِمِيِّ مَعْنَاه].
(وَعَنْ عَلىّ ﴾ أَنَّهُ قَالَ: لَوْ كَانَ الدِّينُ بِالرَّأَي) أي: بمجرد العقل من غير نظر إلى
الأتباع، وإلا قيد بالنبي وَّهِ (لَكَانَ أَسْفَلُ الْخُفِّ أَوْلَى بِالْمَسْجِ مِنْ أَعْلَاهُ) لأن المسح
طهارة، وهي لما تباشره الأقذار والأوساخ أكثر أولى.
ولا شك أنها تباشر أسفل الخف أكثر من أعلاه، فكان أسفله أحق بالتطهير
لكن الدين ليس بالرأي، بل مداره على أتباعه وَ له وهو إنما مسح الأعلى واقتصر عليه
كما دل على ذلك قول علي: (وَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ الله ◌ِ وَهِ يَمْسَحُ عَلَى ظَاهِرِ خُفَّيْهِ) فدل
(١) أخرجه أحمد (١٨٧١٢)، وأبو داود (١٥٦)، والبيهقي في ((سننه)) (١٣٣١)، والطبراني (١٧٣٧٧).
(٢) أخرجه الدارمي (٧١٥)، وأبو داود (١٦٢)، والطحاوي (٣٥/١)، والدارقطني (٤).

٤٠٣
كتاب الطّهارة/ باب المسح على الخفين
ذلك على أنه لا يجوز الاقتصار على مسح الأسفل
وقوله: ((على ظاهر خفيه» مراده به على ظاهرهما كما يدل عليه سياق كلامه،
وإلا لجاز المسح على الأسفل لشمول الظاهر، وله قوله: ((لو كان الدين بالرأي إلى آخره))
صريح في امتناع مسح الأسفل، فتعين أن مراده بظاهر خفيه؛ أي: على ظاهرهما (رَوَاهُ
أَبُو دَاوُد، وَللدَّارِمِيِّ مَعْنَاه) وسنده حسن.

(باب التيمم)
هو لغة: القصد، وشرعًا: إيصال التراب إلى الوجه واليدين بشرائط مخصوصة،
والأصل فيه قبل الإجماع: آية المائدة والأخبار الآتية، وفرض سنة ست، وقيل: أربع،
وقيل: خمس، وقيل: بعد سنة سبع، لخبر ابن أبي شيبة من أبي هريرة لما نزلت آية التيمم
((لم أدر كيف أصنع)) وإسلامه في السنة السابعة اتفاقًا.
وقيل: نزلت عام الفتح وعلى الأخيرين ففرضه كان في غزوة لبني المصطلق كما
نقله الشافعي # عن عدة من أهل العلم بالمغازي، ولا ينافيه قول غيره في غزوة
المريسيع؛ لأنها هي كما في البخاري؛ إذ هو ما كانوا عليه قريب الساحل وهو رخصة،
وقيل: عزيمة، وإنما الرخصة إسقاط القضاء به فعلي، ألا يلزم العاصي بسفره عند فقد
الماء أو المرض التيمم والإعادة، وهو من خصائص هذه الأمة بالإجماع، وأجمعوا على أنه
مختص بالوجه والیدین، وإن کان الحدث أکبر.
(الفصل الأول)
٥٢٦ . [عَنْ حُذَيْفَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَيِ: فُضِّلْنَا عَلَى النَّاسِ بِثَلَاثٍ:
جُعِلَتْ صُفُوفُنَا كَصُفُوفِ الْمَلَائِكَةِ، وَجُعِلَتْ لَنَا الأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدًا، وَجُعِلَتْ تُرْبَتُهَا
لَّنَا طَهُورًا إِذَا لَمْ تَجِدِ الْمَاءَ (١). رَوَاهُ مُسْلِمْ].
(عَنْ حُذَيْفَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وََّ: فُضِّلْنَا عَلَى النَّاسِ) أي: جميع الأمم
السابقة (بِقَلَاثٍ) ليس فيه انحصار خصوصيات هذه الأمة في هذه الثلاث؛ لأنه ◌َله.
كانت تنزل عليه خصائص أمته شيئًا فشيئًا فيخبر عن كل ما نزل عليه عند إنزال بما
یناسبه.
(١) أخرجه مسلم (٥٢٢)، والنسائي في الكبرى (٨٠٢٢)، وابن خزيمة (٢٦٣)، وابن حبان (١٦٩٧)،
وأبو عوانة (٨٧٤)، والدارقطني (١٧٥/١)، والبزار (٢٨٤٥)، والطيالسي (٤١٨).
٤٠٤ -

٤٠٥
كتاب الطهارة/ باب التيمم
(جُعِلَتْ صُفُوفُنَا كَصُفُوفِ الْمَلَائِكَةِ) أي: حتى فتأهل لمزيد ما منحناه من
الإخلاص والإقبال على الله بسرائرنا وقطع العلائق عن الخلائق في سائر أحوالنا إلى
بلوغ أقصى مراتب المناجاة بين يدي الله تعالى، صافين كصفوف الملائكة المقربين
الذين أخبر تعالى عنهم بقوله عز قائلاً: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُونَ * وَإِنَّا لَنَحْنُ
المُسَبِّحُونَ﴾ [الصافات: ١٦٥ - ١٦٦].
(وَجُعِلَتْ لَنَا الأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدًا) أي: قابلة لصحة السجود فيها فلا تتقيد
صحة صلاتنا وسجودنا بمحل منها مسجدًا أو غيره بخلاف من قبلنا، فإن صحة ذلك
مقيدة عندهم بالبيع والكنائس، وفي هذا من المنة علينا ما لا يخفى وقعه (وَجُعِلَتْ
تُرْبَتُهَا لَنَا طَهُورًا إِذَا لَمْ تَجِدِ الْمَاءَ) بخلاف بقية الأمم فإنهم ممنوعون من التطهير
بالتراب مطلقًا، ووجه المنة في هذا أن الله تعالى وسع لنا بجواز تطهيرنا بذلك طرق
العبادات، وأهلنا به لشهود سوابغ المناجاة، وأولئك أبعدهم عن ذلك ولم يؤهلهم إلى
دخول هذه المسالك، ثم في الامتنان يجعل التراب طهورًا.
المحمود عليه رواية وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا؛ لأن المفسر يقضي على
المجمل والمستلزم لسلب الطهورية عما عداه من أجزاء الأرض، وإلا لفات الامتنان
وكان ذكر التراب حثوا لا معنى له سيما في رواية مسلم الأخرى جعلت لنا الأرض كلها
مسجدًا وتربتها طهورًا، وكلام النبوة ينزه عن مثل ذلك، والاستدلال بمفهوم اللقب
حجة عند القرينة.
كما مرَّ صرح به الغزالي وهي هنا تخصيص بعض أجزاء الأرض بعد ذكرها
وتأكيدها بكل، وكون السياق للامتنان؛ إذ سياقه يقتضي بكثير ما يمتن به
فالاقتصار مع ذلك على التراب قرينة واضحة على اختصاصه بالحكم دليل واضح لما
ذهب إليه الشافعي ه ومن وافقه من الصحابة الذين فسروا الصعيد الطيب في الآية
بالتراب الطاهر، ومن بعدهم أنه لا يجوز التيمم إلا بتراب طاهر طهور، وإن كان مما
يتداوى به كالطين الأرضي أو كان تراب أرض إن أخرجه من نحو مدر إلا خشب أو

٤٠٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثاني
سحًا إن لم يعمله ملحًا بخلاف غير التراب كالرمل الصرف، والذي فيه غبار وهو
ناعم؛ لأنه حينئذ يمنع لصوق التراب بالعضو بخلاف الخشن، ومن ثم أقر خلط
التراب بنحو دقيق، وإن قلة بخلاف خليط الماء القليل.
وافهم قوله وَله: ((إذا لم تجد الماء» أنه لا بد في صحة التيمم من فقد الماء حسًّا
كأن لم يجد الماء بالكلية بأن طلبه على التفصيل المذكور في كتب الفقه؛ إذ لا يسمى
فاقدًا إلا إذا طلب فلم يجد، أو شرعًا كأن تيقنه، وبينه وبينه أكثر من نصف فرسخ
فلا يلزمه السعي إليه، وإن اتسع الوقت وكأن وجده وبه مرض أو نحوه أو هو محتاج إليه
العطش نفسه أو محترم من أهل قافلته أو حيوان مع أحد منهم، وإن كثرت سواء كان
العطش حالاً أو مستقبلاً، ففي هذه الصورة يحرم عليه التطهر بالماء لما فيه من
الأضرار، ويلزمه التيمم.
ويقع للكثير من الجهلة أنهم يتطهرون أو يستنجون بالماء، ومعهم في قافلتهم
عطشى وما درى الغبي أن ذلك حرام شديد التحريم؛ لأن للماء بدلاً، والنفوس لا
بدل لها (رَوَاهُ مُسْلِمٌ).
٥٢٧ - [وَعَنْ عِمْرَانَ ﴾ قَالَ: كُنَّا فِي سَفَرٍ مَعَ النَّبِيِّ ◌ََّ، فَصَلَّى بِالنَّاسِ، فَلَّمَا
انْفَتَلَ مِنْ صَلَاتِهِ إِذَا هُوَ بِرَجُلٍ مُعْتَزِلٍ لَمْ يُصَلِّ مَعَ الْقَوْمِ، فَقَالَ: مَا مَنَعَكَ يَا فُلَانُ أَنْ
تُصَلَّ مَعَ الْقَوْمِ؟ فَقَالَ: أَصَابَتْنِي جَنَابَةٌ وَلَا مَاءَ، قَالَ: عَلَيْكَ بِالصَّعِيدِ فَإِنَّهُ يَكْفِيكَ(١).
مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ].
(وَعَنْ عِمْرَانَ) ابن حصين (﴾ قَالَ: كُنَّا فِي سَفَرٍ مَعَ النَّبِيِّ ◌َهَ، فَصَلَّى بِالنَّاسِ،
فَلَّمَا انْفَتَلَ مِنْ صَلَاتِهِ) أي: سلم منها وأقبل على الناس بوجهه (إِذَا) للمفاجأة (هُوَ)
مبتدأ خبره (بِرَجُلِ مُعْتَزِلٍ) عن الناس (لَمْ يُصَلِّ مَعَ الْقَوْمِ) والجملة جواب لما أتى فلما
(١) أخرجه البخاري (٣٤١)، ومسلم (٦٨٢)، والنسائي في الكبرى (٣١٠)، وأحمد (١٩٩١٢)، والدارمي
(٧٤٣)، وابن أبي شيبة (١٦٦٠)، وابن خزيمة (٢٧١)، وأبو عوانة (٨٨٩)، والدار قطني (٢٠٢/١)،
والبيهقي (٨١٤)، وابن الجارود (١٢٢).

٤٠٧
كتاب الطّهارة/ باب التيمم
انفتل فاجأه رؤية رجل (فَقَّالَ) له النبي ◌َِّ: (مَا مَنَعَكَ يَا فُلَانُ أَنْ تُصَلِّ مَعَ الْقَوْمِ؟
فَقَالَ: أَصَابَتْنِي جَنَابَةٌ وَلَا مَاءَ، قَالَ: عَلَيْكَ بِالصَّعِيدِ) أي: التراب فسره به ابن عباس
وغيره فتیمم به.
(فَإِنَّهُ يَكْفِيكَ) أي: لصحة الصلاة به، ويسن فيه تعرض لوجوب القضاء ولا
لعدمه، فمن ثم فصل فيه الشافعي بين أن يكون بمحل الغالب فيه فقدان الماء، فلا
قضاء وإلا فالقضاء واحد.
وأخذ أبو حنيفة # بأحد مدلولي ، فلا يحتمل على أحد مدلوله إلا بدليل، والدليل
صريح فيما قلناه : وهو حديث مسلم السابق ، وحديث شرح السنة الآتي ، وأجاب بعض
أئمة مذهبه عن قوله تعالى: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] منه التصريح
في أن من للتبعيض، فلا يصح التيمم على صخر لا تراب عليه بأن من لابتداء الغاية، ورده
الزمخشري بأن هذا قول متعسف.
قال: ولا يفهم أحد من العرب من قول القائل: مسحت برأسي من الدهن، ومن
الماء ومن التراب إلا معنى التبعيض، والإذعان للحق أحق من المراء. انتهى (مُتَّفَقُّ
عَلَيْهِ).
٥٢٨ - [وَعَنْ عَمَّار قَالَ: جَاءَ رَجُلُّ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﴾ فَقَالَ: إِنِّي أَجْنَبْتُ
فَلَمْ أُصِبِ الْمَاءَ، فَقَالَ عَمَّارُ لِعُمَرَ: أَمَا تَذْكُرُ أَنَّا كُنَّا فِي سَفَرٍ أَنَا وَأَنْتَ، فَأَمَّا أَنْتَ فَلَمْ
تُصَلِّ، وَأَمَّا أَنَا فَتَمَعَّكْتُ فَصَلَّيْتُ، فَذَكَرْتُ لِلنَّبِيِّ نَّهِ فَقَالَ: إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ هَذَا،
فَضَرَبَ النَّبِيُّ ◌َّهِ بِكَفَّيْهِ الأَرْضَ، وَنَفَخَ فِيهِمَا ثُمَّ مَسَحَ وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ(١). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ،
ومسلم نحوه، وَفِيهِ قَالَ: إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ أَنْ تَضْرِبَ بِيَدَيْكَ الأَرْضَ ثُمَّ تَنْفُخَ ثُمَّ
تَمْسَحَ بِهِمَا وَجْهَكَ وَكَفَّيْكَ].
(وَعَنْ عَمَّار) ابن ياسر ◌ّ (قَالَ: جَاءَ رَجُلُ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﴾، فَقَالَ: إِنَّ
(١) أخرجه البخاري (٣٣٨)، ومسلم (٨٤٦)، وأبو داود (٣٢٢)، والنسائي (٣١٤)، وأحمد (١٨٨٢٧)،
وابن ماجه (٦١٢)، والبيهقي (١٠٤٣).

٤٠٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثاني
أَجْتَبْتُ فَلَمْ أُصِبِ الْمَاءَ، فَقَالَ عَمَّارُ لِعُمَرَ: أَمَا تَذْكُرُ أَنَّا كُنَّا فِي سَفَرٍ أَنَا وَأَنْتَ) أي:
فأجنبنا (فَأَمَّا أَنْتَ فَلَمْ تُصَلِّ) وكان عذره أنه لا يعلم الحكم، ولم يتيسر له سؤال
رسول الله صل﴾ إذ ذاك.
(وَأَمَّا أَنَا فَتَمَعَّكْتُ) أي: تمرغت من تمعكت الدابة؛ أي: تقلبت في التراب
(فَصَلَّيْتُ، فَذَكَرْتُ لِلنَّبِيِّ ◌َ فَقَالَ: إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ هَذَا) فيه كالذي قبله أن التيمم
يكون بدلاً عن غسل أعضاء الوضوء في حق المحدث حدثًا أصغر، وعن غسل جميع
البدن في حق المحدث حدثًا أكبر، والميت عند العجز عن استعمال الماء وعن غسل
لمعة من بدن الجنب أو أعضاء الوضوء إذا عجز عن استعمال الماء فيها فقط (فَضَرَبْ
الشَّبِيُّ ◌ََّ بِكَفَّيْهِ الأَرْضَ، وَنَفَخَ فِيهِمَا) أي: لنفخ الغبار منهما لئلا تتشوه الخلقة به.
ومنه أخذ الشافعي # أنه يسن للمتيمم تخفيف الغبار من يديه ولو بنفخهما
بعد ضربهما (ثُمَّ مَسَحَ وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ) ظاهره أن الضربة واحدة، وبه أخذ أئمتنا تبعًا
لجمع من الصحابة والتابعين، فقال: لا يشترط ضربتان، بل تكفي ضربة واحدة بنحو
خرقه للوجه واليدين، لكن الأصح عندهم كأكثر العلماء أنه لا بد من ضربتين
مطلقًا، لخبري أبي داود والحاكم ((التيمم ضربتان ضربة للوجه وضربة لليدين))
وأخذوا به، وإن أعلا بالوقف والضعف؛ لأن القياس يعضده؛ إذ هو بدل فالأصل فيه
أن يحاكي البدل، ولأنه أحوط.
وأجيب عن حديث المتن بأن المراد صورة الضرب للتعليم لا بيان جميع ما
يحصل به التيمم، وظاهره أيضًا أنه يكتفي بمسح اليدين إلى الكوعين، وبه قال
الشافعي في ((القدیم)».
قال النووي وهو الأقرب إلى ظاهره: السنة الصحيحة، ومن ثم قال الخطابي:
الاقتصار على الكفين أصح رواية، ووجوب مسح الذراعين أشبه بالأصول، وأصح في
القیاس. انتهى.
أي: لأنه بدل فأُعطي حكم مبدله، وبه يعتضد الخبر الوقوف على ابن عمر:

٤٠٩
كتاب الطّهارة/ باب التيمم
((التيمم ضربتان، ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى المرفقين)) ويعضده أيضًا أن عمار
أفتى بخلاف ما دل عليه مرويه من الاقتصار على الكفين على أن الشافعي صحح خبر
ابن عمر، وأجاب عن قديمه له في ((الجديد)) على خبر عمار في الأصح منه بأن ذاك
أشبه بالقرآن والقياس؛ إذ بدل الشيء يكون مثله، وظاهر العطف بالواو، وأن
الترتیب بین الوجه واليدين لا يشترط.
والصحيح عندنا اشتراطه قياسًا على الوضوء؛ لأنه أصله (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَمُسْلِم
تَحْوه، وَفِيهِ قَالَ: إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ أَنْ تَضْرِبَ بِيَدَيْكَ الأَرْضَ ثُمَّ تَنْفُخَ ثُمَّ تَمْسَحَ بِهِمَا
وَجْهَكَ وَكَفَّيْكَ).
وفي رواية البخاري: أن تقول بيدك هكذا ثم ضرب بيده الأرض مرة واحدة، ثم
نفضها ثم مسح الشمال على اليمين، وظاهر كفيه ثم وجهه وهي صريحة في عدم
الترتيب لولا احتمال أن الواو فيها بمعنى ثم، ويؤيده ما تقرر أنه بدل فأعطي حكم
مبدله من وجوب الترتیب فیه.
٥٢٩ - [وَعَنِ أَبِي الْجُهَيْمِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ الصِّمَّةِ قَالَ: مَرَرْتُ عَلَى النَّبِيِّ نَّهِ وَهُوَ
يَبُولُ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَرُدَّ عَيَّ حَتَّى قَامَ إِلَى جِدَارٍ، فَحَتَّهُ بِعَصًا كَانَتْ مَعَهُ، ثُمَّ وَضَعَ
يَدَه عَلَى الْجِدَارِ فَمَسَحَ وَجْهَهُ وَذِرَاعَيْهِ ثُمَّ رَدَّ عَلَيَّ(١). وَلَمْ أَجِدْ هَذِهِ الرِّوَايَة فِي
(الصَّحِيحِين)) وَلَا فِي كِتَابِ الْحَمِيدِي، وَلَكْن ذَكَرَهَا فِي ((شَرْحِ السُّنَّة))].
(وَعَنِ أَبِي الْجُهَيْمِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ الصِّمَّةِ قَالَ: مَرَرْتُ عَلَى النَّبِيِّ لَ﴿ وَهُوَ يَبُولُ
فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَّ حَتَّى قَامَ إِلَى حِدَارٍ) يؤخذ منه جواز رد السلام بعد تخلل
فصل بسكوت، سيما إن كان لمصلحة إيقاعه على المحال الكامل، وهو الطهر يشترط
كونه يسيرًا بخلاف تخلل الفصل بكلمة أجنبية، فإنه لا يغتفر في البيع المشترط فيه
القبول على الفور، كما اشترطوا في الرد كونه على الفور أخذًا من كونهم اغتفروا
(١) أخرجه البيهقي في ((سننه)) (١٠٢٩).

٤١٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثاني
الفصل بسكون يسير لا بكلام.
وإن قل وفرقوا بأن الأول لا يقطع وجوب التخاطب العرفي بينهما، بل يسميان
معه متخاطبين بخلاف الثاني، فكذا يقال هنا: (فَحَتَّهُ بِعَصًا كَانَتْ مَعَهُ) أي: حتى
يتولد منه تراب يعلق بيديه عند ضربه عليه للتيمم، وفيه أوضح دلالة على أنه لا بد
من التراب، وأنه لا يكفي الضرب على جدار لا غبار عليه، ثم الظاهر أن ذلك الجدار
إما كان له ◌َ﴾ أو لأحد من أصحابه، وهو يعلم رضاه لقوله {وَله: ((لا يحل مال امرئ
مسلم إلا عن طيب نفس))(١) ومن ثم قال أئمتنا يحرم ترتيب الكتاب من جدار الغير،
ويحرم التميم من أرض الغير الذي لم يعلم رضاه، أو بتراب المسجد.
(ثُمَّ وَضَعَ يَدَه) وفي نسخة: يديه (عَلَى الْجِدَارِ فَمَسَحَ وَجْهَهُ وَذِرَاعَيْهِ) أي: مع
مرفقيه (ثُمَّ رَدَّ عَلَّ) السلام (وَلَمْ أَجِدْ هَذِهِ الرَّوَايَة) بهذا السياق (في ((الصَّحِيحِين)) وَلَا
فِي كِتَابِ الْحَمِيدِي، وَلَكْن ذَكَرَهَا فِي (شَرْجِ السُّنَّة))) من طريق الشافعي عن
إبراهيم بن یحیی بسنده.
(الفصل الثاني)
٥٣٠ - [عَنْ أَبِ ذَرِّ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَيِّ: إِنَّ الصَّعِيدَ الطَّيِّبَ وَضُوءُ
الْمُسْلِمِ، وَإِنْ لَمْ يَجِدِ الْمَاءَ عَشْرَ سِنِينَ، فَإِذَا وَجَدَ الْمَاءَ فَلْيُمِسَّهُ بَشْرَهُ فَإِنَّ ذَلِكَ خَيْرُ(٢).
رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدٍ وَرَوَى النَّسَائِيُّ تَحْوَه إِلَى قَولِهِ: ((عَشْرَ سِنِينَ))].
(عَنْ أَبِي ذَرّ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَيْهِ: إِنَّ الصَّعِيدَ الظَّيِّبَ) وهو التراب
الطاهر كما فسره ابن عباس وغيره (وَضُوءُ الْمُسْلِمِ) بفتح الواو؛ أي: كالماء الذي يتوضأ
به في إباحته الصلاة ونحوها (وَإِنْ لَمْ يَجِدِ الْمَاءَ عَشْرَ سِنِينَ) أي: مبالغة لا تجديد أو
منافاة فيه لمذهبنا إنه لا يباح بالتميم من الفروض العينية إلا فرض واحد سوى الذي
(١) تقدم تخريجه.
(٢) أخرجه عبد الرزاق (٩١٣)، وأحمد (٢١٤٠٨)، والترمذي (١٢٤) وقال: حسن صحيح، وابن حبان
(١٣١٣)، والدار قطني (١٨٧/١)، والحاكم (٦٢٧) وقال: صحيح، والبيهقي (٩٦١).

٤١١
كتاب الطّهارة/ باب التيمم
نواه وغيره؛ لأن معنى ذلك كالرواية الصحيحة: ((الصعيد الطيب وضوء المسلم ما لم
يجد الماء»(١) عند جميع العلماء إنه يستبيح بالتميم صلاة بعد صلاة بتميمات وأن
استمر ذلك عشر سنين حتى يجد الماء.
ودليلنا قوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ﴾ إلى قوله: ﴿فَتَيَمَّمُوا﴾ [المائدة: ٦] إذ
هو يقتضي وجوب الطهر لكل صلاة خرج الوضوء بالسنة، فيبقى التميم على مقتضاه،
وصحَّ عن ابْنِ عُمَر - رَضِي اللهُ عَنهُمَا - أنه قال: ((يتيمم لكل صلاة وإن لم يحدث)).
قال البيهقي: ولا نعرف له مخالف من الصحابة، بل يعضده قول ابن عباس
- رضي الله عنهما - وأن يضعف سنده من السنة ألا يصلي بتميم واحد إلا فريضة
واحدة، ثم يحدث للثانية تيممًا.
وقول الصحابي: من السنة كذا في حكم المرفوع على الصحيح، وليس التيمم
الثاني للحدث بل لإباحة الفرض الثاني، فلم يلزم عليه أن الحدث الواحد أوجب
طهارتين.
قال صاحب ((الإيضاح)) من أئمتنا: ويلزم من جوز فرضين بتيمم أبي، كأبي
حنيفة وأحمد، رضي الله عنهما.
واختاره المتولي والروياني: أن يجوز التميم قبل الوقت؛ لأن التميم بالنسبة
للثانية وقع قبل الوقت وهو خلاف الإجماع. انتهى.
ويجاب عنهم بأنه للثانية وقع تبعًا لا استقلالاً فلا يرد عليهم ذلك (فَإِذَا وَجَدَ
الْمَاءَ فَلْيُمِسَّهُ) بضم أوله وكسر ثانية (بَشْرَهُ) هو ظاهر الجلد (فَإِنَّ ذَلِكَ خَيْرًّ) أي: من
الخيور فليس أفعل تفضيل للرواية الأخرى الصحيحة أنه و 8* قال لأبي ذر: ((التراب
كافيك وإن لم تجد الماء عشر حجج، فإذا وجدت الماء فأمسه جلدك))(٢) وهذا أمر وهو
للوجوب وبه يعلم أن من تميم لفقد الماء ثم وجده؛ أي: وإن قل أو كان بحدِّ القرب
(١) أخرجه أحمد (٢١٣٤٢)، وأبو داود (٣٣٣)، والدارقطني (١٨٧/١).
(٢) أخرجه بنحوه البيهقي (٨٨٠)، وعبد الرزاق (٩١٣).

٤١٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثاني
منه، وهو نصف فرسخ من غير مانع كعطش أو سبع بطل تيممه، وكذا لو توهمه لرؤية
نحو سراب أو سحاب مطبق أو ركب، ولا مانع بحد الغوث وهو غلوة سهم، وإن بان ألا
ماء.
ومن التوهم: أن يسمع إنسانًا يقول: عندي ما لفلان الغائب أو للعطش؛ لأنه لم
يذكر المانع إلا بعد التوهم بخلافه ما إذا قدمه، كعندي لفلان الغائب ما هذا كله إذا
لم يدخل في الصلاة، فإن دخل فيها لم يؤثر التوهم مطلقًا لقوة التيمم باتصاله
بالمقصود.
وأما الوجود: ففيه تفصيل وهو أنها إن كان لا يسقط فرضها بالتيمم لكون يتيمم
بمحل يغلب فيه وجود الماء بطلت أيضًا؛ لأنها لما وجب قضاؤها لم يكن لبقائه فيها
فائدة وإن كان يسقط فرضها بالتيمم؛ لكونه يتيمم بمحل الغالب فيه فقد الماء لم تبطل
لقوتها، لكنه إذا سلم منها بطل تيممه وأن تلف الماء؛ لأن بقاؤه إنما كان لاحترامها
وقد زال بانقضائها وقطعها عن اتساع الوقت ليتوضأ أفضل (رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو
دَاوُد) وسنده حسن بل صحيح (وَرَوَى النَّسَائِيُّ تَحْوَه إِلَى قَولِهِ: ((عَشْرَ سِنِينَ))).
٥٣١ - [وَعَنْ جَابِ﴾ قَالَ: خَرَجْنَا فِي سَفَرٍ فَأَصَابَ رَجُلاً مِنَّا حَجَرْ فَشَجَّهُ فِي
رَأْسِهِ فَاحْتَلَمَ، فَسَألَ أَصْحَابَهِ: هَلْ تَجِدُونَ لِي رُخْصَةً فِي التَيَمُّمِ؟ قَالُوا: مَا تَجِدُ لَكَ
رُخْصَةً وَأَنْتَ تَقْدِرُ عَلَى الْمَاءِ، فَاغْتَسَلَ فَمَاتَ، فَلَمَّا قَدِمْنَا عَلَى النَّبِيِّ ◌َِّ أَخْبِرَ بِذَلِكَ،
قَالَ: قَتَلُوهُ قَتَلَهُمُ اللهُ، أَلَا سَأَلُوا إِذَا لَمْ يَعْلَمُوا، فَإِنَّمَا شِفَاءُ الْعِيِّ السُّؤَالُ، إِنَّمَا كَانَ
يَكْفِيهِ أَنْ يَتَيَمَّمَ وَيَعْصِبَ عَلَى جُرْحِهِ خِرْقَةً، ثُمَّ يَمْسَحَ عَلَيْهَا وَيَغْسِلَ سَائِرَ جَسَدِهِ(١).
رَوَاهُ أَبُو دَاوُد].
(وَعَنْ جَابِرٍ﴾ قَالَ: خَرَجْنَا فِي سَفَرٍ فَأَصَابَ رَجُلاً مِنَّا حَجَرْ فَشَجَّهُ) أي: جرحه
(فِي رَأْسِهِ فَاحْتَلَمَ، فَسَألَ أَصْحَابَهِ: هَلْ تَجِدُونَ لِي رُخْصَةً فِي الَّيَمُّمِ؟ قَالُوا: مَا تَجِدُ لَكَ
(١) أخرجه أبو داود (٣٣٦)، وابن ماجه (٦١٥)، والدارقطني (٧٤٤)، والبيهقي في «سننه» (١١١٧).

٤١٣
كتاب الطّهارة/ باب التيمم
رُخْصَةً وَأَنْتَ تَقْدِرُ عَلَى الْمَاءِ، فَاغْتَسَلَ فَمَاتَ، فَلَمَّا قَدِمْنَا عَلَى النَّبِيِّ ◌َِّ أُخْبِرَ بِذَلِكَ،
قَالَ: قَتَلُوهُ) أي: بتكليفهم له باستعمال الماء مع وجود الجرح في رأسه (قَتَلَهُمُ اللهُ)
يؤخذ من جواز الدعاء على الجاني بمثل جنايته ولو من غير المجني عليه، وأن الإفتاء
بغير علم يتولد منه من الضرر ما لا يتدارك خطره.
ومن ثم ألحق بهم لير الوعيد الشديد بالدعاء عليهم بذلك، وأن المفتي لا قود
عليه ولا دية، وإن أفتى بغير الحق بل وإن تعمد ذلك، وفارق تعمد القاضي القتل بغير
حق فإنه يلزمه القود أو الدية بأن الإفتاء لا يخص شخصًا بعينه، فلم يتحقق من المفتي
ما يسمى جناية عرفًا وإن سماها شرعًا من حيث الإثم بخلاف القضاء، فإنه يختص
بالمحكوم عليه فتحققت الجناية العرفية عليه فلزمه موجبها من القود أو الدية.
ويؤيد ذلك قول أئمتنا: لا قود ولا دية على من روى حديثًا كذبًا قتل بسببه
إنسان، ولا على من قتل بعينه أو حاله؛ لأن ذلك كله لا يسمى جناية في العرف (أَلَا)
حرف تخصيص؛ أي: هلا (سَأَلُوا) أي: عن حكم تلك الواقعة (إِذَا) ظرف فيه معنى
التعليل بدليل رواية ((إذ» (لَمْ يَعْلَمُوا) أي: الحكم فيها ثم يفتون بعد ذلك (فَإِنَّمَا
شِفَاءُ الْعِيّ) أي: عدم الضبط والبيان وعابا صاحبه معاباة ألقى عليه كلامًا أو علمًا لا
يهتدي لوجهه (السُّؤَالُ) فيه استعارة الشفاء للإزالة استعارة مصرحة أو الغي للمرض
استعارة للكتابة ومطابقة معنوية؛ لأنه قوبل فيه الغي بعدم العلم، والمقابل الحقيقي
للغي الاهتداء، وللجهل العلم.
المعنى: لِمَ لم يسألوا حين لم يعلموا؟ إلا أن شفاء الجهال السؤال، أولم يسألوا
عن الشيء حين لم يهتدوا إليه؟ فإن شفاءه السؤال، وفيه أيضًا إشارة إلى غاية تقبيح
الجهل وإنه بمنزلة المرض المستحكم الذي لا ينجوا من صاحبه إلا إذا منح أعظم
الشفاء وأكمله، وإلى غاية مدحه العلم، وأنه للقلوب المريضة بالجهل بمنزلة الشفاء
للأبدان المريضة بالعلل، فلينظر العاقل ذلك لعله أن ينتصل عن الجهل ودواعيه
ومفاسده ما أمكنه.

٤١٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثاني
(إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيهِ أَنْ يَتَيَمَّمَ وَيَعْصِبَ عَلَى جُرْحِهِ خِرْقَةً، ثُمَّ يَمْسَحَ عَلَيْهَا
وَيَغْسِلَ سَائِرَ جَسَدِهِ) يؤخذ منه مسائل حاصلها مع ذكر ما يليق بها، أن من لم يبح له
التيمم أن يكون به علة، ثم هي قسمان:
أحدهما: غير جرح وكسر فإذا خاف حاضر أو مسافر لم يعصِ بسفره بمعرفة
نفسه، أو بقول طيب عدل رواية كعبد وامرأة، وكذا لو توهم الضرر كما قاله جماعة
من أئمتنا؛ لأن التيمم رخصة فلا يناسبه التشديد بالإقدام علي ما يتوهم من الضرر
من استعمال الماء تلف نفسه أو عضوه، أو منفعته أو حدوث مرض له وقع كوجع
ضرس لم يفرط ألمه أو بطء برأ، أو شيئًا فاحشًا كسواد في عضو ظاهر، وهو ما يظهر
في المهنة غالب كالوجه واليدين تيمم وصلى، ولا إعادة عليه إلا في صورة توهم الضرر؛
لقوله تعالى: ﴿وَإِن كُنتُم مَّرْضَى .. ﴾ [النساء: ٤٣] أي: وخفتم من استعمال محذورًا
فتيمموا، بقرينة تفسير ابن عباس، رضي الله عنهما: المرض بنحو الجرح والجدري، ولما
في استعمال الماء مع ذلك من الضرر، ولو خص الخوف من برد أو غيره محلاً من بدنه
غسل غيره، ويرتب الحدث دون الجنب كما لو وجد ماءً لا يكفيها، ويتمم الجنب
متى شاء والمحدث وقت غسل علیله.
ثانيهما: الكسر والانخلاع والجرح، فإذا احتاج لوضع أو بقاء جبيرة، أو لصوق
على ذلك وخشي من نزعها شيئًا مما مرَّ غسل ما لا ضرر عليه في غسله حتى ما تحت
أطرافها وتيمم عن غيره، خلافًا لأحمد وغيره فإن لم يخف من نزعها ذلك لزمه خلافًا
لما نقل عن الأئمة الثلاثة ﴾، وغسل ما أمكنه من جرحه وغيره وتیمم عما لا یمکنه،
ويلزمه مسح جميع الساتر بالماء متى شاء إن كان جنبًا أو حائضًا أو نفساء.
ووقت غسل العليل إن كان محدثًا، وإذا كان الساتر بمحل التيمم ندب له
مسحه بالتراب خروجًا من خلاف من أوجه، ويلزمه أن يضع الساتر على طهر، وألا
يستر من الصحيح ألا ما تعين للاستمساك، فإن خالف أحد هذين لزمه النزع فإن
خشي منه محذورًا لزمه القضاء، ويتعدد التيمم في حق المحدث بعدد العضو العليل

٤١٥
كتاب الطهارة/ باب التيمم
واليدان كعضو، ويسن جعلهما كعضوين ولا يلزم من لا ساتر بجرحه مسح موضع
العلة بالماء، وإن لم يضره.
وفارق الساتر بأنه قياس الخف ولا وضع ساتر ليمسح عليه ويتيمم، نعم يلزمه
إمرار التراب على موضع العلة، وأمكن حتى على أفواه الجرح (رَوَاهُ أَبُو دَاوُد).
٥٣٢ - [وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَه عَنْ عَطَاءِ بن أَبِي رَبَاجِ عَن ابْنِ عَبَّاسِ].
(وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَه عَنْ عَطَاءٍ بِن أَبِي رَبَاجِ عَن ابْنِ عَيَّاسِ).
قال النووي في ((مجموعه): وهو ضعيف اتفاقًا كخبر: إنه ◌َّ أمر عليًّا بالمسح
على الجبائر.
وقال غيره: رجاله ثقات. انتهى.
ويجمع بينهما بأن له طريق أخرى صحيحة، ومن ثم سكت أبو داود عليه
وصححه ابن السكن، وتنظير بعض أئمتنا في الاستدلال به بأنه لم ينقل أن هناك
جبيرة وضعت ليس في محله، فإن الحديث مصرح بأنها لو وضعت ومسح عليها أجزأ
فأي حاجة مع ذلك إلى أن ينقل وضعها، فأي وجه للاعتراض بنفيه؟
٥٣٣ - [وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﴾ قَالَ: خَرَجَ رَجُلَانِ فِي سَفَرٍ، فَحَضَرَت
الصَّلَاةُ وَلَيْسَ مَعَهُمَا مَاءً، فَتَيَمَّمَا صَعِيدًا طَيِّبًا، ثُمَّ وَجَدَا الْمَاءَ فِي الْوَقْتِ، فَأَعَادَ أَحَدُهُمَا
الصَّلَاةَ بِوُضُوءٍ، وَلَمْ يُعِدِ الْآخَرُ، ثُمَّ أَتَيَا رَسُولَ الله ◌َ﴿ فَذَكَرَا ذَلِكَ، فَقَالَ لِلَّذِي لَمْ يُعِدْ:
أَصَبْتِ السُّنَّةَ وَأَجْزَتْكِ صَلَاتُك، وَقَالَ لِلَّذِي تَوضَّأَ وَأَعَادَ: لَك الْأَجْرُ مَرَّتَيْنِ(١). رَوَاهُ أَبُو
دَاوُدٍ وَالدَّارِيُّ وَرَوَى النَّسَائِيُّ نَحْوَهُ].
(وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﴾ قَالَ: خَرَجَ رَجُلَانٍ فِي سَفَرٍ، فَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ
وَلَيْسَ مَعَهُمَا مَاءٌ، فَتَيَمَّمَا صَعِيدًا طَيِّبًا، ثُمَّ وَجَدَا الْمَاءَ فِي الْوَقْتِ، فَأَعَادَ أَحَدُهُمَا الصَّلَاةَ
بِوُضُوءٍ، وَلَمْ يُعِدِ الْآخَرُ، ثُمَّ أَتَيَا رَسُولَ اللهِهِ فَذَكَرَا ذَلِكَ، فَقَالَ لِلَّذِي لَمْ يُعِدْ: أَصَبْت
(١) أخرجه أبو داود (٣٣٨)، والدارمي (٧٦٩)، والنسائي (٤٣٦)، والبيهقي في ((سننه)) (١١٣٦).

٤١٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثاني
السُّنَّةَ وَأَجْزَأَتْكِ صَلَاتُك، وَقَالَ لِلَّذِي تَوَضَّأْ وَأَعَادَ: لَك الْأَجْرُ مَرَّتَيْنٍ) ومنه أخذ أثمتنا
إنه لا قضاء على ذي عذر عام وإن لم يدم كمسافر محدث أو جنب تيمم لفقد الماء
بمحل الغالب فيه فقده، وإن قصر سفره أو وجد الماء عقب سلامه، وأن اتسع الوقت.
وأخذ بعضهم منه أنه يندب قضاء الصلاة المفعولة مع العذر؛ لقوله ويتلهم: «الأجر
مرتين)) وهو أخذ ظاهر لو سلم الحديث من الطعن ولم يسلم، بل في الاحتجاج به
خلاف قوي كما يعلم مما يأتي، وأما قول أصحابنا لا يستحب الإعادة هنا مطلقًا؛ إذ لا
فضل للصلاة بالوضوء عليها بالتيمم، فينبغي حمله على ما إذا لم يكن في صحة الأولى
ووجوب قضائها خلاف، ولأصحابنا في مبحث ((القضاء على ذوي الأعذار)) تفصيل
طويل حاصله إنما كان في معنى ما في الحديث يسقط القضاء، وما لا فلا (رَوَاهُ أَبُو
دَاوُدْ وَالدَّارِييُّ وَرَوَى النَّسَائِيُّ نَحْوَهُ).
٥٣٤ - [وَقَدْ رَوَى هُو وَأَبُو دَاوُد أَيْضًا عَنْ عَطَاءَ بْنِ يَسَارِ مُرْسَلاً].
(وَقَدْ رَوَى هُو وَأَبُو دَاوُدْ أَيْضًا عَنْ عَطَاءُ بْنِ يَسَارِ مُرْسَلاً).
والحاصل إنه روي متصلاً ومرسلاً؛ فأما المتصل: فقال الحاكم: إنه على شرط
الشیخین.
وأما المرسل: فقد اعتضد بما صيره حجة كما بينه النووي في ((مجموعه)) بل قال
الحاكم: إن رواية الاتصال صحيحة على شرط الشيخين.
(الفصل الثالث)
٥٣٥ - [عَنْ أَبِي الْجُهَيْمِ بْنِ الْخَارِثِ بْنِ الصِّمَّةِ قَالَ: أَقْبَلَ النَّبِيُّ ◌َهِ مِنْ نَحْوِ بِثْرٍ
جَمَلٍ، فَلَقِيَهُ رَجُلُ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ النَِّيُّ ◌َّهِ حَتَّى أَقْبَلَ عَلَى الْجِدَارِ، فَمَسَحَ
بِوَجْهِهِ وَيَدَيْهِ، ثُمَّ رَدَّ عَلَيْهِ السَّلَامَ(١). مُتَّفَقَّ عَلَيْهِ].
(عَنْ أَبِيِ الجُّهَيْمِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ الصِّيَّةِ قَالَ: أَقْبَلَ النَّبِيُّ ◌َهُ مِنْ تَحْوِ بِثْرِ جَمَلٍ،
(١) أخرجه البخاري (٣٣٧)، ومسلم (٨٤٨)، وأحمد (١٨٠٠٤)، والنسائي (٣١٣)، والدارقطني
(٦٨٣)، وابن حبان (٨٦)، والبيهقي في «سننه)) (١٠٢٧).

٤١٧
كتاب الطّهارة/ باب التيمم
فَلَقِيَهُ رَجُلُ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ◌َ﴿) أي: السلام عليه (حَتَّى أَقْبَلَ
عَلَى الْجِدَارِ، فَمَسَحَ بِوَجْهِهِ وَيَدَيْهِ) يحتمل أن هذه الواقعة هي المذكورة قِبَل الفصل
الثاني وحينئذٍ فلا إشكال فيها لما ثبت في تلك أنه حت الجدار بالعصا حتى صار
عليه تراب، وإنها غيرها فتُحمل هذه على نظير تلك من أنه لم يتيمم على الجدار
نفسه بل بغبار عليه (ثُمَّ رَدَّ عَلَيْهِ السَّلَامَ) ومر ما في ذلك مستوفى (مُتَّفَقُ
عَلَيْهِ).
٥٣٦ - [وَعَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ ﴾ أَنَّهُ كَانَ يُحَدِّثُ أَنَّهُمْ تَمَسَّحُوا وَهُمْ مَعَ
رَسُولِ اللهِ ﴿ بِالصَّعِيدِ، فَضَرَبُوا بِأَكُفِّهِمُ الصَّعِيدَ، ثُمَّ مَسَحُوا وُجُوهَهُمْ مَسْحَةً وَاحِدَةً،
ثُمَّ عَادُوا فَضَرَبُوا بِأَكُفِّهِمُ الصَّعِيدَ مَرَّةً أُخْرَى فَمَسَحُوا بِأَيْدِيهِمْ كُلِّهَا إِلَى الْمَنَاكِبِ
وَالآبَاطِ مِنْ بُطُونِ أَيْدِيهِمْ(١). رَوَاهُ أَبُو دَاوُد].
(وَعَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ ﴾ أَنَّهُ كَانَ يُحَدِّثُ أَنَّهُمْ تَمَسَّحُوا) أي: تيمموا (وَهُمْ مَعَ
رَسُولِ اللهِ وَّهَ بِالصَّعِيدِ) أي: التراب الطاهر كما مرَّ (فَضَرَبُوا بِأَكُفِّهِمُ الصَّعِيدَ، ثُمَّ
مَسَحُوا وُجُوهَهُمْ مَسْحَةً وَاحِدَةً) يؤخذ منه أن التيمم يسن فيه عدم التثليث، وفارق
الوضوء بأن التثليث هذا يشوه الخلقة وشم يزيد في نقائها ونظافتها، ومن ثم قال جمع
من أئمتنا بكراهة التثليث هنا، ولم ينظروا إلى موجب ثلاث ضربات لمخالفته للسنة
الصحيحه، نعم لو احتاج لزيادة على ضربتين بأن لم يحصل الاستيعاب بهما لزمته
الزيادة عليهما.
(ثُمَّ عَادُوا فَضَرَبُوا بِأَكْفِّهِمُ الصَّعِيدَ مَرَّةً أُخْرَى فَمَسَحُوا بِأَيْدِيهِمْ كُلِّهَا) فيه أن
الترتيب بين الوجه واليدين كان هو المعروف المستقر فيما بينهم (إِلَى الْمَنَاكِبِ
وَالْآَبَاطِ) جمع إبط، وهو ما تحت الجناح يذكر ويؤنث (مِنْ بُطُونِ أَيْدِيهِمْ) وهذا محمول
عندنا على أنهم قاسوه على الوضوء في ندب إطالة التحجيل فيه، وهو غسل اليدين إلى
المنکبین والرجلین إلی الرکبتین.
(١) أخرجه أبو داود (٣١٨)، وابن ماجه (٦١٤).

٤١٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثاني
وبه أخذ أئمتنا فقالوا: يسن إمرار تراب الثانية إن كفى وإلا أخذ له ترابًا آخر
للحاجة إليه على العضدين سواء أبقي مرفقاهما أم قطعا كالوضوء، وخروجًا من خلاف
من أوجبه وأن حكى الإجماع على خلافه لا يقال: الخلاف إنما يراعى إذا لم يخالف سنة
صحیحه.
وقد صح الاقتصار على المسح للكوعين كما مر لأنا نقول: ذاك في الواجب وما
نحن فيه من السنة على أن ما كان جوابًا عن ذلك الذي صح فهو جواب لهذا الإشكال،
والقياس سن إطالة الغرة أيضًا كالوضوء، ولو قطعت يده من المنكب سن أن يمس محل
القطع ترابًا.
وما قررت به الحديث هنا أحسن مما سلكه الشارح الطيبي فتأمل (رَوَاهُ أَبُو
دَاوُد) وسنده حسن.

(باب الغسل المسنون)
(الفصل الأول)
٥٣٧ - [عَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِي اللهُ عَنهُمَا - قَالَ: قَالَ رَسُولِ اللهِوَلَ: إِذَا جَاءَ
أَحَدُكُمُ الْجُمُعَةَ فَلْيَغْتَسِلْ(١). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ].
(عَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِي اللّهُ عَنهُمَا - قَالَ: قَالَ رَسُول اللّه وَّ: إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمُ
الْجُمُعَةَ) قيل: الظاهر أنها فاعل على حد قوله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ﴾
[الأعراف: ١٣١]. انتهى.
وهو غفلة عن الرواية الأخرى، وهي: ((من أتى الجمعة من الرجال والنساء
فليغتسل، ومن لم يأتها فليس عليه غسل من الرجال والنساء)»(٢) وسندها صحيح.
وعما قاله أئمتنا أخذًا من هذه الرواية: ((إن غسل الجمعة لا يسن إلا لمن أراد
حضور صلاتها)» كما صرحت بها هذه الرواية بخلاف غسل العيد يسن لكل من أدرك
يومه وإن لم يرد صلاته، بل وإن امتنعت عليه كالحائض، وفرقوا بأن القصد في يوم
العيد ظهور الزينة فيسن لكل أحد بخلافه في يوم الجمعة، فإن القصد التنظيف حتى لا
يؤذي الحاضرين بريحه؛ إذ هذا هو أصل مشروعيته كما يأتي، فاختص بندبه بمزيد
الحضور لذلك.
وأما الفاعلية التي زعمها ذلك القائل فيلزم عليها ندب غسلها لكل من أدركه
يومها وهو من طلوع فجره، وإن لم يرد صلاتها وليس كذلك، فالصواب ليتفق
الروايتان أن الجمعة مفعول والتقدير: ((إذا أراد أحدكم المجيء إلى محل الجمعة))
(فَلْيَغْتَسِلْ) أمر للندب للوجوب عندنا كأكثر العلماء بدليل الحديث الآتي: «من توضأ
(١) أخرجه مالك (٢٣٠)، والبخاري (٨٧٧)، ومسلم (١٩٨٨)، وأحمد (٥٢٨٩)، والنسائي (١٣٨٧)،
والدارمي (١٥٨٨)، والبيهقي في ((سننه)) (١٤٥٦)، والطبراني (١٥٨).
(٢) أخرجه البيهقي (٥٨٦٩)، وابن خزيمة (١٦٥٦).
- ٤١٩ -

٤٢٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثاني
يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل))(١).
وأما خبر: ((غُسْلُ يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمِ))(٢) فالمراد بالوجوب فيه تأكد
الندب كما يأتي، ومن ثم كره تركه وإن لم يرد فيه نهي مقصود؛ لأن زيادة التأكيد في
الطلب يقوم مقام ذلك كما اقتضاه جمع أئمتنا في مسائل كثيرة منها قولهم: يكره ترك
شيء من سنن الصلاة؛ أي: المتأكدة الطلب لا مطلقًا؛ لأنه مخالف لقولهم شرط
الكراهة نهي مخصوص، فتأمل ذلك فإنه مهم (مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ).
٥٣٨ - [وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَل﴾: غُسْلُ يَوْمِ الْجُمُعَةِ
وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُخْتَلِمِ (٣). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ].
(وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌َّ: غُسْلُ يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ
عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمِ) أي: متأكد الندب على كل بالغ، وهو يطلق عليه مجاز شائعًا وقرينته
خبر ((فبها ونعمت ... إلخ)) وإنما أولنا ذلك بهذا ولم نعكس لما تقرر أن الوجوب يطلق
كثيرًا شائعًا على التأكد كما يقول الرجل لصاحبه: حقك واجب علي، وأما مدح
الاقتصار على الوضوء وجعل الغسل أفضل منه فلا يطلق ذلك مع فرض وجوب الغسل
مطلقًا، ومن ثم اتفق أئمتنا على الندب، وما قيل: إن للشافعي قولاً بالوجوب منازع فيه
بأن ذلك لم یثبت عنه.
وخص المحتلم؛ أي: العاقل بالذكر مع ندبه للصبي؛ لأنه غير مكلف، فهو وإن
لزم وليه أمره به ليس مخاطبًا به وإنما المخاطب به وليه ليتدرب عليه وعلى سائر
الواجبات والمندوبات، فبالغهما بعد بلوغه، وأخذ أئمتنا من قوله: ((غسل الجمعة)) إذ
(١) أخرجه الطيالسي (٢١١٠)، وَابْنُ ماجه (١٠٩١)، والطبراني في الأوسط (٨٢٧٢)، وعبد بن حميد
(١٠٧٧).
(٢) أخرجه البخاري (٨٢٠)، ومسلم (٨٤٦)، ومالك (٢٣٠)، والشافعي (١٧٢/١)، وأحمد (١١٥٩٥)،
والدارمي (١٥٣٧)، وأبو داود (٣٤١)، والنسائي (١٣٧٧)، وَابْنُ ماجه (١٠٨٩)، وابن الجارود
(٢٨٤)، وابن حبان (١٢٢٨).
(٣) تقدم تخريجه.